Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
وَمَوْرِدُهُ: إِمَّا النَّفْيُ، نَحْوَ قَوْلِهِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ: إِنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَالتَّفَاوُتِ فِي الْقَتْلِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: سَلَّمْتُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْمَانِعِ ثُبُوتُ الْقِصَاصِ، بَلْ مِنْ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ أَيْضًا، فَأَنَا أُنَازِعُ فِيهِ.
وَجَوَابُهُ بِبَيَانِ لُزُومِ حُكْمِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مِمَّا ذَكَرَهُ إِنْ أَمْكَنَ، أَوْ بِأَنَّ النِّزَاعَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ بِإِقْرَارٍ، أَوِ اشْتِهَارٍ، وَنَحْوِهِ. وَإِمَّا الْإِثْبَاتُ، نَحْوَ: الْخَيْلُ حَيَوَانٌ يُسَابَقُ عَلَيْهِ، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْإِبِلِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ زَكَاةُ الْقِيمَةِ.
وَجَوَابُهُ، بِأَنَّ النِّزَاعَ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ، وَقَدْ عَرَّفْنَا الزَّكَاةَ بِاللَّامِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَفِي لُزُومِ الْمُعْتَرِضِ إِبْدَاءُ مُسْتَنَدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ خِلَافُ الْإِثْبَاتِ، لِئَلَّا يَأْتِيَ بِهِ نَكَدًا وَعِنَادًا؛ وَالنَّفْيُ، إِذْ بِمُجَرَّدِهِ يَبِينُ عَدَمُ لُزُومِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ مِمَّا ذَكَرَهُ، وَالْأُولَى أَوْلَى، وَيَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِإِيرَادِهِ عَلَى وَجْهٍ يُغَيِّرُ الْكَلَامَ عَنْ ظَاهِرِهِ، إِذْ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَهُوَ كَالتَّسْلِيمِ، نَحْوَ: الْخَلُّ مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَلَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ كَالْمَرَقِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: أَقُولُ بِهِ، إِذِ الْخَلُّ النَّجِسُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ الْخَلُّ الطَّاهِرُ، إِذِ النَّجِسُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ إِزَالَتِهِ، فَهُوَ كَالنَّقْضِ الْعَامِّ، كَالْعَرَايَا عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا.
ــ
قَوْلُهُ: " وَمَوْرِدُهُ إِمَّا النَّفْيُ "، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: وَمَوْرِدُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ، أَيْ: الْمَحَلُّ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، أَوْ مِنَ الدَّعَاوَى، " إِمَّا النَّفْيُ "، أَوِ " الْإِثْبَاتُ " أَيْ: دَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ الَّتِي يَرِدُ عَلَيْهَا الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ
стр. 1857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَافِيَةً، نَحْوَ: " لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ " أَوْ مُثْبِتَةً، نَحْوَ: تَجِبُ الزَّكَاةُ.
وَأَجْوَدُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ إِمَّا أَنْ يَرِدَ مِنَ الْمُعْتَرِضِ دَفْعًا عَنْ مَذْهَبِهِ، أَوْ إِبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ بِاسْتِيفَاءِ الْخِلَافِ مَعَ تَسْلِيمِ مُقْتَضَى دَلِيلِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتَّبَ عَلَى دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِبْطَالَ مَدْرَكِ الْخَصْمِ، أَوْ إِثْبَاتَ مَذْهَبِهِ هُوَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ يَكُونُ مِنَ الْمُعْتَرِضِ دَفْعًا عَنْ مَأْخَذِهِ، لِئَلَّا يَفْسَدَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، كَانَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ مِنَ الْمُعْتَرِضِ إِبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ وَالْمُعْتَرِضَ كَالْمُتَحَارِبَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْصِدُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ وَتَعْطِيلَ صَاحِبِهِ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ لِمَوْرِدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
أَمَّا تَقْسِيمِي أَنَا لَهُ إِلَى نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، فَلِأَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَقْصُودُ التَّقْسِيمِ، وَرَأَيْتُ الْمِثَالَ عَلَى وَفْقِهِ فِي أَصْلِ الْمُخْتَصَرِ. أَعْنِي أَنَّهُ مُنْقَسِمٌ إِلَى نَفْيٍ كَمَا فِي مِثَالِ الْقِصَاصِ، وَإِلَى إِثْبَاتٍ كَمَا فِي مِثَالِ الزَّكَاةِ، فَقَوِيَ الظَّنُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَكُنْ عِنْدَ الِاخْتِصَارِ تَأَمَّلْتُهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: وَهُوَ وُرُودُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ عَلَى إِبْطَالِ مَأْخَذِ الْمُعْتَرِضِ، فَيَدْفَعُ بِهِ الْمُعْتَرِضُ عَنْ مَذْهَبِهِ: أَنْ يَقُولَ الْحَنْبَلِيُّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ " بِالْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ ": " التَّفَاوُتُ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَالتَّفَاوُتِ فِي الْقَتْلِ "، فَإِنَّهُ لَوْ ذَبَحَهُ، أَوْ ضَرَبَ عُنُقَهُ أَوْ طَعَنَهُ بِرُمْحٍ، أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الْقَتْلِ، لَمْ يَمْنَعِ الْقِصَاصَ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ التَّفَاوُتُ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاص مُحَدَّدَةً كَانَتْ أَوْ مُثَقَّلَةً. وَهَذَا تَعَرُّضٌ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ بِإِبْطَالِ مَأْخَذِ الْخَصْمِ، إِذِ الْحَنَفِيُّ يَرَى أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْآلَةِ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، لِأَنَّ الْمُثَقَّلَ لَمَّا
стр. 1858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَقَاصَرَ تَأْثِيرُهُ عَنِ الْمُحَدَّدِ أَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً، وَالْقِصَاصُ حَدٌّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، " فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ " دِفَاعًا عَنْ مَذْهَبِهِ: " سَلَّمْتُ " أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ؛ " لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْمَانِعِ " لِلْقِصَاصِ ثُبُوتُهُ، " بَلْ " إِنَّمَا يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ " مِنْ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ " وَهُوَ السَّبَبُ الصَّالِحُ لِإِثْبَاتِهِ وَالنِّزَاعِ فِيهِ، وَلِهَذَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدِي بِالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، أَوِ السِّكِّينِ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الْآلَاتِ مَعَ تَفَاوُتِهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ صَالِحَةً لِلْإِزْهَاقِ بِالسَّرَيَانِ فِي الْبَدَنِ بِخِلَافِ الْمُثَقَّلِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ: أَنْ يَقُولَ الشَّفْعَوِيُّ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِيلَادِ الْأَبِ جَارِيَةَ الِابْنِ: إِنَّ وُجُوبَ الْقِيمَةِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمَهْرِ، لِأَنَّهَا بِوُجُوبِ الْقِيمَةِ عَلَى الْأَبِ صَارَتْ مِلْكًا لَهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَهْرُ مِلْكِهِ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: أُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمَهْرِ، لَكِنَّ النِّزَاعَ فِي وُجُوبِ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْمَهْرِ، إِذِ الْحُكْمُ ثَبَتَ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، لَا لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ.
قَوْلُهُ: " وَجَوَابُهُ: بِبَيَانِ لُزُومِ حُكْمِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مِمَّا ذَكَرَهُ إِنْ أَمْكَنَ، أَوْ بِأَنَّ النِّزَاعَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ بِإِقْرَارٍ، أَوِ اشْتِهَارٍ، وَنَحْوِهِ ". أَيْ: وَجَوَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ بِطُرُقٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ لُزُومَ حُكْمِ مَحَلِّ النِّزَاعِ بِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي دَلِيلِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ بَيَانُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ: يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ التَّفَاوُتِ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ وُجُودُ مُقْتَضَى الْقِصَاصِ إِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُودَ الْمَانِعِ وَعَدَمَهُ قِيَامُ الْمُقْتَضِي، إِذْ لَا يَكُونُ الْوَصْفُ مَانِعًا بِالْفِعْلِ إِلَّا لِمُعَارَضَةِ الْمُقْتَضِي، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي وَجُودَهُ. وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ
стр. 1859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُقْتَضِيهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، لَمْ يَصِحَّ عُرْفًا الِاهْتِمَامُ بِسَلْبِ الْمَانِعِ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي، وَإِلَّا فَالِاهْتِمَامُ بِسَبَبِ الْمُقْتَضِي أَوْلَى. أَوْ بِأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: إِذَا سَلَّمْتَ أَنَّ تَفَاوُتَ الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، فَالْقَتْلُ الْمُزْهِقُ هُوَ الْمُقْتَضِي، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ. وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِيلَادِ إِذَا سَلَّمْتَ أَنَّ وُجُوبَ الْقِيمَةِ لَا يَمْنَعُ الْمَهْرَ، فَالْمُتَقَضِّي لِوُجُوبِ الْمَهْرِ قَائِمٌ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي وَقْتٍ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لَهُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: أَقُولُ بِمُوجِبِ هَذَا الدَّلِيلِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ؟ فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَازِمٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ عِنْدَكَ، فَإِذَا سَلَّمْتَ انْتِفَاءَ لَازِمِهَا، لَزِمَكَ تَسْلِيمُ انْتِفَائِهَا، إِذْ لَا بَقَاءَ لِلْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ " أَنَّ النِّزَاعَ " إِنَّمَا هُوَ فِيمَا " يَعْرِضُ لَهُ "، إِمَّا " بِإِقْرَارٍ " أَوِ اعْتِرَافٍ مِنَ الْمُعْتَرِضِ بِذَلِكَ. مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ لَا فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ، وَوَقَعَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بِاشْتِهَارٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعُرْفِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَقَعَ النِّزَاعُ فِيهَا فِي كَذَا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ هَهُنَا، فَلَا يُسْمَعُ مِنَ الْمُعْتَرِضِ الْعُدُولُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ إِنْكَارٌ لِمَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَفِي الثَّانِي نَوْعُ مُرَاوَغَةٍ وَمُغَالَطَةٍ وَدَعْوَى جَهْلٍ بِالْمَشْهُورَاتِ، كَمَنْ نَشَأَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَشَرِبَ أَوْ زَنَى مُدَّعِيًّا لِلْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، وَوَطْءُ الثَّيِّبِ
стр. 1860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: أُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الزَّكَاةَ وَالرَّدَّ يَثْبُتَانِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ لَا يُسْمَعُ، لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَحْوِهَا مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي الزَّكَاةِ: هَلْ تَجِبُ مَعَ الدَّيْنِ؟ وَوَطْءُ الثَّيِّبِ هَلْ يَجُوزُ مَعَهُ الرَّدُّ؟ وَمَعَ الشُّهْرَةِ لَا يُقْبَلُ الْعُدُولُ عَنِ الْمَشْهُورِ، وَلَا دَعْوَى خَفَائِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ هَذَا التَّقْسِيمُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ إِلَى دَعْوَى فَسَادِ الْوَضْعِ، لِكَوْنِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَأَشْبَهَ اقْتِضَاءَ الْعِلَّةِ خِلَافَ مَا عُلِّقَ بِهَا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْآخَرُ مِنْهُ إِذَا صَحَّ وَاسْتَقَرَّ.
مِثَالُ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ، وَهُوَ أَنْ يَرِدَ مِنَ الْمُعْتَرِضِ إِبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي " الْخَيْلِ: حَيَوَانٌ يُسَابَقُ عَلَيْهِ، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْإِبِلِ، فَيَقُولُ " الْمُعْتَرِضُ " أَقُولُ بِمُوجَبِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ تَجِبَ فِيهَا " زَكَاةُ الْقِيمَةِ " إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ.
قَوْلُهُ: " وَجَوَابُهُ ". أَيْ: وَجَوَابُ مِثْلِ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: النِّزَاعُ إِنَّمَا كَانَ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ وَقَدْ عُرِّفَتِ " الزَّكَاةُ بِاللَّامِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ " الْمَعْهُودِ، وَهُوَ زَكَاةُ الْعَيْنِ، فَالْعُدُولُ إِلَى زَكَاةِ الْقِيمَةِ لَا يُسْمَعُ، لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِمَدْلُولٍ إِلَى غَيْرِهِ. وَهَذَا نَحْوٌ مِمَّا سَبَقَ مِنَ الْجَوَابِ بِشُهْرَةِ الْمُرَادِ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي نِكَاحِ الْيَتِيمَةِ: صَغِيرَةٌ، فَتَثْبُتُ الْوَلَايَةُ
стр. 1861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَ لَهَا أَبٌ أَوْ جَدٌّ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: نَعَمْ تَثْبُتُ الْوَلَايَةُ عَلَيْهَا فِي الْمَالِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: اللَّفْظُ أَعَمُّ مِنَ الْمَالِ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي وَلَايَةِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: " وَفِي لُزُومِ الْمُعْتَرِضِ إِبْدَاءُ مُسْتَنَدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ خِلَافُ الْإِثْبَاتِ، لِئَلَّا يَأْتِيَ بِهِ نَكَدًا وَعِنَادًا، وَالنَّفْيُ، إِذْ بِمُجَرَّدِهِ يَبِينُ عَدَمُ لُزُومِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ مِمَّا ذَكَرَهُ ".
يَعْنِي: أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِذَا قَالَ بِمُوجَبِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ مُسْتَنَدَ الْقَوْلِ بِمُوجَبِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: التَّفَاوُتُ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ، لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ، وَوُجُوبُ الْقِيمَةِ لَا يَمْنَعُ الْمَهْرَ، لَكِنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي، إِذْ لَمْ يَبْقَ مَحَلٌّ يَجِبُ الْمَهْرُ عَنْهُ، وَأُسَلِّمُ أَنَّ زَكَاةَ الْقِيمَةِ تَجِبُ فِي الْخَيْلِ، لَكِنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ لَا تَجِبُ، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِمَا عِنْدَهُ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، إِذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُسْتَنَدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ، لَأَتَى بِهِ نَكَدًا وَعِنَادًا عَلَى الْمُسْتَدِلِّ لِيُفْحِمَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَيُفْضِي إِلَى تَضْيِيعِ فَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ. وَيَصِيرُ هَذَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِ ﵇: لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ، لَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ عَدْلٌ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ وَمَأْخَذِهِ، فَوَجَبَ تَقْلِيدُهُ فِي ذَلِكَ،
стр. 1862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِلَّا كَانَ مُطَالَبَتُهُ بِالْمُسْتَنَدِ تَكْذِيبًا لَهُ.
قُلْتُ: فَقَدْ بَانَ أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُعْتَرِضِ الْعَدْلِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِحُبِّ الِانْتِصَارِ عَلَى الْخَصْمِ حَتَّى بِالِاسْتِرْسَالِ فِي الْكَلَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ بِالْمُسْتَنَدِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى إِفْحَامِ الْمُسْتَدِلِّ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَتَضْيِيعِ فَائِدَةِ النَّظَرِ، وَنَشْرِ الْكَلَامِ. ثُمَّ إِذَا ذَكَرَ مُسْتَنَدَ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ، لَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: وُجُوبُ الْقِيمَةِ لَا يَمْنَعُ الْمَهْرَ، لَكِنَّهُ لَا يَجِبُ، لِأَنَّ الْأَبَ مَلَكَ الْأَمَةَ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَهْرُهَا، فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُعَارِضَهُ، وَيُبَيِّنَ أَنَّ الْأَبَ لَا يَمْلِكُ الْجَارِيَةَ، وَيَكُونُ مُنْقَطِعًا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُنَاظِرُ الْخَصْمَ فِي مَذْهَبِهِ وَهُوَ أَعْرَفُ بِهِ.
قَوْلُهُ: " وَيَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِإِيرَادِهِ عَلَى وَجْهٍ يُغَيِّرُ الْكَلَامَ عَنْ ظَاهِرِهِ، إِذْ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَهُوَ كَالتَّسْلِيمِ ".
أَيْ: يَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِإِيرَادِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ عَلَى وَجْهٍ يُغِيِّرُ كَلَامَ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ " وَجُودَهُ كَعَدَمِهِ "، وَلَوْ عُدِمَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ لَانْقَطَعَ، فَكَذَا إِذَا أَتَى بِهِ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِتَغَيُّرِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، صَارَ كَالْمُنَاظِرِ لِنَفْسِهِ كَمَا سَبَقَ التَّقْسِيمُ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا.
مِثْلَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْحَنْبَلِيُّ: " الْخَلُّ مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَلَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ كَالْمَرَقِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: أَقُولُ " بِمُوجَبِهِ، وَهُوَ أَنَّ " الْخَلَّ النَّجِسَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ " عِنْدِي، فَلَا يُسْمَعُ هَذَا مِنْهُ، " لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ " عَقْلًا وَعُرْفًا وَشَرْعًا إِنَّمَا هُوَ " الْخَلُّ الطَّاهِرُ "، أَمَّا النَّجِسُ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، فَصَارَ " كَالنَّقْضِ الْعَامِّ " عَلَى الْعِلَّةِ، لِأَنَّ النَّجِسَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بِإِزَالَتِهِ لِلنَّجَاسَةِ قَائِلٌ؛ صَارَ مَرْفُوضًا لَا يُفْرَضُ فِيهِ نِزَاعٌ، وَلَا يُوَجَّهُ إِلَيْهِ نَظَرٌ، " كَالْعَرَايَا عَلَى
стр. 1863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِلَّةِ الرِّبَا "؛ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ يَقُولُ بِهَا لَمْ تِرِدْ نَقْضًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا لِلْعِلْمِ بِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا هَذَا، وَبَيَانُ تَغْيِيرِ الْمُعْتَرِضِ كَلَامَ الْمُسْتَدِلِّ أَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ الْحُكْمَ فِي الْخَلِّ النَّجِسِ، صَارَ كَأَنَّهُ فَهِمَ عَنِ الْمُسْتَدِلِّ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَلَّ النَّجِسَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، فَقَدْ قَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ.
стр. 1864
وَيَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ مَنْعُ كَوْنِهِ حُجَّةً، أَوْ فِي الْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ وَالْمَظَانِّ كَالْحَنَفِيَّةِ كَمَا سَبَقَ وَجَوَابُهُ.
وَالْأَسْئِلَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعٍ، أَوْ مُعَارَضَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يُسْمَعْ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَتَرْتِيبُهَا أَوْلَى اتِّفَاقًا، وَفِي وُجُوبِهِ خِلَافٌ، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَيَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ مَنْعُ كَوْنِهِ حُجَّةً» ، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: يُعْتَرَضُ عَلَى الْقِيَاسِ بِأَسْئِلَةٍ أُخَرَ، مِثْلَ: أَنَّ الْقِيَاسَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ حُجَّةً شَرْعِيَّةٍ كَمَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ، أَوْ لَيْسَ حُجَّةً «فِي الْحُدُودِ» «وَالْمَظَانِّ» ، يَعْنِي الْأَسْبَابَ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ «كَمَا سَبَقَ وَجَوَابُهُ» ، أَيْ: قَدْ سَبَقَ هَذَا كُلُّهُ وَسَبَقَ جَوَابُهُ فِي أَقْسَامِ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَالْأَسْئِلَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعٍ أَوْ مُعَارَضَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يُسْمَعْ» . أَيْ: جَمِيعُ الْأَسْئِلَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَعَدُّدِهَا رَاجِعَةٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إِلَى مَنْعِ حَالِ الدَّلِيلِ لِيَسْلَمَ مَذْهَبُ الْمُعْتَرِضِ مِنْ إِفْسَادِهِ لَهُ، أَوْ إِلَى مُعَارَضَةِ الدَّلِيلِ بِمَا يُقَاوِمُهُ أَوْ يَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ، لِتَضْعُفَ قُوَّتُهُ عَنْ إِفْسَادِ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ مَعَ الْمُسْتَدِلِّ كَسُلْطَانٍ فِي بِلَادِهِ وَقِلَاعِهِ وَحُصُونِهِ، دَهَمَهُ سُلْطَانٌ آخَرُ يُرِيدُ أَخْذَ بِلَادِهِ مِنْهُ، فَالْمَلِكُ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ تِلْكَ الْبِلَادِ يَتَوَصَّلُ إِلَى الِاعْتِصَامِ مِنَ الْمَلِكِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ، إِمَّا بِأَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ دُخُولِ أَرْضِهِ بِمَانِعٍ يَجْعَلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ إِرْسَالِ مَاءٍ، أَوْ نَارٍ، أَوْ خَنْدَقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ بِأَنْ يُعَارِضَ جَيْشَهُ بِجَيْشٍ
стр. 1865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِثْلِهِ، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، لِيَمْنَعَ اسْتِيلَاءَهُ، أَوْ يَطْرُدَهُ.
فَكَذَلِكَ الْمُسْتَدِلُّ إِذَا نَصَبَ الدَّلِيلُ وَقَرَّرَهُ، فَهُوَ مُبْطِلٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، إِمَّا تَصْرِيحًا أَوْ لُزُومًا، فَيَحْتَاجُ الْمُعْتَرِضُ إِلَى مَنْعِ دَلِيلِهِ، أَوْ إِلَى مُعَارَضَتِهِ، وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ دَلِيلَكَ يُفِيدُ مَا ادَّعَيْتَ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِكَذَا، وَاصْطَلَحَ نُظَّارُ الْعَجَمِ فِي صِيغَةِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلِيلِ وَإِنْ دَلَّ لَكِنْ عِنْدَنَا مَا يُعَارِضُهُ، وَيُقَرِّرُونَ الْمُعَارَضَةَ، وَلِلْمُسْتَدِلِّ وَالْمُعْتَرِضِ مِنَ الْمَحْسُوسِ مِثَالٌ آخَرُ وَهُمَا الْمُتَضَارِبَانِ بِالسَّيْفِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا ضَرَبَ فَإِمَّا أَنْ يَمْنَعَ تَأْثِيرَ ضَرْبَةِ صَاحِبِهِ فِيهِ، بِأَنْ يَلْقَاهَا فِي مِجَنٍّ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ يُقَابِلَ صَاحِبَهُ عَلَى ضَرْبَتِهِ بِضَرْبَةٍ مِثْلِهَا مَانِعَةٍ أَوْ مُقْتَضِيَةٍ.
وَحَيْثُ اتَّضَحَ أَنَّ مَرْجِعَ الْأَسْئِلَةِ إِلَى مَنْعٍ، أَوْ مُعَارَضَةٍ، فَالْمُعَارَضَةُ أَيْضًا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَنْعِ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُعْتَرِضِ الِاعْتِصَامُ مِنْ إِفْسَادِ الْمُسْتَدِلِّ مَذْهَبَهُ. وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْأَسْئِلَةُ رَاجِعَةً إِلَى ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِالْمَنْعِ، وَالْمُعَارَضَةُ فَمَا سِوَاهُمَا خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ» سُؤَالًا. وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْآمِدِيُّ فِي «الْمُنْتَهَى» . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا أَنَا ذَاكِرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَذَكَرَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ الْبَزْدَوِيُّ فِي «الْمُقْتَرَحِ» أَنَّهَا خَمْسَةَ عَشَرَ سُؤَالًا،
стр. 1866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهِيَ هَذِهِ:
دَعْوَى فَسَادِ الْوَضْعِ، مَنْعُ وَصْفِ الْعِلَّةِ، الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ، النِّزَاعُ فِي ظُهُورِ وَصْفِ الْعِلَّةِ، النِّزَاعُ فِي كَوْنِهِ مَضْبُوطًا، الْمُطَالَبَةُ بِاعْتِبَارِهِ عِلَّةً، مَنْعُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ. اخْتِلَافُ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ مَعَ اتِّحَادِ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِمَا، بَيَانُ اخْتِلَافِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِمَا، بَيَانُ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِيهِمَا، الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ، النَّقْضُ، الْكَسْرُ، الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ، الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ.
وَذَكَرَهَا النِّيلِيُّ فِي «شَرْحِ جَدَلِ الشَّرِيفِ» أَرْبَعَةَ عَشَرَ:
الِاسْتِفْسَارُ، فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، فَسَادُ الْوَضْعِ، الْمَنْعُ، التَّقْسِيمُ، الْمُطَالَبَةُ، النَّقْضُ، الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ، عَدَمُ التَّأْثِيرِ، الْفَرْقُ، الْمُعَارَضَةُ، التَّعْدِيَةُ، التَّرْكِيبُ. هَكَذَا، ذَكَرَ أَنَّهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ.
قَالَ: وَهَذَا تَرْتِيبُهَا فِي الْإِيرَادِ إِلَّا فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ النَّقْضَ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ وَصْفًا مِنَ الْعِلَّةِ لَا أَثَرَ لَهُ، وَالنَّقْضُ إِنَّمَا يَرِدُ بَعْدَ صَلَاحِيَةِ الْعِلَّةِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ فِي «الْمُنْتَهَى» فَهُوَ:
الِاسْتِفْسَارُ، فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، فَسَادُ الْوَضْعِ، مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، التَّقْسِيمُ، مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ، عَدَمُ التَّأْثِيرِ، الْقَدْحُ فِي مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ، مَنْعُ صَلَاحِيَةِ إِفْضَاءِ الْوَصْفِ إِلَى الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ، مَنْعُ ظُهُورِ الْوَصْفِ، مَنْعُ انْضِبَاطِهِ، النَّقْضُ، الْكَسْرُ، الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ، التَّرْكِيبُ، التَّعْدِيَةُ، مَنْعُ وُجُوبِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي حُكْمَ الْمُسْتَدِلِّ، الْفَرْقُ، اخْتِلَافُ الضَّابِطِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَعَ اتِّحَادِ الْحِكْمَةِ، اتِّحَادُ الضَّابِطِ مَعَ اخْتِلَافِ الْحِكْمَةِ - عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ - اخْتِلَافُ
стр. 1867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، قَلْبُ الدَّلِيلِ، الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ.
هَذِهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ.
وَذَكَرَ فِي «الْجَدَلِ» الَّذِي لَهُ أَنَّ الْأَسْئِلَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ أُمُورٍ فِقْهِيَّةٍ، وَإِلْزَامَاتٍ أَحْكَامِيَّةٍ.
وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إِلَى مُنَاسَبَاتٍ جَدَلِيَّةٍ وَمُؤَاخَذَاتٍ لَفْظِيَّةٍ:
فَالْأَوَّلُ: وَهُوَ أَهَمُّهَا يَنْحَصِرُ فِي أَسْئِلَةٍ عَشْرَةٍ، وَهِيَ:
فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، فَسَادُ الْوَضْعِ، مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ، مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ، مَنْعُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، وَيُلَقَّبُ بِسُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ، النَّقْضُ، الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ، مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَحَدَ عَشَرَ سُؤَالًا:
عَدَمُ التَّأْثِيرِ، الْكَسْرُ، الْعَكْسُ، التَّقْسِيمُ، بَيَانُ اخْتِلَافِ الْمَظِنَّةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ مَعَ اتِّحَادِ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ، بَيَانُ اخْتِلَافِ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَظِنَّةِ - عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ - بَيَانُ اخْتِلَافِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، كَقِيَاسِ التَّحْرِيمِ عَلَى الْوُجُوبِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ، الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ، الْقَلْبُ، سُؤَالُ التَّرْكِيبِ.
وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ اصْطَلَحَ عَلَى إِيرَادِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجَدَلِيِّينَ، وَأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِيرَادِهِ. فَهَذِهِ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ سُؤَالًا ذَكَرَهَا هَهُنَا. وَذَكَرَهَا فِي «الْمُنْتَهَى» خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ كُلَّ مَا قَدَحَ فِي الدَّلِيلِ، اتَّجَهَ إِيرَادُهُ، كَمَا أَنَّ كُلَّ سِلَاحٍ صَلُحَ لِلتَّأْثِيرِ فِي الْعَدُوِّ، يَنْبَغِي اسْتِصْحَابُهُ، وَجَمِيعُ الْأَسْئِلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَغَيْرِهِ تَقْدَحُ فِي الدَّلِيلِ فَيَنْبَغِي إِيرَادُهَا، وَلَا يَضُرُّ تَدَاخُلُهَا، وَرُجُوعُ
стр. 1868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ صِنَاعَةَ الْجَدَلِ اصْطِلَاحِيَّةٌ. وَقَدِ اصْطَلَحَ الْفُضَلَاءُ عَلَى إِيرَادِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ، فَهِيَ وَإِنْ تَدَاخَلَتْ، أَوْ رَجَعَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ أَجْدَرُ بِحُصُولِ الْفَائِدَةِ مِنْ إِفْحَامِ الْخَصْمِ، وَتَهْذِيبِ الْخَوَاطِرِ، وَتَمْرِينِ الْأَذْهَانِ عَلَى فَهْمِ السُّؤَالِ، وَاسْتِحْضَارِ الْجَوَابِ، وَتَكَرُّرُهَا الْمَعْنَوِيُّ لَا يَضُرُّ كَمَا لَوْ رَمَى الْمُقَاتِلُ بِسَهْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: «وَتَرْتِيبُهَا أَوْلَى اتِّفَاقًا، وَفِي وُجُوبِهِ خِلَافٌ» .
أَيْ: تَرْتِيبُ الْأَسْئِلَةِ وَهُوَ جَعْلُ كُلِّ سُؤَالٍ فِي رُتْبَتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي بِالْمُعْتَرِضِ إِلَى الْمَنْعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْلَى، وَهُوَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْمَنْعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ قَبِيحٌ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ أَوْلَى.
أَمَّا وُجُوبُهُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ نَفْيًا لِلْقُبْحِ الْمَذْكُورِ، وَنَفْيُ الْقُبْحِ وَاجِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ كُلَّ سُؤَالٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، وَجَوَابُهُ مُرْتَبِطٌ بِهِ، فَلَا فَرْقَ إِذَنْ بَيْنَ تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِهِ، وَالْمَقْصُودُ إِفْحَامُ الْخَصْمِ، وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ التَّرْتِيبِ وَعَدَمِهِ، كَمَا أَنَّ الْمُحَارِبَ لَمَّا كَانَ قَصْدُهُ قَتْلَ غَرِيمِهِ، أَوْ هَزِيمَتَهُ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَبْدَأَ قِتَالَهُ بِسَيْفٍ، أَوْ رُمْحٍ، أَوْ سَهْمٍ، أَوْ نَارٍ مُحْرِقَةٍ، أَوْ مَاءٍ مُغْرِقٍ، أَوْ تَرْدِيَةٍ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ تَرْتِيبَ الْأَسْئِلَةِ كَيْفِيَّةٌ لَهَا، ثُمَّ إِنَّ نَفْسَ الْأَسْئِلَةِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا، إِنَّمَا الْمَقْصُودُ إِفْحَامُ الْخَصْمِ وَهِيَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ فَتَرْتِيبُهَا الَّذِي هُوَ فَرْعٌ
стр. 1869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهَا أَوْلَى بِذَلِكَ. هَذَا تَوْجِيهُ مَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
وَذَكَرَ النِّيلِيُّ كَلَامًا مَعْنَاهُ: أَنَّ السَّائِلَ هَلْ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَسْئِلَةِ بِأَنْ يَسْرُدَهَا سَرْدًا، ثُمَّ يُجِيبُ الْمُسْتَدِلَّ عَنْهَا سُؤَالًا سُؤَالًا، أَمْ لَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سُؤَالٍ وَجَوَابِهِ، ثُمَّ إِيرَادِ الَّذِي بَعْدَهُ؟
فَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ، لِأَنَّهُ إِذَا جَمَعَ، فَقَالَ: لَا أُسَلِّمُ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ قُلْتَ؟ فَقَدْ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ. وَبِالْجُمْلَةِ انْتِقَالُهُ إِلَى كُلِّ سُؤَالٍ رُجُوعٌ عَمَّا قَبْلَهُ.
قُلْتُ: فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ يُورِدُ، وَيُجِيبُ نَفْسَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ جَمْعَهُ بَيْنَ الْأَسْئِلَةِ لَيْسَ رُجُوعًا عَنْ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَنَزُّلٌ مَعَ الْخَصْمِ مِنْ مَقَامٍ إِلَى مَقَامٍ عَلَى جِهَةِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ. أَيْ: لَوْ فَرَضْنَا سَلَامَةَ الدَّلِيلِ عَنِ الْمَنْعِ، لَمْ يَسْلَمْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، فَانْتِقَالُهُ إِلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ سُقُوطِ سُؤَالِ الْمَنْعِ بِإِجَابَةِ الْمُسْتَدِلِّ عَنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي عُهْدَةِ الْمَنْعِ حَتَّى يُجِيبَ عَنْهُ.
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي أَوَّلِ الشَّرْحِ أَنِّي اسْتَعْمَلْتُ الطَّرِيقَيْنِ فِي الْكِتَابِ، وَأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَائِدَةٌ. ثُمَّ إِذَا جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَسْئِلَةِ هَلْ يَلْزَمُهُ تَرْتِيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ آنِفًا. وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ أَلْيَقُ بِالِاتِّفَاقِ.
قَوْلُهُ: «وَفِي كَيْفِيَّتِهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ» ، أَيْ: فِي كَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ خِلَافٌ كَثِيرٌ. ذَكَرَ ابْنُ الْمَنِيِّ مِنْهُ جُمْلَةً فِي جَدَلِهِ الْمُسَمَّى: «جَنَّةُ النَّاظِرِ وَجُنَّةُ الْمَنَاظِرِ» وَلَيْسَ الْآنَ حَاضِرًا عِنْدِي لِأَذْكُرَ مَا قَالَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَرْتُ بِالْأَقْوَالِ الْكَثِيرَةِ، لَكِنْ قَدْ دَلَّ عَلَى كَثْرَةِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَزْدَوِيِّ وَالنِّيلِيِّ وَالْآمِدِيِّ
стр. 1870
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي «جَدَلِهِ» زَعَمَ أَنَّ تَرْتِيبَ الْأَسْئِلَةِ عَلَى تَرْتِيبِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ، وَأَنْتَ تَرَى الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَاتِ الْأَسْئِلَةِ وَأَسْمَائِهَا وَتَرْتِيبِهَا، وَالضَّابِطُ الْكُلِّيُّ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنْ لَا يُفْضِيَ إِيرَادُهَا إِلَى مَنْعٍ بَعْدَ تَسْلِيمٍ أَوْ إِنْكَارٍ بَعْدَ اعْتِرَافٍ.
مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: قَتْلٌ فَيُوجِبُ الْقِصَاصَ، لِمَ قُلْتَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ؟ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُوجِبُ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَتْلٌ، سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ يَنْتَقِضُ بِالْخَطَأِ، سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّهُ قَتْلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَوْ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؟ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ عِنْدَنَا مَا يُعَارِضُهُ، سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ مَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِكَ: إِنَّهُ قَتْلٌ؟ وَهُوَ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ، ثُمَّ يَذْكُرُ فَسَادَ الْوَضْعِ وَالِاعْتِبَارِ، فَالسُّؤَالُ الْأَوَّلُ سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِ الْعِلَّةِ، وَفِيهِ تَسْلِيمُ وَجُودِهَا، وَالثَّانِي مَنْعُ الْعِلَّةِ، فَهُوَ مَنْعٌ بَعْدَ تَسْلِيمٍ، وَكَذَا الْأَسْئِلَةُ بَعْدَهُ فِي غَيْرِ مَرَاتِبِهَا، وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
قَالَ الْآمِدِيُّ فِي «الْجَدَلِ» : أَوَّلُ مَا يَجِبُ ذِكْرُهُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ:
فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَجًّا بِهِ، فَلَا مَعْنًى لِلنَّظَرِ فِي تَفَاصِيلِهِ.
ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ، لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ فِي جِنْسِهِ.
ثُمَّ مَنْعُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ نَظَرٌ فِي تَفْصِيلِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ.
ثُمَّ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ عَمَّا يَدَّعِي كَوْنَهُ عِلَّةً، إِذِ التَّعَرُّضُ لِلِاسْتِفْسَارِ عَنِ الْوَصْفِ الْمُسْتَنْبَطِ يُشْعِرُ بِصِحَّةِ الْمُسْتَنْبَطِ عَنْهُ.
ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِمَعْرِفَةِ الْوَصْفِ، وَالِاسْتِفْسَارُ يُشْعِرُ بِجَهْلِهِ.
стр. 1871
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمَّ سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، إِذِ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِهِ تُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ وَجُودِهِ فِي نَفْسِهِ.
ثُمَّ النَّقْضُ، لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى تَأْثِيرِ الْوَصْفِ.
ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّهَا تُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ صَلَاحِيَةِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ، وَالنَّقْضُ يُشْعِرُ بِعَدَمِ ذَلِكَ.
ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ لِإِشْعَارِهِ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِإِيرَادِهِ.
ثُمَّ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ، لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ دَلَالَةِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ عَلَى الْحُكْمِ، لَكِنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُ غَيْرُ مَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ.
وَقَالَ فِي «الْمُنْتَهَى» : الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِالِاسْتِفْسَارِ، لِيَعْرِفَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ، ثُمَّ بِفَسَادِ الِاعْتِبَارِ، إِذْ هُوَ نَظَرٌ فِي الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ، لَا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ، ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ، لِكَوْنِهِ أَخَصَّ مِنْ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ، ثُمَّ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ نَظَرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ، فَكَانَ مُؤَخَّرًا عَمَّا قَبْلَهُ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ نَظَرَ فِيمَا هُوَ مُتَفَرِّعٌ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، ثُمَّ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ، وَسُؤَالُ عَدَمِ التَّأْثِيرِ، وَالْقَدْحِ فِي الْمُنَاسَبَةِ، وَالتَّقْسِيمِ، وَكَوْنُ الْوَصْفِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَا يَنْضَبِطُ، وَكَوْنُ الْحُكْمِ غَيْرُ مُفْضٍ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ، لِكَوْنِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ صِفَةَ وُجُوهِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ النَّقْضُ، وَالْكَسْرُ؛ لِكَوْنِهِ مُعَارِضًا لِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ وَالتَّرْكِيبِ؛ لِكَوْنِهِ مُعَارِضًا لِلْعِلَّةِ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَمُخَالَفَةُ حُكْمِهِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَمُخَالَفَتُهُ لِلْأَصْلِ فِي الضَّابِطِ أَوِ الْحِكْمَةِ،
стр. 1872
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ، وَسُؤَالُ الْقَلْبِ؛ لِكَوْنِهِ نَظَرًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ التَّابِعِ لِلْأَصْلِ، ثُمَّ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ لِتَضَمُّنِهِ تَسْلِيمَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّلِيلِ الْمُثْمِرِ لَهُ.
قُلْتُ: وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَنَا: يَلْزَمُ أَوْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْأَدِلَّةِ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، أَوْ لَا يَجُوزُ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ الْوُجُوبَ أَوْ عَدَمَ الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ، بِمَعْنَى أَنَّ الْمُعْتَرِضَ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحِيٌّ، أَيْ: يَكُونُ تَارِكُهُ مَذْمُومًا فِي اصْطِلَاحِ النُّظَّارِ، فَهُوَ قَادِحٌ فِي الْفَضِيلَةِ، لَا فِي دِينٍ وَلَا مُرُوءَةٍ بِالنَّظَرِ فِي الطَّرِيقِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، يَعْرِفُ أَمْثِلَةَ إِيرَادِ الْأَسْئِلَةِ وَكَيْفِيَّةِ الْجَوَابِ عَنْهَا، كَتَعْلِيقَةِ الشَّرِيفِ الْمَرَاغِيِّ، وَالسَّيْفِ الْآمِدِيِّ، وَتَعْلِيقَةِ ابْنِ الْمَنِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ.
أَمَّا طَرِيقَةُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَصْحَابِهِ، كَأَبِي الْخَطَّابِ فِي «الِانْتِصَارِ» ، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي «عُمُدِ الْأَدِلَّةِ» وَنَحْوِهَا، فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا، ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا الْأَدِلَّةَ سَرْدًا وَتَرْتِيبًا، بَلْ أَوْرَدُوا كُلَّ دَلِيلٍ وَجَوَابَهُ عَقِيبَهُ مُرَتَّبًا ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْخِلَافِ فِي عَدَدِهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ وُرُودِهَا عَلَى الْقِيَاسِ أَنَّهَا تَرِدُ عَلَى كُلِّ قِيَاسٍ، لِأَنَّ مِنَ الْأَقْيِسَةِ مَا لَا يَرِدُ مِنْ مُوْرِدِهَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَسْئِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، كَالْقِيَاسِ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، لَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ إِلَّا مِنْ ظَاهِرِيٍّ وَنَحْوِهِ مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ، وَاللَّفْظُ الْبَيِّنُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ، وَالْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ فَسَادُ الْوَضْعِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُمْكِنُ تَخَلُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَسْئِلَةِ عَلَى الْبَدَلِ عَنْ بَعْضِ الْأَقْيِسَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْأَسْئِلَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى الْقِيَاسِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ.
стр. 1873
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ التَّصْرِيفِ: إِنَّ حُرُوفَ الزِّيَادَةِ هِيَ حُرُوفُ: «سَأَلْتُمُونِيهَا» عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْحُرُوفَ الزَّوَائِدَ عَلَى أُصُولِ مَوَادِّ الْكَلِمِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ، لَا أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفُ حَيْثُ وَقَعَتْ كَانَتْ زَوَائِدَ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا وَقَعَ أُصُولًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَقَدْ نُجِزَ بِحَمْدِ اللَّهِ الْكَلَامُ عَلَى الْأَدِلَّةِ، وَهَذَا حِينُ الشُّرُوعِ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُسْتَدِلِّ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ بَيَانِ الِاجْتِهَادِ وَالْمُجْتَهِدِ، وَالتَّقْلِيدِ وَالْمُقَلِّدِ، وَمَسَائِلِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 1874
الِاجْتِهَادُ
الِاجْتِهَادُ لُغَةً: بَذْلُ الْجُهْدِ فِي فِعْلٍ شَاقٍّ، فَيُقَالُ: اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الرَّحَى لَا فِي حَمْلِ خَرْدَلَةٍ.
وَاصْطِلَاحًا: بَذْلُ الْجُهْدِ فِي تَعَرُّفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالتَّامُّ مِنْهُ: مَا انْتَهَى إِلَى حَالِ الْعَجْزِ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ.
وَشَرْطُ الْمُجْتَهِدِ إِحَاطَتُهُ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ، وَهِيَ الْأُصُولُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَمَا يُعْتَبَرُ لِلْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْهُ، وَهُوَ قَدْرُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ اسْتِحْضَارُهَا لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا لَا حِفْظُهَا، وَكَذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ، وَمَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْحَدِيثِ اجْتِهَادًا كَعِلْمِهِ بِصِحَّةِ مَخْرَجِهِ وَعَدَالَةِ رُوَاتِهِ، أَوْ تَقْلِيدًا كَنَقْلِهِ مِنْ كِتَابٍ صَحِيحٍ ارْتَضَى الْأَئِمَّةُ رُوَاتَهُ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ مِنْهُمَا، وَيَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ أَنَّ دَلِيلَ هَذَا الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَمِنَ الْإِجْمَاعِ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ؛ وَيَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا أَمْ لَا، وَمِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مَا يَكْفِيهِ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ نَصٍّ وَظَاهِرٍ وَمُجْمَلٍ وَحَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ وَعَامٍّ وَخَاصٍّ وَمُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ وَدَلِيلِ خِطَابٍ، وَنَحْوِهِ، لَا تَفَارِيعِ الْفِقْهِ، لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوعِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا تُشْتَرَطُ لَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ، وَتَقْرِيرُ الْأَدِلَّةِ وَمُقَوِّمَاتُهَا.
ــ
" الِاجْتِهَادُ " افْتِعَالٌ مِنَ الْجُهْدِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا: الطَّاقَةُ، وَبِفَتْحِهَا فَقَطْ: الْمَشَقَّةُ.
стр. 1875
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُوَ " لُغَةً "، أَيْ: فِي اللُّغَةِ: " بَذْلُ الْجُهْدِ "، يَعْنِي الطَّاقَةَ " فِي فِعْلٍ شَاقٍّ "، وَإِنَّمَا وَصَفْنَا الْفِعْلَ بِكَوْنِهِ شَاقًّا لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ مُخْتَصٌّ بِهِ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ، إِذْ يُقَالُ: " اجْتَهَدَ " الرَّجُلُ " فِي حَمْلِ الرَّحَى " وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الثَّقِيلَةِ، وَ " لَا " يُقَالُ: اجْتَهَدَ " فِي حَمْلِ خَرْدَلَةٍ " وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْخَفِيفَةِ.
" وَاصْطِلَاحًا "، أَيْ: وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ: " بَذْلُ الْجُهْدِ فِي تَعَرُّفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ "، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي " الرَّوْضَةِ " وَ " الْمُسْتَصْفَى " " بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الظَّنِّ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ يُحَسُّ مِنَ النَّفْسِ الْعَجْزُ عَنِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي الْمَطْلُوبِ لُغَةً، وَاسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي النَّظَرِ فِيمَا يَلْحَقُهُ فِيهِ لَوْمٌ شَرْعِيٌّ اصْطِلَاحًا.
قُلْتُ: وَجَمِيعُ ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَسَاوِيًا.
قَوْلُهُ: " وَالتَّامُّ مِنْهُ "، أَيْ: مِنْ الِاجْتِهَادِ " مَا انْتَهَى إِلَى حَالِ الْعَجْزِ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ " الْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ يَنْقَسِمُ إِلَى نَاقِصٍ وَتَامٍّ، فَالنَّاقِصُ: هُوَ النَّظَرُ الْمُطْلَقُ فِي تَعَرُّفِ الْحُكْمِ، وَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ. وَالتَّامُّ: هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ حَتَّى يُحِسَّ النَّاظِرُ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ. وَمِثَالُهُ مِثَالُ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ دِرْهَمٌ فِي التُّرَابِ، فَقَلَّبَهُ بِرِجْلِهِ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَتَرَكَهُ وَرَاحَ. وَآخَرُ إِذَا جَرَى لَهُ ذَلِكَ، جَاءَ بِغِرْبَالٍ، فَغَرْبَلَ التُّرَابَ حَتَّى يَجِدَ الدِّرْهَمَ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَا عَادَ يَلْقَاهُ، فَالْأَوَّلُ اجْتِهَادٌ قَاصِرٌ، وَالثَّانِي تَامٌّ.
قَوْلُهُ: " وَشَرْطُ الْمُجْتَهِدِ إِحَاطَتُهُ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ، هِيَ الْأُصُولُ الْمُتَقَدِّمَةُ
стр. 1876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَا يُعْتَبَرُ لِلْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً ".
لَمَّا ذَكَرَ الِاجْتِهَادَ مَا هُوَ، وَالنَّاقِصَ مِنْهُ وَالتَّامَّ، أَخَذَ يُبَيِّنُ الْمُجْتَهِدَ وَشُرُوطَهُ، فَالْمُجْتَهِدُ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الِاجْتِهَادِ، وَحَصَّلَ أَهْلِيَّتَهُ، " وَشَرْطُ الْمُجْتَهِدِ إِحَاطَتُهُ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ "، أَيْ: طُرُقِهَا الَّتِي تُدْرَكُ مِنْهَا، وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهَا، " وَهِيَ الْأُصُولُ " الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا، وَهِيَ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ، وَالِاسْتِدْلَالُ، وَالْأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا، " وَمَا يُعْتَبَرُ لِلْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ " مِنْ حَيْثُ الْكَمِّيَّةِ وَالْمِقْدَارِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ لِلْحُكْمِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةِ كَتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ، وَتَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ آلَةٌ لِلْمُجْتَهِدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ، فَوَجَبَ اشْتِرَاطُهُ، كَالْقَلَمِ لِلْكَاتِبِ، وَالْقَدُومِ وَنَحْوِهِ لِلنَّجَّارِ.
قَوْلُهُ: «فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْهُ، وَهُوَ قَدْرُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا تَفْصِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَا يُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ .
أَمَّا الْكِتَابُ: فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ، وَهُوَ قَدْرُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ، كَمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَأَنَّ مِقْدَارَ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ كَمَا تُسْتَنْبَطُ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي؛ كَذَلِكَ تُسْتَنْبَطُ مِنَ الْأَقَاصِيصِ وَالْمَوَاعِظِ وَنَحْوِهَا،
стр. 1877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَلَّ أَنْ يُوجَدَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ إِلَّا وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَحْكَامِ. وَإِذَا أَرَدْتَ تَحْقِيقَ هَذَا، فَانْظُرْ إِلَى كِتَابِ «أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ» لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَصَرُوهَا فِي خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ إِنَّمَا نَظَرُوا إِلَى مَا قُصِدَ مِنْهُ بَيَانُ الْأَحْكَامِ دُونَ مَا اسْتُفِيدَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ بَيَانُهَا.
قَوْلُهُ: «بِحَيْثُ يُمْكِنُ اسْتِحْضَارُهَا لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا، لَا حِفْظُهَا» ، أَيْ: الْقَدْرُ الْمُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهُ لِلْمُجْتَهِدِ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَحْفَظَهُ، وَإِنْ حَفِظَهُ، فَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهُ بِلَفْظِهِ، بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَعْرِفُ مَوَاقِعَهُ مِنْ مَظَانِّهِ، لِيَحْتَجَّ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاجْتِهَادِ - وَهُوَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِدَلِيلِهِ - يَحْصُلُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَكَذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ» ، أَيْ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ مِنَ السُّنَّةِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ، كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ الْآيَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْقُرْآنِ
قُلْتُ: فَالْكَلَامُ هُنَا فِي التَّقْدِيرِ، كَالْكَلَامِ هُنَاكَ، أَعْنِي أَنَّ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ بَعْضُ السُّنَّةِ دُونَ بَعْضٍ، بَلْ قَلَّ حَدِيثٌ يَخْلُو عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَمَنْ نَظَرَ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ، كَالْقَاضِي عِيَاضٍ، وَالنَّوَاوِيِّ عَلَى «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» ، وَالْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى «الْبُخَارِيِّ» ، وَفِي شَرْحِ «سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ» وَغَيْرِهَا؛ عَرِفَ ذَلِكَ.
نَعَمْ أَحَادِيثُ السُّنَّةِ وَإِنْ كَثُرَتْ، فَهِيَ مَحْصُورَةٌ فِي الدَّوَاوِينِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَشْهُورٌ، كَالصَّحِيحَيْنِ وَبَقِيَّةِ السُّنَنِ السِّتَّةِ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَقَدْ قَرَّبَ
стр. 1878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّاسُ ذَلِكَ بِتَصْنِيفِ كُتُبِ الْأَحْكَامِ، كَكِتَابَيْ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سُرُورٍ، وَكُتُبِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْحَقِّ الْمَغْرِبِيِّ، وَكِتَابِ «الْأَحْكَامِ التَّيْمِيَّةِ» وَنَحْوِهَا، وَأَجْمَعَ مَا رَأَيْتُهُ مِنْ كُتُبِ الْأَحْكَامِ لَهَا أَحْكَامُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ، فَصَارَ الْوُقُوفُ عَلَى مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ سَهْلُ الْمَرَامِ وَ «مُخْتَصَرُ التِّرْمِذِيِّ» الَّذِي أَلَّفَهُ نَافِعٌ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: «وَمَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْحَدِيثِ اجْتِهَادًا» ، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: وَيُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِأَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ، وَمَعْرِفَتُهُ بِذَلِكَ إِمَّا بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْأَهْلِيَّةِ وَالْقُوَّةِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ مَا يَعْرِفُ بِهِ صِحَّةَ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ. أَيْ: طَرِيقِهِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَيِّ الْبِلَادِ هُوَ، أَوْ أَيِ التَّرَاجِمِ، وَيَعْلَمُ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ وَضَبْطَهُمْ.
وَبِالْجُمْلَةِ يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ وُجُودَ شُرُوطِ قَبُولِهِ، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، وَمُوجِبَاتِ رَدِّهِ.
وَإِمَّا بِطَرِيقِ التَّقْلِيدِ، بِأَنْ يَنْقِلَهُ «مِنْ كِتَابٍ صَحِيحٍ ارْتَضَى الْأَئِمَّةُ رُوَاتَهُ» ،
стр. 1879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَالصَّحِيحَيْنِ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَنَحْوِهَا، لِأَنَّ ظَنَّ الصِّحَّةِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الثَّانِي لِتَحْصِيلِهِ مِنَ الظَّنِّ أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: «وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ مِنْهُمَا» ، أَيْ: مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ بَطَلَ حُكْمُهُ، وَصَارَ الْعَمَلُ عَلَى النَّاسِخِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ، أَفْضَى إِلَى إِثْبَاتِ الْمَنْفِيِّ، وَنَفْيِ الْمُثْبَتِ، وَقَدِ اشْتَدَّتْ وَصِيَّةُ السَّلَفِ وَاهْتِمَامُهُمْ بِمَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، حَتَّى رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ رَأَى قَاصًّا يَقُصُّ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَهُوَ يَخْلِطُ الْأَمْرَ بِالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةَ بِالْحَظْرِ، فَقَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَبُو مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَبُو يَحْيَى، قَالَ: أَنْتَ أَبُو اعْرِفُونِي، ثُمَّ أَخَذَ أُذُنَهُ فَفَتَلَهَا، وَقَالَ: لَا تَقُصَّ فِي مَسْجِدِنَا بَعْدُ.
«وَيَكْفِيهِ» مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَنْ يَعْرِفَ «أَنَّ دَلِيلَ هَذَا الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ» ، يَعْنِي وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ الْمَنْسُوخَةِ مِنَ النَّاسِخَةِ، وَالْإِحَاطَةُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهِ، لِقِلَّةِ الْمَنْسُوخِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُحْكَمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ صَنَّفَ فِي نَاسِخِ الْقُرْآنِ وَمَنْسُوخِهِ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَمَكِّيٌّ صَاحِبُ «الْإِعْرَابِ» ، وَمِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلَامَةَ، وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمْ، وَفِي نَاسِخِ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخِهِ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ، وَابْنُ شَاهِينَ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرُهُمْ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ مَعْرِفَةً جَيِّدَةً مِنْ تَفَاسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الْبَسِيطَةِ كَتَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ، وَشَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَاوِيِّ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ سَبَقَتِ الطُّرُقُ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ.
قَوْلُهُ: «وَمِنَ الْإِجْمَاعِ» . أَيْ: وَيُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْإِجْمَاعِ
стр. 1880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«مَا تَقَدَّمَ فِيهِ» ، أَيْ: فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ. مِثْلَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ اتِّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِاتِّفَاقِ بَلَدٍ دُونَ بَلَدٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِهِ السَّابِقِ تَقْرِيرُهَا.
قَوْلُهُ: «وَيَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا أَمْ لَا» .
هَذَا كَمَا سَبَقَ فِي الْقَدْرِ الْكَافِي مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، أَوْ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ الْإِجْمَاعَ وَالْخِلَافَ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ، وَلَعَلَّ هَذَا يَنْزِعُ إِلَى تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَمِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ» ، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: وَيُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْرِفَ «مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مَا يَكْفِيهِ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ نَصٍّ وَظَاهِرٍ، وَمُجْمَلٍ، وَحَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، وَعَامٍّ وَخَاصٍّ، وَمُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ، وَدَلِيلِ خِطَابٍ وَنَحْوِهِ» ، كَفَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنِهِ وَمَفْهُومِهِ، لِأَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَوَقُّفًا ضَرُورِيًّا، كَقَوْلِهِ : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [الْمَائِدَةَ: ٤٥] ، يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِرَفْعِ (الْجُرُوحَ) وَنَصْبِهَا كَمَا سَبَقَ فِي أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، وَكَقَوْلِهِ ﵇: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ الرِّوَايَةُ بِالرَّفْعِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُوَرَثُونَ مُطْلَقًا، وَرَوَاهُ الشِّيعَةُ «صَدَقَةً» بِالنَّصْبِ وَهُوَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْإِرْثِ عَمَّا تَرَكُوهُ لِلصَّدَقَةِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ يُوَرِّثُونَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ظَلَمُوا أَبَا
стр. 1881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَكْرٍ ﵁ وَشَنَّعُوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَنَعَ فَاطِمَةَ حَقَّهَا، وَكَقَوْلِهِ ﵇: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَوَاهُ الشِّيعَةُ بِالنَّصْبِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى النِّدَاءِ، أَيْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْجَرِّ هُمَا مُقْتَدًى بِهِمَا، وَعَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ هُمَا مُقْتَدِيَانِ بِغَيْرِهِمَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ فِي حَدِيثِ مُحَاجَّةِ آدَمَ وَمُوسَى: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى بِرَفْعِ آدَمَ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ وَمُوسَى مَفْعُولٌ، وَعَكَسَ الْقَدَرِيَّةُ ذَلِكَ، فَنَصَبُوا آدَمَ تَصْحِيحًا لِمَذْهَبِ الْقَدَرِ.
وَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ وَغَيْرِهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ بَابِ الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَبَنَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ، كَفَرْقِهِ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ جُمْلَةً مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ، وَذَكَرْتُ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ «الرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِي الْعَرَبِيَّةِ» .
وَعِلْمٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ هَذَا التَّعَلُّقَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الِاجْتِهَادِ، وَيَلْحَقُ بِالْعَرَبِيَّةِ التَّصْرِيفُ لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ أَبْنِيَةِ الْكَلِمِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الْمُجْمَلِ مِنْ لَفْظِ مُخْتَارٍ وَمُغْتَالٍ، فَاعِلًا وَمَفْعُولًا.
قَوْلُهُ: «لَا تَفَارِيعَ الْفِقْهِ» . أَيْ: إِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْرِفَ مَا ذَكَرْنَا، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ تَفَارِيعَ الْفِقْهِ الَّتِي يُعْنَى بِتَحْقِيقِهَا الْفُقَهَاءُ، لِأَنَّ ذَلِكَ «مِنْ فُرُوعِ الِاجْتِهَادِ» الَّتِي وَلَّدَهَا الْمُجْتَهِدُونَ بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِهِ، فَلَوِ اشْتُرِطْتَ مَعْرِفَتُهَا فِي الِاجْتِهَادِ، لَزِمَ الدَّوْرُ، لِتَوَقُّفِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الِاجْتِهَادُ عَلَى
стр. 1882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ تَفَارِيعُ الْفِقْهِ، وَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ دَقَائِقِ الْعَرَبِيَّةِ وَالتَّصْرِيفِ حَتَّى يَكُونَ كَسِيبَوَيْهِ، وَالْأَخْفَشِ، وَالْمَازِنِيِّ، وَالْمُبَرِّدِ، وَالْفَارِسِيِّ، وَابْنِ جِنِّيٍّ وَنَحْوِهِمْ، لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْهَا فِي الْفِقْهِ دُونَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَتَقْرِيرَ الْأَدِلَّةِ وَمُقَوِّمَاتِهَا» . أَيْ: وَيُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْرِفَ «تَقْرِيرَ الْأَدِلَّةِ» وَمَا يَتَقَوَّمُ وَيَتَحَقَّقُ بِهِ كَيْفِيَّةُ نَصْبِ الدَّلِيلِ وَوَجْهَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَرُبَّمَا اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ مَعْرِفَةَ الْمَنْطِقِ، إِذْ بِهِ تَتَحَقَّقُ مَعْرِفَةُ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ، وَتَقْرِيرُ مُقَدَّمَاتِهَا وَوَجْهُ إِنْتَاجِهَا الْمَطَالِبِ، لِكَوْنِهِ ضَابِطًا لِلْأَشْكَالِ الْمُنْتِجَةِ مِنْ غَيْرِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ، لَكِنَّهُ أَوْلَى وَأَجْدَرُ بِالْمُجْتَهِدِ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا هَذَا الَّذِي قَدِ اشْتُهِرَ فِيهِ عِلْمُ الْمَنْطِقِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ رُبَّمَا عُدَّ نَاقِصَ الْأَدَوَاتِ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ، لِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ، وَلَمْ يَعْرِفُوا الْمَنْطِقَ الِاصْطِلَاحِيَّ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ وَدَلَالَاتِهَا عَلَى الْمَطَالِبِ بِالدُّرْبَةِ وَالْقُوَّةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِثْلَهُمْ فِيهِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِيمَنْ سَاعَدَهُ طَبْعُهُ عَلَى صَوَابِ الْكَلَامِ وَاجْتِنَابِ اللَّحْنِ فِيهِ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ عِلْمُ الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَيُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِوُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَبِمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَغَيْرِهَا، مُصَدِّقًا بِالرَّسُولِ ﷺ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ الْمَنْقُولِ، كُلٌّ بِدَلِيلِهِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ، لَا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَيْسَ مَعْرِفَةَ الْكَلَامِ بِالْأَدِلَّةِ الْمُجَرَّدَةِ فِيهِ عَلَى عَادَةِ
стр. 1883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُتَكَلِّمِينَ شَرْطًا فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ، إِذْ لَا يَبْلُغُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلْمِ إِلَّا وَقَدْ قَرَعَ سَمْعَهُ أَدِلَّةُ الْكَلَامِ فَيَعْرِفُهَا، حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ مُقَلِّدٌ مَحْضٌ فِي تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وَأُصُولِ الْإِيمَانِ، لَجَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي الْفُرُوعِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
قَالَ: وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ، إِذْ بِهِ يَصِيرُ مُسْلِمًا، وَالْإِسْلَامُ شَرْطُ الْمُفْتِي لَا مَحَالَةَ.
قُلْتُ: الْمُشْتَرَطُ فِي الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حُصُولُ ظَنِّ الْحُكْمِ الشَّرْعِيَّ، سَوَاءٌ انْحَصَرَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، أَوْ خَرَجَ عَنْهُ شَيْءٌ لَمْ يُذْكَرْ فَمَعْرِفَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ.
стр. 1884
وَمَنْ حَصَّلَ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ فِي مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهَا وَإِنْ جَهِلَ حُكْمَ غَيْرِهَا. وَمَنَعَهُ قَوْمٌ لِجَوَازِ تَعَلُّقِ بَعْضِ مَدَارِكِهَا بِمَا يَجْهَلُهُ، وَأَصْلُهُ الْخِلَافُ فِي تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
وَلَنَا: قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ: لَا أَدْرِي، حَتَّى قَالَهُ مَالِكٌ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً مِنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ.
قَالُوا: لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ.
قُلْنَا: (لَا أَدْرِي) أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْعِلْمِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ فِي اجْتِهَادِهِ بَلْ فِي قَبُولِ فُتْيَاهُ وَخَبَرِهِ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَمَنْ حَصَّلَ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ فِي مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهَا وَإِنْ جَهِلَ حُكْمَ غَيْرِهَا، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ» ، إِلَى آخِرِهِ.
يَعْنِي: أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا إِنَّمَا تُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ الشَّرْعِ، كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ﵃ وَنَحْوِهِمْ. أَمَّا مَنْ أَفْتَى فِي فَنٍّ وَاحِدٍ، أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وُجِدَ فِيهِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْفَنِّ، أَوْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ ذَلِكَ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيمَا حَصَّلَ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ، كَمَنْ عَرَفَ أُصُولَ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ وَهُوَ فَقِيهُ النَّفْسِ فِيهَا عَارِفًا بِمَعَانِيهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُشَرَّكَةِ، وَمَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ وَالْجَدِّ، وَالْمَفْقُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَسَائِلِ الْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا، وَنَحْوِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ.
وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، فَقَالُوا: لَا يَجْتَهِدُ فِي مَسْأَلَةٍ إِلَّا مَنْ حَصَّلَ
стр. 1885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ «لِجَوَازِ تَعَلُّقِ» مَدَارِكِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ «بِمَا يَجْهَلُهُ» ، فَإِنَّ الْعُلُومَ وَالْفُنُونَ وَالْمَسَائِلَ يَمُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيُبَرْهَنُ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَمَنْ جَهِلَ فَنًّا، نَقَصَ عَلَيْهِ مَادَّةُ فَنٍّ آخَرَ. وَلِهَذَا تَزِيدُ مَادَّةُ الْعِلْمِ فِي فَنٍّ بِتَحْصِيلِهِ فَنًّا آخَرَ، فَإِذَا عَرَفَ الْكَلَامَ وَالْمَنْطِقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْقُولَاتِ، ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ تَصَوُّرِهِ لِلْحَقَائِقِ، وَتَقْرِيرِهِ لِلْأَدِلَّةِ وَتَرْكِيبِهِ لِلْأَقْيِسَةِ، وَإِذَا عَرَفَ الْحِسَابَ وَالْهَنْدَسَةَ، ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ فِي مَهَارَتِهِ فِي الْفَرَائِضِ وَالْوَصَايَا، وَاسْتِخْرَاجِ الْمَجْهُولَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ. وَإِذَا جَازَ تَعَلُّقُ بَعْضِ مَدَارِكِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا يَجْهَلُهُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِيهَا مُطْلَقًا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ.
قَوْلُهُ: «وَأَصْلُهُ الْخِلَافُ فِي تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ» . يَعْنِي أَنَّ أَصْلَ هَذَا النِّزَاعِ هُوَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ مَنْصِبَ الِاجْتِهَادِ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَتَجَزَّأَ بِمَعْنَى: أَنْ يَنَالَ الْعَالِمُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ؟ وَقَدْ أَجَازَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَمَسْأَلَةُ النِّزَاعِ وَأَصْلُهَا هَذَا الْمَذْكُورُ وَاحِدٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ كَانُوا يُسْأَلُونَ عَنْ بَعْضِ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ، فَيَقُولُونَ: لَا نَدْرِي، «حَتَّى قَالَهُ مَالِكٌ ﵁» ، أَيْ: قَالَ: لَا أَدْرِي «فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً مِنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ» ، يَعْنِي أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي، وَقَدْ تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ﵄ بَلِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ﵃ -
стр. 1886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الْفَتَاوَى كَثِيرًا، فَلَوْ كَانَ الِاجْتِهَادُ الْمُطْلَقُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، شَرْطًا فِي الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ عَلَى حِدَتِهَا؛ لَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ مُجْتَهِدِينَ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، قُلْنَا: (لَا أَدْرِي) أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْعِلْمِ» هَذَا سُؤَالٌ مِنَ الْمَانِعِينَ لِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: لَا أَدْرِي، كَانَ لِعَدَمِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ فِيمَا سُئِلُوا عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُمْ، وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِمْ مُجْتَهِدِينَ، إِذْ شَأْنُ الْمُجْتَهِدِ الْجَوَابُ تَارَةً، وَالتَّوَقُّفُ أُخْرَى، بِحَسَبِ ظُهُورِ الدَّلِيلِ وَخَفَائِهِ. وَحِينَئِذٍ مَا اجْتَهَدَ مِنْهُمْ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ إِلَّا مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ بِاجْتِهَادٍ كُلِّيٍّ لَا جُزْئِيٍّ. وَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ دَلِيلُكُمْ عَلَى تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
وَتَقْرِيرُهُ الْجَوَابَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ: لَا أَدْرِي؛ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ لِعَدَمِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا، فَحَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، إِذْ هُوَ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْإِمَامِ الْمُفْتِي، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِخْبَارٌ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِ ذَلِكَ الْإِمَامِ بِحُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَيُسْتَصْحَبُ فِيهِ الْحَالُ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَ فِي الْجَوَابِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ، فَمَنِ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
стр. 1887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «وَلَا يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ فِي اجْتِهَادِهِ، بَلْ فِي قَبُولِ فُتْيَاهُ وَخَبَرِهِ» .
أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُجْتَهِدِ فِي كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا، لِأَنَّ تَصَوُّرَ الْأَحْكَامِ، وَاقْتِنَاصَهَا بِالْأَدِلَّةِ يَصِحُّ مِنَ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ، بَلْ وَالْكَافِرِ. وَلِهَذَا اجْتَهَدَ الْكُفَّارُ فِي مِلَلِهِمْ، وَصَنَّفُوا فِيهَا الدَّوَاوِينَ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ لِقَبُولِ فُتْيَاهُ، وَإِخْبَارِهِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَأَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ دَلَّ عَلَيْهِ.
وَفَائِدَةُ هَذَا التَّفْصِيلِ: أَنَّ الْفَاسِقَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْحُكْمِ، وَيَأْخُذَ بِهِ لِنَفْسِهِ، أَيْ: يَعْمَلَ بِهِ، وَلَا يُلْزَمُ غَيْرُهُ الْعَمَلَ بِاجْتِهَادِهِ وَقَبُولُ خَبَرِهِ فِيهَا بِدُونِ الْعَدَالَةِ، فَلَوْ أَدَّى الْفَاسِقَ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغْيِيرِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ إِذَا كَانَ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لِلصَّلَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا اجْتِهَادَ لَهُ، وَيَعْدِلُ إِلَى التَّيَمُّمِ. وَهَذِهِ تُشْبِهُ مَا سَبَقَ فِي اعْتِبَارِ الْفَاسِقِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَأَنَّ إِجْمَاعَهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، دُونَ غَيْرِهِ.
стр. 1888
ثُمَّ هَهُنَا مَسَائِلٌ:
الْأُولَى: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ - لِلْغَائِبِ عَنْهُ، وَلِلْحَاضِرِ بِإِذْنِهِ وَبِدُونِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: فِي الْحَاضِرِ دُونَ الْغَائِبِ.
لَنَا: حَدِيثُ مُعَاذٍ، وَحُكْمُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِاجْتِهَادٍ بِحَضْرَتِهِ ﷺ وَأَذِنَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَلِرَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا مُحَالَ فِيهِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ.
قَالُوا: كَيْفَ يَعْمَلُ بِالظَّنِّ مَعَ إِمْكَانِ الْعِلْمِ بِالْوَحْيِ.
قُلْنَا: لَعَلَّهُ لِمَصْلَحَةٍ، ثُمَّ قَدْ تُعُبِّدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحُكْمِ بِالشُّهُودِ وَبِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعَ إِمْكَانِ الْوَحْيِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ بِالْحَقِّ الْجَازِمِ فِيهَا.
ــ
«ثُمَّ هَهُنَا مَسَائِلُ» ، يَعْنِي مَا سَبَقَ مِنَ الْكَلَامِ فِي الِاجْتِهَادِ، هُوَ كَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ لَهُ، ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ كَالْجُزْئِيَّاتِ:
الْمَسْأَلَةُ «الْأُولَى: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالِاجْتِهَادِ» مِنْ قِيَاسٍ وَغَيْرِهِ، «فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْغَائِبِ عَنْهُ» . أَمَّا «الْحَاضِرُ» ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ «بِإِذْنِهِ» ﵊، وَأَمَّا بِدُونِ إِذْنِهِ، فَأَجَازَهُ «أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَنَعَهُ» ، أَيْ: وَمَنَعَ الِاجْتِهَادَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ «قَوْمٌ مُطْلَقًا» ، يَعْنِي لِلْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ، بِإِذْنِهِ أَوْ بِدُونِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَمْتَنِعُ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ الْغَائِبِ عَنْهُ، فَالْمَذَاهِبُ إِذَنْ ثَالِثُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، وَرَابِعُهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» الْوَقْفُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ.
стр. 1889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَحَكَى الْغَزَالِيُّ الْمَنْعَ وَالْجَوَازَ، وَالْفَرْقَ بَيْنَ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ فِي غَيْبَتِهِ، لَا فِي حُضُورِهِ، دُونَ غَيْرِهِمْ، وَالْمُجَوِّزُونَ مِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ الْإِذْنَ، وَمِنْهُمْ مَنِ اكْتَفَى بِالسُّكُوتِ، وَاخْتَارَ هُوَ الْجَوَازَ فِي غَيْبَتِهِ وَحَضْرَتِهِ، مَعَ إِذْنِهِ أَوْ سُكُوتِهِ.
قُلْتُ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ أَظُنُّهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَالنِّزَاعُ إِمَّا فِي الْجَوَازِ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا، أَوْ فِي الْوُقُوعِ، وَالظَّاهِرُ إِثْبَاتُ الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: لَنَا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: «حَدِيثُ مُعَاذٍ» حَيْثُ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ حُكْمٌ بِالِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِهِ.
قُلْتُ: لَكِنْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، أَوْ بَيْنَ الْغَائِبِ وَغَيْرِهِ، لَا يَلْزَمُهُ هَذَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، حَكَمَ فِي قُرَيْظَةَ، لَمَّا حَصَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ: أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ ﵇ فَصَوَّبَ حُكْمَهُ وَقَالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ. أَوْ: سَمَاوَاتٍ.
стр. 1890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَمَنْ يَجْعَلُ سَعْدًا وَالِيًا، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَالِي وَغَيْرِهِ، لَا يَلْزَمُهُ هَذَا أَيْضًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ ﵇ أَذِنَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَلِرَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ، أَيْ: فِي الِاجْتِهَادِ، فَقَالَ لِعَمْرٍو فِي بَعْضِ الْقَضَايَا: «احْكُمْ» ، فَقَالَ: أَجْتَهِدُ وَأَنْتَ حَاضِرٌ؟ ! قَالَ: نَعَمْ إِنْ أَصَبْتَ فَلَكَ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأْتَ فَلَكَ أَجْرٌ وَقَالَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَصَاحِبَيْهِ: اجْتَهِدُوا فَإِنْ أَصَبْتُمْ، فَلَكُمْ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَإِنْ أَخْطَأْتُمْ فَلَكُمْ حَسَنَةٌ فَهَذَا مِنْ غَيْرِهِ بِحَضْرَتِهِ.
قُلْتُ: وَمَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِذْنِ وَغَيْرِهِ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا، لِأَنَّهُ بِإِذْنٍ مِنَ الشَّارِعِ.
قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآثَارُ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَلَمْ أَقِفْ مِنْهَا إِلَّا عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي زَمَنِهِ ﵊ عَلَى سَائِرِ التَّفَاصِيلِ فِيهِ، لَا هُوَ مُحَالٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ الْمُحَالَ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا. وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ، فَالِاجْتِهَادُ فِي زَمَنِهِ جَائِزٌ، وَالدَّلِيلُ بَيِّنٌ غَنِيٌّ عَنْ تَقْرِيرِ مُقَدَّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا» يَعْنِي الْمَانِعِينَ، قَالُوا: الِاجْتِهَادُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَمَلٌ بِالظَّنِّ، مَعَ إِمْكَانِ عِلْمِ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ بِالْوَحْيِ، مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ
стр. 1891
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵇، وَالْعُدُولُ عَنِ الْعِلْمِ إِلَى الظَّنِّ غَيْرُ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ تَهَاوُنٌ بِالْأَحْكَامِ، وَتَرْكٌ لِلْأَقْوَى مِنْهَا إِلَى الْأَضْعَفِ، فَلَا يَجُوزُ، كَتَرْكِ النَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ إِلَى الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» : الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ مَعَ إِمْكَانِ الْعِلْمِ بِالْوَحْيِ «لَعَلَّهُ لِمَصْلَحَةٍ» ، أَيْ: لَعَلَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ، وَالشَّرْعُ مَوْضُوعٌ لِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَتَضَمَّنَ مَصْلَحَةً، وَقَدْ وَقَعَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَدْ تُعُبِّدَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا نَقْضٌ لِدَلِيلِهِمُ الْمَذْكُورِ، أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ جَوَابِنَا عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ، هُوَ مَنْقُوضٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ تُعُبِّدَ بِالْحُكْمِ فِي الْحُقُوقِ «بِالشُّهُودِ وَبِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ» ، وَهُوَ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ «مَعَ إِمْكَانِ الْوَحْيِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ» مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ «بِالْحَقِّ الْجَازِمِ» ، وَالْعِلْمِ الْقَاطِعِ «فِيهَا» .
وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى الْجَوَازِ أَخْبَارُ آحَادٍ، وَالْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ، فَلَا يَثْبُتُ بِهَا، وَالْجَوَابُ بِمَنْعِ كَوْنِهَا قَطْعِيَّةً.
стр. 1892
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، خِلَافًا لِقَوْمٍ.
لَنَا: لَا مُحَالَ ذَاتِيَّ، وَلَا خَارِجِيَّ.
قَالُوا: يُمْكِنُهُ التَّحْقِيقُ بِالْوَحْيِ، وَالِاجْتِهَادُ عُرْضَةُ الْخَطَأِ.
قُلْنَا: الظَّنُّ مُتَّبَعٌ شَرْعًا وَلَا يُخْطِئُ لِعِصْمَةِ اللَّهِ لَهُ، أَوْ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فَيَسْتَدْرِكُ، أَمَّا وُقُوعُهُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ، وَأَنْكَرَهُ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ.
لَنَا: (اعْتَبِرُوا) وَهُوَ عَامٌّ، فَيَجِبُ الِامْتِثَالُ، وَعُوتِبَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ وَالْإِذْنِ لِلْمُخَلَّفِينَ، وَلَوْ كَانَ نَصًّا لَمَا عُوتِبَ، وَقَالَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» وَ «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ. لَوَجَبَتْ» وَلَوْ سَمِعْتُ شِعْرَهَا لَمَا قَتَلْتُهُ، وَقَالَ لَهُ السَّعْدَانِ وَالْحُبَابُ: إِنْ كَانَ هَذَا بِوَحْيٍ فَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِاجْتِهَادٍ فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الرَّأْيَ، فَقَالَ: بَلْ بِاجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ رَأَيْتُهُ وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ.
وَقَدْ حَكَمَ دَاوُدُ ﵇ بِاجْتِهَادِهِ وَإِلَّا لَمَا خَالَفَهُ سُلَيْمَانُ، وَإِلَّا لَمَا خُصَّ بِالتَّفْهِيمِ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﵊ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، خِلَافًا لِقَوْمٍ» .
اعْلَمْ أَنَّ مَا فِيهِ نَصٌّ إِلَهِيٌّ؛ لَا يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِ بِخِلَافِ النَّصِّ شَرْعًا، لِقَوْلِهِ : ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الْأَنْعَامُ: ١٠٦] . أَمَّا مَا
стр. 1893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا نَصَّ فِيهِ، فَهَلْ هُوَ مُتَعَبَّدٌ بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَالْمَذَاهِبُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُهَا: الْإِثْبَاتُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَالْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ.
وَالثَّانِي: النَّفْيُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَائِيِّ، وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ.
وَالثَّالِثُ: الْإِثْبَاتُ فِي الْحُرُوبِ وَالْآرَاءِ، دُونَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَالرَّابِعُ: تَجْوِيزُهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِهِ. حَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي رِسَالَتِهِ.
قَالَ: وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَوُقُوعِهِ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا يُنَازِعُ فِي الْجَوَازِ عَقْلًا، إِنَّمَا يُنَازِعُ مَنْ يُنَازِعُ فِيهِ شَرْعًا.
وَأَمَّا الْوُقُوعُ، فَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِيهِ أَقْوَالًا، ثَالِثُهَا الْوَقْفُ وَاخْتَارَهُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: تَوَقَّفَ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ فِي الْكُلِّ، وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ الْجَوَازَ وَالْوُقُوعَ.
وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا يُوسُفَ قَالَا بِالْوُقُوعِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا» ، أَيْ: الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ كَوْنِهِ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ أَنَّهُ «لَا مُحَالَ» فِيهِ «ذَاتِيٌّ وَلَا خَارِجِيٌّ» ، أَيْ: لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَلَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا:» . هَذِهِ حُجَّةُ الْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّهُ ﵇ يُمْكِنُهُ تَحْقِيقُ الْأَحْكَامِ، وَتَحْقِيقُهَا بِالْوَحْيِ، «وَالِاجْتِهَادُ عُرْضَةُ الْخَطَأِ» فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوَابِ قَطْعًا. وَهَذَا نَحْوٌ مِمَّا سَبَقَ لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا:» ، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «الظَّنَّ مُتَّبَعٌ» فِي الشَّرْعِ، وَاجْتِهَادُهُ ﵇ أَقَلُّ أَحْوَالِهِ
стр. 1894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنْ يُفِيدَ الظَّنَّ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ كَغَيْرِهِ، وَأَوْلَى.
الثَّانِي: أَنَّ الِاجْتِهَادَ يُفِيدُ الظَّنَّ، وَظَنُّهُ ﵇ لَا يُخْطِئُ لِعِصْمَةِ اللَّهِ لَهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، أَوْ يُخْطِئُ لَكِنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، بَلْ يُنَبَّهُ عَلَى الْخَطَأِ، فَيَسْتَدْرِكُهُ، وَالْكَلَامُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» إِلَى هَهُنَا فِي الْجَوَازُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ: مَسْأَلَةُ التَّفْوِيضِ، وَهِيَ مَا إِذَا قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : احْكُمْ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَحْكُمُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ. وَهُوَ اجْتِهَادٌ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: «أَمَّا وُقُوعُهُ» ، أَيْ: وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، «فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ، وَأَنْكَرَهُ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ» . وَقَدْ سَبَقَتْ حِكَايَةُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: لَنَا «اعْتَبِرُوا» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: لَنَا عَلَى وُقُوعِهِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الْحَشْرِ: ٢] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الرَّسُولِ وَغَيْرِهِ، فَيَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ الِاجْتِهَادُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ، وَإِلَّا كَانَ عَاصِيًا، وَهُوَ مَعَ عِصْمَةِ النُّبُوَّةِ مُحَالٌ.
قُلْتُ: هَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ ﵇ «عُوتِبَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ» ، حَيْثُ قَبِلَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، وَلَمْ يَقْتُلْهُمْ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٦٧، ٦٨] ، وَعُوتِبَ فِي إِذْنِهِ لِلْمُخَلَّفِينَ عَنِ الْقِتَالِ فِي غَزَاةِ تَبُوكَ، بِقَوْلِهِ : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:
стр. 1895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤٣] ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَمَلًا مِنْهُ بِالنَّصِّ، لَمَا عُوتِبَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِالِاجْتِهَادِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ ﵊ لَمَّا قَالَ فِي شَأْنِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى: لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا قَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا - أَوْ: لِقُبُورِنَا - فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ بِاجْتِهَادِهِ، إِجَابَةً لِلْعَبَّاسِ ﵁ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، إِذْ لَوْ دَخَلَ الْإِذْخِرُ فِي عُمُومِ الْمَنْعِ مِنْهُ؛ لَمَا جَازَ أَنْ يُجِيبَ الْعَبَّاسَ إِلَيْهِ.
وَلَمَّا سَأَلَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ عَنِ الْحَجِّ: أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ: لِعَامِنَا، لَوَجَبَتْ الْكَلِمَةُ أَوِ الْحَجَّةُ مُكَرَّرَةٌ كُلَّ عَامٍ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ بِاجْتِهَادِهِ.
قُلْتُ: إِنَّمَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ إِنْ دَلَّ، وَالْكَلَامُ فِي الْوُقُوعِ. وَلَمَّا قَتَلَ النَّضْرُ بْنَ الْحَارِثِ بِبَدْرٍ، جَاءَتْ أُخْتُهُ قُتَيْلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَأَنْشَدَتْهُ أَبْيَاتًا مِنْهَا:
следующие страницы →