← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَكَرُّرِهَا، فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا دُونَ الصَّوْمِ، إِذْ هُوَ شَهْرٌ فِي السَّنَةِ، وَهَذَا مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِلْفَرْقِ وَكَوْنُهُمَا عِبَادَةً لَا يَقْتَضِي اسْتِوَاؤُهُمَا فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا إِبَاحَةُ النَّظَرِ إِلَى الْأَمَةِ دُونَ الْحُرَّةِ، فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَمْنُوعٌ؛ إِذِ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا. وَأَمَّا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَيَجُوزُ مِنَ الْأَمَةِ إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِبًا فِي حَالِ الْمِهْنَةِ وَالْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهَا، فَالتَّحَرُّزُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ يَشُقُّ، كَمَا قِيلَ فِي وَجْهِ الْحُرَّةِ وَكَفَّيْهَا لِذَلِكَ، وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا لِحَاجَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، وَإِلَى غَيْرِ وَجْهِهَا أَيْضًا لِحَاجَةِ الْعِلَاجِ؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَ ذَلِكَ يُورِثُ مَشَقَّةً مُنْتَفِيَةً شَرْعًا، وَهُوَ الْفَرْقُ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ الشَّرْعِيِّ، وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ مُنَاسِبٌ لِثُبُوتِ هَذَا الِاسْتِحْسَانِ. وَأَمَّا قَتْلُ الصَّيْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ; فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ، فَلَا يُرَدُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنِهِمَا فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى إِتْلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ إِقَامَةً لِرَسْمِ الْعَدْلِ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقِّ الْآدَمِيِّ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ قَتْلَهُ ارْتِكَابٌ لِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ هُوَ حَقُّ لَهُ ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّ جَزَاءَهُ مَصْرُوفٌ إِلَى الْآدَمِيِّ هُوَ حَقٌّ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَأْخَذُ فِي الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ قَالَ بِالْفَرْقِ فِيهِ، لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْفَرْقُ فِي التَّطَيُّبِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّطَيُّبِ وَالْحَلْقِ دُونَ قَتْلِ الصَّيْدِ غَلَبَ فِيهِ إِتْلَافُ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَفِيهِمَا حَقُّ اللَّهِ ، عَلَى أَنَّ

стр. 1577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَمِيعَ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ، وَالْخِلَافُ فِي الْقِيَاسِ مَعَ جَمِيعِهِمْ، فَلِلْمُجْتَهِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَلْتَزِمَ الْفَرْقَ فِي الْجَمِيعِ، أَوِ التَّسْوِيَةَ فِي الْجَمِيعِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ السُّؤَالُ. وَأَمَّا إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِأَسْبَابِهَا الْمَذْكُورَةِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مَنَعَ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ فِيهَا لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا وَمَقَادِيرِهَا، وَأَجَازَهُ فِي غَيْرِهَا. وَمَنْ أَجْرَى الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّمَا أَجْرَاهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَنَاطُ الْحُكْمِ، وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْقِيَاسِ. وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الْإِجْمَالِيُّ الَّذِي سَبَقَ، مَعَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِمَّا جُبْرَانٌ أَوْ عُقُوبَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّارِعَ عَلِمَ أَنَّ كَفَّارَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يُكَافِئُهُ جَبْرًا أَوْ زَجْرًا، فَشَرَعَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَدْلٌ، وَهَذَا مِنَ الْعَدْلِ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ قَتْلِ الزَّانِي وَالْقَاتِلِ وَنَحْوِهِ مَعَ اخْتِلَافِ جِنَايَاتِهِمْ، فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ مَفْسَدَةَ أَدْنَى هَذِهِ الْجِنَايَاتِ تُوجِبُ الْقَتْلَ، وَسَقَطَ الزَّائِدُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ فِيمَا فَوْقَهُ مِنَ الْجِنَايَاتِ تَفَضُّلًا أَوْ تَعَذُّرًا؛ إِذْ لَا عُقُوبَةَ وَرَاءَ الْقَتْلِ، مَعَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ اتِّحَادَ كَيْفِيَّةَ الْقَتْلِ فِيهِمْ، بَلِ الْقَاتِلُ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِمُوجِبِ الْعَدْلِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَالزَّانِي إِنْ كَانَ بِكْرًا، فَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَيْهِ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ، فَإِنْ مَاتَ فِي الْجَلْدِ، فَزُهُوقُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا، فَيُجْلَدُ، وَيُرْجَمُ حَتَّى يَمُوتَ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْأَلَمِ وَالتَّعْذِيبِ أَضْعَافُ مَا فِي الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ أَعْظَمُ مِنْ جِنَايَةِ الْقَتْلِ، وَجِنَايَةُ الْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْظَمَ ; غَيْرَ أَنَّ الْقَتْلَ بِالْكُفْرِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَفْضُلُ بِتَرْكِ

стр. 1578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زِيَادَةِ التَّعْذِيبِ وَالْمُثْلَةِ بِالرَّجْمِ وَنَحْوِهِ. وَالْقَتْلُ بِالزِّنَى، إِمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ بِهَتْكِ الْعِرْضِ، وَتَضْيِيعِ النَّسَبِ، أَوْ أَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ غَلَبَ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ فَجُعِلَ كُفْئًا لِسَبَبِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ ﵁: تَجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ فَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ فِي «مُخْتَصَرِ» التِّرْمِذِيِّ، وَلَمْ أَنْشَطْ هَاهُنَا لِتَقْرِيرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٠] ، فَإِنَّ فَضِيلَةَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ عَلَى غَيْرِهِمْ مَعْلُومَةٌ بِالِاضْطِرَارِ، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِتَخْصِيصِهِمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُكْرِمَهُمْ بِهِ، وَكَوْنُهُمْ جَمِيعًا أَنَاسِيَّ مُكَلَّفِينَ لَا يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ حُكْمٍ، وَلَا يَمْنَعُ تَفْضِيلَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ، لَلَزِمَ الْقَدْحُ فِي النُّبُوَّاتِ بِأَنْ يُقَالَ: كُلُّ النَّاسِ أَنَاسِيُّ فَكَيْفَ يَخْتَصُّ بِالْمُعْجِزِ النَّبِيُّ؟ . وَهَذِهِ شُبْهَةُ الْكُفَّارِ حَيْثُ قَالُوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] ، ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [الْقَمَرِ: ٢٤] ، ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٣٤] . فَإِنْ قِيلَ: الْمُعْجِزُ وَالنُّبُوَّةُ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنْبِيَائِهِ ﵈، خُصُّوا بِهَا بِحُكْمِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنْ قُلْتُمْ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْمُخْتَصَّةِ بِمِحَالِّهَا دُونَ نَظَائِرِهَا كَذَلِكَ، صَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ الْقِيَاسِ. قُلْنَا: النُّبُوَّةُ مَوْهِبَةٌ لِغَيْرِ مَعْنًى أَوْ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي

стр. 1579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُسَلَّمٌ، وَبِهِ يَتِمُّ مَقْصُودُنَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا وَهَبَ النُّبُوَّةَ لِأَهْلِهَا لِمَا اخْتَصُّوا بِهِ عَلَى بَاقِي الْعَالَمِ مِنْ زِيَادَةِ الْخَيْرِ، وَالصَّلَاحِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْعِبَادَةِ، وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَاكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ، وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ، [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] وَسَائِرُ مَا مُدِحَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اخْتِصَاصَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ لَهُ، فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ، خُصَّتْ بِأَحْكَامِهَا لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ. فَإِنْ قِيلَ: لَكِنْ أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِذَا فَهِمْنَا الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ أَوِ الْمُؤَثِّرَ غَيْرَ الْمُنَاسِبِ، أَلْحَقْنَا بِهِ مَا فِي مَعْنَى مَحَلِّهِ، كَإِلْحَاقِ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ، فَهَلْ نَقُولُ: إِنَّ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ لِلِاخْتِصَاصِ بِالنُّبُوَّةِ فِي الْأَنْبِيَاءِ إِذَا وَجَدْتُمُوهُ فِي آحَادِ النَّاسِ تُلْحِقُونَهُ فِي إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ؟ إِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ، فَلَا قَائِلَ بِهِ، وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا، فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْنَا: إِنَّ الْقِيَاسَ مَدْرَكٌ ظَنِّيٌّ تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ حُكْمٌ قَطْعِيٌّ، وَهُوَ أَصْلٌ لِقَوَاطِعِ الشَّرَائِعِ وَظَنِّيَّاتِهَا، فَلَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَمْرُ النُّبُوَّةِ ظَنِّيًّا، أَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مَدْرَكًا لِلنُّبُوَّةِ قَطْعِيًّا، لَأَثْبَتْنَاهَا بِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْمُعْجِزُ بِشُرُوطِهِ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ فِي شَخْصٍ مَا، عَدَّيْنَا حُكْمَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَمَنْ ظَهَرَ الْمُعْجِزُ عَلَى يَدِهِ فَقُلْنَا مَثَلًا: إِنَّمَا ثَبَتَ كَوْنُ مُوسَى ﵇ نَبِيًّا لِظُهُورِ الْمُعْجِزِ عَلَى يَدِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْمُعْجِزُ عَلَى يَدِ عِيسَى

стр. 1580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمُحَمَّدٍ ﵉، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمَا، لَمَّا كَانَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ قَاطِعًا ثَبَتَ بِمِثْلِهِ النُّبُوَّةُ الْقَاطِعَةُ. وَمِمَّا يُورَدُ مِنْ نَظَائِرِ هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى الْقِيَاسِ أَنَّ الْعَجُوزَ الشَّوْهَاءَ الْقَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ تُحَصِّنَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَحْرَارِ عَلَى الْبَدَلِ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْإِمَاءِ الْحِسَانِ لَا تُحَصِّنُ آدَمِيًّا وَاحِدًا. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ﵀ وَهُوَ مِنَ الْقَيَّاسِينَ، فَيَسْقُطُ السُّؤَالُ، وَمَنِ الْتَزَمَهُ أَبْدَى فَرْقًا مُنَاسِبًا عِنْدَهُ، وَهُوَ نَقْصُ الرِّقِّ وَكَانَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ وَهُوَ تَكَلُّفٌ، إِذْ لَيْسَ مُؤَثِّرًا، وَالصَّوَابُ رَأْيُ مَالِكٍ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ، لِجَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الْتِزَامُهُ، إِذْ لَا نَصَّ فِي نَفْيِهِ وَلَا إِجْمَاعَ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لِمَ قُطِعَ سَارِقُ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثِيرِ، وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَى الرَّدْعِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْغَصْبَ فِعْلٌ ظَاهِرٌ، وَلَا يَخْلُو كُلُّ إِقْلِيمٍ عَنْ سُلْطَانٍ يَكُفُّ ظُلْمَ الظَّالِمِ، وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ، إِمَّا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ بِالْعَدْلِ، أَوْ حِيَاطَةً لِلْمُلْكِ وَسِيَاسَةً لَهُ، وَذَلِكَ دَافِعٌ لِمَفْسَدَةِ الْغَصْبِ مَنْعًا أَوْ قَطْعًا، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا فِعْلٌ خَفِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، فَوَضَعَ لَهُ الشَّرْعُ زَاجِرَ الْقَطْعِ، إِذْ بَدَوْنِ ذَلِكَ لَا تَزُولُ الْمَفْسَدَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي خُرُوجِ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ، فَذَكَرَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ لَهُ مَعْنًى مُنَاسِبًا إِنْ تَحَقَّقَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ الْآنَ تَحْقِيقَهُ.

стр. 1581

قَالُوا: لَوْ أَرَادَ الشَّارِعُ تَعْمِيمَ الْمَحَالِّ بِالْأَحْكَامِ لَعَمَّهَا نَصًّا، نَحْوُ: الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَيَتْرُكُ التَّطْوِيلَ. قُلْنَا: هَذَا تَحَكُّمٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِ مَنْ حَرَّمَ الْمَلَاذَّ: وَفِعْلُهَا لَا يَضُرُّهُ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أَبْقَى لِلْمُجْتَهِدِينَ مَا يُثَابُونَ بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ. قَالُوا: كَيْفَ يَثْبُتُ حُكْمُ الْفَرْعِ بِغَيْرِ طَرِيقِ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ. قُلْنَا: مَنْ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ بِالْعِلَّةِ لَا يَرِدُ هَذَا عَلَيْهِ، وَمَنْ يُثْبِتُهُ بِالنَّصِّ يَقُولُ: الْقَصْدُ الْحُكْمُ، لَا تَعْيِينُ طَرِيقَهٍ، فَإِذَا ظَنَّ وُجُودَهُ اتَّبَعَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ. قَالُوا: غَايَةُ الْعِلَّةِ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْإِلْحَاقَ، نَحْوُ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، لَا يَقْتَضِي عِتْقَ كُلِّ أَسْوَدَ مِنْ عَبِيدِهِ. قُلْنَا: وَكَذَا لَوْ صَرَّحَ، فَقَالَ: قِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ أَسْوَدَ، فَلَيْسَ بِوَارِدٍ، بِخِلَافِ قَوْلِ الشَّارِعِ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِشِدَّتِهَا فَقِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ مُسْكِرٍ، ثُمَّ بَيْنَ الشَّارِعِ وَغَيْرِهِ فَرْقٌ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ. ــ الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: «قَالُوا: لَوْ أَرَادَ الشَّارِعُ تَعْمِيمَ الْمَحَالِّ بِالْأَحْكَامِ، لَعَمَّهَا نَصًّا، نَحْوُ» قَوْلِهِ: «الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ» أَوْ فِي كُلِّ مَطْعُومٍ أَوْ مُقْتَاتٍ. «وَيَتْرُكُ التَّطْوِيلَ» بِأَنْ يَنُصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءٍ بِدُونِ بَيَانِ عِلَّتِهِ فِيهَا، ثُمَّ يُوقِعُ النَّاسَ بَعْدَهُ فِي الِاخْتِلَافِ الطَّوِيلِ الْعَرِيضِ فِي اسْتِخْرَاجِ عِلَّةِ الرِّبَا بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، فَلَمَّا لَمْ يَنُصُّ عَلَى تَحْرِيمِ تَعْمِيمِ الْمَحَالِّ بِأَحْكَامِهَا، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْمِيمَهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَحَالَ الْبَاقِيَ عَلَى تَحْقِيقِ

стр. 1582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَنَاطِ، أَوْ عَلَى تَنْقِيحِهِ، أَوِ الْبَقَاءِ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ «هَذَا تَحَكُّمٌ» عَلَى الشَّارِعِ، وَتَحَجُّرٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بَقَوْلِ الْمُبَاحِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: لَا فَائِدَةَ فِي تَحْرِيمِ الْمَلَاذِّ كَالزِّنَى وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِ، إِذْ «فِعْلُهَا لَا يَضُرُّهُ» ، وَهُوَ يَنْفَعُ النَّاسَ. وَقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِنَا أَنَّ فِي ذَلِكَ حِكْمَةَ الِامْتِحَانِ وَالِابْتِلَاءِ، فَكَذَلِكَ عَدَمُ تَعْمِيمِهِ الْمَحَالَّ بِالْأَحْكَامِ تَنْصِيصًا لَهُ فِيهِ حِكْمَةٌ، فَلَعَلَّهُ أَبْقَى لِلْمُجْتَهِدِينَ مَجَالًا فِي الْأَحْكَامِ يُثَابُونَ بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَلَوْ عَمَّ مَحَالَّ الْأَحْكَامِ بِهَا، لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَجَالٌ فِي ذَلِكَ، إِذْ لَوْ قَالَ: كُلُّ مَكِيلٍ رِبَوِيٌّ، لَثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَرُزِّ بِالنَّصِّ، وَلَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: «قَالُوا: كَيْفَ يَثْبُتُ حُكْمُ الْفَرْعِ بِغَيْرِ طَرِيقِ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ؟» وَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِالنَّصِّ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَحُكْمُ الْفَرْعِ ثَابِتٌ بِالْإِلْحَاقِ كَتَحْرِيمِ النَّبِيذِ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَالطَّرِيقُ مُخْتَلِفٌ ; فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا! . وَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، هَلْ هُوَ بِالْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَعْنَى الْمُشَارُ إِلَيْهِ مِنَ النَّصِّ، أَوْ بِنَفْسِ النَّصِّ؟ فَمَنْ أَثْبَتَ «الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ بِالْعِلَّةِ» لَمْ يَرِدْ هَذَا السُّؤَالُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَثْبَتَ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَعْنَى الْإِسْكَارِ مَثَلًا فِي الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ. وَمَنْ أَثْبَتَهُ فِي الْأَصْلِ بِالنَّصِّ، قَالَ: الْمَقْصُودُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لَا تَعْيِينُ طَرِيقِهٍ بِكَوْنِهِ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا، أَوْ نَصًّا فِي الْأَصْلِ قِيَاسًا فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ وَسِيلَةٌ، وَالْحُكْمَ مَقْصِدٌ، وَمَعَ حُصُولِ الْمَقْصِدِ لَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الْوَسَائِلِ، لَمْ يَضُرَّ

стр. 1583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَضْلًا عَنِ اخْتِلَافِهَا. وَهَذَا كَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ - شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ دَخَلَهَا. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: «قَالُوا: غَايَةُ الْعِلَّةِ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً، وَهُوَ» يَعْنِي النَّصَّ عَلَيْهَا «لَا يُوجِبُ الْإِلْحَاقَ» ، يَعْنِي إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ، «نَحْوُ» قَوْلِ الْقَائِلِ: «أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، لَا يَقْتَضِي عِتْقَ كُلِّ أَسْوَدَ مِنْ عَبِيدِهِ» ، وَإِذَا لَمْ يَقْتَضِ النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ الْإِلْحَاقَ فَالْإِيمَاءُ وَالْإِشَارَةُ الَّتِي تُسْتَخْرَجُ الْعِلَّةُ مِنْهَا بِالِاسْتِنْبَاطِ وَعَلَيْهَا مَدَارُ أَكْثَرِ الْأَقْيِسَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَقْتَضِيَهُ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُ الْخَصْمَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْقِيَاسِ فِي الْعِتْقِ، لَمْ يَتَعَدَّ الْوَصْفَ، فَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، وَ «قِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ أَسْوَدَ» ; لَمَا جَازَ عِتْقُ السُّودَانِ بِالْقِيَاسِ؛ لِمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ قَالَ: «حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِشِدَّتِهَا، فَقِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ مُسْكِرٍ» ; لَصَحَّ الْإِلْحَاقُ وَالتَّعْدِيَةُ، وَاتَّجَهَتِ التَّسْوِيَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ، وَهُمُ الْقَاشَانِيَّةُ وَالنَّهْرَوَانِيَّةُ، وَإِذْ بَيْنَ الْبَابَيْنِ هَذَا الْفَرْقُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إِلْزَامُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، عَلَى أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَعْتَقْتُ هَذَا الْعَبْدَ لِسَوَادِهِ، يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ كُلُّ أَسْوَدَ. نَعَمِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْعِتْقِ مَعَ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالسُّؤَالُ غَيْرُ وَارِدٍ، وَالْحُكْمُ مُلْتَزَمٌ فِي الْبَابَيْنِ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا تَأْكُلْ هَذِهِ الْحَشِيشَةَ لِأَنَّهَا سُمٌّ، أَوْ: لَا تَأْكُلِ الْإِهْلِيلَجَ؛ لِأَنَّهُ مُسْهِلٌ، أَوْ: لَا تُجَالِسُ فُلَانًا؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ ; فُهِمَ مِنْ ذَلِكَ التَّعْدِيَةُ، وَاجْتِنَابُ كُلِّ سُمٍّ وَمُسْهِلٍ وَمُبْتَدِعٌ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ طَرْدِ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ التَّعَبُّدُ، ثُمَّ إِنَّ الْخَصْمَ مُنَاقِضٌ لِنَفْسِهِ، إِذِ احْتِجَابُهُ هَاهُنَا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ قَاسَ بُطْلَانَ

стр. 1584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْقِيَاسِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ عَلَى بُطْلَانِهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنْ صَحَّ احْتِجَاجُهُ بِالْقِيَاسِ هَاهُنَا، فَلِمَ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مُطْلَقًا؟ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ احْتِجَاجُهُ بِهِ، لَمْ يَقْدَحْ فِي احْتِجَاجِنَا بِالْقِيَاسِ، وَأَيْضًا إِذَا اعْتَقَدَ الْخَصْمُ صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ فِي أَصْلٍ كَبِيرٍ وَهُوَ بُطْلَانُ الْقِيَاسِ، فَلِمَ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُنَا فِي الْفُرُوعِ الْيَسِيرَةِ الْخَطْبِ؟ . قَوْلُهُ: «ثُمَّ بَيْنَ الشَّارِعِ وَغَيْرِهِ فَرْقٌ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ» : بَيَانُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ مَنَاطُ ثُبُوتِهَا الظَّنُّ تَوْسِيعًا لِمَجَارِي التَّكْلِيفِ، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تُنْقَلُ عَنْهُمْ إِلَّا بِطَرِيقٍ قَاطِعٍ ; إِمَّا احْتِيَاطًا لِحُقُوقِهِمْ لِمَا اخْتَصُّوا بِهِ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ الْمُوجِبِ لِتَضْيِيقِ الْأَمْرِ فِي حُقُوقِهِمْ، أَوْ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ فِي الْأَصْلِ مِلْكٌ لِلَّهِ ، فَتُعُبِّدَ فِي زَوَالِهَا بِالطَّرِيقِ الْقَاطِعِ، وَأَثْبَتَ التَّكَالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ بِالطُّرُقِ الْمَظْنُونَةِ، وَلِلَّهِ أَنْ يَفْعَلَ فِي مُلْكِهِ مَا يَشَاءُ. وَمِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ شَيْءٌ، فَأَقَرَّ عَلَيْهِ، اسْتُفِيدَ مِنْ ذَلِكَ رِضَاهُ بِهِ بِشَرْطِهِ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ شَخْصًا بَاعَ مَالَ إِنْسَانٍ بِحَضْرَتِهِ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ، فَسَكَتَ، وَلَمْ يُنْكِرْ، بَلْ أَظْهَرَ الِاسْتِبْشَارَ وَالْفَرَحَ ; لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالْإِيجَابِ، أَوْ يُعْلَمَ رِضَاهُ أَوْ يُوَكِّلَ فِيهِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ فِي حُقُوقِ الْمَخْلُوقِينَ ضَيَّقَ غَايَةَ التَّضْيِيقِ بِخِلَافِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَلْزَمُكُمْ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ، فَإِنَّ التَّرَاضِيَ فِي الْبَيْعِ شَرْطٌ بِالنَّصِّ، وَهُوَ أَمْرٌ بَاطِنٌ خَفِيٌّ، وَلَمْ تَعْتَبِرُوا لَهُ صِيغَةَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذَا حَقُّ آدَمِيٍّ قَدْ أَزَلْتُمُوهُ عَنْهُ بِغَيْرِ طَرِيقٍ

стр. 1585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَاطِعٍ. فَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ قَاطِعٍ، بَلِ الْمُعَاطَاةُ تَقْتَرِنُ بِهَا قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا قَطْعًا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بَيْنَ الْأُمَّةِ عَلَى تَوَالِي الْأَعْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ.

стр. 1586

قَالُوا: لَا قِيَاسَ فِي الْأُصُولِ، فَكَذَا فِي الْفُرُوعِ. قُلْنَا: مَمْنُوعٌ بَلْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قِيَاسٌ بِحَسَبِ مَطْلُوبِهِ قَطْعًا فِي الْأَوَّلِ وَظَنًّا فِي الثَّانِي، ثُمَّ هُوَ قِيَاسٌ، فَإِنْ صَحَّ صَحَّ مُطْلَقُهُ، وَثَبَتَ الْقِيَاسُ، وَإِلَّا بَطَلَ مَا ذَكَرْتُمْ. وَاعْلَمْ: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِمَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا حَمْلُ الذَّامَّةِ عَلَى حَالِ وُجُودِ النَّصِّ وَالْحَاثَّةِ عَلَى حَالِ عَدَمِهِ. ــ الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: «قَالُوا: لَا قِيَاسَ» ، أَيْ: الْقِيَاسُ مُمْتَنِعٌ «فِي الْأُصُولِ» ، فَلْيَكُنْ مُمْتَنِعًا «فِي الْفُرُوعِ» . وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا «مَمْنُوعٌ، بَلْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا» ، أَيْ: فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ «قِيَاسٌ بِحَسَبِ مَطْلُوبِهِ قَطْعًا فِي الْأَوَّلِ» يَعْنِي فِي الْأُصُولِ «وَظَنًّا فِي الثَّانِي» يَعْنِي فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْأُصُولِ الْقَطْعُ وَفِي الْفُرُوعِ الظَّنُّ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ فِي الْأُصُولِ قَطْعِيًّا، وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ فِي الْفُرُوعِ ظَنِّيًّا، ثُمَّ إِنَّ هَذَا قِيَاسٌ مِنْهُمْ لِامْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فِي الْفُرُوعِ عَلَى امْتِنَاعِهِ فِي الْأُصُولِ عَلَى زَعْمِهِمْ، فَإِنْ صَحَّ اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْقِيَاسِ هَاهُنَا وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ مُطْلَقُ الْقِيَاسِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُمْ هَاهُنَا، بَطَلَ مَا ذَكَرُوُهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِبْطَالِ الْقِيَاسِ. ــ «وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِمَا» ، أَيِ: اسْتِعْمَالُ

стр. 1587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ، «أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا» أَيْ: بَيْنَ قِسْمَيْ أَحَادِيثِ ذَمِّ الْقِيَاسِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ «حَمْلُ الذَّامَّةِ» ، أَيْ: هُوَ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَمِّ الْقِيَاسِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ، وَتُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى الْحَثِّ عَلَيْهِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَصٌّ، احْتِرَازًا مَنْ تَنَاقُضِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مَنْ مَدْحِ الشَّاهِدِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ وَذَمِّهِ، فَحُمِلَ الذَّمُّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ يَعْلَمُ بِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ لَهُ بِهِ بَيِّنَةً، إِذْ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالشَّهَادَةِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - نَوْعُ تَكَلُّفٍ وَفُضُولٍ، وَرُبَّمَا اتُّهِمَ الشَّاهِدُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، كَمَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلَا حَضَرَ لِيَشْهَدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، فَقَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: أَتَشْهَدُ بِهَذَا الْحَقِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَحْلِفُ، وَأُخَاصِمُ، قَالَ: فَمِنْ هَاهُنَا مَا تُقْبَلُ شَهَادَتُكَ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا هِيَ فِي كِتَابِ «أَدَبِ الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ» لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَهَا بِأَسَانِيدِهَا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهِيَ وَافِيَةٌ بِالْمَقْصُودِ مِنْ إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ وَفَوْقِ الْمَقْصُودِ، وَلَمْ يَكُنِ الْكِتَابُ عِنْدِي الْآنَ حَتَّى أُثْبِتَهَا هَاهُنَا، وأَيْضًا آثَرَتُ الِاخْتِصَارَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ الرَّأْيَ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ، وَالرَّأْيُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: رَأْيٌ مَحْضٌ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ، فَذَلِكَ الْمَذْمُومُ الَّذِي لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَرَأْيٌ يَسْتَنِدُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ مِنَ النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالِاسْتِدْلَالِ، وَالِاسْتِحْسَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَوِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. وَلِهَذَا يُقَالُ: هَذَا رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ عَنْ كُلِّ

стр. 1588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حُكْمٍ صَارَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَنَدُهُ فِيهِ الْقِيَاسَ أَوْ دَلِيلَ غَيْرِهِ، وَالْقِيَاسُ هُوَ مَا ذَكَرْنَا حَدَّهُ، وَهُوَ اعْتِبَارُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الرَّأْيِ كَمَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ أَخَصُّ مِنَ الْقِيَاسِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ بِحَسَبِ الْإِضَافَةِ هُمْ كُلُّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي الْأَحْكَامِ بِالرَّأْيِ، فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَسْتَغْنِي فِي اجْتِهَادِهِ عَنْ نَظَرٍ وَرَأْيٍ، وَلَوْ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَتَنْقِيحِهِ الَّذِي لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ. وَأَمَّا بِحَسَبِ الْعَلَمِيَّةِ، فَهُوَ فِي عُرْفِ السَّلَفِ عَلَمٌ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ، أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَؤُلَاءِ أَهْلَ الرَّأْيِ، لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ إِلَى الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ ; إِمَّا لِعَدَمِ بُلُوغِهِمْ إِيَّاهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ، أَوْ لِكَوْنِهِ رِوَايَةَ غَيْرِ فَقِيهٍ، أَوْ قَدْ أَنْكَرَهُ رَاوِي الْأَصْلِ، أَوْ لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، أَوْ لِكَوْنِهِ وَارِدًا فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَبِمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ لَزِمَهُمْ تَرْكُ الْعَمَلِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ حَتَّى خَرَّجَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي «جَامِعِهِ» نَحْوَ مِائَةٍ أَوْ خَمْسِمِائَةِ حَدِيثٍ صِحَاحٍ خَالَفَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي التَّشْنِيعِ عَلَيْهِ حَتَّى صَنَّفَ كِتَابًا فِي الْخِلَافِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَكَثُرَ عَلَيْهِ الطَّعْنُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ حَتَّى بَلَغُوا فِيهِ مَبْلَغًا وَلَا تَطِيبُ النَّفْسُ بِذِكْرِهِ، وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا عِصْمَتَهُ مِمَّا قَالُوهُ، وَتَنْزِيهَهُ عَمَّا إِلَيْهِ نَسَبُوهُ.

стр. 1589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِ: أَنَّهُ قَطْعًا لَمْ يُخَالِفِ السُنَّةَ عِنَادًا، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِيمَا خَالَفَ مِنْهَا اجْتِهَادًا لِحُجَجٍ وَاضِحَةٍ، وَدَلَائِلَ صَالِحَةٍ لَائِحَةٍ، وَحُجَجُهُ بَيْنَ النَّاسِ مَوْجُودَةٌ، وَقَلَّ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهَا مُخَالِفُوهُ، وَلَهُ بِتَقْدِيرِ الْخَطَأِ أَجْرٌ، وَبِتَقْدِيرِ الْإِصَابَةِ أَجْرَانِ، وَالطَّاعِنُونَ عَلَيْهِ إِمَّا حُسَّادٌ، أَوْ جَاهِلُونَ بِمَوَاقِعِ الِاجْتِهَادِ، وَآخِرُ مَا صَحَّ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ إِحْسَانُ الْقَوْلِ فِيهِ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْوَرْدِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ «أُصُولُ الدِّينِ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1590

أَرْكَانُ الْقِيَاسِ مَا سَبَقَ. فَشَرْطُ الْأَصْلِ ثُبُوتُهُ بِنَصٍّ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ ; أَوِ اتِّفَاقٌ مِنْهُمَا وَلَوْ ثَبَتَ بِقِيَاسٍ، إِذْ مَا لَيْسَ مَنْصُوصًا وَلَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّتِهِ، وَلَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ جَامِعٌ، فَقِيَاسُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى، إِذْ تَوْسِيطُ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ لِانْتِفَاءِ الْجَامِعِ بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَأَصْلِ أَصْلِهِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَإِلَّا لَعَلَّلَ الْخَصْمُ بِعِلَّةٍ تَتَعَدَّى إِلَى الْفَرْعِ، فَإِنْ سَاعَدَهُ الْمُسْتَدِلُّ فَلَا قِيَاسَ، وَإِلَّا مُنِعَ فِي الْأَصْلِ فَلَا قِيَاسَ، وَيُسَمَّى: الْقِيَاسُ الْمُرَكَّبُ، نَحْوُ: الْعَبْدُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ كَالْمُكَاتَبِ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ: الْعَبْدُ يُعْلَمُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، إِذْ لَا يُعْلَمُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ: الْوَارِثُ أَوِ السَّيِّدُ، وَرُدَّ: بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُقَلِّدٌ لِإِمَامِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لَهُ، إِذْ لَا يَتَعَيَّنُ مَأْخَذُ حُكْمِهِ، وَلَوْ عَرَفَ فَلَا يَلْزَمُ مَنْ عَجْزِهِ عَنْ تَقْرِيرِهِ فَسَادُهُ، إِذْ إِمَامُهُ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَقَدِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ لِنُدْرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ. ــ قَوْلُهُ: «أَرْكَانُ الْقِيَاسِ مَا سَبَقَ» . لِمَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ صِحَّةُ الْقِيَاسِ وَكَوْنُهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا ; وَجَبَ الْقَوْلُ فِي أَرْكَانِهِ، وَشُرُوطِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَأَرْكَانُهُ مَا سَبَقَ فِي أَوَّلِهِ، وَهِيَ الْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ، وَالْعِلَّةُ، وَالْحُكْمُ. وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَى بَيَانِ حَقَائِقِهَا وَمَاهِيَّاتِهَا، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي بَيَانِ شَرَائِطِهَا وَمُصَحِّحَاتِهَا. «فَشَرْطُ الْأَصْلِ» - يَعْنِي الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ - أُمُورٌ:

стр. 1591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ ثَابِتًا «بِنَصٍّ، وَإِنِ اخْتَلَفَا» - يَعْنِي الْخَصْمَيْنِ - فِي الْأَصْلِ، «أَوِ اتِّفَاقٌ مِنْهُمَا» عَلَى ثُبُوتِهِ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ، فَإِنْ وَافَقَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ، ثَبَتَ الْأَصْلُ بِالنَّصِّ وَالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ، فَالنَّصُّ وَافٍ بِإِثْبَاتِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْخَصْمِ. وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ ثُبُوتُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْفَرْعُ، وَيَلْحَقُ بِهِ، وَمَا لَا ثُبُوتَ لَهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِنَاءُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُتَفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا لِيَكُونَ غَايَةً يَنْقَطِعُ عِنْدَهَا النِّزَاعُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إِذَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَالْمُعْتَرِضُ كَمَا يُنَازِعُ فِي الْفَرْعِ يُنَازِعُ فِي الْأَصْلِ. مِثَالُ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ قَوْلُنَا: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ تَالِفَةٌ، تَحَالَفَا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَبَايِعَانِ اخْتَلَفَا، فَوَجَبَ أَنْ يَتَحَالَفَا، كَمَا إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، وَالْحَنَفِيَّةُ يَمْنَعُونَ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ التَّحَالُفُ عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ عَلَى رَأْيٍ لَهُمْ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا أَوْ تَرَادَّا، وَالتَّرَادُّ ظَاهِرٌ فِي بَقَاءِ الْعَيْنِ، عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي غَسْلِ وُلُوغِ الْخِنْزِيرِ: حَيَوَانٌ نَجِسٌ، فَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ، فَإِنْ مَنَعُوا الْحُكْمَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ، دَلَّلْنَا عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ فِيهِ. وَمِثَالُ مَا ثَبَتَ بِالِاتِّفَاقِ قِيَاسُ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْأَرُزِّ عَلَى الْبُرِّ، وَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ، وَهُوَ كَثِيرٌ. قَوْلُهُ: «وَلَوْ ثَبَتَ بِقِيَاسٍ» ، أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَصْلُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، حَصَلَ

стр. 1592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَقْصُودُ، وَلَوْ كَانَ ثُبُوتُهُ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ صَارَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ، فَجَازَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ كَالْمَنْصُوصِ وَالْمُجْمَعِ. مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ: قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْأَرُزِّ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ بِجَامِعِ الْكَيْلِ، فَيَحْرُمُ فِي الذُّرَةِ قِيَاسًا عَلَى الْأَرُزِّ، لَكِنَّ هَذَا يُفْضِي إِلَى الْعَبَثِ الْمَذْكُورِ، وَيُنَافِي قَوْلَنَا بَعْدُ: إِنَّ الْأَصْلَ لَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ هُنَاكَ فِي تَحْقِيقِ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «إِذْ مَا لَيْسَ مَنْصُوصًا وَلَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّتِهِ» . هَذَا تَوْجِيهٌ لِاشْتِرَاطِ كَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ ثَابِتًا بِنَصٍّ أَوِ اتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ بِكَوْنِهِ أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا مَقِيسًا عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اخْتُصَّ بِكَوْنِهِ أَصْلًا لِثُبُوتِهِ فِي نَفْسِهِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْخَاصَّةُ ; لَمْ يَكُنْ بِالْأَصَالَةِ أَوْلَى مِنَ الْفَرْعِ. قَوْلُهُ: «وَلَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَا يَصِحُّ إِثْبَاتُ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِقِيَاسِهِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَإِنْ شِئْتَ، قُلْتَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا لِأَصْلٍ آخَرَ. مِثَالُهُ: أَنْ يَقِيسَ الذُّرَةَ عَلَى الْأَرُزِّ الْمَقِيسِ عَلَى الْبُرِّ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْآخَرِ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْبَرُّ هَاهُنَا وَبَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ - وَهُوَ الذُّرَةُ - جَامِعٌ، فَقِيَاسُ مَحَلِّ النِّزَاعِ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ الْآخَرِ الْبَعِيدِ وَهُوَ الْبُرُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَوْسِيطَ الْأَوَّلِ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَهُوَ الْأَرُزُّ

стр. 1593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ» ، إِذْ عِوَضُ مَا نَقُولُ: يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي الذُّرَةِ قِيَاسًا عَلَى الْأَرُزِّ، وَفِي الْأَرُزِّ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، فَلْنَقُلْ: يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي الذُّرَةِ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، إِذْ تَوْسِيطُ الْأَرُزِّ فِي الْبَيْنِ عَبَثٌ، «وَإِلَّا» ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَصْلِ الْآخَرِ الثَّانِي، وَبَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ جَامِعٌ، «لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ» ، كَمَا لَوْ قَاسَ الذُّرَةَ عَلَى الْأَرُزِّ، وَالْأَرُزَّ عَلَى الْحَدِيدِ، «لِانْتِفَاءِ الْجَامِعِ بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ» وَهُوَ الذُّرَةُ، «وَأَصْلٍ أَصَّلَهُ» وَهُوَ الْحَدِيدُ، الَّذِي جَعَلَهُ أَصْلًا لِلْأَرُزِّ، الَّذِي هُوَ أَصْلُ الذُّرَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِلْوُضُوءِ: عِبَادَةٌ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ، فَلَوْ مَنَعَ الْحُكْمَ فِي التَّيَمُّمِ، فَأَثْبَتَ الْحُكْمَ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ بِكَوْنِهِمَا عِبَادَةً، قُلْنَا: فَقِسِ الْوُضُوءَ عَلَى الصَّلَاةِ بِجَامِعِ الْعِبَادَةِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَوْسِيطِ التَّيَمُّمِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنِهِمَا بِكَوْنِ التَّيَمُّمِ طَهَارَةً، لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ طَهَارَةً، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا مُنْتَفٍ. وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ أَنَّ الْأَصْلَ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ، وَهَاهُنَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ هُوَ الْمَشْهُورُ لِإِفْضَاءِ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ إِلَى الْعَبَثِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ فَائِدَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ ثَابِتًا بِقِيَاسٍ شَبَهِيٍّ، وَمَحَلُّ النِّزَاعِ يَلْحَقُ بِهِ بِقِيَاسٍ جَلِيٍّ بِحَيْثُ يَكُونُ مَحَلُّ النِّزَاعِ بِأَصْلِهِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالْأَصْلِ

стр. 1594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْبَعِيدِ، كَمَا لَوْ جَعَلْنَا عِلَّةَ الْفِضَّةِ الْوَزْنَ وَالثَّمَنِيَّةَ جَمِيعًا، وَقِسْنَا عَلَيْهِ الْحَدِيدَ قِيَاسًا شَبَهِيًّا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوَزْنِ، ثُمَّ قِسْنَا الصُّفْرَ أَوِ الرَّصَاصَ وَنَحْوَهُ عَلَى الْحَدِيدِ، لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا لَا جَدْوَى لَهُ، إِذِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَأَصْلِهِ وَهُمَا الصُّفْرُ وَالْحَدِيدُ مُسْتَنِدٌ إِلَى قِيَاسٍ ضَعِيفٍ شَبَهِيٍّ، وَهُوَ قِيَاسُ الْحَدِيدِ عَلَى الْفِضَّةِ، فَلْنَسْتَرِحْ مِنْ هَذَا التَّكْلِيفِ، وَلْنَجْزِمْ بِبُطْلَانٍ كَوْنِ الْأَصْلِ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ» ، أَيْ: عَلَى الْأَصْلِ «بَيْنَ الْأُمَّةِ» ، وَلَا يَكْفِي الِاتِّفَاقُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ، «وَإِلَّا لَعَلَّلَ الْخَصْمُ» ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، جَازَ أَنْ يُعَلِّلَ الْخَصْمُ الْمُعْتَرِضُ الْأَصْلَ «بِعِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى إِلَى الْفَرْعِ، فَإِنْ سَاعَدَهُ الْمُسْتَدِلُّ» عَلَى ذَلِكَ، انْقَطَعَ الْقِيَاسُ، «فَلَا قِيَاسَ» لِعَدَمِ الْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ، بَلْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ مُتَعَدِّيَةٍ إِلَى الْفَرْعِ، مَنَعَهُ الْمُعْتَرِضُ عِلَّةَ الْأَصْلِ، وَقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ هَذِهِ الْعِلَّةُ الْمُتَعَدِّيَةُ إِلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، بَلْ هَذِهِ الَّتِي لَا تَتَعَدَّى إِلَيْهِ، فَيَنْقَطِعُ الْقِيَاسُ أَيْضًا، «وَيُسَمَّى الْقِيَاسَ الْمُرَكَّبَ» لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ. مِثَالُهُ: أَنْ يُقَاسَ الْعَبْدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي عَدَمِ قَتْلِ الْحُرِّ بِهِ قِصَاصًا،

стр. 1595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَيُقَالُ: الْعَبْدُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ كَالْمُكَاتَبِ، «فَيَقُولُ الْخَصْمُ» الْمُعْتَرِضُ: «الْعَبْدُ يُعْلَمُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ» وَهُوَ السَّيِّدُ «بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ» ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عِلَّةَ امْتِنَاعِ الْقِصَاصِ فِي الْمُكَاتَبِ كَوْنُهُ مَنْقُوصًا بِالرِّقِّ، بَلْ كَوْنُهُ لَا يُعْلَمُ مَنْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِدَمِهِ هَلْ وَارِثُهُ أَوْ سَيِّدُهُ الَّذِي كَاتَبَهُ؟ لِأَنَّهُ بِالْكِتَابَةِ صَارَ فِيهِ شَيْئًا بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَحْكَامِهِ، فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُؤَدِّيَ يُعْتَقُ، وَيَكُونُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ وَارِثَهُ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ يَعُودُ رَقِيقًا، وَيَكُونُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ سَيِّدَهُ كَسَائِرِ الْعَبِيدِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمُكَاتَبِ هِيَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِمُسْتَحِقِّ دَمِهِ كَمَا قَالَ الْمُعْتَرِضُ، امْتَنَعَ قِيَاسُ الْعَبْدِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ دَمِهِ مَعْلُومٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ أَنَّ الْعِلَّةَ ذَلِكَ بَلْ هِيَ نَقْصُ الرِّقِّ، مَنَعَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعِلَّةُ فِي الْمُكَاتَبِ، بَلْ هِيَ مَا ذَكَرَهُ، أَوْ مَنَعَ الْحُكْمَ فِيهِ، فَيَقُولُ: سَلَّمْتُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمُكَاتَبِ نَقْصُ الرِّقِّ، لَكِنْ لَا أُسَلِّمُ امْتِنَاعَ الْقِصَاصِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُرِّ، فَالْأَمْرُ دَائِرٌ بَيْنَ مَنْعِ الْعِلَّةِ فِي الْمُكَاتَبِ أَوْ مَنْعِ الْحُكْمِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ قِيلَ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ: إِنْسَانٌ بَدَّلَ دِينَهُ، فَيُقْتَلُ كَالْمُرْتَدِّ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدِّ تَبْدِيلُ الدِّينِ، وَإِنَّمَا هِيَ جِنَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِتَنْقِيصِ عَدَدِهِمْ، وَإِعَانَةِ عَدُوِّهُمْ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْمَرْأَةِ، إِذْ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْإِعَانَةِ وَالنِّكَايَةِ، فَلَا

стр. 1596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَصِحُّ إِلْحَاقُهَا بِالْمُرْتَدِّ، فَإِنَّ سَلَّمْتَ هَذِهِ الْعِلَّةَ، انْقَطَعَ الْإِلْحَاقُ، وَإِنْ لَمْ تُسَلِّمْهَا، فَمَا تُقْبَلُ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ أَوِ الْحُكْمِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا بَيْنَ الْأُمَّةِ، إِذْ لَا يَسُوغُ لِلْخَصْمِ الْخُرُوجُ عَنْهَا وَالتَّعْلِيلُ بِغَيْرِهَا. قُلْتُ: وَحَاصِلُ الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ يَرْجِعُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، كَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِمَعْرِفَةِ الْمُسْتَحِقِّ وَعَدَمِهِ، وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ بِوُجُودِ النِّكَايَةِ وَعَدَمِهَا. قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَرُدَّ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْحُكْمِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَحْذُورَ اللَّازِمَ مِنْ عَدَمِهِ لَا يَلْزَمُ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَصْلِ مَحْذُورٌ ; لَمْ يَكُنْ إِلَى اشْتِرَاطِهِ ضَرُورَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمَحْذُورَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ تَعْلِيلُ الْخَصْمِ بِعِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى إِلَى الْفَرْعِ إِلَى آخِرِ مَا قَرَّرْتُمُوهُ لَا يَلْزَمُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُسْتَدِلِّ وَالْمُعْتَرِضِ «مُقَلِّدٌ لِإِمَامِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لَهُ» أَيْ: لِإِمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَأْخَذُ إِمَامِهِ فِي الْحُكْمِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَذْهَبَهُ عَلَى الْجَهَالَةِ، «وَلَوْ عَرَفَ» مَأْخَذَ إِمَامِهِ، لَكِنْ «لَا يَلْزَمُ مِنْ عَجْزِهِ عَنْ تَقْرِيرِ» مَذْهَبِ إِمَامِهِ «فَسَادُهُ» ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ لِقُصُورِهِ عَنْ تَقْرِيرِهِ، و «إِمَامُهُ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَقَدِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ» ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ لِانْتِفَاءِ شَرْطٍ، أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، لَا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُسْتَدِلُّ فِي الْأَصْلِ.

стр. 1597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِثَالُهُ: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ؛ لِكَوْنِ الْعِلَّةِ فِي الْمُرْتَدَّةِ لَيْسَتْ بِتَبْدِيلِ الدِّينِ، بَلْ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وُجِدَ فِيهَا نَصٌّ خَاصٌّ عِنْدَهُ مَنَعَ مِنْ قَتْلِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ، وَالْعِلَّةُ فِي قَوْلِهِ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ فَلَيْسَ لِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَقُولَ لِلْحَنْبَلِيِّ أَوِ الشَّافِعِيِّ: إِنْ سَلَّمْتَ أَنَّ عِلَّةَ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ إِعَانَةُ الْعَدُوِّ وَإِلَّا مَنَعْتَ قَتْلَهُ، مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ مَذْهَبٌ لِإِمَامِهِ. وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْعَهُ عَلَى مَذْهَبِ إِمَامِهِ، فَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، أَيْ: أَنَّهُ مَنَعَ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ، أَمَّا لَوْ مَنَعَ عَلَى مَذْهَبِ إِمَامِهِ مَنْعًا صَحِيحًا، مِثْلُ أَنْ قِيلَ لَهُ: جِلْدُ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ، فَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَجِلْدِ الْكَلْبِ، فَمَنَعَ حُكْمَ الْأَصْلِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ إِمَامِهِ، وَإِنْ مَنَعَ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِ إِمَامِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَصَدَّى لِتَقْرِيرِهِ، فَكَيْفَ يَعْدِلُ عَنْهُ، بَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ مُنْقَطِعًا؛ لِأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ، ثُمَّ لَوْ سَاغَ ذَلِكَ، لَمَا تَمَكَّنَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِفْحَامِ خَصْمِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَلْزَمَهُ حُكْمًا، مَنَعَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَوْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ مِمَّنْ خَالَفَ فِيهِ، فَكَانَ يَنْعَكِسُ مَقْصُودُ الْمُنَاظَرَةِ؛ إِذْ هِيَ طَرِيقٌ وُضِعَتْ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ بِاخْتِصَارٍ، وَفَتْحُ هَذَا الْبَابِ يُوجِبُ التَّطْوِيلَ وَالشَّغَبَ وَتَضْيِيعَ الْحَقِّ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ «يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ» ، وَيَمْنَعُ التَّوَصُّلَ إِلَى إِظْهَارِهَا «لِنُدْرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ» مِنْ ذَلِكَ.

стр. 1598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَهَاهُنَا وَجْهٌ آخَرُ فِي نَفْيِ الْمَحْذُورِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ: أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِذَا نَازَعَ فِي الْعِلَّةِ، أَمْكَنَ الْمُسْتَدِلَّ أَنْ يُقَرِّرَهَا بِطَرِيقِهَا، وَيُثْبِتَ عِلَّتَهُ الْمُتَعَدِّيَةَ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ يُحَقِّقَهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَبَيْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالنَّصِّ إِذَا خَالَفَ فِيهِ الْخَصْمُ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَجُوزُ.

стр. 1599

وَقِيلَ: لَا يُقَاسُ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بِحَالٍ؛ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّسَلْسُلِ بِالِانْتِقَالِ، وَرُدَّ: بِأَنَّهُ رُكْنٌ فَجَازَ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ. وَأَنْ لَا يَتَنَاوَلَ دَلِيلُ الْأَصْلِ الْفَرْعَ وَإِلَّا لَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْقِيَاسِ. وَأَنْ يَكُونَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، إِذْ لَا تَعْدِيَةَ بِدُونِ الْمَعْقُولِيَّةِ. ــ قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: لَا يُقَاسُ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بِحَالٍ، لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّسَلْسُلِ بِالِانْتِقَالِ» ، يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا قَاسَ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، مَنَعَهُ الْخَصْمُ، فَإِنْ أَثْبَتَهُ الْمُسْتَدِلُّ بِقِيَاسٍ آخَرَ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَفًا فِيهِ أَيْضًا، فَيَمْنَعُهُ الْخَصْمُ، وَيُفْضِي إِلَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَيَنْتَشِرُ الْكَلَامُ، وَيَتَسَلْسَلُ، وَإِنْ أَثْبَتَ الْأَصْلَ بِدَلِيلٍ غَيْرِ الْقِيَاسِ، فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَالْمُرْسَلِ وَالْمَفْهُومِ وَنَحْوِهِ فَيُفْضِي إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» ، أَيْ: وَرُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ «رُكْنٌ» مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، «فَجَازَ إِثْبَاتُهُ» عِنْدَ النِّزَاعِ فِيهِ «بِالدَّلِيلِ كَبَقِيَّةِ» أَرْكَانِهِ مِنْ عِلَّةٍ وَحُكْمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَى مَسْأَلَةٍ إِذَا عَادَ بِثُبُوتِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، لَمْ يُمْنَعْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِثْبَاتُهُ، وَهُمَا سَاعِيَانِ فِيهِ بِتَقْرِيرِ مُقَدِّمَاتِهِ، فَهُمَا بِمَثَابَةِ مَنْ يَضْرِبُ اللَّبِنَ، وَيَعْمَلُ الطِّينَ لِيَبْنِيَ جِدَارًا، وَإِنَّمَا يُنْكِرُ هَذَا الْقَاصِرُونَ الَّذِينَ قَلَّتْ مَوَادُّهُمْ، فَيَرْتَبِطُونَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْهُ، وَيُسَمُّونَهُ انْتِشَارًا فِي الْكَلَامِ وَتَفْرِيقًا لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ مِنْ شُرُوطِ الْأَصْلِ.

стр. 1600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ الْأَصْلِ مُتَنَاوِلًا لِلْفَرْعِ، إِذْ لَوْ تَنَاوَلَ دَلِيلُ الْأَصْلِ الْفَرْعَ، لَكَانَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الْقِيَاسِ. مِثَالُهُ: لَوْ قَاسَ السَّفَرْجَلَ عَلَى الْبُرِّ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا بِجَامِعِ الطُّعْمِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْبُرِّ الطُّعْمُ بِقَوْلِهِ ﵇: لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَإِنَّ هَذَا النَّصَّ يَتَنَاوَلُ السَّفَرْجَلَ، فَقِيَاسُهُ عَلَى الْبُرِّ تَطْوِيلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَاسَ الذِّمِّيَّ عَلَى الْمُعَاهَدِ فِي عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ ﵇: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، فَإِنَّ هَذَا النَّصَّ يَتَنَاوَلُ الصُّورَتَيْنِ، فَهُوَ قِيَاسُ مَنْصُوصٍ عَلَى مَنْصُوصٍ، فَلَا يَصِحُّ كَقِيَاسِ الْبُرِّ عَلَى الشَّعِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ عَلَى الدَّنَانِيرِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: «أَنْ يَكُونَ» الْأَصْلُ «مَعْقُولَ الْمَعْنَى، إِذْ لَا تَعْدِيَةَ بِدُونِ الْمَعْقُولِيَّةِ» ، أَيْ: مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، لَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَمَا لَا يُعْقَلُ، لَا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الصُّبْحُ إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا كَالْعَصْرِ، أَوْ ثَلَاثًا كَالْمَغْرِبِ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الظُّهْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ صَلَاةً لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِكَوْنِهَا أَرْبَعًا أَوْ ثَلَاثًا، بَلْ هَذَا تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ لَا نَعْقِلُهُ. هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» مِنْ شُرُوطِ الْأَصْلِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِي «الْمُنْتَهَى» أَنَّ شُرُوطَ حُكْمِ الْأَصْلِ تِسْعَةٌ:

стр. 1601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْعِيًّا، لَكَانَ الْحُكْمُ الْمُتَعَدِّي إِلَى الْفَرْعِ غَيْرَ شَرْعِيٍّ، فَلَا يَكُونُ الْغَرَضُ مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ حَاصِلًا. قَالَ النِّيلِيُّ فِي «شَرْحُ جَدَلِ الشَّرِيفِ» : فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا بِأَنْ كَانَ عَقْلِيًّا أَوْ لُغَوِيًّا، لَمَا أَفَادَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَلَا عَقْلِيًّا، وَلَا لُغَوِيًّا؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ الْحَقَائِقُ الْعَقْلِيَّةُ. مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ: شَرَابٌ مُشْتَدٌّ، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ كَمَا أَوْجَبَ الْإِسْكَارَ، أَوْ كَمَا وَجَبَ تَسْمِيَتُهُ خَمْرًا، فَإِنَّ إِيجَابَهُ الْإِسْكَارَ أَمْرٌ مَعْقُولٌ، وَتَسْمِيَتُهُ خَمْرًا أَمْرٌ لُغَوِيٌّ، وَإِيجَابُ الْحَدِّ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا إِذَا قَاسَ النَّفْيَ عَلَى النَّفْيِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُقْتَضِي مَوْجُودًا فِي الْأَصْلِ، كَانَ الْحُكْمُ نَفْيًا أَصْلِيًّا، وَالنَّفْيُ الْأَصْلِيُّ لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ النَّفْيُ الطَّارِئُ الَّذِي هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. قُلْتُ: مَعْنَى كَوْنِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْعِ، بَلْ هُوَ قَبْلُهُ، فَلَا يَكُونُ مِنْهُ، كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْإِبَاحَةِ: لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا لِثُبُوتِهَا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ النَّفْيَ لَيْسَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا حَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا، إِذْ غَيْرُ الشَّرْعِيِّ لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ نَتِيجَةُ الدَّلِيلِ، وَالنَّتِيجَةُ مِنْ جِنْسِ الْمُنْتَجِ، فَلَوْ قَالَ: الْعَالَمُ مُؤَلَّفٌ، وَكُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ، فَالْخَمْرُ حَرَامٌ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ عَقْلِيَّتَانِ، وَالنَّتِيجَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.

стр. 1602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ، لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، فَلَوْ نُسِخَ، لَبَطَلَ، فَيَمْتَنِعُ بِنَاءُ حُكْمِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مِمَّا يَقُولُ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ لِتَكُونَ الْعِلَّةُ مُعْتَبَرَةً عَلَى أَصْلِهِ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَعْدُولًا بِهِ سَنَنُ الْقِيَاسِ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيَةِ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُجْمَلٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ، وَذَكَرَ تَفْصِيلَهُ وَأَطَالَ فِيهِ. قُلْتُ: وَذَلِكَ التَّطْوِيلُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِأَنْ يُقَالَ: مَا عُدِلَ بِهِ عَنْ سَنَنِ الْقِيَاسِ إِنْ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ لِكَوْنِهِ مُنَاسِبًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ، أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، وَوُجِدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ جَوَازُ الْقِيَاسِ، فَلَا مَانِعَ مِنْهُ. الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى تَعْلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَعَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ. وَحَكَى الْغَزَالِيُّ الْأَوَّلَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَالثَّانِيَ عَنْ قَوْمٍ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ الدَّلِيلُ الْعَامُّ عَلَى ذَلِكَ، لَا فِي كُلِّ أَصْلٍ بِخُصُوصِهِ. الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ فَرْعًا لِأَصْلٍ آخَرَ. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَالْكَرْخِيِّ، خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. قُلْتُ: هَذَا الشَّرْطُ ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ إِثْبَاتِ

стр. 1603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَصْلِ بِالْقِيَاسِ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَأَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ. وَبَقِيَ مِمَّا ذَكَرُوهُ شَرْطَانِ آخَرَانِ: الِاتِّفَاقُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، وَأَنْ لَا يَتَنَاوَلَ دَلِيلُهُ الْفَرْعَ. وَقَدْ ذُكِرَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَقَالَ - أَعْنِي الْآمِدِيَّ فِي «جَدَلِهِ» : شُرُوطُ الْأَصْلِ مِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى حُكْمِهِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى عِلَّتِهِ. وَلِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ شُرُوطٌ سِتَّةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا. الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُتَعَبَّدًا فِيهِ بِالْعِلْمِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ الْقِيَاسُ. قُلْتُ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهِ، ثُمَّ تَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ بِجَامِعٍ شَبَهِيٍّ، فَيَكُونُ حُصُولُهُ فِي الْفَرْعِ مَظْنُونًا، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ، إِذْ قَدْ نَصُّوا عَلَى التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ تَارَةً يَكُونُ مُسَاوِيًا وَتَارَةً يَكُونُ أَقْوَى، وَتَارَةً أَضْعَفَ. هَذَا إِنْ كَانَ الْقِيَاسُ شَبَهِيًّا، وَإِنْ كَانَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، فَنَحْنُ لَا نَقِيسُ إِلَّا إِذَا وُجِدَتْ عِلَّةُ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَإِذَا وُجِدَتْ فِيهِ، أَثَّرَتْ مِثْلَ حُكْمِ الْأَصْلِ، فَيَكُونُ مَقْطُوعًا أَيْضًا، وَكَذَلِكَ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ وُجُودَ الْمَدْلُولِ، فَدَلَالَةُ عِلَّةِ الْأَصْلِ إِذَا وُجِدَتْ فِي الْفَرْعِ، دَلَّتْ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ إِذَا كَانَ تَعْلِيلُ الْأَصْلِ قَطْعِيًّا فِيهِ، فَصَارَ كَقِيَاسِ الْعِلَّةِ. وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: إِذَا كَانَ تَعْلِيلُ الْأَصْلِ قَطْعِيًّا

стр. 1604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَوُجُودُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ قَطْعِيًّا، كَانَ الْقِيَاسُ قَطْعِيًّا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ، جَازَ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ بِالْقَطْعِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ شَرْطًا. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنِ الْقِيَاسِ، إِذِ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا وَرَدَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَثْنًى عَنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ كَتَخْصِيصِ خُزَيْمَةَ بِكَمَالِهِ بِبَيِّنَةٍ عَنْ قَاعِدَةِ الشَّهَادَةِ، أَوْ كَانَ مُبْتَدَأً بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ كَالْمُقَدَّرَاتِ مِنَ الْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَنُصُبِ الزِّكْوَاتِ، وَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ مَعْقُولًا أَوْ غَيْرَ مَعْقُولٍ، كَاللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ وَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَهَذَانَ الضَّرْبَانِ مِنْهُ لَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ، أَوْ لِعَدَمِ النَّظِيرِ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَوْ بَيْنَ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ كَمَا سَبَقَ، وَاخْتَارَ فِي «الْمُنْتَهَى» أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، لَمْ يُشْتَرَطِ الْإِجْمَاعُ، إِذْ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، اشْتُرِطَ الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِإِمَامٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ فِي الْأَصْلِ، فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ، أَوْ بِتَعَيُّنِ عِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى إِلَى الْفَرْعِ كَمَا سَبَقَ فِي سُؤَالِ التَّرْكِيبِ. وَهَذَا اخْتِيَارٌ حَسَنٌ جِدًّا، لَكِنَّ وُقُوعَهُ بَعِيدٌ.

стр. 1605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهِ شَرْعِيًّا. الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَنْسُوخًا، وَإِلَّا فَالْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْهُ تَكُونُ لَاغِيَةً. قَالَ: وَقَدِ اشْتَرَطَ لَهُ قَوْمٌ شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ تَعْلِيلِهِ. الثَّانِي: قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهُمَا فَاسِدَانِ. وَقَرَّرَ فِيهِ نَحْوَ مَا سَبَقَ فِي «الْمُنْتَهَى» وَأَنَّهُمْ إِنْ أَرَادُوا قِيَامَ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ الْإِجْمَالِيِّ الْعَامِّ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ حَقٌّ، وَإِلَّا فَلَا. أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الشُّرُوطُ الرَّاجِعَةُ إِلَى عِلَّةِ الْأَصْلِ فَسِتَّةٌ أَيْضًا: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهَا شَرْعِيًّا كَالْحُكْمِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً جَلِيَّةً، وَإِلَّا لَمْ يُمْكِنْ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهَا فِي الْفَرْعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَخْفَى مِنْهُ أَوْ مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الْخَفَاءِ. قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْعِلَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَصْلِ أَظْهَرَ مِنْهَا فِي الْفَرْعِ. وَقَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ: الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَ حَالَتِهَا فِي الْمَحَلَّيْنِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُطَّرِدَةً بِحَيْثُ يُسَاوِيهَا الْحُكْمُ أَيْنَ وُجِدَتْ، وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا مَوْضِعُهُ عِنْدَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ مُتَّحِدَةً فِي الْأَصْلِ، أَيْ: لَا يَكُونُ مَعَهَا فِيهِ عِلَّةٌ

стр. 1606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أُخْرَى، وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا مَوْضِعُهُ عِنْدَ ذِكْرِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ. وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ مَضْبُوطَةً بِحَيْثُ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْهَا حِكْمَتُهَا الَّتِي هِيَ غَايَةُ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَمَقْصُودُهُ، وَإِلَّا فَهِيَ بَاطِلَةٌ، كَمَنْ ضَبَطَ حِكْمَةَ الْقِصَاصِ وَهِيَ الصِّيَانَةُ عَنِ التَّفْوِيتِ بِالْجُرْحِ فَقَطْ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى مَنْ جَرَحَ مَيِّتًا مَعَ تَيَقُّنِ عَدَمِ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ. الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً فَشَرْطُهَا أَنْ لَا تَعُودَ بِإِبْطَالِ مَا اسْتَنْبَطَتْ، كَمَا إِذَا اسْتُنْبِطَ مِنْ وُجُوبِ الشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ دَفْعُ حَاجَاتِ الْفُقَرَاءِ، وَسَدُّ خَلَّاتِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ تَرْكَ النَّصِّ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ بِتَجْوِيزِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَرْكِ الرَّاجِحِ إِلَى الْمَرْجُوحِ، إِذِ الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنَ النَّصِّ أَقْوَى مِنَ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ لَكَ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ عِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةً يَتَكَرَّرُ بَعْضُهَا قَصْدًا لِإِيضَاحِ الْمَذْكُورِ بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ، فَإِنَّهُ مُحَصِّلٌ لِذَلِكَ، وَذَكَرْتُ شُرُوطَ الْعِلَّةِ مَعَ شُرُوطِ الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُهَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» فِيمَا بَعْدُ؛ لِأَنِّي ذَكَرْتُ مَعْنَى كَلَامِهِ عَلَى نَحْوِ تَرْتِيبِهِ، وَسَأُحِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ هَاهُنَا عِنْدَ شُرُوطِ الْعِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 1607

وَشَرْطُ حُكْمِ الْفَرْعِ مُسَاوَاتُهُ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، كَقِيَاسِ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ فِي الصِّحَّةِ ; وَالزِّنَى عَلَى الشُّرْبِ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا لَزِمَ تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ، أَوِ اتِّحَادُهَا مَعَ تَفَاوُتِ الْمَعْلُولِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَقْلًا، وَخِلَافُ الْأَصْلِ شُرِعًا، وَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ دُونَ حُكْمِ الْأَصْلِ فَالْعِلَّةُ تَقْتَضِي كَمَالَهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى فَاقْتِصَارُ الشَّارِعِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِمَزِيدِ فَائِدَةٍ، أَوْ ثُبُوتِ مَانِعٍ، وَأَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا لَا عَقْلِيًّا، أَوْ أُصُولِيًّا عِلْمِيًّا، إِذِ الْقَاطِعُ لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ الظَّنِّيِّ ; وَفِي اللُّغَوِيِّ خِلَافٌ سَبَقَ. ــ قَوْلُهُ: " وَشَرْطُ حُكْمِ الْفَرْعِ مُسَاوَاتُهُ لِحُكْمِ الْأَصْلِ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا ذِكْرُ مَا يُشْتَرَطُ لِلرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ الْفَرْعُ، وَذَلِكَ شَرْطَانِ فِي " الْمُخْتَصَرِ ": أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ، " كَقِيَاسِ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ فِي الصِّحَّةِ؟ ، كَقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: عَقْدٌ عَلَى غَائِبٍ، فَصَحَّ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ، وَكَقِيَاسِ " الزِّنَى عَلَى الشُّرْبِ فِي التَّحْرِيمِ "، وَكَقِيَاسِ الصَّوْمِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: " وَإِلَّا لَزِمَ تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ "، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ، لَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، وَأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرَ الْعِلَّةِ فِي الْآخَرِ، إِذْ لَوْ

стр. 1608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اتَّحَدَتْ فِيهِمَا، لَمَا اخْتَلَفَ أَثَرُهَا، وَهُوَ الْحُكْمُ، لَكِنَّ تَعَدُّدَ الْعِلَّةِ خِلَافُ الْفَرْضِ، أَيْ: خِلَافُ التَّقْدِيرِ؛ إِذِ التَّقْدِيرُ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِعِلَّتِهِ. وَإِمَّا اتِّحَادُ الْعِلَّةِ " مَعَ تَفَاوُتِ الْمَعْلُولِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَقَلًا، وَخِلَافُ الْأَصْلِ شُرِعًا " ; أَمَّا أَنَّهُ " مُحَالٌ عَقْلًا " ; فَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ إِذَا اتَّحَدَ مَحَلُّهَا، أَوْ تَعَدَّدَ وَاسْتَوَى فِي قَبُولِهِ لِأَثَرِهَا، لَا يُؤْثِّرُ أَثَرًا مُخْتَلِفًا، بَلْ مُتَسَاوِيًا، كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ، وَالتَّسْوِيدِ مَعَ الِاسْوِدَادِ، فَإِنَّا إِذَا فَرَضْنَا جِسْمَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ فِي قَبُولِ التَّسْوِيدِ، وَسَوَّدْنَاهُمَا تَسْوِيدًا مُتَسَاوِيًا، كَانَ اسْوِدَادُهُمَا مُتَسَاوِيًا، كَالثَّوْبَيْنِ يُصْبَغَانِ بِصِبْغٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ " خِلَافَ الْأَصْلِ شَرْعًا "، فَلِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ وُرُودُ الشَّرْعِ عَلَى وَفْقِ الْعَقْلِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اتِّحَادَ الْعِلَّةِ مَعَ تَفَاوُتِ الْمَعْلُولِ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، فَلَوْ قَدَّرْنَا وُقُوعَهُ شَرَعًا، لَكَانَ ذَلِكَ خِلَافَ الْأَصْلِ فِي الشَّرْعِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَتُهُ لِلْعَقْلِ، وَمُخَالَفَتُهُ لَهُ فِي التَّعَبُّدَاتِ وَنَحْوِهَا خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ شَرْعًا، وَلَمْ نَقُلْ: إِنَّهُ مُحَالٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ وَضْعِيَّةٌ عَلَى جِهَةِ التَّعْرِيفِ لِلْحُكْمِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ مُعَرِّفًا لِحُكْمَيْنِ مُتَفَاوِتَيْنِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ مُؤَثِّرةً يَسْتَحِيلُ فِيهَا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: " وَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ دُونَ حُكْمِ الْأَصْلِ "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى امْتِنَاعِ تَفَاوُتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.

стр. 1609

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُمَا لَوْ تَفَاوَتَا، لَكَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ إِمَّا دُونَ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي تَحْصِيلِ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ، أَوْ أَعْلَى مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ دُونَهُ كَمَا إِذَا قِسْنَا النَّدْبَ عَلَى الْوُجُوبِ، فَعِلَّةُ الْأَصْلِ تَقْتَضِي كَمَالَ حُكْمِ الْفَرْعِ، وَلَمْ يَحْصُلْ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ الْوُجُوبِ وَمَصْلَحَتَهُ أَكْمَلُ مِنْ حِكْمَةِ النَّدْبِ، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْ عِلَّةِ الْأَصْلِ مُقْتَضَاهَا، فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ، " وَإِنْ كَانَ أَعْلَى " مِنْهُ، كَمَا إِذَا قِسْنَا الْوُجُوبَ عَلَى النَّدْبِ، " فَاقْتِصَارُ الشَّارِعِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ يَقْتَضِي " أَنَّهُ اخْتُصَّ بِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَوْجَبَتْ تَعْيِينَهُ وَالِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ، أَوْ بِثُبُوتِ مَانِعٍ مَنَعَ مِنْ مُجَاوَزَتِهِ اخْتُصَّ بِمَزِيدِ فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَكِيمَ إِذَا عَنَّ لَهُ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا أَرْجَحُ مِنَ الْآخَرِ، لَا يَعْدِلُ عَنِ الرَّاجِحِ إِلَى الْمَرْجُوحِ إِلَّا لِمَانِعٍ مِنَ الرَّاجِحِ، أَوْ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ فِي الْمَرْجُوحِ. وَأَيًّا مَا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ حُكْمِ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ مُخَالَفَةُ مَا ثَبَتَ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ لِأَنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى النَّدْبِ فِي الْأَصْلِ إِنْ كَانَ لِمَزِيدِ فَائِدَةٍ، فَزِيَادَةُ الْوُجُوبِ فِي الْفَرْعِ مُفَوِّتٌ لِتِلْكَ الْفَائِدَةِ، وَهُوَ تَثْقِيلٌ فِي التَّكَالِيفِ، وَإِنْ كَانَ لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنْ إِثْبَاتِ زِيَادَةِ الْوُجُوبِ فِي الْأَصْلِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَنَا مِنْ إِثْبَاتِهَا فِي الْفَرْعِ مَا مَنَعَ الشَّارِعَ مِنْ إِثْبَاتِهَا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مُتَلَقًّى عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَاجْتِهَادُ الْقَائِسِ فِي الْفَرْعِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي الْأَصْلِ. وَقَدْ يَكُونُ الْخِلَافُ بَيْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، كَمَا يُقَالُ فِي تَقْرِيرِ السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ: لَمَّا بَلَغَ بِرَأْسِ الْمَالِ أَقْصَى مَرَاتِبِ الْأَعْيَانِ

стр. 1610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَهُوَ الْحُلُولُ ; وَجَبَ أَنْ يَبْلُغَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ أَقْصَى مَرَاتِبَ الدُّيُونِ، وَهُوَ التَّأْجِيلُ، فَإِنَّ هَذَا قِيَاسٌ لِإِثْبَاتِ الْأَجَلِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى نَفْيِهِ فِي الثَّمَنِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ: طَهَارَةٌ، فَيَسْتَوِي مَائِعُهَا وَجَامِدُهَا فِي النِّيَّةِ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ، فَإِنَّهُ قِيَاسٌ لِإِثْبَاتِ النِّيَّةِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ عَلَى نَفْيِهَا فِي طَهَارَةِ الِاسْتِنْجَاءِ. وَفِي هَذَا خِلَافٌ، وَالْأَشْبَهُ صِحَّتُهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الْإِثْبَاتِ عَلَى الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا قَاسُوا التَّسْوِيَةَ فِي إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِي الْأُخْرَى، وَالتَّسْوِيَةُ لَيْسَتْ نَفْيًا فِي إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، وَلَا إِثْبَاتًا، بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّفْي وَالْإِثْبَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَهَارَةَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا تُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْحَجَرِ، فَقَدَ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ النِّيَّةِ، ثُمَّ اتَّفَقْنَا فِي طِهَارَةِ الْحَدَثِ بِالْجَامِدِ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ تُشْتَرَطَ النِّيَّةُ فِيهَا بِالْمَاءِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ، تَسْوِيَةً بَيْنَ مَائِعِهَا وَجَامِدِهَا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُفَارِقَ حُكْمُ الْفَرْعِ حُكْمَ الْأَصْلِ، لَا فِي جِنْسِهِ، وَلَا فِي زِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى مَحَلٍّ، فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذَا ثَبَتَ فِي الْفَرْعِ غَيْرُ حُكْمِ الْأَصْلِ ; لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْدِيَةً، بَلِ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ. الشَّرْطُ الثَّانِي لِحُكْمِ الْفَرْعِ بِأَنْ يَكُونَ حُكْمًا " شَرْعِيًّا " فَرْعِيًّا، " لَا عَقْلِيًّا "، وَلَا " أُصُولِيًّا عِلْمِيًّا "، أَيْ: يُطْلَبُ فِيهِ الْعِلْمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَطْعِيٌّ، وَالْقِيَاسُ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، وَالْقَاطِعُ لَا يَثْبُتُ بِالظَّنِّيِّ. قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ مَا فِي هَذَا وَأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يَكُونُ قَطْعِيًّا.

стр. 1611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: " وَفِي اللُّغَوِيِّ خِلَافٌ سَبَقَ " أَيْ: فَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ لُغَوِيًّا كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي تَسْمِيَتِهِ خَمْرًا، وَاللَّائِطِ عَلَى الزَّانِي فِي كَوْنِهِ زَانِيًا، وَالنَّبَّاشِ عَلَى السَّارِقِ فِي كَوْنِهِ سَارِقًا، فَهَذَا قِيَاسٌ لُغَوِيٌّ، وَفِيهِ " خِلَافٌ سَبَقَ " فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي أَنَّ اللُّغَةَ تَثْبُتُ قِيَاسًا، وَقَدْ ذُكِرَ لِحُكْمِ الْفَرْعِ شُرُوطٌ أُخَرُ: مِنْهَا: أَنْ لَا يُمْكِنَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ، إِذْ يَكُونُ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ فَسَادِ الْوَضْعِ، كَمَا يُقَالُ فِي عَدَمِ إِجْزَاءِ عِتْقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: تَحْرِيرٌ فِي تَكْفِيرٍ، فَلَا تُجْزِئُ فِيهِ الْكَافِرَةُ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ. فَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: هَذَا عَلَى خِلَافِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِإِجْزَاءِ مُطْلَقِ الرَّقَبَةِ، وَفِي النَّصِّ كِفَايَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ مَعَ اخْتِلَافِ السَّبَبِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَرِدَ النَّصُّ بِحُكْمِ الْفَرْعِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. ذَكَرَهُ أَبُو هَاشِمٍ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِمِيرَاثِ الْجَدِّ جُمْلَةً، لَمَا نَظَرَ الصَّحَابَةُ فِي تَوْرِيثِهِ مَعَ الْإِخْوَةِ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ، قَالَ غَيْرُهُ: وَكَذَلِكَ لَمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِمَشْرُوعِيَّةِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ، وَقَعَ النَّظَرُ فِي أَنَّ الْفَاسِقَ أَوِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَتَيْنِ هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَأَفْسَدَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الشَّرْطَ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَاسُوا قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. عَلَى الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حُكْمٌ جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا، وَإِنَّمَا حُكْمُ الْأَصْلِ يَتَعَدَّى الْعِلَّةَ كَيْفَ مَا كَانَ.

стр. 1612

وَشَرْطُ الْفَرْعِ وُجُودُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ ظَنًّا إِذْ هُوَ كَالْقَاطِعِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ ; وَشَرَطَ قَوْمٌ تَقَدُّمَ ثُبُوتِ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ؛ إِذِ الْحُكْمُ يَحْدُثُ بِحُدُوثِ الْعِلَّةِ، فَلَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ لَصَارَ الْمُتَقَدِّمُ مُتَأَخِّرًا. وَالْحَقُّ اشْتِرَاطُهُ لِقِيَاسِ الْعِلَّةِ دُونَ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ لِجَوَازِ تَأَخُّرِ الدَّلِيلِ عَنِ الْمَدْلُولِ كَالْأَثَرِ عَنِ الْمُؤَثِّرِ ; بِخِلَافِ الْعِلَّةِ عَنِ الْمَعْلُولِ ; أَمَّا الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَهِيَ عَلَامَةٌ وَمُعَرِّفٌ، وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً فَلَا عِبْرَةَ بِالْقَاصِرَةِ وَهِيَ مَا لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ كَالثَّمَنِيَّةِ فِي النَّقْدَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ. ــ قَوْلُهُ: «وَشَرْطُ الْفَرْعِ وُجُودُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ ظَنًّا» إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ إِلَى هَاهُنَا هُوَ فِي الْأَصْلِ وَحُكْمِهِ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا هُوَ فِي الْفَرْعِ نَفْسِهِ عَلَى تَرْتِيبِ أَصْلِ «الْمُخْتَصَرِ» ، وَشَرْطُهُ «وُجُودُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ» ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَرْعًا لَهُ؛ لِأَنَّ تَعَدِّيَ الْحُكْمِ إِلَيْهِ فَرْعُ تَعَدِّيَ الْعِلَّةِ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ مَقْطُوعًا بِهِ، بَلْ تَكْفِي فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ كَالْقَطْعِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الظَّنِّ وَالْقَطْعِ، فَإِنِ اتَّفَقَ لَنَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَمَا زَادَ عَنِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا، إِذْ حَصَلَ لَنَا الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، فَصَارَ الظَّنُّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَالْقَطْعِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ

стр. 1613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَقْصُودُهُ فِي بَابِهِ. قَوْلُهُ: «وَشَرَطَ قَوْمٌ تَقَدُّمَ ثُبُوتِ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا شَرْطٌ آخَرُ لِلْفَرْعِ اشْتَرَطَهُ قَوْمٌ، وَفِيهِ تَحْقِيقٌ يَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ أَنَّ شَرْطَ الْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ ثَابِتًا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ يَحْدُثُ بِحُدُوثِ عِلَّةِ الْأَصْلِ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَيْهِ، فَلَوْ تَأَخَّرَ حُكْمُ الْأَصْلِ عَنِ الْفَرْعِ، لَتَأَخَّرَتِ الْعِلَّةُ عَنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مُلَازِمَةٌ لِلْأَصْلِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ ثُبُوتُ الْعِلَّةِ عَنِ الْفَرْعِ، لَصَارَ الْمُتَقَدِّمُ فِي الثُّبُوتِ مُتَأَخِّرًا وَهُوَ مُحَالٌ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، فَلَوْ تَأَخَّرَ الْبَاعِثُ عَنْ حُكْمِ الْفَرْعِ، لَكَانَ ثُبُوتُهُ قَبْلَهُ إِمَّا بِغَيْرِ بَاعِثٍ، أَوْ بِبَاعِثٍ آخَرَ، وَيَلْزَمُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَلَوْ صَحَّ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، لَكِنْ إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ بَعْضُ الْعِلَلِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ. قَوْلُهُ: «وَالْحَقُّ اشْتِرَاطُهُ لِقِيَاسِ الْعِلَّةِ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ ثُبُوتِ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ فِي قِيَاسِ الْعِلَّةِ «دُونَ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ» ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَنْ الْعِلَّةَ لَا يَجُوزُ تَأَخُّرُهَا عَنِ الْمَعْلُولِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ وُجُودُهُ بِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْ بِعِلَّةٍ غَيْرِ الْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَالدَّلِيلُ يَجُوزُ تَأَخُّرُهُ عَنِ الْمَدْلُولِ، كَالْعَالَمِ دَلِيلٌ عَلَى الصَّانِعِ الْقَدِيمِ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، وَكُلُّ أَثَرٍ كَالدُّخَانِ وَنَحْوِهِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ مُؤَثِّرِهِ كَالنَّارِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ مِنْ

стр. 1614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ مَمْنُوعٌ، بَلْ هِيَ مُعَرِّفٌ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُعَرِّفُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاعِثًا أَوْ غَيْرَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: بِأَنَّ الْعِلَّةَ بَاعِثٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الشَّارِعِ، مُعَرِّفٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ، كَمَا قِيلَ: إِنِ الْعِلَّةَ الْبَدَنِيَّةَ عَرَضٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَرِيضِ، دَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الطَّبِيبِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ مَا قَالَ ; وَامْتِنَاعُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ مَمْنُوعٌ، لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ لَا جَوَابَ عَنْهُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قِيَاسُ الْوُضُوءِ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ عَلَى التَّيَمُّمِ مَعَ تَأَخُّرِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ عَنِ الْوُضُوءِ. قَوْلُهُ: «أَمَّا الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، فَهِيَ عَلَامَةٌ وَمُعَرِّفٌ» . هَذَا الْكَلَامُ فِي الْعِلَّةِ، وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، وَهِيَ عَلَامَةٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ وَمُعَرِّفٌ لَهُ. قَالَ الْبَزْدَوِيُّ فِي «الْمُقْتَرَحِ» : وَلِلْعِلَّةِ أَسَامٍ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَهِيَ السَّبَبُ، وَالْأَمَارَةُ، وَالدَّاعِي، وَالْمُسْتَدْعِي، وَالْبَاعِثُ، وَالْحَامِلُ، وَالْمَنَاطُ، وَالدَّلِيلُ، وَالْمُقْتَضِي، وَالْمُوجِبُ، وَالْمُؤَثِّرُ. قُلْتُ: أَمَّا تَسْمِيَتُهَا سَبَبًا، فَلِأَنَّهَا طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ يَثْبُتُ عِنْدَ وُجُودِهَا؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا الْمُثْبِتُ لَهَا الشَّارِعُ. وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا أَمَارَةً فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْأَمَارَةَ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - الْعَلَامَةُ، وَالْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَامَةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ. قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهَارِ فَإِنَّهَا ... أَمَارَةُ تَسْلِيمِي عَلَيْكِ فَسَلِّمِي

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَيْ: عَلَامَةُ تَسْلِيمِي. وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا دَاعِيًا وَمُسْتَدْعِيًا، فَلِأَنَّهَا تَدْعُو الشَّارِعَ إِلَى وَضْعِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَتَسْتَدْعِي ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَكَذَلِكَ هِيَ الْبَاعِثُ لَهُ وَالْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا مَنَاطًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ يُنَاطُ بِهَا أَيْ: يُعَلَّقُ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا دَلِيلًا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّهَا إِذَا وُجِدَتْ فِي مَحَلٍّ، دَلَّتْ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا فِيهِ، كَالْإِسْكَارِ فِي النَّبِيذِ، وَالْكَيْلِ فِي الْأَرُزِّ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا مُوجِبًا وَمُؤَثِّرًا هُوَ أَنَّهَا تُوجِبُ مَعْرِفَةَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَتُؤَثِّرُ فِي مَعْرِفَتِهِ؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لَهُ، وَالْمُؤَثِّرَ إِنَّمَا هُوَ الشَّارِعُ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ أَمَارَةً فِي الْفَرْعِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ فِيهِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلْأَمَارَةِ سِوَى تَعْرِيفِهَا لِلْحُكْمِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مُعَرَّفٌ بِالنَّصِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعِلَّةِ مَعْنَى الْبَاعِثِ، خَلَتْ عَنْ فَائِدَةٍ. الثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، فَهِيَ فَرْعٌ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، فَلَوْ تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَتُهُ عَلَيْهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَاعِثِ وَالْأَمَارَةِ الْمَحْضَةِ: هُوَ أَنَّ الْبَاعِثَ يَكُونُ مُنَاسِبًا لِحُكْمِهِ، وَمُقْتَضِيًا لَهُ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ مِنِ اقْتِضَائِهِ إِيَّاهُ مَصْلَحَةٌ ; بِحَيْثُ يَصِحُّ فِي عُرْفِ الْعُقَلَاءِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا فُعِلَ كَذَا لِكَذَا، كَقَوْلِنَا: إِنَّمَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ لِتَبْدِيلِهِ الدِّينَ، أَوْ تَقْلِيلِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ إِعَانَةِ الْكَافِرِينَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْحَدُّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ لِإِفْسَادِهِ الْعَقْلَ، بِخِلَافِ الْأَمَارَةِ الْمَحْضَةِ كَزَوَالِ الشَّمْسِ
следующие страницы →