← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِلطَّرْدِ وَالْعَكْسِ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: اخْتُلِفَ فِي التَّمَسُّكِ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ الْمُفِيدَةِ لِلطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، كَقَوْلِنَا فِي تَصْحِيحِ ظِهَارِ الذِّمِّيِّ: «مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ، صَحَّ ظِهَارُهُ» كَالْمُسْلِمِ، وَفِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَيْلِ: مَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ذُكُورَتِهِ مُنْفَرِدَةً لَا تَجِبُ فِي ذُكُورِهِ وَإِنَاثِهِ، وَيَسْتَدِلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ بِالِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ، فَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَجَبَتْ فِي ذُكُورِهَا مُنْفَرِدَةً، فَوَجَبَتْ فِي ذُكُورِهَا وَإِنَاثِهَا، وَالْحُمُرُ وَالْبِغَالُ لَمْ تَجِبْ فِي ذُكُورِهَا فَلَمْ تَجِبْ فِي ذُكُورِهَا وَإِنَاثِهَا، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي الْخَيْلِ. فَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ صِحَّةَ طَلَاقِ الذِّمِّيِّ شَاهِدٌ لِصِحَّةِ ظِهَارِهِ، وَعَدَمَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي ذُكُورِ الْخَيْلِ شَاهِدٌ لِعَدَمِهَا فِي ذُكُورِهَا وَإِنَاثِهَا، فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهَذَا الطَّرِيقِ لِشَبَهِهِ بِالدَّوَرَانِ وَتَحْصِيلِهِ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِجَامِعِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ لَيْسَ نَصًّا فِي الْعِلِّيَّةِ وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا مُؤَثِّرًا وَلَا مُلَائِمًا، وَلَا مُنَاسِبًا غَرِيبًا وَلَا مُرْسَلًا، إِنَّمَا هُوَ مُخَيَّلٌ تَخْيِيلًا شَبَهِيًّا أَنَّ الْفَرْعَ الْمَشْهُودَ لَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى عِلَّةِ الْأَصْلِ الشَّاهِدِ، وَالظَّنُّ الْحَاصِلُ مِنَ التَّخَيُّلِ إِنْ حَصَلَ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَلَا يُنَاطُ بِهِ حُكْمٌ، وَلَا يَكُونُ مُعَوَّلًا عَلَيْهِ. قُلْتُ: التَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النُّظَّارِ وَالْمُجْتَهِدِينَ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَبِاخْتِلَافِ الْأُصُولِ الشَّاهِدَةِ كَثْرَةً وَقِلَّةً، فَمَتَى كَانَ هَذَا الطَّرِيقُ مُفِيدًا مِنَ الظَّنِّ مَا يُسَاوِي مَا يُفِيدُهُ دَلِيلٌ آخَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِيهِ، كَخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوِ الْعُمُومِ أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَنَحْوِهِ; صَحَّ التَّمَسُّكُ بِهِ، إِذْ قَدْ يَتَّفِقُ نَاظِرٌ فَاضِلٌ مُرْتَاضٌ، فَتَظْهَرُ لَهُ أُصُولٌ كَثِيرَةٌ شَاهِدَةٌ لِلْفَرْعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ

стр. 1717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَتَّى يَكَادُ يَجْزِمُ أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْفَرْعِ حُكْمُ تِلْكَ الْأُصُولِ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَصِيرُ إِلَى مَا ظَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنَاظِرًا، أَمْكَنَهُ إِبْرَازُ تِلْكَ الشَّوَاهِدِ لِخَصْمِهِ، وَقَرَّبَ مَا ادَّعَاهُ إِلَى ذِهْنِهِ بِالْمُقَدِّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمَقْبُولَةِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الظَّنُّ بِذَلِكَ، فَيَسْلَمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1718

خَاتِمَةٌ اطِّرَادُ الْعِلَّةِ لَا يُفِيدُ صِحَّتَهَا، إِذْ سَلَامَتُهَا عَنِ النَّقْضِ لَا يَنْفِي بُطْلَانَهَا بِمُفْسِدٍ آخَرَ; وَلِأَنَّ صِحَّتَهَا بِدَلِيلِ الصِّحَّةِ لَا بِانْتِفَاءِ الْمُفْسِدِ، كَثُبُوتِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، لَا بِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَالْعَدَالَةُ بِحُصُولِ الْمُعَدِّلِ، لَا بِانْتِفَاءِ الْجَارِحِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَا دَلِيلَ عَلَى فَسَادِهَا فَتَصِحُّ، مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهَا فَتَفْسَدُ. وَإِذَا لَزِمَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَصْفِ مَفْسَدَةٌ مُسَاوِيَةٌ، أَوْ رَاجِحَةٌ، أَلْغَاهَا قَوْمٌ إِذِ الْمُنَاسِبُ مَا تَلَقَّتْهُ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ بِالْقَبُولِ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُقَلَاءِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى تَحْصِيلِ دِينَارٍ مَعَ خَسَارَةِ مِثْلِهِ، أَوْ مِثْلَيْهِ، وَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ، إِذِ الْمَصْلَحَةُ مِنْ مُتَضَمِّنَاتِ الْوَصْفِ، وَالْمَفْسَدَةُ مِنْ لَوَازِمِهِ، فَيُعْتَبَرَانِ، لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، إِذْ يَنْتَظِمُ مِنَ الْعَاقِلِ أَنْ يَقُولَ: لِي مَصْلَحَةٌ فِي كَذَا، لَكِنْ يَصُدُّنِي عَنْهُ مَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ كَذَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فَأَثْبَتَ النَّفْعَ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِلْإِثْمِ. ــ قَوْلُهُ: " خَاتِمَةٌ: اطِّرَادُ الْعِلَّةِ لَا يُفِيدُ صِحَّتَهَا " إِلَى آخِرِهِ. لِمَا بَيْنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ; أَخَذَ يُبَيِّنُ الطُّرُقَ الْفَاسِدَةَ الَّتِي لَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا. فَمِنْهَا: اطِّرَادُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا، إِذْ مَعْنَى اطِّرَادِهَا سَلَامَتُهَا عَنِ النَّقْضِ، وَهُوَ بَعْضُ مُفْسِدَاتِهَا، " وَسَلَامَتُهَا عَنْ " مُفْسِدٍ وَاحِدٍ " لَا يَنْفِي بُطْلَانَهَا

стр. 1719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِمُفْسِدٍ آخَرَ " كَكَوْنِهَا قَاصِرَةً أَوْ عَدَمِيَّةً، أَوْ طَرْدِيَّةً غَيْرَ مُنَاسِبَةٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ، وَمَا مِثَالُ مَنْ يَقُولُ: هَذِهِ الْعِلَّةُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُنْتَقِضَةً، إِلَّا مِثَالُ مَنْ يَقُولُ: هَذَا الْعَبْدُ صَحِيحٌ سَلِيمٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَعْمَى، إِذْ جَازَ أَنْ تَنْتَفِيَ سَلَامَتُهُ بِبَرَصٍ أَوْ عَرَجٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ صِحَّةَ الْعِلَّةِ حُكْمٌ، وَالْأَحْكَامُ إِنَّمَا تَثْبُتُ " صِحَّتُهَا بِدَلِيلِ الصِّحَّةِ لَا بِانْتِفَاءِ الْمُفْسِدِ " وَ " بِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، لَا بِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ " وَعَدَالَةُ الشَّاهِدِ وَالرَّاوِي إِنَّمَا تَثْبُتُ " بِحُصُولِ الْمُعَدِّلِ لَا بِانْتِفَاءِ الْجَارِحِ " فَكَذَلِكَ الْعِلَّةُ إِنَّمَا تَصِحُّ بِوُجُودِ مُصَحِّحِهَا، لَا بِانْتِفَاءِ مُفْسِدِهَا. " وَقَوْلُ الْقَائِلِ ": هَذِهِ الْعِلَّةُ صَحِيحَةٌ، إِذْ " لَا دَلِيلَ عَلَى فَسَادِهَا " " مُعَارَضٌ " بِقَوْلِ الْخَصْمِ: هِيَ فَاسِدَةٌ، إِذْ " لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهَا ". وَمِنَ الطُّرُقِ الْفَاسِدَةِ فِي إِثْبَاتِهَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى صِحَّتِهَا بِاقْتِرَانِ الْحُكْمِ بِهَا، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ، إِذِ الْحُكْمُ يَقْتَرِنُ بِمَا يُلَازِمُ الْعِلَّةَ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ، كَاقْتِرَانِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِلَوْنِهَا وَطَعْمِهَا وَرِيحِهَا، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ الْإِسْكَارُ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ مِنَ الطُّرُقِ الْفَاسِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثُ طُرُقٍ: أَحَدُهَا: سَلَامَةُ الْعِلَّةِ عَنْ عِلَّةٍ تُفْسِدُهَا وَتَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِهَا. الثَّانِي: اطِّرَادُهَا وَجَرَيَانُهَا فِي حُكْمِهَا. الثَّالِثُ: اطِّرَادُهَا وَانْعِكَاسُهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَرَانَ لَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ، وَالطَّرِيقَانِ الْأَوَّلَانِ مُسْتَفَادَانِ مِنْ " الْمُخْتَصَرِ ". وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَمَمْنُوعٌ بِمَا سَبَقَ مِنْ إِفَادَةِ الدَّوَرَانِ الْعِلِّيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: " وَإِذَا لَزِمَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَصْفِ مَفْسَدَةٌ مُسَاوِيَةٌ أَوْ رَاجِحَةٌ " إِلَى

стр. 1720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آخِرِهِ. أَيْ: إِذَا كَانَ الْوَصْفُ الْمَصْلَحِيُّ الْمُنَاسِبُ يَسْتَلْزِمُ، أَوْ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً مُسَاوِيَةً لِمَصْلَحَتِهِ، أَوْ رَاجِحَةً عَلَيْهَا، اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَلْ تُلْغَى مَصْلَحَتُهُ، وَتَخْتَلُّ مُنَاسَبَتُهُ أَمْ لَا؟ " فَأَلْغَاهَا قَوْمٌ " مِنْهُمْ الْآمِدِيُّ فِي " الْمُنْتَهَى " وَأَبْقَاهَا آخَرُونَ. حُجَّةُ مَنْ أَلْغَاهَا: أَنَّ " الْمُنَاسِبَ مَا تَلَقَّتْهُ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ بِالْقَبُولِ " وَمَا عَارَضَ مَصْلَحَتَهُ مَفْسَدَةٌ مُسَاوِيَةٌ أَوْ رَاجِحَةٌ " لَيْسَ كَذَلِكَ " فَلَا يَكُونُ مُنَاسِبًا، " إِذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُقَلَاءِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى تَحْصِيلِ دِينَارٍ " عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُ مِنْهُ " خَسَارَةُ " دِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجَّحٍ لِتَكَافُؤِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ، وَالثَّانِي الْتِزَامٌ لِلْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ. وَحُجَّةُ مَنْ أَبْقَاهَا: أَنَّ " الْمَصْلَحَةَ مِنْ مُتَضَمَّنَاتِ الْوَصْفِ، وَالْمَفْسَدَةَ مِنْ لَوَازِمِهِ " أَيْ: قَدْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً وَلَزِمَتْهُ مَفْسَدَةٌ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُمَا لِاخْتِلَافِ جِهَتِهِمَا، " كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ " تُعْتَبَرُ طَاعَةً مِنْ وَجْهٍ; مَعْصِيَةً مَنْ وَجْهٍ عَلَى مَا سَبَقَ، " إِذْ يَنْتَظِمُ مِنَ الْعَاقِلِ أَنْ يَقُولَ: لِي مَصْلَحَةٌ فِي كَذَا، لَكِنْ يَصُدُّنِي عَنْهُ مَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ كَذَا " كَمَا يَقُولُ التَّاجِرُ: لِي مَصْلَحَةٌ فِي رُكُوبِ الْبَرِّ، أَوِ الْبَحْرِ لِلتِّجَارَةِ، وَتَحْصِيلِ الرِّبْحِ، لَكِنْ يَصُدُّنِي عَنْهُ مَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ بِالْمَالِ، وَقَدْ يَقُولُ الشَّخْصُ: لِي فِي التَّزَوُّجِ مَصْلَحَةُ الْإِعْفَافِ، لَكِنَّ فِيهِ مَفْسَدَةَ إِلْزَامِ الْمُؤْنَةِ، وَيَقُولُ الْمُسَافِرُ: لِي فِي الْفِطْرِ مَصْلَحَةُ التَّرَخُّصِ وَالتَّخْفِيفِ، لَكِنَّ فِيهِ مَفْسَدَةُ فَوَاتِ الْأَجْرِ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَمُعَارَضَةُ ضِدِّ الشَّيْءِ لَهُ لَا يُبْطِلُ حَقِيقَتَهُ، فَكَذَلِكَ الْمَفْسَدَةُ إِذَا

стр. 1721

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَارَضَتِ الْمَصْلَحَةَ، لَا تُبْطِلُ حَقِيقَتَهَا. نَعَمْ قَدْ يَخْفَى أَثَرُهَا، وَيُمْنَعُ اعْتِبَارُهَا، بِالْعَرْضِ إِذَا سَاوَتْهَا، أَوْ تَرَجَّحَتْ عَلَيْهَا، كَمَا قَرَّرْنَا فِي بَابِ الِاسْتِصْلَاحِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ، وَأَكْثَرُ مَنْ يَعْتَبِرُ الْمَصْلَحَةَ مَعَ الْمَفْسَدَةِ الْأَطِبَّاءُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْغِذَاءُ الْفُلَانِيُّ نَافِعٌ مِنْ جِهَةِ كَذَا; مُضِرٌّ مِنْ جِهَةِ كَذَا، وَيُصْلِحُهُ كَذَا، " وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى " فِي شَأْنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٩] ، " فَأَثْبَتَ النَّفْعَ " وَهُوَ مَصْلَحَةٌ، " مَعَ تَضَمُّنِهِ لِلْإِثْمِ، وَهُوَ مَفْسَدَةٌ، وَنَفْعُ الْخَمْرِ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى، كَمَا قَالَ الْحَرِيرِيُّ: فَإِنَّ الْمُدَامَ تُقَوِّي الْعِظَامَ ... وَتَشْفِي السَّقَامَ وَتَنْفَيِ التَّرَحْ وَالْأَطِبَّاءُ كَثِيرًا مَا يَضَعُونَهَا فِي أَنْوَاعِ الْمُدَاوَاةِ وَالْمُعَالَجَاتِ، وَرَخَّصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي التَّدَاوِي بِهَا. وَأَمَّا الْمَيْسِرُ، وَهُوَ الْقِمَارُ; فَنَفْعُهُ تَكْثِيرُ الْمَالِ، إِذْ هُوَ تِجَارَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَالرِّبَا، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُوَسِّعُونَ بِمَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَيَذُمُّونَ مَنْ لَا يَحْضُرُهُ، وَيُقْدِمُ عَلَيْهِ، وَيُسَمُّونَهُ الْبَرَمَ، أَيْ: الْبَخِيلَ. وَأَمَّا مَفْسَدَتُهُمَا الَّتِي تَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْإِثْمُ، فَإِفْسَادُ الْعَقْلِ فِي الْخَمْرِ، وَالتَّغَابُنُ بِأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فِي الْمَيْسِرِ، وَالنِّزَاعُ الْمَذْكُورُ إِنَّمَا هُوَ فِي اخْتِلَالِ

стр. 1722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُنَاسِبِ الْمَصْلَحِيِّ لِمُعَارَضَتِهِ مِثْلَهُ أَوْ أَرْجَحَ مِنْهُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ. أَمَّا الْعَمَلُ بِهِ، فَمَمْنُوعٌ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَ اخْتِلَالَ الْمُنَاسَبَةِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، تَصَرَّفَ فِي الْعَمَلِ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ بِالتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا، وَالْوَاجِبُ هَاهُنَا امْتِنَاعُ الْعَمَلِ لِمَا سَبَقَ مِنْ لُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجَّحٍ، أَوِ الْتِزَامُ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ، فَيَسْتَوِي الْفَرِيقَانِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ يَتْرُكُهُ لِاخْتِلَالِ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ، وَالْآخَرَ يَتْرُكُهُ لِمُعَارَضَةِ الْمُقَاوِمِ أَوِ الرَّاجِحِ، فَتَرْكُ الْعَمَلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ طَرِيقَهُ مُخْتَلِفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1723

وَ قِيَاسُ الشَّبَهِ: قِيلَ: إِلْحَاقُ الْفَرْعِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ بِمَا هُوَ أَشْبَهُ مِنْهُمَا، كَالْعَبْدِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْبَهِيمَةِ، وَالْمَذْيِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ. وَقِيلَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ يُوهِمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى حِكْمَةٍ مَا مِنْ جَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، إِذِ الْوَصْفُ إِمَّا مُنَاسِبٌ مُعْتَبَرٌ كَشِدَّةِ الْخَمْرِ، أَوْ لَا، كَلَوْنِهَا وَطَعْمِهَا، أَوْ مَا ظُنَّ مَظِنَّةً لِلْمَصْلَحَةِ وَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، كَإِلْحَاقِ مَسْحِ الرَّأْسِ بِمَسْحِ الْخُفِّ فِي نَفْيِ التَّكْرَارِ، لِكَوْنِهِ مَمْسُوحًا تَارَةً، وَبِبَاقِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي إِثْبَاتِهِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا فِي الطَّهَارَةِ أُخْرَى. فَالْأَوَّلُ: قِيَاسُ الْعِلَّةِ، وَكَذَلِكَ اتِّبَاعُ كُلِّ وَصْفٍ ظَهَرَ كَوْنُهُ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ. وَالثَّانِي: طَرْدِيٌّ بَاطِلٌ. وَالثَّالِثُ: الشَّبَهُ، وَفِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ قَوْلَانِ لِأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ ﵄، وَالْأَظْهَرُ: نَعَمْ لِإِثَارَتِهِ الظَّنَّ، خِلَافًا لِلْقَاضِي. وَالِاعْتِبَارُ بِالشَّبَهِ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً خِلَافًا لِابْنِ عَلِيَّةَ. وَقِيلَ: بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَنَاطٌ لِلْحُكْمِ. ــ قَوْلُهُ: «وَقِيَاسُ الشَّبَهِ» إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْأُصُولِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالشَّبَهِ وَالْمُمَاثَلَةِ وَالْمُشَابَهَةِ، وَإِنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ مَا سَاوَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَشِبْهَ الشَّيْءِ وَشَبِيهَهُ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِنَ الْأَوْصَافِ. وَحِينَئِذٍ تَتَفَاوَتُ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَهُمَا قُوَّةً وَضَعْفًا بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْأَوْصَافِ الْمُشْتَرِكَةِ بَيْنَهُمَا كَثْرَةً وَقِلَّةً، فَإِذَا اشْتَرَكَا فِي عَشَرَةِ أَوْصَافٍ، كَانَتِ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَهُمَا كَثْرَةً أَقْوَى مِمَّا إِذَا اشْتَرَكَا فِي تِسْعَةٍ فَمَا دُونَ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، وَهَذَا

стр. 1724

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هُوَ الْأَمْرُ الْمُتَعَارَفُ، فَإِنْ أُطْلِقَ لَفْظُ الشَّبِيهِ عَلَى الْمِثْلِ، أَوْ لَفْظُ الْمِثْلِ عَلَى الشَّبِيهِ، فَهُوَ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْأَوْصَافِ. قَوْلُهُ: «قِيلَ: إِلْحَاقُ الْفَرْعِ» أَيْ: اخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ قِيَاسِ الشَّبَهِ، فَقِيلَ: هُوَ «إِلْحَاقُ الْفَرْعِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ بِمَا هُوَ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُمَا» أَيْ: مِنْ ذَيْنِكَ الْأَصْلَيْنِ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي يَعْقُوبَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ تَرَدُّدُ الْعَبْدِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْبَهِيمَةِ، فِي التَّمْلِيكِ، فَمَنْ قَالَ: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ; قَالَ: هُوَ إِنْسَانٌ يُثَابُ وَيُعَاقَبُ وَيَنْكِحُ وَيُطَلِّقُ، وَيُكَلَّفُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَيَفْهَمُ وَيَعْقِلُ، وَهُوَ ذُو نَفْسٍ نَاطِقَةٍ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ. وَمَنْ قَالَ: لَا يَمْلِكُ ; قَالَ: هُوَ حَيَوَانٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَرَهْنُهُ وَهِبَتُهُ وَإِجَارَتُهُ وَإِرْثُهُ أَشْبَهَ الدَّابَّةَ. وَعَلَى هَذَا خَرَجَ الْخِلَافُ فِي ضَمَانِهِ إِذَا تَلِفَ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ دِيَةَ الْحُرِّ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْبَهِيمَةِ وَالْمَتَاعِ فِي ذَلِكَ، وَبِمَا دُونَ دِيَةِ الْحُرِّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ تَشْبِيهًا لَهُ بِهِ، وَتَقَاعُدًا بِهِ عَنْ دَرَجَةِ الْحُرِّ. وَكَذَا الْمَذْيُ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ، فَمَنْ حَكَمَ بِنَجَاسَتِهِ، قَالَ: هُوَ خَارِجٌ مِنَ الْفَرْجِ لَا يُخْلَقْ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ، وَمَنْ حَكَمَ بِطَهَارَتِهِ، قَالَ: هُوَ خَارِجٌ تُحَلِّلُهُ الشَّهْوَةُ، وَيَخْرُجُ أَمَامَهَا، فَأَشْبَهَ الْمَنِيَّ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي طَهَارَةِ الْمَذْيِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَنِيِّ، أَوْ رُطُوبَةٌ تُرْخِيهَا الْمَثَانَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا تَفَقَّدْتَ مَوَاقِعَ الْخِلَافِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَجَدْتَهَا نَازِعَةً إِلَى الشَّبَهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، فَإِنَّ غَالِبَ مَسَائِلِ الْخِلَافِ تَجِدُهَا وَاسِطَةً بَيْنَ طَرَفَيْنِ تَنْزِعُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِضَرْبٍ مِنَ الشَّبَهِ فَيَجْذِبُهَاَ أَقْوَى الشَّبَهَيْنِ إِلَيْهِ، فَإِنْ

стр. 1725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَعَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ، فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، بَلْ فِي أَيِّ الطَّرَفَيْنِ أَشْبَهُ بِهَا حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ جُمْلَةً مِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ فِي «الْقَوَاعِدِ الْكُبْرَى» وَ «تَلْخِيصِ الْحَاصِلِ» . وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ فَسَّرَ قِيَاسَ الشَّبَهِ بِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مَنَاطَانِ لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْمَلُ مِنَ الْآخَرِ، وَهَذَا نَحْوٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِمَا عُرِفَ الْمَنَاطُ فِيهِ قَطْعًا; غَيْرَ أَنَّهُ يَفْتَقِدُ فِي آحَادِ الصُّوَرِ إِلَى تَحْقِيقِهِ. ذَكَرَ هَذَيْنِ الْآمِدِيُّ; قَالَ: وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بِقِيَاسِ الدَّلَالَةِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هُوَ - يَعْنِي الشَّبَهَ - الْوَصْفُ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ لِذَاتِهِ، وَيَسْتَلْزِمُ الْمُنَاسِبَ لِذَاتِهِ، كَقَوْلِنَا، الْخَلُّ مَائِعٌ لَا تَنْبَنِي الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ، فَلَا تَزَالُ بِهِ النَّجَاسَةُ كَالدُّهْنِ، فَقَوْلُنَا: لَا تَنْبَنِي الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ لَيْسَ مُنَاسِبًا فِي ذَاتِهِ، لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُنَاسِبِ، إِذِ الْعَادَةُ أَنَّ الْقَنْطَرَةَ لَا تُبْنَى عَلَى الْأَشْيَاءِ الْقَلِيلَةِ، بَلْ عَلَى الْكَثِيرَةِ، كَالْأَنْهَارِ وَنَحْوِهَا، وَالْقِلَّةُ مُنَاسِبَةٌ لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّهَارَةِ بِمَا اتَّصَفَ بِهَا مِنَ الْمَائِعَاتِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ الْعَامَّ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ أَسْبَابُهُ عَامَّةَ الْوُجُودِ، إِذْ تَكْلِيفُ الْكُلِّ مَا لَا يَجِدُهُ إِلَّا الْبَعْضُ بَعِيدٌ عَنِ الْقَوَاعِدِ وَالْحِكْمَةِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِهَذَا إِذَا قَلَّ الْمَاءُ، وَاحْتِيجَ إِلَيْهِ، سَقَطَ حُكْمُهُ فِي اعْتِبَارِ الطَّهَارَةِ، وَعُدِلَ عَنْهُ إِلَى التَّيَمُّمِ. قَالَ الْقَاضِي: فَالْوَصْفُ إِمَّا مُنَاسِبٌ بِذَاتِهِ، أَوْ لَا، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُنَاسِبُ

стр. 1726

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُعْتَبَرُ، وَالثَّانِي، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِلْمُنَاسِبِ، أَوْ لَا، فَالْأَوَّلُ الشَّبَهُ، وَالثَّانِي الطَّرْدُ. قُلْتُ: هَذَا التَّقْسِيمُ يُشْبِهُ وَمُتَّجِهٌ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، لَكِنَّ تَمْثِيلَهُ لِمَا يَسْتَلْزِمُ الْمُنَاسِبَ بِقَوْلِهِ: مَائِعٌ لَا يُبْنَى عَلَى جِنْسِهِ الْقَنَاطِرُ فِيهِ وَمَا وُجِدَ بِهِ مُنَاسَبَتُهُ بِمَحَلٍّ بَعِيدٍ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ طَرْدٌ مَحْضٌ لَا مُنَاسِبٌ، وَلَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُنَاسِبِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: مَائِعٌ لَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ أَوْ لَا يُصَادُ مِنْهُ السَّمَكُ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْوَصْفِ الَّذِي يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ مِنْ غَيْرِ ظُهُورٍ لِوُجُودِهَا وَلَا عَدَمِهَا. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى اللَّفْظِ; غَيْرَ أَنَّ الْأَشْبَهَ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ هَذَا الْأَخِيرُ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مَعْنَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» فَهَذِهِ تَعْرِيفَاتٌ ذُكِرَتْ لِلشَّبَهِ، ذَكَرْنَاهَا تَكْمِلَةً لِلْفَائِدَةِ، ثُمَّ عُدْنَا إِلَى مَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» . قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: الْجَمْعُ» هَذَا تَعْرِيفٌ آخَرُ لِقِيَاسِ الشَّبَهِ، وَهُوَ: «الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ يُوهِمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى حِكْمَةٍ مَا» . وَقَالَ فِي «الرَّوْضَةِ» : عَلَى حِكْمَةِ الْحُكْمِ «مِنْ جَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ» وَهَذَا نَحْوٌ مِمَّا اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ، يَعْنِي الَّتِي اقْتَرَنَ بِهَا الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، لِأَنَّهَا «إِمَّا مُنَاسِبٌ مُعْتَبَرٌ» أَيْ: تَعَلُّمُ مُنَاسَبَتِهِ لِلْحُكْمِ، وَاعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ، لِأَجْلِ مُنَاسَبَتِهِ قَطْعًا، كَمُنَاسَبَةِ شِدَّةِ الْخَمْرِ لِلتَّحْرِيمِ، وَالْقَتْلِ لِلْقِصَاصِ، وَالْقَطْعِ لِلسَّرِقَةِ، وَالزِّنَا لِلْحَدِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُنَاسِبَةِ لِأَحْكَامِهَا،

стр. 1727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، أَوْ لَيْسَ مُنَاسِبًا وَلَا مُعْتَبَرًا، كَلَوْنِ الْخَمْرِ وَطَعْمِهَا، إِذْ لَا يُنَاسِبَانِ تَحْرِيمَهَا، وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّمَا قُتِلَ الْقَاتِلُ، وَحُدَّ السَّارِقُ وَالزَّانِي وَالْقَاذِفُ; وَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ، لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ، أَوْ أَبْيَضَ، أَوْ طَوِيلًا، أَوْ قَصِيرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا طَرْدٌ مَحْضٌ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُعَلِّقِ الْحُكْمَ عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ تَصَرُّفَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِ الْعُقَلَاءِ، وَهَذَا خَارِجٌ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ تَصَرُّفًا لَهُ، وَأَيْضًا لِإِلْفِنَا مِنْهُ فِي مَوَارِدِ تَصَرُّفِهِ وَمَصَادِرِهَا عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْوَصْفِ، فَهَذَانَ الطَّرَفَانِ مَعْلُومَا الْحُكْمِ. أَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ; وَهُوَ «مَا ظَنَّ» أَنَّهُ «مَظِنَّةٌ لِلْمَصْلَحَةِ» أَيْ: يُوهِمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى مَصْلَحَةِ الْحُكْمِ، وَظَنَنَّا أَنَّهُ مَظِنَّتُهَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِذَلِكَ، وَرَأَيْنَا الشَّارِعَ قَدِ اعْتَبَرَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَهَذَا هُوَ الشَّبَهِيُّ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَرَدُّدِهِ بِالشَّبَهِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَهُمَا الْمُنَاسِبُ وَالطَّرْدِيُّ ; لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّا لَمْ نَقْطَعْ بِانْتِفَاءِ مُنَاسَبَتِهِ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، بَلْ ظَنَنَّا ذَلِكَ فِيهِ أَشْبَهَ الْمُنَاسِبَ الْمَقْطُوعَ بِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّا لَمْ نَقْطَعْ بِمُنَاسَبَتِهِ وَاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ أَشْبَهَ الطَّرْدِيَّ الْمَقْطُوعَ بِخُلُوِّهِ عَنِ الْمُنَاسَبَةِ الْمَصْلَحِيَّةِ. وَذَلِكَ كَمَا أَلْحَقْنَا نَحْنُ وَالْحَنَفِيَّةُ «مَسْحَ الرَّأْسِ بِمَسْحِ الْخُفِّ فِي نَفْيِ» تَكْرَارِ الْمَسْحِ «لِكَوْنِهِ مَمْسُوحًا» فَقُلْنَا: مَمْسُوحٌ فِي الطَّهَارَةِ، فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهُ، كَمَسْحِ الْخُفِّ، وَأَلْحَقَهُ الشَّافِعِيُّ «بِبَاقِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي» إِثْبَاتِ التَّكْرَارِ «لِكَوْنِهِ أَصْلًا فِي الطَّهَارَةِ» فَقَالَ: مَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ فِي طَهَارَةِ الْوُضُوءِ، فَسَنَّ تَكْرَارَهُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِيَاسَيْنِ جَامِعٌ وَفَارِقٌ، إِذِ الْأَوَّلُ قِيَاسُ مَمْسُوحٍ عَلَى

стр. 1728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَمْسُوحٍ، فَالْمَسْحُ جَامِعٌ، وَلَكِنَّهُ قِيَاسُ أَصْلٍ عَلَى بَدَلٍ، فَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ، إِذْ مَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ فِي الْوُضُوءِ، وَمَسْحُ الْخُفِّ بَدَلٌ فِيهِ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَالثَّانِي قِيَاسُ أَصْلٍ عَلَى أَصْلٍ، فَهَذَا هُوَ الْجَامِعُ، لَكِنَّهُ قِيَاسُ مَمْسُوحٍ عَلَى مَغْسُولٍ، فَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: قَوْلُنَا فِي الْوُضُوءِ: طَهَارَةٌ، أَوْ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، أَوْ طَهَارَةٌ مُوجِبُهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ مُوجِبِهَا، فَاشْتُرِطَتْ لَهَا النِّيَّةُ كَالتَّيَمُّمِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِقَوْلِهِ: طَهَارَتَانِ، فَكَيْفَ يَفْتَرِقَانِ؟ ، وَهُوَ كَقَوْلِ الصِّدِّيقِ ﵁ لِأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. قُلْتُ هَذَا أَجْوَدُ مَا قَرَّرَ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَلِمَا قَرَّرَهُ الْغَزَالِيُّ بِمَعْنَاهُ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الْأُصُولِيُّونَ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ هَذَا، فَلَسْتُ أَدْرِي مَا الَّذِي أَرَادُوهُ، وَبِمَ فَصَلُوهُ عَنِ الطَّرْدِ الْمَحْضِ، وَعَنِ الْمُنَاسِبِ؟ ! قُلْتُ: حَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ الْوَصْفَ الشَّبَهِيَّ شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ مُرْتَفِعًا عَنِ الطَّرْدِيِّ، وَإِلَّا لَمْ يُعْتَبَرْ بِاتِّفَاقٍ، وَمُنْحَطًّا عَنِ الْمُنَاسِبِ، وَإِلَّا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَ الْمُنَاسَبَةَ، وَمَنِ اسْتَقْرَأَ أَقْيِسَةَ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِالشَّبَهِ، رَأَى أَقْيِسَتَهُمْ تَارَةً يَتَخَيَّلُ فِيهَا الِاشْتِمَالَ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ الْمَصْلَحِيَّةِ، وَتَارَةً لَا يَتَخَيَّلُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «فَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: فَالْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ الْوَصْفِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْمُنَاسِبُ، وَالطَّرْدِيُّ، وَالشَّبَهِيُّ. فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْع بِالْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ هُوَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ، كَثُبُوتِ التَّحْرِيمِ فِي النَّبِيذِ بِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَإِثْبَاتُ الْقِصَاصِ فِي الْمُثَقَّلِ بِعِلَّةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ

стр. 1729

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْعُدْوَانِ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا فِي الْمُحَدَّدِ، «وَكَذَلِكَ اتِّبَاعُ كُلِّ وَصْفٍ ظَهَرَ كَوْنُهُ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ» بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ إِلَّا اتِّبَاعَ مَنَاطِ الْحُكْمِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِهِ. «وَالثَّانِي: طَرْدِيٌّ» وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ يُعْلَمُ خُلُوُّهُ عَنِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَدَمُ الْتِفَاتِ الشَّرْعِ إِلَيْهِ كَمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَائِعٌ لَا يُبْنَى عَلَى جِنْسِهِ الْقَنَاطِرُ، أَوْ لَا يُصَادُ مِنْهُ السَّمَكُ، أَوْ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ السُّفُنُ، أَوْ لَا يَنْبُتُ فِيهِ الْقَصَبُ، أَوْ لَا يَعُومُ فِيهِ الْجَوَامِيسُ، أَوْ لَا يُزْرَعُ عَلَيْهِ الزُّرُوعُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ يُقَالُ: أَعْرَابِيٌّ أَوْ إِنْسَانٌ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قِيَاسًا عَلَى الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ. «وَالثَّالِثُ: الشَّبَهُ» أَيْ: قِيَاسُ الشَّبَهِ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِوَصْفِ شَبَهِيٍّ، وَهُوَ مَا نَزَلَ عَنِ الْمُنَاسِبِ وَارْتَفَعَ عَنِ الطَّرْدِيِّ، أَوْ مَا تَوَهَّمَ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَلَمْ يَقْطَعْ بِهَا فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَالْخِلَافُ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: كُلُّ قِيَاسٍ فَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَبَهٍ وَاطِّرَادٍ، إِذِ الْوَصْفُ فِي قِيَاسِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ يُشْبِهُ الْوَصْفَ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، وَالْمِثْلِيَّةُ أَخَصُّ مِنَ الْمُشَابَهَةِ، وَالْأَعَمُّ لَازِمٌ لِلْأَخَصِّ، كَوَصْفِ الْإِسْكَارِ فِي النَّبِيذِ هُوَ مُسَاوٍ لِوَصْفِ الْإِسْكَارِ فِي الْخَمْرِ فِي مَاهِيَّةِ الْإِسْكَارِ، وَهُوَ مُطَّرِدٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ قِيَاسُ الشَّبَهِ الْوَصْفُ فِيهِ مُطَّرِدٌ، إِذْ بِدُونِ الِاطِّرَادِ لَا يَكُونُ شَبَهًا مُعْتَبَرًا، وَإِذَا كَانَ كُلُّ قِيَاسٍ مُشْتَمِلًا عَلَى الشَّبَهِ وَالِاطِّرَادِ، فَلِمَ خُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ عَلَيْهِ، كَقِيَاسِ الْعِلَّةِ وَالطَّرْدِ وَالشَّبَهِ؟ . فَالْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا أُضِيفَ إِلَى أَخَصِّ صِفَاتِهِ وَأَقْوَاهَا، لِأَنَّ الْعِلِّيَّةَ أَخَصُّ صِفَاتِ الْمُنَاسِبِ الْمُؤَثِّرِ، وَالطَّرْدَ أَخَصُّ صِفَاتِ الطَّرْدِيِّ، وَالشَّبَهَ أَخَصُّ

стр. 1730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صِفَاتِ الشَّبَهِيِّ، وَهَذَا كَمَا يُقَسَّمُ الْجِسْمُ إِلَى نَبَاتِيٍّ وَحَيَوَانِيٍّ وَإِنْسَانِيٍّ إِضَافَةً لِكُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا إِلَى أَخَصِّ أَوْصَافِهِ، وَهِيَ النَّبَاتِيَّةُ فِي النَّبَاتِ، وَالْحَيَوَانِيَّةُ فِي الْحَيَوَانِ، وَالْإِنْسَانِيَّةُ فِي الْإِنْسَانِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَنْوَاعُ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ: الْمُؤَثِّرُ، ثُمَّ الْمُنَاسِبُ، ثُمَّ الشَّبَهُ، ثُمَّ الطَّرْدُ، فَأَدْنَاهَا الطَّرْدِيُّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُنْكِرَهُ كُلُّ قَائِلٍ بِالْقِيَاسِ، وَأَعْلَاهَا الْمُؤَثِّرِ وَهُوَ الَّذِي فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقِرَّ بِهِ كُلُّ مُنْكِرٍ لِلْقِيَاسِ. قَالَ: وَيُعْرَفُ كَوْنُ الْمُؤَثِّرِ مُؤَثِّرًا بِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ سَبْرٍ حَاصِرٍ. قَوْلُهُ: «وَفِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ» أَيْ: بِقِيَاسِ الشَّبَهِ «قَوْلَانِ لِأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ ﵄، وَالْأَظْهَرُ» - يَعْنِي مِنَ الْقَوْلَيْنِ - «نَعَمْ» أَيْ: يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ «لِإِثَارَتِهِ الظَّنَّ خِلَافًا لِلْقَاضِي» أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ. حُجَّةُ مَنْ صَحَّحَ التَّمَسُّكَ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُثِيرُ ظَنًّا غَالِبًا بِثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَكُلُّ مَا أَثَارَ ظَنًّا غَالِبًا، فَهُوَ مُتَّبَعٌ فِي الْعَمَلِيَّاتِ، فَالْقِيَاسُ الشَّبَهِيُّ مُتَّبَعٌ فِي الْعَمَلِيَّاتِ، وَلَا نَعْنِي بِصِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ إِلَّا هَذَا. بَيَانُ الْأُولَى; وَهِيَ إِثَارَتُهُ الظَّنَّ هُوَ أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا حُكْمًا ثَبَتَ فِي مَحَلٍّ مُشْتَمِلٍ عَلَى أَوْصَافٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّ تِلْكَ الْأَوْصَافَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ، ثُمَّ إِذَا رَأَيْنَا مَحَلًّا آخَرَ قَدْ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ أَوْ أَكْثَرُ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّ هَذَا الْمَحَلُّ كَذَلِكَ الْمَحَلُّ فِي اشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَحِينَئِذٍ

стр. 1731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّنَا اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُكْمِ. بَيَانُ الثَّانِيَةِ; وَهِيَ أَنَّ مَا أَثَارَ الظَّنَّ مُتَّبَعٌ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَنَحْوِهِمَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ التَّعَبُّدَ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَهُوَ مُعَلَّلٌ بِالْمَصْلَحَةِ، لَكِنَّ الْمَصْلَحَةَ لَا مَنْصُوصَ عَلَيْهَا، وَلَا ظَاهِرَةَ الْمُنَاسَبَةِ، فَتَعَيَّنَ اشْتِمَالُ أَوْصَافِ الْمَحَلِّ عَلَيْهَا، فَإِذَا شَارَكَ مَحَلَّ الْأَصْلِ مَحَلٌّ آخَرُ فِي تِلْكَ الْأَوْصَافِ، وَجَبَ إِلْحَاقُهُ بِهِ فِي الْحُكْمِ، لِغَلَبَةِ الظَّنِّ تَسَاوِيهِمَا فِيهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ فِي مَعْنَى الْأَوَّلِ. قَالَ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ الْحَوَارِيُّ فِي تَقْرِيرِ هَذَا: إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ حُكْمٍ يُثْبِتُهُ سِرًّا وَحِكْمَةً، فَهَذَا الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ لَا يَخْلُو عَنْ مَصْلَحَةٍ، وَلَا يُعْرَفُ غَيْرُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، وَفِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ أَوْصَافٌ يُعْرَفُ أَنَّ بَعْضَهَا لَا يَخْلُو عَنِ الْمَصْلَحَةِ قَطْعًا، وَيُوهِمُ اشْتِمَالُ الْبَعْضِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِمَا يُوهِمُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ; كَانَ هَذَا قِيَاسًا شَبَهِيًّا. مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ: حَرَّمَ الشَّارِعُ الرِّبَا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرَّمَهُ لِكَوْنِهِ مَكِيلًا، أَوْ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا، وَنَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَّمَهُ لِمَصْلَحَةٍ لَا نَعْلَمُ عَيْنَهَا، لَكِنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي ضِمْنِ الطُّعْمِ، لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الْمَصَالِحِ الْكَثِيرَةِ، لِكَوْنِهَا قِوَامَ الْعَالَمِ الْمُعِينَةَ عَلَى الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ الْكَيْلِ، إِذْ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ. قُلْتُ: هَذَا الْمِثَالُ صَحِيحٌ، لَكِنَّ تَعْلِيلَ التَّحْرِيمِ بِالطُّعْمِ الْمُتَضَمِّنِ لِمَصْلَحَةِ قِوَامِ الْعَالَمِ فَاسِدُ الْوَضْعِ، لِأَنَّ مَا كَانَ قِوَامًا لِلْعَالَمِ هُوَ مِنْ أَكْبَرِ النِّعَمِ

стр. 1732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَلَا يُنَاسِبُ التَّحْرِيمَ لِأَجْلِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ حَرَّمَ التَّفَاضُلَ تَحْصِيلًا لِلتَّنَاصُفِ فِي هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَدَفْعًا لِلتَّغَابُنِ فِيهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ صَحِيحًا مَنَاسِبًا، وَالتَّعْلِيلُ بِالْكَيْلِ أَنْسَبُ، لِأَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبَا نَفْيُ التَّغَابُنِ فِي الْأَمْوَالِ، وَأَكْلِهَا بِالْبَاطِلِ، فَإِضَافَتُهُ إِلَى مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ التَّفَاضُلُ وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ أَوْلَى. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّبَهِ وَالْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ يَتَعَيَّنُ فِيهَا الْمَصْلَحَةُ بِخِلَافِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ مُطْلَقَةٌ; يَعْنِي مُبْهَمَةً. قُلْتُ: وَحَاصِلُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ يُؤَثِّرُ فِي عَيْنِ الْمَصْلَحَةِ، وَالشَّبَهَ يُؤَثِّرُ فِي جِنْسِهَا، فَبَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ نَحْوُ مَا بَيْنَ الْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ وَالْمُلَائِمِ وَالْغَرِيبِ. حُجَّةُ الْقَاضِي فِي مَنْعِ التَّمَسُّكِ بِالشَّبَهِ وَهُوَ الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ - أَحْسَبُهُ عَبْدَ الْوَهَّابِ - ; وَهُوَ أَنَّ الدَّلِيلَ يَنْفِي الْعَمَلَ بِالظَّنِّ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النَّجْمِ: ٢٨] ; خَالَفْنَاهُ فِي قِيَاسِ الْمُنَاسَبَةِ لِلدَّلِيلِ الرَّاجِحِ وَالِاتِّفَاقِ، فَفِي قِيَاسِ الشَّبَهِ يَبْقَى عَلَى مُوجِبِ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ إِنَّمَا اجْتَمَعَتْ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ لَا عَلَى الشَّبَهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ حُجَّةً. وَأُجِيبُ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُعَارَضَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الْحَشْرِ: ٢] ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ نَوْعٌ مِنَ الِاعْتِبَارِ.

стр. 1733

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالثَّانِي: قَوْلُهُ ﵇: نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَقِيَاسُ الشَّبَهِ يُفِيدُ الظَّاهِرَ، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ عَمَلًا بِالنَّصِّ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ مُعَاذٍ ﵁ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَقَدْ صَوَّبَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَوَابًا. الرَّابِعُ: مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ دَلَالَةِ قِيَاسِ إِخْرَاجِ الْمَوْتَى مِنَ الْأَرْضِ عَلَى إِخْرَاجِ الْحَبِّ مِنْهَا عَلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ عِنْدَ ذِكْرِ أَدِلَّةِ أَصْلِ الْقِيَاسِ. الْخَامِسُ: أَنَّ الْقَاضِيَ خَالَفَ مَذْهَبَهُ حَيْثُ احْتَجَّ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ كَثِيرًا فِي «الْمُجَرَّدِ» وَ «التَّعْلِيقَةِ الْكُبْرَى» وَغَيْرِهِمَا. قَوْلُهُ: «وَالِاعْتِبَارُ بِالشَّبَهِ حُكْمًا لَا حَقِيقَةَ خِلَافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ، وَقِيلَ: بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَنَاطٌ لِلْحُكْمِ» . هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ «الرَّوْضَةِ» وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ إِذَا صَحَّ التَّمَسُّكُ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ، فَهَلِ الْمُعْتَبَرُ بِالشَّبَهِ الْحُكْمِيِّ، أَوْ بِالشَّبَهِ الْحَقِيقِيِّ، أَوْ بِمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ مَنَاطُ الْحُكْمِ مِنْهُمَا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: مِثَالُ الشَّبَهِ الْحُكْمِيِّ: شَبَهُ الْعَبْدِ بِالْبَهِيمَةِ فِي كَوْنِهِمَا مَمْلُوكَيْنِ، وَالْمِلْكُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ. وَمِثَالُ الشَّبَهِ الْحَقِيقِيِّ: شَبَهُهُ بِالْحُرِّ فِي كَوْنِهِمَا آدَمِيَّيْنِ وَهُوَ وَصْفٌ حَقِيقِيٌّ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: أَوْجَبَ ابْنُ عُلَيَّةَ الْجِلْسَةَ الْأُولَى قِيَاسًا عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْوُجُوبِ، وَهَذَا شَبَهٌ صُورِيٌّ لَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. مِثَالُ الثَّالِثِ: أَنَّا نَنْظُرُ فِي الْبِنْتِ الْمَخْلُوقَةِ مِنَ الزِّنَى، فَهِيَ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ ابْنَتُهُ، لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ، وَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، لِكَوْنِهَا لَا

стр. 1734

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا، وَلَا يَتَوَلَّاهَا فِي نِكَاحٍ وَلَا مَالٍ، وَيُحَدُّ بِقَذْفِهَا، وَيُقْتَلُ بِهَا، وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهَا، فَنَحْنُ أَلْحَقْنَاهَا بِبِنْتِهِ مِنَ النِّكَاحِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِهَا عَلَيْهِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ كَوْنُهَا مِنْ مَائِهِ، وَالشَّافِعِيُّ أَلْحَقَهَا بِالْأَجْنَبِيَّةِ فِي إِبَاحَتِهَا لَهُ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى الْحُكْمِيِّ، وَهُوَ انْتِفَاءُ آثَارِ الْوَلَدِ بَيْنَهُمَا شَرْعًا فَقَدْ صَارَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى اعْتِبَارِ الْوَصْفِ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَنَاطُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ الظَّنَّ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ أَبَدًا لِلشَّبَهِ حُكْمًا، وَلَا لِلشَّبَهِ حَقِيقَةً، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، فَيَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَارَةً، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَاعْلَمْ أَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاظِرُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ دُونَ الْمُنَاظِرِ لِخَصْمِهِ، لِأَنَّ الْخَصْمَ لَوْ مَنَعَ حُصُولَ الظَّنِّ مِنَ الْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ، لَاحْتَاجَ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى بَيَانِ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَلَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ. وَحِينَئِذٍ يَبْقَى قِيَاسُ الشَّبَهِ وَاسِطَةً لَاغِيَةً لَا أَثَرَ لَهَا.

стр. 1735

وَ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، إِذِ اشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ يُفِيدُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْعِلَّةِ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْحُكْمِ نَحْوَ: جَازَ تَزْوِيجُهَا سَاكِتَةً، فَجَازَ سَاخِطَةً كَالصَّغِيرَةِ، إِذْ جَوَازُ تَزْوِيجِهَا سَاكِتَةً دَلِيلُ عَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا، وَإِلَّا لَاعْتُبِرَ نُطْقُهَا الدَّالُّ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ وَإِنْ سَخِطَتْ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا. وَنَحْوَ: لَا يُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَى إِبْقَاءِ النِّكَاحِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى ابْتِدَائِهِ كَالْحُرِّ، فَعَدَمُ إِجْبَارِهِ عَلَى إِبْقَائِهِ دَلِيلُ خُلُوصِ حَقِّهِ فِي النِّكَاحِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى خَالِصِ حَقِّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ــ قَوْلُهُ: «وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ» هُوَ «الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ» إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرُ وَالْمُنَاسَبَةُ وَعَدَمُهَا يَنْقَسِمُ إِلَى الْمُنَاسِبِ، وَالشَّبَهِيِّ، وَالطَّرْدِيِّ، كَمَا سَبَقَ، وَمِنْ حَيْثُ التَّصْرِيحُ بِالْعِلَّةِ وَعَدَمُهُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَقِيَاسِ الدَّلَالَةِ، وَالْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، كَمَا سَبَقَ تَقْسِيمُهُ. فَقِيَاسُ الْعِلَّةِ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ، وَالْفَرْعِ بِعِلَّتِهِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالْخَمْرِ بِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ. وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ هُوَ مَا ذُكِرَ. وَالْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ: هُوَ مَا لَا فَارِقَ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ لَا أَثَرَ لَهُ. فَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ هُوَ «الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ» لِأَنَّ «اشْتِرَاكَهُمَا فِيهِ» - يَعْنِي اشْتِرَاكَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي دَلِيلِ الْعِلَّةِ - «يُفِيدُ

стр. 1736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْعِلَّةِ» لِأَنَّ الْمَدْلُولَ لَازِمُ الدَّلِيلِ، وَالدَّلِيلَ مَلْزُومٌ لَهُ، وَالِاشْتِرَاكَ فِي الْمَلْزُومِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي اللَّازِمِ، كَالِاشْتِرَاكِ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْحَيَوَانِيَّةِ، وَإِذَا اشْتَرَكَا فِي الْعِلَّةِ، اشْتَرَكَا فِي الْحُكْمِ عَمَلًا بِالْقِيَاسِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُنَا فِي جَوَازِ إِجْبَارِ الْبِكْرِ: «جَازَ تَزْوِيجُهَا سَاكِتَةً، فَجَازَ» تَزْوِيجُهَا «سَاخِطَةً كَالصَّغِيرَةِ» لِأَنَّ «جَوَازَ تَزْوِيجِهَا سَاكِتَةٌ» يَدُلُّ «عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا» إِذْ لَوِ اعْتُبِرَ رِضَاهَا، «لَاعْتُبِرَ نُطْقُهَا الدَّالُّ عَلَيْهِ» لَكِنَّ نُطْقَهَا لَمْ يُعْتَبَرْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رِضَاهَا لَا يُعْتَبَرُ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهَا، جَازَ تَزْوِيجُهَا «وَإِنْ سَخِطَتْ» إِذْ مَنْ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي أَمْرٍ; لَا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ذَلِكَ الْأَمْرِ عَلَى وَفْقِ اخْتِيَارِهِ أَوْ خِلَافِهِ، كَالْمَرْأَةِ لَمَّا لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهَا فِي الطَّلَاقِ، جَازَ عَدَمُهُ فِي حَقِّهَا بِاسْتِمْرَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ، وَوُجُودُهُ يَقْطَعُ نِكَاحَهَا بِهِ، فَقَدْ جَمَعَ فِي هَذَا الْقِيَاسِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْبِكْرِ الْكَبِيرَةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَاهُمَا، وَهُوَ تَزْوِيجُهُمَا سَاكِتَتَيْنِ، فَهُوَ قِيَاسُ دَلَالَةٍ لِذَلِكَ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُنَا: «لَا يُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَى» النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِبْقَائِهِ، يَعْنِي اسْتِدَامَتَهُ، «فَلَا يُجْبَرُ عَلَى ابْتِدَائِهِ كَالْحُرِّ، فَعَدَمُ إِجْبَارِهِ عَلَى» اسْتَدَامَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى خُلُوصِ حَقِّهِ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الْحَقُّ فِي النِّكَاحِ خَالِصًا لِلْعَبْدِ، لَمْ «يُجْبَرْ عَلَى خَالِصِ حَقِّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ» أَيْ: فِي اسْتَدَامَتِهِ وَابْتِدَائِهِ، كَمَا أَنَّ الْحُرَّ لَمَّا كَانَ النِّكَاحُ حَقًّا خَالِصًا لَهُ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةً وَلَا ابْتِدَاءً. وَاعْلَمْ أَنَّ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الِاسْتِدْلَالُ بِالْحُكْمِ عَلَى الْعِلَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالتَّزْوِيجِ مَعَ السُّكُوتِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الرِّضَى فِي حَقِّ الْبِكْرِ، وَبِعَدَمِ الْإِجْبَارِ

стр. 1737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى الْإِبْقَاءِ عَلَى عَدَمِ الْإِجْبَارِ عَلَى الِابْتِدَاءِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَكَقَوْلِنَا فِي الْوِتْرِ: يُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَيَكُونُ نَفْلًا، أَوْ فَلَا يَجِبُ، كَصَلَاةِ الضُّحَى، فَجَوَازُ الْأَدَاءِ عَلَى الرَّاحِلَةِ حُكْمُ النَّفْلِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ عِلَّتِهِ فِي الْوِتْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ أَثَرُ الْعِلَّةِ وَمَلْزُومُهَا، فَدَلَّ عَلَيْهَا دَلَالَةَ الْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ، وَالْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: الِاسْتِدْلَالُ بِأَحَدِ أَثَرَيِ الْمُؤَثِّرِ عَلَى الْآخَرِ، وَيُقَالُ: بِإِحْدَى نَتِيجَتَيْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْأُخْرَى، وَهُوَ مَعْنَى الْأَوَّلِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: قَوْلُنَا: الْقَطْعُ وَالْغُرْمُ يَجْتَمِعَانِ عَلَى السَّارِقِ، أَيْ: إِذَا سَرَقَ عَيْنًا فَفَاتَتْ فِي يَدِهِ، قُطِعَ بِهَا، وَغَرِمَ قِيمَتَهَا، لِأَنَّهَا عَيْنٌ يَجِبُ رَدُّهَا مَعَ بَقَائِهَا، فَوَجَبَ ضَمَانُهَا مَعَ فَوَاتِهَا، كَالْمَغْصُوبِ، لِأَنَّ وُجُوبَ رَدِّهَا مَعَ بَقَائِهَا دَلَّ عَلَى وُجُودِ عِلَّةِ وُجُوبِ الرَّدِّ، إِذِ الْوَاجِبُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، وَالضَّمَانُ عِنْدَ التَّلَفِ رَدٌّ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَتِلْكَ الْعِلَّةُ تُنَاسِبُهُ، وَقَدْ ظَهَرَ اعْتِبَارُهَا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَغْصُوبُ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِقَامَةُ الْعَدْلِ بِرَدِّ الْحَقِّ، أَوْ بَدَلِهِ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الْمُكْرَهِ: يَأْثَمُ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ الْقَتْلُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَالْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ عَلَيْهِمَا وَهُوَ الشَّافِعِيُّ، فَالْإِثْمُ وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ أَثَرَانِ لِلْقَتْلِ، ثُمَّ إِنَّ وُجُودَ الْإِثْمِ يَدُلُّ عَلَى عِلَّةِ التَّأْثِيمِ، وَعِلَّةُ التَّأْثِيمِ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَثِمَ بِالْقَتْلِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ حِفْظَ الْمَحَلِّ مِنَ الْقَتْلِ بِالتَّأْثِيمِ، وَإِيجَابِ الْقِصَاصِ يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ وَقَدْ ظَهَرَ اعْتِبَارُهُ فِي الْأَصْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ صُوَرِ الْقَتْلِ.

стр. 1738

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ تَارَةً يَكُونُ اسْتِدْلَالًا بِأَثَرِ الْعِلَّةِ الْمُفْرَدِ عَلَيْهَا بِلَا وَاسِطَةٍ، وَتَارَةً بِأَحَدِ أَثَرَيْهَا عَلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْأَثَرِ الْآخَرِ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، فَهُوَ مَا سَاوَى الْأَصْلَ فِيهِ الْفَرْعُ مِنْ غَيْرِ فَارِقٍ، أَوْ مَعَ فَارِقٍ غَيْرِ مُؤَثِّرٍ. مِثَالُ الْأَوَّلِ: قِيَاسُ الْمَاءِ الَّذِي صُبَّ فِيهِ الْبَوْلُ مِنْ إِنَاءٍ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي بَالَ فِيهِ شَخْصٌ. وَمِثَالُ الثَّانِي: قِيَاسُ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ، وَإِلْغَاءِ فَارِقِ الذُّكُورِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمِثَالُ الْأَوَّلُ رَاجِعٌ إِلَى إِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَيْضًا لَا إِلَى انْتِفَائِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، إِذْ صَبُّ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ فِي الْفَرْعِ كَيْفِيَّةٌ يُفَارِقُ بِهَا الْأَصْلَ، لَكِنَّهَا مُلْغَاةٌ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمُوهَا قِسْمَيْنِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْفَارِقَ فِي صُورَةِ الْعِتْقِ بِالذُّكُورِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ تُقَرَّرَ مُنَاسَبَتُهُ عَلَى مَا سَبَقَ، بِخِلَافِ الْفَارِقِ فِي صُورَةِ الْبَوْلِ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَرَّرَ لَهُ مُنَاسَبَةٌ. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ يَنْقَسِمُ إِلَى قَطْعِيٍّ - كَمَا ذَكَرْنَا -، وَإِلَى ظَنِّيٍّ، كَقِيَاسِ إِضَافَةِ الطَّلَاقِ إِلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ عَلَى إِضَافَتِهِ إِلَى جُزْءٍ شَائِعٍ، كَقِيَاسِ قَوْلِهِ: يَدُكِ طَالِقٌ، عَلَى قَوْلِهِ: نِصْفُكِ أَوْ ثُلْثُكِ أَوْ رُبُعُكِ طَالِقٌ، لِأَنَّ هَذَا جُزْءٌ وَهَذَا جُزْءٌ، إِذِ الْفَرْقُ فِي هَذَا يَحْتَمِلُ التَّأْثِيرَ بِأَنَّ الْجُزْءَ الشَّائِعَ جُعِلَ مَحَلًّا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ كَالْبَيْعِ وَالرَّهْنِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ، بِخِلَافِ الْفَرْقِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ تَأْثِيرَهُ لَا يَظْهَرُ.

стр. 1739

تَنْبِيهٌ: حَيْثُ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ أَمَارَةٌ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وَصْفًا عَارِضًا، كَالشِّدَّةِ فِي الْخَمْرِ، وَلَازِمًا ; كَالنَّقْدِيَّةِ وَالصِّغَرِ، وَفِعْلًا; كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ، وَحُكْمًا شَرْعِيًّا نَحْوَ: تَحْرُمُ الْخَمْرُ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا; كَالْمَيْتَةِ، وَمُفْرَدًا وَمُرَكَّبًا وَمُنَاسِبًا وَغَيْرَ مُنَاسِبٍ وَوُجُودِيًّا وَعَدَمِيًّا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ حُكْمِهَا، كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ لِعِلَّةِ رِقِّ الْوَلَدِ. وَلَا تَنْحَصِرُ أَجْزَاؤُهَا فِي سَبْعَةِ أَوْصَافٍ، خِلَافًا لِقَوْمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ــ قَوْلُهُ: «تَنْبِيهٌ: حَيْثُ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ أَمَارَةٌ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا ذِكْرُ أَحْكَامِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا يَجُوزُ فِيهَا وَمَا لَا يَجُوزُ، وَقَوْلُهُ: «حَيْثُ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ» : لَمَّا كَانَتِ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ «أَمَارَةً» جَازَ فِيهَا مَا ذُكِرَ مِنَ الْأُمُورِ، لِأَنَّهَا مَعْرِفَةٌ لِلْحُكْمِ، لَا مُوجِبَةٌ لَهُ، وَالْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا لَا تُنَافِي كَوْنَهَا مَعْرِفَةً، إِذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْعَلَ الشَّارِعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ عَلَمًا عَلَى الْحُكْمِ. فَمِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ: «أَنْ تَكُونَ» الْعِلَّةُ «وَصْفًا عَارِضًا، كَالشِّدَّةِ فِي الْخَمْرِ» هِيَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ، وَهِيَ وَصْفٌ عَارِضٌ، لِأَنَّهُ عَرَضَ لِلْعَصِيرِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.

стр. 1740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ وَصْفًا «لَازِمًا كَالنَّقْدِيَّةِ» فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَيْ: كَوْنُهُمَا نَقْدًا، أَيْ: عِوَضًا يُنْقَدُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُعَاوَضَاتِ بِالْأَصَالَةِ، وَلَا جَرَمَ مَنْ صَحَّحَ التَّعْلِيلَ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ عَلَّلَ تَحْرِيمَ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ بِالنَّقْدِيَّةِ. وَأَمَّا الصِّغَرُ، فَقَدْ عَلَّلَ بِهِ ثُبُوتَ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ، وَالْإِجْبَارِ فِي النِّكَاحِ، وَجَعَلَهُ فِي «الرَّوْضَةِ» مِنْ قَبِيلِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ كَالنَّقْدِيَّةِ، وَهُوَ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، إِذِ الصِّغَرُ كَالْوَاسِطَةِ بَيْنَ الْعَارِضِ وَاللَّازِمِ، لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَصْلٌ فِي الصَّغِيرِ لَمْ يَعْرِضْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ أَشْبَهَ النَّقْدِيَّةَ فِي اللُّزُومِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَزُولُ بِالْكِبَرِ أَشْبَهَ الشِّدَّةَ الْمُسْكِرَةَ فِي الْعُرُوضِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْأَوْصَافِ الْعُرْفِيَّةِ كَالشَّرَفِ الْمُنَاسِبِ لِلتَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ، وَتَحْرِيمِ الْإِهَانَةِ وَالْخِسَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لِأَضْدَادِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ «فِعْلًا، كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ» عُلِّلَ بِهِمَا الْقِصَاصُ وَالْقَطْعُ. وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ «حُكْمًا شَرْعِيًّا، نَحْوَ» قَوْلِنَا: «تَحْرُمُ الْخَمْرُ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا كَالْمَيْتَةِ» فَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا التَّحْرِيمُ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عُلِّلَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ فَسَادُ الْبَيْعِ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ. لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْعَلَ الشَّارِعُ بَعْضَ أَحْكَامِهِ مُعَرِّفَاتٍ لِبَعْضٍ، وَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ مُعَرِّفَاتٌ. احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ شَأْنَ الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا، فَلَوْ جُعِلَ عِلَّةً، لَأَفْضَى إِلَى

стр. 1741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَلْبِ الْحَقَائِقِ بِجَعْلِ الْعِلَّةِ مَعْلُولًا وَالْمَعْلُولِ عِلَّةً. الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الْحُكْمِيَّةِ، فَجَعْلُ أَحَدِهِمَا عِلَّةً دُونَ الْآخَرِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا نَقُولُ، إِذِ الْحُكْمُ مَعْلُولٌ لِعِلَّتِهِ، وَعِلَّةٌ لِمَعْلُولِهِ، فَيَكُونُ عِلَّةً وَمَعْلُولًا بِالْإِضَافَةِ، إِذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُنَاسِبًا لِتَعْرِيفِ حُكْمٍ آخَرَ، وَذَلِكَ الْآخَرُ مُنَاسِبٌ لِتَعْرِيفِ حُكْمٍ آخَرَ، كَقَوْلِنَا فِي الْخَمْرِ: نَجِسٌ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، كَالْمَيْتَةِ، ثُمَّ نَقُولُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، كَالْحُرِّ، فَالنَّجَاسَةُ أَثَّرَتْ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ، وَعَدَمُ جَوَازِ الْبَيْعِ عَرَّفَ عَدَمَ جَوَازِ الرَّهْنِ. وَعَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي: بِمَنْعِ كَوْنِهِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ بَلِ الْمُرَجِّحُ الْمُنَاسَبَةُ، وَالنَّجَاسَةُ مُنَاسِبَةٌ لِلتَّحْرِيمِ فِي قَوْلِنَا: نَجِسٌ فَيُحَرَّمُ، وَلَوْ عَكَسْنَا فَقُلْنَا: حَرَامٌ فَيُنَجَّسُ; لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُنَاسِبْ، إِذِ الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ يَحْرُمُ لَبْسُهُمَا، وَلَيْسَا نَجِسَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا «مُفْرَدًا» كَقَوْلِنَا فِي اللِّوَاطِ: زِنًا، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَنْ تَكُونَ وَصْفًا «مُرَكَّبًا» كَقَوْلِنَا: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ، فَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ كَالْمُثَقَّلِ، فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ، وَخَالَفَ قَوْمٌ فِي جَوَازِهِ. لَنَا: أَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّرْكِيبِ، فَيَتَعَيَّنُ اعْتِبَارُهُ، كَمَا تَتَوَقَّفُ مُنَاسَبَةُ الْقَوَدِ فِي الْقَتْلِ عَلَى كَوْنِهِ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِّ فِي الزِّنَا عَلَى

стр. 1742

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَوْنِهِ عَالَمًا مُخْتَارًا، وَاحْتَجَّ الْخَصْمُ بِمَا لَا حَاصِلَ لَهُ وَهُوَ شَبِيهُ السَّفْسَطَةِ، فَلَمْ نَرَ الْإِطَالَةَ بِذِكْرِهِ. وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا «مُنَاسِبًا» كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ، وَالرِّدَّةِ وَالسُّكْرِ لِأَحْكَامِهَا، «وَغَيْرُ مُنَاسِبٍ» كَالرِّدَّةِ وَأَكَلِ لَحْمِ الْجَزُورِ وَمَسِّ الْفَرْجِ مَعَ عَدَمِ الشَّهْوَةِ لِنَقْضِ الْوُضُوءِ. وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ وَصْفًا «وُجُودِيًّا» كَمَا ذَكَرَ، وَكَقَوْلِنَا: جَازَ بَيْعُهُ، فَجَازَ رَهْنُهُ، «وَعَدَمِيًّا» كَقَوْلِنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، وَفِي الْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمْعَةُ، فَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ، وَفِي الْعَبْدِ لَا يَلِي أَمْرَ وَلَدِهِ فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِلَّةَ «يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ حُكْمِهَا، كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ، لِعِلَّةِ رِقِّ الْوَلَدِ» فَإِنَّ رِقَّ الْوَلَدِ وَصْفٌ قَائِمٌ بِهِ، أَوْ مَعْنًى إِضَافِيٌّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ، وَتَحْرِيمَ نِكَاحِ الْأَمَةِ وَصْفٌ قَائِمٌ بِالنِّكَاحِ، أَوْ مَعْنًى مُضَافٌ إِلَيْهِ، فَبِالْجُمْلَةِ رِقُّ الْوَلَدِ لَيْسَ فِي مَحَلِّ تَحْرِيمِ النِّكَاحِ. وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ عَلَى أَحْكَامِهِ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَوْصَافُ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ أَمَارَاتٍ عَلَى الْأَحْكَامِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِ ذَلِكَ مَحَالٌّ، وَلَا مَنَعَ مِنْهُ سَمْعٌ، وَقَدْ سَاعَدَ ذَلِكَ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَمِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَلَا أَصْلِهِ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِمَحَلِّهِ، كَتَعْلِيلِ

стр. 1743

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِكَوْنِهِ خَمْرًا، وَتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ بِكَوْنِهِ بُرًّا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا. وَخَرَّجَهُ الْإِمَامُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، لِأَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمَحَلِّ، كَالنَّقْدِيَّةِ الْقَاصِرَةِ عَلَى النَّقْدِ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، وَالْعِلَّةُ الْقَاصِرَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمَحَلِّ، لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ، كَالْخَمْرِ وَالْبُرِّ، وَالْعِلَّةُ الْقَاصِرَةُ قَدْ تَكُونُ وَصْفًا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مَحَلُّ النَّصِ لَمْ يُوضَعْ لَهُ اللَّفْظُ كَالنَّقْدِيَّةِ، فَكُلُّ مَحَلٍّ عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ عِلَّةٍ قَاصِرَةٍ مَحَلًّا. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالِاسْمِ. ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ، وَلَمْ يُفْصِحْ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّعْلِيلِ بِالْمَحَلِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ الِاسْمَ بِمَجْرَدِهِ طَرْدِيٌّ مَحْضٌ وَالشَّرَائِعُ شَأْنُهَا رِعَايَةُ الْمَصَالِحِ. قُلْتُ: فَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التَّعْلِيلَ بِالِاسْمِ الْجَامِدِ الَّذِي لَا يُنْبِئُ عَنْ صِفَةٍ مُنَاسِبَةٍ تَصْلُحُ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهَا بِخِلَافِ الْخَمْرِ الدَّالِّ عَلَى التَّخْمِيرِ الْمُنَاسِبِ لِلتَّحْرِيمِ، وَهَذَا يُشْكِلُ بِالْبُرِّ، فَإِنَّهُ قَدْ جَازَ التَّعْلِيلُ بِهِ وَهُوَ جَامِدٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التَّعْلِيلَ بِالتَّسْمِيَةِ، نَحْوَ: حَرُمَتِ الْخَمْرُ لِتَسْمِيَتِهَا خَمْرًا، وَالتَّفَاضُلُ فِي الْبُرِّ لِتَسْمِيَتِهِ بُرًّا وَنَحْوَ ذَلِكَ، إِذِ التَّسْمِيَةُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا، بِخِلَافِ الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْمَحَلِّ بِإِشَارَتِهِ إِلَيْهِ، أَوْ تَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا الْتَفَتَ الْكَلَامُ هُنَا إِلَى الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى، فَمَنْ قَالَ: هُمَا وَاحِدٌ، أَوْ مُتَغَايِرَانِ، وَالْمُرَادُ الْمُسَمَّى الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الِاسْمِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْعِلَلِ،

стр. 1744

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا، أَوْ مُنَاسِبًا، عُلِّلَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَمَنْ أَرَادَ الِاسْمَ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ، لَمْ يُعَلِّلْ بِهِ قَطْعًا. وَإِذَا كَانَ الْوَصْفُ مُنْضَبِطًا، فَالتَّعْلِيلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْضَبِطًا، فَهَلْ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِحِكْمَتِهِ وَهِيَ الَّتِي لِأَجْلِهَا صَارَ الْوَصْفُ عِلَّةً، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: هِيَ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ التَّعْلِيلِ ; وَهِيَ جَلْبُ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، كَحِفْظِ الْمَالِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسَبِ، الَّذِي جَعَلَ وَصْفَ السُّكْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا عِلَّةً لِوُجُوبِ الْحَدِّ لِتَحْصِيلِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. حُجَّةُ مَنْ أَجَازَهُ هُوَ أَنَّ الْوَصْفَ وَسِيلَةٌ وَالْحِكْمَةَ مَقْصَدٌ، وَإِذَا جَازَ التَّعْلِيلُ بِالْوَسِيلَةِ، فَبِالْمَقْصَدِ نَفْسِهِ أَوْلَى. حُجَّةُ مَنْ مَنَعَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَوْ جَازَ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ ، لَامْتَنَعَ بِالْوَصْفِ، إِذِ الْأَصْلُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهِ، وَالْحِكْمَةُ لَيْسَتْ مُتَعَذِّرَةً، لَكِنْ قَدْ جَازَ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ مَعَ وُجُودِ الْحِكْمَةِ وَإِمْكَانِ اعْتِبَارِهَا اتِّفَاقًا، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ جَازَ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ، لَزِمَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ عِلَّتِهِ، وَهُوَ نَقْضٌ لَهَا، وَخِلَافُ الْأَصْلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَبَيَانُ ذَلِكَ بِمِثَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَصْفَ الرِّضَاعِ سَبَبُ تَحْرِيمِ النِّكَاحِ، وَحِكْمَتُهُ صَيْرُورَةُ جُزْءِ الْمُرْضِعَةِ - وَهُوَ لَبَنُهَا - جُزْءًا لِلرَّضِيعِ أَشْبَهَ مِنْهُ الَّذِي صَارَ جُزْءًا لِوَلَدِهَا الْحَقِيقِيِّ، فَحَرُمَ عَلَيْهَا الرَّضِيعُ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَهَذَا سِرُّ قَوْلِهِ ﵇:

стр. 1745

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرَّضَاعُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ثُمَّ إِنَّ صَبِيًّا أَجْنَبِيًّا لَوْ أَكَلَ قِطْعَةً مِنْ لَحْمِ امْرَأَةٍ حَتَّى صَارَتْ جُزْءًا لَهُ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهَا، مَعَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الرَّضَاعِ مَوْجُودَةٌ. الْمِثَالُ الثَّانِي: أَنَّ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الزِّنَا حِفْظُ الْأَنْسَابِ مِنَ الِاخْتِلَاطِ وَالضَّيَاعِ، فَلَوْ عَلَّلْنَا التَّحْرِيمَ وَوُجُوبَ الْحَدِّ بِهَا، لَزِمَ أَنَّ مَنْ فَرَّ بِصِبْيَانٍ صِغَارٍ عَنْ آبَائِهِمْ، وَغَيَّبَهُمْ عَنْهُمْ حَتَّى صَارُوا رِجَالًا، وَلَمْ يَعْرِفْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَاشْتَبَهَتْ أَنْسَابُهُمْ، لَزِمَهُ الْحَدُّ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. قُلْتُ: الْمَسْأَلَةُ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالْأَشْبَهُ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ. وَالْجَوَابُ عَنْ حُجَّةِ الْمَانِعِينَ يَسْتَدْعِي طُولًا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِلْفَطِنِ. قَوْلُهُ: «وَلَا تَنْحَصِرُ» أَيْ: حَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ الْعِلَّةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِنْ أَوْصَافٍ، فَلَا تَنْحَصِرُ «أَجْزَاؤُهَا فِي» خَمْسَةِ أَوْ «سَبْعَةِ أَوْصَافٍ، خِلَافًا لِقَوْمٍ» مِنَ الْأُصُولِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ: تَنْحَصِرُ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّ حُجَّتَهُمُ الْقِيَاسُ عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ الذَّاتِيَّةِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَحْصُرُهَا فِي سَبْعٍ: الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالْحَيَاةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ عَلَى خِلَافٍ بَيْنِهِمْ فِي ذَلِكَ.

стр. 1746

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَلَنَا: أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الشَّرْعِيَّةَ كَمَا تَحْصُلُ بِالْوَصْفِ الْوَاحِدِ، وَتَقِفُ عَلَيْهِ، فَقَدْ تَقِفُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْصَافٍ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، وَقِيَاسُهَا عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ انْحِصَارَ صِفَاتِهِ فِي عَدَدٍ مَعْلُومٍ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ. قُلْنَا: الْتِزَامُ عَدَمِ التَّنَاهِي فِيهَا كَذَاتِهِ . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ صِفَاتِ الْبَارِئِ ﷻ وَاجِبَةٌ، وَأَوْصَافَ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مُمْكِنَةٌ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ لِكَثْرَةِ الْفُرُوقِ الْمُؤَثِّرَةِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ أَوْصَافَ عِلَّةِ الشَّرْعِ تُوجِبُ حُكْمًا حَادِثًا فِي مَحَالِّهَا، بِخِلَافِ صِفَاتِ اللَّهِ لِتَنَزُّهِ ذَاتِهِ عَنْ لُحُوقِ الْحَوَادِثِ لَهَا عَلَى مَا زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

стр. 1747

وَيَجْرِي الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. لَنَا: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي السَّكْرَانِ: إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَيُحَدُّ حَدَّ الْمُفْتَرِي; وَهُوَ قِيَاسٌ سَبَبِيٌّ، وَلِأَنَّ مَنْعَ الْقِيَاسِ إِنْ كَانَ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى، فَتَحَكُّمٌ وَتَشَهٍّ، وَإِلَّا فَوِفَاقٌ، وَلِأَنَّهُ مُفِيدٌ لِلظَّنِّ، وَهُوَ مُتَّبَعٌ شَرْعًا. قَالُوا: الْكَفَّارَاتُ وَالْحُدُودُ شَرْعًا لِلزَّجْرِ وَتَكْفِيرِ الْمَأْثَمِ، وَالْقَدْرُ الْحَاصِلُ بِهِ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَالْقِيَاسُ شُبْهَةٌ لِظَنِّيَّتِهِ. وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّا لَا نَقِيسُ إِلَّا حَيْثُ يَحْصُلُ الظَّنُّ فَيَتْبَعُ. وَعَنِ الثَّانِي: بِالنَّقْضِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالشَّهَادَةِ وَالظَّوَاهِرِ وَالْعُمُومَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ــ قَوْلُهُ: «وَيَجْرِي الْقِيَاسُ» أَيْ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ «فِي الْأَسْبَابِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ» . قُلْتُ: هَذِهِ تُرْسَمُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: إِجْرَاءُ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَصُورَتُهُ: إِثْبَاتُ كَوْنِ اللِّوَاطِ سَبَبًا لِلْحَدِّ قِيَاسًا عَلَى الزِّنَا. قُلْتُ: وَكَذَا الْكَلَامُ فِي النَّبَّاشِ وَالنَّبِيذِ. قَوْلُهُ: «لَنَا: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى الْقِيَاسِ» إِلَى آخِرِهِ.

стр. 1748

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذِهِ حُجَّةُ مَنْ أَجَازَ الْقِيَاسَ فِي الْأَسْبَابِ، وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَاسِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ، وَلَا تَفْصِيلَ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عُمُومَ جَوَازِهِ فِيهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: «أَنَّهُمْ قَالُوا فِي السَّكْرَانِ» : إِنَّهُ «إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى» فَيَجِبُ عَلَيْهِ «حَدُّ الْمُفْتَرِي، وَهُوَ قِيَاسٌ سَبَبِيٌّ» أَيْ: قِيَاسٌ فِي الْأَسْبَابِ، لِأَنَّ الْقَذْفَ سَبَبُ حَدِّ الْقَاذِفِ ثَمَانِينَ، وَقَدْ قَاسُوا عَلَيْهِ السُّكْرَ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِذَلِكَ، وَالَّذِي أَنْشَأَ هَذَا الْقِيَاسَ عَلِيٌّ ﵁ بِحَضْرَةِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّهُمْ لَمَّا وَافَقُوا عَلَيْهِ وَصَارُوا إِلَيْهِ، نُسِبَ إِلَيْهِمْ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ «مَنْعَ الْقِيَاسِ» فِي الْأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَهُوَ تَحَكُّمٌ مِنَ الْخَصْمِ، حَيْثُ أَجَازَ الْقِيَاسَ لِأَجْلِ فَهْمِ الْجَامِعِ فِي غَيْرِ الْأَسْبَابِ، وَمَنْعِهِ فِيهَا، إِذْ لَيْسَ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَهُوَ وِفَاقٌ مِنَّا وَمِنْهُمْ، لِأَنَّنَا حَيْثُ لَا نَفْهَمُ الْمَعْنَى الْجَامِعَ الْمُصَحِّحَ لِلْقِيَاسِ لَا نَقِيسُ. الْوَاجِهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْأَسْبَابِ وَنَحْوِهَا بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ «مُفِيدٌ لِلظَّنِّ» وَالظَّنُّ «مُتَّبَعٌ شَرْعًا» فَهَذَا الْقِيَاسُ مُتَّبَعٌ شَرْعًا، فَيَكُونُ حُجَّةً، وَنَظْمُ هَذَا الدَّلِيلِ وَمُقَدِّمَاتُهُ ظَاهِرَةٌ. قَوْلُهُ: «قَالُوا» إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ الْمَانِعِينَ، وَهِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 1749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَالْحَدَّ «شُرِعَا لِلزَّجْرِ وَتَكْفِيرِ الْمَأْثَمِ» الْحَاصِلِ بِالْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْحَدِّ، كَالْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْإِفْطَارِ وَنَحْوِهَا، «وَالْقَدْرُ» الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ وَالتَّكْفِيرُ «غَيْرُ مَعْلُومٍ» حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ غَيْرُهُ بِالْقِيَاسِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قِيَاسًا عَلَى أَمْرٍ مَجْهُولٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَالْحُدُودَ شُرِعَتْ لِحُكْمٍ، لَكِنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، لِأَنَّهَا مَقَادِيرُ مِنَ الْحَاجَاتِ، وَإِنَّمَا الْمُنْضَبِطُ الْأَوْصَافُ، وَلِهَذَا تَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَى سَبَبِهِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ حِكْمَتُهُ، كَقَطْعِ السَّارِقِ، وَإِنْ لَمْ يَتْلَفِ الْمَالُ بِأَنْ أُخِذَ مِنَ السَّارِقِ، وَحَدِّ الزَّانِي وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِطِ النَّسَبُ بِأَنْ كَانَتْ عَقِيمًا، أَوْ حَاضَتْ، فَلَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ، وَإِذَا كَانَتِ الْحِكْمَةُ غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ، لَمْ يَجُزِ الْجَمْعُ بِهَا، لِأَنَّ الْجَمْعَ بِغَيْرِ الْمُنْضَبِطِ جَهَالَةٌ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ» عَمَلًا بِالنَّصِّ، «وَالْقِيَاسُ شُبْهَةُ لِظَنِّيَّتِهِ» أَيْ: لِكَوْنِهِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَهُ. قَوْلُهُ: «وَأُجِيبُ عَنِ الْأَوَّلِ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ. أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ، «فَبِأَنَّا لَا نَقِيسُ إِلَّا حَيْثُ يَحْصُلُ» لَنَا «الظَّنُّ» بِالْقِيَاسِ، وَإِذَا حَصَلَ الظَّنُّ بِهِ، كَانَ مُتَّبِعًا لِمَا سَبَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَسَوَاءٌ انْضَبَطَتِ الْحِكْمَةُ أَوْ لَمْ تَنْضَبِطْ، وَغَايَةُ مَا يُقَدَّرُ أَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ عَدَمِ انْضِبَاطِ الْحِكْمَةِ خَطَأٌ، لَكِنَّا مَعَ حُصُولِ ظَنِّ الصَّوَابِ لَنَا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الِاجْتِهَادِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇:

стр. 1750

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي، فَبِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ «بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالشَّهَادَةِ، وَالظَّوَاهِرِ وَالْعُمُومَاتِ» فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ، وَقَدْ ثَبَتَ بِهِ الْحَدُّ. وَقِيَاسُ قَوْلِكُمْ، إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ. هَذَا آخِرُ مَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» مِنْ أَدِلَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مُنْتَظِمَةٌ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَاقْتَضَاهُ تَرْتِيبُهُ وَلَفْظُهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ فِي الشَّرْحِ: جَرَيَانُ الْقِيَاسِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ ، وَالْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، كَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ، وَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَالرَّكَعَاتِ، وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَنَحْوِهَا، وَحَدِّ الزَّانِي وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْقَصَّارِ وَالْبَاجِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَكْثَرِ النَّاسِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. لَنَا: مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَمِنْ أَنَّا إِذَا فَهِمْنَا مَنَاطَ الْحُكْمِ، وَأَفَادَنَا الْقِيَاسُ الظَّنَّ، قِسْنَا، وَإِلَّا فَلَا. احْتَجَّ الْخَصْمُ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ بِأَنَّ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ لَا يُعْقَلُ مَعْنَى اخْتِصَاصِهَا بِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ دُونَ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ أَوْ أَدْنَى، كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عِشْرِينَ

стр. 1751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثْقَالًا دُونَ تِسْعَةَ عَشَرَ أَوْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ، وَإِيجَابِ مِائَةٍ فِي الْحَدِّ دُونَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ سَوْطًا أَوْ مِائَةً وَسَوْطٍ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ دُونَ يَوْمَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَصِيَامِ سِتِّينَ يَوْمًا فِي الظِّهَارِ وَنَحْوِهِ دُونَ أَحَدٍ وَسِتِّينَ، أَوْ تِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ، وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ التَّخْصِيصَاتُ لَا يُعْقَلُ تَعَذُّرُ الْقِيَاسِ فِيهَا، إِذِ الْقِيَاسُ فَرْعُ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى، وَإِذَا انْتَفَى الْأَصْلُ، انْتَفَى الْفَرْعُ. وَالْجَوَابُ بِمَا سَبَقَ مَنْ أَنَّا حَيْثُ لَا نَفْهَمُ الْمَعْنَى، لَا نَقِيسُ. قُلْتُ: فَكَأَنَّ النِّزَاعَ صَارَ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ جَوَازُ فَهْمِ الْمَعْنَى فِي الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا، فَنَحْنُ نَقُولُ: يَجُوزُ فَهْمُهُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا، فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا إِذَا تَحَقَّقَ مَنَاطُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْهَمَ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ لِتَعَذُّرِ تَحَقُّقِ مَنَاطِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ. وَحِينَئِذٍ الْأَشْبَهُ مَا قُلْنَاهُ، إِذْ جَوَازُ فَهْمِ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَحَالٌّ، وَلَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ مَحَلَّ الْخِلَافِ، وَإِلَّا عَادَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا لِاتِّفَاقِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فِي التَّعَبُّدِ، وَجَوَازِهِ حَيْثُ عُقِلَ الْمَعْنَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قُلْتُ: قَدْ حَصَلَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ تَدَاخُلٌ بِمُوجِبِ الِاخْتِصَارِ، وَقَدْ فَصَّلْتُهُ فِي الشَّرْحِ كَمَا رَأَيْتَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1752

وَالنَّفْيُ ضَرْبَانِ: أَصْلِيٌّ: فَيَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِانْتِفَاءِ حُكْمِ شَيْءٍ عَلَى انْتِفَائِهِ عَنْ مِثْلِهِ، فَيُؤَكَّدُ بِهِ الِاسْتِصْحَابُ، لَا قِيَاسُ الْعِلَّةِ، إِذِ لَا عِلَّةَ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ. وَطَارِئٌ: كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ الدَّيْنِ، فَيَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسَانِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَالْإِثْبَاتِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. ــ قَوْلُهُ: «وَالنَّفْيُ ضَرْبَانِ: أَصْلِيٌّ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: النَّفْيُ إِمَّا أَصْلِيٌّ أَوْ طَارِئٌ، فَالْأَصْلِيُّ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ ثُبُوتٌ، كَنَفْيِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، وَنَفْيِ صَوْمِ شَهْرٍ غَيْرِ رَمَضَانَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا «يَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ» دُونَ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مُمْكِنٌ مَوْجُودٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَلِهَذَا أَمْكَنَ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ قَبْلَ الشَّرْعِ، لِأَنَّهَا مِنْ آثَارِهِ وَأَحْكَامِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ وَجُودُهَا قَبْلَهُ، وَالْمُرَادُ بِقِيَاسِ الدَّلَالَةِ هَاهُنَا «هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِانْتِفَاءِ» الْحُكْمِ فِي «شَيْءٍ عَلَى انْتِفَائِهِ عَنْ مِثْلِهِ» أَوْ بِعَدَمِ انْتِفَاءِ خَوَاصِّ الشَّيْءِ عَلَى عَدَمِهِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا لَمْ يَجَبِ الْفِعْلُ الْفُلَانِيُّ لِأَنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً خَالِصَةً أَوْ رَاجِحَةً، وَهَذَا الْفِعْلُ الْآخَرُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ. مِثَالُهُ: إِنَّمَا لَمْ تَجِبْ صَلَاةٌ سَادِسَةٌ وَحَجٌّ ثَانٍ فِي الْعُمْرِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، وَوُجُوبِ صَوْمِ شَهْرٍ ثَانٍ، أَوْ وُجُوبِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ

стр. 1753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَوَّالٍ فِيهِ مِثْلُ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ، فَهَذَا قِيَاسٌ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي الِانْتِفَاءِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِجَامِعِ مَا اشْتَمَلَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ. مِثَالُ الثَّانِي، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِانْتِفَاءِ الْخَوَاصِّ أَنْ يُقَالَ: تَرْتِيبُ الْوَعِيدِ مِنْ خَوَاصِّ الْوُجُوبِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي صَلَاةِ الْوَتْرِ وَالضُّحَى، وَصَوْمِ أَيَّامِ الْبِيضِ، فَلَا تَكُونُ وَاجِبَةً. وَقَوْلُنَا: «فَيُؤَكَّدُ بِهِ الِاسْتِصْحَابُ» أَيْ: إِنَّ هَذَا الِانْتِفَاءَ مُسْتَغْنٍ بِاسْتِصْحَابِ دَلِيلِ الْعَقْلِ النَّافِي عَنْ دَلِيلٍ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ إِنَّمَا وَقَعَ مُؤَكِّدًا لِاسْتِصْحَابِ حَالِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ، لَكَانَ النَّفْيُ الْأَصْلِيُّ مُسْتَقِلًّا بِنَفْيِ وُجُوبِهَا. أَمَّا قِيَاسُ الْعِلَّةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي هَذَا، لِمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ لِمَا يَتَجَدَّدُ بَعْدَ عَدَمِهِ، وَهَذَا النَّفْيُ ثَابِتٌ بِالْأَصَالَةِ، فَلَا عِلَّةَ لَهُ إِلَّا إِرَادَةَ الْبَارِئِ ﷻ عَدَمَ مُتَعَلِّقِهِ، وَهُوَ النَّفْيُ; بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِيجَادَهُ لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ تُعَلَّلَ بِهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ. وَأَمَّا النَّفْيُ الطَّارِئُ، أَيِ: الْحَادِثُ الْمُتَجَدِّدُ بَعْدَ عَدَمِهِ، «كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ الدَّيْنِ» بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِيهَا، «فَيَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسَانِ» : قِيَاسُ الدَّلَالَةِ، وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ، «لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ» فَهُوَ «كَالْإِثْبَاتِ» الشَّرْعِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْيَ الطَّارِئَ بِالشَّرْعِ لَهُ خَوَاصٌّ يَسْتَدِلُّ بِانْتِفَائِهَا عَلَى انْتِفَائِهِ، وَآثَارٌ يَسْتَدِلُّ بِوُجُودِهَا عَلَى وُجُودِهِ، وَكَذَلِكَ لَهُ عِلَلٌ وَأَسْبَابٌ يُعَلَّلُ بِهَا، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا شَارَكَهُ فِيهَا.

стр. 1754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثَالُ الْأَوَّلِ - وَهُوَ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ فِي النَّفْيِ الطَّارِئِ - أَنْ يَقُولَ: مِنْ خَوَاصِّ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ الدَّيْنِ أَنْ لَا يُطَالَبَ بِهِ بَعْدَ أَدَائِهِ، وَلَا يَرْتَفِعَ إِلَى الْحَاكِمِ، وَلَا يُحْبَسَ بِهِ، وَلَا يُحَالَ بِهِ عَلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَكُلُّ هَذِهِ الْخَوَاصِّ مَوْجُودَةٌ، فَدَلَّ عَلَى وُجُودِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، كَمَا نَقُولُ: مِنْ خَوَاصِّ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ جَوَازُ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ. وَقَدِ انْتَفَتْ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَاصِبِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ مِلْكِهِ لَهَا، وَثَبَتَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِهِ لَهَا. وَمِثَالُ الثَّانِي - وَهُوَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ فِي النَّفْيِ الطَّارِئِ - أَنْ يُقَالَ: عِلَّةُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّ هُوَ أَدَاؤُهُ، وَالْعِبَادَاتُ هِيَ دَيْنٌ لِلَّهِ ، فَلْيَكُنْ أَدَاؤُهَا عِلَّةَ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا. وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقِيَاسِ قَوْلُهُ ﵊: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْحَوَالَةَ بِالدَّيْنِ عَلَى مَلِيءٍ عِلَّةٌ لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ مِنْهُ، فَلْتَكُنِ الْإِحَالَةُ بِدَيْنِ اللَّهِ عِلَّةً لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ مِنْهَا حَتَّى تَجُوزَ اسْتِنَابَةُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَهُ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ الْوَاجِبَةِ عَنْهُ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْفَرْضِ وَنَحْوِهِ; لَكَانَ هَذَا قِيَاسًا صَحِيحًا فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ ظَهَرَتْ صِحَّتُهُ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ، وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَصَوْمِ النَّذْرِ عَنِ الْأَمْوَاتِ، وَحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْقُرَبِ. وَإِنْ أَدَّى

стр. 1755

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ إِلَى طَرْدِ الْقِيَاسِ فِي بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ أَوْ شُبْهَةٍ يُعْذَرُ بِهَا الْمُجْتَهِدُ، كَانَ لَهُ طَرْدُهُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ فُرُوضَ الْأَعْيَانِ لَا تُقْبَلُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا، وَلَا الْحَوَالَةُ بِهَا عَلَى غَيْرِ مَنْ خُوطِبَ بِفِعْلِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِفَسَادِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ فِي نَفْسِهِ، بَلْ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَوَالَةَ إِنَّمَا تَنْقُلُ الْحَقَّ، وَتَبْرَأُ بِهَا ذِمَّةُ الْمُحِيلِ بِشَرْطِ رِضَى صَاحِبِ الْحَقِّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ رَضِيَ بِنَقْلِ حَقِّهِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْمَعْلُومُ عَدَمَ رِضَاهُ لِتُوَجِّهِ النُّصُوصِ الْقَاطِعَةِ إِلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ بِأَدَاءِ مَا خُوطِبَ بِهِ. وَأَمَّا مَنْ لَا يَشْتَرِطُ رِضَى صَاحِبِ الْحَقِّ فِي الْحَوَالَةِ، فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ لِقِيَامِ الْفَارِقِ، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَدَاؤُهُ، لَا تَعْبُّدُ عَيْنِ الْمُؤَدِّي لَهُ بِهِ، فَيَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ أَمْرَانِ: أَدَاؤُهُ وَتَعَبُّدُ الْمُكَلَّفِ بِهِ عَيْنًا، وَهُوَ أَعَمُّ الْأَمْرَيْنِ. فَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهُ بِنَائِبٍ، وَلِهَذَا لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ تَعَبُّدُ الْأَعْيَانِ بِهِ، قَامَ الْبَعْضُ فِيهِ مَقَامَ الْبَعْضِ، فَهَذَا مَقْصُودُ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ «الْمُخْتَصَرِ» . وَأَشَارَ الْقَرَافِيُّ فِي «مُخْتَصَرِهِ» إِلَى أَنَّ فِي دُخُولِ الْقِيَاسِ فِي النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ أَقْوَالًا ثَالِثُهَا الْمَذْكُورُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَهُوَ دُخُولُ قِيَاسِ الِاسْتِدْلَالِ فِيهِ دُونَ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي «الْمُسْتَصْفَى» وَ «الرَّوْضَةَ» وَقَدْ ذَكَرْتُ تَوْجِيهَهُ.
следующие страницы →