← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثْقَالًا دُونَ تِسْعَةَ عَشَرَ أَوْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ، وَإِيجَابِ مِائَةٍ فِي الْحَدِّ دُونَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ سَوْطًا أَوْ مِائَةً وَسَوْطٍ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ دُونَ يَوْمَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَصِيَامِ سِتِّينَ يَوْمًا فِي الظِّهَارِ وَنَحْوِهِ دُونَ أَحَدٍ وَسِتِّينَ، أَوْ تِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ، وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ التَّخْصِيصَاتُ لَا يُعْقَلُ تَعَذُّرُ الْقِيَاسِ فِيهَا، إِذِ الْقِيَاسُ فَرْعُ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى، وَإِذَا انْتَفَى الْأَصْلُ، انْتَفَى الْفَرْعُ. وَالْجَوَابُ بِمَا سَبَقَ مَنْ أَنَّا حَيْثُ لَا نَفْهَمُ الْمَعْنَى، لَا نَقِيسُ. قُلْتُ: فَكَأَنَّ النِّزَاعَ صَارَ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ جَوَازُ فَهْمِ الْمَعْنَى فِي الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا، فَنَحْنُ نَقُولُ: يَجُوزُ فَهْمُهُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا، فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا إِذَا تَحَقَّقَ مَنَاطُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْهَمَ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ لِتَعَذُّرِ تَحَقُّقِ مَنَاطِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ. وَحِينَئِذٍ الْأَشْبَهُ مَا قُلْنَاهُ، إِذْ جَوَازُ فَهْمِ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَحَالٌّ، وَلَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ مَحَلَّ الْخِلَافِ، وَإِلَّا عَادَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا لِاتِّفَاقِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فِي التَّعَبُّدِ، وَجَوَازِهِ حَيْثُ عُقِلَ الْمَعْنَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قُلْتُ: قَدْ حَصَلَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ تَدَاخُلٌ بِمُوجِبِ الِاخْتِصَارِ، وَقَدْ فَصَّلْتُهُ فِي الشَّرْحِ كَمَا رَأَيْتَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1752

وَالنَّفْيُ ضَرْبَانِ: أَصْلِيٌّ: فَيَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِانْتِفَاءِ حُكْمِ شَيْءٍ عَلَى انْتِفَائِهِ عَنْ مِثْلِهِ، فَيُؤَكَّدُ بِهِ الِاسْتِصْحَابُ، لَا قِيَاسُ الْعِلَّةِ، إِذِ لَا عِلَّةَ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ. وَطَارِئٌ: كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ الدَّيْنِ، فَيَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسَانِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَالْإِثْبَاتِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. ــ قَوْلُهُ: «وَالنَّفْيُ ضَرْبَانِ: أَصْلِيٌّ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: النَّفْيُ إِمَّا أَصْلِيٌّ أَوْ طَارِئٌ، فَالْأَصْلِيُّ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ ثُبُوتٌ، كَنَفْيِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، وَنَفْيِ صَوْمِ شَهْرٍ غَيْرِ رَمَضَانَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا «يَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ» دُونَ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مُمْكِنٌ مَوْجُودٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَلِهَذَا أَمْكَنَ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ قَبْلَ الشَّرْعِ، لِأَنَّهَا مِنْ آثَارِهِ وَأَحْكَامِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ وَجُودُهَا قَبْلَهُ، وَالْمُرَادُ بِقِيَاسِ الدَّلَالَةِ هَاهُنَا «هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِانْتِفَاءِ» الْحُكْمِ فِي «شَيْءٍ عَلَى انْتِفَائِهِ عَنْ مِثْلِهِ» أَوْ بِعَدَمِ انْتِفَاءِ خَوَاصِّ الشَّيْءِ عَلَى عَدَمِهِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا لَمْ يَجَبِ الْفِعْلُ الْفُلَانِيُّ لِأَنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً خَالِصَةً أَوْ رَاجِحَةً، وَهَذَا الْفِعْلُ الْآخَرُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ. مِثَالُهُ: إِنَّمَا لَمْ تَجِبْ صَلَاةٌ سَادِسَةٌ وَحَجٌّ ثَانٍ فِي الْعُمْرِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، وَوُجُوبِ صَوْمِ شَهْرٍ ثَانٍ، أَوْ وُجُوبِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ

стр. 1753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَوَّالٍ فِيهِ مِثْلُ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ، فَهَذَا قِيَاسٌ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي الِانْتِفَاءِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِجَامِعِ مَا اشْتَمَلَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ. مِثَالُ الثَّانِي، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِانْتِفَاءِ الْخَوَاصِّ أَنْ يُقَالَ: تَرْتِيبُ الْوَعِيدِ مِنْ خَوَاصِّ الْوُجُوبِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي صَلَاةِ الْوَتْرِ وَالضُّحَى، وَصَوْمِ أَيَّامِ الْبِيضِ، فَلَا تَكُونُ وَاجِبَةً. وَقَوْلُنَا: «فَيُؤَكَّدُ بِهِ الِاسْتِصْحَابُ» أَيْ: إِنَّ هَذَا الِانْتِفَاءَ مُسْتَغْنٍ بِاسْتِصْحَابِ دَلِيلِ الْعَقْلِ النَّافِي عَنْ دَلِيلٍ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ إِنَّمَا وَقَعَ مُؤَكِّدًا لِاسْتِصْحَابِ حَالِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ، لَكَانَ النَّفْيُ الْأَصْلِيُّ مُسْتَقِلًّا بِنَفْيِ وُجُوبِهَا. أَمَّا قِيَاسُ الْعِلَّةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي هَذَا، لِمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ لِمَا يَتَجَدَّدُ بَعْدَ عَدَمِهِ، وَهَذَا النَّفْيُ ثَابِتٌ بِالْأَصَالَةِ، فَلَا عِلَّةَ لَهُ إِلَّا إِرَادَةَ الْبَارِئِ ﷻ عَدَمَ مُتَعَلِّقِهِ، وَهُوَ النَّفْيُ; بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِيجَادَهُ لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ تُعَلَّلَ بِهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ. وَأَمَّا النَّفْيُ الطَّارِئُ، أَيِ: الْحَادِثُ الْمُتَجَدِّدُ بَعْدَ عَدَمِهِ، «كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ الدَّيْنِ» بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِيهَا، «فَيَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسَانِ» : قِيَاسُ الدَّلَالَةِ، وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ، «لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ» فَهُوَ «كَالْإِثْبَاتِ» الشَّرْعِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْيَ الطَّارِئَ بِالشَّرْعِ لَهُ خَوَاصٌّ يَسْتَدِلُّ بِانْتِفَائِهَا عَلَى انْتِفَائِهِ، وَآثَارٌ يَسْتَدِلُّ بِوُجُودِهَا عَلَى وُجُودِهِ، وَكَذَلِكَ لَهُ عِلَلٌ وَأَسْبَابٌ يُعَلَّلُ بِهَا، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا شَارَكَهُ فِيهَا.

стр. 1754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثَالُ الْأَوَّلِ - وَهُوَ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ فِي النَّفْيِ الطَّارِئِ - أَنْ يَقُولَ: مِنْ خَوَاصِّ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ الدَّيْنِ أَنْ لَا يُطَالَبَ بِهِ بَعْدَ أَدَائِهِ، وَلَا يَرْتَفِعَ إِلَى الْحَاكِمِ، وَلَا يُحْبَسَ بِهِ، وَلَا يُحَالَ بِهِ عَلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَكُلُّ هَذِهِ الْخَوَاصِّ مَوْجُودَةٌ، فَدَلَّ عَلَى وُجُودِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، كَمَا نَقُولُ: مِنْ خَوَاصِّ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ جَوَازُ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ. وَقَدِ انْتَفَتْ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَاصِبِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ مِلْكِهِ لَهَا، وَثَبَتَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِهِ لَهَا. وَمِثَالُ الثَّانِي - وَهُوَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ فِي النَّفْيِ الطَّارِئِ - أَنْ يُقَالَ: عِلَّةُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّ هُوَ أَدَاؤُهُ، وَالْعِبَادَاتُ هِيَ دَيْنٌ لِلَّهِ ، فَلْيَكُنْ أَدَاؤُهَا عِلَّةَ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا. وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقِيَاسِ قَوْلُهُ ﵊: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْحَوَالَةَ بِالدَّيْنِ عَلَى مَلِيءٍ عِلَّةٌ لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ مِنْهُ، فَلْتَكُنِ الْإِحَالَةُ بِدَيْنِ اللَّهِ عِلَّةً لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ مِنْهَا حَتَّى تَجُوزَ اسْتِنَابَةُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَهُ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ الْوَاجِبَةِ عَنْهُ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْفَرْضِ وَنَحْوِهِ; لَكَانَ هَذَا قِيَاسًا صَحِيحًا فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ ظَهَرَتْ صِحَّتُهُ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ، وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَصَوْمِ النَّذْرِ عَنِ الْأَمْوَاتِ، وَحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْقُرَبِ. وَإِنْ أَدَّى

стр. 1755

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ إِلَى طَرْدِ الْقِيَاسِ فِي بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ أَوْ شُبْهَةٍ يُعْذَرُ بِهَا الْمُجْتَهِدُ، كَانَ لَهُ طَرْدُهُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ فُرُوضَ الْأَعْيَانِ لَا تُقْبَلُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا، وَلَا الْحَوَالَةُ بِهَا عَلَى غَيْرِ مَنْ خُوطِبَ بِفِعْلِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِفَسَادِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ فِي نَفْسِهِ، بَلْ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَوَالَةَ إِنَّمَا تَنْقُلُ الْحَقَّ، وَتَبْرَأُ بِهَا ذِمَّةُ الْمُحِيلِ بِشَرْطِ رِضَى صَاحِبِ الْحَقِّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ رَضِيَ بِنَقْلِ حَقِّهِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْمَعْلُومُ عَدَمَ رِضَاهُ لِتُوَجِّهِ النُّصُوصِ الْقَاطِعَةِ إِلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ بِأَدَاءِ مَا خُوطِبَ بِهِ. وَأَمَّا مَنْ لَا يَشْتَرِطُ رِضَى صَاحِبِ الْحَقِّ فِي الْحَوَالَةِ، فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ لِقِيَامِ الْفَارِقِ، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَدَاؤُهُ، لَا تَعْبُّدُ عَيْنِ الْمُؤَدِّي لَهُ بِهِ، فَيَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ أَمْرَانِ: أَدَاؤُهُ وَتَعَبُّدُ الْمُكَلَّفِ بِهِ عَيْنًا، وَهُوَ أَعَمُّ الْأَمْرَيْنِ. فَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهُ بِنَائِبٍ، وَلِهَذَا لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ تَعَبُّدُ الْأَعْيَانِ بِهِ، قَامَ الْبَعْضُ فِيهِ مَقَامَ الْبَعْضِ، فَهَذَا مَقْصُودُ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ «الْمُخْتَصَرِ» . وَأَشَارَ الْقَرَافِيُّ فِي «مُخْتَصَرِهِ» إِلَى أَنَّ فِي دُخُولِ الْقِيَاسِ فِي النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ أَقْوَالًا ثَالِثُهَا الْمَذْكُورُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَهُوَ دُخُولُ قِيَاسِ الِاسْتِدْلَالِ فِيهِ دُونَ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي «الْمُسْتَصْفَى» وَ «الرَّوْضَةَ» وَقَدْ ذَكَرْتُ تَوْجِيهَهُ.

стр. 1756

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمَّا حُجَّةُ الْجَوَازِ مُطْلَقًا، فَقَدْ سَبَقَتْ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِانْتِفَاءِ خَوَاصِّ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى انْتِفَائِهِ فِي قِيَاسِ الِاسْتِدْلَالِ، أَوْ يُقَالُ: إِنَّمَا لَمْ يَجِبِ الْفِعْلُ الْفُلَانِيُّ لِتَضَمُّنِهِ مَفْسَدَةَ كَذَا. وَهَذَا الْفِعْلُ يَتَضَمَّنُ مِثْلَ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ قِيَاسُ الْعِلَّةِ. وَحُجَّةُ الْمَنْعِ مُطْلَقًا قَدْ أُشِيرَ إِلَيْهَا أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ النَّفْيَ الْأَصْلِيَّ ثَابِتٌ مُسْتَمِرٌّ بِذَاتِهِ، فَيَسْتَحِيلُ إِثْبَاتُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ اسْتِدْلَالٍ أَوْ عِلَّةٍ، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ الثَّابِتِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. وَالْجَوَابُ: أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِلنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، لَا مُثْبِتٌ لَهُ. وَأَمَّا الْعِلَّةُ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ فَهْمُنَا بِالْقِيَاسِ إِلَى حِكْمَةِ الشَّرْعِ، فَنُعَدِّيهَا إِلَى مَا سَاوَى النَّفْيَ الَّذِي اسْتُفِيدَتْ مِنْهُ، كَقَوْلِنَا: إِنَّمَا لَمْ يُبَحِ السُّمُّ، لِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِالْأَبْدَانِ، مُفَوِّتٌ لِحُقُوقِ اللَّهِ مِنْهَا، ثُمَّ تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كُلِّ مُضِرٍّ بِالْبَدَنِ، مُفَوِّتٍ لِلْعِبَادَةِ مِنْهُ، كَقَتْلِ النَّفْسِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ مُفِيدٌ لَوْ لَمْ يَرِدِ النَّصُّ بِمُقْتَضَاهُ، لَصَحَّ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهِ، وَقَدِ اسْتَرْسَلْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَطَلْتُ فِيهَا طَلَبًا لِلْكَشْفِ عَنْهَا، إِذْ تَصَوُّرُهَا وَتَرْكِيبُ أَمْثِلَتِهَا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ خُصُوصًا الْمُبْتَدِئُ فِي هَذَا الْعِلْمِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1757

الْأَسْئِلَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ قِيلَ: اثْنَا عَشَرَ: الْأَوَّلُ: الِاسْتِفْسَارُ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الْإِجْمَالِ، وَعَلَى الْمُعْتَرِضِ إِثْبَاتُهُ بِبَيَانِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا، لَا بَيَانِ التَّسَاوِي لِغَيْرِهِ. وَجَوَابُهُ بِمَنْعِ التَّعَدُّدِ أَوْ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا بِأَمْرٍ مَا. ــ قَوْلُهُ: «الْأَسْئِلَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ، قِيلَ: اثْنَا عَشَرَ» . الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَسْئِلَةَ جَمْعُ سُؤَالٍ، وَهُوَ قِيَاسٌ فِيمَا كَانَ عَلَى فُعَالٍ - بِضَمِّ الْفَاءِ - يُجْمَعُ عَلَى: أَفَعِلَةٍ، نَحْوَ: غُلَامٌ وَغُرَابٌ وَحُوَارٌ - لِوَلَدِ النَّاقَةِ - إِلَّا مَا عَسَاهُ يَشِذُّ عَنْ ذَلِكَ، وَالسُّؤَالُ أَصْلُهُ: الطَّلَبُ. فَمِنْهُ سُؤَالُ الْفَقِيرِ الْغَنِيَّ، وَالْعَبْدِ لِلرَّبِّ، وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ مَا يُصْلِحُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ عَفْوٍ. وَمِنْهُ سُؤَالُ الِاسْتِفْهَامِ، نَحْوَ: زَيْدٌ يَسْأَلُ عَنْ حَالِ عَمْرٍو، أَيْ: يَطْلُبُ مِنْهُ مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ حَالِهِ، وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ طَلَبُ مَعْرِفَةِ حَالِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. وَمِنْهُ سُؤَالُ الِاسْتِفَادَةِ، كَسُؤَالِ الْمُتَعَلِّمِ لِلْمُعَلِّمِ كَيْفَ يَكُونُ، وَسُؤَالُ الْعِنَادِ وَالتَّعْجِيزِ، كَسُؤَالِ الْمُعْتَرِضِ لِلْمُسْتَدِلِّ: لِمَ قُلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ وَهُوَ طَلَبُ الْفَائِدَةِ أَوِ الدَّلِيلِ، وَالْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ هَاهُنَا أَحَدُ هَذَيْنِ، لِأَنَّ الْأَسْئِلَةَ الْوَارِدَةَ

стр. 1758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى الْقِيَاسِ قَدْ تَكُونُ مِنْ مُسْتَفِيدٍ يَقْصِدُ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ خَالِصًا مِمَّا يَرِدُ عَلَيْهِ. وَقَدْ تَكُونُ مِنْ مُعَانِدٍ يَقْصِدُ قَطْعَ خَصْمِهِ وَرَدِّهِ إِلَيْهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مَعْنَى وُرُودِ السُّؤَالِ وَالنَّقْضِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَحَلِّهِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: إِنَّمَا قُلْتُ: «قِيلَ: اثْنَا عَشَرَ» لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُتَابَعَةٌ لِلْأَصْلِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ هَكَذَا قَالَ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَتَوَجَّهُ عَلَى الْقِيَاسِ اثْنَا عَشَرَ سُؤَالًا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنِّي قَدْ ذَكَرْتُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْكَلَامِ فِي الْأَسْئِلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ لَيْسَتْ فِي «الْمُسْتَصْفَى» بَلِ الْغَزَالِيُّ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهَا، وَزَعَمَ أَنَّهَا كَالْعِلَاوَةِ عَلَى أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأَنَّ مَوْضِعَ ذِكْرِهَا عِلْمُ الْجَدَلِ. قُلْتُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ فِيهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إِحَالَةً لَهَا عَلَى فَنِّهَا الْخَاصِّ بِهَا، كَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهَا، لِأَنَّهَا مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَصُولِ الْفِقْهِ وَمُكَمِّلُ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلِهَذِهِ الشُّبْهَةِ، أَكْثَرَ قَوْمٌ مِنْ ذِكْرِ الْمَنْطِقِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْكَلَامِيَّةِ، لِأَنَّهَا مِنْ مَوَادِّهِ وَمُكَمِّلَاتِهِ. قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُ» يَعْنِي مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْمَذْكُورَةِ «الِاسْتِفْسَارُ» وَهُوَ طَلَبُ تَفْسِيرِ اللَّفْظِ، وَبَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ، «وَيَتَوَجَّهُ» - يَعْنِي الِاسْتِفْسَارَ - «عَلَى الْإِجْمَالِ» أَيْ: يَرِدُ عَلَيْهِ، وَيَسُوغُ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُطَالِبَ بِتَفْسِيرِ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ إِذَا كَانَ مُجْمَلًا.

стр. 1759

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَدْ سَبَقَ تَعْرِيفُ الْمُجْمَلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ لَا يُفِيدُ مَعْنًى مُعَيَّنًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَعْتَرِضَ الْمُعْتَرِضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَعَانِيهِ، أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا، أَوْ لَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى التَّطْوِيلِ، وَانْتِشَارِ الْكَلَامِ، وَهُوَ خِلَافُ مَوْضُوعِ عِلْمِ النَّظَرِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: يَجِبُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ أَنْ تَعْتَدَّ بِالْأَقْرَاءِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إِنْ عَنَيْتَ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ الَّتِي هِيَ الْحَيْضُ، فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ عَنَيْتَ بِالْأَقْرَاءِ الَّتِي هِيَ الْأَطْهَارُ، فَمَمْنُوعٌ، لِأَنَّ هَذَا تَطْوِيلٌ لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، بَلِ الْأَقْرَبُ أَنْ يَقُولَ: مَا عَنَيْتَ بِالْأَقْرَاءِ؟ فَإِذَا قَالَ: الْحَيْضُ، أَوِ الْأَطْهَارُ، أَجَابَ بِحَسَبِ ذَلِكَ مِنْ تَسْلِيمٍ أَوْ مَنْعٍ. وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجَّحٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، وَيُرِيدُ بِهِ الْحَيْضَ أَوِ الْأَطْهَارَ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَدْ يَقْصِدُ تَغْلِيطَ الْمُعْتَرِضِ، لِيُجِيبَ عَنْ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِفْسَارٍ، فَيَقُولُ هُوَ: أَخْطَأْتُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَيُرِيدُ الْمَعْنَى الْآخَرَ. كَمَا حُكِيَ عَنِ الْيَهُودِ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ، وَهُوَ لَفْظٌ

стр. 1760

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقُرْآنِ، وَجِبْرِيلَ، وَعِيسَى، وَمَلَكٍ يُقَالُ لَهُ: الرُّوحُ، وَرُوحُ الْإِنْسَانِ الَّذِي فِي بَدَنِهِ، لِيُغَلِّطُوهُ بِذَلِكَ، يَعْنِي: إِنْ قَالَ لَهُمْ: الرُّوحُ مَلَكٌ، قَالُوا: بَلْ هُوَ رُوحُ الْإِنْسَانِ، أَوْ قَالَ: رُوحُ الْإِنْسَانِ، قَالُوا: بَلْ هُوَ مَلَكٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ مُسَمَّيَاتِ الرُّوحِ، فَعَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مَكْرَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ مُجْمَلًا كَسُؤَالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٥] ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْمُسَمَّيَاتِ الْخَمْسَةِ وَغَيْرِهَا، كَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ «الْإِفْصَاحِ» فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ سَبَبُ الْإِجْمَالِ فِي مُسَمَّى الرُّوحِ، لَا كَوْنَ حَقِيقَتِهَا غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ، إِذْ قَدْ دَلَّتْ قَوَاطِعُ الشَّرْعِ عَلَى جِسْمِيَّتِهَا، وَاسْتَقْصَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ يُجْمِلُ الْمُسْتَدِلُّ لَفْظَهُ احْتِيَاطًا لِنَفْسِهِ، وَاسْتِبْقَاءً لَهَا فِي مَيْدَانِ النَّظَرِ مَجَالًا، بِحَيْثُ إِنْ تَوَجَّهَ سُؤَالُ الْمُعْتَرِضِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيِ اللَّفْظِ، تَخَلَّصَ مِنْهُ بِتَفْسِيرِ كَلَامِهِ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ. وَمِثَالُهُ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُؤَالِ الْيَهُودِ عَنِ الرُّوحِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُغَالِطِينَ، لَا مُحْتَاطِينَ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: لَوْ كَانَ بِالْأَقْرَاءِ، لَلَزِمَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، إِذْ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ كَوَامِلَ، يَعْنِي بِالْقُرُوءِ الْأَطْهَارَ، وَكَمَالُهَا قَدْ يَتَخَلَّفُ فِيهَا إِذَا طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ طُهْرٍ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِهِ قَرْءًا، فَلَا يَحْصُلُ اعْتِدَادُهَا بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ كَامِلَةٍ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ:

стр. 1761

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَنَا أَرَدْتُ بِالْأَقْرَاءِ الْحَيْضَ، وَالْكَمَالُ لَازِمٌ فِيهَا، إِذْ بَعْضُ الْحَيْضَةِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ قَرْءًا، فَيَكُونُ قَدْ أَعَدَّ الْإِجْمَالَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ; لِلْحَاجَةِ إِلَى التَّفْصِيلِ فِي آخِرِهِ، فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لِلْإِجْمَالِ، تَوَجَّهَ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ، لِيَكُونَ الْمُعْتَرِضُ مُتَكَلِّمًا عَلَى بَصِيرَةٍ، آمِنًا مِنَ الْمُغَالَطَةِ وَالْمُخَاتَلَةِ. قَوْلُهُ: «وَعَلَى الْمُعْتَرِضِ إِثْبَاتُهُ» . إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: وَعَلَى الْمُعْتَرِضِ إِثْبَاتُ الْإِجْمَالِ فِي لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ، إِذْ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِهِ مُجَرَّدُ دَعْوَاهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَتْحٌ لِبَابِ الْعِنَادِ، إِذْ كُلُّ مُعْتَرِضٍ لَا يَعْجِزُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُسْتَدِلِّ: لَفْظُكَ مُجْمَلٌ، فَبَيِّنْهُ، فَيَلْزَمُ الْمُسْتَدِلُّ بِذَلِكَ مَا لَا يَلْزَمُهُ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلَى الْمُعْتَرِضِ إِثْبَاتُ الْإِجْمَالِ فِي لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ، فَطَرِيقُهُ إِلَى ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُ «مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا» احْتِمَالًا مُطْلَقًا، وَلَا يَلْزَمُهُ بَيَانُ تُسَاوِي الِاحْتِمَالَاتِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ، فَتَسْقُطُ فَائِدَةُ الِاعْتِرَاضِ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا: أَنْ يَقُولَ فِي جَمَاعَةٍ اشْتَرَوْا عَيْنًا، فَظَهَرَتْ مَعِيبَةً: لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالرَّدِّ، لِأَنَّهُ بَانٍ بِالْمَبِيعِ مَا بَانَ بِهِ جَوَازَ الِانْفِرَادِ بِالرَّدِّ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: مَا تَعْنِي بِقَوْلِكَ: بَانَ؟ فَإِنَّهَا مُجْمَلَةٌ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى: ظَهَرَ، وَبِمَعْنَى: خَفِيَ، يُقَالُ: بَانَ لِي الشَّيْءُ، أَيْ: ظَهَرَ، وَبَانَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، أَيْ: غَابَ، وَزَالَ، وَخَفِيَ، وَمِنْهُ: الْبَيْنُ، وَالْفِرَاقُ، وَغُرَابُ الْبَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَارٍ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ أَشْبَهَ غَيْرَ الْمُكْرَهِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: مَا

стр. 1762

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَعْنِي بِالْمُخْتَارِ؟ فَإِنَّ لَفْظَهُ مُجْمَلٌ، لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى ضِدِّ الْمُكْرَهِ، وَهُوَ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا بِحَسَبِ مَيْلِهِ إِلَيْهِ، وَشَهْوَتِهِ لَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بِقُدْرَتِهِ، مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ لَهُ مِنْهُ فِي بَدَنِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ مِنْ خَارِجٍ، وَهُوَ الْمُكْرَهُ، فَالْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ يُقَالُ لَهُ: مُخْتَارٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ. وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ ضِدَّ الِاخْتِيَارِ: الِاضْطِرَارُ، لَكِنَّ الِاضْطِرَارَ تَارَةً يَكُونُ خَارِجِيًّا، كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ، وَتَارَةً غَيْرَ خَارِجِيٍّ، كَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهَا بِعَارِضٍ بَدَنِيٍّ، لَا خَارِجِيٍّ، وَالِاخْتِيَارُ أَيْضًا يَنْقَسِمُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ تُرِيدُ بِالْمُخْتَارِ؟ وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ، لِأَنَّهُ بِيعٌ صَادَفَ مَحَلَّهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُعْتَرِضُ: مَا تَعْنِي بِالْبَيْعِ، اللُّغَوِيِّ، أَوِ الشَّرْعِيِّ؟ وَكَذَلِكَ كُلُّ لَفْظٍ لَهُ مُسَمًّى لُغَوِيٍّ وَشَرْعِيٍّ، نَحْوَ: الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءِ، نَحْوَ: تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، فَيُقَالُ: مَا تَعْنِي بِالْوُضُوءِ; الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ أَوِ الشَّرْعِيُّ؟ قَوْلُهُ: «وَجَوَابُهُ بِمَنْعِ التَّعَدُّدِ، أَوْ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا بِأَمْرٍ مَا» . أَيْ: وَجَوَابُ سُؤَالِ الِاسْتِفْسَارِ، أَوْ جَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ، أَوِ الْمُعْتَرِضِ عَنْ سُؤَالِ الِاسْتِفْسَارِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْعُ تَعَدُّدِ احْتِمَالَاتِ اللَّفْظِ إِنْ أَمْكَنَ; بِأَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ لِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا مَحْمَلٌ وَاحِدٌ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، أَوْ بِأَنَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْوَاحِدِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ جَوَازِ إِطْلَاقِهِ عَلَى غَيْرِهِ، نَفْيًا لِلْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ، فَمَنِ ادَّعَى إِطْلَاقَهُ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.

стр. 1763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُبَيِّنَ رُجْحَانَ اللَّفْظِ فِي أَحَدِ الْمُجْمَلَيْنِ، بِأَمْرٍ مَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُرَجَّحَةِ، إِمَّا بِالنَّقْلِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، أَوْ بِاشْتِهَارِهِ فِي عُرْفِهِمْ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَفْظُ الْمُخْتَارِ ظَاهِرٌ فِيمَنْ لَا حَامِلَ لَهُ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ خَارِجٍ. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُجْمَلًا، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ صِدْقَ اللَّفْظِ عَلَى الْمُجْمَلَيْنِ بِالتَّوَاطُؤِ، وَالْمُرَادُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا، نَفْيًا لِلْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ، كَفَاهُ أَيْضًا، وَمَتَى أَجَابَ الْمُسْتَدِلُّ عَنْ سُؤَالِ الِاسْتِفْسَارِ بِأَحَدِ الْأَجْوِبَةِ الْمَذْكُورَةِ، انْقَطَعَ الْمُعْتَرِضُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى هَذَا السُّؤَالِ، وَلَهُ إِيرَادُ غَيْرِهِ، وَإِنْ عَجِزَ عَنِ الْجَوَابِ، لَزِمَهُ تَفْسِيرُ مُرَادِهِ بِلَفْظِهِ، بِأَنْ يَقُولَ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: بَانَ بِالْمَبِيعِ مَا بَانَ بِهِ جَوَازُ الرَّدِّ; ظَهَرَ بِهِ مَا انْتَفَى بِهِ جَوَازُ الرَّدِّ، فَبَانَ الْأُولَى بِمَعْنَى: ظَهَرَ، وَبَانَ الثَّانِيَةِ بِمَعْنَى: انْتَفَى. وَفِي الْمِثَالِ الثَّانِي: أَرَدْتُ بِالْمُخْتَارِ: مَنْ وَقَعَ الْفِعْلُ بِكَسْبِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ فِي بَدَنِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ مِنَ الْخَارِجِ. وَفِي الْمِثَالِ الثَّالِثِ: أَرَدْتُ الْبَيْعَ أَوِ الصَّوْمَ أَوِ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ، لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا سَبَقَ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَالَ فِي لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ الِاصْطِلَاحُ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ، فَالْأَوَّلُ أَنْ يَذْكُرَ فِي الْفَنِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ أَلْفَاظًا لَيْسَتْ مِنَ اصْطِلَاحِ أَهْلِهِ، مِثْلَ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْقِيَاسِ الْفِقْهِيِّ بِلَفْظِ الدَّوْرِ وَالتَّسَلْسُلِ وَالْبَسِيطِ وَالْهَيُولَى وَالْمَادَّةِ وَالْمَبْدَأِ وَالْغَايَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ

стр. 1764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اصْطِلَاحَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ، فَيَقُولُ مَثَلًا فِي شُهُودِ الْقَتْلِ إِذَا رَجَعُوا: لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ تَجَرَّدَ مَبْدَؤُهُ عَنْ غَايَةٍ مَقْصُودَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ، فَإِنَّ لَفْظَ الْمَبْدَأِ وَالْغَايَةِ بِاصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ; أَشْبَهَ مِنْهُمَا بِاصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ خِصْمِهِ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ، إِذْ لَا غَرَابَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّانِي - وَهُوَ الْإِشْكَالُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ -، فَهُوَ إِمَّا مِنْ حَيْثُ التَّرَدُّدُ كَالْمُجْمِلَاتِ، وَقَدْ مَرَّ مِثَالُهَا، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْغَرَابَةُ، بِذَكَرِ وَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ، كَقَوْلِهِ: لَا يَحِلُّ أَكْلُ الرِّئْبَالِ أَوِ السِّيدِ، أَوِ السَّبَنْتَى - يَعْنِي الْأَسَدَ - وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ، لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ، أَوْ يَجُوزُ أَكْلُ الدَّغْفَلِ - وَهُوَ وَلَدُ الْفِيلِ - أَوِ الْهِجْرِسِ - وَهُوَ وَلَدُ الثَّعْلَبِ - فَيُقَالُ لَهُ: مَا تَعْنِي بِذَلِكَ؟ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ الْغَامِضَةِ، إِلَّا عَنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِغَرِيبِ اللُّغَةِ، فَصَارَ كَالْمُجْمَلِ التَّرَدُّدِيِّ، بِجَامِعِ عَدَمِ فَهْمِ الْمُرَادِ. وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ: إِذَا أَكَلَ مِنْ صَيْدِهِ، لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، لِأَنَّهُ صَيْدُ جَارِحَةٍ لَمْ تُرَضْ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ: فَإِنَّ قَوْلَهُ: تُرَضْ، مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّيَاضَةِ، وَقَدْ يَسْتَغْرِبُهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَلَهُ الِاسْتِفْسَارُ عَنْهُ. وَشَرْطُ تَوَجُّهِ سُؤَالِ الِاسْتِفْسَارِ: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ فِي مَظِنَّةِ الْغُمُوضِ كَمَا ذَكَرْنَا. أَمَّا إِنْ كَانَ ظَاهِرًا مَشْهُورًا، مُسْتَطْرِقًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، بِحَيْثُ لَا يَغْمُضُ مِثْلُهُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ، كَقَوْلِهِ: فُقِدَ الشَّرْطُ، وَوُجِدَ الْمَانِعُ أَوِ السَّبَبُ، أَوْ هُوَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ الطَّهُورِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَهُ، فَيُقَالُ: مَا تَعْنِي بِهَذَا اللَّفْظِ؟ فَإِنِّي لَا أَفْهَمُ مَعْنَاهُ، كَانَ مُعَانِدًا خَارِجًا عَنِ الْإِنْصَافِ، أَوْ جَاهِلًا فَدْمًا، لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ

стр. 1765

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُؤَهَّلَ لِلْكَلَامِ مَعَهُ. قَالَ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ الْحَوَارِيُّ: حَقُّ الْمُسْتَفْسِرِ أَنْ يَقُولَ: أَيُّ شَيْءٍ تَعْنِي بِهَذَا الْكَلَامِ، لِأَنَّهُ طَلَبَ الْمُرَادَ مِنَ الْكَلَامِ، وَلَا يَقُولُ مَثَلًا: مَا الْقَتْلُ، لِأَنَّ هَذَا صِيغَةُ اسْتِفْهَامٍ، وَالْمُسْتَدِلُّ إِنَّمَا تَصَدَّى لِلْإِفْحَامِ، لَا لِلتَّعْلِيمِ وَالْإِفْهَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1766

الثَّانِي: فَسَادُ الِاعْتِبَارِ ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ نَصًّا، كَحَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃، لَمْ يَقِيسُوا إِلَّا مَعَ عَدَمِ النَّصِّ. وَجَوَابُهُ بِمَنْعِ النَّصِّ، وَاسْتِحْقَاقِ تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، لِضَعْفِهِ، أَوْ عُمُومِهِ، أَوِ اقْتِضَاءِ مَذْهَبٍ لَهُ. ــ السُّؤَالُ «الثَّانِي: فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ نَصًّا» أَيْ: يَكُونُ الْقِيَاسُ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ، وَسُمِّيَ هَذَا فَسَادَ الِاعْتِبَارِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ; اعْتِبَارٌ لَهُ مَعَ دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ اعْتِبَارٌ فَاسِدٌ وَظُلْمٌ؛ لِأَنَّهُ وَضْعٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. مِثَالُ مَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ: قَوْلُنَا: يُشْتَرَطُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ، لِأَنَّهُ صَوْمٌ مَفْرُوضٌ، فَلَا يَصِحُّ تَبْيِيتُهُ مِنَ النَّهَارِ كَالْقَضَاءِ، فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ . . . . . . ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٥] ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ صَامَ يَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلصِّحَّةِ، وَهَذَا قَدْ صَامَ، فَيَكُونُ صَوْمُهُ صَحِيحًا. وَمِثَالُ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ قَوْلُنَا: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَشْتَمِلُ عَلَى الْغَرَرِ، فَلَا يَصِحُّ، كَالسَّلَمِ فِي الْمُخْتَلَطَاتِ، فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ

стр. 1767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الِاعْتِبَارِ، لِمُخَالَفَةِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي السَّلَمِ. وَمِثَالُ مَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، لِأَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، فَحَرُمَ غَسْلُهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ، وَهُوَ أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَ فَاطِمَةَ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَالْقَضِيَّةُ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ. قَوْلُهُ: «كَحَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِقِيَاسٍ يُخَالِفُ النَّصَّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُعَاذًا ﵁ فِي حَدِيثِهِ الْمَشْهُورِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرَهُ، أَخَّرَ الْقِيَاسَ عَنِ النَّصِّ، وَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رُتْبَةَ الْقِيَاسِ بَعْدَ النَّصِّ، فَتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِفَسَادِ الِاعْتِبَارِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ عَلَى كَثْرَةِ اجْتِهَادَاتِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَاسُوا، «إِلَّا مَعَ عَدَمِ النَّصِّ» وَكَانُوا يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النُّصُوصِ، فَإِذَا وَجَدُوهَا، لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

стр. 1768

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَثَمَّ وَجْهٌ ثَالِثٌ لَمْ يُذْكَرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» هَاهُنَا، لَكِنَّهُ ذُكِرَ قَبْلُ، وَهُوَ أَنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ. قَوْلُهُ: «وَجَوَابُهُ بِمَنْعِ النَّصِّ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَجَوَابُ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ، أَوْ جَوَابُ الْمُعْتَرِضِ الْمُورِدِ لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْعُ النَّصِّ الَّذِي ادَّعَى أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى خِلَافِهِ; إِمَّا مَنْعَ دَلَالَةٍ، أَوْ مَنْعَ صِحَّةٍ. مِثَالُ الْأَوَّلِ: أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ بِدُونِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ، لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَقَيَّدْنَاهَا بِحَدِيثِ: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ يُثَابُ، وَأَنَا أَقُولُ بِهِ، لَكِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ. وَالنِّزَاعُ فِيهِ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّهَا دَلَّتْ عَلَى ثَوَابِ الصَّائِمِ، وَأَنَا لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْمُمْسِكَ بِدُونِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ صَائِمٌ. وَمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ السَّلَمِ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ التَّرْخِيصِ فِي السَّلَمِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ الْحَيَوَانَ، وَإِنْ صَحَّ السَّلَمُ فِي غَيْرِهِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ غَسْلِ الزَّوْجَةِ، فَبِأَنْ نَمْنَعَ صِحَّةَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَإِنْ سَلَّمَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ اشْتُهِرَ، وَإِنْ سَلَّمَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ،

стр. 1769

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِنَّ سَلَّمَ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ; أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَالْمَوْتُ لَمْ يَقْطَعِ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، بِإِخْبَارِ الصَّادِقِ ﷺ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّ الْمَوْتَ يَقْطَعُ نِكَاحَهُمَا. الْوَجْهُ الثَّانِي فِي جَوَابِ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ: أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْقِيَاسِ يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ عَلَى النَّصِّ الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ، إِمَّا «لِضَعْفِهِ» أَيْ: لِكَوْنِ النَّصِّ ضَعِيفًا، فَيَكُونُ الْقِيَاسُ أَوْلَى مِنْهُ، أَوْ لِكَوْنِ النَّصِّ عَامًّا، فَيَكُونُ الْقِيَاسُ مُخَصِّصًا لَهُ، جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ كَمَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ لِكَوْنِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْقِيَاسِ عَلَى ذَلِكَ النَّصِّ، كَكَوْنِهِ حَنَفِيًّا يَرَى تَقْدِيمَ الْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ إِذَا خَالَفَ الْأُصُولَ، أَوْ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، أَوْ مَالِكِيًّا يَرَى تَقْدِيمَ الْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ إِذَا خَالَفَهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ كَمَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ: لِلْمُسْتَدِلِّ الِاعْتِرَاضُ عَلَى النَّصِّ الَّذِي يُبْدِيهِ الْمُعْتَرِضُ بِجَمِيعِ مَا يَعْتَرِضُ بِهِ عَلَى النُّصُوصِ، سَنَدًا وَمَتْنًا. تَنْبِيهٌ: فَسَادُ الِاعْتِبَارِ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ فَسَادُ الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ بَعْدُ، بِخِلَافِ سُؤَالِ الِاسْتِفْسَارِ; فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ، بَلْ يَرِدُ عَلَى النُّصُوصِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الْإِجْمَالَ وَالْغَرَابَةَ تَقَعُ فِيهَا، كَمَا تَقَعُ فِي أَلْفَاظِ الْقِيَاسِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: فَسَادُ الِاعْتِبَارِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَاصِلُهُ رَاجِعًا إِلَى النِّزَاعِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِجِنْسِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ، كَمَا لَوِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِالْقِيَاسِ عَلَى

стр. 1770

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الظَّاهِرِيِّ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ: مَا ذَكَرْتَهُ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، أَيْ: إِنَّكَ اعْتَبَرْتَ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا. قُلْتُ: هَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، لِأَنَّ الظَّاهِرِيَّ هُوَ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ جِنْسَ الْقِيَاسِ دَلِيلٌ، أَمَّا الْحَنَفِيُّ إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا، مِمَّا لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ بِالْقِيَاسِ، فَأَوْرَدَ فَسَادَ الِاعْتِبَارِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَازِعُ فِي كَوْنِ جِنْسِ الْقِيَاسِ دَلِيلًا، إِنَّمَا يُنَازِعُ فِي كَوْنِهِ دَلِيلًا فِي هَذَا الْحُكْمِ الْخَاصِّ، وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ سُؤَالَ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلِّيًّا، كَإِنْكَارِ الظَّاهِرِيِّ وَنَحْوِهِ الِاسْتِدْلَالَ بِالْقِيَاسِ، أَوْ جُزْئِيًّا. ثُمَّ هُوَ إِمَّا عَامٌّ، أَيْ: يَرِدُ فِي عُمُومِ الْأَحْكَامِ، كَمَا إِذَا اسْتَدَلَّ بِالْقِيَاسِ فِي مُقَابَلَةِ نَصِّ الْكِتَابِ، أَوِ السُّنَّةِ، أَوِ الْإِجْمَاعِ، كَمَا سَبَقَتْ أَمْثِلَتُهُ، أَوْ خَاصًّا، أَيْ: لَا يَرِدُ إِلَّا فِي أَحْكَامٍ خَاصَّةٍ، كَمَا إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَى الْحَنَفِيِّ بِالْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْأَسْبَابِ وَالْمُقَدَّرَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا أَضْبَطُ أَقْسَامِ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ. وَإِذَا تَوَجَّهَ سُؤَالُ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ; انْقَطَعَ مُطْلَقًا، لِتَجَرُّدِ دَعْوَاهُ عَنْ دَلِيلٍ، بِخِلَافِ سُؤَالِ الِاسْتِفْسَارِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ مُطْلُقًا، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَامِهِ الْخَاصِّ. وَالْفَرْقُ: أَنَّ النِّزَاعَ هُنَا لَفْظِيٌّ لَا يَقْدَحُ فِي الْحُكْمِ، بِخِلَافِ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ، فَإِنَّهُ قَادِحٌ فِي عُمْدَةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الدَّلِيلُ.

стр. 1771

الثَّالِثُ: فَسَادُ الْوَضْعِ ، وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْعِلَّةِ نَقِيضَ مَا عُلِّقَ بِهَا، نَحْوُ: لَفْظُ الْهِبَةِ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ كَالْإِجَارَةِ، فَيُقَالُ: انْعِقَادُ غَيْرِ النِّكَاحِ بِهِ يَقْتَضِي انْعِقَادُهُ بِهِ لِتَأْثِيرِهِ فِي غَيْرِهِ. وَجَوَابُهُ بِمَنْعِ الِاقْتِضَاءِ الْمَذْكُورِ، أَوْ بِأَنَّ اقْتِضَاءَهَا لَمَّا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ أَرْجَحُ. فَإِنَّ ذِكْرَ الْخَصْمِ شَاهِدًا لِاعْتِبَارِ مَا ذَكَرَهُ، فَهُوَ مُعَارَضَةٌ. ــ السُّؤَالُ: «الثَّالِثُ: فَسَادُ الْوَضْعِ، وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْعِلَّةِ نَقِيضَ مَا عُلِّقَ بِهَا» وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا فَسَادَ الْوَضْعِ، لِأَنَّ وَضْعَ الشَّيْءِ: جَعْلُهُ فِي مَحَلٍّ عَلَى هَيْئَةٍ أَوْ كَيْفِيَّةٍ مَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ أَوْ تِلْكَ الْهَيْئَةُ لَا تُنَاسِبُهُ كَانَ وَضْعُهُ عَلَى خِلَافِ الْحِكْمَةِ، وَمَا كَانَ عَلَى خِلَافِ الْحِكْمَةِ يَكُونُ فَاسِدًا، فَنَقُولُ هَاهُنَا: إِنَّ الْعِلَّةَ إِذَا اقْتَضَتْ نَقِيضَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى أَوْ خِلَافَهُ، كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْحِكْمَةِ، إِذْ مِنْ شَأْنِ الْعِلَّةِ أَنَّ تُنَاسِبَ مَعْلُولَهَا، لَا أَنَّهَا تُخَالِفُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ فَاسِدَ الْوَضْعِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْآمِدِيُّ، وَالْبَزْدَوِيُّ فِي «جَدْلَيْهِمَا» لِفَسَادِ الْوَضْعِ أَنْوَاعًا: مِنْهَا: وُقُوعُ الْقِيَاسِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، كَقَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ فِي إِبَاحَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ: لِأَنَّهُ ذَبْحٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ، فَأُبِيحَ، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا نَاسِيًا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا فَاسِدُ الْوَضْعِ، لِوُقُوعِهِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَالظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ أَعْظَمُ. الثَّانِي: وُقُوعُهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ، كَاسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْحَنَفِيِّ

стр. 1772

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ بِالْقِيَاسِ، وَحُكْمُ الْأَصْلِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. الثَّالِثُ: دَعْوَى الْمُعْتَرِضِ إِشْعَارَ الْوَصْفِ بِنَقِيضِ الْحُكْمِ، كَمَا تُذْكَرُ أَمْثِلَتُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قُلْتُ: وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ النَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ بَابِ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ. وَذَكَرَ النِّيلِيُّ أَنَّ وُقُوعَ الْقِيَاسِ فِي مُصَادَمَةِ النَّصِّ قَدْ يُسَمَّى فَسَادَ الْوَضْعِ أَيْضًا. وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ الْعُرْفَ خَصَّ اعْتِبَارَ الْعِلَّةِ فِي ضِدِّ مُقْتَضَاهَا بِفَسَادِ الْوَضْعِ، وَاعْتِبَارَهَا فِي خِلَافِ مُقْتَضَاهَا بِفَسَادِ الِاعْتِبَارِ، وَسَيَأْتِي أَمْثِلَةُ الضِّدِّ وَالْخِلَافِ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قُلْتُ: الْمَشْهُورُ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ وَالِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ اصْطِلَاحِيٌّ لَا يَضُرُّ، وَإِطْلَاقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ لَا يُنَافِي اللُّغَةَ، بَلْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ فِيهَا. مِثَالُ مَا عُلِّقَ فِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ ضِدَّ مَا تَقْتَضِيهِ: قَوْلُنَا فِي النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ: لَفْظُ «يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ» كَلَفْظِ «الْإِجَارَةِ» . فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: هَذَا فَاسِدُ الْوَضْعِ، لِأَنَّ «انْعِقَادَ غَيْرِ النِّكَاحِ» بِلَفْظِ الْهِبَةِ «يَقْتَضِي» وَيُنَاسِبُ انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِهِ، لَكِنَّ تَأْثِيرَهُ فِي انْعِقَادِ غَيْرِ النِّكَاحِ بِهِ - وَهُوَ الْهِبَةُ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ حَظًّا مِنَ التَّأْثِيرِ فِي انْعِقَادِ الْعُقُودِ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ فَلْيَنْعَقِدْ بِهِ، كَالْهِبَةِ، وَيَلْتَزِمُ عَلَيْهِ الْإِجَارَةُ، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْهِبَةِ وَالنِّكَاحِ إِنْ أَمْكَنَ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: قَتْلُ الْعَمْدِ كَبِيرَةٌ، فَلَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، قِيَاسًا عَلَى الزِّنَا وَسَائِرِ الْكَبَائِرِ، فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ الْوَضْعِ، لِأَنَّ كَوْنَهُ كَبِيرَةً يَقْتَضِي

стр. 1773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ، لَا التَّخْفِيفَ عَنْهُ، وَفِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ تَغْلِيظٌ، وَفِي إِسْقَاطِهَا تَخْفِيفٌ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ الشَّفْعَوِيِّ فِي تَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ: مَسْحٌ، فَيُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ، كَالْمَسْحِ فِي الِاسْتِجْمَارِ، فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ الْوَضْعِ، لِأَنَّ كَوْنَهُ مَسْحًا مُشْعِرٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَمُنَاسِبٌ لَهُ، وَالتَّكْرَارُ مُنَافٍ لَهُ. وَمِثَالُ مَا عُلِّقَ فِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ وَلَيْسَ بِضِدٍّ، قَوْلُنَا: فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الْجِرَاحَاتِ جِنَايَةٌ عَلَى آدَمِيٍّ، فَيُضْرَبُ بَدَلَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ كَالنَّفْسِ، فَيُقَالُ: هَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى الْعِلَّةِ، إِذْ جِنَايَةُ الشَّخْصِ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ضَمَانِهَا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، عَمَلًا بِمُوجَبِ النَّصِّ وَالْعُرْفِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي أَنَّ الْعَبْدَ تَتَقَدَّرُ قِيمَتُهُ، لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، فَتَقَدَّرَتْ قِيمَتُهُ كَالْحُرِّ، فَيُقَالُ: هَذَا عَلَى خِلَافِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّهَا لَا تُشِيرُ إِلَى تَقْدِيرٍ. قُلْتُ: هَكَذَا ذَكَرَ النِّيلِيُّ فِي أَمْثِلَةِ اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ ضِدَّ حُكْمِهَا وَخِلَافِهِ، وَلَعَلَّ فِيهِ نَظَرًا، فَإِنَّ تَقْدِيرَ الْقِيمَةِ وَعَدَمَهُ، وَاخْتِصَاصَ الْجِنَايَةِ بِالْجَانِي وَعَدَمَهُ، نَحْوٌ مِنَ اقْتِضَاءِ الْكَبِيرَةِ الْكَفَّارَةَ وَعَدَمِهَا، وَانْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَالْخِلَافَيْنِ، وَالْمِثْلَيْنِ، وَالنَّقِيضَيْنِ، وَبِعَرْضِ هَذَا عَلَى ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ. قَوْلُهُ: «وَجَوَابُهُ بِمَنْعِ الِاقْتِضَاءِ الْمَذْكُورِ، أَوْ بِأَنَّ اقْتِضَاءَهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ

стр. 1774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَرْجَحُ» . أَيْ: وَجَوَابُ فَسَادِ الْوَضْعِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بِأَنْ يَمْنَعَ الْمُسْتَدِلُّ كَوْنَ عِلَّتِهِ تَقْتَضِي نَقِيضَ مَا عُلِّقَ بِهَا، أَوْ بِأَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ، لَكِنْ يُبَيِّنَ أَنَّ اقْتِضَاءَهَا لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ، هُوَ أَرْجَحُ مِنَ الْمَعْنَى الْآخَرِ، فَيُقَدَّمُ لِرُجْحَانِهِ. مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ انْعِقَادَ الْهِبَةِ بِلَفْظِهَا، أَوْ كَوْنِ لَفْظِ الْهِبَةِ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ يَقْتَضِي انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِهِ. قَوْلُكُمْ: انْعِقَادُ غَيْرِ النِّكَاحِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ وَتَأْثِيرِهِ فِي الْعُقُودِ. قُلْنَا: إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَهُوَ الْهِبَةُ، أَمَّا غَيْرُهُ، فَلَا لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ تَأْثِيرَ اللَّفْظِ إِنَّمَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضُوعِهِ، لِإِشْعَارِهِ بِخَوَاصِّهِ، وَدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا بِحُكْمِ الْوَضْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةُ لَهَا خَوَاصٌّ لَا يُشْعِرُ بِهَا لَفْظُ الْهِبَةِ، فَيَضْعُفُ عَنْ إِفَادَتِهَا، وَالتَّأْثِيرِ فِي انْعِقَادِهَا بِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ تَجَوُّزٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّجَوُّزِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ قُوَّةَ اللَّفْظِ وَسُلْطَانَهُ، وَظُهُورَ دَلَالَتِهِ، لَمَّا كَانَتْ فِي مَوْضُوعِهِ، كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِهِ تَفْرِيقًا لِقُوَّتِهِ، وَكَالتَّغْرِيبِ لَهُ عَنْ مَوْطِنِهِ، فَيَضْعُفُ بِذَلِكَ عَنِ التَّأْثِيرِ. سَلَّمْنَا أَنَّ انْعِقَادَ غَيْرِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ يَقْتَضِي انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِهِ، لَكِنِ اقْتِضَاؤُهُ لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ أَقْوَى مِنَ اقْتِضَائِهِ لِانْعِقَادِهِ، لِأَنَّ انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ; يَقْتَضِي أَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَجَازٌ فِي النِّكَاحِ عَنِ الْهِبَةِ،

стр. 1775

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالِاشْتِرَاكُ وَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي نَفْيَهُمَا، وَتَخْصِيصُ كُلِّ عَقْدٍ بِلَفْظٍ هُوَ وَفْقُ الْأَصْلِ، وَمَا وَافَقَ الْأَصْلَ يَكُونُ أَوْلَى مِمَّا خَالَفَهُ. وَعَلَى هَذَا النَّمَطِ يَكُونُ الْجَوَابُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمِثَالِ، فَنَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ كَفَّارَةِ الْعَمْدِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ تَقْتَضِي التَّغْلِيظَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَهُ بِأَنَّ لِلشَّرْعِ أَنْ يُقَابِلَ الْكَبِيرَةَ بِيَسِيرِ الْعُقُوبَةِ، وَالصَّغِيرَةَ بِعَظِيمِ الْعُقُوبَةِ، كَمَا لَهُ أَنْ يَرْحَمَ الْعَاصِيَ، وَيُعَذِّبَ الطَّائِعَ، وَيُغْنِيَ الطَّالِحَ، وَيُفْقِرَ الصَّالِحَ. وَإِنَّمَا انْقَسَمَتِ الْأَفْعَالُ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَفَاسِدَ صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ. أَمَّا أَنَّهَا تَقْتَضِي عُقُوبَاتٍ بِحَسَبِهَا صِغَرًا وَكِبَرًا فَلَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُتَّجِهًا كَمَا تَرَاهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمَأْلُوفَ مِنَ الشَّرْعِ يَرُدُّهُ، حَيْثُ جَعَلَ الْعُقُوبَاتِ تَابِعَةً لِصِغَرِ الْأَفْعَالِ وَكِبَرِهَا. سَلَّمْنَا أَنَّ كَوْنَهَا كَبِيرَةً يَقْتَضِي التَّغْلِيظَ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِسْقَاطَ الْكَفَّارَةِ تَخْفِيفٌ، بَلْ هُوَ تَغْلِيظٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالْكَبِيرَةِ قَدْرًا مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَتَعْجِيلُ الْكَفَّارَةِ يُخَفِّفُ عَنْهُ بَعْضَ ذَلِكَ الْعَذَابِ، وَكَانَ تَأْخِيرُهُ بِكَمَالِهِ عَلَيْهِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ أَغْلَظَ فِي حَقِّهِ، لِأَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ. وَهَذَا كَمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُؤْمِنَ تُكَفَّرُ عَنْهُ ذُنُوبُهُ بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا، لِيَلْقَى اللَّهَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ، تَخْفِيفًا عَنْهُ، بِخِلَافِ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ، وَيُعَجَّلُ لَهُمْ مَعْرُوفُهُمْ فِي الدُّنْيَا، لِيُلَاقُوا عَذَابَ الْآخِرَةِ كَامِلًا، لَمْ يُخَفَّفْ مِنْهُ شَيْءٌ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ. وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَحْثٌ قَدِ اسْتَقْصَيْتُهُ فِي كِتَابِ «إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» لَمْ يَتَّسِعْ هَذَا الْمَكَانُ لِذَكَرِهِ، وَلَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ إِنَّمَا نَحْنُ بِصَدَدِ بَيَانِ كَيْفِيَّةِ

стр. 1776

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ فِي الصِّنَاعَةِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ فِي الْمِثَالَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَهُوَ عَنْ قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ: إِنَّ جِنَايَةَ الْآدَمِيِّ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ضَمَانِهَا بِهِ، وَإِنَّ وَصْفَ الْآدَمِيِّ لَا يُشِيرُ إِلَى تَقْدِيرِ قِيمَتِهِ; فَبِنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجِنَايَةَ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الضَّمَانِ بِفَاعِلِهَا، إِذْ لِلشَّرْعِ أَنْ يَجْعَلَ فِعْلَ زَيْدٍ أَمَارَةً عَلَى تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِعَمْرٍو، كَمَا جَازَ أَنْ يُجْعَلَ عَمَلُ زَيْدٍ فِي نِيَابَةِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْقَابِلَةِ لِلنِّيَابَةِ، وَإِهْدَاءِ ثَوَابِ الْقُرْبِ، وَقَضَاءِ الدُّيُونِ الْمَالِيَّةِ، عَلَمًا وَأَمَارَةً عَلَى نَفْعِ عَمْرٍو، وَبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ. قُلْتُ: لَكِنَّ هَذَا خِلَافُ مَنْصُوصِ الشَّرْعِ وَمَأْلُوفِهِ، سَلَّمْنَا مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الِاخْتِصَاصِ، لَكِنَّ عِنْدَنَا مُنَاسِبٌ رَاجِحٌ، وَهُوَ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ عَنْ صَاحِبِهِمْ، تَخْفِيفًا عَنْهُ، وَرِفْقًا بِهِ، لِانْقِهَارِهِ بِكَثْرَةِ الْغَرَامَاتِ، لِكَثْرَةِ الْجِنَايَاتِ خَطَأً، وَصَارَ ذَلِكَ عَدْلًا عَامًّا مِنَ الشَّرْعِ، لِأَنَّ الشَّخْصَ تَارَةً يَكُونُ حَامِلًا، وَتَارَةً يَكُونُ مَحْمُولًا عَنْهُ، وَهَذِهِ مَصْلَحَةٌ أَعَمُّ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا، وَكَذَلِكَ نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وَصْفَ الْآدَمِيِّ لَا يُشِيرُ إِلَى تَقْدِيرِ قِيمَتِهِ، بَلْ هُوَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْآدَمِيَّةَ وَصْفٌ شَرِيفٌ، وَشَرَفُهُ يَقْتَضِي صِيَانَتَهُ عَنِ الْإِهْدَارِ، وَالصِّيَانَةُ تَقْتَضِي تَقْدِيرَ بَدَلِ نَفْسِهِ، لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ، وَإِذَا كَانَتِ الْأَغْرَاضُ مِنَ الْجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ تُضْبَطُ أَبْدَالُهَا بِأَمْثَالِهَا وَقِيمَتِهَا، لِيَرْجِعَ إِلَيْهَا عِنْدَ حَاجَةِ التَّضْمِينِ، احْتِيَاطًا لَهَا مِنْ دُخُولِ الْغَرَرِ فِيهَا، فَالْإِنْسَانُ الَّذِي

стр. 1777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هُوَ أَشْرَفُ مِنْهَا أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ لَهُ. سَلَّمْنَا عَدَمَ إِشْعَارِ الْوَصْفِ بِتَقْدِيرِ الْقِيمَةِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُشْعِرْ بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَحْكُمَ بِالتَّقْدِيرِ، بَلْ لَنَا ذَلِكَ، إِلْحَاقًا لَهُ بِالْأُصُولِ الشَّاهِدَةِ لَهُ بِذَلِكَ كَالْحُرِّ، وَقَدْ قَدَّرَ الشَّرْعُ بَدَلَهُ، فَيَلْحَقُ الْعَبْدُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُفَوِّضُ بُضْعَهَا، فَيُعْقَدُ عَلَيْهَا بِلَا مَهْرٍ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْهُ مُقَدَّرًا بِمَهْرِ مِثْلِهَا، خُصُوصًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ جَعَلُوا الْمَهْرَ حَقًّا لِلَّهِ ثَابِتًا لِشَرَفِ الْمَحَلِّ، لِئَلَّا يُسْتَبَاحَ بِلَا عِوَضٍ، وَمَصْرِفُهُ الْمَرْأَةُ، كَالزَّكَاةِ حُقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَصْرِفُهُ الْفُقَرَاءُ، وَإِذَا شَهِدَتِ الْأُصُولُ لِلْحُكْمِ بِالِاعْتِبَارِ; لَمْ يَضُرَّ فَقْدُ الْمُنَاسَبَةِ، بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ وَضْعِيَّةٌ لَا تَلْزَمُهَا الْمُنَاسَبَةُ، بِخِلَافِ الْعَقْلِيَّاتِ وَالْعُرْفِيَّاتِ. قَوْلُهُ: «فَإِنْ ذَكَرَ الْخَصْمُ شَاهِدًا لِاعْتِبَارِ مَا ذَكَرَهُ، فَهُوَ مُعَارَضَةٌ» . يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إِذَا عَلَّلَ بِوَصْفٍ، فَادَّعَى الْمُعْتَرِضُ أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ يَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى، وَذَكَرَ لَهُ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ فِي اقْتِضَاءِ النَّقِيضِ; كَانَ ذَلِكَ مُعَارَضَةً مِنْهُ لِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، وَانْتِقَالًا مِنْ سُؤَالِ فَسَادِ الْوَضْعِ إِلَى إِيرَادِ الْمُعَارَضَةِ، وَهُوَ انْقِطَاعٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ انْقِطَاعًا، فَهُوَ مُسْتَقْبَحٌ، لِكَوْنِهِ نَشْرًا لِلْكَلَامِ، وَانْتِقَالًا مِنْ مَقَامٍ إِلَى مَقَامٍ. مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: لَفْظُ الْهِبَةِ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا الْوَصْفُ يَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ، إِذِ انْعِقَادُ غَيْرِ

стр. 1778

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النِّكَاحِ بِهِ يَقْتَضِي انْعِقَادَهُ بِهِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَصْلٌ بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ لَفْظُ الْبَيْعِ حَيْثُ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ الْبَيْعِ، وَهُوَ السَّلَمُ وَالْإِجَارَةُ، فَإِنَّ هَذَا صَارَ خُرُوجًا عَنْ خُصُوصِيَّةِ فَسَادِ الْوَضْعِ إِلَى طَرِيقِ الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُعَارَضَةِ، حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لِلْمُسْتَدِلِّ: مَا ذَكَرْتَهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْتَ، لَكِنْ عِنْدِي مَا يُعَارِضُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ لَفْظُ الْبَيْعِ، قَدِ انْعَقَدَ بِهِ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ الْهِبَةُ وَغَيْرُهَا. وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ، إِذَا قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: مَسْحٌ، فَيُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ الِاسْتِطَابَةِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: وَصْفُكَ يَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِكَ، إِذِ الْمَسْحُ مُشْعِرٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلتَّكْرَارِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّثْقِيلِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَصْلٌ بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ مَسْحُ الْخُفِّ، يُكْرَهُ تَكْرَارُهُ، لَمَّا كَانَ مَسْحُ الْخُفِّ مُشْعِرًا بِالتَّخْفِيفِ، فَيُقَالُ لِلْمُعْتَرِضِ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ: أَنْتَ مُنْقَطِعٌ بِانْتِقَالِكَ عَنْ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ إِلَى الْمُعَارَضَةِ، فَإِنْ سَامَحَهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُ بِمَا يُجِيبُ بِهِ عَنِ الْمُعَارَضَةِ. فَيَقُولُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّلَمَ وَالْإِجَارَةَ يَنْعَقِدَانِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، حَتَّى يَجُوزَ مِثْلُهُ فِي لَفْظِ الْهِبَةِ مَعَ النِّكَاحِ، سَلَّمْنَاهُ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّلَمَ وَالْإِجَارَةَ مُغَايِرَانِ لِلْبَيْعِ، بَلْ هُمَا نَوْعَانِ لَهُ، إِذِ الْبَيْعُ يَنْقَسِمُ إِلَى بَيْعِ مَنْفَعَةٍ وَهِيَ الْإِجَارَةُ، وَإِلَى بَيْعِ عَيْنٍ مَوْجُودَةٍ، أَوْ مَوْصُوفَةٍ، وَهُوَ غَالِبُ أَنْوَاعِهِ، أَوْ مَعْدُومَةٍ فِي الذِّمَّةِ، وَهُوَ السَّلَمُ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ مُغَايِرٌ لِلْهِبَةِ، مُخْتَصٌّ

стр. 1779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَنْهَا بِخَوَاصٍّ لَا يُشْعِرُ بِهَا لَفْظُهَا كَمَا سَبَقَ. وَفِي الْمِثَالِ الثَّانِي: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ يُكَرَهُ تَكْرَارُهُ كَمَا فِي مُبْدَلِهِ، وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلِ. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّ الْفَرْقَ أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ إِنَّمَا يُكْرَهُ تَكْرَارُهُ، لِكَوْنِهِ مَسْحًا عَلَى الْخُفِّ، لَا لِكَوْنِهِ مَسْحًا مُطْلَقًا، لِأَنَّ تَكْرَارَهُ يَضُرُّ بِالْخُفِّ، وَيُتْلِفُ مَالِيَّتَهُ، وَفِي ذَلِكَ إِضَاعَةُ مَالٍ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَأَيْضًا لَيْسَ هُوَ أَصْلًا فِي الطَّهَارَةِ حَتَّى يَلْحَقَ بِنَظَائِرِهِ، مِمَّا هُوَ أَصْلٌ فِيهَا بِخِلَافِ مَسْحِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ لَا مَالِيَّةَ فِيهِ تُتْلَفُ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ، فَقَرُبَ إِلْحَاقُهُ بِنَظَائِرِهِ فِي التَّكْرَارِ، كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. فَحَاصِلُ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا فِي الْجَوَابِ: إِمَّا مَنْعُ حُكْمِ الْمُعَارَضَةِ، أَوِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ حُكْمِ قِيَاسِ الْمُسْتَدِلِّ، عَلَى أَنَّ فِي قِيَاسِ تَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى تَكْرَارِ مَسْحِ الِاسْتِطَابَةِ نَظَرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قِيَاسُ أَمْرٍ تَعَبُّدِيٍّ عَلَى أَمْرٍ مَعْقُولٍ، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ وُجُودُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَلَيْسَ مَعْنَى التَّطْهِيرِ مَوْجُودًا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، كَوُجُودِهِ فِي مَسْحِ الِاسْتِطَابَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّأْسَ يَجِبُ مَسْحُهُ مَعَ الْقَطْعِ بِطَهَارَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إِلَّا مُسَمَّى الطَّهَارَةِ، وَهُوَ شَبَهٌ لَفْظِيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا نَحْنُ ذَكَرْنَا مِثَالًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ضَعْفِ الْقِيَاسِ لَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1780

الرَّابِعُ: الْمَنْعُ ، وَهُوَ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَهُ إِثْبَاتُهُ بِطُرُقِهِ؛ وَمَنْعُ وُجُودِ الْمُدَّعَى عِلَّةً فِي الْأَصْلِ فَيُثْبِتُهُ حِسًّا أَوْ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا بِدَلِيلِهِ، أَوْ وُجُودِ أَثَرٍ، أَوْ لَازِمٍ لَهُ، وَمَنْعُ عِلِّيَّتِهِ، وَمَنْعُ وَجُودِهَا فِي الْفَرْعِ، فَيُثْبِتُهُمَا بِطُرُقِهِمَا كَمَا سَبَقَ. ــ السُّؤَالُ «الرَّابِعُ: الْمَنْعُ» . قَوْلُهُ: «وَهُوَ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ» لَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرَ جِنْسِ الْمَنْعِ فِي مَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ، بَلْ هُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ. وَشَرَعَ فِي ذِكْرِهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ: أَوَّلُهَا: «مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ» . الثَّانِي: «مَنْعُ وُجُودِ الْمُدَّعَى عِلَّةً» أَيْ: مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الَّذِي ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ أَنَّهُ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ. الثَّالِثُ: مَنْعُ كَوْنِهِ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ. الرَّابِعُ: مَنْعُ وَجُودِهِ فِي الْفَرْعِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْمَنْعُ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَمَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ، وَمَنْعُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، وَمَنْعُ وَجُودِهِ فِي الْفَرْعِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا قُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: لَا نُسَلِّمُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، إِمَّا جَهْلًا بِالْحُكْمِ، أَوْ عِنَادًا، فَهَذَا مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ. وَلَوْ قَالَ: لَا أُسَلِّمُ وُجُودَ الْإِسْكَارِ فِي الْخَمْرِ؛ لَكَانَ هَذَا مَنْعَ

стр. 1781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وُجُودِ الْمُدَّعَى عِلَّةً فِي الْأَصْلِ. وَلَوْ قَالَ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْإِسْكَارَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ، لَكَانَ هَذَا مَنْعَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ، وَلَوْ قَالَ: لَا أُسَلِّمُ وُجُودَ الْإِسْكَارِ فِي النَّبِيذِ؛ لَكَانَ هَذَا مَنْعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، فَفِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةُ مُنُوعٍ، وَفِي الْفَرْعِ مَنْعٌ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: «وَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى الْأَصَحِّ» أَيْ: لَا يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ بِمَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ فِيهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: يَنْقَطِعُ، لِأَنَّا لَوْ مَكَّنَّاهُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْأَصْلِ وَإِثْبَاتِهِ بِالدَّلِيلِ، لَانْتَشَرَ الْكَلَامُ، وَانْتَقَلَ إِلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى. مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ حَنْبَلِيٌّ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ: إِنَّهُ نَجِسٌ، فَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، كَجِلْدِ الْكَلْبِ، فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: لَا أُسَلِّمُ حُكْمَ الْأَصْلِ؛ وَهُوَ أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ بَلْ يَطْهُرُ عِنْدِي، فَشَرَعَ الْمُسْتَدِلُّ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ لَا يَطْهُرُ: أَنَّهُ حَيَوَانٌ نَجِسُ الْعَيْنِ، فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ، كَجِلْدِ الْخِنْزِيرِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ يَتَسَلْسَلُ الْمَنْعُ، مِثْلُ أَنْ يَمْنَعَ الْمُعْتَرِضُ الْحُكْمَ فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ، أَوِ الْوَصْفَ فِي جِلْدِ الْكَلْبِ، فَيَخْرُجُ قَانُونُ النَّظَرِ عَنْ وَضْعِهِ. الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ بِذَلِكَ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْمَنْعُ جَلِيًّا فِي مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، مَشْهُورًا، يَعْلَمُهُ غَالِبُ الْفُقَهَاءِ، انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الْآحَادُ وَالْخَوَاصُّ،

стр. 1782

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَمْ يَنْقَطِعْ. وَالْفَرْقُ: أَنَّ خَفَاءَ الْمَنْعِ يَكُونُ عُذْرًا لَهُ، فَيُمَكَّنُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِهِ، بِخِلَافِ الْمَنْعِ الْجَلِيِّ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ كَالْمُفَرِّطِ إِذَا قَاسَ عَلَى أَصْلٍ مَمْنُوعٍ، حَيْثُ عَرَّضَ الْكَلَامَ لِلتَّسَلْسُلِ وَالِانْتِشَارِ. وَقَدْ مَثَّلَ الْمَنْعَ الْجَلِيَّ بِقَوْلِهِ: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا، قِيَاسًا عَلَى الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْخَصْمِ، وَهُوَ جَلِيٌّ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ الْمُسْلِمَ بِالذِّمِّيِّ. وَكَقَوْلِنَا: يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ نَوْعُ نَقْصٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْحَاضِرِ، كَمَا يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ نَقْصٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُمْ مَنْعًا جَلِيًّا مَشْهُورًا. وَمُثِّلَ الْمَنْعُ الْخَفِيُّ بِقَوْلِنَا فِي تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ: صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ كَالْقَضَاءِ، وَقَوْلِنَا فِي الْوُضُوءِ: عِبَادَةٌ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، كَالتَّيَمُّمِ، فَإِنَّ الْمَنْعَ فِي ذَلِكَ خَفِيٌّ، إِذْ مَنْعُ احْتِيَاجِ الْقَضَاءِ إِلَى النِّيَّةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَذْهَبِ زُفَرَ، وَأَمَّا افْتِقَارُ التَّيَمُّمِ إِلَى النِّيَّةِ، فَلَا أَعْلَمُ عِنْدَهُمْ فِيهِ خِلَافًا. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ خَفَاءَ الْمَنْعِ وَظُهُورَهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَدِلِّ فِي عِلْمِهِ، وَاطِّلَاعِهِ عَلَى أَقْوَالِ النَّاسِ، وَظُهُورِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِأَمَارَاتِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِكَ، فَهُوَ جَلِيٌّ فِي حَقِّكَ، لَكِنْ عَلَى هَذَا إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إِذَا ادَّعَى خَفَاءَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَقَدِ ادَّعَى مُمْكِنًا، وَالْأَصْلُ عَلَى وَفْقِهِ، وَهُوَ عَدَمُ عِلْمِهِ، فَلَوْ حُكِمَ بِانْقِطَاعِهِ بِذَلِكَ لَأَفْضَى إِلَى تَكْذِيبِهِ، فَالْأَشْبَهُ عَلَى هَذَا أَنْ يُرْجَعَ إِلَى قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ. إِنْ قَالَ: عَلِمْتُ الْمَنْعَ، انْقَطَعَ، وَإِلَّا فَلَا. وَيَلْزَمُهُ

стр. 1783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصِّدْقُ فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. أَمَّا ضَبْطُ خَفَاءِ الْمَنْعِ وَظُهُورِهِ بِمَا يَعْلَمُهُ غَالِبُ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا لَكِنَّهُ مُتَفَاوِتٌ جِدًّا، إِذْ غَالِبُ الْفُقَهَاءِ يَتَفَاوَتُونَ فِي مَعْرِفَةِ مَذْهَبِ خَصْمِهِمْ، كَمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي مَعْرِفَةِ مَذَاهِبِهِمْ، وَقَدْ يَبْلُغُ الْفَقِيهُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، وَيَخْفَى عَنْهُ غَالِبُ مَذْهَبِ غَيْرِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فِي هَذَا الْقَوْلِ التَّفْصِيلِيِّ نَظَرٌ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ إِلَى عُرْفِ أَهْلِ بَلَدِ الْمُنَاظَرَةِ، إِنْ كَانُوا يَعُدُّونَ مَنْعَ حُكْمِ الْأَصْلِ انْقِطَاعًا، انْقَطَعَ؛ وَإِلَّا فَلَا، إِذْ لِلْجَدَلِ مَرَاسِمُ وَحُدُودٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهَا، فَيَنْبَغِي الْوُقُوفُ مَعَهَا. وَقَالَ الْآمِدِيُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَدِلِّ مَدْرَكٌ، يَعْنِي طَرِيقًا إِلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ غَيْرَ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ جَازَ، وَلَا يَكُونُ مُنْقَطِعًا بِالْمَنْعِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْرَكٌ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ خَفِيًّا لَمْ يَنْقَطِعْ، وَإِلَّا انْقَطَعَ. وَهَذَا تَفْصِيلٌ جَيِّدٌ ذَكَرَهُ فِي «الْجَدَلِ» . وَاخْتَارَ فِي «الْمُنْتَهَى» : أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُنْقَطِعًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ، وَالَّذِي صُحِّحَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَوَجْهُهُ: أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، فَإِذَا امْتَنَعَ كَانَ لَهُ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ، كَغَيْرِهِ مِنْ أَرْكَانِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْحَنْبَلِيُّ فِي ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ: أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ لِغَرَضِ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ اسْتِحْقَاقٍ، فَضَمِنَ، قِيَاسًا عَلَى الْغَاصِبِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْغَاصِبَ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ عِنْدَ فَوَاتِ الْمَغْصُوبِ، بَلْ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ، إِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَعُودَ الْعَبْدُ، أَوْ تُوجَدَ الضَّالَّةُ،

стр. 1784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْقِيمَةَ، وَيَمْلِكُ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ، بِحَيْثُ إِذَا عَادَتْ كَانَتْ لَهُ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ: أَنَّ الْغَصْبَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَيَكُونُ حَرَامًا، فَيَجِبُ تَرْكُهُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ عَلَى مَالِكِهِ، وَمَا وَجَبَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ، وَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ عِنْدَ فَوَاتِهِ، لِأَنَّهَا بَدَلُهُ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ ﵇: وَعَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ لَكِنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ الْفَرْعَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَجَابَ عَنْ تَمَلُّكِ الْغَاصِبِ الْعَيْنَ بِالْقِيمَةِ، بِقَوْلِهِ ﵇: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ وَهُوَ نَصٌّ، فَلَا يُسْمَعُ الِاجْتِهَادُ مَعَهُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: يَجِبُ غَسْلُ وُلُوغِ الْخِنْزِيرِ سَبْعًا، قِيَاسًا عَلَى نَجَاسَةِ الْكَلْبِ، فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: لَا أُسَلِّمُ الْحُكْمَ فِي الْكَلْبِ، وَإِنَّمَا يُغْسَلُ عِنْدِي ثَلَاثًا، أَوْ يُكَاثِرُ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: الدَّلِيلُ عَلَى غَسْلِ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ سَبْعًا: قَوْلُهُ ﵇: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ. . . الْحَدِيثَ.

стр. 1785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَلَهُ إِثْبَاتُهُ بِطُرُقِهِ» ، أَيْ: إِذَا مَنَعَ الْمُعْتَرِضُ حُكْمَ الْأَصْلِ لَا يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ، وَلَهُ إِثْبَاتُهُ بِطُرُقِهِ مِنْ نَصِّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: «وَمَنْعُ وُجُودِ الْمُدَّعَى عِلَّةً فِي الْأَصْلِ» . هَذَا هُوَ الْمَنْعُ الثَّانِي، وَقَدْ سَبَقَ مِثَالُهُ. قَوْلُهُ: «فَيُثْبِتُهُ» أَيْ: إِذَا مَنَعَ الْمُعْتَرِضُ وُجُودَ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ، فَيُثْبِتُهُ الْمُسْتَدِلُّ «حِسًّا، أَوْ عَقْلًا، أَوْ شَرْعًا» أَيْ: يُثْبِتُهُ بِالْحِسِّ، كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ، فَإِنَّهَا أُمُورٌ مَحْسُوسَةٌ، أَوْ بِالْعَقْلِ؛ كَالْعُدْوَانِيَّةِ، أَيْ: كَوْنِ الْقَتْلِ عُدْوَانًا. وَالشِّدَّةُ مُطْرِبَةٌ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْقَتْلَ عُدْوَانٌ، وَأَنَّ هَذَا الشَّرَابَ مُسْكِرٌ، فَإِنَّ كَوْنَ الْقَتْلِ عُدْوَانًا وَالشَّرَابِ مُسْكِرًا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ بِدَوَرَانِ زَوَالِ الْعَقْلِ مَعَ شُرْبِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، أَوْ بِالشَّرْعِ، كَالطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ، فِي قَوْلِنَا: طَاهِرٌ، فَجَازَ بَيْعُهُ، أَوْ نَجِسٌ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: «بِدَلِيلِهِ، أَوْ وُجُودِ أَثَرٍ، أَوْ لَازِمٍ لَهُ» ، أَيْ: يُثْبِتُ الْوَصْفَ إِذَا مَنَعَهُ بِدَلِيلِهِ مِنْ حِسٍّ، أَوْ عَقْلٍ، أَوْ شَرْعٍ، كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى وُجُودِهِ بِوُجُودِ لَازِمٍ لَهُ، أَوْ أَثَرٍ مِنْ آثَارِهِ. وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: بِوُجُودِ أَثَرٍ أَوْ أَمْرٍ مُلَازِمٍ لَهُ، أَوْ بِوُجُودِ مَلْزُومِهِ، لِأَنَّ

стр. 1786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وُجُودَ اللَّازِمِ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَلْزُومِ، بِخِلَافِ الْأَثَرِ، فَإِنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْمُؤَثِّرِ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى لَازِمِهِ، وَالْأَمْرُ الْمُلَازِمُ لِلشَّيْءِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ كَمُلَازَمَةِ وُجُودِ النَّهَارِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ لِوُجُودِ النَّهَارِ. وَهَكَذَا عِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: وَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ أَثَرٍ، أَوْ أَمْرٍ يُلَازِمُهُ، وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ عِبَارَةِ «الْمُخْتَصَرِ» لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَذَلِكَ كَدَلَالَةِ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ عَلَى كَوْنِهِ عَمْدًا، لِأَنَّ الْعَمْدَ مِنْ لَوَازِمِ التَّحْرِيمِ، وَدَلَالَةِ الدِّيَةِ عَلَى الْقَتْلِ، لِأَنَّهَا مِنْ آثَارِهِ، وَدَلَالَةِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الشُّبْهَةِ لَازِمٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ، وَكَلُحُوقِ النَّسَبِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ، لِأَنَّ لُحُوقَ النَّسَبِ مِنْ آثَارِ الْوَطْءِ الَّذِي لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَكَدَلَالَةِ فَسَادِ الْعَقْلِ عَلَى إِسْكَارِ الشَّرَابِ، وَجَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَعَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِصْحَابِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «وَمَنْعُ عِلِّيَتِهِ، وَمَنْعُ وَجُودِهَا فِي الْفَرْعِ» . هَذَانِ الْمَنْعَانِ الْآخَرَانِ، أَيْ: وَمِنَ الْمُنُوعِ مَنْعُ عِلَّةِ الْوَصْفِ، أَيْ: مَنْعُ كَوْنِهِ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ، وَمَنْعُ وُجُودِهِ فِي الْفَرْعِ كَمَا سَبَقَ مِثَالُهُ، فَيُثْبِتُهُمَا الْمُسْتَدِلُّ بِطَرِيقِهِمَا «كَمَا سَبَقَ» إِشَارَةً إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدِلَّةِ إِثْبَاتِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَهِيَ النَّصُّ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالِاسْتِنْبَاطُ بِالْمُنَاسَبَةِ، وَالسَّبْرُ، وَالدَّوَرَانُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَإِلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ دَلِيلِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ مِنْ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ، وَهُوَ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ وَنَحْوِهِ.

стр. 1787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَلَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَحُرِّمَ كَالْخَمْرِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِسْكَارَ عِلَّةٌ، وَلَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي النَّبِيذِ. لَكَانَ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْإِسْكَارَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لَهُ، لِإِفْضَائِهِ إِلَى مَصْلَحَةِ صِيَانَةِ الْعُقُولِ عَنِ الْفَسَادِ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ إِمَّا لِلَوْنِهِ، أَوْ مَيَعَانِهِ، أَوْ إِزْبَادِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مِنَ الْعِنَبِ، أَوْ لِإِسْكَارِهِ، وَالْأَوْصَافُ كُلُّهَا طَرْدِيَّةٌ إِلَّا الْإِسْكَارَ، فَكَانَ هُوَ الْعِلَّةَ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النَّبِيذِ، بِدَلِيلِ الْوِجْدَانِ وَالْعَقْلِ، فَإِنَّ الشَّارِبَ لَهُ يَجِدُ النَّشَاطَ، وَغُرُوبَ الْعَقْلِ، وَدَبِيبَ الْأَعْضَاءِ، وَكَذَلِكَ يَرَى زَوَالَ الْعَقْلِ يَدُورُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَذَلِكَ دَلِيلُ كَوْنِهِ مُسْكِرًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1788

الْخَامِسُ: التَّقْسِيمُ: وَمَحَلُّهُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ لِأَنَّهُ مَنْعٌ، وَهُوَ تَسْلِيمٌ، وَهُوَ مَقْبُولٌ بَعْدَ الْمَنْعِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَهُوَ حَصْرُ الْمُعْتَرِضِ مَدَارِكَ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً وَإِلْغَاءُ جَمِيعِهَا، وَشَرْطُهُ صِحَّةُ انْقِسَامِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى مَمْنُوعٍ وَمُسَلَّمٍ، وَإِلَّا كَانَ مُكَابَرَةً، وَحَصْرُهُ لِجَمِيعِ الْأَقْسَامِ، وَإِلَّا جَازَ أَنْ يَنْهَضَ الْخَارِجُ عَنْهَا بِغَرَضِ الْمُسْتَدِلِّ وَمُطَابَقَتِهِ لِمَا ذَكَرَهُ، فَلَوْ زَادَ عَلَيْهِ؛ لَكَانَ مُنَاظِرًا لِنَفْسِهِ لَا لِلْمُسْتَدِلِّ. وَطَرِيقُ صِيَانَةِ التَّقْسِيمِ أَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ: إِنْ عَنَيْتَ بِمَا ذَكَرْتَ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ مُسَلَّمٌ، وَالْمُطَالَبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ، وَإِنْ عَنَيْتَ غَيْرَهُ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ مَمْنُوعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ــ السُّؤَالُ «الْخَامِسُ: التَّقْسِيمُ» ، وَقَدْ ذُكِرَ مَعْنَاهُ بَعْدُ. قَوْلُهُ: «وَمَحَلُّهُ» ، أَيْ: وَمَحَلُّ سُؤَالِ التَّقْسِيمِ، وَمَوْضِعُهُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ «قَبْلَ» سُؤَالِ «الْمُطَالَبَةِ» ، وَهُوَ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً كَمَا سَبَقَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَحَلُّهُ قَبْلَ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ؛ «لِأَنَّهُ» - يَعْنِي سُؤَالَ التَّقْسِيمِ - «مَنْعٌ» لِوُجُودِ الْعِلَّةِ كَمَا ذُكِرَ بَعْدُ «وَهُوَ» - يَعْنِي الْمُطَالَبَةَ - «تَسْلِيمٌ» ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُعْتَرِضِ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي ذَكَرْتَهُ، هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ الَّذِي ادَّعَيْتَهُ؟ يَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ. وَإِذَا كَانَ التَّقْسِيمُ مَنْعًا لِلْعِلَّةِ، وَالْمُطَالَبَةُ تَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَهَا، فَالتَّسْلِيمُ «مَقْبُولٌ بَعْدَ الْمَنْعِ، بِخِلَافِ

стр. 1789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْعَكْسِ» وَهُوَ الْمَنْعُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، لِأَنَّهُ إِنْكَارٌ لِمَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ. مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: الْأُرْزُ مَكِيلٌ، فَحَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْبُرِّ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْكَيْلَ عِلَّةٌ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِيهِ: إِمَّا الْكَيْلُ، أَوِ الطَّعْمُ، أَوِ الْقُوتُ، وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ يَصْلُحُ عِلَّةً، وَقَرَّرَ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ: سَلَّمْتُ أَنَّ الْبُرَّ مُشْتَمِلٌ عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الْكَيْلَ هُوَ الْعِلَّةُ؟ لَصَحَّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ بَعْدَ مَنْعٍ، وَرُجُوعٌ عَنِ النِّزَاعِ فِي وُجُودِ الْوَصْفِ. وَلَوْ قَالَ أَوَّلًا: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الْكَيْلَ عِلَّةٌ؟ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: الْعِلَّةُ إِمَّا الْكَيْلُ، أَوِ الطَّعْمُ، أَوِ الْقُوتُ، وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ عِلَّةٌ؛ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ سُؤَالَهُ عَنْ دَلِيلِ عِلِّيَّةِ الْكَيْلِ تَسْلِيمٌ لِوُجُودِهِ، وَلِصَلَاحِيَتِهِ لِلْعِلَّةِ، وَإِنْكَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَلَاحِيَتَهُ لِلتَّعْلِيلِ إِنْكَارٌ لِمَا سَلَّمَهُ. قُلْتُ: وَفِي تَحَقُّقِ هَذَا نَظَرٌ، إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ التَّقْسِيمِ وَالْمُطَالَبَةِ، حَتَّى يَكُونَ إِيرَادُ التَّقْسِيمِ بَعْدَهَا إِنْكَارًا بَعْدَ اعْتِرَافٍ، إِذْ حَاصِلُ التَّقْسِيمِ هُوَ إِنْكَارُ وُجُودِ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي قَوْلَ الْمُعْتَرِضِ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْتَهُ عِلَّةٌ؟ مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: الْأُرْزُ مَكِيلٌ، فَحَرُمَ فِيهِ الرِّبَا كَالْبُرِّ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ هُوَ الْعِلَّةُ فِي الْبُرِّ؛ كَانَ هَذَا إِنْكَارًا

стр. 1790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِعِلِّيَّةِ الْكَيْلِ. ثُمَّ لَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: الْعِلَّةُ فِي الْبُرِّ إِمَّا الْكَيْلُ، أَوِ الْقُوتُ، أَوِ الطَّعْمُ، وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ صَالِحٌ لِلْعِلَّةِ، لَكَانَ ذَلِكَ كَلَامًا صَحِيحًا مُوَافِقًا لِمَا قَبْلَهُ، إِذْ كِلَاهُمَا يَدُلُّ عَلَى إِنْكَارِ عِلِّيَّةِ الْكَيْلِ. وَإِنَّمَا كَانَ يَتَّجِهُ التَّنَافِي بَيْنَ التَّقْسِيمِ وَالْمُطَالَبَةِ، لَوْ كَانَ مَعْنَى التَّقْسِيمِ إِنْكَارَ نَفْسِ الْوَصْفِ، وَالْمُطَالَبَةُ طَلَبَ الدَّلِيلِ عَلَى عِلِّيَّتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ عِلَّةُ الرِّبَا؟ ثُمَّ قَالَ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْبُرَّ مَكِيلٌ، لِأَنَّ إِنْكَارَهُ وُجُودَ الْكَيْلِ بَعْدَ طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَى عِلِّيَّتِهِ إِنْكَارٌ لَهُ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُودِهِ. أَمَّا إِنْكَارُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ بَعْدَ طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا إِنْكَارٌ لَهَا، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْإِنْكَارِ الْحَاصِلِ مِنَ التَّقْسِيمِ. نَعَمْ قَدْ قِيلَ: إِنَّ ذِكْرَ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ التَّقْسِيمِ تَكْرَارٌ لِأَنَّ حَاصِلَهَا مَنْعُ الْعِلِّيَّةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنَ التَّقْسِيمِ كَمَا عُرِفَ. فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي كَوْنِ التَّقْسِيمِ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ إِنْكَارًا بَعْدَ اعْتِرَافٍ - كَمَا ذَكَرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَأَصَّلَهُ - نَظَرًا قَدْ أَوْضَحْتُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» - يَعْنِي التَّقْسِيمَ - «حَصْرُ الْمُعْتَرِضِ مَدَارِكَ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً، وَإِلْغَاءُ جَمِيعِهَا» . الْمَدَارِكُ: جَمْعُ مَدْرَكٍ - بِفَتْحِ الْمِيمِ - وَهُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى إِدْرَاكِ الشَّيْءِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ عَلَى هَذَا: أَنَّ التَّقْسِيمَ هُوَ أَنْ يَحْصِرَ الْمُعْتَرِضُ
следующие страницы →