Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ عَلَى وَصْفٍ بِالِاجْتِهَادِ، نَحْوُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ، وَالرِّبَا فِي الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلُ جِنْسٍ فَالْأَرُزُّ مِثْلُهُ، وَيُسَمَّى: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ ، وَهُوَ الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ، وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا التَّعَبُّدَ بِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَالنَّظَّامِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَحُمِلَ عَلَى قِيَاسٍ خَالَفَ نَصًّا، وَقِيلَ: هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْجَوَازِ، وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِيهِ بِإِحَالَةٍ وَلَا إِيجَابٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
ــ
وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ، وَهُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالتَّخْرِيجُ: هُوَ الِاسْتِخْرَاجُ وَالِاسْتِنْبَاطُ، وَهُوَ إِضَافَةُ حُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّرْعُ لِعِلَّتِهِ إِلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» بِقَوْلِهِ: «أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ» ، أَيْ: وَالِاجْتِهَادُ فِي الْعِلَّةِ إِمَّا بِبَيَانِ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، أَوْ بِإِضَافَةِ الْعِلَّةِ إِلَى بَعْضِ الْأَوْصَافِ، «أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ عَلَى وَصْفٍ بِالِاجْتِهَادِ، نَحْوُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا» ؛ لِأَنَّهُ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ لِتَحْرِيِمِهَا، «فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ» لِوُجُودِ الْإِسْكَارِ فِيهِ، وَحُرِّمَ «الرِّبَا فِي الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلُ جِنْسٍ» أَوْ مَطْعُومُ جِنْسٍ، «فَالْأَرُزُّ مِثْلُهُ» لِأَنَّهُ كَذَلِكَ، «وَيُسَمَّى: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ» ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ اسْتِخْرَاجُ عِلَّةِ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: وَجَبَ الْعُشْرُ فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ قُوتًا، فَتَلْحَقُ بِهِ
стр. 1542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَقْوَاتُ، أَوْ لِكَوْنِهِ نَبَاتَ الْأَرْضِ وَفَائِدَتَهَا فَتَلْحَقُ بِهِ الْخَضْرَاوَاتُ وَأَنْوَاعُ النَّبَاتِ.
وَتَحْرِيرُ الْكَلَامِ هَاهُنَا أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا الشَّارِعَ قَدْ نَصَّ عَلَى حُكْمٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ، قُلْنَا: هَذَا حُكْمٌ حَادِثٌ لَا بُدَّ لَهُ بِحَقِّ الْأَصْلِ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ، فَيَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فِي اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنْ مَحَلِّ الْحُكْمِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لَهُ، وَاجْتَهَدَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ هُوَ سَبَبُ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
قَالَ الْبَزْدَوِيُّ فِي «الْمُقْتَرَحِ» : مِثَالُهُ: تَعْلِيلُ حِرْمَانِ الْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ بِمُعَارَضَتِهِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْإِرْثِ حَتَّى يَقِيسَ عَلَيْهِ حِيَازَةَ الْمَبْتُوتَةِ لِمِيرَاثِهَا مُعَارَضَةً لِلْمُطَلِّقِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ.
فَائِدَةٌ: هَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ: تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ، وَتَنْقِيحُهُ، وَتَخْرِيِجُهُ يَشْتَبِهُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ خُصُوصًا عَلَى الْمُبْتَدِئِ فِي النَّظَرِ، فَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ مُهِمٌّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ.
فَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ: بَيَانُ وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، أَوْ بَيَانُ وُجُودِ عِلَّةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، كَبَيَانِ وُجُودِ الطَّوَافِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الْهِرَّةِ فِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا.
وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ: تَعْيِينُ وَصْفٍ لِلتَّعْلِيلِ مِنْ أَوْصَافٍ مَذْكُورَةٍ، كَتَعْيِينِ وِقَاعِ الْمُكَلَّفِ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ مِنْ أَوْصَافٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ، كَاسْتِخْرَاجِ الْكَيْلِ مِنْ حَدِيثِ الرِّبَا دُونَ الطَّعْمِ وَالِاقْتِيَاتِ وَهِيَ أَوْصَافُ الْأَصْلِ. كَذَلِكَ حُكِيَ عَنِ الْحَسْكَفِيِّ فِي «جَدَلِهِ» .
стр. 1543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَلْزَمُ فِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ تَعْدَادُ الْأَوْصَافِ، بَلْ قَدْ لَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ إِلَّا وَصْفٌ وَاحِدٌ هُوَ الْعِلَّةُ، فَتُسْتَخْرَجُ بِالِاجْتِهَادِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ غَيْرِ الْمَذْكُورَةِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا فِي نَفْسِهَا.
وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي تَعْيِينِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، بِحَذْفِ مَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُقْتَرِنَةِ بِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي إِثْبَاتِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالرَّأْي وَالِاجْتِهَادِ، كَالنَّظَرِ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ.
قَالَ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ الْحَوَارِيُّ فِي «لُبَابِ الْقِيَاسِ» : الْعِلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلُّ مَا جَعَلَهُ الشَّرْعُ أَمَارَةً مُعَرِّفَةً لِثُبُوتِ الْحُكْمِ، ثُمَّ كَوْنُهُ مُعَرِّفًا فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ يُعْرَفُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَفِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَحَكَى الْقَرَافِيُّ: أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ هُوَ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ، نَحْوُ: لَا فَارِقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي مَفْهُومِ الرِّقِّ وَتَشْطِيرِ الْحَدِّ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِذَلِكَ فِي الْإِمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: لَا بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ تَنْقِيحًا، إِذِ التَّنْقِيحُ هُوَ التَّخْلِيصُ وَالتَّصْفِيَةُ، وَبِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ يَصْفُو الْوَصْفُ، وَيَخْلُصُ لِلْعِلِّيَّةِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا قَوْلًا
стр. 1544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثَانِيًا فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ، كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ، بَلْ يَكُونُ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ ضَرْبًا مِنْ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ.
قُلْتُ: فَقَدْ ذَكَرْتُ لَكَ جُمْلَةً مِنْ كَلَامِ الْفُضَلَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِهِ تَارَةً، وَبِمَعْنَاهُ أُخْرَى، وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَّحِدٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ؛ لِتُقَابِلَ بَيْنَ كَلَامِهِمْ وَنَتَائِجِ قَرَائِحِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَيَتَلَخَّصُ لَكَ الْمَقْصُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ هُوَ «الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ» ، أَيِ: الْقِيَاسُ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، «وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا التَّعَبُّدَ بِهِ عَقْلًا وشَرْعًا» ، أَيْ: دَلَّ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ، «وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَالنَّظَّامِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ» ، أَيْ: إِلَى مَذْهَبِ النَّظَّامِ فِي إِنْكَارِ الْقِيَاسِ، فَقَالَ: يَجْتَنِبُ الْمُتَكَلِّمُ فِي الْفِقْهِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْمُجْمَلَ وَالْقِيَاسَ، «وَحُمِلَ» يَعْنِي إِنْكَارَ أَحْمَدَ لَهُ «عَلَى قِيَاسٍ خَالَفَ نَصًّا» ، أَيْ: عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ مُخَالِفًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ. كَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ.
وَمِمَّنْ أَنْكَرَ جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقَلًا الشِّيعَةُ مَعَ النَّظَّامِ، وَيَحْيَى الْإِسْكَافِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ مَنِ الْمُعْتَزِلَةِ. ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ.
قُلْتُ: لَعَلَّهُمْ هَؤُلَاءِ.
«وَقِيلَ: هُوَ» يَعْنِي الْقِيَاسَ «فِي مَظِنَّةِ الْجَوَازِ، وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِيهِ بِإِحَالَةٍ وَلَا إِيجَابٍ» ، أَيْ: لَا يُوجِبُ الْعَقْلُ التَّعَبُّدَ بِهِ، وَلَا يُحِيلُهُ بَلْ يُجِيزُ الْأَمْرَيْنِ.
стр. 1545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ «وَاجِبٌ شَرْعًا» عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
قُلْتُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ مَا حَكَاهُ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْقِيَاسِ: فَفِرَقُ الْمُبْطِلَةِ ثَلَاثَةٌ: الْمُحِيلُ لَهُ عَقْلًا، وَالْمُوجِبُ لَهُ عَقْلًا، وَالْحَاظِرُ لَهُ شَرْعًا.
قُلْتُ: النِّزَاعُ فِي التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ إِمَّا عَقْلًا، أَوْ شَرْعًا، وَعَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ فِي جَوَازِهِ، أَوْ وُجُوبِهِ، أَوِ امْتِنَاعِهِ، أَوْ وُقُوعِهِ، فَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَكْثَرِهَا ذَاهِبُونَ، فَمِمَّنْ أَوْجَبَ وُرُودَ التَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا: الْقَفَّالُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَمِمَّنْ أَحَالَهُ مَنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ عَقْلًا وَشَرْعًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ، فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَمَنَعَهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ وَالْقَاشَانِيُّ وَالنَّهْرَوَانِيُّ.
وَاخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ لِوُقُوعِهِ، هَلْ هُوَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوِ السَّمْعِ؟ وَهَلْ دَلِيلُ السَّمْعِ قَطْعِيٌّ؟ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ، أَوْ ظَنِّيٌّ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْآمِدِيِّ.
стр. 1546
لَنَا: وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: الْقِيَاسُ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَقْلًا، فَالْقِيَاسُ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَالْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ.
أَمَّا الْأَوْلَى: فَلِأَنَّا إِذَا ظَنَنَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ مُعَلَّلٌ بِكَذَا وَظَنَنَّا وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، ظَنَنَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ كَذَا، فَظَنَنَّا بِأَنَّنَا إِنِ اتَّبَعْنَاهُ سَلِمْنَا مِنَ الْعِقَابِ، وَإِنْ خَالَفْنَاهُ عُوقِبْنَا، فَفِي اتِّبَاعِهِ دَفْعُ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ ، ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وَنَحْوُهُ قِيَاسٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَفِي الظَّنِّيَّاتِ أَجْوَزُ.
ــ
قَوْلُهُ: «لَنَا:» ، يَعْنِي عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا وَوُقُوعِهِ شَرْعًا، «وُجُوهٌ» :
قَوْلُهُ: الْوَجْهُ «الْأَوَّلُ» : أَنَّ «الْقِيَاسَ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ «وَاجِبٌ عَقْلًا، فَالْقِيَاسُ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَالْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ» ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ أَخَصُّ مِنَ الْجَوَازِ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْأَعَمِّ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ وَوُجُوبِهِ عَقْلًا.
«أَمَّا الْأُولَى» : يَعْنِي أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى مِنْ مُقَدِّمَتَيْ هَذَا الدَّلِيلِ، وَهِيَ أَنَّ «الْقِيَاسَ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» ، أَيْ: يُظَنُّ وُقُوعُهُ ; «فَلِأَنَّا إِذَا ظَنَنَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ مُعَلَّلٌ بِكَذَا» ، أَيْ: بِوَصْفٍ مَا ; «وَظَنَنَّا وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي
стр. 1547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَحَلٍّ آخَرَ ; ظَنَنَّا» ، أَيْ: حَصَلَ لَنَا الظَّنُّ «بِأَنَّ الْحُكْمَ» فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَالْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النَّصِّ.
مِثَالُهُ: إِذَا ظَنَنَّا أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ مُعَلَّلٌ بِالْإِسْكَارِ، وَظَنَّنَا وُجُودَ الْإِسْكَارِ فِي النَّبِيذِ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ. وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَنَا الظَّنُّ بِأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَا الظَّنَّ الْحَاصِلَ لَنَا مِنَ الْقِيَاسِ بِاجْتِنَابِ النَّبِيذِ مَثَلًا، «سَلِمْنَا مِنَ الْعِقَابِ، وَإِنْ خَالَفْنَاهُ» ، فَشَرِبْنَا النَّبِيذَ، «عُوقِبْنَا» ، فَتَحَقَّقَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ فِي اتِّبَاعِ الْقِيَاسِ «دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» .
«وَأَمَّا الثَّانِيَةُ» : يَعْنِي الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ مُقَدِّمَتَيِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ أَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا.
أَمَّا عَقْلًا، فَلِأَنَّ الْعَاقِلَ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِقَرِينَةٍ، أَوْ بِخَبَرِ ثِقَةٍ أَنَّهُ إِنْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ، أَكَلَهُ السَّبُعُ، أَوْ أَخَذَ اللُّصُوصُ مَالَهُ ; وَإِنْ لَمْ يَسْلُكْهُ أَوْ سَلَكَ غَيْرَهُ، سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ، فَالْعَقْلُ يَضْطَرُّهُ إِلَى اجْتِنَابِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ.
وَأَمَّا شَرْعًا ; «فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣١] ، وَنَحْوِهِ» مِنَ الْوَعِيدِ الشَّرْعِيِّ، وَاتِّقَاءُ النَّارِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي مَقْطُوعِهَا وَمَظْنُونِهَا.
الْوَجْهُ «الثَّانِي: قَوْلُهُ» : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الرُّومِ: ٢٨] الْآيَةَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الدَّلِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 1548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَعَالَى، هُوَ «قِيَاسٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ» الْقَطْعِيَّةِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ، فَثُبُوتُ الْقِيَاسِ فِي السَّمْعِيَّاتِ الظَّنِّيَّةِ «أَجْوَزُ» ، أَيْ: أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَالْمُقَدِّمَتَانِ ظَاهِرَتَانِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ أَنْكَرُوا الشَّرِيعَةَ، وَمِمَّا أَنْكَرُوهُ مِنْهَا أُصُولٌ مُهِمَّةٌ كِبَارٌ، وَهِيَ وُجُودُ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدُهُ وَالْمَعَادُ، وَحَجَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ.
أَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُودَ الصَّانِعِ، وَهُمْ مُعَطِّلَةُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهُمْ، فَاحْتَجَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِحُجَجٍ تَضَمَّنَهَا قَوْلُهُ : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٥ - ٣٦] ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ حُجَّتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْمُنْكِرِينَ لِلصَّانِعِ مَوْجُودُونَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونُوا قُدَمَاءَ لَا أَوَّلَ لَهُمْ، أَوْ مُحْدَثَيْنِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ يَعْتَرِفُونَ بِبُطْلَانِهِ، فَإِنَّهُمْ وُجِدُوا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُمْ مُحْدَثُونَ. وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ أَوَجَدَهُمْ، أَوْ أَنَّهُمْ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ، أَوْ أَنَّ خَالِقًا غَيْرَهُمْ خَلَقَهُمْ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، إِذْ لَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ فِعْلٌ لَا فَاعِلَ لَهُ، وَلَا مُحْدَثٌ لَا مُحْدِثَ لَهُ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ، إِذْ لَا يَصِحُّ وَلَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ وَلَا فِي غَيْرِهِ أَنْ شَيْئًا يُوجِدُ نَفْسَهُ لِاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ كَوْنَهُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّ خَالِقًا غَيْرَهُمْ خَلَقَهُمْ، وَهُوَ الصَّانِعُ الْقَدِيمُ ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدِيِمًا، لَلَزِمَ الدَّوْرُ أَوِ التَّسَلْسُلُ بِدَلِيلِهِ الْكَلَامِيِّ.
стр. 1549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرِينَ لِلصَّانِعِ لَمْ يَخْلُقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَطْعًا، وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَا قَدِيمَتَيْنِ، أَوْ مُحْدَثَتَيْنِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِقِيَامِ سِمَاتِ الْحُدُوثِ بِهِمَا مِنَ الْحَرَكَاتِ، وَالسَّكَنَاتِ، وَالْأَلْوَانِ، وَالْأَكْوَانِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٦] . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مُحْدَثَتَانِ ; فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا خُلِقَتَا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ، أَوْ خَلَقَتَا أَنْفُسَهُمَا، أَوْ خَلَقَهُمَا غَيْرُهُمَا، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ كَمَا مَرَّ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِي حَقِّهِمْ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٥] ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُثْبِتَةٌ لِلصَّانِعِ، لَكِنَّهُمْ يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ نَحْنُ فِي تَقْرِيرِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُعَطِّلَةٌ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ كَانَتَا فِي الْعَرَبِ عَلَى مَا حَكَاهُ الشَّهْرُسْتَانِيُّ فِي «الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ» وَعَلَى هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ حُجَجٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ يَطُولُ اسْتِيفَاؤُهَا.
وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا التَّوْحِيدَ ; فَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى الشَّرِيكَ، وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى الْوَلَدَ.
فَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الشَّرِيكَ، فَاحْتَجَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: دَلِيلُ التَّمَانُعِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٢] . الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩١] .
стр. 1550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَهٌ غَيْرُهُ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَقْتَتِلَا أَوْ يَخْتَلِفَا عَلَى عَادَاتِ الْمُلُوكِ إِذَا تَنَازَعُوا الْمُلْكَ، فَكَانَ يَفْسُدُ الْعَالَمُ بِاخْتِلَافِهِمَا.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ ثَمَّ إِلَهٌ آخَرُ، لَكَانَ خَالِقًا لِبَعْضِ الْعَالَمِ، فَكَانَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنَ الْإِلَهَيْنِ يَنْحَازُ بِمَخْلُوقِهِ، ثُمَّ يَطْلُبُ أَحَدُهُمَا الْعُلُوَّ عَلَى الْآخَرِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لِلْأَبْصَارِ أَوِ الْبَصَائِرِ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ الدَّعْوَى.
وَثَمَّ وَجْهٌ ثَالِثٌ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الشَّاهِدِ، بَلْ مِنْ بَابِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ إِلَهٌ آخَرُ، لَكَانَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ إِلَهًا. وَحِينَئِذٍ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَرَادَ تَسْكِينَ جِسْمٍ، وَالْآخِرَ تَحْرِيكَهُ، أَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا إِعْدَامَهُ، وَالْآخَرُ إِيجَادَهُ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا جَمِيعًا، فَهُمَا عَاجِزَانِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِإِلَهٍ، وَإِنْ تَمَّ مُرَادُهُمَا جَمِيعًا، لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَإِنْ تَمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ الْإِلَهُ، وَالْعَاجِزُ عَنْ تَمَامِ مُرَادِهِ لَيْسَ بِإِلَهٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى مُنْكِرِي التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ :
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٢] ; رَدًّا لِزَعْمِ الْكُفَّارِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَرِ: ٣] ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ هَذَا الْوَجْهُ مُغَايِرًا لِمَا قَبْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
стр. 1551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى مُعْتَقِدِي الشَّرِيكِ قَوْلُهُ : ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ﴾ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الرُّومِ: ٢٨] . وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنَ الْآيَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ مِنْ عَبِيدِكُمْ شُرَكَاءُ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَمْلَاكِكُمْ ; كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلَّهِ شُرَكَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِلَّهِ بِمَا تَأْنَفُونَ مِنْهُ لِأَنْفُسِكُمْ. فَهَذِهِ أَدِلَّةُ نَفْيِ الشَّرِيكِ الَّتِي اخْتَرْنَا ذِكْرَهَا، وَفِي الْقُرْآنِ غَيْرُهَا.
وَأَمَّا الَّذِينَ ادَّعَوُا الْوَلَدَ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآيَاتٍ: مِنْهَا قَوْلُهُ : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٥٧ - ٥٩] ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦ - ١٨] ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ : ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٥٣ - ١٥٤] ، ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٩] ، ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النَّجْمِ: ٢١ - ٢٢] .
وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَنَحْوِهَا: أَنَّكُمْ أَيُّهَا الْكُفَّارُ تَسْتَحْيُونَ مِنْ حُصُولِ الْبَنَاتِ لَكُمْ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا بُشِّرَ بِأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَهُ بِنْتٌ ارْبَدَّ وَجْهُهُ، وَنَكَّسَ رَأْسَهُ، وَحَزِنَ، وَخَجِلَ، وَذَهَبَ فَوَأَدَهَا، أَيْ: دَفَنَهَا حَيَّةً لِئَلَّا يَلْحَقَهُ الْعَارُ بِبَقَائِهَا، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِلَّهِ مَا تَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِكُمْ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنَ الْمُسْتَقْبَحَاتِ الضَّرُورِيَّةِ فِي الشَّاهِدِ، إِذْ هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
стр. 1552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وأَيْضًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ يَسْتَقْبِحُ أَنْ يُخَاصِمَ عَدُوَّهُ بِجَبَانٍ أَلْكَنَ عَرِيٍّ عَنِ الْبَيَانِ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ إِثْبَاتَ مَنْ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِلَّهِ تَعَالَى! وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ الْآيَةَ. وأَيْضًا فَإِنَّ اخْتِيَارَكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ذُكُورَ الْوَلَدِ، وَلِلَّهِ إِنَاثَهُمْ قِسْمَةٌ ضِيزَى، أَيْ: جَائِرَةٌ، وَالْقِسْمَةُ الْجَائِرَةُ قَبِيحَةٌ عَقْلًا وَشَاهِدًا، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِكُمْ! .
وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْمَعَادَ، فَاحْتَجَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِطُرُقٍ مِنَ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ:
أَحَدُهُمَا: قِيَاسُ إِعَادَةِ الْخَلْقِ عَلَى ابْتِدَائِهِ بِجَامِعِ إِمْكَانِ ذَلِكَ، وَقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، وَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي آيَاتٍ:
مِنْهَا: قَوْلُهُ : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩] . وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ تَتَفَاوَتُ الْمُمْكِنَاتُ عِنْدَهُمْ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النَّمْلِ: ٦٤] . وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٤] ، ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٩] وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى:
стр. 1553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣ - ٤] ، ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِي آخِرِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٤٠] .
وَوَجْهُ كَوْنِ الْإِعَادَةِ أَهْوَنَ مِنَ الْإِبْدَاءِ: هُوَ أَنَّ الْإِعَادَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِبْدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعَادَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ، وَالْإِبْدَاءُ لَيْسَ مَبْنِيًّا إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ لَا عَلَى سَبَبٍ سَابِقٍ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُعْجِزَ مُوسَى أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزِ عِيسَى ﵉؛ لِأَنَّ الْمَوْتَى لَهُمْ أَصْلٌ فِي الْحَيَاةِ سَابِقٌ، وَالْعَصَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: مِنْ طُرُقِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْمَعَادِ قَوْلُهُ : ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس: ٨١] ، يَعْنِي مِثْلَ الْكُفَّارِ، أَيْ: يُعِيدُهُمْ إِلَى مِثْلِ حَالِهِمُ الْأُولَى فِي الِابْتِدَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] . فَهَذَا قِيَاسٌ لِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِجَامِعِ عَظَمَةِ الْفِعْلَيْنِ فِي الْعُقُولِ أَوْ إِمْكَانِهِمَا فِي الْمَعْقُولِ، وَهَذَا الطَّرِيقُ وَالَّذِي قَبْلَهُ مِنْ بَابِ قِيَاسِ التَّنْبِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ أَجْلَى وَأَظْهَرَ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ، كَقَوْلِهِ : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] ، إِذْ كَانَ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ أَظْهَرَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ، فَكَذَلِكَ الْإِعَادَةُ أَيْسَرُ مِنَ الْإِبْدَاءِ، وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى أَيْسَرُ مَنْ خَلْقِ
стр. 1554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرِ: ٥٧] ابْتِدَاءً كَانَ عَلَى خَلْقِهِمْ إِعَادَةً أَقْدَرُ، فَانْظُرْ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَا أَبْيَنَهُ وَأَظْهَرَهُ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ مِنْ طُرُقِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْمَعَادِ: قِيَاسُ إِخْرَاجِ الْمَوْتَى مِنَ الْأَرْضِ أَحْيَاءً عَلَى إِخْرَاجِ الْحَبِّ الْمَيِّتِ مِنَ الْأَرْضِ حَيًّا، أَوْ نَقُولُ: قِيَاسُ إِعَادَةِ الْمَوْتَى بَعْدَ تَلَاشِيهِمْ وَاسْتِهْلَاكِهِمْ عَلَى إِعَادَةِ الْحَبِّ بَعْدَ تَلَاشِيهِ وَاسْتِهْلَاكِهِ، وَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ: مِنْهَا فِي الْأَعْرَافِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٧] ، وَفِي سُورَةِ ق: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٣ - ١١] ، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْحَجِّ: ٥ - ٦] ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قِيَاسَ الْإِعَادَةِ عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَعَلَى إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بِالنَّبَاتِ. وَفِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٩] ، وَفِي الم السَّجْدَةِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٧] ، فَقَرَّرَ الْأَصْلَ، ثُمَّ نَبَّهَ
стр. 1555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى إِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٨] ، يَعْنِي فَتْحَ الْمُؤْمِنِينَ وَنَصْرَهُمْ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَعَادِ، وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ الرُّومِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٧ - ١٩] ، وَفِي آخِرِهَا: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [الرُّومِ: ٤٨ - ٥٠] ، وَفِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فَاطِرِ: ٩] .
وَقَدْ تَضْمَّنَ هَذَا الطَّرِيقُ نَوْعَيْنِ مِنَ الْقِيَاسِ:
أَحَدُهُمَا: قِيَاسٌ شَبَهِيٌّ، وَهُوَ قِيَاسُ إِحْيَاءِ الْأَبْدَانِ بِالْأَرْوَاحِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بِخُضْرَتِهَا وَزَهْرَتِهَا بَعْدَ يُبْسِهَا وَمُحُولِهَا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْخُضْرَةَ وَالنَّضَارَةَ لِلْأَرْضِ تُشْبِهُ الرُّوحَ لِلْجَسَدِ، وَهَذَا جَامِعٌ شَبَهِيٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهُوَ مَجَازِيٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ الْحَيَوَانِيَّةِ أَوْ فِي الذَّوَاتِ الْحَيَّةٍ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَرْضِ وَالْبَلَدِ نَحْوُ قَوْلِنَا: أَرْضٌ مَيِّتَةٌ وَبَلَدٌ مَيِّتٌ، مَجَازٌ لِمَا ذَكَرْنَا.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، وَهُوَ قِيَاسُ جَمْعِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهَا فِي الْأَرْضِ، وَإِحْيَائِهَا بِإِعَادَةِ الْأَرْوَاحِ فِيهَا عَلَى جَمْعِ أَجْزَاءِ الْحَبِّ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ فِي الْأَرْضِ، وَإِحْيَائِهِ بِإِعَادَةِ النَّبَاتِ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَبَّ إِذَا صَارَ فِي الْأَرْضِ لَا يَتَلَاشَى بِحَيْثُ يَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا،
стр. 1556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَلْ ذَاتُهُ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّهَا اخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ حَتَّى عَادَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ فِي الْعَادَةِ جَمْعُهُ عَلَى الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ، ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَفَنٌ وَفَسَادُ مِزَاجٍ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ وَحَرَارَةُ الْأَرْضِ الْعَارِضَةِ، تَهَيَّأَ لِلنَّبَاتِ وَالصَّلَاحِ بِقُدْرَةِ فَالِقِ الْإِصْبَاحِ.
أَمَّا الْأَجْسَامُ الْحَيَوَانِيَّةُ، فَاخْتُلِفَ فِيهَا بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، فَمَنْ نَفَاهُ زَعَمَ أَنَّ الْأَجْسَامَ تَتَلَاشَى، وَتَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا وَنَفْيًا صِرْفًا، وَمَنْ أَثْبَتَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ قَالَ: إِنَّ الْأَجْسَامَ تَنْحَلُّ إِلَى الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ، ثُمَّ عِنْدَ الْبَعْثِ تَلْتَئِمُ الْأَجْزَاءُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَعُودُ أَجْسَامًا كَمَا كَانَتْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، حَتَّى سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا يَحْكِي عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنْ ثَبَتَ الْقَوْلُ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِالْمَعَادِ وَبَعْثِ الْأَجْسَادِ، وَإِلَّا فَلَا.
قُلْتُ: فَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْجَسَدَ يَفْسُدُ مِزَاجُهُ، وَتَتَفَرَّقُ أَجْزَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعُودُ حَيًّا حَيَاتَهُ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهَا، كَمَا أَنَّ الْحَبَّةَ فِي الْأَرْضِ يَفْسُدُ مِزَاجُهَا، وَتَتَفَرَّقُ أَجْزَاؤُهَا، ثُمَّ تَعُودُ حَيَّةً حَيَاتَهَا الَّتِي تَلِيقُ بِهَا، وَهِيَ مُسْتَعِدَّةٌ لَهَا.
وَبِالْجُمْلَةِ فَغَالِبُ مَا احْتَجَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَالْأَنْبِيَاءُ ﵈ عَلَى أُمَمِهِمْ بِالْبَرَاهِينِ الْجَلِيَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ الَّتِي الْخَطَأُ فِيهَا كُفْرٌ، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ فِي الْفُرُوعِ
стр. 1557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الَّتِي الْمُخْطِئُ فِيهَا مَأْجُورٌ! .
وَمَنْ نَظَرَ فِيمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ ; فَهُوَ إِمَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ.
стр. 1558
الثَّالِثُ: الْقِيَاسُ اعْتِبَارٌ، وَالِاعْتِبَارُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْقِيَاسُ مَأْمُورٌ بِهِ.
أَمَّا الْأُولَى، فَلُغَوِيَّةٌ كَمَا سَبَقَ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: اعْتَبِرُوا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي سِيَاقِهِ.
الرَّابِعُ: «قَوْلُهُ ﷺ » لِعُمَرَ ﵁ لَمَّا قَالَ لَهُ: إِنْ قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ، لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ فَقَضَاهُ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاللَّهُ أَكْرَمُ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فِي الْوَقَائِعِ كَتَقْدِيمِهِمْ أَبَا بَكْرٍ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيمِهِ فِي الصُّغْرَى، وَقِيَاسِهِ الزَّكَاةَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا، وَتَقْدِيِمِهِمْ عُمَرَ قِيَاسًا لِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إِلَيْهِ عَلَى عَقْدِهِمْ إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ، وَإِجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ، لَا يُقَالُ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ آحَادٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا أَصْلٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ تَوَاتُرٌ مَعْنَوِيٌّ كَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ.
ــ
الْوَجْهُ «الثَّالِثُ» مِنْ أَدِلَّةِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورَةِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : أَنَّ «الْقِيَاسَ اعْتِبَارٌ، وَالِاعْتِبَارُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْقِيَاسُ مَأْمُورٌ بِهِ» .
«أَمَّا» الْمُقَدِّمَةُ «الْأُولَى» ، وَهِيَ أَنَّ الْقِيَاسَ اعْتِبَارٌ فَهِيَ «لُغَوِيَّةٌ» ، أَيْ: طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا اللُّغَةُ «كَمَا سَبَقَ» فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَأَنَّهُ التَّقْدِيرُ وَالِاعْتِبَارُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُبُورِ، وَهُوَ الْمُجَاوَزَةُ، وَمِنْهُ الْمِعْبَرُ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ بِالنَّاسِ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَحْرِ إِلَى الْآخَرِ، وَعَابِرُ الْمَنَامِ؛ لِأَنَّهُ يَعْبُرُ حَالَ الْمَنَامِ إِلَى مَا يُشْبِهُهُ فِي الْيَقَظَةِ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ يُجَاوِزُ بِحُكْمِ الْمَنْصُوصِ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَعْبُرُ مِنْهُ إِلَيْهِ، فَكَانَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الِاشْتِقَاقِ.
стр. 1559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«وَأَمَّا» الْمُقَدِّمَةُ «الثَّانِيَةُ» وَهِيَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ مَأْمُورٌ بِهِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الْحَشْرِ: ٢] ، أَمَرَ بِالِاعْتِبَارِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَيَكُونُ الِاعْتِبَارُ الَّذِي مِنْهُ الْقِيَاسُ وَاجِبًا.
قَوْلُهُ: «مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي سِيَاقِهِ» . هَذَا دَفْعٌ لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ هُوَ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ فِي وَصْفِ الْكُفَّارِ، وَهُمْ قُرَيْظَةٌ وَالنَّضِيرُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الْحَشْرِ: ٢] ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ، فَقِيسُوا الْأَرُزِّ عَلَى الْبُرِّ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ.
وَوَجْهُ دَفْعِ السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ: احْتِجَاجُنَا بِالْأَمْرِ بِالِاعْتِبَارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي سِيَاقِهِ مِنْ تَخْرِيبِ الدِّيَارِ، وَهَذَا جَوَابٌ دَافِعٌ لِلسُّؤَالِ الْمَذْكُورِ.
لَكِنَّ هُنَاكَ سُؤَالٌ آخَرُ يُفْسِدُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاعْتِبَارِ فِي الْآيَةِ فِعْلٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَالْفِعْلُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ فِيهِ، فَالتَّقْدِيرُ: اعْتَبِرُوا اعْتِبَارًا مَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الِاعْتِبَارِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْقِيَاسُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا لَوْ كَانَتْ عَامَّةً لِيَنْدَرِجَ فِيهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَغَالِبُ الْأُصُولِيِّينَ خُصُوصًا الْمُتَأَخِّرِينَ يَحْتَجُّونَ بِالْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ، وَعَلَيْهَا مِنَ الْإِشْكَالِ مَا قَدْ رَأَيْتَ.
الْوَجْهُ «الرَّابِعُ: قَوْلُهُ» ﵇: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ ، أَرَأَيْتَ
стр. 1560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ. . إِلَى آخِرِهِ.
تَقْرِيرُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ ﵃ بَعْدَهُ دَلَّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، فَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا جُنَاحَ أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ أَكُنْتَ تُفْطِرُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَهْ. وَهَذَا قِيَاسٌ لِعَدَمِ الْإِفْطَارِ بِالْقُبْلَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِفْطَارِ بِالْمَضْمَضَةِ بِجَامِعِ عَدَمِ حُصُولِ الْمُؤَثِّرِ فِي الصَّوْمِ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقُبْلَةِ الْمُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ هُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ، وَهُوَ الْمَنِيُّ، كَمَا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْمَضْمَضَةِ هُوَ وُلُوجُ الْوَالِجِ، وَهُوَ الْمَاءُ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يَحْصُلْ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَيُجْزِئُهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَاللَّهُ أَحَقُّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا قِيَاسٌ لِدَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ.
وَكَذَلِكَ يُرْوَى أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَكُونُ
стр. 1561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى أَحَدِنَا الْأَيَّامُ مِنْ رَمَضَانَ، أَفَيُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَفَرِّقَةً؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ، فَقَضَاهُ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ، أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاللَّهُ أَكْرَمُ يَعْنِي بِالْمُسَامَحَةِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهَذَا قِيَاسٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي إِجْزَائِهِ مُتَفَرِّقًا.
«وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ» ، أَيْ: بِالْقِيَاسِ «فِي الْوَقَائِعِ كَتَقْدِيِمِهِمْ أَبَا بَكْرٍ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيِمِهِ فِي الصُّغْرَى» ، حَيْثُ قَدَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمِحْرَابِ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي مَرَضِهِ، فَقَالُوا: رَضِيَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا، أَفَلَا نَرْضَاكَ لِدُنْيَانَا؟ !
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْدِيِمَهُ فِي الْخِلَافَةِ كَانَ بِالْقِيَاسِ عَلَى تَقْدِيِمِهِ فِي الصَّلَاةِ، بَلْ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ
стр. 1562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَعُمَرَ، وَقَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ لَهُ: إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَائْتِي أَبَا بَكْرٍ، فَهَذَا نَصٌّ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْقِيَاسِ.
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا طُعِنَ، قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ. فَلَوْ كَانَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَصْلٌ أَوْ ثُبُوتٌ، لَمَا خَفِيَتْ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي الْعَادَةِ مَعَ كَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَحِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ. وَلَمَا اسْتَجَازَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، مَعَ وُجُودِ النَّصِّ عَلَى زَعْمِكُمْ، وَلَوْ سَلَّمْنَا خَفَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁، لَكِنْ خَفَاؤُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً، وَقَدْ كَانَتْ دَوَاعِيِهِمْ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى اسْتِخْلَافِ عُمَرَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ ثَبَتَ النَّصُّ، لَعَرَفُوهُ، ثُمَّ لَصَارُوا إِلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثَيْنِ، لَكِنْ لَا دَلِيلَ فِيهِمَا عَلَى الْإِمَامَةِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَمْرٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، فَهُوَ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ لَهُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلْإِمَامَةِ، وَقَدْ حَصَلَ الْوَفَاءُ بِمُطْلَقِ الْحَدِيثِ بِاقْتِدَائِهِمْ بِهِمَا فِي الْفَتَاوَى وَالْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ كَانَ الْمُرَادَ بِالْقُدْوَةِ، وَلَوْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ فِي الْإِمَامَةِ، لَصَرَّحَ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ إِيهَامًا وَتَلْبِيسًا وَتَعْرِيضًا لِلْأُمَّةِ بَعْدُ لِلْخِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ وَفَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِيمَنْ يَكُونُ الْخَلِيفَةُ.
стр. 1563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي ; فَقَوْلُهُ: ائْتِي أَبَا بَكْرٍ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الْخِلَافَةِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ نَصٌّ، لَكِنَّهُ خَبَرٌ لَا إِنْشَاءُ تَوْلِيَةٍ، وَلَا أَمْرٌ بِهَا، وَقَدْ يُخْبِرُ الْإِنْسَانُ بِمَا لَا يَرْضَاهُ وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنَّهُ ﵇ كُشِفَ لَهُ بِوَحْيٍ أَوْ إِلْهَامٍ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ بِحُكْمِ الْمَقْدُورِ السَّابِقِ، وَلَمْ يُوصِ بِالتَّغْيِيرِ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ رِضَاهُ، كَمَا أَنَّهُ كُشِفَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ عَنْ قَتْلِ الْحُسَيْنِ وَمَوْتِ الْحَسَنِ مَسْمُومًا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى رِضَاهُ، وأَيْضًا فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ وَدَلَّ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، لَمَا عَدَلَ عَنْهُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ إِلَى الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ، نَحْوِ قَوْلِهِ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ، بَلْ كَانَ صَدَعَهُمْ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا نَصَّ عَلَى إِمَامَتِهِ، فَمَا ثَبَتَ إِلَّا بِالْقِيَاسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قِيَاسُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ «الزَّكَاةَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا» بِجَامِعِ كَوْنِهِمَا عِبَادَتَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ: لَأَقْتُلُنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ «تَقْدِيِمُهُمْ عُمَرَ» ﵁ لِلْإِمَامَةِ بِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ «قِيَاسًا لِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ إِلَيْهِ عَلَى عَقْدِهِمْ إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ» مَشْهُورَةٍ اسْتَعْمَلُوا فِيهَا
стр. 1564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقِيَاسَ، «لَا يُقَالُ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ آحَادٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا» مِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ الْكَبِيرِ، «لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ» وَإِنْ كَانَتْ آحَادًا بِالنَّظَرِ إِلَى أَفْرَادِهَا، فَهِيَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِهَا «تَوَاتُرٌ مَعْنَوِيٌّ، كَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ» ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ فِي مِثْلِ هَذَا.
стр. 1565
الْخَامِسُ: لَوْلَا الْقِيَاسُ لَخَلَتْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ عَنْ حُكْمٍ لِكَثْرَتِهَا وَقِلَّةِ النُّصُوصِ، لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ النَّصُّ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ الْكُلِّيَّةِ، وَتُسْتَخْرَجُ الْجُزْئِيَّةُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ. نَحْوُ: كُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٌّ، ثُمَّ يُنْظَرُ: هَلْ هَذَا مَطْعُومٌ أَوْ لَا؟ لِأَنَّا نَقُولُ: مُجَرَّدُ الْجَوَازِ لَا يَكْفِي وَالْوُقُوعُ مُنْتَفٍ، إِذْ أَكْثَرُ الْحَوَادِثَ لَمْ يُنَصُّ عَلَى مُقَدِّمَاتِهَا، فَاقْتَضَى الْعَقْلُ طَرِيقًا لِتَعْمِيمِ الْحَوَادِثِ بِالْأَحْكَامِ، وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا.
السَّادِسُ: قَوْلُ مُعَاذٍ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَصُوِّبَ لَا يُقَالُ: رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ، ثُمَّ الْمُرَادُ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ وَتُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ، وَالِاجْتِهَادُ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرْتُمْ.
ــ
الْوَجْهُ «الْخَامِسُ: لَوْلَا الْقِيَاسُ، لَخَلَتْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ عَنْ» أَحْكَامٍ؛ لِكَثْرَةِ الْحَوَادِثِ، «وَقِلَّةِ النُّصُوصِ» ، فَلَا يُوجَدُ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ نَصٌّ يَخُصُّهَا، وَيُبَيِّنُ حُكْمَهَا، فَاحْتِيجَ إِلَى إِلْحَاقِ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ أَوْ قَطْعِيٍّ صِيَانَةً لِبَعْضِ الْوَقَائِعِ عَنِ التَّعْطِيلِ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، «لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ النَّصُّ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ الْكُلِّيَّةِ، وَتُسْتَخْرَجُ» مِنْهَا الْأَحْكَامُ «الْجُزْئِيَّةُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ» كَمَا سَبَقَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْهُ، «نَحْوُ» قَوْلِنَا: «كُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٍّ، ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ هَذَا» الْأَرُزُّ وَالذُّرَةُ «مَطْعُومٌ» فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ، أَوْ لَا فَلَا، وَنَحْوُ: قَدْرُ الْكِفَايَةِ وَاجِبٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ هَذَا الرِّطْلُ قَدْرُ الْكِفَايَةِ أَمْ لَا؟
стр. 1566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«لِأَنَّا نَقُولُ» فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ: «مُجَرَّدُ» جَوَازِ ذَلِكَ، أَعْنِي النَّصَّ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ «لَا يَكْفِي» فِي إِثْبَاتِهِ، وَوُقُوعُهُ مُنْتَفٍ، «إِذْ أَكْثَرُ الْحَوَادِثِ» وَالْوَقَائِعِ «لَمْ يُنَصَّ عَلَى مُقَدِّمَاتِهَا» ، وَالْجَوَازُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، وَحِينَئِذٍ اقْتَضَى الْعَقْلُ وَحِكْمَةُ الشَّرْعِ وَضْعَ طَرِيقٍ «لِتَعْمِيمِ الْحَوَادِثِ بِالْأَحْكَامِ. وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا» مِنَ الْقِيَاسِ.
الْوَجْهُ «السَّادِسُ: قَوْلُ مُعَاذٍ ﵁: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَصُوِّبَ» .
هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ وَهُوَ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ ابْنُ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ ﵁، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَقْضِي؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفْهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ مُعَاذًا ﵁ ذَكَرَ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْقِيَاسِ، فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، أَيْ: أَخْبَرَ بِتَصْوِيبِهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ ﵇ لَا يُصَوِّبُ إِلَّا صَوَابًا، وَلَا يُقِرُّ إِلَّا عَلَى حَقٍّ.
قَوْلُهُ: «لَا يُقَالُ» ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْحَدِيثِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ «رُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ» ، وَهُمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ، أَوْ أُنَاسٍ مَنْ أَهْلِ حِمْصَ، وَرِوَايَةُ الْمَجْهُولِ اخْتُلِفَ فِي الْعَمَلِ بِهَا فِي جُزْئِيَّاتِ الْفُرُوعِ،
стр. 1567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِهَا فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ وَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِهِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ الِاجْتِهَادِ، فَقَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، وَ «الْمُرَادُ» بِهِ «تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ» كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ: «لِأَنَّا نَقُولُ» ، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمْ:
أَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَلِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ «رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ» ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، عَنْ مُعَاذٍ، فَزَالَتِ الْجَهَالَةُ عَنْهُ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمَجْهُولِ، لَكِنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا، لَكِنْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، فَلَا يَضُرُّهُ الْإِرْسَالُ.
وَأَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي: فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ حَمْلُ اجْتِهَادِهِ رَأْيَهُ عَلَى تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ تَنْقِيحِ الْمُنَاطِ، فَحَمْلُهُ عَلَيْهِ تَخْصِيصٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
الثَّانِي: أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَصٌّ يَتَنَقَّحُ الْمَنَاطُ فِيهِ كَمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَمُعَاذٌ ﵁ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا جَوَابٌ قَوِيٌّ مَتِينٌ، فَإِنْ سَاعَدَهُ ثُبُوتُ الْحَدِيثِ وَصِحَّتُهُ، نَهَضَ بِالدَّلَالَةِ وَإِلَّا فَلَا.
стр. 1568
قَالُوا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فَالْحَاجَةُ إِلَى الْقِيَاسِ رَدٌّ لَهُ، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وَلَمْ يَقُلِ: الرَّأْيُ.
قُلْنَا: الْمُرَادُ تَمْهِيدُ طُرُقِ الِاعْتِبَارِ، وَالْقِيَاسُ مِنْهَا؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَحْكَامِ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَقَوْلُكُمْ: مَا لَيْسَ فِيهِ يَبْقَى عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ يُنَاقِضُ اسْتِدْلَالَكُمْ بِالْعُمُومِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا أَصْلًا. وَالْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ رَدٌّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، إِذْ عَنْهُمَا تَلَقَّيْنَا دَلِيلَهُ.
قَالُوا: بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مَعْلُومَةٌ فَكَيْفَ تُرْفَعُ بِالدَّلِيلِ الْمَظْنُونِ؟ قُلْنَا: لَازِمٌ فِي الْعُمُومِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالشَّهَادَةِ.
قَالُوا: شَأْنُ شَرْعِنَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ وَعَكْسُهُ، نَحْوُ غَسْلِ بَوْلِ الْجَارِيَةِ دُونَ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ، دُونَ الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ، وَإِيجَابِ أَرْبَعَةٍ فِي الزِّنَى دُونَ الْقَتْلِ، وَنَحْوِهِ كَثِيرٌ ; وَمُعْتَمَدُ الْقِيَاسِ الِانْتِظَامُ.
قُلْنَا: لَا نَقِيسُ إِلَّا حَيْثُ يُفْهَمُ الْمَعْنَى، وَالْخِلَافُ فِي فَهْمِ الْمَعْنَى مَسْأَلَةٌ أُخْرَى.
ــ
قَوْلُهُ: «قَالُوا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ » هَذِهِ حُجَجُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ نَذْكُرُهَا، وَأَجْوِبَتَهَا:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ مُرَاغَمَةٌ لِلْقُرْآنِ وَرَدٌّ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨] ، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ فِي
стр. 1569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْكِتَابِ كِفَايَةً وَغَنَاءً عَنِ الْقِيَاسِ، وَإِثْبَاتُ «الْحَاجَةِ إِلَى الْقِيَاسِ رَدٌّ» لِذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٩] ، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩] ، «وَلَمْ يَقُلْ» : احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالرَّأْيِ، وَلَا رُدُّوهُ إِلَى «الرَّأْيِ» .
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» : هَذَا جَوَابُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ «الْمُرَادَ» بِقَوْلِهِ : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨] ، وَ ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ «تَمْهِيدُ طُرُقِ الِاعْتِبَارِ» الْكُلِّيَّةِ، «وَالْقِيَاسُ» مِنْ تِلْكَ الطُّرُقِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ دَلَّ عَلَى الْإِجْمَاعِ وَالسُّنَّةِ بِمَا سَبَقَ فِي الْإِجْمَاعِ، وَبِقَوْلِهِ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الْحَشْرِ: ٧] ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَسُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ دَلَّا عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ «لِلْإِجْمَاعِ» مِنَّا وَمِنَ الْخَصْمِ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ لَمْ يُصَرَّحْ فِيهِ «بِأَحْكَامِ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ» عَلَى جِهَةِ التَّفْصِيلِ وَالتَّعْيِينِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْبَيَانِ الْكُلِّيِّ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَمْهِيدِ طُرُقِ الِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِلَّا فَأَيْنَ فِي الْكِتَابِ مَسْأَلَةُ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَمَسْأَلَةُ الْعَوْلِ، وَمَسْأَلَةُ الْأَكْدَرِيَّةِ وَغَيْرُهَا مِنْ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ، وَأَيْنَ فِيهِ مَسْأَلَةُ الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُفَوَّضَةِ، وَنَحْوِهَا، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ
стр. 1570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، ثُمَّ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ قَدْ حَرَّمْتُمُ الْقِيَاسَ، وَلَا نَصَّ فِي الْكِتَابِ بِتَحْرِيمِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَخْرَجْتُمُوهُ مِنْ أَدِلَّةٍ كُلِّيَّةٍ عَامَّةٍ عَلَى زَعْمِكُمْ.
قَوْلُهُ: «وَقَوْلُكُمْ: مَا لَيْسَ فِيهِ يَبْقَى عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ يُنَاقِضُ اسْتِدْلَالَكُمْ بِالْعُمُومِ» هَذَا إِبْطَالٌ لِعُذْرٍ لَهُمْ يَعْتَذِرُونَ بِهِ عَنْ دَلِيلِنَا الْخَامِسِ الَّذِي سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَلَمْ نَذْكُرْ هَذَا الْعُذْرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» نَصًّا، لَكِنِّي نَبَّهْتُ عَلَيْهِ هَاهُنَا بِذِكْرِ جَوَابِهِ.
وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: لَوْلَا الْقِيَاسُ، لَتَعَطَّلَتْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ عَنْ أَحْكَامٍ؛ لِعَدَمِ وَفَاءِ النُّصُوصِ الْقَلِيلَةِ بِالْحَوَادِثِ الْكَثِيرَةِ ; أَجَابُوا بِمَا سَبَقَ عِنْدَ تَقْرِيرِ هَذَا الدَّلِيلِ، وَبِعُذْرٍ آخَرَ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هَاهُنَا، وَهُوَ أَنْ قَالُوا: لَا نُسَلِّمُ تَعَطُّلَ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ عَنِ الْأَحْكَامِ، بَلْ مَا لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَى حُكْمِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ يَبْقَى عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ أَيْ: لَا حُكْمَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْأَحْكَامِ.
وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الِاعْتِذَارَ يُنَاقِضُ اسْتِدْلَالَكُمْ بِعُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى اسْتِدْلَالِكُمْ يُوجِبُ أَنْ لَا حَادِثَةَ إِلَّا وَلَهَا فِي الْكِتَابِ حُكْمٌ، فَقَوْلُكُمْ بَعْدَ هَذَا: «مَا لَيْسَ فِيهِ يَبْقَى عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ» إِثْبَاتٌ؛ لِأَنَّ مِنَ الْحَوَادِثِ مَا لَا حُكْمَ لَهُ فِي الْكِتَابِ، وَذَلِكَ عَيْنُ التَّنَاقُضِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ» ، يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ : «اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا» عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ «أَصْلًا» ،
стр. 1571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي اسْتِيعَابِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِجُزْئِيَّاتِ الْمَوْجُودَاتِ وَكُلِّيَّاتِهَا، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي اسْتِيعَابِ الْقُرْآنِ لِذَلِكَ، بِحَيْثُ يُسْتَغْنَى مَعَهُ عَنِ الْقِيَاسِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي الْمُرَادِ بِالْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَا إِشْكَالَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْقُرْآنُ. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيِهِ نِظَامُ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، هُوَ خَاصٌّ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي فِيهَا مَنَافِعُ الْمُخَاطَبِينَ وَطَرِيقُ هِدَايَتِهِمْ. وَذَكَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، أَيْ: مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الشَّرْعِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْمِلَّةِ، كَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّخْوِيفِ مِنْ عَذَابِهِ. قَالَ: هَذَا حَصْرُ مَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الْمُفَسِّرِينَ.
قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قُلْنَاهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي جُزْئِيَّاتِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ الَّتِي تَثْبُتُ بِالْأَقْيِسَةِ مَا لَا ضَرُورَةَ بِتَحَقُّقِ الْمِلَّةِ إِلَيْهِ، بَلْ يَحْصُلُ اتِّبَاعُ الْمِلَّةِ بِدُونِهَا بَلْ جَمِيعُ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ تَتَحَقَّقُ الْمِلَّةُ بِدُونِهَا، إِذْ مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ مُخْلِصًا مَعَ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ اعْتِقَادًا، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِفَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، كَانَ لَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَدَمِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُسْلِمِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْخُصُوصُ.
قَوْلُهُمُ: الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ لَيْسَ حُكْمًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا رَدًّا إِلَى اللَّهِ
стр. 1572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالرَّسُولِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلْ «الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ» حُكْمٌ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَ «رَدٌّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، إِذْ عَنْهُمَا تَلَقَّيْنَا دَلِيلَهُ» ، أَيْ: دَلِيلُ الْقِيَاسِ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ مِنْ دَلَائِلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ لَهُمْ: «قَالُوا: بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ» مِنَ التَّكَالِيفِ «مَعْلُومَةٌ» عَمَلًا بِمُوجِبِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَالْقِيَاسُ مَظْنُونٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، «فَكَيْفَ تُرْفَعُ» الْبَرَاءَةُ الْمَعْلُومَةُ «بِالدَّلِيلِ الْمَظْنُونِ» ؟
وَالْجَوَابُ: إِنَّ هَذَا «لَازِمٌ» لَكُمْ «فِي الْعُمُومِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالشَّهَادَةِ» ، فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا إِنَّمَا تُفِيدُ الظَّنَّ، وَقَدْ رَفَعْنَا بِهَا الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ بِاتِّفَاقٍ. وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى جِهَةِ الْمُنَاقَضَةِ الْجَدَلِيَّةِ وَالْإِلْزَامِ. أَمَّا التَّحْقِيقُ فِي الْجَوَابِ، فَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ مَشْرُوطًا فِي التَّكَالِيفِ الْعَمَلِيَّةِ، بَلْ حُصُولُ الظَّنِّ فِيهِ كَافٍ ثُبُوتًا وَزَوَالًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي نَسْخِ التَّوَاتُرِ بِالْآحَادِ.
وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الْكَافِي فِي الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ هُوَ الظَّنُّ، وَلَهُ رَفْعُ الْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمَظْنُونَةِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الظَّنِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَوُجُودُهَا كَالْعَدَمِ. وَهَذَا كَمَا قِيلَ: إِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الطَّرْدُ دُونَ الْعَكْسِ، فَوُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، لَكِنَّهُ تَرَجَّحَ بِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: «قَالُوا: شَأْنُ شَرْعِنَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ وَعَكْسُهُ» يَعْنِي الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُخْتَلَفَاتِ «نَحْوُ: غَسْلِ بَوْلِ الْجَارِيَةِ دُونَ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ دُونَ الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ» مَعَ اسْتِوَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كَوْنِهِ
стр. 1573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَارِجًا مِنَ الْفَرَجِ نَجِسًا، وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ، قَوِيَ الْإِشْكَالُ، إِذْ يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِهِ مَعَ طَهَارَتِهِ دُونَ الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ مَعَ نَجَاسَتِهِمَا، وَالْقِيَاسُ الْعَكْسُ، «وَإِيجَابُ أَرْبَعَةِ» شُهُودٍ «فِي الزِّنَى دُونَ الْقَتْلِ» مَعَ إِفْضَائِهِمَا إِلَى الْقَتْلِ فِيمَا إِذَا كَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا قَوِيَ الْإِشْكَالُ، إِذْ لَا زُهُوقَ فِيهِ. وَمَعَ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ، وَالْقَتْلُ الَّذِي فِيهِ الزُّهُوقُ يُكْتَفَى فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ الْعَكْسَ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، كَكَوْنِهِ فَرَّقَ فِي حَقِّ الْحَائِضِ بَيْنَ قَضَاءِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَكِلَاهُمَا عِبَادَةٌ، وَأَبَاحَ النَّظَرَ إِلَى الْأَمَةِ دُونَ الْحُرَّةِ، وَكِلْتَاهُمَا امْرَأَةٌ مَحَلٌّ لِلشَّهْوَةِ.
وَجَمَعَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، فَأَوْجَبَ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَفَرَّقَ فِي التَّطَيُّبِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَكُلُّهَا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْإِفْطَارِ وَالْيَمِينِ، وَهِيَ أَفْعَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، ثُمَّ غَايَرَ بَيْنَ مَقَادِيرِ كَفَّارَتِهَا، وَأَوْجَبَ الْقَتْلَ عَلَى الزَّانِي وَالْقَاتِلِ وَتَارِكِ الصَّلَاةِ، وَالْكَافِرِ، وَجِنَايَاتُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَالَ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي التَّضْحِيَةِ بِالْعَنَاقِ: تُجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ. وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٠] ، مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ أَنَاسِيُّ مُكَلَّفُونَ.
«وَمُعْتَمَدُ الْقِيَاسِ: الِانْتِظَامُ» ، يَعْنِي: اتِّفَاقُ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّفَاوُتُ وَاقِعًا فِي الشَّرْعِ لَمْ نَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ انْتِظَامِ مَعَانِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ حَتَّى يَلْحَقَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ.
стр. 1574
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لَا نَقِيسُ إِلَّا حَيْثُ يُفْهَمُ الْمَعْنَى، وَالْخِلَافُ فِي فَهْمِ الْمَعْنَى مَسْأَلَةٌ أُخْرَى» . تَقْرِيرُ هَذَا أَنَّا لَا نُنْكِرُ وُقُوعَ مَا ذَكَرْتُمْ فِي الشَّرْعِ، لَكِنَّا مَا ادَّعَيْنَا عُمُومَ وُقُوعِ الْقِيَاسِ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهِ، بَلْ حَيْثُ فَهِمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ ثَبْتَ لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، أَلْحَقَنَا بِهِ مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنَ الْفُرُوعِ، كَالنَّبِيذِ مَعَ الْخَمْرِ، وَالْأَرُزِّ مَعَ الْبُرِّ. وَلِهَذَا قُلْنَا: الْأَحْكَامُ إِمَّا غَيْرُ مُعَلَّلٍ كَالتَّعَبُدَاتِ، أَوْ مُعَلَّلٍ كَالْحَجْرِ عَلَى الصَّبِيِّ لِضَعْفِ عَقْلِهِ حِفْظًا لِمَالِهِ، أَوْ مَا يَتَرَدَّدُ فِي كَوْنِهِ مُعَلَّلًا أَوَّلًا، كَقَوْلِنَا: اسْتِعْمَالُ التُّرَابِ فِي غَسْلِ وُلُوغِ الْكَلْبِ هَلْ هُوَ تَعَبُّدٌ أَمْ مُعَلَّلٌ؟ وَخَرَجَ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافُ فِي قِيَامِ الْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ وَالْغَسْلَةِ الثَّامِنَةِ مَقَامَهُ ; إِنْ قُلْنَا: هُوَ تَعَبُّدٌ، لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: مُعَلَّلٌ بِإِعَانَةِ الْمَاءِ عَلَى إِزَالَةِ أَثَرِ الْوُلُوغِ ; قَامَ ذَلِكَ مَقَامَهُ لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِزَالَةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ قُلْنَا: هُوَ تَعَبُّدٌ، كَفَى بِالتُّرَابِ مُسَمَّاهُ وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ أَجْزَاءَ مَحَلِّ الْوُلُوغِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مُعَلَّلٌ، اشْتُرِطَ تَعْمِيمُهُ بِهِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْيَدِ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ إِنْ قِيلَ: هُوَ عِبَادَةٌ، وَجَبَتْ لَهُ النِّيَّةُ، وَإِنْ قِيلَ: نَظَافَةٌ، لَمْ يَجِبْ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَا نَقِيسُ إِلَّا حَيْثُ فَهِمْنَا الْمَعْنَى وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْقِيَاسِ، فَأَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخَاصَّةِ مُعَلَّلَةً أَوْ غَيْرَ مُعَلَّلَةِ ; فَتِلْكَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى خَارِجَةٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ يَثْبُتُ فِيهَا مِنَ الْحُكْمِ بِالتَّعَبُّدِ أَوِ التَّعَلُّلِ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ عَنِ الْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ إِجْمَالِيٌّ، وَالْجَوَابُ التَّفْصِيلِيُّ أَنَّ الصُّوَرَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا كُلُّهَا أَوْ جُلُّهَا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ عَنْهُ إِمَّا بِمَنْعِ
стр. 1575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحُكْمِ مِنْ فَرْقٍ أَوْ جَمْعٍ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ، أَوْ بِإِبْدَاءِ الْمُنَاسِبِ.
أَمَّا غَسْلُ بَوْلِ الْجَارِيَةِ دُونَ بَوْلِ الْغُلَامِ، فَقَدْ سَوَّى الْحَسَنُ بَيْنَهُمَا فِي النَّضْحِ، وَغَيْرُهُ فِي الْغَسْلِ، فَلَا نَرُدُّ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ آلَةَ بَوْلِ الْغُلَامِ بَارِزَةٌ عَنْ سَمْتِ بَدَنِهِ، وَالنَّاسُ أَمْيَلُ إِلَى حَمْلِهِ، فَيَكْثُرُ بَوْلُهُ عَلَى النَّاسِ، فَيَشُقُّ غَسْلُهُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ فَإِنَّ بَوْلَهَا لَا يُجَاوِزُهَا إِلَى غَيْرِهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ اعْتَبَرَ بَوْلَهُمَا، فَوَجَدَ بَوْلَ الْجَارِيَةِ أَثْقَلَ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِلْفَرْقِ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّ مِزَاجَ الذَّكَرِ حَارٌّ، وَمِزَاجُ الْأُنْثَى بَارِدٌ، فَيَضْعُفُ الْهَضْمُ، فَتَبْقَى الْفَضْلَةُ كَثِيفَةً، ذَاتِ قِوَامٍ كَثِيفٍ، فَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِالْأَجْسَامِ، كَانَ أَثَرُهَا مُحْتَاجًا إِلَى الْغَسْلِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي الْغُلَامِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا افْتَرَقَ مَنِيُّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى نَاسَبَ افْتِرَاقَ بَوْلِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْبَوْلِ عَكْسُهُ فِي الْمَنِيِّ، إِذْ مَنِيُّ الذَّكَرِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَنِيُّ الْأُنْثَى رَقِيقٌ أَصْفَرُ، وَبَوْلُ الْأُنْثَى أَغْلَظُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ، وَهَذَا تَقْرِيرٌ شَبَهِيٌّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحُكْمُ فَرْعِيٌّ، وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ تَصْلُحُ لِتَقْرِيرِهِ وَتَقْوَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إِيجَابُ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ فِي الزِّنَى دُونَ الْقَتْلِ، فَقَدْ قَرَّرْتُهُ مَبْسُوطًا فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» عَلَى وَجْهٍ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ فِي حَقِّ الْحَائِضِ بَيْنَ قَضَاءِ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ فَلِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ
стр. 1576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَكَرُّرِهَا، فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا دُونَ الصَّوْمِ، إِذْ هُوَ شَهْرٌ فِي السَّنَةِ، وَهَذَا مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِلْفَرْقِ وَكَوْنُهُمَا عِبَادَةً لَا يَقْتَضِي اسْتِوَاؤُهُمَا فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا إِبَاحَةُ النَّظَرِ إِلَى الْأَمَةِ دُونَ الْحُرَّةِ، فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَمْنُوعٌ؛ إِذِ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا. وَأَمَّا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَيَجُوزُ مِنَ الْأَمَةِ إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِبًا فِي حَالِ الْمِهْنَةِ وَالْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهَا، فَالتَّحَرُّزُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ يَشُقُّ، كَمَا قِيلَ فِي وَجْهِ الْحُرَّةِ وَكَفَّيْهَا لِذَلِكَ، وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا لِحَاجَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، وَإِلَى غَيْرِ وَجْهِهَا أَيْضًا لِحَاجَةِ الْعِلَاجِ؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَ ذَلِكَ يُورِثُ مَشَقَّةً مُنْتَفِيَةً شَرْعًا، وَهُوَ الْفَرْقُ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ الشَّرْعِيِّ، وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ مُنَاسِبٌ لِثُبُوتِ هَذَا الِاسْتِحْسَانِ.
وَأَمَّا قَتْلُ الصَّيْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ; فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ، فَلَا يُرَدُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنِهِمَا فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى إِتْلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ إِقَامَةً لِرَسْمِ الْعَدْلِ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقِّ الْآدَمِيِّ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ قَتْلَهُ ارْتِكَابٌ لِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ هُوَ حَقُّ لَهُ ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّ جَزَاءَهُ مَصْرُوفٌ إِلَى الْآدَمِيِّ هُوَ حَقٌّ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَأْخَذُ فِي الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ قَالَ بِالْفَرْقِ فِيهِ، لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْفَرْقُ فِي التَّطَيُّبِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّطَيُّبِ وَالْحَلْقِ دُونَ قَتْلِ الصَّيْدِ غَلَبَ فِيهِ إِتْلَافُ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَفِيهِمَا حَقُّ اللَّهِ ، عَلَى أَنَّ
стр. 1577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَمِيعَ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ، وَالْخِلَافُ فِي الْقِيَاسِ مَعَ جَمِيعِهِمْ، فَلِلْمُجْتَهِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَلْتَزِمَ الْفَرْقَ فِي الْجَمِيعِ، أَوِ التَّسْوِيَةَ فِي الْجَمِيعِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ السُّؤَالُ.
وَأَمَّا إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِأَسْبَابِهَا الْمَذْكُورَةِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مَنَعَ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ فِيهَا لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا وَمَقَادِيرِهَا، وَأَجَازَهُ فِي غَيْرِهَا. وَمَنْ أَجْرَى الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّمَا أَجْرَاهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَنَاطُ الْحُكْمِ، وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْقِيَاسِ. وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الْإِجْمَالِيُّ الَّذِي سَبَقَ، مَعَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِمَّا جُبْرَانٌ أَوْ عُقُوبَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّارِعَ عَلِمَ أَنَّ كَفَّارَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يُكَافِئُهُ جَبْرًا أَوْ زَجْرًا، فَشَرَعَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَدْلٌ، وَهَذَا مِنَ الْعَدْلِ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ قَتْلِ الزَّانِي وَالْقَاتِلِ وَنَحْوِهِ مَعَ اخْتِلَافِ جِنَايَاتِهِمْ، فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ مَفْسَدَةَ أَدْنَى هَذِهِ الْجِنَايَاتِ تُوجِبُ الْقَتْلَ، وَسَقَطَ الزَّائِدُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ فِيمَا فَوْقَهُ مِنَ الْجِنَايَاتِ تَفَضُّلًا أَوْ تَعَذُّرًا؛ إِذْ لَا عُقُوبَةَ وَرَاءَ الْقَتْلِ، مَعَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ اتِّحَادَ كَيْفِيَّةَ الْقَتْلِ فِيهِمْ، بَلِ الْقَاتِلُ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِمُوجِبِ الْعَدْلِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَالزَّانِي إِنْ كَانَ بِكْرًا، فَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَيْهِ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ، فَإِنْ مَاتَ فِي الْجَلْدِ، فَزُهُوقُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا، فَيُجْلَدُ، وَيُرْجَمُ حَتَّى يَمُوتَ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْأَلَمِ وَالتَّعْذِيبِ أَضْعَافُ مَا فِي الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ أَعْظَمُ مِنْ جِنَايَةِ الْقَتْلِ، وَجِنَايَةُ الْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْظَمَ ; غَيْرَ أَنَّ الْقَتْلَ بِالْكُفْرِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَفْضُلُ بِتَرْكِ
стр. 1578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زِيَادَةِ التَّعْذِيبِ وَالْمُثْلَةِ بِالرَّجْمِ وَنَحْوِهِ.
وَالْقَتْلُ بِالزِّنَى، إِمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ بِهَتْكِ الْعِرْضِ، وَتَضْيِيعِ النَّسَبِ، أَوْ أَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ غَلَبَ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ فَجُعِلَ كُفْئًا لِسَبَبِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ ﵁: تَجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ فَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ فِي «مُخْتَصَرِ» التِّرْمِذِيِّ، وَلَمْ أَنْشَطْ هَاهُنَا لِتَقْرِيرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٠] ، فَإِنَّ فَضِيلَةَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ عَلَى غَيْرِهِمْ مَعْلُومَةٌ بِالِاضْطِرَارِ، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِتَخْصِيصِهِمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُكْرِمَهُمْ بِهِ، وَكَوْنُهُمْ جَمِيعًا أَنَاسِيَّ مُكَلَّفِينَ لَا يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ حُكْمٍ، وَلَا يَمْنَعُ تَفْضِيلَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ، لَلَزِمَ الْقَدْحُ فِي النُّبُوَّاتِ بِأَنْ يُقَالَ: كُلُّ النَّاسِ أَنَاسِيُّ فَكَيْفَ يَخْتَصُّ بِالْمُعْجِزِ النَّبِيُّ؟ . وَهَذِهِ شُبْهَةُ الْكُفَّارِ حَيْثُ قَالُوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] ، ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [الْقَمَرِ: ٢٤] ، ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٣٤] .
فَإِنْ قِيلَ: الْمُعْجِزُ وَالنُّبُوَّةُ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنْبِيَائِهِ ﵈، خُصُّوا بِهَا بِحُكْمِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنْ قُلْتُمْ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْمُخْتَصَّةِ بِمِحَالِّهَا دُونَ نَظَائِرِهَا كَذَلِكَ، صَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ الْقِيَاسِ.
قُلْنَا: النُّبُوَّةُ مَوْهِبَةٌ لِغَيْرِ مَعْنًى أَوْ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي
стр. 1579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُسَلَّمٌ، وَبِهِ يَتِمُّ مَقْصُودُنَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا وَهَبَ النُّبُوَّةَ لِأَهْلِهَا لِمَا اخْتَصُّوا بِهِ عَلَى بَاقِي الْعَالَمِ مِنْ زِيَادَةِ الْخَيْرِ، وَالصَّلَاحِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْعِبَادَةِ، وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَاكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ، وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ، [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] وَسَائِرُ مَا مُدِحَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اخْتِصَاصَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ لَهُ، فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ، خُصَّتْ بِأَحْكَامِهَا لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ.
فَإِنْ قِيلَ: لَكِنْ أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِذَا فَهِمْنَا الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ أَوِ الْمُؤَثِّرَ غَيْرَ الْمُنَاسِبِ، أَلْحَقْنَا بِهِ مَا فِي مَعْنَى مَحَلِّهِ، كَإِلْحَاقِ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ، فَهَلْ نَقُولُ: إِنَّ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ لِلِاخْتِصَاصِ بِالنُّبُوَّةِ فِي الْأَنْبِيَاءِ إِذَا وَجَدْتُمُوهُ فِي آحَادِ النَّاسِ تُلْحِقُونَهُ فِي إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ؟ إِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ، فَلَا قَائِلَ بِهِ، وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا، فَمَا الْفَرْقُ؟
قُلْنَا: إِنَّ الْقِيَاسَ مَدْرَكٌ ظَنِّيٌّ تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ حُكْمٌ قَطْعِيٌّ، وَهُوَ أَصْلٌ لِقَوَاطِعِ الشَّرَائِعِ وَظَنِّيَّاتِهَا، فَلَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَمْرُ النُّبُوَّةِ ظَنِّيًّا، أَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مَدْرَكًا لِلنُّبُوَّةِ قَطْعِيًّا، لَأَثْبَتْنَاهَا بِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْمُعْجِزُ بِشُرُوطِهِ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ فِي شَخْصٍ مَا، عَدَّيْنَا حُكْمَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَمَنْ ظَهَرَ الْمُعْجِزُ عَلَى يَدِهِ فَقُلْنَا مَثَلًا: إِنَّمَا ثَبَتَ كَوْنُ مُوسَى ﵇ نَبِيًّا لِظُهُورِ الْمُعْجِزِ عَلَى يَدِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْمُعْجِزُ عَلَى يَدِ عِيسَى
стр. 1580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمُحَمَّدٍ ﵉، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمَا، لَمَّا كَانَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ قَاطِعًا ثَبَتَ بِمِثْلِهِ النُّبُوَّةُ الْقَاطِعَةُ.
وَمِمَّا يُورَدُ مِنْ نَظَائِرِ هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى الْقِيَاسِ أَنَّ الْعَجُوزَ الشَّوْهَاءَ الْقَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ تُحَصِّنَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَحْرَارِ عَلَى الْبَدَلِ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْإِمَاءِ الْحِسَانِ لَا تُحَصِّنُ آدَمِيًّا وَاحِدًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ﵀ وَهُوَ مِنَ الْقَيَّاسِينَ، فَيَسْقُطُ السُّؤَالُ، وَمَنِ الْتَزَمَهُ أَبْدَى فَرْقًا مُنَاسِبًا عِنْدَهُ، وَهُوَ نَقْصُ الرِّقِّ وَكَانَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ وَهُوَ تَكَلُّفٌ، إِذْ لَيْسَ مُؤَثِّرًا، وَالصَّوَابُ رَأْيُ مَالِكٍ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ، لِجَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الْتِزَامُهُ، إِذْ لَا نَصَّ فِي نَفْيِهِ وَلَا إِجْمَاعَ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لِمَ قُطِعَ سَارِقُ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثِيرِ، وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَى الرَّدْعِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْغَصْبَ فِعْلٌ ظَاهِرٌ، وَلَا يَخْلُو كُلُّ إِقْلِيمٍ عَنْ سُلْطَانٍ يَكُفُّ ظُلْمَ الظَّالِمِ، وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ، إِمَّا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ بِالْعَدْلِ، أَوْ حِيَاطَةً لِلْمُلْكِ وَسِيَاسَةً لَهُ، وَذَلِكَ دَافِعٌ لِمَفْسَدَةِ الْغَصْبِ مَنْعًا أَوْ قَطْعًا، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا فِعْلٌ خَفِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، فَوَضَعَ لَهُ الشَّرْعُ زَاجِرَ الْقَطْعِ، إِذْ بَدَوْنِ ذَلِكَ لَا تَزُولُ الْمَفْسَدَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي خُرُوجِ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ، فَذَكَرَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ لَهُ مَعْنًى مُنَاسِبًا إِنْ تَحَقَّقَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ الْآنَ تَحْقِيقَهُ.
следующие страницы →