← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَيَقَعُ فِيهِ الْخَطَأُ كَثِيرًا، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ سُكُوتَ السَّاكِتِ فِيهِ، أَوْ وِفَاقَ الْمُوَافِقِ كَانَ عَنْ تَأَمُّلٍ أَوْ عَنْ خَطَأٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَلِيلُ الصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «لَنَا:» أَيْ: عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ «الْإِجْمَاعَ: الِاتِّفَاقَ، وَقَدْ وُجِدَ» قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ «وَالسَّمْعِيُّ» أَيْ: دَلِيلُ السَّمْعِ الدَّالُّ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ وَعِصْمَتِهِ «عَامٌّ» فِي كَوْنِهِ حُجَّةً قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وَبَعْدَهُ «فَالتَّخْصِيصُ» بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ «تَحَكُّمٌ» مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. وَبَيَانُ عُمُومِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ; أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النِّسَاءِ: ١١٥] يَقْتَضِي وُجُوبَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، فَيَكُونُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ بَعْدَ انْعِقَادِهِ. فَإِنْ قِيلَ: وُجُوبُ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مَأْمُورٌ بِهِ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَكُلُّ وَاجِبٍ مَأْمُورٌ بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، كَانَ عُمُومُهُ فِي الزَّمَانِ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ وُجُوبَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ، لَا مِنْ بَابِ الْعَامِّ، وَالْمُطْلَقُ يَحْصُلُ امْتِثَالُهُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَاتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ يَحْصُلُ بِالِاتِّبَاعِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَهُوَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ كَمَا قُلْنَاهُ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ إِنَّمَا يُرَخَّصُ فِي إِيرَادِ مِثْلِهِ عِنْدَ التَّشْغِيبِ، وَالْمَغَالِيطِ الْجَدَلِيَّةِ لِقَهْرِ الْخَصْمِ، أَمَّا عِنْدَ التَّحْقِيقِ، فَلَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا بِالضَّرُورَةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ الدَّوَامَ عَلَى اتِّبَاعِ

стр. 1367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُمُومِ الْأَزْمِنَةِ، فَيَبْقَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ خَيَالًا يُصَادِمُ خَيَالًا، مَعَ أَنَّ بُطْلَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ ظَاهِرٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: «لَوِ اشْتُرِطَ» انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ «لَمَا صَحَّ احْتِجَاجُ التَّابِعِينَ عَلَى مُتَأَخِّرِي الصَّحَابَةِ بِهِ» أَيْ: بِالْإِجْمَاعِ، إِذْ قَدْ كَانَ لِلصَّحَابَةِ أَنْ يَقُولُوا لِلتَّابِعِينَ: كَيْفَ تَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَعْدُ، لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ انْقِرَاضُ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَاقٍ لِأَنَّنَا نَحْنُ مِنَ الْمُجْمِعِينَ، وَهَا نَحْنُ بَاقُونَ، لَكِنِ التَّابِعُونَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مُتَأَخِّرِي الصَّحَابَةِ، كَأَنَسٍ وَغَيْرِهِ، وَيُقِرُّونَهُمْ عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِالْإِجْمَاعِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَعَلَى بَعْضِ التَّابِعِينَ، كَقَوْلِ عُثْمَانَ فِي حَجْبِ الْأُمِّ بِأَخَوَيْنِ: لَا أُخَالِفُ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي، وَلَوِ اشْتُرِطَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ، لَمَا قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوِ اشْتُرِطَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ «لَامْتَنَعَ» وَتَعَذَّرَ «وُجُودُهُ أَصْلًا، لِلتَّلَاحُقِ» أَيْ: لِتَلَاحُقِ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، مُتَّصِلًا فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ، فَإِنَّ الْوِلَادَةَ وَالتَّنَاسُلَ فِي الْعَالَمِ مُتَّصِلٌ، فَكُلَّمَا وُلِدَ مَوْلُودٌ، وَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ حَتَّى بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُجْمِعِينَ قَبْلَهُ وَلَوْ وَاحِدٌ، لَمْ يَتِمَّ الْإِجْمَاعُ بِدُونِ هَذَا الْمُجْتَهِدِ اللَّاحِقِ، فَيَتَلَاحَقُ مُجْتَهِدُو التَّابِعِينَ بِمُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، فَيَمْتَنِعُ اسْتِقْرَارُ إِجْمَاعِهِمْ، وَمُجْتَهِدُو

стр. 1368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَابِعِي التَّابِعِينَ بِمُجْتَهِدِي التَّابِعِينَ كَذَلِكَ، وَهَلُمَّ جَرًّا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَلَا يَسْتَقِرَّ الْإِجْمَاعُ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، مُحْتَجٌّ بِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، بِاتِّفَاقِ أَهْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ. قَوْلُهُ: «وَاللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ» يَعْنِي اللَّازِمَيْنِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي ضِمْنِ مُلَازَمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: «لِأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ» يَعْنِي انْقِرَاضَ الْعَصْرِ «لَمَا صَحَّ احْتِجَاجُ التَّابِعِينَ» بِالْإِجْمَاعِ «وَلَامْتَنَعَ وُجُودُهُ أَصْلًا لِلتَّلَاحُقِ» فَامْتِنَاعُ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ، وَعَدَمُ صِحَّةِ احْتِجَاجِ التَّابِعِينَ بِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ لَازِمَانِ، لِاشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ لَهُ، وَهَذَانِ اللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ وُجِدَ، وَمَا امْتَنَعَ، وَاحْتِجَاجُ التَّابِعِينَ بِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ قَدْ صَحَّ، وَمَا عُدِمَ، وَلَا انْتَفَى، وَإِذَا بَطَلَ اللَّازِمَانِ، بَطَلَ مَلْزُومُهُمَا، وَهُوَ اشْتِرَاطُ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ لِلْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. قَوْلُهُ: «وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ» أَيْ: فِي الْوَجْهِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ امْتِنَاعُ الْإِجْمَاعِ لِلتَّلَاحُقِ، وَصِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْخَصْمَ إِنَّمَا يَشْتَرِطُ انْقِرَاضَ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ، لَا مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ وَيَلْحَقُ بِهِمْ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لَا يَلْزَمُ مِنْ تَلَاحُقِ الْمُجْتَهِدِينَ امْتِنَاعُ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ أَصْلًا، فَلَمَّا انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، اسْتَقَرَّ إِجْمَاعُهُمْ، وَصَحَّ، وَصَارَ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ; وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مِائَةُ أَلْفِ مُجْتَهِدٍ قَدْ أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ، لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي اسْتِقْرَارِ إِجْمَاعِهِمْ بِانْقِرَاضِهِمْ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ

стр. 1369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِجْمَاعِ التَّابِعِينَ مَعَ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَلُمَّ جَرًّا، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ، لِأَنَّ الْمُجْمِعِينَ يَنْقَرِضُونَ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُجْتَهِدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا: أَنَّ أَهْلَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ، ثُمَّ نَشَأَ مِنْهُمْ مُجْتَهِدٌ، لَمْ يَحْضُرْ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، كَأَصَاغِرِ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ مَعَ أَكَابِرِهِمْ، لَمْ يُشْتَرَطْ فِي انْقِرَاضِ عَصْرِهِمِ انْقِرَاضُ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ اللَّاحِقِ لَهُمُ، الَّذِي لَمْ يَحْضُرُ مَعَهُمُ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، بَلْ يَكْفِي فِي اسْتِقْرَارِ إِجْمَاعِهِمْ ذَلِكَ أَنْ يَنْقَرِضُوا هُمْ دُونَهُ. وَهَذَا الْوَجْهُ يَحْتَجُّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَهُوَ مُسْتَدْرَكٌ بِمَا ذَكَرْتُ. نَعَمْ هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ قَدْ يُسْتَدْرَكُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِطَ لِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ، إِنَّمَا اشْتَرَطَهُ لِجَوَازِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمُجْمِعِينَ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ، وَيَظْهَرُ لَهُ دَلِيلُ الْخِلَافِ نَصًّا أَوِ اجْتِهَادًا صَحِيحًا، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي اللَّاحِقِ. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ امْتِنَاعُ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ أَصْلًا، لِلتَّلَاحُقِ كَمَا سَبَقَ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ يَعْنِي فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ أَنَّ الْمُجْمِعِينَ هُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، فَكَانَ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً لِمَا سَبَقَ مِنَ النُّصُوصِ. قُلْتُ: حَتَّى عَلَى اللَّاحِقِ، فَلَا يَضُرُّ لُحُوقُهُ.

стр. 1370

قَالُوا: لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الرُّجُوعُ، كَعَلِيٍّ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ ; وَلَمَا كَانَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ إِجْمَاعًا لِتَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَعَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَاللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ. وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِمَنْعِ رُجُوعِ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَرُجُوعُ عَلِيٍّ أَنْكَرَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ عَلَيْهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي رُجُوعِهِ لِجَوَازِ ظَنِّهِ مَا ظَنَنْتُمْ. وَعَنِ الثَّانِي: بِمَنْعِ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ تَسْوِيغٌ لِلْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذْ كُلُّ طَائِفَةٍ تُخَطِّئُ الْأُخْرَى، وَتَحْصُرُ الْحَقَّ فِي جِهَتِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ــ قَوْلُهُ: «قَالُوا:» يَعْنِي الْمُشْتَرِطِينَ لِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: «لَوْ لَمْ يُشْتَرَطِ» انْقِرَاضُ الْعَصْرِ «لَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الرُّجُوعُ» عَمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ الْمُجْمِعِينَ، لِاسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَ رُجُوعِهِ، فَيَكُونُ مَحْجُوجًا بِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَدْ جَازَ، وَوَقَعَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَبَيَانُ وُقُوعِهِ بِصُوَرٍ: إِحْدَاهُنَّ: أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا وَلَا تُبَاعُ، ثُمَّ خَالَفَ عَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ، وَأَجَازَ بَيْعَهَا كَالْأَمَةِ، كَمَا

стр. 1371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَانَ حُكْمُهَا قَبْلَ إِجْمَاعِهِمْ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي قِسْمَةِ الْفَيْءِ، لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ، فَضَّلَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ فَضَائِلِهِمْ مِنْ: سَابِقَةِ هِجْرَةٍ، أَوْ غَنَاءٍ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ شَرَفٍ فِيهِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ جَلَدَا شَارِبَ الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ، فَبَانَ بِهَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّ لِلْمُجْتَهِدِ الرُّجُوعَ عَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ لَمْ يُشْتَرَطِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ، لَمَا كَانَ اتِّفَاقُ الْمُجْمِعِينَ «عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ» فِي الْمَسْأَلَةِ «بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ» فِيهَا «إِجْمَاعًا» إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَمَلْزُومُ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَلْزَمُ مِنْهُ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ ; لِأَنَّهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ ; فَاخْتِلَافُهُمْ فِيهَا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ الْخِلَافِ، وَجَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، صَارَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَصَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى عَدَمِ تَسْوِيغِ الْخِلَافِ، وَعَدَمِ جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، بَلْ حَصَرُوا الْحُكْمَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ مَا صَارُوا إِلَيْهِ آخِرًا، فَهَذَا الْإِجْمَاعُ الثَّانِي مُعَارِضٌ لِلْأَوَّلِ.

стр. 1372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ تَعَارُضَ الْإِجْمَاعَيْنِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مَعْصُومٌ قَاطِعٌ، وَالْقَوَاطِعُ الْمَعْصُومَةُ لَا تَتَعَارَضُ، لِأَنَّ تَعَارُضَهَا يُوجِبُ بُطْلَانَ بَعْضِهَا، وَالْبَاطِلُ عَلَى الْقَوَاطِعِ الْمَعْصُومَةِ مُحَالٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ «لِتَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَعَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا» لَكِنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعٌ صَحِيحٌ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، كَاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَعَلَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ، وَحَصْرِ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، بَعْدَ الْخِلَافِ فِيهَا، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَصِحُّ بِتَقْدِيرِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ إِذَنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ حَتَّى يُعَارِضَ الْإِجْمَاعَ الثَّانِي. قَوْلُهُ: «وَاللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ» يَعْنِي: عَدَمُ جَوَازِ الرُّجُوعِ لِلْمُجْتَهِدِ بَعْدَ الْوِفَاقِ، لَازِمٌ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَهُ، فَيَبْطُلُ مَلْزُومُهُ، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الِانْقِرَاضِ، وَكَذَلِكَ عَدَمُ كَوْنِ اتِّفَاقِهِمْ بَعْدَ الْخِلَافِ إِجْمَاعًا، لَازِمٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الِانْقِرَاضِ، وَقَدْ بَانَ بُطْلَانُهُ، فَيَبْطُلُ مَلْزُومُهُ، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الِانْقِرَاضِ. قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ» أَيْ: عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ دَلِيلِ الْخَصْمِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: «لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ، لَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الرُّجُوعُ» وَقَدْ جَازَ «بِمَنْعِ» جَوَازِ «رُجُوعِ الْمُجْتَهِدِ» أَيْ: لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ رُجُوعِهِ «بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ» بِمُوَافَقَتِهِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ «حُجَّةٌ عَلَيْهِ» فَصَارَ كَالْمُؤَاخَذِ بِإِقْرَارِهِ. وَأَمَّا رُجُوعُ عَلِيٍّ عَنْ تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ ; فَعَنْهُ جَوَابَانِ:

стр. 1373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: قَدْ كَانَ اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تُبَاعُ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْآنَ بَيْعَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: رَأْيُكَ مَعَ الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ لَنَا مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ، فَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا قَالَ لَهُ: لِلَّهِ دَرُّكَ، مَا أَفْقَهَكَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ رُجُوعُهُ، وَأَنَّهُ عَاوَدَ مُوَافَقَةَ الْجَمَاعَةِ. الْجَوَابُ الثَّانِي: بِتَقْدِيرِ أَنَّ رُجُوعَهُ اسْتَقَرَّ، فَلَا حُجَّةَ فِي رُجُوعِهِ عَلَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، لِجَوَازِ أَنَّهُ ظَنَّ مَا ظَنَنْتُمُوهُ مِنِ اشْتِرَاطِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَأَمَّا رُجُوعُ عُمَرَ عَنِ التَّسْوِيَةِ فِي قِسْمَةِ الْفَيْءِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَانَ وَافَقَ عَلَيْهَا ظَاهِرًا حَتَّى تَكُونَ مُخَالَفَتُهُ رُجُوعًا. سَلَّمْنَا مُوَافَقَتَهُ ظَاهِرًا ; لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ مُوَافَقَتَهُ بَاطِنًا، فَلَعَلَّهُ مَا أَظْهَرَ الْخِلَافَ إِكْرَامًا لِأَبِي بَكْرٍ عَنْ رَدِّ رَأْيِهِ، أَوْ مَهَابَةً لَهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ حِينَ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ كَانَ رَأْيُكَ هَذَا فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁؟

стр. 1374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَقَالَ: هِبْتُهُ، وَكَانَ امْرَأً مَهِيبًا، ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَظْهَرَ رَأْيَهُ لِعَدَمِ مَنْ يَهَابُهُ. وَأَمَّا ضَرْبُهُ لِشَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ ; فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ عَنِ الْإِجْمَاعِ، بَلْ كَانَ حَدُّ الشَّارِبِ بِأَصْلِ السُّنَّةِ أَحَدَ الْمِقْدَارَيْنِ: أَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ: أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَمَرَ عَلِيًّا بِجَلْدِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فِي الْخَمْرِ ; أَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. فَقَوْلُهُ: وَكُلٌّ سُنَّةٌ ; يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ ثَمَانِينَ.

стр. 1375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَلَا إِشْكَالَ لِأَنَّ هَذَا تَضَمَّنَ زِيَادَةً، فَيُقْبَلُ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا رَأَى جَلْدَهُ أَرْبَعِينَ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهَا، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ بِتَكْمِلَةِ الثَّمَانِينَ مُوَافَقَةً لِمَا أَخَذَ بِهِ عُمَرُ، لَكِنَّ الَّذِي يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ حَدَّ الشَّارِبِ كَانَ بِأَصْلِ السُّنَّةِ أَحَدَ الْمِقْدَارَيْنِ ; مَا رَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَضَرَبَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ الْأَرْبَعِينَ، وَفَعَلَهَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَوْ كَانَتِ الثَّمَانُونَ بِأَصْلِ السُّنَّةِ، لَمَا احْتَاجَ عُمَرُ إِلَى مُشَاوَرَةِ النَّاسِ فِيهِ، إِذْ خَفَاءُ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ بَعِيدٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. سَلَّمْنَا أَنَّ حَدَّ الشَّارِبِ لَمْ يَكُنْ بِأَصْلِ السُّنَّةِ أَحَدَ الْمِقْدَارَيْنِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ انْعَقَدَ عَلَى نَفْيِ الثَّمَانِينَ، بَلْ عَلَى ثُبُوتِ الْأَرْبَعِينَ، لِحُصُولِ الزَّجْرِ بِهَا، وَكَانَ نَفْيُ الثَّمَانِينَ مِنْ ثُبُوتِ الْأَرْبَعِينَ مَفْهُومًا عَدَدِيًّا ضَعِيفًا، فَلَمَّا دَعَتِ الْمَصْلَحَةُ إِلَى إِثْبَاتِ الثَّمَانِينَ، لِتَتَابُعِ النَّاسِ فِي الْخَمْرِ، فَعَلَهُ عُمَرُ، وَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، وَلَا رَاجِعًا عَنْهُ.

стр. 1376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَعَنِ الثَّانِي» أَيْ: وَأُجِيبَ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ دَلِيلِ الْخَصْمِ وَهُوَ جَوَازُ اتِّفَاقِ الْمُجْمِعِينَ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ «تَسْوِيغٌ لِلْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا» لِأَنَّ «كُلَّ طَائِفَةٍ تُخَطِّئُ الْأُخْرَى» فِي قَوْلِهَا الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ «وَتَحْصُرُ الْحَقَّ فِي جِهَتِهَا» . وَحِينَئِذٍ لَا يُوجَدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ، حَتَّى يُعَارَضَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِهِ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1377

السَّادِسَةُ: إِذَا اشْتُهِرَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ بَعْضِهِمُ التَّكْلِيفِيُّ وَلَمْ يُنْكَرْ فَإِجْمَاعٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: حُجَّةٌ لَا إِجْمَاعٌ، وَقِيلَ: فِي الْفُتْيَا لَا الْحُكْمِ، وَقِيلَ: هُمَا بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَقِيلَ: بِشَرْطِ إِفَادَةِ الْقَرَائِنِ الْعِلْمَ بِالرِّضَا. لَنَا: يَمْتَنِعُ عَادَةً السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِ الْخِلَافِ، لَا سِيَّمَا مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُجَاهِدِينَ فِي الْحَقِّ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ فِيهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. قَالُوا: يَحْتَمِلُ سُكُوتُهُ النَّظَرَ، وَالتَّقِيَّةَ، وَالتَّصْوِيبَ، وَالتَّأْخِيرَ لِمَصْلَحَةٍ، أَوْ ظَنَّ إِنْكَارِ غَيْرِهِ، أَوْ خَوْفَ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، فَحَمْلُهُ عَلَى الرِّضَا تَحَكُّمٌ. قُلْنَا: كُلُّ ذَلِكَ إِذَا قُوبِلَ بِظَاهِرِ حَالِهِمْ لَمْ يَنْهَضْ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى خُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ قَائِمٍ بِحُجَّةٍ، وَلِأَنَّ غَالِبَ الْإِجْمَاعَاتِ كَذَا، إِذِ الْعِلْمُ بِتَصْرِيحِ الْكُلِّ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَعَذِّرٌ. ــ الْمَسْأَلَةُ " السَّادِسَةُ: إِذَا اشْتُهِرَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ بَعْضِهِمُ التَّكْلِيفِيُّ " أَيِ: الْمُتَعَلِّقُ بِأَحْكَامِ التَّكْلِيفِ " وَلَمْ يُنْكَرْ " أَيْ: لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ، فَهُوَ " إِجْمَاعٌ " إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّهُ فِي " الرَّوْضَةِ " فَرَضَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِمْ، بَلْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ ، مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ مُجْتَهِدِي الْأَعْصَارِ، وَلَكِنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا قَالَ بَعْضُ الْأُمَّةِ قَوْلًا، وَسَكَتَ الْبَاقُونَ مَعَ اشْتِهَارِ

стр. 1378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ الْقَوْلِ فِيهِمْ، وَكَانَ الْقَوْلُ تَكْلِيفِيًّا، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا أَمْ لَا؟ فَلَوْ لَمْ يَشْتَهِرِ الْقَوْلُ فِيهِمْ، لَمْ يَدُلَّ سُكُوتُهُمْ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَكْلِيفِيًّا، لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ أَمْرٌ دِينِيٌّ، وَمَا لَيْسَ تَكْلِيفِيًّا، لَيْسَ دِينِيًّا بَلْ دُنْيَوِيًّا. فَإِذَا اشْتُهِرَ قَوْلُ بَعْضِ الْأُمَّةِ التَّكْلِيفِيُّ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ نَكِيرٌ، فَهُوَ إِجْمَاعٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْجُبَّائِيِّ، لَكِنَّهُ اشْتُرِطَ فِيهِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِضَعْفِهِ كَمَا سَبَقَ " خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ " وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قَالَا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ دَاوُدَ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. " وَقِيلَ ": هُوَ " حُجَّةٌ لَا إِجْمَاعٌ " أَيْ: حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ يَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ، وَاخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ. " وَقِيلَ: فِي الْفُتْيَا " أَيْ: هُوَ إِجْمَاعٌ فِي الْفُتْيَا " لَا " فِي " الْحُكْمِ " أَيْ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ فُتْيَا مِنْ مُفْتٍ ; كَانَ مَعَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ عَنْ إِنْكَارِهِ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ حُكْمًا مِنْ حَاكِمٍ، لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يَتَخَلَّفُ الْإِنْكَارُ عَنْهُ، إِمَّا مَهَابَةً لَهُ، أَوْ لِأَنَّ أَحْكَامَهُ تَتْبَعُ اطِّلَاعَهُ عَلَى أَحْوَالِ رَعِيَّتِهِ، فَرُبَّمَا حَكَمَ بِحُكْمٍ لِأَمْرٍ اخْتَصَّ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، فَلَا يُقْدِمُ غَيْرُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، لِقِيَامِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَحِينَئِذٍ سُكُوتُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، لِجَوَازِ أَنَّ الْحَاكِمَ أَخْطَأَ ظَاهِرًا، وَأَصَابَ

стр. 1379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَاطِنًا، فَمَنَعَهُ ذَلِكَ مِنَ الْإِنْكَارِ، بِخِلَافِ الْمُفْتِي، فَإِنَّهُ لَا يُهَابُ الرَّدُّ عَلَيْهِ، بَلْ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ رَدُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَحُكْمُ الْفَقِيهِ مُسْتَنِدٌ إِلَى أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ يَنْظُرُ فِيهَا، لَا إِلَى أُمُورٍ بَاطِنَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: " وَقِيلَ: هُمَا بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ " أَيْ: وَقِيلَ: هُوَ حُجَّةٌ وَإِجْمَاعٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ: " وَقِيلَ: بِشَرْطِ " أَيْ: هُوَ إِجْمَاعٌ بِشَرْطِ " إِفَادَةِ الْقَرَائِنِ الْعِلْمَ بِالرِّضَا " أَيْ: يُوجَدُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى رِضَا السَّاكِتِينَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ. وَهَذَا أَحَقُّ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ إِفَادَةَ الْقَرَائِنِ الْعِلْمَ بِالرِّضَا، كَإِفَادَةِ النُّطْقِ لَهُ، فَيَصِيرُ كَالْإِجْمَاعِ النُّطْقِيِّ مِنَ الْجَمِيعِ وَهَذَا يُنَافِي قَوْلَ أَبِي هِشَامٍ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ لَا إِجْمَاعٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ مَعَ عَدَمِ الْقَرَائِنِ، وَهَذَا مَعَ الْقَرَائِنِ، فَيَسْتَوِيَانِ، وَالْقَوْلُ الْمَذْكُورُ مَعَ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْعِلْمِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْءٍ، لِأَنَّ الْقَرَائِنَ إِذَا أَفَادَتِ الْعِلْمَ بِرِضَا السَّاكِتِينَ، لَمْ يَبْقَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ إِجْمَاعًا مُتَّجِهًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي قَوْلِ الْبَعْضِ، وَسُكُوتِ الْبَعْضِ، مُجَرَّدًا عَنِ الْقَرَائِنِ، وَفِيهِ الْأَقْوَالُ الْخَمْسَةُ الْأُوَلُ. " لَنَا: " أَيْ: عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مُطْلَقًا أَنَّهُ " يَمْتَنِعُ " فِي الْعَادَةِ " السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِ الْخِلَافِ " إِذَا لَاحَ دَلِيلُهُ " لَا سِيَّمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، الْمُجَاهِدِينَ فِي

стр. 1380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحَقِّ، الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ فِيهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ " وَإِذَا كَانَ السُّكُوتُ عَنِ الْخِلَافِ مُمْتَنِعًا فِي الْعَادَةِ ; وَجَبَ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ دَلِيلَ الرِّضَا عَادَةً، فَيَكُونُ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ مَعَهُ إِجْمَاعًا. قَوْلُهُ: " قَالُوا: " أَيِ: الْمَانِعُونَ لِكَوْنِهِ إِجْمَاعًا، احْتَجُّوا بِأَنَّ سُكُوتَ السَّاكِتِ عَنْ إِظْهَارِ خِلَافِ قَوْلِ الْقَائِلِ " يَحْتَمِلُ " أُمُورًا: أَحَدُهَا: " النَّظَرُ " فِي الدَّلِيلِ، وَالتَّرَوِّي فِي الْحُكْمِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَسْتَحْضِرُ الدَّلِيلَ بَدِيهَةً، وَلَا كُلُّ دَلِيلٍ يُسْتَحْضَرُ كَذَلِكَ، لِتَفَاوُتِ الْأَذْهَانِ فِي الْإِدْرَاكِ، وَالْأَحْكَامِ فِي الْوُضُوحِ وَالْخَفَاءِ. الثَّانِي: " التَّقِيَّةُ " لِلْقَائِلِ، أَيْ: يَتَّقِي سَطْوَتَهُ مَهَابَةً لَهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِبْتُهُ، وَكَانَ امْرَأً مَهِيبًا، يَعْنِي عُمَرَ. الثَّالِثُ: " التَّصْوِيبُ " وَهُوَ أَنْ يَسْكُتَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَهَذَا الْقَائِلُ مُجْتَهِدٌ، فَيَكُونُ مُصِيبًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُوَافَقَةُ السَّاكِتِ. الرَّابِعُ: " التَّأْخِيرُ لِمَصْلَحَةٍ " وَالْمَصَالِحُ الَّتِي يُقَدَّرُ عُرُوضُهَا، وَمُنَاسَبَةُ تَأْخِيرِ الْإِنْكَارِ لَهَا كَثِيرَةٌ، كَخَوْفِ إِثَارَةِ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ سَكَتَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ أَنْكَرَ فَسَقَطَ الْإِنْكَارُ عَنْهُ، لِأَنَّ إِنْكَارَ مَا لَا يَجُوزُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَسْقُطُ عَنِ الْجَمِيعِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ كَمَا سَبَقَ. السَّادِسُ: أَنَّهُ سَكَتَ مَخَافَةَ أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَى إِنْكَارِهِ، بِأَنْ ظَهَرَتْ لَهُ

стр. 1381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمَارَاتُ ذَلِكَ فَيَضَعَ مِنْهُ، خُصُوصًا إِنْ كَانَ ذَا مَنْصِبٍ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ بِالْإِنْكَارِ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَسْقُطُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَفِي شُبَهِ ذَلِكَ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، حِينَ عُوتِبَ عَلَى فِرَارِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَرَكْتُ قِتَالَهُمْ ... حَتَّى عَلَوْا فَرَسِي بِأَشْقَرَ مُزْبِدِ وَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا ... أُقْتَلْ وَلَا يَضْرُرْ عَدُوِّي مَشْهَدِي وَوَجْهٌ سَابِعٌ: وَهُوَ أَنْ، يُنْكِرُ السَّاكِتُ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ إِنْكَارُهُ. وَإِذَا كَانَ السُّكُوتُ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْأُمُورَ " فَحَمْلُهُ عَلَى الرِّضَا تَحَكُّمٌ " نَادِرٌ، لِأَنَّهُ احْتِمَالٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ احْتِمَالَاتٍ. قَوْلُهُ: " قُلْنَا: " يَعْنِي فِي الْجَوَابِ " كُلُّ ذَلِكَ " أَيْ: كُلُّ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ إِذَا قُوبِلَتْ " بِظَاهِرِ حَالِهِمْ " فِي تَرْكِ السُّكُوتِ، وَجَرَيَانِ الْعَادَةِ، وَاقْتِضَاءِ الطِّبَاعِ إِظْهَارَ مَا يَعْتَقِدُهُ حَقًّا، لَا يَنْهَضُ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ

стр. 1382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ظَاهِرِ حَالِهِمْ أَغْلِبُ وَأَظْهَرُ، وَاحْتِمَالٌ وَاحِدٌ قَوِيٌّ، يَظْهَرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ الْخَفِيَّةِ، كَمَا قِيلَ: وَوَاحِدٌ كَالْأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَنَا. " وَلِأَنَّهُ " أَيْ: وَلِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ عَدَمِ دَلَالَةِ السُّكُوتِ عَلَى الرِّضَا " يُفْضِي إِلَى خُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ قَائِمٍ بِحُجَّةِ " الشَّرْعِ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵇: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةَ، إِذَا حُقِّقَ أَمْرُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ بَانَ ضَعْفُهَا، أَوْ ضَعْفُ بَعْضِهَا. قَوْلُهُ: " وَلِأَنَّ غَالِبَ الْإِجْمَاعَاتِ كَذَا ". هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ دَلِيلُ الرِّضَا. وَتَقْرِيرُهُ: لَوْ لَمْ يَدُلَّ سُكُوتُ السَّاكِتِ عَلَى الرِّضَا لِتَعَذُّرِ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ بِالْأَصَالَةِ، أَوْ تَعَذُّرِ وُجُودِهِ غَالِبًا، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ النُّطْقِيَّ عَزِيزٌ جِدًّا " إِذِ الْعِلْمُ بِتَصْرِيحِ " كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ " بِحُكْمٍ وَاحِدٍ، فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَعَذِّرٌ " لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الشَّرْعِ الْفَرْعِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَإِقْرَارُ الْبَعْضِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ آخَرَانِ: وَهُوَ أَنَّ إِقْرَارَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا سَمِعَهُ أَوْ يَرَاهُ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ وَتَصْوِيبِهِ، فَكَذَلِكَ سُكُوتُ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِقْرَارُهُمْ، لِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ بِنَصِّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ.

стр. 1383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّانِي: أَنَّ التَّابِعِينَ كَانُوا إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مَسْأَلَةٌ، فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْلَ صَحَابِيٍّ مُنْتَشِرًا لَمْ يُنْكَرْ ; لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ، وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِجْمَاعٌ، تَظْهَرُ قُوَّتُهُ فِيمَا إِذَا اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، لَكِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ ضَعَّفَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ لَا إِجْمَاعٌ. قَالَ ": لِأَنَّا إِنْ قَدَّرْنَا رِضَا السَّاكِتِ، فَهُوَ إِجْمَاعٌ، وَإِلَّا فَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ، بِالْمَهَابَةِ وَعَدَمِهَا، وَمَا ذُكِرُ قَبْلُ، فَإِنَّمَا يَتَّجِهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَالْحَاكِمُ كَالْمُفْتِينَ فِي ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: الْقَاعِدَةُ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ وَاللُّغَةِ أَنْ لَا يُنْسَبَ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ، إِلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُكُوتَهُ كَالْقَوْلِ، حُكْمًا أَوْ حَقِيقَةً، لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَدَمِ، وَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْأَقْوَالُ. فَلِهَذَا لَوْ أَتْلَفَ إِنْسَانٌ مَالَ غَيْرِهِ، وَهُوَ سَاكِتٌ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ضَمِنَ الْمُتْلِفُ، وَلَا يُجْعَلْ سُكُوتُ الْمَالِكِ إِذْنًا فِيهِ. وَلَوِ ادُّعِيَ عَلَى شَخْصٍ دَعْوَى، فَلَمْ يُجِبْ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، لَمْ يُجْعَلْ

стр. 1384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُقِرًّا بِالْحَقِّ بِسُكُوتِهِ، بَلْ يَقُولُ لَهُ الْحَاكِمُ: إِنْ أَجَبْتَ، وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ، فَإِذَا لَمْ يُجِبْ، قَضَى لِوُجُودِ شَرْطِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ عَدَمُ إِجَابَتِهِ، تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْإِقْرَارِ، لِظُهُورِهِ فِيهِ، لَا أَنَّهُ إِقْرَارٌ حَقِيقَةً. وَهَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَثْنَاةِ الَّتِي يُنْسَبُ فِيهَا إِلَى السَّاكِتِ قَوْلٌ بِدَلِيلٍ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَطَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؟ أَوْ أَعْتَقْتَ رَقِيقَكَ؟ أَوْ زَوَّجْتَ ابْنَتَكَ فُلَانًا؟ أَوْ بِعْتَهُ؟ أَوْ رَهَنْتَهُ؟ أَوْ وَهَبْتَهُ هَذِهِ الْعَيْنَ؟ أَوْ لِفُلَانٍ عِنْدَكَ كَذَا؟ فَسَكَتَ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا. أَمَّا إِنْ قَامَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ عَلَى نِسْبَةِ الْقَوْلِ أَوْ مُقْتَضَاهُ إِلَى السَّاكِتِ، عُمِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﵇ فِي الْبِكْرِ: إِذْنُهَا صُمَاتُهَا، وَكَذَلِكَ ضَحِكُهَا وَبُكَاؤُهَا يَعْنِي فِي تَزْوِيجِهَا، وَكَقَوْلِنَا: إِنَّ إِقْرَارَ النَّبِيِّ ﵇ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى إِنْكَارِهِ حُجَّةٌ، وَإِنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ، وَكَقَوْلِنَا: إِنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَحَدِ وَلَدَيْنِ وَلَدَتْهُمَا امْرَأَتُهُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، وَسَكَتَ عَنْ تَوْأَمِهِ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ، لِاسْتِلْزَامِ إِقْرَارِهِ بِتَوْأَمِهِ الْإِقْرَارَ بِهِ عَقْلًا، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ هُنِّئَ بِوَلَدِهِ، فَسَكَتَ، أَوْ أَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ، أَوْ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ إِمْكَانِهِ، وَالْعِلْمِ بِأَنَّ لَهُ نَفْيَهُ ; لَحِقَهُ نَسَبُهُ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ هَاهُنَا كَالْقَوْلِ، وَلَوْ حَلَقَ

стр. 1385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَلَالٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ، وَقَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِذْنٌ، فَهَلِ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْحَالِقِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، لِأَنَّ سُكُوتَهُ هَاهُنَا قَوِيٌّ، لِاقْتِرَانِهِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَنْعِ، فَصَارَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْإِذْنِ الْمَحْضِ، وَالسُّكُوتِ الْمَحْضِ، وَسُكُوتُ أَحَدِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ عَنِ الْجَوَابِ لَا يُعَدُّ انْقِطَاعًا فِي التَّحْقِيقِ، إِلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْهُ، أَوْ قَرِينَةِ حَالٍ ظَاهِرَةٍ، مِثْلَ أَنْ يُعْرَفَ بِحُبِّ الْمُنَاظَرَةِ، وَقَهْرِ الْخُصُومِ، وَتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا سُكُوتُهُ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنِ انْقِطَاعٍ. أَمَّا لَوِ انْتَفَتِ الْقَرِينَةُ، لَمْ يَدُلَّ سُكُوتُهُ عَلَى الِانْقِطَاعِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اسْتِحْضَارِ الدَّلِيلِ، وَتَرَفُّعِهِ عَنِ الْخَصْمِ لِظُهُورِ بَلَادَتِهِ، أَوْ تَعْظِيمِهِ، وَإِجْلَالِهِ عَنِ انْقِطَاعِهِ مَعَهُ، أَوْ إِفْضَاءِ الْمُنَاظَرَةِ إِلَى الرِّيَاءِ، وَسُوءِ الْقَصْدِ، فَيُحِبُّ السَّلَامَةَ بِالسُّكُوتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ، وَلِذَلِكَ اشْتُهِرَ بَيْنَ الْعَامَّةِ، إِذَا قَرَّرُوا شَخْصًا بِأَمْرٍ، فَسَكَتَ، قَالُوا: سُكُوتُهُ إِقْرَارُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، بَلْ إِنْ ظَهَرَتْ قَرَائِنُ الْإِقْرَارِ، دَلَّ سُكُوتُهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ، نَحْوَ: خُذْ، وَأَعْطِنِي، أَوْ يَتَعَاطَيَانِ بِلَا قَوْلٍ أَصْلًا مِنْ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ، فَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ مَالَ الْغَيْرِ حَرَامٌ إِلَّا بِالتَّرَاضِي وَهُوَ خَفِيٌّ فِي النَّفْسِ،

стр. 1386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَحْتَاجُ إِلَى قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ السَّاكِتَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَكْثَرُ عَنِ الْعُلَمَاءِ صِحَّتُهُ، لِدَلَالَةِ السُّكُوتِ مَعَ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ عَلَى الرِّضَا قَطْعًا، وَلِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعِيًّا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كُلُّ مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ. وَالسِّرُّ فِيهِ، أَنَّ الْعِبَارَاتِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا، بَلْ لِدِلَالَتِهَا عَلَى مَا فِي النُّفُوسِ مِنَ الْإِرَادَاتِ وَالْمَعَانِي، فَإِذَا حَصَلَتِ الدِّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ بِدُونِ الْأَلْفَاظِ، صَارَتْ فَضْلَةً لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، كَمَا لَا يَحْتَاجُ الطَّائِرُ فِي صُعُودِهِ السَّطْحَ إِلَى نَصْبِ سُلَّمٍ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِالْجَنَاحِ، وَلِهَذَا وَقَعَ الْحَذْفُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، لِحُصُولِ مَقْصُودِ اللَّفْظِ الْمَحْذُوفِ بِالْقَرَائِنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1387

السَّابِعَةُ: إِذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ، امْتَنَعَ إِحْدَاثُ ثَالِثٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ. لَنَا: هُوَ مُخَالَفَةُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَنِسْبَةٌ لِلْأُمَّةِ إِلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ. قَالُوا: لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَحْرِيمِ الثَّالِثِ، فَجَازَ كَمَا لَوْ عُلِّلَ أَوِ اسْتُدِلَّ بِغَيْرِ عِلَّتِهِمْ وَدَلِيلِهِمْ، وَكَمَا لَوْ نَفَى بَعْضٌ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَأَثْبَتَ بَعْضٌ، فَنَفَى الثَّالِثُ فِي إِحْدَاهُمَا وَأَثْبَتَ فِي الْأُخْرَى. قُلْنَا: وَسَكَتُوا عَنِ الثَّانِي، وَلَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُهُ، وَالْعِلَّةُ وَالدَّلِيلُ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُمَا وَلَمْ يَتَعَبَّدُوا بِهِ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمَا يَكْفِي، وَالنَّافِي فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى لَمْ يَخْرُجْ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ انْقِسَامُ الْأُمَّةِ إِلَى فِرْقَتَيْنِ تُصِيبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتُخْطِئُ فِي الْأُخْرَى عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ، إِذِ الْمُمْتَنِعُ خَطَأُ الْجَمِيعِ فِي كِلْتَيْهِمَا لَا فِي بَعْضٍ بِالتَّرْكِيبِ. وَقِيلَ: إِنْ رَفَعَ الثَّالِثُ الْإِجْمَاعَ امْتَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ أَوْلَى. ــ الْمَسْأَلَةُ " السَّابِعَةُ: إِذَا اخْتَلَفُوا " يَعْنِي أَهْلَ الْعَصْرِ " عَلَى قَوْلَيْنِ، امْتَنَعَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ " إِحْدَاثُ " قَوْلٍ " ثَالِثٍ " عِنْدَ الْجُمْهُورِ " خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالظَّاهِرِيَّةِ " وَالشِّيعَةِ. قَوْلُهُ: " لَنَا: " أَيْ: عَلَى امْتِنَاعِ إِحْدَاثِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ " مُخَالَفَةُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ " فَيَمْتَنِعُ، أَمَّا أَنَّهُ خِلَافُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ حَصْرٌ لِلْحَقِّ فِيهِمَا فَلَا

стр. 1388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَتَجَاوَزُهُمَا، فَالْقَوْلُ الثَّالِثُ خَارِجٌ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنِ الْحَقِّ الْمَحْصُورِ فِيهِ، وَأَمَّا أَنَّ خِلَافَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، مُمْتَنِعٌ بِالْأَدِلَّةِ لِلْإِجْمَاعِ السَّابِقَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ نِسْبَةَ الْأُمَّةِ إِلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَمَا أَفْضَى إِلَى غَيْرِ الْجَائِزِ لَا يَجُوزُ. أَمَّا أَنَّهُ يُوجِبُ نِسْبَةَ الْأُمَّةِ إِلَى مَا ذَكَرْنَا، فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ اقْتَضَى حَصْرَ الْحَقَّ فِيهِمَا، فَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ حَقًّا، لَكَانَتِ الْأُمَّةُ قَدْ ضَيَّعَتْهُ. وَأَمَّا أَنَّ نِسْبَتَهَا إِلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ لَا يَجُوزُ، فَلِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الْعِصْمَةَ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عِصْمَتِهَا، وَمَا نَافَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا أَنَّ مَا أَفْضَى إِلَى غَيْرِ الْجَائِزِ لَا يَجُوزُ، فَلِأَنَّ وَسِيلَةَ الْمَمْنُوعِ مَمْنُوعَةٌ، وَمِنْ كُلِّيَّاتِ الْقَوَاعِدِ: أَنَّ الْوَسَائِلَ تَتْبَعُ الْمَقَاصِدَ. قُلْتُ: وَيَرِدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَنْعُ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ حَصْرٌ لِلْحَقِّ فِيهِمَا، بَلْ إِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْقَوْلَيْنِ، لَا عَلَى نَفْيِ الثَّالِثِ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ حُدُوثِ الثَّالِثِ، فَلَمَّا حَدَثَ الثَّالِثُ، تَبَيَّنَ أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا. قَوْلُهُ: " قَالُوا: " يَعْنِي الْمُجَوِّزِينَ لِإِحْدَاثِ قَوْلٍ ثَالِثٍ، احْتَجُّوا بِأَنَّ الْمُخْتَلِفِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ " لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَحْرِيمِ " الْقَوْلِ " الثَّالِثِ، فَجَازَ " إِحْدَاثُهُ، كَمَا لَوْ عَلَّلُوا أَوِ اسْتَدَلُّوا بِعِلَّةٍ أَوْ دَلِيلٍ، فَعَلَّلَ مَنْ بَعْدَهُمْ، أَوِ اسْتَدَلَّ بِغَيْرِ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَذَلِكَ الدَّلِيلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، فَكَذَا إِحْدَاثُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ، وَكَذَا لَوْ

стр. 1389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَفَى بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْحُكْمَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، وَأَثْبَتَهُ بَعْضُهُمْ فِيهِمَا " فَنَفَى الثَّالِثُ فِي إِحْدَاهُمَا، وَأَثْبَتَ فِي الْأُخْرَى " جَازَ. كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِذَا أُودِعَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَالْعَبْدُ مَالًا، فَأَتْلَفَاهُ، ضَمِنَاهُ، وَقَالَ قَائِلٌ: لَا يَضْمَنَانِ، فَقَالَ الثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْعَبْدُ دُونَ الصَّبِيِّ. وَكَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْكَلْبِ، وَلَا الْخِنْزِيرِ بِالدِّبَاغِ. وَقَالَ آخَرُ: يَطْهُرَانِ، فَقَالَ ثَالِثٌ: يَطْهُرُ جِلْدُ الْكَلْبِ دُونَ الْخِنْزِيرِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، فَكَذَا إِحْدَاثُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ. قَوْلُهُ: " قُلْنَا: وَسَكَتُوا عَنِ الثَّانِي، وَلَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُهُ ". هَذَا نَقْضٌ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُخْتَلِفِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمْ يُصَرِّحُوا بِنَفْيِ الثَّالِثِ، فَيَجُوزُ إِحْدَاثُهُ، وَإِلْزَامٌ لَهُمْ عَلَى اعْتِلَالِهِمْ فِيهِ مَا لَا يَقُولُونَ بِهِ. وَتَوْجِيهُ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ: أَنَّهُمْ كَمَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِنَفْيِ الثَّالِثِ ; كَذَلِكَ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، لَمْ يُصَرِّحُوا بِنَفْيِ قَوْلٍ ثَانٍ، بَلْ سَكَتُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُهُ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ كَانَ عَدَمُ تَصْرِيحِهِمْ بِالثَّالِثِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِحْدَاثِهِ، فَلْيَكُنْ عَدَمُ تَصْرِيحِهِمْ بِالثَّانِي غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ إِحْدَاثِهِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ. قَوْلُهُ: " وَالْعِلَّةُ وَالدَّلِيلُ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا فَرْقٌ بَيْنَ إِحْدَاثِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ، وَبَيْنَ التَّعْلِيلِ أَوِ الِاسْتِدْلَالِ بِغَيْرِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ الْعَصْرِ. وَتَقْرِيرُ الْفَرْقِ: أَنَّ " الْعِلَّةَ وَالدَّلِيلَ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُمَا " أَيْ: ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، أَوْ دَلِيلَيْنِ، يَخْفَى أَحَدُهُمَا عَنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَيَظْهَرُ لِأَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي، وَلَيْسُوا مُتَعَبَّدِينَ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى جَمِيعِ الْعِلَلِ وَالْأَدِلَّةِ، إِذْ

стр. 1390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَقْصُودُ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ وَالدَّلِيلِ الْوَاحِدِ، فَالْعِلَلُ وَالْأَدِلَّةُ وَسَائِلُ لَا مَقَاصِدُ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا مُثْبَتًا، أَوْ وَاجِبًا مُحَرَّمًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مُتَعَبَّدٌ بِهِ، مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ، فَإِحْدَاثُهُ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى غَيْرِهِ خِلَافٌ لِسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَقْصُودِ، وَنِسْبَةٌ لَهُمْ إِلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ وَإِهْمَالِهِ، بِخِلَافِ الْعِلَّةِ، وَالدَّلِيلِ. قَوْلُهُ: " وَالنَّافِي " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى مَا لَوْ نَفَى الْبَعْضُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، وَأَثْبَتَ الْبَعْضُ الْآخَرُ فِيهِمَا، فَنَفَى الثَّالِثُ فِي إِحْدَاهُمَا. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ " النَّافِيَ فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى لَمْ يَخْرُجْ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ " أَلَا تَرَاهُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ وَافَقَ بَعْضَهُمْ فِي تَضْمِينِ الْعَبْدِ، وَالْبَعْضَ الْآخَرَ فِي عَدَمِ تَضْمِينِ الصَّبِيِّ، بِخِلَافِ مَنْ أَحْدَثَ قَوْلًا ثَالِثًا، فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ خُرُوجًا كُلِّيًّا. قَوْلُهُ: " وَمِنْ ثَمَّ " أَيْ: وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ الْكُلِّيُّ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا الْخُرُوجُ الْجُزْئِيُّ ; " جَازَ " أَنْ تَنْقَسِمَ " الْأُمَّةُ إِلَى فِرْقَتَيْنِ، تُصِيبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ " مِنْهُمَا " فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَتُخْطِئُ فِي الْأُخْرَى عَلَى الْأَصَحِّ " فِي ذَلِكَ. مِثَالُهُ: خَطَأُ الْحَنَابِلَةِ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَإِصَابَةُ الشَّافِعِيَّةِ فِي

стр. 1391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَخَطَأُ الشَّافِعِيَّةِ فِي إِبَاحَةِ الْبِنْتِ الْمَخْلُوقَةِ مِنَ الزِّنَى، وَكَرَاهَةِ الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ، وَإِصَابَةُ الْحَنَابِلَةِ فِي تَحْرِيمِهَا وَعَدَمِ كَرَاهَتِهِ. وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ، لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ خَطَأُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ فِي كِلْتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ " لَا فِي بَعْضٍ بِالتَّرْكِيبِ " أَيْ: لَيْسَ الْمُمْتَنِعُ خَطَأَ الْأُمَّةِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ خَطَأً مُرَكَّبًا، بِأَنْ تُخْطِئَ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى، لِأَنَّ الْخَطَأَ الْمُرَكَّبَ جُزْئِيٌّ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى عِصْمَتِهَا مِنْهُ، إِنَّمَا دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى نَفْيِ الْخَطَأِ الْكُلِّيِّ ; وَهُوَ أَنْ يُخْطِئَ مَجْمُوعُ الطَّائِفَتَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ; بِخِلَافِ الْخَطَأِ الْمُرَكَّبِ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ فِيهِ مُخْطِئَةً مِنْ وَجْهٍ، فَهِيَ مُصِيبَةٌ مِنْ وَجْهٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ خَطَأَ كُلِّ فِرْقَةٍ فِي مَسْأَلَةٍ هُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، فَلِهَذَا خَرَجَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَقْضِي أَنَّهُ إِمَّا أَنْ تُخْطِئَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْفِرْقَتَيْنِ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، أَوْ تُصِيبَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْفِرْقَتَيْنِ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، أَوْ تُصِيبَ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَتُخْطِئَ فِي الْأُخْرَى، فَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ، لِأَنَّهُ خَطَأٌ كُلِّيٌّ، وَالثَّانِي جَائِزٌ حَسَنٌ، لِأَنَّهُ إِصَابَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَالثَّالِثُ وَاسِطَةٌ، لِأَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى مَا فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ أُلْحِقَ بِالطَّرَفِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْخَطَأُ الْكُلِّيُّ فِي الِامْتِنَاعِ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى مَا فِيهِ مِنَ الصَّوَابِ أُلْحِقَ بِالطَّرَفِ الثَّانِي، وَهُوَ الصَّوَابُ الْكُلِّيُّ فِي الْجَوَازِ. قَوْلُهُ: " وَقِيلَ: إِنْ رَفَعَ الثَّالِثُ الْإِجْمَاعَ امْتَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ أَوْلَى " هَذَا

стр. 1392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ إِحْدَاثَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ إِنْ رَفَعَ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ، جَازَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ فِي " الْمَحْصُولِ " وَالْآمِدِيِّ فِي " مُنْتَهَى السُّولِ ". مِثَالُ الرَّافِعِ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ: أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مُطْلَقًا، وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ إِذَا تَعَمَّدَ قَتْلَهُ، مِثْلَ أَنْ يَذْبَحَهُ ذَبْحًا وَنَحْوَهُ، لَا أَنْ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ وَنَحْوِهِ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ تَأْدِيبَهُ، فَأَتَى عَلَى نَفْسِهِ خَطَأً. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ آخَرُ: يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ مُطْلَقًا، كَانَ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُ الْأُمَّةِ بِاعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ طَهَارَةٍ، وَقَالَ الْبَعْضُ الْآخَرُ: بِاعْتِبَارِهَا فِي بَعْضِ الطَّهَارَاتِ دُونَ بَعْضٍ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ لِلتَّيَمُّمِ دُونَ الْوُضُوءِ، فَالنَّافِي لِاعْتِبَارِهَا فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ مُطْلَقًا ; يَكُونُ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُ الْأُمَّةِ: الْجَدُّ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ، وَيَأْخُذُ الْمَالَ دُونَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَاسِمُهُمْ كَأَخٍ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْإِخْوَةَ يَحُوزُونَ الْمَالَ كُلَّهُ ; كَانَ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ. عَلَى أَنَّ الْقَرَافِيَّ حَكَى عَنِ ابْنِ حَزْمٍ فِي " الْمُحَلَّى " أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ: الْمَالُ كُلُّهُ لِلْإِخْوَةِ، تَغْلِيبًا لِلْبُنُوَّةِ عَلَى الْأُبُوَّةِ،

стр. 1393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ هَذَا الْمِثَالُ، لِكَوْنِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ لَيْسَ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الرَّافِعُ لِلْإِجْمَاعِ أَنْ يُقَدَّرَ قَوْلُ قَائِلٍ بِأَنَّ الْجَدَّ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ نِصْفَيْنِ ; قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، أَوْ يُفَصِّلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا لِأَبَوَيْنِ، فَيَحُوزُونَهُ أَوْ يُقَاسِمُونَ، أَوْ لِأَبٍ، فَيَنْفَرِدُ بِهِ عَنْهُمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ الَّتِي لَمْ يَقُلْ بِهَا قَائِلٌ. وَمِثَالُ مَا لَيْسَ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ: مَا سَبَقَ مِنَ النَّفْيِ فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، وَكَمَا لَوِ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَالْقَوْلُ بِإِثْبَاتِهَا فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَا يَمْتَنِعُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعِ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ، بَلْ وَافَقَ كُلَّ فَرِيقٍ فِي بَعْضِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ مُخَالَفَةُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ مُخَالَفَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَسَبِيلُ بَعْضِهِمْ لَا يَتَنَاوَلُهُ دَلِيلُ السَّمْعِ، وَإِلَّا لَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1394

الثَّامِنَةُ: اتِّفَاقُ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الصَّحَابَةِ إِجْمَاعٌ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِلْقَاضِي وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. لَنَا: سَبِيلُ مُؤْمِنِي عَصْرٍ فَيَنْهَضُ السَّمْعِيُّ، كَاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ. قَالُوا: فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ، وَلَا يَبْطُلُ مَذْهَبُ الْمَيِّتِ بِمَوْتِهِ. قُلْنَا: يَلْزَمُ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ كَقَوْلِ دَاوُدَ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ. ــ الْمَسْأَلَةُ «الثَّامِنَةُ: اتِّفَاقُ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الصَّحَابَةِ إِجْمَاعٌ» أَيْ: إِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَاتَّفَقَ التَّابِعُونَ عَلَى أَحَدِهِمَا، كَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا «عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ» حَيْثُ قَالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَنَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى الْخِلَافِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْحَقُّ، فَيَمْتَنِعُ الِاتِّفَاقُ بَعْدَهُ، أَوْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. قُلْتُ: وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ امْتِنَاعَ الِاتِّفَاقِ بَعْدَ الْخِلَافِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالتَّابِعِينَ مَعَ الصَّحَابَةِ، بَلْ أَيُّ عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ اخْتَلَفَ أَهْلُهُ، فَهَلْ يَصِحُّ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ بَعْدَهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؟ وَلَا نِزَاعَ فِي إِمْكَانِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ عَقْلًا، بَلْ فِي صِحَّتِهِ شَرْعًا. «لَنَا:» أَيْ: عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي «سَبِيلُ مُؤْمِنِي عَصْرٍ، فَيَنْهَضُ» الدَّلِيلُ «السَّمْعِيُّ» عَلَى كَوْنِهِ مَعْصُومًا، بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ

стр. 1395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْ أَنَّ إِجْمَاعَ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ، وَصَارَ ذَلِكَ «كَاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ» فَإِنَّهُ يَكُونُ إِجْمَاعًا، كَذَلِكَ هَذَا. قَوْلُهُ: «قَالُوا:» يَعْنِي الْمَانِعِينَ لِكَوْنِ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ حُجَّةً ; قَالُوا: هَذَا الِاتِّفَاقُ هُوَ «فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ» فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، لِأَنَّ الْعِصْمَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، لَا لِبَعْضِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ هُوَ أَنَّ حُكْمَ الْقَوْلِ الْآخَرِ مِنْ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ بَاقٍ، لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ وَإِنْ مَاتُوا ; لَكِنَّ قَوْلَهُمْ لَمْ يَمُتْ، لِأَنَّ مَذْهَبَ الْمَيِّتِ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَقْوَالَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مَعْمُولٌ بِهَا، مُعْتَمَدٌ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فَمَا بَعْدَهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ لَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِ قَائِلِهِ ; كَانَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ اتِّفَاقًا عَلَى فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: يَلْزَمُ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ، كَقَوْلِ دَاوُدَ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ» . تَوْجِيهُ هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ بِأَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّهُ فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ لَا كُلِّهَا، يَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ، بِأَنْ لَا يَصِحَّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ إِلَّا مِنْهُمْ، وَلَا يَصِحَّ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّهُمْ وَإِنْ مَاتُوا، فَأَقْوَالُهُمْ لَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِهِمْ، فَكُلُّ مَنِ اتَّفَقَ بَعْدَهُمْ عَلَى حُكْمٍ، فَقَوْلُهُ فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ لَا فُتْيَا

стр. 1396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كُلِّهَا ; فَلَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بَعْدَهُمْ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، لَكِنَّ اخْتِصَاصَ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ بَاطِلٌ، بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنَ الْخَصْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَبْطُلُ مَلْزُومُهُ، وَهُوَ أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ فَيَصِحُّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ. تَنْبِيهٌ: أَمَّا اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْوَاحِدِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ ، فَجَائِزٌ، خِلَافًا لِلصَّيْرَفِيِّ، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ الْوُقُوعُ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا، وَقَدْ سَبَقَتْ أَمْثِلَتُهُ فِي مَسْأَلَةِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَلَعَلَّ الصَّيْرَفِيَّ يَحْتَجُّ بِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ فَأَكْثَرَ ; إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ فِيهَا بِالِاجْتِهَادِ، فَاتِّفَاقُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ رَفْعٌ لِذَلِكَ الْإِجْمَاعِ، وَمُعَارَضَةٌ لِلْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَأَمَّا كَوْنُ اخْتِلَافِهِمْ إِجْمَاعًا عَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَمَمْنُوعٌ، وَإِنْ سُلِّمَ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي، لَجَازَ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ إِجْمَاعٍ ثَانٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ إِجْمَاعٌ أَصْلًا، وَأَنْ يَجُوزَ نَقْضُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ أَبَدًا، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَالْمُفْضِي إِلَيْهِ بَاطِلٌ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ تَعَيَّنَتْ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَوَجْهُ الْحَقِّ، فَاسْتَقَرَّتْ لَهُ الْعِصْمَةُ، بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ عَلَى

стр. 1397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلَيْنِ، فَإِنَّ جِهَةَ الْمَصْلَحَةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَمْ تَسْتَقِرَّ الْعِصْمَةُ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَكَانَ اسْتِقْرَارُهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، فَإِذَا وُجِدَ، زَالَ الْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1398

التَّاسِعَةُ: اتِّفَاقُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَ إِجْمَاعًا ; وَكَذَا أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَأَوْلَى. وَالْخِلَافُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا يُفِيدُ أَنَّهُ حُجَّةٌ. وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ. لَنَا: الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ لَا لِلْبَعْضِ وَلَا لِلْمَكَانِ ; قَالَ: يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْخَطَأِ عَادَةً. قُلْنَا: بَاقِي الْأُمَّةِ أَكْثَرُ، فَالتَّمَسُّكُ بِهَذَا فِي حَقِّهِمْ أَوْلَى. ــ الْمَسْأَلَةُ «التَّاسِعَةُ: اتِّفَاقُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ» بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ «لَيْسَ إِجْمَاعًا، وَكَذَا» اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ «أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَوْلَى» أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنِ اتِّفَاقُ الْأَرْبَعَةِ إِجْمَاعًا، فَقَوْلُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ إِجْمَاعًا وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَهَؤُلَاءِ بَعْضُهَا. قَوْلُهُ: «وَالْخِلَافُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا يُفِيدُ أَنَّهُ حُجَّةٌ» يَعْنِي أَنَّ أَحْمَدَ ﵀ نُقِلَ عَنْهُ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَنُقِلَ عَنْهُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بِاتِّفَاقِ الْأَرْبَعَةِ، وَبِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ فِي اتِّفَاقِ الْأَرْبَعَةِ، وَيَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا. وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ ﷺ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَقَوْلُهُ ﷺ : اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ

стр. 1399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَعُمَرَ، وَلَوْ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، لَمَا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ سُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إِنْ كَانَتْ هِيَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُمْ بِهَا، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدِينُهُ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لَا بَعْضِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ تُعْتَبَرْ، فَكَانَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا اعْتِبَارَ سُنَّتِهِمْ، فَإِمَّا أَنْ لَا تُعْتَبَرَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ سُنَّتِهِمْ، أَوْ تُعْتَبَرَ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ، لَزِمَ اسْتِقْلَالُ سُنَّتِهِمْ بِالصَّوَابِ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ. وَإِنِ اعْتُبِرَتْ مَعَهَا سُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ ، لَمْ تَسْتَقِلَّ سُنَّتُهُمْ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ، لِأَنَّ مَا اعْتُبِرَ لَهُ سَبَبَانِ، أَوْ عُلِّقَ عَلَى سَبَبَيْنِ، لَمْ يَحْصُلْ بِأَحَدِهِمَا. أَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ; فَهُوَ تَعْرِيفٌ بِصِفَةِ الْخِلَافَةِ مَعَ الرَّشَادِ، فَلَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْبَعَةِ وَلَا بِالشَّيْخَيْنِ، بَلْ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خَلِيفَةٍ رَاشِدٍ، فَيَجِبُ أَنْ يُضَمَّ فِي الِاعْتِبَارِ إِلَى قَوْلِهِمْ قَوْلُ كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَنَحْوِهِ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورُونَ، لَكِنَّ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِمْ لَا يَنْفِي اعْتِبَارَ بَقِيَّةِ الْأُمَّةِ مَعَهُمْ، إِذْ بَقِيَّةُ الْأُمَّةِ مَسْكُوتٌ عَنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ دَلَّ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِمْ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْحَدِيثِ:

стр. 1400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَيْكُمْ بِسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمُوَافِقَةِ لِقَوْلِ بَاقِي أُمَّتِي، وَخَصَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ رُؤَسَاءُ الْأُمَّةِ وَخَيْرُهَا وَأَفْضَلُهَا. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ اتِّبَاعُ سُنَّتِهِمْ فَقَطْ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا فِي أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ إِجْمَاعٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ فِي الْفُتْيَا، أَوِ السِّيَاسَةِ، أَوِ الرِّوَايَةِ، أَوْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، يُقَدَّمُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ، لِقِدَمِ عَهْدِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَرُسُوخِهِمْ فِيهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ لَيْسَ كُلُّ حُجَّةٍ إِجْمَاعًا، وَعَلَيْهِ حُمِلَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَحْمَدَ، مِنْ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ إِجْمَاعٌ، لَكِنْ هَاهُنَا مَا يُعَارِضُهُ، وَهُوَ أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ بِمُجَرَّدِهِ، لَوْ كَانَ إِجْمَاعًا، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ إِجْمَاعًا، وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ بِالْحَقِّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ. وَقَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، وَنُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: كُنَّا نَرَى أَنَّ مَعَ عُمَرَ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ، وَقَالَ ﷺ فِي حَدِيثٍ يَرْوِيهِ مِشْرَحُ ابْنُ هَاعَانَ: «لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي يُنْتَظَرُ، لَكَانَ عُمَرُ» وَقَالَ فِي عَلِيٍّ: اللَّهُمَّ

стр. 1401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ. وَلَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُسَدِّدُ لِسَانَكَ، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضِيَّةٍ بَعْدُ، فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ عُمَرَ مَضْرُوبٌ بِالْحَقِّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَهُوَ شَهَادَةٌ لَهُ بِالْعِصْمَةِ مِنَ الْخَطَأِ، وَدَعَا لِعَلِيٍّ بِدَوَرَانِ الْحَقِّ مَعَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَهُ، وَيُسَدِّدُ لِسَانَهُ حَتَّى قَالَ: أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَهُوَ شَهَادَةٌ لَهُ أَيْضًا بِذَلِكَ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا مَعًا، أَوْ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا حُجَّةً قَاطِعَةً. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيهِمَا، لَزِمَ ثُبُوتُهُ فِي أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، وَفِي عُثْمَانَ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لَكِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ قَوْلَ كُلٍّ مِنْهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا الشِّيعَةُ فِي عَلِيٍّ، لِاعْتِقَادِهِمْ عِصْمَتَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ نَحْوٌ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ هُمَا مُعَارَضَانِ بِقَوْلِهِ ﷺ : أَصْحَابِي

стр. 1402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَالنُّجُومِ بِأَيِّهُمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ، وَأَيْضًا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ سَائِرَ الصَّحَابَةِ خَالَفُوا الشَّيْخَيْنِ فِي حُكْمٍ ; فَالْأَخْذُ بِالْقَوْلَيْنِ وَإِلْغَاؤُهُمَا بَاطِلٌ، وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِمَا مَعَ خِلَافِ الْأَكْثَرِ لَهُمَا بَعِيدٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهِ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ضَعْفُ الْقَوْلِ بِأَنَّ اتِّفَاقَ الْأَرْبَعَةِ أَوِ الشَّيْخَيْنِ إِجْمَاعٌ، وَأَنَّ حَمْلَ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ; عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ لَا قَاطِعَةٌ مُتَعَيِّنٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، خِلَافًا لِمَالِكٍ» وَحْدَهُ، فَإِنَّ إِجْمَاعَهُمْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ: هُوَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا فِي نَقْلٍ نَقَلُوهُ، أَوْ فِي عَمَلٍ عَمِلُوهُ. «لَنَا:» أَيْ: عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَنَّ الْعِصْمَةَ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَهُمْ بَعْضُهَا لَا جَمِيعُهَا، فَلَا تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ لِقَوْلِهِمْ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، بَلْ يَكُونُ حُجَّةً ظَنِّيَّةً يُعْمَلُ بِهِ إِذَا خَلَا عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ. قَوْلُهُ: «وَلَا لِلْمَكَانِ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ وَرَدَ فِي فَضْلِهَا نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ، فَرُبَّمَا ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِهَا إِجْمَاعٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَيْسَتْ لِلْمَكَانِ، وَإِلَّا لَكَانَتْ مَكَّةُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَوْ مُسَاوِيَةً لَهَا فِيهِ، لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَإِنَّمَا الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ جَمِيعِهَا. قَوْلُهُ: «قَالَ:» يَعْنِي مَالِكًا: احْتَجَّ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ جَمٌّ غَفِيرٌ، شَاهَدُوا

стр. 1403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّنْزِيلَ، وَعَلِمُوا التَّأْوِيلَ، وَتَنَاقَلَ ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ عَنِ الْآبَاءِ، وَالْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَ «اتِّفَاقُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْخَطَأِ» مُمْتَنِعٌ فِي الْعَادَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ صَوَابًا فِي الْعَادَةِ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: بَاقِي الْأُمَّةِ أَكْثَرُ، فَالتَّمَسُّكُ بِهَذَا فِي حَقِّهِمْ أَوْلَى» . أَيْ: إِنْ دَلَّتْ كَثْرَةُ مُجْتَهِدِي الْمَدِينَةِ عَلَى صَوَابِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَبَقِيَّةُ الْأُمَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَلْتَكُنْ أَكْثَرِيَّتُهُمْ أَدَلَّ عَلَى صَوَابِ قَوْلِهِمْ مِنْ كَثْرَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى صَوَابِ قَوْلِهِمْ. وَيَتَقَرَّرُ هَذَا الْجَوَابُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، مُنَبَّهٍ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْتُهُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ قُدِّرَ أَنَّ بَاقِيَ الْأُمَّةِ خَالَفُوا أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي حُكْمٍ، فَإِمَّا أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ الْفَرِيقَيْنِ، أَوْ يُتْرَكَ قَوْلُهُمَا، وَهُمَا بَاطِلَانِ، لِمَا سَبَقَ فِي اعْتِبَارِ قَوْلِ الْعَامِّيِّ، أَوْ يُقَدَّمَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّ بَاقِيَ الْأُمَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، وَهُوَ بَعِيدٌ، مُخَالِفٌ لِلْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ السَّوَادِ الْأَكْثَرِ. وَقَوْلُهُ: «يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْخَطَأِ عَادَةً» . قُلْنَا: بَقِيَّةُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ جَمٌّ غَفِيرٌ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ عَادَةً، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَجَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، كَانُوا بِهَا، كَمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ «الْعِلْمِ» بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ:

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَرْبَعَمِائَةِ فَقِيهٍ. قُلْتُ: يَعْنِي مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاتِّفَاقُ مِثْلِ هَؤُلَاءِ عَلَى الْخَطَأِ يَمْتَنِعُ عَادَةً، وَبِهِ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ أَظُنُّهُمْ أَصْحَابَ الرَّأْيِ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ حُجَّةٌ، وَمَالِكٌ لَا يَقُولُ بِهِ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَجْهَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رِوَايَتَهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ، وَكَذَا اتِّفَاقُهُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ مُسْتَنَدُهُ الْعِصْمَةُ السَّمْعِيَّةُ، وَلَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِهِمْ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالْخَطَأُ خَبَثٌ، فَوَجَبَ نَفْيُهُ عَنْ أَهْلِهَا. وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَصَابَتْهُ فِيهَا حُمَّى، فَسَأَلَهُ إِقَالَةَ الْبَيْعَةِ لِيَخْرُجَ إِلَى الْبَادِيَةِ، فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ، فَخَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَتَضَيَّعُ طِيبُهَا.

стр. 1405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ، كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الْعُمُومِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَثَ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ لَا يُفِيدُ الْخَطَأَ، مُطَابَقَةً، وَلَا تَضَمُّنًا، وَلَا الْتِزَامًا، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى نَفْيِ الْخَطَأِ، وَلَئِنْ جَازَ لِلْمَالِكِيَّةِ الِاحْتِجَاجُ بِنَفْيِ الْخَبَثِ عَنِ الْمَدِينَةِ ; عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِهَا حُجَّةٌ، جَازَ لِلشِّيعَةِ الِاحْتِجَاجُ بِنَفْيِ الرِّجْسِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ; عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ، لِأَنَّ دِلَالَةَ الرِّجْسِ عَلَى الْخَطَأِ لَا تَتَقَاصَرُ عَنْ دِلَالَةِ الْخَبَثِ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْخَطَأِ مِنَ الْخَبَثِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قُلْتُ: وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ ; فِي النَّفْسِ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طُمَأْنِينَةٌ، وَسُكُونٌ قَوِيٌّ جِدًّا، فَالتَّوَقُّفُ فِيهَا غَيْرُ مُلْزِمٍ.
следующие страницы →