Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا.
وَبَيَانُ امْتِنَاعِ الْوَاسِطَةِ فِي ذَلِكَ: هُوَ أَنَّ الْكَلَامَ هَهُنَا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنَ النَّفْيِ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّرْكِيبِ الْإِسْنَادِيِّ الْإِفَادِيِّ، أَيْ: هِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جُزْءَيْنِ فَصَاعِدًا، أُسْنِدَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ لِلْإِفَادَةِ، كَقَوْلِنَا: الْقَوْمُ قِيَامٌ إِلَّا زَيْدًا، وَقَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا، وَمَا قَامَ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَكُلُّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى التَّرْكِيبِ الْإِسْنَادِيِّ الْإِفَادِيِّ ; فَهُوَ كَلَامٌ ; فَالْجُمْلَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ كَلَامٌ، وَكُلُّ كَلَامٍ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُثْبَتًا أَوْ مَنْفِيًّا ; لِأَنَّهُ لَابُدَ فِيهِ مِنْ مَحْكُومٍ بِهِ، وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ إِمَّا بِنَفْيٍ، أَوْ إِثْبَاتٍ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَقَامَ زَيْدٌ، وَمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، وَمَا قَامَ زَيْدٌ. وَإِذَا كَانَتِ الْجُمْلَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ الْإِفَادِيَّ، الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ، وَالْكَلَامُ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ، وَالْحُكْمُ مُنْحَصِرٌ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، كَانَتِ الْوَاسِطَةُ مَعَ ذَلِكَ فِي التَّرْكِيبِ الْإِفَادِيِّ مُحَالًا، وَإِذَا انْتَفَتِ الْوَاسِطَةُ، بَقِيَ الْمُسْتَثْنَى مِنَ النَّفْيِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا أَوْ مُثْبَتًا، وَقَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَنْفِيٍّ ; فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُثْبَتًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: " فَأَمَّا: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ. . . " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَذْكُرُهُ الْحَنَفِيَّةُ، مُسْتَدِلِّينَ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْبَاتًا، لَكَانَ قَوْلُهُ ﵇: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ،
стр. 1262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ يَقْتَضِي صِحَّةَ الصَّلَاةِ عِنْدَ وُجُودِ الطَّهُورِ، وَالنِّكَاحِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلِيِّ ; لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ نَفْيِ الصَّلَاةِ وَالنِّكَاحِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَكُمْ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ ; فَيَلْزَمُ مِنْهُ الصِّحَّةُ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ لِجَوَازِ تَخَلُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ وُجُودِ الطَّهُورِ، لِانْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ صِحَّةُ النِّكَاحِ مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَصْدُقُ عَلَى الْمُسْتَثْنَى فِيهِ بَعْدَ " إِلَّا " اسْمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ مَا قَبْلَهَا، أَوْ يَكُونُ مَا بَعْدَ " إِلَّا " جُزْءًا مِمَّا قَبْلَهَا، نَحْوَ: مَا قَامَ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ ; فَزَيْدٌ أَحَدٌ، وَمَا قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدٌ ; فَزَيْدٌ جُزْءٌ مِنَ الْقَوْمِ.
وَإِذَا عَرَفَتْ هَذَا ; فَالطَّهُورُ وَالْوَلِيُّ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا اسْمُ مَا قَبْلَهُمَا، وَلَا هُمَا جُزْءٌ مِنْهُ، إِذِ الطَّهُورُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ وَلَا جُزْئِهَا، وَالْوَلِيُّ لَيْسَ بِنِكَاحٍ وَلَا جُزْئِهِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ. لَيْسَ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ مِنْ بَابِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ " لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ "، فَالطَّهُورُ شَرْطُ الصَّلَاةِ، وَالْوَلِيُّ شَرْطُ النِّكَاحِ ; فَيَنْتَفِيَانِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وَجُودُهُمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1263
الثَّانِيَةُ: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» يُفِيدُ الْحَصْرَ، أَيْ: حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ فِي الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وَالْفِعْلِ فِي الْفَاعِلِ فِي الْفِعْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْمٍ خِلَافًا لِمُنْكِرِي الْمَفْهُومِ، وَهُوَ أَوْلَى.
الْأَوَّلُونَ: «إِنَّ» لِلْإِثْبَاتِ وَ «مَا» لِلنَّفْيِ ; فَأَفَادَا مُجْتَمِعَيْنِ مَا أَفَادَا مُنْفَرِدَيْنِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْمَذْكُورِ، وَنَفْيُ مَا عَدَاهُ. وَلِفَهْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ مِنْ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» . وَهُوَ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ «مَا» لَهَا أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ ; فَتَخْصِيصُ هَذِهِ بِالنَّافِيَةِ مِنْهَا تَحَكُّمٌ، ثُمَّ إِنَّ «مَا» هَذِهِ هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا كَافَّةٌ ; فَلَوْ كَانَتْ نَافِيَةً لَأَفَادَ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ
نَفْيَ طَلَبِ الْمَجْدِ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. وَلَاتَّحَدَتْ كَيْفِيَّةُ الْمُسْتَدْرَكِ وَالْمُسْتَدْرَكِ مِنْهُ بِلَكِنَّمَا، نَحْوَ: مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنَّمَا عَمْرٌو قَائِمٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَلِأَنَّ النُّحَاةَ قَالُوا: دَخَلَتْ «مَا» عَلَى «إِنَّ» كَمَا دَخَلَتْ «إِنَّ» عَلَى «مَا» فِي نَحْوِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ مُقَاصَّةً. فَالظَّاهِرُ اتِّحَادُهُمَا فِي الْحَرْفِيَّةِ.
سَلَّمْنَا، لَكِنَّ قَوْلَكُمْ: «أَفَادَا مُجْتَمِعَيْنِ مَا أَفَادَا مُنْفَرِدَيْنِ» ، مَنْقُوضٌ بِلَوْلَا، وَفَهْمُ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ لَعَلَّهُ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ مِنْ قِيَاسٍ، وَنَحْوِهُ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَهُ مُرْسَلٌ ; فَلَعَلَّ وَهْمًا دَخَلَهُ، وَمَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فَلْتَكُنْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ تَأْكِيدُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لَا لِنَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ.
ــ
الصُّورَةُ «الثَّانِيَةُ» مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي أَنْكَرَهَا مُنْكِرُو الْمَفْهُومِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا
стр. 1264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْهُ: الْحَصْرُ بِإِنَّمَا، نَحْوَ: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ; فَهُوَ «يُفِيدُ الْحَصْرَ» ، أَيْ: حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ فِي الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وَالْفِعْلِ فِي الْفَاعِلِ فِي الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ.
قُلْتُ: تَحْقِيقُ هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ إِنَّمَا لَا يَقَعُ بَعْدَهَا إِلَّا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وَالْجُمْلَةُ الْخَبَرِيَّةُ ; إِمَّا اسْمِيَّةٌ، نَحْوَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. أَوْ فِعْلِيَّةٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٨] ، وَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ إِنَّمَا جُمْلَةٌ إِسْمِيَّةٌ اقْتَضَتْ حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، كَالْوَلَاءِ فِيمَنْ أَعْتَقَ، وَالْأَعْمَالِ فِيمَا وَقَعَ بِالنِّيَّاتِ، وَزَيْدٍ فِي الْقِيَامِ فِي قَوْلِنَا: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ. وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، اقْتَضَتْ حَصْرَ الْفِعْلِ فِي الْفَاعِلِ، كَالْقِيَامِ فِي زَيْدٍ فِي قَوْلِنَا: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ.
وَمَعْنَى الْحَصْرِ: أَنَّ الْمُبْتَدَأَ لَا يَكُونُ مُتَّصِفًا إِلَّا بِالْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ صِفَةً لِغَيْرِهِ، نَحْوَ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ ; فَزَيْدٌ لَا يَتَّصِفُ إِلَّا بِالْقِيَامِ، وَإِنِ اتَّصَفَ بِالْقِيَامِ عَمْرٌو وَبَكْرٌ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ لَا يَتَّصِفُ بِهِ إِلَّا الْفَاعِلُ، وَإِنِ اتَّصَفَ الْفَاعِلُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ، نَحْوَ: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ ; فَالْقِيَامُ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي زَيْدٍ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْ زَيْدٍ ضَرْبٌ، وَقَتْلٌ، وَأَكْلٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ، فَإِذَا
стр. 1265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُرِفَ مَعْنَى الْحَصْرِ ; فَإِنَّمَا يَقْتَضِيهِ عِنْدَ قَوْمٍ، خِلَافًا لِمُنْكِرِي الْمَفْهُومِ، وَهُوَ أَوْلَى، يَعْنِي عَدَمَ اقْتِضَائِهَا الْحَصْرَ. هَكَذَا ظَهَرَ لِي فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَعَلَيْهِ تَرَتَّبَ الْبَحْثُ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْغَزَّالِيُّ، وَالْهَرَّاسِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَقْيِيدَ الْحُكْمِ بِإِنَّمَا، ظَاهِرٌ فِي الْحَصْرِ، مُحْتَمَلٌ فِي التَّأْكِيدِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْحَصْرِ، قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُونَ» ، أَيِ: احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ عَلَى دَعْوَى الْحَصْرِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «إِنَّمَا» مُرَكَّبَةٌ مِنْ «إِنَّ» وَ «مَا» ; فَـ «إِنَّ» لِلْإِثْبَاتِ، نَحْوَ: إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ، وَ «مَا» لِلنَّفْيِ، نَحْوَ: مَا زَيْدٌ قَائِمٌ ; فَأَفَادَا مُجْتَمِعَيْنِ، يَعْنِي بَعْدَ التَّرْكِيبِ، مَا أَفَادَا مُنْفَرِدَيْنَ، أَيْ: حَالَ إِفْرَادِهِمَا قَبْلَ التَّرْكِيبِ، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفِيدُ حَالَ تَرْكِيبِهَا مَا أَفَادَتْهُ حَالَ إِفْرَادِهِمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ ; فَيَجِبُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تُفِيدَ إِنَّمَا إِثْبَاتًا بِاعْتِبَارِ إِنَّ، وَنَفْيًا بِاعْتِبَارِ مَا. ثُمَّ لَا يَخْلُو ; إِمَّا أَنْ تُفِيدَ نَفْيَ الْمَذْكُورِ بَعْدَهَا، وَإِثْبَاتَ مَا عَدَاهُ، أَوْ إِثْبَاتَ مَا بَعْدَهَا، وَنَفْيَ مَا عَدَاهُ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِلَّا لَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِمَنْ عَدَا الْمُعْتِقِ، وَمِنْ قَوْلِنَا: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، أَنَّ الْقَائِمَ مَنْ عَدَا زَيْدٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْمَذْكُورِ، بَعْدَ إِنَّمَا وَنَفْيُ مَا عَدَاهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَصْرِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
стр. 1266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ. حَصْرَ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ لَا يُحَرِّمُ إِلَّا بَيْعَ الرِّبَوِيَّاتِ نَسِيئَةً، وَكَانَ يُجِيزُ التَّفَاضُلَ فِيهَا، حَتَّى سَمِعَ النُّصُوصَ فِي خِلَافِ ذَلِكَ ; فَرَجَعَ «وَهُوَ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ» ; فَيَكُونُ فَهْمُهُ لِلْحَصْرِ مِنْ إِنَّمَا حُجَّةً ; فَتَكُونُ لِلْحَصْرِ.
قَوْلُهُ: «وَالْجَوَابُ» ، يَعْنِي عَنِ الْوَجْهَيْنِ:
أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ: فَقَوْلُهُمْ: إِنَّ لِلْإِثْبَاتِ، قُلْنَا: نَعَمْ. قَوْلُهُمْ: وَمَا لِلنَّفْيِ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، وَمُسْتَنَدُ الْمَنْعِ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: «أَنَّ» مَا «لَهَا أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ» ، كَكَوْنِهَا صِلَةً، وَمَوْصُولَةً، وَنَافِيَةً، وَتَعَجُّبِيَّةً، وَشَرْطِيَّةً، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِهَا ; «فَتَخْصِيصُ هَذِهِ» يَعْنِي مَا فِي إِنَّمَا، «بِالنَّافِيَةِ» مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ «تَحَكُّمٌ» وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: «أَنَّ مَا هَذِهِ هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا كَافَّةٌ» ، أَيْ: لِتَكُفَّهَا عَنِ الْعَمَلِ فِيمَا بَعْدَهَا، وَتُهَيِّئَهَا لِلدُّخُولِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ، نَحْوَ: إِنَّمَا، وَكَأَنَّمَا، وَلَيْتَمَا، وَلَعَلَّمَا، وَلَكِنَّمَا، كَانَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ قَبْلَ دُخُولِ مَا عَلَيْهَا مُخْتَصَّةً بِالدُّخُولِ عَلَى الْأَسْمَاءِ، عَامِلَةً فِيهَا، نَحْوَ: إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ، وَلَعَلَّ عَمْرًا قَادِمٌ ; فَكَفَّتْهَا مَا عَنِ الْعَمَلِ، وَهَيَّأَتْهَا لِلدُّخُولِ عَلَى الْفِعْلِ، نَحْوَ: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ، وَلَعَلَّمَا قَدِمَ عَمْرٌو. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَا هَهُنَا هِيَ الْكَافَّةُ
стр. 1267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِ «إِنَّ» وَأَخَوَاتِهَا ; «فَلَوْ كَانَتْ نَافِيَةً» ، لَلَزِمَ مِنْهُ التَّنَاقُضُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَمْرَأَ الْقَيْسِ يَقُولُ:
وَلَوْ أَنَّمَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي وَلَمْ أَطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ الْمَالِ
وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي
فَلَوْ كَانَتْ مَا فِي «لَكِنَّمَا» نَافِيَةً، لَأَفَادَ قَوْلُهُ: وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ، أَنَّهُ لَا يَسْعَى لِلْمَجْدِ، وَيَصِيرُ تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنَّنِي مَا أَسْعَى لِمَجْدٍ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ مَا لِلنَّفْيِ، لَكِنَّ ذَلِكَ «مُنَاقِضٌ لِمَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ» ، أَمَّا مَا قَبْلَهُ ; فَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَوْ أَنَمَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ كَفَانِي، وَ «لَوْ» تَقْتَضِي امْتِنَاعَ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ ; فَاقْتَضَتْ هَهُنَا امْتِنَاعَ كِفَايَةِ الْقَلِيلِ مِنَ الْمَالِ لَهُ، لِامْتِنَاعِ سَعْيِهِ لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ أَدْنَى مَعِيشَةٍ. وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ ; فَهُوَ قَوْلُهُ: وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي ; فَهُوَ يُسَهِّلُ إِدْرَاكَ الْمَجْدِ عَلَى نَفْسِهِ، لِيُقْدِمَ عَلَى طَلَبِهِ، وَقِصَّتُهُ وَسِيَاقُ قَصِيدَتِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ; فَقَدْ لَزِمَ التَّنَاقُضُ الْمَذْكُورُ مَنْ جَعَلَ مَا فِي «لَكِنَّمَا» لِلنَّفْيِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلنَّفْيِ ; لِأَنَّ مَلْزُومَ
стр. 1268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَاطِلِ بَاطِلٌ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي «لَكِنَّمَا» ; ثَبَتَ فِي بَقِيَّةِ أَخَوَاتِهَا، وَمِنْهَا «إِنَّمَا» ; لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمْثَالِ وَاحِدٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ كَانَتْ مَا فِي «لَكِنَّمَا» لِلنَّفْيِ، «لَاتَّحَدَتْ كَيْفِيَّةُ الْمُسْتَدْرَكِ وَالْمُسْتَدْرَكِ مِنْهُ» ، «نَحْوَ: مَا قَامَ زَيْدٌ، لَكِنَّمَا عَمْرٌو قَائِمٌ» ; فَكَانَ يَلْزَمُ نَفْيُ الْقِيَامِ فِي زَيْدٍ وَعَمْرٍو، «وَهُوَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا» ; لِأَنَّ الْمُسْتَدْرَكَ وَالْمُسْتَدْرَكَ مِنْهُ يَجِبُ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْحُكْمِ، أَيُّهُمَا كَانَ مُثْبَتًا، كَانَ الْآخَرُ مَنْفِيًّا، نَحْوَ: مَا قَامَ زَيْدٌ ; لَكِنَّمَا عَمْرٌو قَائِمٌ ; فَقِيَامُ عَمْرٍو مُثْبَتٌ. وَقَوْلُهُمْ: قَامَ زَيْدٌ، لَكِنْ عَمْرٌو لَمْ يَقُمْ، قَدْ ظَهَرَ فِيهِ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ. وَلَوْ قُلْتَ: قَامَ زَيْدٌ، لَكِنْ عَمْرٌو لَمْ يَقُمْ، قَدْ ظَهَرَ فِيهِ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ. وَلَوْ قُلْتَ: قَامَ زَيْدٌ، لَكِنْ عَمْرٌو، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الِاسْتِدْرَاكَ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ عَمَّا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْحُكْمِ ; فَيَجِبُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُخْرَجِ وَالْمُخْرَجِ مِنْهُ. وَلِهَذَا قُلْنَا: الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَمِنِ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوْ كَانَتْ «مَا» فِي «إِنَّ» وَأَخَوَاتِهَا لِلنَّفْيِ، لَكَانَ قَوْلُنَا: لَيْتَمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، وَلَعَلَّمَا بَكْرٌ قَادِمٌ جَمْعًا بَيْنَ التَّمَنِّي أَوِ التَّرَجِّي وَالنَّفْيِ، وَهُوَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ النَّفْيَ خَبَرٌ لِاحْتِمَالِهِ التَّصْدِيقَ أَوِ التَّكْذِيبَ، وَالتَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي لَا يَحْتَمِلَانِ ذَلِكَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَاطِلٌ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنْ مُسْتَنَدِ الْمَنْعِ: «أَنَّ النُّحَاةَ قَالُوا» فِي إِنَّمَا: «دَخَلَتْ مَا عَلَى إِنَّ كَمَا دَخَلَتْ إِنَّ عَلَى مَا، فِي نَحْوِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [الْقَصَصِ: ٧٦] مُقَاصَّةً» ، أَيْ: كَمَا دَخَلَتْ إِنَّ عَلَى مَا ; اقْتُصَّ لِـ «مَا» مِنْهَا،
стр. 1269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَدَخَلَتْ مَا عَلَيْهَا ; فَقَالُوا: «إِنَّمَا» كَمَا قَالُوا: مَا إِنَّ، وَظَاهِرُ هَذَا «اتِّحَادُهُمَا» يَعْنِي اتِّحَادَ إِنَّ وَمَا فِي الْحَرْفِيَّةِ، أَيْ: فِي كَوْنِهِمَا حَرْفَيْنِ، إِذِ التَّسَاوِي وَالْمُكَافَأَةُ مِنْ شَرْطِ الْقِصَاصِ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي دَعْوَى الْخَصْمِ أَنَّهَا نَافِيَةٌ، إِذِ النَّافِيَةُ حَرْفِيَّةٌ أَيْضًا، وَلَكِنِّي سَهَوْتُ فِي إِيرَادِهِ.
قَوْلُهُ: «سَلَّمْنَا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: سَلَّمْنَا أَنَّ «مَا» فِي إِنَّمَا لِلنَّفْيِ، لَكِنَّ قَوْلَكُمْ: إِنَّ «إِنَّ» وَ «مَا» «أَفَادَا مُجْتَمِعَيْنِ مَا أَفَادَا مُنْفَرِدَيْنَ» ، مَمْنُوعٌ، وَهُوَ «مَنْقُوضٌ بِلَوْلَا» ; فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ «لَوْ» وَ «لَا» وَ «لَوْ» تَقْتَضِي امْتِنَاعَ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ، وَلَا تَقْتَضِي النَّفْيَ، ثُمَّ بَعْدَ التَّرْكِيبِ اقْتَضَتْ مَعْنًى ثَالِثًا، وَهُوَ امْتِنَاعُ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ - فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ التَّرْكِيبِ، وَنَحْنُ نَمْنَعُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، بَلْ إِنَّمَا حَرْفٌ وُضِعَ لِإِفَادَةِ الْإِثْبَاتِ الْمُؤَكَّدِ.
قَوْلُهُ: «وَفَهْمُ ابْنِ عَبَّاسٍ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِهِمُ الثَّانِي.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ فَهْمَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ حَصْرَ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ «- لَعَلَّهُ كَانَ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ» عَنِ الْحَدِيثِ، «مِنْ قِيَاسٍ» أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا احْتُمِلَ أَنَّهُ فَهِمَ الْحَصْرَ مَنْ لَفْظِ إِنَّمَا وَأَنَّهُ
стр. 1270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَهِمَهُ مَنْ غَيْرِهِ، لَمْ يَبْقَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْحَصْرِ ; لِأَنَّ احْتِجَاجَكُمْ بِفَهْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفَهْمُهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مُرْسَلٌ، كَمَا سَبَقَ فِي الْكَلَامِ عَلَى السُّنَّةِ، وَإِذَا كَانَ مُرْسَلًا ; «فَلَعَلَّ وَهْمًا دَخَلَهُ» فِي لَفْظِهِ حَتَّى حُرِّفَ وَتَغَيَّرَ. وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ تَضْعُفُ دَلَالَتُهُ جِدًّا.
قَوْلُهُ: «وَمَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ» يَعْنِي أَدِلَّةَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَصْرِ، أَوْ لَيْسَتْ لِلْحَصْرِ ; «فَلْتَكُنْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ» بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، «وَهُوَ تَأْكِيدُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ» بَعْدَهَا «لَا لِنَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ» لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، هَذَا تَوْجِيهُ مَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَاحْتَجَّ الْآمِدِيُّ عَلَى أَنَّهَا لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ أَيْضًا: بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْحَصْرِ، لَكَانَ وُرُودُهَا بِدُونِ: عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، لِقَوْلِهِ ﵇: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، وَلَمْ يُخَالِفْ رِبَا الْفَضْلِ إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ; فَكَانَ مُجْمِعًا عَلَيْهِ، وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لَا يَجُوزُ.
قَالَ: وَالْحَصْرُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الْكَهْفِ: ١١٠] ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ، لَا مِنْ إِنَّمَا.
قُلْتُ: حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لِلتَّوْكِيدِ، وَحَيْثُ أَفَادَتِ الْحَصْرَ ; فَمِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ الْآنَ: أَنَّ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهَا فِي غَالِبِ مَوَاقِعِهَا، وَالْمُتَبَادِرُ إِلَى أَفْهَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهَا، وَوَرَدَتْ مُفَسَّرَةً بِصَرِيحِ
стр. 1271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَصْرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هُودٍ: ١٢] ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٣] ، وَكَقَوْلِهِ ﵇: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﵊: لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
أَنَا الرَّجُلُ الْحَامِي الذِّمَارَ وَإِنَّمَا ... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِ أَنَا أَوْ مِثْلِي
فَحَصَرَ الْمُدَافَعَةَ عَنِ الْأَحْسَابِ فِيهِ، أَوْ فِي مِثْلِهِ، وَلِأَنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ لِلْحَصْرِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بِاتِّفَاقٍ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا مُعَارَضٌ بِأَنَّهَا وَرَدَتْ لِغَيْرِ الْحَصْرِ فِي مَوَاضِعَ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا وَرَدَتْ لِغَيْرِ الْحَصْرِ أَصْلًا، وَلَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ، لَكِنَّ الْحَصْرَ تَابِعٌ لِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْمُتَكَلِّمُ تَارَةً يُرِيدُ الْحَصْرَ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَتَارَةً مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ، وَبِبَعْضِ الِاعْتِبَارَاتِ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ:
مِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، أَيْ: بِاعْتِبَارِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ، إِذْ حَظُّهُ مِنْهُ الْإِنْذَارُ لَا غَيْرَ ; فَهُوَ ﵊ مَحْصُورٌ فِي كَوْنِهِ مُنْذِرًا، لَا وَصْفَ لَهُ غَيْرُ الْإِنْذَارِ، بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ ﵇ مَوْصُوفٌ بِالْبِشَارَةِ، وَالْعِلْمِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [النَّحْلِ: ٨٢] ،
стр. 1272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٩] ، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشُّورَى: ٤٨] ، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٣] ، لَكِنَّ الْحَصْرَ بِاعْتِبَارِ الْكُفَّارِ، وَكَوْنِهِ مُنْذِرًا لَهُمْ، وَإِلَّا فَالنَّظَرُ إِلَى كَوْنِهِ عَبْدًا مُكَلَّفًا، عَلَيْهِ سَائِرُ الْوَاجِبَاتِ الدِّينِيَّةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الْكَهْفِ: ١١٠] ، حَصَرَ نَفْسَهُ فِي الْبَشَرِيَّةِ، بِالنَّظَرِ إِلَى مَا سَأَلَهُ الْكُفَّارُ عَلَى جِهَةِ الْعَنَتِ مِنْ إِظْهَارِ الْآيَاتِ، وَإِيرَادِهِمْ عَلَيْهِ عَدَمَ إِحَاطَتِهِ بِالْمُغَيَّبَاتِ ; فَحَصَرَ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ فِي صِفَةِ الْبَشَرِيَّةِ، بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَقَامِ، أَيْ: لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْبَشَرِيَّةُ الصِّرْفَةُ، كَقَوْلِهِ لَمَّا سَأَلُوهُ الْآيَاتِ تَعَنُّتًا: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٠] ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٣] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٨] ، ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٩] ، وَنَحْوِهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِكَثِيرٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، كَالنُّبُوَّةِ، وَالرِّسَالَةِ، وَالْحُكْمِ، وَالْعِلْمِ، وَالْجُودِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النِّسَاءِ: ١٧١] ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ بِغَيْرِ الْوَحْدَةِ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْعُلَى الْكَثِيرَةِ، الَّتِي مِنْهَا التِّسْعَةُ وَالتِّسْعُونَ صِفَةً، الْمَشْهُورَةُ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَإِنَّمَا حَصَرَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ فِي صِفَةِ الْوَحْدَةِ، مِنْ جِهَةِ الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى الْمُثَلِّثَةِ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاءِ: ١٧١] ; فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ الْخَاصَّةِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ الْخَاصِّ، حَصَرَ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ فِي
стр. 1273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صِفَةِ التَّوْحِيدِ لَا مُطْلَقًا.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٦] ، حَصَرَهَا اللَّهُ فِي اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ لَا مُطْلَقًا، بَلْ بِاعْتِبَارِ مَنْ آثَرَهَا، وَجَرَّدَ لَهَا هَمَّهُ، وَصَرَفَ إِلَيْهَا هِمَّتَهُ ; فَإِنَّهَا فِي حَقِّهِ لَهْوٌ مَحْضٌ، وَلَعِبٌ صِرْفٌ، أَمَّا بِاعْتِبَارِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا، وَزَهَدَ فِيهَا، وَاتَّخَذَهَا قَنْطَرَةً يَعْبُرُ بِهَا إِلَى الْآخِرَةِ ; فَبَادَرَ فِيهَا إِلَى اكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ، وَفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ، وَتَجَرَّعَ فِيهَا الْغُصَصَ لِانْتِهَازِ الْفُرَصِ ; فَهِيَ فِي حَقِّهِ جِدٌّ صِرْفٌ، وَحَقٌّ مَحْضٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ; فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِنَّمَا وَرَدَتْ لِغَيْرِ الْحَصْرِ، حَتَّى تُجْعَلَ حَقِيقَةً فِيهِ.
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْآمِدِيُّ ; فَمُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْحَصْرِ، لَكَانَ وُرُودُهَا لِلْحَصْرِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1274
الثَّالِثَةُ: نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ : «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» ، وَ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ هَلْ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ أَمْ لَا؟ وَتَحْلِيلُهَا وَتَحْرِيمُهَا مُضَافٌ إِلَى ضَمِيرٍ عَائِدٍ إِلَى الصَّلَاةِ وَفِيهَا اللَّامُ ; فَالْكَلَامُ هُنَا كَذَلِكَ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَوْ أَعَمَّ مِنْهُ لَا أَخَصَّ ; فَلَوْ كَانَ التَّسْلِيمُ أَخَصَّ مِنْ تَحْلِيلِ الصَّلَاةِ لَخَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِ اللُّغَةِ.
ــ
الصُّورَةُ " الثَّالِثَةُ ": مِمَّا أَنْكَرَهُ مُنْكِرُو الْمَفْهُومِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْهُ " نَحْوَ قَوْلِهِ ﵇: الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَقَوْلِهِ ﵇ فِي الصَّلَاةِ: تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ، وَقَوْلِهِ ﵇: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَنَحْوِهُ، هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ أَمْ لَا؟ أَثْبَتَهُ الْغَزَّالِيُّ وَالْهَرَّاسِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، مَعَ أَنَّهُ فِي الْقُوَّةِ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَنَفَاهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
قَوْلُهُ: " وَأَصْلُهُ "، أَيْ: أَصْلُ النِّزَاعِ فِي ذَلِكَ أَوْ أَصْلُ الْحُكْمِ فِيهِ، يَعْنِي
стр. 1275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي دَلِيلِهِ " أَنَّ " الِاسْمَ " الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ " يَعْنِي لَامَ التَّعْرِيفِ " هَلْ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ أَمْ لَا؟ " ; فَمَنْ قَالَ: لَيْسَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ عِنْدَهُ الْحَصْرَ، وَصَارَ التَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: بَعْضُ الشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَبَعْضُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ.
وَمَنْ قَالَ: هُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَالْعُمُومَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: تَحْلِيلُهَا وَتَحْرِيمُهَا، مُضَافٌ إِلَى ضَمِيرٍ عَائِدٍ إِلَى مَا فِيهِ اللَّامُ، وَهُوَ الصَّلَاةُ فِي قَوْلِهِ ﵊: مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَالْمُضَافُ إِلَى ضَمِيرِ مَا فِيهِ اللَّامُ، مُضَافٌ إِلَى مَا فِيهِ اللَّامُ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ.
قَوْلُهُ: " فَالْكَلَامُ هُنَا كَذَلِكَ "، أَيِ: الْكَلَامُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَهُوَ: تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ كَذَلِكَ، أَيْ: كَالْمُضَافِ إِلَى مَا فِيهِ اللَّامِ، أَوْ كَالَّذِي فِيهِ اللَّامُ ; فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ، أَيْ: عُمُومُ الشُّفْعَةِ ثَابِتَةٌ فِي الْمَقْسُومِ، وَعُمُومُ الْأَعْمَالِ مُنْحَصِرَةٌ فِي الصِّحَّةِ، أَوِ الْكَمَالِ فِي الْوُقُوعِ بِالنِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: " وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: " وَقِيلَ: " إِنَّمَا أَفَادَ هَذَا الْحَصْرَ ; " لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ " - وَهُوَ الْخَبَرُ - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ - وَهُوَ الْمُبْتَدَأُ - أَوْ أَعَمَّ مِنْهُ، لَا أَخَصَّ.
مِثَالُ الْمُسَاوِي: قَوْلُنَا: الْإِنْسَانُ بَشَرٌ، وَالْحَيَوَانُ النَّاطِقُ إِنْسَانٌ، أَوِ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ.
стр. 1276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِثَالُ الْأَعَمِّ: قَوْلُنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ ; فَالْحَيَوَانُ هُوَ الْخَبَرُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ، وَهَذَانِ صَحِيحَانِ.
وَمِثَالُ الْأَخَصِّ: قَوْلُنَا: الْحَيَوَانُ إِنْسَانٌ ; فَهَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ مَحْكُومٌ بِهِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، وَشَأْنُ الْمَحْكُومِ بِهِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَالْحَيَوَانُ صَادِقٌ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ صَادِقًا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْحَيَوَانِ، إِذْ لَا يَصْدُقُ أَنَّ الْفَرَسَ، أَوِ الْجَمَلَ، أَوِ الطَّائِرَ، إِنْسَانٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ أَعَمَّ ; فَتَحْلِيلُ الصَّلَاةِ مُبْتَدَأٌ، وَالتَّسْلِيمُ خَبَرُهُ ; " فَلَوْ كَانَ التَّسْلِيمُ، الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ، أَخَصَّ مِنْ تَحْلِيلِ الصَّلَاةِ "، لَخَرَجَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ " عَنْ مَوْضُوعِ اللُّغَةِ "، وَدَلِيلِ الْعَقْلِ ; فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ التَّسْلِيمُ مُسَاوِيًا لِلتَّحْلِيلِ، أَوْ أَعَمَّ مِنْهُ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ، يَنْحَصِرُ التَّحْلِيلُ فِي التَّسْلِيمِ، انْحِصَارَ الْإِنْسَانِ فِي الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ فِي قَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، أَوِ انْحِصَارَهُ فِي الْحَيَوَانِ فِي قَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي التَّحْرِيمِ مَعَ التَّكْبِيرِ، وَالشُّفْعَةِ مَعَ مَا لَمْ يُقْسَمْ، وَالْأَعْمَالِ فِي الْمَنْوِيِّ، لِانْحِصَارِهَا فِيهِ انْحِصَارَ الْمُسَاوِي فِي مُسَاوِيهِ، أَوِ انْحِصَارَ الْأَخَصِّ فِي الْأَعَمِّ.
قُلْتُ: اعْلَمْ أَنِّي وَجَّهْتُ الْحَصْرَ فِي " الْمُخْتَصَرِ " فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِتَوْجِيهَيْنِ كَمَا قَرَّرْتُهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا تَوْجِيهٌ وَاحِدٌ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ:
стр. 1277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ، يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْخَبَرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمُبْتَدَأِ، أَوْ أَعَمَّ مِنْهُ.
وَتَقْرِيرُهُ عَلَى هَذَا: أَنَّ تَحْرِيمَهَا وَتَحْلِيلَهَا فِي حُكْمِ الْمُضَافِ إِلَى الْمُفْرِدِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ، وَالْمُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ ; فَكَذَا مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ ; فَتَحْرِيمُهَا وَتَحْلِيلُهَا مُبْتَدَأٌ عَامٌّ مُسْتَغْرِقٌ، وَالْمُبْتَدَأُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْخَبَرِ، أَوْ أَخَصَّ مِنْهُ، وَكُلُّ مُسَاوٍ لِشَيْءٍ، أَوْ أَخَصَّ مِنْ شَيْءٍ، يَجِبُ أَنْ يَنْحَصِرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ ; فَإِذَنِ التَّحْلِيلُ يَجِبُ انْحِصَارُهُ فِي التَّسْلِيمِ، وَالتَّحْرِيمُ يَجِبُ انْحِصَارُهُ فِي التَّكْبِيرِ ; فَلَا يَحْصُلَانِ إِلَّا بِهِمَا، وَالشُّفْعَةُ يَجِبُ انْحِصَارُهَا فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ; فَلَا تَجِبْ إِلَّا فِيهِ، وَالْأَعْمَالُ يَجِبُ انْحِصَارُهَا فِي الْمَنَوِيِّ ; فَلَا تَصِحُّ أَوْ لَا تَكْمُلُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَكِنِّي وَهِمْتُ فِي تَوْجِيهِ الْمَسْأَلَةِ ; فَجَعَلْتُ كُلَّ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَتَيْ دَلِيلِهَا دَلِيلًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فَوَائِدُ: الْحَصْرُ وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ: كِلَاهُمَا إِثْبَاتُ نَقِيضِ الْمَنْطُوقِ بِهِ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ، لَا ضِدِّهِ ; لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الْمَفْهُومِ سَلْبُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ، كَسَلْبِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ الثَّابِتِ فِي السَّائِمَةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ، وَالنَّقِيضُ أَعَمُّ مِنَ الضِّدِّ، كَمَا مَرَّ فِي مَوْضِعِهِ، وَبِهَذَا يَضْعُفُ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ، بِمَفْهُومِ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٤] ; لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بَلِ الْمَفْهُومُ مِنْهُ سَلْبُ تَحْرِيمِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً أَوْ وَاجِبَةً.
стр. 1278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: صِيَغُ الْحَصْرِ: " إِنَّمَا "، نَحْوَ: إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ.
وَتَقَدُّمُ النَّفْيِ قَبْلَ " إِلَّا "، نَحْوَ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إِلَّا بِطَهُورٍ.
وَتَقْدِيمُ الْمُعْمُولَاتِ، نَحْوَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٥] ، أَيْ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ، ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٧] ، أَيْ: لَا يَعْمَلُونَ إِلَّا بِأَمْرِهِ.
وَالْمُبْتَدَأِ مَعَ الْخَبَرِ، نَحْوَ: تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ.
وَيَنْقَسِمُ إِلَى حَصْرِ الْمَوْصُوفَاتِ فِي الصِّفَاتِ، نَحْوَ: إِنَّمَا زَيْدٌ الْعَالِمُ، وَإِلَى حَصْرِ الصِّفَاتِ فِي الْمَوْصُوفَاتِ، نَحْوَ إِنَّمَا الْعَالِمُ زَيْدٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ; فَقَدْ تَعُمُّ جِهَاتُ الْحَصْرِ، وَقَدْ تَخُصُّ كَمَا سَبَقَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ بَابِ الْحَصْرِ: قَوْلُهُمْ: زَيْدٌ صَدِيقِي، وَصَدِيقِي زَيْدٌ ; فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي انْحِصَارَ زَيْدٍ فِي صَدَاقَتِكَ ; فَلَا يُصَادِقُ غَيْرَكَ، وَأَنْتَ يَجُوزُ أَنْ تُصَادِقَ غَيْرَهُ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي انْحِصَارَ أَصْدِقَائِكَ فِي زَيْدٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي صَدَاقَتِكَ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُصَادِقَ غَيْرَكَ.
قُلْتُ: وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا فَائِدَةٌ دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّا قَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ، أَوْ مُسَاوِيًا لِلْمُبْتَدَأِ وَصَدِيقَيْ أَعَمُّ مِنْ زَيْدٍ، ثُمَّ هُوَ تَارَةً مُقَدَّمٌ، وَتَارَةً مُؤَخَّرٌ ; فَلَوْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى حَالَةٍ مُؤَخَّرًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ أَخَصَّ مِنَ الْمُبْتَدَأِ فِي قَوْلِنَا: صَدِيقِي زَيْدٌ ; فَتَخْتَلُّ الْقَاعِدَةُ الَّتِي قُرِّرَتْ ; فَلَزِمَ
стр. 1279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ هَذَا أَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ وَصَفٌ عَرَضِيٌّ، يَخْتَلِفُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ يَكُونُ أَعَمَّ مُؤَخَّرًا، وَأَخَصَّ مُقَدَّمًا، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا قُدِّمَ تَخَصَّصَ بِالْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ، لِيُوضَعَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1280
أَمَّا دَرَجَاتُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فَسِتٌّ:
أَوَّلُهَا: مَدُّ الْحُكْمِ إِلَى غَايَةٍ بِحَتَّى أَوْ إِلَى نَحْوَ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَيُفِيدُ أَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، بِدَلِيلِ عَدَمِ حُسْنِ الِاسْتِفْهَامِ، نَحْوَ: فَإِنْ نَكَحَتْ؟ أَوْ جَاءَ اللَّيْلُ؟ وَقَالُوا: حُكْمُ مَا بَعْدَهَا حُكْمُ مَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا لِأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ.
الثَّانِيَةُ: تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى شَرْطٍ، نَحْوَ ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا﴾ يُفِيدُ انْتِفَاءَ الْإِنْفَاقِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْحَمْلِ، وَأَنْكَرَهُ قَوْمٌ، إِذْ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ لَا يَمْنَعُ تَعْلِيقَهُ بِشَرْطَيْنِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الثَّانِي، فَإِذَا ثَبَتَ اعْتَبَرْنَاهُ.
الثَّالِثَةُ: تَعْقِيبُ ذِكْرِ الِاسْمِ الْعَامِّ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِدْلَالِ، نَحْوَ: «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» ، وَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ» ، وَنَحْوُهُ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» - حُجَّةٌ طَلَبًا لِفَائِدَةِ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْسِيمِ.
ــ
قَوْلُهُ: «أَمَّا دَرَجَاتُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فَسِتٌّ» ، يَعْنِي أَنَّ لِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ - مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ، لَكِنِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ خَالَفَ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ فِي تَرْتِيبِهَا ; فَقَالَ: فَأَمَّا مَا هُوَ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ ; فَعَلَى دَرَجَاتٍ سِتٍّ، وَذَكَرَ تَرْتِيبَهَا، كَمَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ: الْقَوْلُ فِي دَرَجَاتِ دَلِيلِ الْخِطَابِ: اعْلَمْ أَنَّ تَوَهُّمَ النَّفْيِ مِنَ الْإِثْبَاتِ عَلَى مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ، وَذَكَرَ مَفْهُومَ
стр. 1281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّقَبِ، ثُمَّ الِاسْمَ الْمُشْتَقَّ الدَّالَّ عَلَى جِنْسٍ، نَحْوَ: لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ، ثُمَّ تَخْصِيصَ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَطْرَأُ وَتَزُولُ، نَحْوَ: الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، ثُمَّ تَعْقِيبَ الِاسْمِ الْعَامِّ بِالصِّفَةِ الْخَاصَّةِ، نَحْوَ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ، ثُمَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ، ثُمَّ مَفْهُومَ الْحَصْرِ بِـ «إِنَّمَا» وَنَحْوِهَا، نَحْوَ: إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، ثُمَّ مَفْهُومَ الْغَايَةِ بِحَتَّى، وَإِلَى، ثُمَّ مَفْهُومَ الْحَصْرِ بِالنَّفْيِ، نَحْوَ: لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ.
قُلْتُ: فَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي التَّرْتِيبِ بَيِّنٌ.
أَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الْعَدَدِ ; فَلِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ قَدَّمَ مَفْهُومَ الْحَصْرِ بِإِنَّمَا وَبِالنَّفْيِ ; فَبَقِيَتِ الْمَرَاتِبُ بَعْدَ ذَلِكَ سِتًّا كَمَا ذَكَرَ، وَالْأَشْبَهُ تَرْتِيبُ أَبِي حَامِدٍ، لَكِنَّا نَجْرِي فِي الْكَلَامِ عَلَى تَرْتِيبِ «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ وَفْقُ تَرْتِيبِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: «أَوَّلُهَا» ، أَيْ: أَوَّلُ دَرَجَاتِ دَلِيلِ الْخِطَابِ: «مَدُّ الْحُكْمِ إِلَى غَايَةٍ بِحَتَّى أَوْ إِلَى» ، وَيُسَمَّى مَفْهُومَ الْغَايَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ، وَقَوْلِهِ عَزَّ
стр. 1282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، «فَيُفِيدُ أَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا» ، كَالْحِلِّ بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيْرِهِ، وَجَوَازِ الْقُرْبَانِ بَعْدَ التَّطَهُّرِ، وَمَنْعِ الْقِتَالِ بَعْدَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَأَنْ لَا صِيَامَ بَعْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ، وَلَا غُسْلَ وَاجِبٌ بَعْدَ الْمَرَافِقِ وَالْكَعْبَيْنِ.
قَوْلُهُ: «بِدَلِيلِ عَدَمِ حُسْنِ الِاسْتِفْهَامِ» ، أَيِ: الْغَايَةُ تُفِيدُ أَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَهَا يُخَالِفُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا بِدَلِيلِ عَدَمِ حُسْنِ الِاسْتِفْهَامِ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ; فَلَا يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ بِأَنْ يُقَالَ: فَإِنْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ ; فَمَا الْحُكْمُ؟ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ فُهِمَ، وَالسُّؤَالُ عَمَّا فُهِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ مَفْهُومٌ هُوَ أَنَّ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ ; فَهُوَ إِذَنْ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى إِضْمَارِ ثُبُوتِ الْحِلِّ بَعْدَهَا،
стр. 1283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ; فَتَحِلَّ لَهُ، إِذْ لَوْ أُضْمِرُ بَعْدَهَا نَفْيُ الْحِلِّ، لَكَانَ تَطْوِيلًا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧] ، لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يُقَالَ: فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ ; فَمَا الْحُكْمُ؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَ مَجِيءِ اللَّيْلِ مَعْلُومٌ، وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ، وَلِأَنَّ حَتَّى وَإِلَى مَوْضُوعَتَانِ لِلْغَايَةِ فِي اللُّغَةِ، وَغَايَةُ الشَّيْءِ مُنْتَهَاهُ وَمُنْقَطَعُهُ، فَإِذَا انْتَهَى وَانْقَطَعَ، لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ إِلَّا ضِدُّهُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا، وَضِدُّ التَّحْرِيمِ الْحِلُّ، وَوُجُوبِ الصَّوْمِ عَدَمُ وُجُوبِهِ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: اضْرِبْهُ حَتَّى يَتُوبَ، يَقْتَضِي تَرْكَ الضَّرْبِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَقَوْلُهُمْ: لَأَلْزَمَنَّكَ حَتَّى أَوْ إِلَى أَنْ تَقْضِيَنِي حَقِّي وَنَحْوَهُ - يُفِيدُ ذَلِكَ فِي اللِّسَانِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا:» يَعْنِي مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ، وَأَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا مَفْهُومَ لِلْغَايَةِ، «بَلْ حُكْمُ مَا بَعْدَ» الْغَايَةِ «حُكْمُ مَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا لِأَنَّهُ» يَعْنِي مَا بَعْدَهَا «مَسْكُوتٌ عَنْهُ» ، كَمَا قَالُوا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنَ النَّفْيِ، وَقَرَّرُوهُ بِأَنَّ مَا لَهُ ابْتِدَاءٌ ; فَغَايَتُهُ مُنْقَطَعُ ابْتِدَائِهِ، كَالسَّطْحِ، مَبْدَؤُهُ طَرْفُهُ، وَغَايَتُهُ مُنْقَطَعُ ذَلِكَ الْمَبْدَأِ ; فَيَرْجِعُ الْحُكْمُ بَعْدَ الْغَايَةِ إِلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْبِدَايَةِ، وَقَبْلَ الْبِدَايَةِ لَمْ
стр. 1284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ ; فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْغَايَةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهِ نَوْعُ تَمَسُّكٍ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، لَكِنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَى تَقْرِيرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْءَ، لَا يَثْبُتُ قَبْلَ مَبْدَئِهِ، وَلَا بَعْدَ مُنْتَهَاهُ، كَالْجِسْمِ، وَالسَّطْحِ، وَالْخَطِّ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ مَحْسُوسٌ. وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ قَبْلَ مَبْدَئِهِ، وَلَا بَعْدَ مُنْتَهَاهُ ; فَالثَّابِتُ حِينَئِذٍ: إِمَّا ضِدُّهُ، أَوْ مِثْلُهُ، أَوْ لَا وَاحِدَ مِنْهُمَا، وَهَذَا الثَّالِثُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يُوجِبُ خُلُوَّ الْمَكَانِ، وَعَدَمَ خُلُوِّهِ عَنْ شَاغِلٍ فِي مَبَادِئِ الْأَجْسَامِ وَنِهَايَاتِهَا، وَهُوَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَالْقَائِلُ قَائِلَانِ: إِمَّا بِالْخَلَاءِ أَوْ بِالْمَلَاءِ، أَمَّا اجْتِمَاعُهُمَا ; فَلَا قَائِلَ بِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَحْقِيقِ هَذَا نَظَرًا بَيِّنًا، وَأَمَّا فِي مَبَادِئِ الْأَحْكَامِ وَنِهَايَاتِهَا ; فَيُوجِبُ تَعْطِيلَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا عَنِ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، إِذِ الْأَصْلُ ثُبُوتُ الْأَحْكَامِ ; إِمَّا قَبْلَ الشَّرْعِ بِالْإِبَاحَةِ، أَوِ الْحَصْرِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ بَعْدَهُ بِأَحَدِ الْأَحْكَامِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا.
وَالثَّانِي وَهُوَ ثُبُوتُ مِثْلِ الشَّيْءِ قَبْلَ مَبْدَئِهِ وَبَعْدَ مُنْتَهَاهُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ ; فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ الثَّابِتَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الشَّيْءِ ضِدُّهُ، وَضِدُّ التَّحْرِيمِ قَبْلَ نِكَاحِ الزَّوْجِ الثَّانِي، الْحِلُّ بَعْدَهُ، وَضِدُّ تَحْرِيمِ قُرْبَانِ الْحَائِضِ قَبْلَ التَّطَهُّرِ، جَوَازُهُ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ بَاقِيهَا.
стр. 1285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَلْتَزِمَ أَنَّ بَعْدَ نِهَايَةِ الشَّيْءِ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ وَلَا ضِدُّهُ، بَلْ هُوَ مُجَرَّدٌ عَنْ شَاغِلٍ وَحُكْمٍ، وَلَا نُسَلِّمُ تَعَطُّلَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ عَنْ حُكْمٍ، بَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا تَعَطُّلَهَا، لَكِنَّ تَعَطُّلَهَا عَنْ حُكْمٍ لَا مُحَالَ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَتَرَدُّدٍ ; فَلَا سَبِيلَ فِيهَا إِلَى الْقَطْعِ بِشَيْءٍ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ الظَّنِّ ; فَالظَّاهِرُ مَعَ مُثْبِتِي مَفْهُومِ الْغَايَةِ لُغَةً وَعُرْفًا.
«الثَّانِيَةُ» : أَيْ: مِنْ دَرَجَاتِ دَلِيلِ الْخِطَابِ «تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى شَرْطٍ نَحْوَ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطَّلَاقِ: ٦] ، يُفِيدُ انْتِفَاءَ» ، وُجُوبِ «الْإِنْفَاقِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْحَمْلِ» ، وَهُوَ مَفْهُومُ الشَّرْطِ ، وَنَحْوَ: إِذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَا ; فَافْعَلْ كَذَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَالْهَرَّاسِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْكَرْخِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، إِذْ حُكْمُ الشَّرْطِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَبَعْضُهُمْ يُتَرْجِمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، بِأَنَّ الْمُعَلَّقَ
стр. 1286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى شَيْءٍ بِحَرْفِ (إِنِ) الشَّرْطِيَّةِ، عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، «وَأَنْكَرَهُ قَوْمٌ» وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، وَالْغَزَّالِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ.
قَوْلُهُ: «إِذْ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ لَا يَمْنَعُ تَعْلِيقَهُ بِشَرْطَيْنِ» . هَذِهِ مِنْ حُجَجِ الْمُنْكِرِينَ لِمَفْهُومِ الشَّرْطِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِشَرْطٍ لَا يَمْنَعُ تَعْلِيقَهُ بِشَرْطَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَإِذَا جَازَ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطَيْنِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنِ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ، لِوُجُودِ الشَّرْطِ الْآخَرِ.
مِثَالُهُ: قَوْلُهُ: أَحْكُمُ بِالْمَالِ إِنْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي، أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ; فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ شَاهِدَيْنِ، أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ، انْتِفَاءُ الْحُكْمِ بِالْمَالِ، لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ بِالْإِقْرَارِ، وَبِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» ، أَيْ: وَرُدَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ، بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ الثَّانِي، وَالْأَصْلُ التَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِتَصْحِيحِ تَأْثِيرِ الْمُؤَثِّرِ ; فَالزَّائِدُ خِلَافُ الْأَصْلِ ; فَلَا يُعْتَبَرُ تَقْرِيرُهُ. وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ الْمُعَلَّقِ بِهِ، فَإِنْ «ثَبَتَ» تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ ثَانٍ فَصَاعِدًا، لِدَعْوَى الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ; «اعْتَبَرْنَاهُ» ، وَلَمْ نَحْكُمْ بِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ إِلَّا بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ شُرُوطِهِ، كَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ.
стр. 1287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: الشَّرْطُ الَّذِي تَعَلَّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ إِمَّا مُفْرَدٌ، نَحْوَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ ; فَأَنْتِ طَالِقٌ ; فَلَزِمَ انْتِفَاءُ الطَّلَاقِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الدُّخُولِ. أَوْ مُتَعَدِّدٌ، ثُمَّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ: إِمَّا عَلَى الْجَمِيعِ، أَوْ عَلَى الْبَدَلِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْجَمِيعِ، نَحْوَ: إِنْ قُمْتِ، وَأَكَلْتِ، وَشَرِبْتِ، وَدَخَلْتِ الدَّارَ، وَكَلَّمْتِ زَيْدًا ; فَأَنْتِ طَالِقٌ ; فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إِلَّا عِنْدَ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهَا ; لِأَنَّ جَمِيعَهَا شَرْطٌ وَاحِدٌ، مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ ; فَلَا يُؤَثِّرُ إِلَّا وُجُودُ جَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْبَدَلِ، نَحْوَ: إِنْ قُمْتِ، أَوْ أَكَلْتِ، أَوْ شَرِبْتِ، أَوْ دَخَلْتِ الدَّارَ، أَوْ كَلَّمْتِ زَيْدًا ; فَأَنْتِ طَالِقٌ - طُلِّقَتْ بِوُجُودِ أَيِّهَا كَانَ، وَانْتَفَى وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِانْتِفَاءِ جَمِيعِهَا. وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِجَوَازِ تَعْلِيقِهِ بِشَرْطَيْنِ، يَخْلُفُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لَا مَعْنَى لَهُ، كَمَا بَيَّنَّا، لَكِنْ لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ حُجَجٌ أُخْرَى، لَا يَتَّسِعُ لَنَا ذِكْرُهَا، إِذْ نَحْنُ شَارِحُونَ لِهَذَا «الْمُخْتَصَرِ» لَا مُسْتَوْعِبُونَ لِأَقْوَالِ النَّاسِ وَحُجَجِهِمْ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَيْسَ النِّزَاعُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فِي أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَا يَجِبُ انْتِفَاؤُهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ ; فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، بَلْ فِي أَنَّ ذَلِكَ الِانْتِفَاءَ هَلْ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، أَوْ الِاسْتِصْحَابُ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ؟ وَذَلِكَ أَنَّ فِي الشَّرْطِ نَحْوَ هَذِهِ الصِّيغَةِ أُمُورًا أَرْبَعَةً:
стр. 1288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَدُهَا: ارْتِبَاطُ الطَّلَاقِ بِالدُّخُولِ.
وَثَانِيهَا: ارْتِبَاطُ عَدَمِ الطَّلَاقِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ.
وَثَالِثُهَا: دَلَالَةُ لَفْظِ التَّعْلِيقِ عَلَى ارْتِبَاطِ الطَّلَاقِ بِالدُّخُولِ.
وَرَابِعُهَا: دَلَالَةُ لَفْظِ التَّعْلِيقِ عَلَى ارْتِبَاطِ عَدَمِ الطَّلَاقِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ.
وَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَالنِّزَاعُ فِي الرَّابِعِ، وَهُوَ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَدْخُلِ الدَّارَ، لَمْ تُطَلَّقِ اسْتِصْحَابًا لِلْعِصْمَةِ السَّابِقَةِ، وَالِاسْتِصْحَابُ الْمَذْكُورُ مَعَ دَلَالَةِ التَّعْلِيقِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: الْمَفْهُومُ هُنَا حُجَّةٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا تَحْقِيقٌ حَسَنٌ جِدًّا.
«الثَّالِثَةُ» : يَعْنِي مِنْ دَرَجَاتِ دَلِيلِ الْخِطَابِ «تَعْقِيبُ ذِكْرِ الِاسْمِ الْعَامِّ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، فِي مَعْرِضِ الِاسْتِدْلَالِ» ، هَكَذَا وَقَعَ فِيمَا رَأَيْتُهُ مِنَ النُّسَخِ، وَالصَّوَابُ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِدْرَاكِ وَالْبَيَانِ، كَذَا فِي «الْمُسْتَصْفَى» أَيْ: بِذِكْرِ الصِّفَةِ الْخَاصَّةِ عُقَيْبَ ذِكْرِ الِاسْمِ الْعَامِّ ; فَيَكُونُ مُسْتَدْرِكًا لِعُمُومِهِ بِخُصُوصِ الصِّفَةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ الْمُرَادَ بِعُمُومِهِ الْخُصُوصُ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﵇: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ ; فَالْغَنَمُ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ السَّائِمَةَ وَالْمَعْلُوفَةَ ; فَاسْتَدْرَكَ عُمُومَهُ بِخُصُوصِ السَّائِمَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا الْمُرَادُ مِنْ عُمُومِ الْغَنَمِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا ; فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ. فَالنَّخْلُ عَامٌّ فِي الْمُؤَبَّرِ وَغَيْرِهِ ; فَاسْتَدْرَكَ عُمُومَهُ بِخُصُوصِ الْمُؤَبَّرِ،
стр. 1289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَبَيَّنَ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ عُمُومِ النَّخْلِ.
قَوْلُهُ: «وَنَحْوُهُ: الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ. حُجَّةٌ» أَيْ: وَمِمَّا يَلْحَقُ بِتَعْقِيبِ ذِكْرِ الِاسْمِ الْعَامِّ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ - تَقْسِيمُ الِاسْمِ أَوِ الصِّنْفِ إِلَى قِسْمَيْنِ، وَتَخْصِيصُ كُلِّ قِسْمٍ مِنْهُمَا بِحُكْمٍ ; فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَنِ الْقِسْمِ الْآخَرِ، كَقَوْلِهِ ﵇: الْأَيِّمُ، أَيِ الَّتِي فَارَقَتْ زَوْجَهَا، أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ. فَخَصَّ الْبِكْرَ بِالِاسْتِئْذَانِ ; فَدَلَّ عَلَى نَفْيِهِ فِي الْأَيِّمِ.
قَوْلُهُ: «طَلَبًا لِفَائِدَةِ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْسِيمِ» ، أَيْ: إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ وَالتَّقْسِيمِ حُجَّةٌ، طَلَبًا لِفَائِدَةِ التَّخْصِيصِ، فِي نَحْوِ قَوْلِهِ ﵇: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ، وَلِفَائِدَةِ التَّقْسِيمِ، أَيْ: تَقْسِيمِ الْمَرْأَةِ إِلَى أَيِّمٍ وَبِكْرٍ، وَتَخْصِيصِ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِحُكْمٍ، إِذْ لَوْ سَوَّيْنَا بَيْنَ السَّائِمَةِ وَغَيْرِهَا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَبَيْنَ الْأَيِّمِ وَالْبِكْرِ فِي الِاسْتِئْذَانِ أَوْ عَدَمِهِ، لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْسِيمِ الْمَذْكُورَيْنِ.
стр. 1290
الرَّابِعَةُ: تَخْصِيصُ وَصْفٍ غَيْرِ قَارٍّ بِالْحُكْمِ ، نَحْوَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» - حُجَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ لِذَلِكَ خِلَافًا لِلتَّمِيمِيِّ، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لِاحْتِمَالِ الْغَفْلَةِ عَنْ غَيْرِ وَصْفِ الْمَذْكُورِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ.
الْخَامِسَةُ: تَخْصِيصُ نَوْعٍ بِحُكْمٍ، نَحْوَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» ، وَلَيْسَ الْوُضُوءُ مِنَ الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ. يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا فَوْقَهُ لَهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَدَاوُدُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِأَكْثَرِهِمْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ.
السَّادِسَةُ: تَخْصِيصُ اسْمٍ بِحُكْمٍ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنْكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ مُشْتَقًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ، وَإِلَّا لَمَنَعَ التَّنْصِيصُ عَلَى الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ جَرَيَانَ الرِّبَا فِي غَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
«الرَّابِعَةُ» : يَعْنِي مِنْ دَرَجَاتِ دَلِيلِ الْخِطَابِ «تَخْصِيصُ وَصْفٍ غَيْرِ قَارٍّ بِالْحُكْمِ» ، أَيْ: إِنْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ عَلَى وَصْفٍ لَا يَسْتَقِرُّ، بَلْ يَطْرَأُ وَيَزُولُ، كَالسَّوْمِ وَالثُّيُوبَةِ فِي قَوْلِنَا: فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ وَالثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا - فَمَفْهُومُهُ «حُجَّةٌ» عِنْدَنَا، وَعِنْدَ «أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ لِذَلِكَ» ، أَيْ: طَلَبًا لِفَائِدَةِ التَّخْصِيصِ كَمَا مَرَّ، «خِلَافًا لِلتَّمِيمِيِّ» مِنْ أَصْحَابِنَا «وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ» فِي أَنَّهُ لَيْسَ حُجَّةً.
قَالُوا: «لِاحْتِمَالِ الْغَفْلَةِ عَنْ غَيْرِ وَصْفِ الْمَذْكُورِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ» . وَهَذَا مِنْهُمْ فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا الْمَفْهُومِ وَالَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ تَعْقِيبُ الِاسْمِ الْعَامِّ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ.
стр. 1291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَقْرِيرُ الْفَرْقِ فِي هَذَا الْمَكَانِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَغْفُلَ الْمُتَكَلِّمُ عَنْ ضِدِّ الْوَصْفِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، كَالْبَكَارَةِ فِي قَوْلِهِ: الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ. يُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَفَلَ حِينَئِذٍ عَنِ الثُّيُوبَةُ، فَلَمْ تَخْطُرْ بِبَالِهِ، حَتَّى يَقْصِدَ نَفْيَ الِاسْتِئْذَانِ عَنْهَا، وَكَذَا قَوْلُهُ: الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا. يُحْتَمَلُ أَنَّ الْبِكْرَ لَمْ تَخْطُرْ لَهُ، حَتَّى يَقْصِدَ نَفْيَ أَحَقِّيَّتِهَا بِنَفْسِهَا عَنْهَا. وَإِذَا قَالَ: السَّائِمَةُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْلُوفَةَ لَمْ تَخْطُرْ لَهُ حَتَّى يَنْفِيَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَنْهَا. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَصْدُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ ظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا، لَكِنْ ظُهُورًا ضَعِيفًا، لِمُعَارَضَةِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ لَهُ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ هَذَا الْمَفْهُومِ، وَهُوَ ذِكْرُ الِاسْمِ الْعَامِّ، وَتَعْقِيبُهُ بِذِكْرِ الصِّفَةِ الْخَاصَّةِ، نَحْوَ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ. فَإِنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ مُنْتَفٍ هَهُنَا قَطْعًا ; لِأَنَّهُ لَمَّا نَطَقَ بِلَفْظِ الْغَنَمِ الْعَامِّ فِي السَّائِمَةِ وَفِي غَيْرِهَا، لَزِمَ اسْتِحْضَارُ الصِّنْفَيْنِ فِي ذِهْنِهِ، وَإِلَّا كَانَ مُتَكَلِّمًا بِمَا لَا يَتَصَوَّرُ ; فَيَكُونُ هَذْرًا مِنَ الْقَوْلِ، كَكَلَامِ الْمَجْنُونِ وَنَحْوِهِ، وَإِذَا لَزِمَ اسْتِحْضَارُ الْمَعْلُوفَةِ فِي ذِهْنِهِ، لَزِمَ أَنَّ تَقْيِيدَهُ بِالسَّائِمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ احْتِرَازٌ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ، وَأَنَّهُ قَصَدَ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْهَا. فَهَذَا تَقْرِيرُ الْفِرَقِ بَيْنَ مُنْكِرِي هَذَا الْمَفْهُومِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ ; وَإِنْ كَانَ مُتَّجِهًا، لَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنَّ تَعْلِيقَ
стр. 1292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ غَيْرِ الْقَارِّ، كَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ، وَالسَّوْمِ الْمُجَرَّدِ، ظَاهِرٌ فِي قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ ضِدِّهِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ يُذْكَرُ بِضِدِّهِ غَالِبًا، وَإِنْ كَانَ قَصْدُ نَفْيِ الْحُكْمِ عَنِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ ظَاهِرًا كَفَى فِي التَّمَسُّكِ بِهِ ; لِأَنَّ مَنَاطَ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الظُّهُورُ وَغَلَبَةُ الظَّنِّ، وَلِذَلِكَ عُلِّقَتْ عَلَى الْأَمَارَاتِ، وَثَبَتَتْ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهَذَا الْمَفْهُومُ أَقْوَى مِنْهُ.
بَقِيَ الْحَاصِلُ مِنْ فَرْقِكُمُ الْمَذْكُورِ، أَنَّ مَفْهُومَ تَعْقِيبِ الِاسْمِ الْعَامِّ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، نَحْوَ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ، أَظْهَرُ مِنْ مَفْهُومِ الْوَصْفِ الْمُجَرَّدِ غَيْرِ الْقَارِّ، لَكِنْ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ، لِجَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالظَّاهِرِ، وَالْأَظْهَرِ، وَالْقَاطِعِ، كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ، وَالْمُتَوَاتِرِ، وَكَقِيَاسِ الشَّبَهِ، وَقِيَاسِ الدَّلَالَةِ، وَقِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَكَالْإِجْمَاعَاتِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَهَا ظَاهِرٌ، كَالسُّكُوتِيِّ وَبَعْضُهَا قَاطِعٌ كَالنُّطْقِيِّ التَّوَاتُرِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
«الْخَامِسَةُ» : - مَفْهُومُ الْعَدَدِ - يَعْنِي مِنْ دَرَجَاتِ دَلِيلِ الْخِطَابِ تَخْصِيصُ نَوْعٍ مِنَ الْعَدَدِ «بِحُكْمٍ، نَحْوَ» قَوْلِهِ ﵇: لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ. يَعْنِي فِي الرَّضَاعِ، لَيْسَ الْوُضُوءُ مِنَ الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا فَوْقَهُ لَهُ، يَعْنِي تَحْرِيمَ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ وَوُجُوبَ الْوُضُوءِ مِنْ ثَلَاثِ قَطَرَاتٍ.
стр. 1293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْمِثَالِ، وَإِلَّا فَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّمَا الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ. وَقَدْ لَا يَسِيلُ الدَّمُ بِثَلَاثِ قَطَرَاتٍ ; فَهَذَا يُسَمَّى مَفْهُومَ الْعَدَدِ، وَهُوَ قَوْلُ «مَالِكٍ، وَدَاوُدَ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِأَكْثَرِهِمْ» ، يَعْنِي أَكْثَرَ الشَّافِعِيَّةِ «وَلِأَبِي حَنِيفَةَ» .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ.
قُلْتُ: وَلَمْ أَسْتَحْضِرْ أَنَّهُ قَدَّمَ الْكَلَامَ فِي «الرَّوْضَةِ» فِي خُصُوصِ مَفْهُومِ الْعَدَدِ ; فَأَحْسَبُهُ أَحَالَ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْكَلَامِ فِي سَائِرِ الْمَفْهُومَاتِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْآمِدِيُّ فِي «الْمُنْتَهَى» ; لِأَنَّ الْبَابَ وَاحِدٌ، فَإِنَّ تَخْصِيصَ مِقْدَارٍ مِنَ الْعَدَدِ بِحُكْمٍ، كَتَخْصِيصِ صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ بِحُكْمٍ ; فَالْأَوَّلُ مِنْ بَابِ الْكَمِّ وَالثَّانِي مِنْ بَابِ الْكَيْفِ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ، أَوْ تَحْتَ جِنْسٍ مَا مِنَ الْأَجْنَاسِ، وَلَوْ جِنْسَ الْأَعْرَاضِ.
стр. 1294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ يُحْتَجُّ عَلَى مَفْهُومِ الْعَدَدِ، بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٠] ; فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لِأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ ; فَنَزَلَتْ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٦] ; فَوَجْهُ دَلَالَتِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ; فَهِمَ أَنَّ حُكْمَ مَا فَوْقَ السَّبْعِينَ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَهُوَ أَعْلَى أَهْلِ اللُّغَةِ رُتْبَةً فِيهَا ; فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِلْخَصْمِ عَلَيْهِ اعْتِرَاضَاتٌ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَفْهُومِ الْعَدَدِ بِالْخُصُوصِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَفَاهِيمِ عَلَى الْعُمُومِ، مَا حُكِيَ، وَرَأَيْتُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَصَانِيفِ أَهْلِ الْأَدَبِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵀ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا أَحْمَقَ، فَذَكَرَ الْمَجُوسَ يَوْمًا ; فَقَالَ قَائِلٌ: لَعَنَ اللَّهُ الْمَجُوسَ، يَنْكِحُونَ أُمَّهَاتِهِمْ، وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ مَا نَكَحْتُ أُمِّي. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ ; فَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، أَتَرَاهُ لَوْ زِيدَ
стр. 1295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ، كَانَ يَفْعَلُ. مَعَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ مِنَ اللُّغَةِ وَالْفَصَاحَةِ بِمَكَانٍ.
فَائِدَةٌ: تَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِي مَفْهُومِ الْعَدَدِ: أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا قُيِّدَ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ ; فَمِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ فِيمَا نَقَصَ عَنْهُ، وَمِنْهُ مَا هُوَ بِضِدِّ ذَلِكَ.
فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ ﵇: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ. دَلَّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ.
وَالْمَثَّالُ الثَّانِي: إِذَا قِيلَ: اجْلِدُوا الزَّانِيَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، دَلَّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى وُجُوبِ جَلْدِهِ تِسْعِينَ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ مَقَادِيرِ الْعَدَدِ لِدُخُولِهِ فِي الْمِائَةِ بِالتَّضَمُّنِ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ ; فَمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ التَّقْيِيدُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، كَالنَّاقِصِ عَنِ الْقُلَّتَيْنِ، وَالزَّائِدِ عَنْ مِائَةِ سَوْطٍ - هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فِي مَفْهُومِ الْعَدَدِ ; لِأَنَّ مَا يُفْهَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى يَكُونُ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ ; فَلَا يَتَّجِهُ فِيهِ الْخِلَافُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
«السَّادِسَةُ» : مَفْهُومُ اللَّقَبِ ، يَعْنِي مِنْ دَرَجَاتِ مَفْهُومِ الْخِطَابِ «تَخْصِيصُ اسْمٍ بِحُكْمٍ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ» ، يَعْنِي هُوَ كَالَّذِي قَبْلَهُ فِي وُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، «وَأَنْكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ» ، وَيُسَمَّى مَفْهُومَ اللَّقَبِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ، وَالدَّقَّاقِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
стр. 1296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَصُورَتُهَا: إِذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِاسْمِ جِنْسٍ، كَتَخْصِيصِ الرِّبَوِيَّاتِ السِّتَّةِ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، أَوِ اسْمِ عَلَمٍ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ عَالِمٌ.
قُلْتُ: فَجَعَلَ اسْمَ الْجِنْسِ وَالْعَلَمِ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ التِّبْرِيزِيُّ: وَاللَّقَبُ كَالْأَعْلَامِ، وَجَعَلَهَا الْأَصْلَ، وَأَلْحَقَ بِهَا أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ. قَالَ: وَغَيْرُهُ - يَعْنِي غَيْرَ التَّبْرِيزِيِّ، - أَطْلَقَ فِي الْجَمِيعِ.
قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ، مِمَّنْ أَطْلَقَ مَفْهُومَ اللَّقَبِ عَلَى مَفْهُومِ الْجِنْسِ وَالْعَلَمِ.
قَوْلُهُ: «مُشْتَقًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ» ، يَعْنِي الِاسْمَ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، سَوَاءً كَانَ مُشْتَقًّا، نَحْوَ: لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ. فَإِنَّ الطَّعَامَ مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّعْمِ، «أَوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ» ، كَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ الرِّبَوِيَّةِ ; فَإِنَّ مَفْهُومَهُ حُجَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الدَّقَّاقِ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَمَنَعَ التَّنْصِيصُ عَلَى الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ، جَرَيَانَ الرِّبَا فِي غَيْرِهَا» . هَذَا حُجَّةٌ لِمُنْكِرِي مَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ ; لِأَنَّهُ يَلِي ذِكْرَهُمْ، أَيْ: وَأَنْكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَإِلَّا لَمَنَعَ، إِلَى آخِرِهِ.
تَقْرِيرُهُ: لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ حُجَّةً، لَمَنَعَ التَّنْصِيصُ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي
стр. 1297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ، مِنْ أَنْ يَجْرِيَ الرِّبَا فِي غَيْرِهَا ; لِأَنَّ مُعْتَمَدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَا سَبَقَ مِنْ طَلَبِ فَائِدَةِ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ، وَالْأَعْيَانُ السِّتَّةُ قَدْ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا ; فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَثْبُتَ الرِّبَا فِي غَيْرِهَا، لَكِنَّهُ بَاطِلٌ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ فِي كُلِّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ عِلَّتُهَا، عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا، كَالذُّرَةِ، وَالسِّمْسِمِ، وَأَشْبَاهِهَا مِنَ الْمَكِيلَاتِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَوْزُونَاتِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَطْعُومَاتِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْغَزَّالِيَّ جَعَلَ مَفْهُومَ اللَّقَبِ أَوَّلَ مَرَاتِبِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، قَالَ: وَهُوَ أَبْعَدُهَا، وَقَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهِ كُلُّ مُحَصِّلٍ، كَتَخْصِيصِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فِي الرِّبَا، ثُمَّ قَالَ: الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ: الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ الدَّالُّ عَلَى جِنْسٍ، نَحْوَ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ» . قَالَ: فَيَظْهَرُ إِلْحَاقُهُ بِاللَّقَبِ ; لِأَنَّ الطَّعَامَ لَقَبٌ لِجِنْسِهِ، أَيْ: بِالنَّظَرِ إِلَى جِنْسِهِ، كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِمَّا يُتَطَعَّمُ، كَالْغَنَمِ وَالْمَاشِيَةِ ; فَلَا يُدْرَكُ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: فِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ. وَبَيْنَ قَوْلِهِ: «فِي الْمَاشِيَةِ الزَّكَاةُ» . وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَقَّةً مِنَ الْمَشْيِ مَثَلًا.
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مُنْكِرُو مَفْهُومِ اللَّقَبِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَبَطَلَ الْقِيَاسُ مُطْلَقًا، أَوْ غَالِبًا، أَوْ كَثِيرًا، إِذْ هُوَ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ، بِالْجَامِعِ الْمُشْتَرَكِ ; فَلَوْ صَحَّ مَفْهُومُ اللَّقَبِ ; لَكَانَ النَّصُّ عَلَى الْأَصْلِ مُفِيدًا انْتِفَاءَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ ; فَلَا يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ الْقِيَاسِيُّ.
стр. 1298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي الْأَحْكَامِ، الْأَرْجَحُ فَالْأَرْجَحُ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُفِيدَ الْقِيَاسُ مِنَ الظَّنِّ أَرْجَحَ مِمَّا يُفِيدُهُ الْمَفْهُومُ ; فَيُقَدَّمُ، كَمَا يُقَدَّمُ خَبَرُ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَكَمَا فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَالْعِلَّةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ حُجَّةً، لَكَانَ الْقَائِلُ: عِيسَى رَسُولُ اللَّهِ، كَافِرًا، لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ الرِّسَالَةِ عَنْ بَقِيَّةِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ إِنْ تَنَبَّهَ لِمَفْهُومِ لَفْظِهِ هَذَا، وَأَرَادَهُ، حُكِمَ بِكُفْرِهِ، لَكِنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ لَا يَتَنَبَّهُ لِفَحْوَى خِطَابِهِ، خُصُوصًا هَذَا الْمَفْهُومَ ; فَإِنَّهُ وَإِنِ احْتُجَّ بِهِ، لَكِنَّهُ مِنْ أَضْعَفِ الْمَفْهُومَاتِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ ; فَقَدْ لَا يُرِيدُهُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ حُجَّةً، لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: زَيْدٌ يَأْكُلُ. نَافِيًا لِلْأَكْلِ عَنْ غَيْرِ زَيْدٍ.
وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَفْهَمُ ذَلِكَ مِنْهُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ، أَوْ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ.
أَمَّا مُعْتَمَدُ الْقَائِلِينَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ; فَهُوَ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمَنْطُوقَ بِهِ لَوْ شَارَكَ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ، لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ، فَإِنْ بَيَّنَ الْخَصْمُ لِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةً غَيْرَ اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ. قُلْنَا: لَا مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ اخْتِصَاصُهُ بِالْحُكْمِ مِنْ جُمْلَةِ فَائِدَتِهِ تَكْثِيرًا لَهَا، كَمَا سَبَقَ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ.
نَعَمْ، هَذَا الْمَفْهُومُ ضَعِيفٌ جِدًّا ; فَلِذَلِكَ أَلْغَاهُ الْخَصْمُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَسَبَبُ ضَعْفِهِ أَنَّ الصِّفَةَ وَالشَّرْطَ، وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ فِي
стр. 1299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَانْتِفَاءُ الْعِلَّةِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْحُكْمِ فِيهِ، بِخِلَافِ اللَّقَبِ ; فَإِنَّهُ لِجُمُودِهِ، ضَعُفَ ظُهُورُ التَّعْلِيلِ فِيهِ، لَكِنَّ ضَعْفَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْغَايَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّ ضَعْفَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، أَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ ; فَقَوِيٌّ يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ.
قُلْتُ: الْأَشْبَهُ الَّذِي تَسْكُنُ النَّفْسُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَأَنَّهُ فِي الْمَفْهُومَاتِ كَالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي الْمَنْطُوقَاتِ، وَالْقِيَاسِ الشَّبَهِيِّ فِي الْأَقْيِسَةِ.
فَائِدَةٌ: اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ مَا ظَهَرَ سَبَبُ تَخْصِيصِهِ لِلْمَنْطُوقِ بِالذِّكْرِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، كَوُقُوعِهِ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ، أَوْ خُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَكَمَا قِيلَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ; فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ لُحُومِ الْإِبِلِ لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، إِذِ النَّوَاقِضُ كَثِيرَةٌ، وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ السَّائِلَ هُوَ الَّذِي ذَكَّرَ الْمُتَكَلِّمَ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ، لِسُؤَالِهِ عَنْهُ ; فَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَصَوَّرَ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ، وَقَصَدَهُ بِنَفْيِ الْحُكْمِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْخَارِجُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ الْمُقَيَّدُ بِهَا غَالِبَةً عَلَى الْمَوْصُوفِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾ [النِّسَاءِ: ٣٥] ، إِذْ خَوْفُ الشِّقَاقِ غَالِبُ حَالِ الْخَلْعِ، وَقَوْلِهِ : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٣] ، إِذِ الْغَالِبُ كَوْنُ الرَّبِيبَةِ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ تَبَعًا لِأُمِّهَا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣١] ، أَيْ: فَقْرٍ وَإِقْتَارٍ، إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ قَتْلَ الْوَلَدِ إِنَّمَا يَكُونُ لِضَرُورَةٍ،
стр. 1300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَضَرُورَةِ الْفَقْرِ وَقِلَّةِ الْمَعَاشِ، وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي الْمَوْءُودَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْلَادِ، يَقْتُلُونَهُمْ خَوْفَ الْعَارِ وَالْحَاجَةِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ مُنْكِرُو مَفْهُومِ اللَّقَبِ: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ ﵇: صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، وَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ: ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ ﵇: فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ جِنْسُ الْحَجَرِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ وَالْحَجَرَ غَالِبَانِ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَالِاسْتِنْجَاءِ، وَالِاسْتِجْمَارِ. أَمَّا فَهْمُ عَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا دُونُ الثَّلَاثَةِ ; فَهُوَ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْعَدَدِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ عَلَى مَنِ اشْتَرَطَ السَّوْمَ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، إِذِ الْغَالِبُ عَلَى أَغْنَامِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهَا السَّوْمُ ; فَلَا مَفْهُومَ لَهُ.
وَوَجْهُ كَوْنِ التَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ الْغَالِبَةِ لَا مَفْهُومَ لَهُ: بِأَنَّ الصِّفَةَ إِذَا غَلَبَتْ
следующие страницы →