← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ. وَلَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُسَدِّدُ لِسَانَكَ، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضِيَّةٍ بَعْدُ، فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ عُمَرَ مَضْرُوبٌ بِالْحَقِّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَهُوَ شَهَادَةٌ لَهُ بِالْعِصْمَةِ مِنَ الْخَطَأِ، وَدَعَا لِعَلِيٍّ بِدَوَرَانِ الْحَقِّ مَعَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَهُ، وَيُسَدِّدُ لِسَانَهُ حَتَّى قَالَ: أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَهُوَ شَهَادَةٌ لَهُ أَيْضًا بِذَلِكَ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا مَعًا، أَوْ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا حُجَّةً قَاطِعَةً. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيهِمَا، لَزِمَ ثُبُوتُهُ فِي أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، وَفِي عُثْمَانَ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لَكِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ قَوْلَ كُلٍّ مِنْهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا الشِّيعَةُ فِي عَلِيٍّ، لِاعْتِقَادِهِمْ عِصْمَتَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ نَحْوٌ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ هُمَا مُعَارَضَانِ بِقَوْلِهِ ﷺ : أَصْحَابِي

стр. 1402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَالنُّجُومِ بِأَيِّهُمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ، وَأَيْضًا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ سَائِرَ الصَّحَابَةِ خَالَفُوا الشَّيْخَيْنِ فِي حُكْمٍ ; فَالْأَخْذُ بِالْقَوْلَيْنِ وَإِلْغَاؤُهُمَا بَاطِلٌ، وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِمَا مَعَ خِلَافِ الْأَكْثَرِ لَهُمَا بَعِيدٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهِ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ضَعْفُ الْقَوْلِ بِأَنَّ اتِّفَاقَ الْأَرْبَعَةِ أَوِ الشَّيْخَيْنِ إِجْمَاعٌ، وَأَنَّ حَمْلَ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ; عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ لَا قَاطِعَةٌ مُتَعَيِّنٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، خِلَافًا لِمَالِكٍ» وَحْدَهُ، فَإِنَّ إِجْمَاعَهُمْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ: هُوَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا فِي نَقْلٍ نَقَلُوهُ، أَوْ فِي عَمَلٍ عَمِلُوهُ. «لَنَا:» أَيْ: عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَنَّ الْعِصْمَةَ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَهُمْ بَعْضُهَا لَا جَمِيعُهَا، فَلَا تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ لِقَوْلِهِمْ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، بَلْ يَكُونُ حُجَّةً ظَنِّيَّةً يُعْمَلُ بِهِ إِذَا خَلَا عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ. قَوْلُهُ: «وَلَا لِلْمَكَانِ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ وَرَدَ فِي فَضْلِهَا نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ، فَرُبَّمَا ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِهَا إِجْمَاعٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَيْسَتْ لِلْمَكَانِ، وَإِلَّا لَكَانَتْ مَكَّةُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَوْ مُسَاوِيَةً لَهَا فِيهِ، لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَإِنَّمَا الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ جَمِيعِهَا. قَوْلُهُ: «قَالَ:» يَعْنِي مَالِكًا: احْتَجَّ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ جَمٌّ غَفِيرٌ، شَاهَدُوا

стр. 1403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّنْزِيلَ، وَعَلِمُوا التَّأْوِيلَ، وَتَنَاقَلَ ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ عَنِ الْآبَاءِ، وَالْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَ «اتِّفَاقُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْخَطَأِ» مُمْتَنِعٌ فِي الْعَادَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ صَوَابًا فِي الْعَادَةِ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: بَاقِي الْأُمَّةِ أَكْثَرُ، فَالتَّمَسُّكُ بِهَذَا فِي حَقِّهِمْ أَوْلَى» . أَيْ: إِنْ دَلَّتْ كَثْرَةُ مُجْتَهِدِي الْمَدِينَةِ عَلَى صَوَابِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَبَقِيَّةُ الْأُمَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَلْتَكُنْ أَكْثَرِيَّتُهُمْ أَدَلَّ عَلَى صَوَابِ قَوْلِهِمْ مِنْ كَثْرَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى صَوَابِ قَوْلِهِمْ. وَيَتَقَرَّرُ هَذَا الْجَوَابُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، مُنَبَّهٍ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْتُهُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ قُدِّرَ أَنَّ بَاقِيَ الْأُمَّةِ خَالَفُوا أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي حُكْمٍ، فَإِمَّا أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ الْفَرِيقَيْنِ، أَوْ يُتْرَكَ قَوْلُهُمَا، وَهُمَا بَاطِلَانِ، لِمَا سَبَقَ فِي اعْتِبَارِ قَوْلِ الْعَامِّيِّ، أَوْ يُقَدَّمَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّ بَاقِيَ الْأُمَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، وَهُوَ بَعِيدٌ، مُخَالِفٌ لِلْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ السَّوَادِ الْأَكْثَرِ. وَقَوْلُهُ: «يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْخَطَأِ عَادَةً» . قُلْنَا: بَقِيَّةُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ جَمٌّ غَفِيرٌ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ عَادَةً، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَجَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، كَانُوا بِهَا، كَمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ «الْعِلْمِ» بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ:

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَرْبَعَمِائَةِ فَقِيهٍ. قُلْتُ: يَعْنِي مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاتِّفَاقُ مِثْلِ هَؤُلَاءِ عَلَى الْخَطَأِ يَمْتَنِعُ عَادَةً، وَبِهِ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ أَظُنُّهُمْ أَصْحَابَ الرَّأْيِ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ حُجَّةٌ، وَمَالِكٌ لَا يَقُولُ بِهِ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَجْهَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رِوَايَتَهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ، وَكَذَا اتِّفَاقُهُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ مُسْتَنَدُهُ الْعِصْمَةُ السَّمْعِيَّةُ، وَلَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِهِمْ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالْخَطَأُ خَبَثٌ، فَوَجَبَ نَفْيُهُ عَنْ أَهْلِهَا. وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَصَابَتْهُ فِيهَا حُمَّى، فَسَأَلَهُ إِقَالَةَ الْبَيْعَةِ لِيَخْرُجَ إِلَى الْبَادِيَةِ، فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ، فَخَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَتَضَيَّعُ طِيبُهَا.

стр. 1405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ، كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الْعُمُومِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَثَ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ لَا يُفِيدُ الْخَطَأَ، مُطَابَقَةً، وَلَا تَضَمُّنًا، وَلَا الْتِزَامًا، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى نَفْيِ الْخَطَأِ، وَلَئِنْ جَازَ لِلْمَالِكِيَّةِ الِاحْتِجَاجُ بِنَفْيِ الْخَبَثِ عَنِ الْمَدِينَةِ ; عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِهَا حُجَّةٌ، جَازَ لِلشِّيعَةِ الِاحْتِجَاجُ بِنَفْيِ الرِّجْسِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ; عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ، لِأَنَّ دِلَالَةَ الرِّجْسِ عَلَى الْخَطَأِ لَا تَتَقَاصَرُ عَنْ دِلَالَةِ الْخَبَثِ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْخَطَأِ مِنَ الْخَبَثِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قُلْتُ: وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ ; فِي النَّفْسِ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طُمَأْنِينَةٌ، وَسُكُونٌ قَوِيٌّ جِدًّا، فَالتَّوَقُّفُ فِيهَا غَيْرُ مُلْزِمٍ.

стр. 1406

وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ وَحْدَهُمْ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ. لَنَا: مَا سَبَقَ. قَالُوا: الْخَطَأُ رِجْسٌ، وَالرِّجْسُ مَنْفِيٌّ عَنْهُمْ. قُلْنَا: الْآيَةُ وَرَدَتْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ; ثُمَّ الرِّجْسُ: الْكُفْرُ، أَوِ الْعَذَابُ، أَوِ النَّجَاسَةُ، وَالْخَطَأُ الِاجْتِهَادِيُّ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا ; ثُمَّ الرِّجْسُ مُفْرَدًا حُلِّيَ بِاللَّامِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ. قَالُوا: «كِتَابُ اللَّهِ وَعِتْرَتِي» . قُلْنَا: الْمُعَلَّقُ عَلَى شَيْئَيْنِ لَا يُوجَدُ بِأَحَدِهِمَا، وَالْكِتَابُ يَمْنَعُ مَا ذَكَرْتُمْ ; ثُمَّ الْعِتْرَةُ لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْبَيْتِ. ــ قَوْلُهُ: " وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ وَحْدَهُمْ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ. لَنَا: مَا سَبَقَ " يَعْنِي مِنْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ، وَالْعِصْمَةُ إِنَّمَا تَثْبُتُ لِجَمِيعِهَا، فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ حُجَّةً مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ، لَا إِجْمَاعًا، كَمَا قُلْنَا فِي اتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: " قَالُوا: " يَعْنِي الشِّيعَةَ: " الْخَطَأُ رِجْسٌ، وَالرِّجْسُ مَنْفِيٌّ " عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ لِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٣] . قَوْلُهُ: " قُلْنَا: الْآيَةُ وَرَدَتْ ". هَذَا جَوَابٌ عَنِ اسْتِدْلَالِ الشِّيعَةِ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ تَعْنُونَهُمْ، بَلْ إِنَّمَا " وَرَدَتْ

стр. 1407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ " بِدِلَالَةِ السِّيَاقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: ٣٢ - ٣٤] . فَخِطَابُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَكْشِفُ مَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، فَكُنَّ مُرَادَاتٍ مِنْهُ وَلَا بُدَّ، فَأَمَّا عَلَى الْخُصُوصِ، فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي الْآيَةِ أَصْلًا، أَوْ مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ هُمُ الْعِتْرَةُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ ، لِمُشَارَكَتِهِنَّ لَهُمْ فِي إِذْهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَكُمْ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الرِّجْسَ يُطْلَقُ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْعَذَابِ، وَالنَّجَاسَةِ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ فِي الْآيَةِ أَحَدُهَا " وَالْخَطَأُ الِاجْتِهَادِيُّ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا " فَلَا يَلْزَمُ إِذَنْ مِنْ نَفْيِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ نَفْيُ الْخَطَأِ. الْوَجْهُ الثَّالِثِ: أَنَّ الرِّجْسَ اسْمٌ مُفْرَدٌ حُلِّيَ بِاللَّامِ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، فَبِتَقْدِيرِ أَنَّ الرِّجْسَ هُوَ الْخَطَأُ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ جَمِيعِهِ عَنْهُمْ، فَلَا يَبْقَى فِي الْآيَةِ دِلَالَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ قَوِيَّةٌ فِي جَوَابِ دَلِيلِ الشِّيعَةِ، غَيْرَ أَنَّ جَوَابَهُمْ عَنْهَا قَوِيٌّ مُتَيَسِّرٌ أَيْضًا. فَيُقَالُ: الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ خَاصٌّ بِمَنْ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَيْسَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مُرَادَاتٍ مِنْهُ عُمُومًا وَلَا خُصُوصًا، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَاطَبَ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ،

стр. 1408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَحْوَ: قَرْنَ وَلَا تَبَرَّجْنَ وَاذْكُرْنَ حَتَّى جَاءَ إِلَى ذِكْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ، خَاطَبَهُمْ بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ الْكَافِ وَالْمِيمِ حَيْثُ قَالَ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾ ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْكُنَّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الزَّوْجَاتِ، وَهُمْ مَنْ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قُلْتُ: وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ، إِذْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْمُذَكَّرِ، أَعْنِي: لَفْظَ (أَهْلَ) ، فَغَلَبَ جَانِبُ التَّذْكِيرِ، فَجِيءَ بِضَمِيرِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا رَوَى عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، نَزَلَتْ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَدَعَا فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ، قَالَ: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُمَرَ، وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٣] الْآيَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

стр. 1409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَرَادَ مُبَاهَلَةَ نَصَارَى نَجْرَانَ، شَمَلَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ بِكِسَاءٍ، وَجَاءَ بِهِمْ لِيُبَاهِلَ بِهِمْ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَذَلِكَ حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ : ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦١] الْآيَةَ، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ هُمْ هَؤُلَاءِ لَا غَيْرُ، وَلَيْسَ النِّسَاءُ مُرَادَاتٍ مِنْهُ، وَإِلَّا لَقَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: أَنْتِ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقُلْ لَهَا ذَلِكَ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ نَفْيُ كَوْنِهَا مِنْهُمْ. أَمَّا دِلَالَةُ السِّيَاقِ عَلَى أَنَّهُنَّ مُرَادَاتٌ مِنَ الْآيَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ التَّمَسُّكِ ; لَكِنَّ ذَلِكَ مَعَ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ خَاصٌّ بِهَؤُلَاءِ، فَلَا يُفِيدُ، وَالْقُرْآنُ وَغَيْرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يَقَعُ فِيهِ الْفَصْلُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ بِالْأَجْنَبِيِّ كَقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ " أَذِلَّةً [النَّمْلِ: ٣٤] هَذَا حِكَايَةُ قَوْلِ بِلْقِيسَ، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٣٤] كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَوْلُهُ : ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: الصَّادِقِينَ [يُوسُفَ: ٥١] هَذَا حِكَايَةُ كَلَامِ الْمَرْأَةِ، ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: غَفُورٌ رَحِيمٌ [يُوسُفَ: ٥٢ - ٥٣] كَلَامُ يُوسُفَ ﵇. وَقَوْلُهُ : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٢١] إِلَى قَرِيبِ آخِرِ السُّورَةِ يَوْمَ أُحُدٍ فِي مَعْنَى غَزَاتِهَا، وَتَذْكِيرِ يَوْمِ بَدْرٍ وَنَحْوِهِ، وَوَقَعَ الِاعْتِرَاضُ بَيْنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٠ - ١٣٩] .

стр. 1410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَبِالْجُمْلَةِ فَاعْتِرَاضَاتُ الْعَرَبِيَّةِ، وَالتَّخَلُّصَاتُ مِنْ كَلَامٍ إِلَى كَلَامٍ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَبْدَعِ مَا يَكُونُ، حَتَّى إِنَّ الْإِنْسَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَوَالِيَتَيْنِ مِنْهُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ فِي مَعْنًى، وَمَنِ اسْتَقْرَأَ ذَلِكَ، وَنَظَرَ فِيهِ، عَرَفَهُ، وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وَقَعَ اعْتِرَاضًا وَفَصْلًا بَيْنَ أَجْزَاءِ خِطَابِ النِّسْوَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ السُّنَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِذَلِكَ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ الرِّجْسَ يَتَنَاوَلُ الْخَطَأَ لُغَةً وَاسْتِدْلَالًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَوْهَرِيَّ قَالَ: الرِّجْسُ: الْقَذَرُ، قُلْنَا: وَالْقَذَرُ أَعَمُّ مِمَّا يَسْتَقْبِحُهُ الطَّبْعُ كَالنَّجَاسَاتِ الْمُتَجَسِّدَةِ، أَوِ الْعَقْلُ كَالنَّقَائِصِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ تَتَنَاوَلُ الْخَطَأَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يُونُسَ: ١٠٠] : إِنَّهُ الْعِقَابُ وَالْغَضَبُ. قُلْنَا: فَإِنْ كَانَ الرِّجْسُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُرَادًا مِنَ الْآيَةِ، فَقَدْ نَفَى اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الْعِقَابَ وَالْغَضَبَ، وَالْخَطَأُ مِنْ أَسْبَابِهِمَا، فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ عَنْهُمْ، وَإِلَّا انْتَفَى الْمُسَبَّبُ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ السَّبَبَ يَقْتَضِي وُجُودَ الْمُسَبَّبِ، فَلَوْ فَرَضْنَا انْتِفَاءَ الْمُسَبَّبِ مَعَ ثُبُوتِ مَا يَقْتَضِي وُجُودَهُ، لَزِمَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ فِي حَالٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ. قُلْتُ: هَذَا الِاسْتِدْلَالُ لَا يَنْهَضُ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْمُسَبَّبِ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَوُجُودُ السَّبَبِ وَتَخَلُّفُ الْمُسَبَّبِ لِمَانِعٍ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَيْضًا، وَاسْتِدْلَالُهُمْ

стр. 1411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِنَّمَا هُوَ بِنَفْيِ الْمَلْزُومِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ اللَّازِمِ وَلَا عَدَمِهِ، وَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يُخْطِئُوا فِي اجْتِهَادِهِمْ، وَيَتَخَلَّفَ الْعِقَابُ عَنْهُمْ، لِقَوْلِهِ ، أَوْ لِلرُّخْصَةِ بِكَوْنِهِ خَطَأً اجْتِهَادِيًّا فِيهِ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَمَعَ الْإِصَابَةِ أَجْرَانِ. قَالُوا: وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي " تَفْسِيرِهِ ": أَنَّ الرِّجْسَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْإِثْمِ، وَعَلَى الْعَذَابِ، وَعَلَى النَّجَاسَاتِ وَالنَّقَائِصِ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الرِّجْسَ يَقَعُ عَلَى النَّقَائِصِ، فَالْخَطَأُ مِنْ أَقْبَحِهَا، لَا سِيَّمَا فِي الِاجْتِهَادِ الشَّرْعِيِّ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِصَابَتُهُمْ فِي الِاجْتِهَادِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ حُجَّةً قَاطِعَةً بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَهِيَ أَدَلُّ فِي حَقِّهِمْ مِنْ أَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ لَا يَسْتَغْرِقُ، بَلْ قَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، كَمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي " الْمَعَالِمِ ". الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الرِّجْسِ إِنْ أَفَادَ الْعُمُومَ، اسْتَدْلَلْنَا بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُفْدِهُ، اسْتَدْلَلْنَا بِقَوْلِهِ : ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٣] وَدِلَالَتُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 1412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهُمَا: أَنَّ اقْتِرَانَ لَفْظِ التَّطْهِيرِ بِذِكْرِ الرِّجْسِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّطْهِيرَ مِنْ ذَلِكَ الرِّجْسِ، وَهُوَ يَقْتَضِي عُمُومَ التَّطْهِيرِ، بِدَلِيلِ تَأْكِيدِهِ بِالْمَصْدَرِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِذِكْرِ الرِّجْسِ، لَأَفَادَ عُمُومَ التَّطْهِيرِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ اسْتِدْلَالٌ بِمَجْمُوعِ لَفْظِ الرِّجْسِ وَالتَّطْهِيرِ، وَالثَّانِي اسْتِدْلَالٌ بِلَفْظِ التَّطْهِيرِ الْمُؤَكِّدِ وَحْدَهُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هَبْ أَنَّ لَفْظَ الرِّجْسِ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، لَكِنَّ وُقُوعَ النَّفْيِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ مَاهِيَّتِهِ، وَهِيَ لَا تَنْتَفِي إِلَّا بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا، فَيَلْزَمُ عُمُومُ النَّفْيِ بِهَذَا الطَّرِيقِ. قَالَتِ الشِّيعَةُ: فَإِنْ قِيلَ: أَنْتُمْ لَا تَقْبَلُونَ رِوَايَةَ الصَّحَابَةِ، فَكَيْفَ قَبِلْتُمُوهَا فِي تَخْصِيصِ أَهْلِ الْبَيْتِ بِمَنْ ذَكَرْتُمْ. قُلْنَا: نَحْنُ إِنَّمَا أَوْرَدْنَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ إِلْزَامًا لَكُمْ بِرِوَايَةِ مَنْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى اطِّرَاحِ رِوَايَتِهِ، لَا اعْتِمَادًا مِنَّا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اعْتَمَدْنَا عَلَى تَوَاتُرِ ذَلِكَ عِنْدَنَا مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَمَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، لَكِنَّا لَوِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ، رُبَّمَا مَنَعْتُمُونَاهُ، فَاحْتَجَجْنَا عَلَيْكُمْ بِمَا تَقْبَلُونَ، وَجَعَلْنَا ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِمَا عِنْدَنَا، لَا مُسْتَقِلًّا بِالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: " قَالُوا: كِتَابُ اللَّهِ وَعِتْرَتِي ". هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلشِّيعَةِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ

стр. 1413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأَبِي سَعِيدٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابَ اللَّهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي، أَهْلَ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا النَّصِّ: أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّمَسُّكِ بِالْعِتْرَةِ، وَأَخْبَرَ بِعَدَمِ ضَلَالِ مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ حُجَّةً قَاطِعَةً لَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

стр. 1414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: " قُلْنَا: " إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ أَنَّهُ ﵇ عَلَّقَ نَفْيَ الضَّلَالِ عَلَى شَيْئَيْنِ: الْكِتَابِ وَالْعِتْرَةِ، و" الْمُعَلَّقُ عَلَى شَيْئَيْنِ لَا يُوجَدُ بِأَحَدِهِمَا " فَنَفْيُ الضَّلَالِ لَا يُوجَدُ بِالتَّمَسُّكِ بِالْعِتْرَةِ وَحْدَهَا، دُونَ الْكِتَابِ " وَالْكِتَابُ يَمْنَعُ مَا ذَكَرْتُمْ " مِنْ أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ لِقَوْلِهِ : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النِّسَاءِ: ١١٥] وَنَحْوِهِ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ لِلْأُمَّةِ لَا لِبَعْضِهَا. " ثُمَّ " إِنَّ " الْعِتْرَةَ لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْبَيْتِ " بَلْ هِيَ فِي اللُّغَةِ: نَسْلُ الرَّجُلِ وَرَهْطُهُ الْأَدْنَوْنَ. كَذَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: نَحْنُ عِتْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قُلْتُ: وَلَهُمْ أَنْ يُجِيبُوا عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتَهُ لَنْ يَتَفَرَّقَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ. وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْبَيْتِ حَجَّةٌ بِنَفْيِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُوَافَقَةُ الْكِتَابِ لِإِجْمَاعِهِمْ، وَعَدَمُ مُنَافَاتِهِ لَهُ، وَأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ لَا يَثْبُتُ، وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ. وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي. وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ مَنْ هُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَأَوْرَدَ الْقَرَافِيُّ عَلَى احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٣] الْآيَةَ، أَنَّ الْحَصْرَ مُتَعَذِّرٌ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ، فَيَتَعَيَّنُ إِبْطَالُ الْحَقِيقَةِ، وَوُجُوهُ الْمَجَازِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، فَيَبْقَى مُجْمَلًا، فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.

стр. 1415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: يُشِيرُ إِلَى أَنَّ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ، وَهِيَ هَاهُنَا تَقْتَضِي حَصْرَ إِرَادَةِ اللَّهِ فِي إِذْهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، وَلَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِي ذَلِكَ، بَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ ظَاهِرٌ. قُلْتُ: وَلَهُمْ أَنْ يُجِيبُوا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْعُ أَنَّ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ، بَلْ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا سَبَقَ. الثَّانِي: بِتَقْدِيرِ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ لَكِنْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحَصْرَ تَارَةً يَعُمُّ، وَتَارَةً يَخُصُّ، نَحْوَ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النِّسَاءِ: ١٧١] ، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، أَيْ: بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنْذِرِينَ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْآيَةِ خَاصٌّ بِاعْتِبَارِ أَهْلِ الْبَيْتِ، أَوْ جِهَةٍ مَا مِنَ الْجِهَاتِ. قُلْتُ: أَقْرَبُ مَا يُسْلَكُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا سَلَكْنَاهُ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي اعْتِبَارِ الْعَامِّيِّ ; وَعَلَى مَالِكٍ فِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا خَالَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ بَاقِيَ الْأُمَّةِ فِي حُكْمٍ، فَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ الْقَوْلَانِ، أَوْ يُلْغَيَا جَمِيعًا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، أَوْ يُقَدَّمَ قَوْلُ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﵇: اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ، شَذَّ فِي النَّارِ. الثَّانِي: أَنَّ إِصَابَةَ آحَادٍ يَسِيرَةٍ، وَخَطَأَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ بَعِيدٌ جِدًّا. قُلْتُ: وَلَهُمْ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ اعْتِرَاضَاتٌ، لَا أُطِيلُ بِذِكْرِهَا.

стр. 1416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " الرُّوحِ وَالنَّفْسِ " ; قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: ذَهَبَتِ الشِّيعَةُ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَخَ فِي آدَمَ مِنْ رُوحِ ذَاتِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ الرُّوحُ فِي الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَلَدِهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى عَلِيٍّ، ثُمَّ إِلَى وَلَدِهِ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّهُمْ بِذَلِكَ الرُّوحِ مَعْصُومُونَ، يَعْلَمُونَ الْمُغَيَّبَاتِ، وَيَسْتَغْنُونَ عَنْ مُعَلِّمٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، حَتَّى أَفْضَى الْأَمْرُ بِبَعْضِ الشِّيعَةِ إِلَى أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إِلَهِيَّةَ عَلِيٍّ، وَالْأَئِمَّةِ مِنْ وَلَدِهِ. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَقَدْ بَعُدَ عَهْدِي بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1417

الْعَاشِرَةُ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُتَصَوَّرُ عَنْ قِيَاسٍ، وَقِيلَ: يُتَصَوَّرُ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ مَعَ مَدَارِكِ الظَّنِّ كَإِلْحَاقِ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ. قَالُوا: الْقِيَاسُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا إِجْمَاعَ مَعَ الْخِلَافِ. قُلْنَا: نَفْرِضُهُ قَبْلَ الْخِلَافِ فِيهِ، أَوْ يَسْتَنِدُ الْمُخَالِفُ فِيهِ إِلَى مَدْرَكٍ لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، أَوْ يَظُنُّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ كَالْعَكْسِ. قَالُوا: ظَنِّيٌّ، فَلَا يُثْبِتُ أَصْلًا أَقْوَى مِنْهُ. قُلْنَا: بَاطِلٌ بِالْعُمُومِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِذَا تُصُوِّرَ كَانَ حُجَّةً بِأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ. ــ الْمَسْأَلَةُ " الْعَاشِرَةُ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَا بُدَّ لِلْإِجْمَاعِ مِنْ دَلِيلٍ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ بِمُجَرَّدِ الِاتِّفَاقِ وَالتَّبْحِيثِ، أَيْ: لَا يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إِلَى حُجَّةٍ، بَلْ مَتَى اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلٍ، لَزِمَ أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ الصَّوَابَ، لِمَا ثَبَتَ لَهَا مِنَ الْعِصْمَةِ. حُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى بَاطِلٌ، فَالْقَوْلُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ بَاطِلٌ. أَمَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى ; فَلِأَنَّ بِدُونِ الْحُجَّةِ يَسْتَوِي الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ، فَالْقَوْلُ بِأَحَدِهِمَا بِلَا دَلِيلٍ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا بِالْهَوَى وَالتَّشَهِّي.

стр. 1418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى بَاطِلٌ ; فَظَاهِرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ بَاطِلٌ. حُجَّةُ الْمُجَوِّزِينَ: أَنَّ الْأُمَّةَ مَعْصُومَةٌ مِنَ الْخَطَأِ فِي الدِّينِ، وَالْمَعْصُومُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا الصَّوَابُ، لِأَجْلِ أَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا لِاسْتِنَادٍ إِلَى حُجَّةٍ وَشُبْهَةٍ، وَالْمُقَدِّمَتَانِ ظَاهِرَتَانِ، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُمَا. وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِ الْأَوَّلِينَ: إِنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، بِأَنْ قَالُوا: اتِّبَاعُ الْهَوَى مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ جَمِيعِهَا؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. قَوْلُهُمْ " لِأَنَّهُ بِدُونِ الْحُجَّةِ يَسْتَوِي النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ. قُلْنَا: نَعَمْ. قَوْلُهُمْ: فَالْقَوْلُ بِأَحَدِهِمَا بِلَا دَلِيلٍ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلِ الْمُرَجِّحُ هَاهُنَا الْعِصْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ، الثَّابِتَةُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِقَوْلِهِ ﵇: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَسَائِرُ أَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ. وَحِينَئِذٍ مَتَى اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ، كَانَ حَقًّا وَصَوَابًا، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُلْهِمُهُمْ سِوَاهُ، وَلَا يُجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ إِلَّا إِيَّاهُ. قُلْتُ: هَذَا الْمَذْهَبُ سَهْلٌ مُتَّجِهٌ، أَمَّا سُهُولَتُهُ، فَظَاهِرَةٌ مِنْ جِهَةِ اسْتِرَاحَةِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ النَّظَرِ، وَالنِّزَاعِ فِيهِ قَبْلَ الِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا اتِّجَاهُهُ، فَبِمَا ذُكِرَ، وَيُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِمَّا يَقْرُبُ مِنْهُ، وَيُجْعَلُ نَظِيرًا لَهُ، صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ، فَإِنَّ فِي

стр. 1419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحَدِيثِ: مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ وَفِيهِ: مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ رَوَى مَعْنَاهُ التِّرْمِذِيُّ، ثُمَّ قَدْ رَأَيْنَا بَعْضَ النَّاسِ عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنْهُ عَادَةً جَمِيلَةً ; وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى اسْتَخَارَهُ فِي أَمْرٍ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ فِيهِ، لَا يَخْتَارُ لَهُ إِلَّا الْأَصْلَحَ فِيهِ، وَلَا يُوَفِّقُهُ وَيُيَسِّرُهُ إِلَّا لَهُ. بِمُقْتَضَى دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ الْمَشْهُورِ، وَتَظْهَرُ الْمَصْلَحَةُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ فِيمَا يَخْتَارُ لَهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ وَفَاءً بِقَوْلِهِ : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطَّلَاقِ: ٣] ، فَكَذَا الْأُمَّةُ لَا يُوَفِّقُهَا، وَيُجْرِي عَلَى أَذْهَانِهَا وَأَلْسِنَتِهَا فِيمَا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّوَابُ وَفَاءً بِعِصْمَتِهِ لَهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ اعْتَبَرُوا الدَّلِيلَ فِي الْإِجْمَاعِ، لَكِنِ الْأَوَّلُونَ اعْتَبَرُوا الدَّلِيلَ الْخَاصَّ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْإِجْمَاعِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ، وَالْآخَرُونَ اكْتَفَوْا بِالدَّلِيلِ الْعَامِّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً. وَيُشْبِهُ أَنْ يَتَفَرَّعَ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَصْلٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّعْ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُشْبِهٌ لَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِي التَّفْوِيضِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: احْكُمْ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَحْكُمُ إِلَّا بِحَقٍّ ; هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ فَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ

стр. 1420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِنَاءً عَلَى عِصْمَتِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا تَحْكُمُ الْأُمَّةُ بِرَأْيِهَا بِدَلِيلٍ وَغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا تَحْكُمُ إِلَّا بِحَقٍّ بِنَاءٍ عَلَى عِصْمَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي النَّبِيِّ ﷺ ، لَمْ يَجُزْ فِي الْأُمَّةِ، لِأَنَّهُمْ فَرْعٌ عَلَيْهِ، وَعِصْمَتُهُمْ فَرْعٌ عَلَى عِصْمَتِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْقَائِلُونَ: لَا إِجْمَاعَ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ فِي مُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ قِيَاسًا وَغَيْرَهُ مِنْ دَلِيلٍ، أَوْ أَمَارَةٍ، أَوْ حُجَّةٍ، أَوْ شُبْهَةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " لَا يُتَصَوَّرُ " الْإِجْمَاعُ " عَنْ قِيَاسٍ ". وَقَالَ آخَرُونَ: " يُتَصَوَّرُ " عَنِ الْقِيَاسِ، لَكِنْ لَا يَكُونُ حُجَّةً. وَقَالَ آخَرُونَ: يَصِحُّ عَنِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ. قَوْلُهُ: " لَنَا: " أَيْ: عَلَى انْعِقَادِهِ عَنْ قِيَاسٍ وَغَيْرِهِ: هُوَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى حُصُولِ ظَنِّ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ مُحَصِّلٌ لِلظَّنِّ، وَإِذَا حَصَلَ الظَّنُّ، جَازَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مُوجِبِهِ حِسًّا وَشَرْعًا. أَمَّا حِسًّا، فَكَمَا أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ إِذَا شَاهَدُوا الْغَيْمَ الرَّطْبَ، اشْتَرَكُوا فِي ظَنِّ وُقُوعِ الْمَطَرِ. وَأَمَّا شَرْعًا، فَكَمَا إِذَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ النَّبِيذَ مُسْكِرٌ كَالْخَمْرِ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ حَرَامٌ كَالْخَمْرِ، بِجَامِعِ الْإِسْكَارِ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى مُوجِبِ هَذَا الظَّنِّ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. قَوْلُهُ: " قَالُوا: " يَعْنِي الْمَانِعِينَ بِانْعِقَادِهِ عَنِ الْقِيَاسِ احْتَجُّوا بِأَنَّ " الْقِيَاسَ

стр. 1421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَا إِجْمَاعَ مَعَ الْخِلَافِ " أَيِ: الْإِجْمَاعُ فَرْعُ مُسْتَنَدِهِ، وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَنَدُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُسْتَنَدُ إِلَيْهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ؟ وَكَيْفَ يُخْتَلَفُ فِي الْأَصْلِ، وَيُتَّفَقُ عَلَى الْفَرْعِ، وَالْفُرُوعُ تَابِعَةٌ لِأُصُولِهَا؟ قَوْلُهُ: " قُلْنَا: " أَيِ: الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّا إِذَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ قَبْلَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِ، لَمْ يَرِدْ مَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ يَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَإِنْ فَرَضْنَاهُ بَعْدَ حُدُوثِ الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ، قُلْنَا: يَسْتَنِدُ أَهْلُ الْقِيَاسِ إِلَيْهِ، و" يَسْتَنِدُ الْمُخَالِفُ فِيهِ إِلَى مَدْرَكٍ " مِنْ مَدَارِكِ الِاجْتِهَادِ " لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا " وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِيَاسٌ، وَذَلِكَ مُتَصَوَّرٌ وَاقِعٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ اسْتَنَدُوا إِلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَسَمَّوْهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، كَالتَّنْبِيهِ، وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ جَائِعٌ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِيَاسٌ عَلَى الْغَضَبِ بِالْجَامِعِ الْمَعْرُوفِ، وَيَقُولُونَ: نَبَّهَ بِحَالَةِ الْغَضَبِ عَلَى حَالَةِ الْجُوعِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ، وَالْحَنَفِيَّةُ مَعَ قَوْلِهِمْ: لَا قِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الصَّائِمِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِيَاسٌ عَلَى الْوَطْءِ، بِجَامِعِ الْإِفْسَادِ، وَقَالُوا: هَذَا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ اعْتِبَارًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، لِعُمُومِ الْإِفْسَادِ، لَا لِخُصُوصِ الْجِمَاعِ، فَهَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ الْمُخَالِفُ فِي الْقِيَاسِ عِنْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، وَهُوَ قِيَاسٌ، فَيَتَّحِدُ الْمُسْتَنَدُ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، أَوْ نَفْرِضُ أَنَّ الْمُخَالِفَ " يَظُنُّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ

стр. 1422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَالْعَكْسِ " أَيْ: كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ غَيْرَ الْقِيَاسِ قِيَاسًا كَالتَّنْقِيحِ، وَالتَّنْبِيهِ، وَمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ، فَيَسْتَنِدُ إِلَيْهِ فِي الْإِجْمَاعِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ هَكَذَا وَقَعَ فِي " الْمُخْتَصَرِ ": " أَوْ يَظُنُّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ " بَأَوْ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ ظَنَّ الْقِيَاسِ غَيْرَ قِيَاسٍ مُغَايِرٌ لِلِاسْتِنَادِ إِلَى مَدْرَكٍ لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، وَهُوَ قِيَاسٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَيْسَا مُتَغَايِرَيْنِ، بَلْ هُمَا وَاحِدٌ، فَإِنْ أُرِيدَ تَصْحِيحُهُ عَلَى مَا فِي " الرَّوْضَةِ " قِيلَ: بِالْوَاوِ، هَكَذَا: " إِلَى مَدْرَكٍ لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، وَيَظُنُّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ كَالْعَكْسِ " لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنِّي وَقْتَ الِاخْتِصَارِ قَصَدْتُ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا فِي " الرَّوْضَةِ " بِأَنَّ الْمُخَالِفَ فِي الْقِيَاسِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى الْقِيَاسِ، وَلَا يَظُنَّهُ قِيَاسًا، أَوْ يَسْتَنِدَ إِلَى مَدْرَكٍ لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، وَلَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِيَاسٌ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ مَدْرَكِ الْإِجْمَاعِ فِي نَوْعِهِ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ كَأَنَّهُ حَافَظَ عَلَى اتِّحَادِ نَوْعِ الْمُسْتَنَدِ، فَلَمْ يَفْرِضْ إِلَّا أَنَّ الْمُخَالِفَ اسْتَنَدَ إِلَى قِيَاسٍ، وَاعْتَقَدَهُ غَيْرَ قِيَاسٍ كَالْعَكْسِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: " قَالُوا: ظَنِّيٌّ " أَيِ: احْتَجَّ الْمَانِعُونَ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الْقِيَاسِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْقِيَاسَ " ظَنِّيٌّ " وَالْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، فَلَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يُثْبِتُ أَقْوَى مِنْهُ. قَوْلُهُ: " قُلْنَا: " أَيْ: فِي الْجَوَابِ: إِنَّ هَذَا " بَاطِلٌ بِالْعُمُومِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ " وَهُمَا ظَنِّيَّانِ، وَيَثْبُتُ بِهِمَا الْإِجْمَاعُ، ثُمَّ يُقَالُ: مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِكُمُ: الْقِيَاسُ ظَنِّيٌّ؟ إِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، فَالْإِجْمَاعُ كَذَلِكَ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ

стр. 1423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالْقَطْعِ فِيهِ لَيْسَ الْمَانِعَ مِنَ النَّقِيضِ عَقْلًا، وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْقِيَاسِ ظَنِّيٌّ، وَهُوَ النَّظَرُ فِي أَرْكَانِهِ: الْأَصْلِ، وَالْفَرْعِ، وَالْعِلَّةِ، وَالْحُكْمِ، فَمُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ كَذَلِكَ، وَهُوَ ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَرْقَ مَمْنُوعٌ فِي الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ. الثَّانِي: أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْخِلَافِ إِنَّمَا حَصَلَ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ قِبَلِ ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ لِلْأُمَّةِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ دَلِيلًا، وَذَلِكَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ. قَوْلُهُ: " وَإِذَا تُصُوِّرَ، كَانَ حُجَّةً بِأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ ". هَذَا جَوَابُ الْقَائِلِينَ: إِنَّ الْإِجْمَاعَ يُتَصَوَّرُ عَنِ الْقِيَاسِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ إِذَا تُصُوِّرَ الِاتِّفَاقُ عَنِ الْقِيَاسِ، كَانَ حُجَّةً بِأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ السَّابِقَةِ، لِأَنَّهُ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَحْرُمُ خِلَافُهُ، وَبِقَوْلِهِ ﵇: أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَنَحْوِهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ جَيِّدٌ مُنَاسِبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ، فَالْمُثْبِتُونَ لِوُقُوعِهِ زَعَمُوا أَنَّ إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَقِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَتَحْرِيمَ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَحَدَّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، وَجَزَاءَ الصَّيْدِ، وَأُرُوشَ الْجِنَايَاتِ، وَنَفَقَةَ الْأَقَارِبِ ثَبَتَتْ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ.

стр. 1424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْمَانِعُونَ لِلْوُقُوعِ احْتَجُّوا بِمَا سَبَقَ، مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِنَادُهُ إِلَى الِاجْتِهَادِ الظَّنِّيِّ، وَانْتِفَاءُ الْجَوَازِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُقُوعِ دِلَالَةَ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، وَأَمَّا الصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ، فَهِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ النُّصُوصِ، فَإِمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ بِقَوْلِهِ ﵇: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، وَقَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ: إِنْ لَمْ تَجِدِينِي، فَائْتِي أَبَا بَكْرٍ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَشَحْمُ الْخِنْزِيرِ حُرِّمُ بِقَوْلِهِ : ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْخِنْزِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الضَّمِيرِ. قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، فَبِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ: وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَعِلَّتُهُ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ. وَكَذَلِكَ تَكَلَّفُوا لِبَقِيَّةِ الصُّوَرِ، وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْوُقُوعُ. ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِهِ عَنِ اجْتِهَادٍ، اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ مُخَالَفَتِهِ، وَالْأَشْبَهُ عَدَمُ جَوَازِهَا، لِأَنَّهُ سَبِيلُ الْأُمَّةِ، فَأَشْبَهَ الْمُنْعَقِدَ عَنْ قَاطِعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1425

خَاتِمَةٌ: الْإِجْمَاعُ إِمَّا نُطْقِيٌّ مِنَ الْكُلِّ، أَوْ سُكُوتِيٌّ، وَكِلَاهُمَا تَوَاتُرٌ، أَوْ آحَادٌ، وَالْكُلُّ حُجَّةٌ، وَمَرَاتِبُهَا مُتَفَاوِتَةٌ. فَأَقْوَاهَا: النُّطْقِيُّ تَوَاتُرًا، ثُمَّ آحَادًا، ثُمَّ السُّكُوتِيُّ كَذَلِكَ فِيهِمَا. وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، فَلَا يُثْبِتُ قَاطِعًا. لَنَا: نَقْلُ الْخَبَرِ الظَّنِّيِّ مُوجِبٌ للْعَمَلِ، فَنَقْلُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الظَّنَّ مُتَّبَعٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ بِالْجُمْلَةِ ظَنِّيٌّ، إِذْ هُوَ ظَوَاهِرُ النَّصِّ. ــ «خَاتِمَةٌ» يَعْنِي لِكِتَابِ الْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ: «الْإِجْمَاعُ إِمَّا نُطْقِيٌّ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا ذِكْرٌ لِ أَقْسَامِ الْإِجْمَاعِ . وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ «الْإِجْمَاعَ إِمَّا نُطْقِيٌّ، أَوْ سُكُوتِيٌّ» وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إِمَّا «تَوَاتُرٌ أَوْ آحَادٌ» . فَالنُّطْقِيُّ: مَا كَانَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ جَمِيعِهِمْ عَلَيْهِ نُطْقًا، بِمَعْنَى أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَطَقَ بِصَرِيحِ الْحُكْمِ فِي الْوَاقِعَةِ، نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «إِمَّا نُطْقِيٌّ مِنَ الْكُلِّ» . وَالسُّكُوتِيُّ: مَا نَطَقَ بِهِ الْبَعْضُ، وَسَكَتَ الْبَعْضُ. وَقَدْ سَبَقَ مَعَ تَفْصِيلٍ فِيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ إِمَّا أَنْ يُنْقَلَ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، أَيْ: يُنْقَلُ بِالتَّوَاتُرِ أَوْ

стр. 1426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْآحَادِ أَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ نَطَقُوا بِصَرِيحِ الْحُكْمِ، أَوْ يُنْقَلَ بِالتَّوَاتُرِ أَوِ الْآحَادِ أَنَّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ أَفْتَى، وَبَعْضُهُمْ سَكَتَ. هَذِهِ الْقِسْمَةُ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الِاخْتِيَارُ. أَمَّا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: الْإِجْمَاعُ إِمَّا مَقْطُوعٌ أَوْ مَظْنُونٌ، فَالْمَقْطُوعُ مَا وُجِدَ فِيهِ جَمِيعُ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ مَعَ وُجُودِهَا، وَنُقِلَ تَوَاتُرًا، وَالْمَظْنُونُ مَا اخْتَلَّ فِيهِ أَحَدُ الْقَيْدَيْنِ، بِأَنْ يُوجَدَ عَلَى وَجْهٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مُتَوَاتِرًا، وَمُتَّفَقًا عَلَيْهِ آحَادًا. مِثَالُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ: أَنْ يَتَّفِقَ أَهْلُ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، أَوْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَعْضِ، أَوْ يُوجَدَ الِاتِّفَاقُ فِي بَعْضِ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَنْقَرِضْ حَتَّى خُولِفَ، أَوْ يُجْمِعَ الصَّحَابَةُ بِدُونِ التَّابِعِيِّ الْمُعَاصِرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ إِجْمَاعٍ غَيْرُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ مَعَ الظَّاهِرِيَّةِ كَمَا سَبَقَ. وَمِثَالُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ آحَادًا: أَنْ يُنْقَلَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِشُرُوطِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْآحَادِ. قَوْلُهُ: «وَالْكُلُّ حُجَّةٌ» أَيْ: أَقْسَامُ الْإِجْمَاعِ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا حُجَّةٌ، لِتَنَاوُلِ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ، وَأَدِلَّتِهِ الْخَاصَّةِ لَهَا. قَوْلُهُ: «وَمَرَاتِبُهَا» أَيْ: مَرَاتِبُ أَقْسَامِ الْإِجْمَاعِ «مُتَفَاوِتَةٌ» فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَأَقْوَاهَا النُّطْقِيُّ الْمُتَوَاتِرُ، ثُمَّ النُّطْقِيُّ الْمَنْقُولُ آحَادًا، لِضَعْفِ الْآحَادِ عَنِ التَّوَاتُرِ، ثُمَّ السُّكُوتِيُّ الْمُتَوَاتِرُ، ثُمَّ السُّكُوتِيُّ الْمَنْقُولُ آحَادًا.

стр. 1427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «ثُمَّ السُّكُوتِيُّ كَذَلِكَ فِيهِمَا» أَيْ: فِي تَقْدِيمِ تَوَاتُرِهِ عَلَى آحَادِهِ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ السُّكُوتِيَّ عَنِ النُّطْقِيِّ لِقُوَّتِهِ، وَضِعْفِ السُّكُوتِيِّ عَنْهُ ضَعْفَ الْآحَادِ عَنِ التَّوَاتُرِ. فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ، طَرَفَانِ وَوَاسِطَتَانِ، لِأَنَّهَا إِمَّا نُطْقِيٌّ مُتَوَاتِرٌ، أَوْ سُكُوتِيٌّ آحَادٌ، هَذَانِ طَرَفَانِ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِهَتَا قُوَّةٍ أَوْ ضَعْفٍ، أَوْ نُطْقِيٌّ آحَادٌ، أَوْ سُكُوتِيٌّ مُتَوَاتِرٌ، هَذَانِ وَاسِطَتَانِ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جِهَةُ قُوَّةٍ وَجِهَةُ ضَعْفٍ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، فَإِنْ أَرَدْنَا التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْوَاسِطَتَيْنِ، فَالنُّطْقِيُّ الْآحَادُ أَوْلَى بِالرُّجْحَانِ، لِأَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْقَادِحَةَ فِي السُّكُوتِيِّ أَكْثَرُ وَأَقْوَى مِنْهَا فِي الْآحَادِ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ» . اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: فَأَجَازَهُ الْحَنَابِلَةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْإِجْمَاعُ الْمَرْوِيُّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ حُجَّةٌ، يَعْنِي عِنْدَ مَالِكٍ، خِلَافًا لِأَكْثَرِ النَّاسِ. قُلْتُ: احْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِأَنَّهُ - يَعْنِي خَبَرَ الْوَاحِدِ - «ظَنِّيٌّ» أَيْ: إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ: «فَلَا يُثْبِتُ قَاطِعًا» وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، وَخَبَرَ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ، فَلَا يَثْبُتُ الْقَاطِعُ بِالظَّنِّيِّ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَكُونُ مُسْتَنَدًا لِلْقَوِيِّ. قَوْلُهُ: «لَنَا:» أَيْ: عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَرْوِيَّ آحَادًا حُجَّةٌ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ «نَقْلَ الْخَبَرِ الظَّنِّيِّ» آحَادًا يُوجِبُ الْعَمَلَ «فَنَقْلُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ» آحَادًا «أَوْلَى» أَنْ يُوجِبَ الْعَمَلَ، لِأَنَّ الظَّنَّ وَاقِعٌ فِي ذَاتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ

стр. 1428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَطَرِيقِهِ، وَالْإِجْمَاعُ إِنَّمَا وَقَعَ الظَّنُّ فِي طَرِيقِهِ لَا فِي ذَاتِهِ، وَإِذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْأَوَّلِ، كَانَ بِالثَّانِي أَوْجَبَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «الظَّنَّ مُتَّبَعٌ فِي الشَّرْعِ» وَهُوَ مَنَاطُ الْعَمَلِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ «وَهُوَ - يَعْنِي الظَّنَّ - حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرْنَا» يَعْنِي الْإِجْمَاعَ الْمَنْقُولَ آحَادًا. قَوْلُهُ: «ثُمَّ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ بِالْجُمْلَةِ ظَنِّيٌّ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: «لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، فَلَا يُثْبِتُ قَاطِعًا» . وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ بِالْجُمْلَةِ ظَنِّيٌّ، لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ ظَوَاهِرُ النُّصُوصِ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ ضَعِيفَةُ الدِّلَالَةِ، أَوِ السَّنَدِ، أَوْ هُمَا، فَلَئِنْ ضَعُفَ خَبَرُ الْوَاحِدِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِلْقَاطِعِ، فَلْتَضْعُفْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنَدًا لِلْقَاطِعِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعْطِيلُ الْإِجْمَاعِ مِنْ أَصْلِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ قَاطِعٌ فِي حَقِّ مَنْ شَافَهَهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي نَفْسِهِ قَاطِعٌ، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا نُقِلَ آحَادًا، كَانَ حُجَّةً ; كَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ إِذَا نُقِلَ آحَادًا، كَانَ حُجَّةً، وَلَا فَرْقَ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُونَ: أَنَّ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا ; بِخِلَافِ وَقَائِعِ أَخْبَارِ الْآحَادِ، فَحَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ

стр. 1429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِجْمَاعُهُمْ إِلَّا آحَادًا، دَلَّ عَلَى وَهَاءِ ذَلِكَ النَّقْلِ ; وَأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَالصَّحِيحُ قَبُولُهُ بِرِوَايَةِ الْآحَادِ، وَهُوَ يَنْقُضُ الِاسْتِدْلَالَ الْمَذْكُورَ. وَلِلْخَصْمِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا ; بِأَنَّ تَوَفُّرَ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ أَشَدُّ مِنْهُ عَلَى نَقْلِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِنَ الْأَخْبَارِ قَطْعًا، فَاحْتُمِلَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ آحَادًا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْإِجْمَاعِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: الْمَسْأَلَةُ دَائِرَةٌ عَلَى وُجُوبِ اشْتِرَاطِ الْقَاطِعِ فِي الْأُصُولِ، وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ. قُلْتُ: يَعْنِي: أَنَّهُ إِنِ اشْتُرِطَ الْقَاطِعُ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ، لَمْ يُقْبَلِ الْإِجْمَاعُ الْمَنْقُولُ آحَادًا، وَإِلَّا قُبِلَ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ إِيرَادِ الدَّلِيلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.

стр. 1430

وَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ. وَفِي الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ خِلَافٌ، وَفِي أَقَلِّ مَا قِيلَ كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ الثُّلُثُ بِهِ وَبِالِاسْتِصْحَابِ لَا بِهِ فَقَطْ، إِذِ الْأَقَلُّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ دُونَ نَفْيِ الزِّيَادَةِ. ــ قَوْلُهُ: «وَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ» أَيْ: كُلُّ أَمْرٍ تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ، لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فَرْعُ ذَلِكَ الْأَمْرِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْإِجْمَاعِ، لَكَانَ ذَلِكَ إِثْبَاتًا لِلْأَصْلِ بِالْفَرْعِ وَهُوَ دَوْرٌ. مِثَالُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ الرِّسَالَةِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى مَا صَدَرَ عَنْهَا مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ، فَلَا يَصِحُّ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا مَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، فَيَصِحُّ إِثْبَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ فَرْعًا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِهِ بِالْإِجْمَاعِ دَوْرٌ مَحْذُورٌ، وَلَا غَيْرُهُ. مِثَالُهُ: الْوَحْدَانِيَّةُ، وَحُدُوثُ الْعَالَمِ، لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ، فَيَجُوزُ التَّمَسُّكُ فِي إِثْبَاتِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ. قُلْتُ: هَذِهِ الْقَاعِدَةُ قَدْ عُهِدَتْ وَعُرِفَتْ، وَهِيَ أَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ، لَمْ يَثْبُتْ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ ; يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي أَمْثِلَةِ ذَلِكَ، فَالتَّمْثِيلُ فِيمَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ

стр. 1431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ بِالرِّسَالَةِ صَحِيحٌ. وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ وُجُودُ الصَّانِعِ، وَقُدْرَتُهُ، وَعِلْمُهُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ فَرْعُ النُّبُوَّةِ، وَالنُّبُوَّةُ فَرْعُ الرُّبُوبِيَّةِ؛ وَالْوُجُودُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالْحَيَاةُ مِنْ شُرُوطِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَهِيَ إِذَنْ شُرُوطٌ لِأَصْلِ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ، وَشَرْطُ الْأَصْلِ شَرْطٌ لِلْفَرْعِ، وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهَا شُرُوطٌ، وَإِثْبَاتُ الشَّرْطِ بِمَشْرُوطِهِ دَوْرٌ، لِتَوَقُّفِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ. وَذَكَرَ مِمَّا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ الْوَحْدَانِيَّةُ، وَحُدُوثُ الْعَالَمِ ; قَالَ: فَإِنَّ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ الْبَعِيدِ. وَذَكَرَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ كَلَامًا صَحِيحًا، وَإِنْ نَفَرَ مِنْهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَفْهَمُهُ أَوْ مَنْ يَفْهَمُهُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ. قَوْلُهُ: «وَفِي الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ خِلَافٌ» أَيْ: إِنْ كَانَ مَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ أَمْرًا دِينِيًّا، جَازَ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ «كَالْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ» وَمُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ، وَسِيَاسَاتِ الْعَسَاكِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَفِيهِ «خِلَافٌ» . مَأْخَذُهُ: أَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ الدَّالَّ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ ; هَلْ دَلَّ عَلَى عِصْمَتِهَا مُطْلَقًا عَلَى الْعُمُومِ، أَوْ فِي خُصُوصِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ ؟ وَالْأَظْهَرُ التَّعْمِيمُ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَةُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ

стр. 1432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنَ الْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَحْفَظُ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا شَيْئًا. قُلْتُ: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا أَحْسَبُهُ يُتَصَوَّرُ، وَإِنْ تُصُوِّرَ، فَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ. أَمَّا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ: فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مَا كَانَتْ ثَمَرَتُهَا وَمَقْصُودُهَا مُتَعَلِّقًا بِالدِّينِ، وَرَاجِعًا إِلَيْهِ، خَاصًّا بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ وُقُوعُهُ فِي الدُّنْيَا، كَالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا، أَوْ فِي الْآخِرَةِ، كَالْإِجْمَاعِ عَلَى فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَنَصْبِ الْمَوَازِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: الْحُرُوبُ وَالْآرَاءُ فِيهَا: إِنْ كَانَتْ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهِيَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ عَصَبِيَّةً، أَوْ بَغْيًا، أَوْ طَلَبًا لِلدُّنْيَا، أَوْ إِظْهَارًا لِلْفَخْرِ، وَالْخُيَلَاءِ، وَالْغَلَبَةِ عَلَى الْخَصْمِ ; فَأَصْلُ تِلْكَ الْحُرُوبِ مُحَرَّمَةٌ، فَالْآرَاءُ، وَالتَّدْبِيرُ، وَالْمَكِيدَةُ فِيهَا أُمُورٌ مُحَرَّمَةٌ، وَالْمُحَرَّمَاتُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّمَسُّكُ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ، إِذِ التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ إِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا لَهُ أَصْلٌ فِي الْجَوَازِ، فَمَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْجَوَازِ، لَا يُتَصَوَّرُ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَكُونُ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ كَالتَّمَسُّكِ عَلَى جَوَازِ شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، أَوِ الْخِنْزِيرِ، أَوْ بَيْعِهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مُحَالٌ شَرْعًا. وَإِنْ وُجِدَ حَرْبٌ، وَقِتَالٌ مَشُوبٌ بِقَصْدِ الْجِهَادِ وَالْعَصَبِيَّةِ وَالتَّكَثُّرِ مِنْ

стр. 1433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدُّنْيَا ; كَانَ ذَلِكَ مِنْ ذَوَاتِ الْجِهَتَيْنِ، فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جِهَادٌ دِينِيٌّ، لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْصِيَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ. وَأَمَّا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِنْ تُصَوِّرَ نَزَلَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَقَدْ بَانَ بِمَا تَقَدَّمَ ; وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْحَرْبُ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، جَازَ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ قِتَالَ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةً، لَمْ يَجُزْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: اخْتُلِفَ فِي إِجْمَاعِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ ; هَلْ كَانَ حُجَّةً؟ فَقِيلَ: لَا، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: إِجْمَاعُ كُلِّ أُمَّةٍ حُجَّةٌ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ فِي الْمِلَلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ قَطَعَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِقَوْلِهِمْ، فَهُوَ حُجَّةٌ، لِاسْتِنَادِهِ إِلَى قَاطِعٍ فِي الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ، وَإِلَّا كَانَ مُسْتَنَدُهُ مَظْنُونًا، وَالْوَجْهُ الْوَقْفُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ كَانَ الْحَالُ، يَعْنِي هَلْ كَانَ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً أَمْ لَا؟ قُلْتُ: فَقَدْ تَلَخَّصَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ: ثَالِثُهَا: الْوَقْفُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَقَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَقْرَبُ فِيهَا إِلَى الصَّوَابِ. وَالْمُخْتَارُ فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِنْ كَانَ عَقْلِيًّا ; فَإِجْمَاعُ كُلِّ أُمَّةٍ حُجَّةٌ عَلَى حَسَبِ إِجْمَاعِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي مَرَاتِبِهِ، إِذِ الْمَدَارِكُ الْعَقْلِيَّةُ لَا تَخْتَلِفُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ إِجْمَاعِ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَمْعِيًّا، فَالْوَقْفُ فِي

стр. 1434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِجْمَاعِ غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ، إِذْ لَمْ يَبْلُغْنَا الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ، فَنُثْبِتُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ بُلُوغِ ذَلِكَ لَنَا عَدَمُ وُجُودِهِ فَنَنْفِيهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ رِيَاضَاتِ الْفَنِّ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا كَبِيرُ فَائِدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَفِي أَقَلِّ مَا قِيلَ، كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ الثُّلُثُ، بِهِ وَبِالِاسْتِصْحَابِ لَا بِهِ فَقَطْ» أَيْ: وَالتَّمَسُّكُ «فِي أَقَلِّ مَا قِيلَ» أَوِ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ الْأَقْوَالِ، لَيْسَ تَمَسُّكًا بِالْإِجْمَاعِ فَقَطْ، بَلْ «بِهِ وَبِالِاسْتِصْحَابِ» وَذَلِكَ «كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ» ; اخْتُلِفَ فِي مَقَادِرِهَا، فَقِيلَ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَقِيلَ: نِصْفُهَا، وَقِيلَ: ثُلُثُهَا، وَالْقَائِلُ إِنَّهَا الثُّلُثُ وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ لَيْسَ تَمَسُّكًا بِالْإِجْمَاعِ فَقَطْ، لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ الثُّلُثِ، أَمَّا نَفْيُ الزَّائِدِ عَنْهُ، فَلَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ مُثْبِتُهُ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْآخِذَ بِالْأَقَلِّ ; إِنَّمَا تَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ فِي إِثْبَاتِهِ، وَبِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي نَفْيِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «إِذِ الْأَقَلُّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ دُونَ نَفْيِ الزِّيَادَةِ» . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْآخِذَ بِالْأَقَلِّ، هَلْ هُوَ آخِذٌ بِالْإِجْمَاعِ؟ وَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ. وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى هَذَا الْخِلَافِ بِقَوْلِي: «لَا بِهِ فَقَطْ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1435

وَ مُنْكِرُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ لَا يَكْفُرُ، وَفِي الْقَطْعِيِّ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ، وَالثَّالِثُ يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ مِثْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيْرِهَا، وَارْتِدَادُ الْأُمَّةِ جَائِزٌ عَقْلًا لَا سَمْعًا فِي الْأَصَحِّ لِعِصْمَتِهَا مِنَ الْخَطَأِ، وَالرِّدَّةُ أَعْظَمُهُ. ــ قَوْلُهُ: «وَمُنْكِرُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ لَا يَكْفُرُ، وَفِي الْقَطْعِيِّ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ، وَالثَّالِثُ: يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ مِثْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيْرِهَا» . اعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِمَّا ظَنِّيٌّ، أَوْ قَطْعِيٌّ: فَالظَّنِّيُّ كَالسُّكُوتِيِّ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، وَكَالنُّطْقِيِّ آحَادًا، فَهَذَا لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِهِ، أَيْ: إِذَا ثَبَتَ بِمِثْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ حُكْمٌ، فَأَنْكَرَهُ مُنْكِرٌ لَا يَكْفُرُ، لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ، فَلَمْ يَكْفُرْ مُنْكِرُ حُكْمِهِ، كَالْعُمُومِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسِ، وَسَنَزِيدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْقَطْعِيُّ: هُوَ النُّطْقِيُّ الْمُتَوَاتِرُ الْمُسْتَكْمِلُ الشُّرُوطِ، كَمَا سَبَقَ، فَفِيهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِهِ، لِمَا سَيُقَرَّرُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَكْفُرُ، لِأَنَّهُ خَالَفَ الْقَاطِعَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَفَ الْعَقْلِيَّ الْقَاطِعَ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ.

стр. 1436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ وَنَحْوِهَا، كَفَرَ مُنْكِرُهُ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهِ. وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْأَوَّلَ يَتَحَقَّقُ تَكْذِيبُهُ لِصَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، دُونَ الثَّانِي، لِجَوَازِ كَوْنِ مَا أَنْكَرُهُ يَخْفَى عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مِثْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِنَّ وُجُوبَهَا لَا يَخْفَى عَلَى مُسْلِمٍ، بَلِ الْكُفَّارُ يَعْلَمُونَ وُجُوبَهَا عَلَى أَهْلِهَا. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إِنْ كَانَ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ كَالرِّسَالَةِ، كَفَرَ مُنْكِرُ حُكْمِهِ، وَإِلَّا فَلَا. قُلْتُ: هَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالَّذِي قَبْلَهُ أَوْلَى مِنْهُ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبُ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، وَمَا لَزِمَهُ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّكْفِيرِ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى تَخْصِيصِهِ بِمَا كَانَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ، إِذْ لَوْ سُوِّغَ ذَلِكَ، لَأَفْضَى إِلَى تَكْذِيبِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ بِدُونِ تَكْفِيرِ ذَلِكَ الْمُكَذِّبِ، وَهُوَ إِهْمَالٌ لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ، وَتَضْيِيعٌ لِنَامُوسِهِ. قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّ مُنْكِرَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ إِنْ كَانَ عَامِّيًّا، كَفَرَ مُطْلَقًا، ظَنِّيًّا كَانَ الْإِجْمَاعُ أَوْ قَطْعِيًّا، إِذَا كَانَ قَدِ اشْتُهِرَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَعَلِمَهُ الْمُنْكِرُ، وَاعْتَقَدَ تَحْرِيمَ إِنْكَارِهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْإِجْمَاعِ، وَيَتَصَرَّفُ فِي الْأَدِلَّةِ، لَمْ يَكْفُرْ إِلَّا بِإِنْكَارِ مِثْلِ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، لِجَوَازِ أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا أَنْكَرَهُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إِذَا قُلْنَا بِتَكْفِيرِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ، فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَكُونَ

стр. 1437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ. قُلْتُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِمُخَالَفَةِ مَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَعَلَّهُ مَذْهَبُهُ أَوِ اخْتِيَارُهُ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ مُطْلَقًا ثَابِتٌ. قُلْتُ: مَأْخَذُ الْخِلَافِ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ: هُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ ظَنِّيٌّ أَوْ قَطْعِيٌّ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ ظَنِّيٌّ، قَالَ: لَا يَكْفُرُ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ مُسْتَنَدَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ هُوَ مَا سَبَقَ مِنْ ظَوَاهِرِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَمَا اسْتَنَدَ إِلَى الظَّنِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَطْعِيٌّ، قَالَ: إِنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ قَاطِعٌ، وَمَا اسْتَنَدَ إِلَى الْقَاطِعِ، فَهُوَ قَاطِعٌ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى قَاطِعٍ، لِأَنَّ جُزْئِيَّاتِ أَدِلَّتِهِ لَوِ اسْتُقْرِئَتِ اسْتِقْرَاءً تَامًّا، لَاجْتَمَعَ مِنْهَا الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، لَكِنَّ اسْتِقْرَاءَهَا الِاسْتِقْرَاءَ التَّامَّ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهَا شَيْءٌ مُتَعَذِّرٌ، كَمَا أَنَّ اسْتِقْرَاءَ الْحِكَايَاتِ الْجُزْئِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى سَخَاءِ حَاتِمٍ اسْتِقْرَاءً تَامًّا مُتَعَذِّرٌ، فَلِذَلِكَ نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ بِأَدِلَّةٍ جُزْئِيَّةٍ عَلَى تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لَوْ أَمْكَنَ. قَالَ: وَالْغَفْلَةُ عَنْ هَذَا التَّقْرِيرِ هِيَ الْمُوجِبُ لِأَسْئِلَةٍ وَرَدَتْ عَلَى

стр. 1438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْإِجْمَاعِ، لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا، وَكَوْنِ مُخَالِفِهِ لَا يَكْفُرُ، وَهِيَ مُنْدَفِعَةٌ بِهَذَا التَّقْرِيرِ. قُلْتُ: هَذَا التَّقْرِيرُ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ أَقْوَى أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَى النَّصِّ وَالْقِيَاسِ، فَهُوَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ فِي أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي تَوَفُّرَ دَوَاعِي الْأُمَّةِ عَلَى ضَبْطِ أَدِلَّتِهِ، وَحِفْظِ مُسْتَنَدِهِ، إِذْ مِنَ الْمُمْتَنِعِ عَادَةً تَضْيِيعُ مِثْلِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِجْمَاعِ دَلِيلٌ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ وَبَيَانُ ضَعْفِ الدِّلَالَةِ مِنْهُ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ حِكَايَاتِ حَاتِمٍ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اسْتِقْرَاؤُهَا أَوِ اسْتِقْرَاءُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَوَاتُرُ سَخَائِهِ مِنْهَا، إِذْ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا مَنْقُولَةٌ مُدَوَّنَةٌ فِي دِيوَانِ حَاتِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ التَّوَارِيخِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ عُلَمَاءَ الشَّرْعِ لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا لَمْ يَعْتَنُوا بِهَا حَتَّى تَتَوَاتَرَ بَيْنَهُمْ وَتَشْتَهِرَ، وَقَدِ اشْتُهِرَتْ عِنْدَ الْإِخْبَارِيِّينَ الْعُلَمَاءِ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ. أَمَّا أَحَادِيثُ الْإِجْمَاعِ وَأَدِلَّتُهُ، فَهُمْ بِالضَّرُورَةِ مُعْتَنُونَ بِهَا، مُهْتَمُّونَ غَايَةَ الِاهْتِمَامِ، فَالْمَانِعُ لَهُمْ مِنْ نَقْلِهَا عَادَةً لَيْسَ إِلَّا عَدَمُهَا، وَأَنَا ذَاكِرٌ لَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَصْلًا ذَكَرْتُهُ فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» فِي هَذَا الْبَابِ يُحَقِّقُ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيًّا، وَهُوَ أَنِّي قُلْتُ هُنَاكَ: وَمِنَ الْعَدْلِ التَّرْجِيحُ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَإِلْغَاءُ الضَّعِيفِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي تَرْجِيحَاتِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، كَتَرْجِيحِ الْقَاطِعِ عَلَى الظَّنِّيِّ، وَالْخَبَرِ الْأَصَحِّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالصَّحِيحِ عَلَى الضَّعِيفِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُخَالِفَ الْإِجْمَاعِ وَمُنْكِرَ حُكْمِهِ لَا يَكْفُرُ، مَا لَمْ

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُنْكِرُ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ كَمَا سَبَقَ وَقُرِّرَ ذَلِكَ: بِأَنَّ جَرَيَانَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ مُحَقَّقٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَلَا يُرْفَعُ بِالْإِجْمَاعِ الْمُحْتَمَلِ، وَبَيَانُ احْتِمَالِهِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ مُحْتَمَلَةٍ، وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الْمُحْتَمَلِ مُحْتَمَلٌ. أَمَّا الْمُقَدِّمَاتُ، فَهِيَ ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ، نَحْوُ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النِّسَاءِ: ١١٥] الْآيَةَ، وَأَحَادِيثُ السُّنَّةِ. أَمَّا ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا صَحَّ التَّمَسُّكُ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَلَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً تَوَاتُرًا حَقِيقِيًّا بِالِاتِّفَاقِ، وَكَوْنُهُ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا، كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵇: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَإِنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى مِنَ الثَّانِي، وَحَيْثُ الْأَوَّلُ تَوَاتُرٌ ; فَالثَّانِي لَيْسَ بِتَوَاتُرٍ، فَهُوَ آحَادٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى مَذَاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفِيضًا، وَالْمُسْتَفِيضُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الَّذِي يَقْوَى عَلَى رَفْعِ عِصْمَةِ الدِّمَاءِ. وَقَوْلُهُمْ: تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَهِيَ مَعْصُومَةٌ، إِثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، هُوَ كَوْنُهُ صَادِرًا عَنِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ صَدَرَ عَنِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ، لِأَنَّ

стр. 1440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمَعْصُومَةَ تَلَقَّتْ أَدِلَّتَهُ بِالْقَبُولِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْخَبَرَ مُتَوَاتِرٌ، لَكِنَّ النِّزَاعَ فِي دِلَالَتِهِ. فَقَوْلُهُ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ، اللَّامُ إِمَّا لِلْعَهْدِ، وَهُمْ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ بَيْنَهُ ﵇ وَبَيْنَ مَنْ خَاطَبَهُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجْمَاعِ، أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ ; فَهُوَ عَامٌّ، وَدِلَالَةُ الْعَامِّ ظَنِّيَّةٌ، ثُمَّ قَدْ خُصَّ بِمَنْ قَبْلَ عَصْرِ الْإِجْمَاعِ وَبَعْدَهُ، وَبِالصِّبْيَانِ، وَالْمَجَانِينِ، وَالْعَامَّةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، فَصَارَ عَامًّا مَخْصُوصًا، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً، أَوْ غَيْرَ حُجَّةٍ، وَحَقِيقَةً فِي الْبَاقِي، أَوْ مَجَازًا، خِلَافٌ مَشْهُورٌ سَبَقَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: «حَسَنًا» يَحْتَمِلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ، وَهُوَ فِيهِ أَظْهَرُ، وَلَا دِلَالَةَ لَهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ أَصْلًا، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، بِهِ احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ بِلَفْظِهِ أَشْبَهُ، إِذْ هُوَ مِنْ مَادَّتِهِ لَفْظًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالضَّلَالَةِ: الْكُفْرَ، وَيَكُونُ شَهَادَةً لَهَا بِالْأَمْنِ مِنَ الِارْتِدَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى نَفْسِ الْإِجْمَاعِ، فَنَقُولُ: نَازَعَ قَوْمٌ فِي تَصَوُّرِهِ وَإِمْكَانِهِ، ثُمَّ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، ثُمَّ فِي أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالصَّحَابَةِ، أَوْ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِهَا أَيْضًا، ثُمَّ فِي أَنَّ الْعِصْمَةَ لِهَيْئَةِ الْأُمَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَتُعْتَبَرُ
следующие страницы →