Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِبُطْلَانِ لَازِمِهِ عِنْدَ الْخَصْمِ وَهُوَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجِيزُ بِيعَ الْغَائِبِ بِشَرْطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي إِذَا رَآهُ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَا الشَّرْطُ بِمُوجِبِ قِيَاسِهِ عَلَى النِّكَاحِ، بَطَلَ مَشْرُوطُهُ وَهُوَ صِحَّةُ الْبَيْعِ، فَهُوَ إِبْطَالٌ لَهُ بِالْمُلَازَمَةِ لَا بِالتَّصْرِيحِ.
قَوْلُهُ: «فَيَبْطُلُ مَذْهَبُ الْمُسْتَدِلِّ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ بِتَعْلِيقِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ» .
أَيْ: إِذَا تَوَجَّهَ سُؤَالُ الْقَلْبِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، بَطَلَ مَذْهَبُهُ، إِذْ لَيْسَ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوْلَى مِنْ تَعْلِيقِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ عَلَيْهَا، إِذْ ذَلِكَ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ. وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ قَبْلُ.
قَوْلُهُ: «وَالْقَلْبُ مُعَارَضَةٌ خَاصَّةٌ، فَجَوَابُهُ جَوَابُهَا إِلَّا بِمَنْعِ وَصْفِ الْحُكْمِ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ فِي اسْتِدْلَالِهِ، فَكَيْفَ يَمْنَعُهُ» ؟
يَعْنِي أَنَّ قَلْبَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ، فَهُوَ مُعَارَضَةٌ خَاصَّةٌ، لِأَنَّ النَّوْعَ أَخَصُّ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ مُعَارَضَةٌ خَاصَّةٌ، لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ هِيَ إِبْدَاءُ مَعْنًى فِي الْأَصْلِ أَوِ الْفَرْعِ، أَوْ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ يَقْتَضِي خِلَافَ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنَ الْحُكْمِ، وَهَذَا الْوَصْفُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ إِبْدَاءُ مُنَاسَبَةِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ بِخِلَافِ حُكْمِهِ، فَحَقِيقَةُ الْمُعَارَضَةِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ، لَكِنَّهُ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْهَا، وَاخْتَصَّ عَلَيْهَا بِخَصَائِصَ:
مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَصْلٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ الْوَصْفِ، فَكُلُّ قَلْبٍ مُعَارَضَةٌ وَلَيْسَ كُلُّ
стр. 1822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُعَارَضَةٍ قَلْبًا. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ، فَجَوَابُهُ جَوَابُ الْمُعَارَضَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهَا بَعْدُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخُفَّ لَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ، فَيَمْنَعُ حُكْمَ الْأَصْلِ فِي قَلْبِ الْمُعْتَرِضِ، إِلَّا مَنْعَ الْوَصْفِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمُعَارَضَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْقَلْبِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ وَالْوُقُوفَ لُبْثٌ مَحْضٌ، أَوْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ مَسْحٌ، أَوْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيْعَ أَوِ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَارَضَةِ وَالْقَلْبِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ فِي الْمُعَارَضَةِ لَمْ يُعَلِّلْ بِوَصْفِ الْمُعْتَرِضِ، وَلَا الْتَزَمَهُ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي قِيَاسِهِ، فَجَازَ لَهُ مَنْعُهُ بِخِلَافِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ الْتَزَمَ فِي قِيَاسِهِ صِحَّةَ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ وَهُوَ اللُّبْثُ وَالْمَسْحُ، وَعَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَيْسَ لَهُ فِي جَوَابِ الْقَلْبِ مَنْعُهُ، لِأَنَّهُ هَدْمٌ لِمَا بَنَى، وَرُجُوعٌ عَمَّا الْتَزَمَهُ وَاعْتَرَفَ بِصِحَّتِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ. هَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ فِي سُؤَالِ الْقَلْبِ.
وَقَدْ تَضَمَّنَ أَنَّ سُؤَالَ الْقَلْبِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُصَحِّحًا لِمَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، كَمَا فِي مِثَالِ الِاعْتِكَافِ، أَوْ مُبْطِلًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، إِمَّا نَصًّا كَمَا فِي مِثَالِ مَسْحِ الرَّأْسِ، أَوِ التِزَامًا كَمَا فِي مِثَالِ بَيْعِ الْغَائِبِ.
وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَقْسَامَهُ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ. وَتَلْخِيصُ مَا ذَكَرَهُ فِيهَا: أَنَّ قَلْبَ الدَّلِيلِ هُوَ أَنْ يُبَيِّنَ الْقَالِبُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَهُ. قَالَ: وَالْأَوَّلُ: قَلَّ مَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثَالٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ فِي غَيْرِ النُّصُوصِ، أَيْ: لَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثَالٌ فِي الْأَقْيِسَةِ.
وَمَثَّلَهُ مِنَ النُّصُوصِ بِاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ فِي تَوْرِيثِ الْخَالِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
стр. 1823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السَّلَامُ: الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَأَثْبَتَ إِرْثَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَيْكَ لَا لَكَ، إِذْ مَعْنَاهُ نَفِيُ تَوْرِيثِ الْخَالِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، أَيِ: الْخَالُ لَا يَرِثُ، كَمَا يُقَالُ: الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ، وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ، أَيْ: لَيْسَ الْجُوعُ زَادًا، وَلَا الصَّبْرُ حِيلَةً.
وَالثَّانِي، وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ وَلَهُ: إِمَّا أَنْ يَتَعَرَّضَ الْقَالِبُ فِيهِ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِ نَفْسِهِ كَمَسْأَلَةِ الِاعْتِكَافِ، أَوْ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، كَمَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ، أَوِ التِزَامًا كَمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْخِيَارِ.
قَالَ: وَيَلْحَقُ بِهَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْقَلْبِ: قَلْبُ التَّسْوِيَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي الْخَلِّ: مَائِعٌ طَاهِرٌ مُزِيلٌ لِلْعَيْنِ وَالْأَثَرِ، فَتَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ كَالْمَاءِ، إِذْ يَلْزَمُ مِنَ التَّسْوِيَةِ فِي الْخَلِّ بَيْنَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ أَنَّهُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا فِيهِ.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ مُسْتَفَادٍ مِمَّا قَالَهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ: أَنَّ الْقَلْبَ إِمَّا قَلْبُ تَسْوِيَةٍ كَمَسْأَلَةِ الْخَلِّ، أَوْ قَلْبُ مُخَالَفَةٍ. ثُمَّ هُوَ إِمَّا أَنْ يُصَحِّحَ مَذْهَبَ الْمُعْتَرِضِ كَمَسْأَلَةِ الِاعْتِكَافِ، أَوْ يُبْطِلَ مَذْهَبَ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، كَمَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ، أَوْ إِلْزَامًا، كَمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ.
стр. 1824
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ النِّيلِيُّ وَغَيْرُهُ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنَ الْقَلْبِ وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَلَا يَتَّجِهُ فِي قَبُولِهِ خِلَافٌ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، كَمِثَالِ الِاعْتِكَافِ، وَمَسْحِ الرَّأْسِ، وَبَيْعِ الْغَائِبِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: هَلْ هُوَ اعْتِرَاضٌ أَوْ مُعَارَضَةٌ؟ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِرَاضِ، لِأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى ضَعْفٍ فِي الْعِلَّةِ، حَيْثُ أَمْكَنَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى نَقِيضِ الْحُكْمِ فَصَارَ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ. وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ، لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُعَارِضُ دَلَالَةَ الْمُسْتَدِلِّ بِدَلَالَةٍ أُخْرَى. فَحَقِيقَةُ الْمُعَارَضَةِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّا.
وَذَكَرَ النِّيلِيُّ لِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدَ، مِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ قِيلَ: هُوَ مُعَارَضَةٌ، جَازَتِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، كَالنِّكَاحِ، وَإِنْ قِيلَ: هُوَ اعْتِرَاضٌ؛ لَمْ يَجُزْ مِثْلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ.
قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ وَالِاعْتِرَاضِ: أَنَّ الْمُعَارَضَةَ، كَدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، بِخِلَافِ الِاعْتِرَاضِ، فَإِنَّهُ مَنْعٌ لِلدَّلِيلِ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، إِذْ يَكُونُ كَالْكَذِبِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ حَيْثُ يُقَوِّلُهُ مَا لَمْ يَقُلْ.
стр. 1825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقَلْبَ مُعَارَضَةٌ؛ جَازَ قَلْبُهُ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ كَمَا يُعَارِضُ الْمُعَارَضَةَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي أَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ، وَلَا نِيَابَةٍ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى الشِّرَاءِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: أَنَا أَقْلِبُ هَذَا الدَّلِيلَ، فَأَقُولُ: تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ، فَلَا يَقَعُ لِمَنْ أَضَافَهُ إِلَيْهِ كَالشِّرَاءِ فَإِنَّ الشِّرَاءَ لَمْ يَصِحَّ لِمَنْ أُضِيفَ إِلَيْهِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي لَهُ، بَلْ يَصِحُّ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ الْفُضُولِيُّ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ اعْتِرَاضٌ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَنْعٌ، وَالْمَنْعُ لَا يَمْنَعُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُعَارَضَةً، جَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ اعْتِرَاضًا، لَمْ يَجُزْ وَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الْمَنْعَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُعَارَضَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ مُعَارَضَةً قَبِلَ فِيهِ الْمُرَجِّحَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ اعْتِرَاضٌ، مَنَعَ ذَلِكَ. قَالَ: وَمِثَالُهُ ظَاهِرٌ فِي سَائِرِ الِاعْتِرَاضَاتِ.
قُلْتُ: أَصْلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، كَالدَّلِيلِ الْمُبْتَدَأِ، وَالْمَنْعُ لَا يَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1826
التَّاسِعُ: الْمُعَارَضَةُ ، وَهِيَ إِمَّا فِي الْأَصْلِ بِبَيَانِ وُجُودِ مُقْتَضٍ لِلْحُكْمِ فِيهِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُقْتَضِيًّا، بَلْ يُحْتَمَلُ ثُبُوتُهُ لَهُ، أَوْ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ، أَوْ لَهُمَا، وَهُوَ أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَاتِ، إِذِ الْمَأْلُوفُ مِنْ تَصَرُّفِ الشَّارِعِ مُرَاعَاةُ الْمَصَالِحِ كُلِّهَا، كَمَنْ أَعْطَى فَقِيرًا قَرِيبًا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إِعْطَاؤُهُ لِلسَّبَبَيْنِ؛ وَيَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ حَذْفُ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ بِالِاحْتِرَازِ عَنْهُ فِي دَلِيلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ أَهْمَلَهُ، وَرَدَ مُعَارَضَةً، وَيَكْفِي الْمُعْتَرِضَ فِي تَقْرِيرِهَا بَيَانُ تَعَارُضِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ فِي دَفْعِهَا إِلَّا بَيَانُ اسْتِقْلَالِ مَا ذَكَرَهُ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ، إِمَّا بِثُبُوتِ عِلِّيَّةِ مَا ذَكَرَهُ بِنَصٍّ أَوْ إِيمَاءٍ، وَنَحْوِهِ مِنَ الطُّرُقِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوْ بِبَيَانِ إِلْغَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ كَإِلْغَاءِ الذُّكُورِيَّةِ فِي جِنْسِ أَحْكَامِ الْعِتْقِ، أَوْ بِأَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ ثَبَتَ بِدُونِ مَا ذَكَرَهُ، فَيَدُلُّ عَلَى اسْتِقْلَالِ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ.
ــ
السُّؤَالُ «التَّاسِعُ: الْمُعَارَضَةُ» .
اعْلَمْ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ: عَرَضَ لَهُ يَعْرِضُ: إِذَا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ عَارَضَهُ فِي طَرِيقِهِ لِيَمْنَعَهُ النُّفُوذَ فِيهِ، فَكَأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُسْتَدِلِّ، أَوْ يُوقِفُ حُجَّتَهُ بَيْنَ يَدَيْ دَلِيلِهِ، لِيَمْنَعَهُ مِنَ النُّفُوذِ فِي إِثْبَاتِ الدَّعْوَى.
قَوْلُهُ: «وَهِيَ إِمَّا فِي الْأَصْلِ» . يَعْنِي أَنَّ الْمُعَارَضَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ.
وَالثَّانِي: الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ.
قَوْلُهُ: «بِبَيَانِ وُجُودِ مُقْتَضٍ لِلْحُكْمِ فِيهِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُقْتَضِيًا» ، إِلَى آخِرِهِ.
стр. 1827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْ: الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ مَعْنَاهَا أَنْ يُبَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ الْمُسْتَدِلُّ مُقْتَضِيًا آخَرَ لِلْحُكْمِ غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ، يَعْنِي الْمُسْتَدِلَّ. وَحِينَئِذٍ لَا يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ، لِأَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا، أَيْ: عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ، بَلْ يَحْتَمِلُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ، أَيْ: أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ الْحُكْمِ هُوَ الْوَصْفَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِلَّتُهُ الْوَصْفَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ، أَيِ الَّذِي بَيَّنَهُ فِي الْأَصْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِلِّيَةُ الْوَصْفَيْنِ جَمِيعًا، الَّذِي عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ، وَالَّذِي بَيَّنَهُ الْمُعْتَرِضُ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، أَيْ: هَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ «أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَاتِ» ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ الْحُكْمِ الْوَصْفَيْنِ جَمِيعًا، «إِذِ الْمَأْلُوفُ» ، أَيْ: لِأَنَّ الْمَأْلُوفَ، أَيْ: الَّذِي أَلِفْنَاهُ مِنَ الشَّرْعِ بِاسْتِقْرَاءِ مَوَارِدِ تَصَرُّفِهِ وَمَصَادِرِهَا «مُرَاعَاةُ الْمَصَالِحِ كُلِّهَا» ، وَإِذَا كَانَ الْوَصْفَانِ جَمِيعًا مُنَاسِبَيْنَ، بِحَيْثُ تُتَوَقَّعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِيبَهُمَا كَمَا ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِ الْمُنَاسِبِ، فَالظَّاهِرُ مِنَ الشَّرْعِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَيْهِمَا تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَتِهِمَا، إِذْ ذَلِكَ هُوَ الْمَأْلُوفُ مِنْ تَصَرُّفِ الْعُقَلَاءِ، وَالشَّرْعُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ، وَذَلِكَ «كَمَنْ أَعْطَى» قَرِيبًا لَهُ فَقِيرًا احْتَمَلَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِقَرَابَتِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِفَقْرِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِفَقْرِهِ وَقَرَابَتِهِ جَمِيعًا جَمْعًا بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ. وَهَذَا أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَاتِ لِمُنَاسَبَتِهِمَا جَمِيعًا لِلْعَطَاءِ، وَكَوْنِ الْمُكَلَّفِ الْعَاقِلِ لَا يُخِلُّ بِبَعْضِ الْمَصَالِحِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْطَى أَقْرَبَ قَرَابَتِهِ، تَعَارَضَتْ فِيهِ الِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثَةُ، أَعْنِي هَلْ أَعْطَاهُ لِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ أَوْ لِخُصُوصِيَّةِ الْأَقْرَبِيَّةِ، أَوْ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ؟ وَكَذَلِكَ السُّلْطَانُ يُعْطِي أَجْنَدَ
стр. 1828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جُنْدِهِ، وَأَشْجَعَهُمْ، وَأَظْهَرَهُمْ أَثَرًا فِي حِمَايَةِ الْمَلِكِ تَتَعَارَضُ فِيهِ الِاحْتِمَالَاتُ، هَلْ أَعْطَاهُ لِمُطْلَقِ الْجُنْدِيَّةِ وَالْكَفَاءَةِ؟ أَوْ لِخُصُوصِيَّةٍ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ؟ أَوْ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ؟ وَهُوَ أَظْهَرُ، لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ، كَانَ التَّعْلِيلُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، بَلْ تَعْلِيلًا بِالْمَرْجُوحِ، لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ يَصِحُّ عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ تَقَادِيرَ، وَيَبْطُلُ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ مِنْهَا، وَوُقُوعُ اثْنَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَرْجَحُ وَأَظْهَرُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ مِنْهَا.
وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا لَوْ عَلَّلَ الْحَنْبَلِيُّ قَتْلَ الْمُرْتَدَّةِ بِقَوْلِهِ: بَدَّلَتْ دِينَهَا، فَتُقْتَلُ كَالرَّجُلِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: لَا يَتَعَيَّنُ تَبْدِيلُ الدِّينِ مُقْتَضِيًا لِلْقَتْلِ، بَلْ هُنَاكَ مَعْنًى آخَرُ فِي الرَّجُلِ يَقْتَضِيهِ لَيْسَ فِي الْمَرْأَةِ وَهُوَ جِنَايَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِتَنْقِيصِ عَدَدِهِمْ، وَتَكْثِيرِ عَدُوِّهِمْ وَتَقْوِيَتِهِ، إِذْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالنِّكَايَةِ. وَحِينَئِذٍ جَازَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ تَبْدِيلُ الدِّينِ، أَوِ الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا. وَحِينَئِذٍ لَا يَتَعَيَّنُ التَّبْدِيلُ عِلَّةً لِلْقَتْلِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَلَّلَ الْحَنْبَلِيُّ صِحَّةَ أَمَانِ الْعَبْدِ بِقَوْلِهِ: مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ أَمَانُهُ كَالْحُرِّ، فَعَارَضَهُ الْحَنَفِيُّ بِأَنْ يَقُولَ: فِي الْحُرِّ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْعَبْدِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُكَمِّلًا لِمَصْلَحَةِ الْأَمَانِ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لَهَا، وَهُوَ أَنَّ الْحُرَّ مُتَفَرِّغُ الْبَالِ لِلنَّظَرِ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالِاحْتِيَاطِ لَهُمْ فِي الْأَمَانِ أَوْ عَدَمِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْعَبْدُ، فَإِنَّهُ فِي مَظِنَّةِ اشْتِغَالِ الْبَالِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ قَيْدِ الرِّقِّ،
стр. 1829
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالِاهْتِمَامِ بِقَضَاءِ وَظَائِفِهِ، فَتَتَقَاعَدُ مَصْلَحَةُ أَمَانِهِ عَنْ مَصْلَحَةِ أَمَانِ الْحُرِّ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ وَصْفُ الْحُرِّيَّةِ مُعْتَبَرًا فِي الْحُرِّ لَا يَصِحُّ إِلْحَاقُ الْعَبْدِ بِهِ، لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ مَا فِيهِ مِنَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ بِالْمَصْلَحَةِ.
قَوْلُهُ: «وَيَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ حَذْفُ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ بِالِاحْتِرَازِ عَنْهُ فِي دَلِيلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ أَهْمَلَهُ، وَرَدَ مُعَارَضَةً» .
يَعْنِي أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأَصْلِ؛ هَلْ يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي دَلِيلِهِ بِحَذْفِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْجَدَلِيِّينَ سَبَقَ تَوْجِيهُهُمَا فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سُؤَالِ النَّقْضِ، فَإِنْ أَهْمَلَ الْمُسْتَدِلُّ ذَلِكَ - أَعْنِي الِاحْتِرَازَ - عَمَّا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ، «وَرَدَ» عَلَيْهِ «مُعَارَضَةً» ، أَيْ: كَانَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِهِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، وَيَلْزَمُهُ جَوَابُهُ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ فِي رَفْعِ الْيَدِ فِي الرُّكُوعِ: رُكْنٌ غَيْرُ الْإِحْرَامِ، فَلَا يُشْرَعُ فِيهِ رَفْعُ الْيَدِ، كَالسُّجُودِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَرِزْ عَنِ الْإِحْرَامِ وَإِلَّا عَارَضَهُ بِهِ الْخَصْمُ بِأَنْ يَقُولَ: رُكْنٌ، فَشُرِعَ فِيهِ الرَّفْعُ كَالْإِحْرَامِ.
قُلْتُ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّ هَذَا الِاحْتِرَازَ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ مَا يَحْتَرِزُ عَنْهُ الْمُسْتَدِلُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِدًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَمْ يَكُنْ لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ ضَرُورَةٌ، وَإِنْ كَانَ وَارِدًا لَمْ يَنْفَعْهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِالذِّكْرِ الْمُجَرَّدِ، إِذْ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ: وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهِ حَتَّى تَسْتَثْنِيَهُ، إِذِ الْإِحْرَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ أَرْكَانٌ، فَإِذَا قِسْتَ عَلَى السُّجُودِ، قِسْتُ أَنَا عَلَى الْإِحْرَامِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ مُنَاسَبَةَ احْتِرَازِهِ، وَاطِّرَادِ عِلَّتِهِ مَعَهُ، فَيَكُونُ احْتِرَازًا صَحِيحًا.
قَوْلُهُ: «وَيَكْفِي الْمُعْتَرِضَ فِي تَقْرِيرِهَا بَيَانُ تَعَارُضِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ،
стр. 1830
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ فِي دَفْعِهَا إِلَّا بَيَانُ اسْتِقْلَالِ مَا ذَكَرَهُ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ» .
أَيْ: أَنَّ الْمُعْتَرِضَ يَكْفِيهِ فِي تَقْرِيرِ الْمُعَارَضَةِ بَيَانُ مُطْلَقِ تَعَارُضِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ، أَعْنِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِمَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ، أَوْ لِمَا أَبْدَاهُ هُوَ، أَوْ لِمَجْمُوعِ الْوَصْفَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الِاحْتِمَالَاتُ مُتَسَاوِيَةً، أَوْ بَعْضُهَا رَاجِحًا، وَبَعْضُهَا مَرْجُوحًا.
وَأَمَّا الْمُسْتَدِلُّ، فَلَا يَكْفِيهِ فِي دَفْعِ الْمُعَارَضَةِ إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ مُسْتَقِلٌّ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى وَصْفِ الْمُعْتَرِضِ وَلَا غَيْرِهِ. وَالْفَرْقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُعْتَرِضِ وَالْمُسْتَدِلِّ: هُوَ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ مُدَّعٍ لِاسْتِقْلَالِ مَا ذَكَرَهُ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَالْمُعْتَرِضُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، وَالْمُنْكِرُ يَكْفِيهِ مُطْلَقُ الْإِنْكَارِ، وَالْمُدَّعِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَيِّنَةٍ وَحُجَّةٍ يُثْبِتُ بِمِثْلِهَا دَعْوَاهُ.
وَحُجَّةُ الْمُسْتَدِلِّ هَهُنَا لَيْسَ إِلَّا بَيَانُ اسْتِقْلَالِ مَا ذَكَرَهُ بِالْحُكْمِ، كَاسْتِقْلَالِ تَبْدِيلِ الدِّينِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ، وَاسْتِقْلَالِ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ بِصِحَّةِ الْأَمَانِ، وَالْمُعْتَرِضُ بِمُجَرَّدِ بَيَانِهِ احْتِمَالًا آخَرَ يَصْلُحُ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهِ عِلَّةً أَوْ جُزْءَ عِلَّةِ قَدْ وَفَى بِمَا عَلَيْهِ مِنْ إِنْكَارِ دَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ، فَلِذَلِكَ كَفَاهُ بَيَانُ تَعَارُضِ الِاحْتِمَالَاتِ كَيْفَ كَانَ، وَلَمْ يَكْفِ الْمُسْتَدِلَّ «إِلَّا بَيَانُ اسْتِقْلَالِ مَا ذَكَرَهُ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ» .
قَوْلُهُ: «إِمَّا بِثُبُوتِ عِلِّيَّةِ مَا ذَكَرَهُ بِنَصٍّ أَوْ إِيمَاءٍ وَنَحْوِهِ مِنَ الطُّرُقِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوْ بِبَيَانِ إِلْغَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ،
стр. 1831
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَإِلْغَاءِ الذُّكُورِيَّةِ فِي جِنْسِ أَحْكَامِ الْعِتْقِ، أَوْ بِأَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ ثَبَتَ بِدُونِ مَا ذَكَرَهُ، فَيَدُلُّ عَلَى اسْتِقْلَالِ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ» .
هَذَا بَيَانُ الطُّرُقِ الَّتِي يُبَيِّنُ بِهَا الْمُسْتَدِلُّ اسْتِقْلَالَ مَا عَلَّلَ بِهِ الْحُكْمَ، وَبِهِ يَحْصُلُ جَوَابُ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ.
وَثَمَّ طَرِيقٌ آخَرُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَنَظْمُ عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ تَقْدِيرًا هَكَذَا: وَلَا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ فِي دَفْعِ الْمُعَارَضَةِ إِلَّا بَيَانُ اسْتِقْلَالِ مَا ذَكَرَهُ بِالْحُكْمِ، وَبَيَانُ اسْتِقْلَالِ مَا ذَكَرَهُ بِالْحُكْمِ يَحْصُلُ بِطُرُقٍ:
أَحَدُهَا: إِثْبَاتُ عِلِّيَّةِ مَا ذَكَرَهُ، أَيْ: إِثْبَاتُ كَوْنِهِ عِلَّةً بِالنَّصِّ، أَوْ إِيمَاءِ النَّصِّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، ثُمَّ إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ، كَالْإِجْمَاعِ، وَالِاسْتِنْبَاطِ، كَالْمُنَاسَبَةِ، وَالسَّبْرِ، وَالدَّوَرَانِ.
مِثَالُ النَّصِّ: أَنْ يَقُولَ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ: قَوْلَهُ ﵇: مَنْ بَدَّلَ دِينَهَ فَاقْتُلُوهُ ظَاهِرٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي أَنَّ تَبْدِيلَ الدِّينِ عِلَّةٌ لِلْقَتْلِ مُسْتَقِلَّةٌ بِهِ قَاعِدَتُهَا إِلَى الْمُرْتَدَّةِ، وَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ.
مِثَالُ الْإِيمَاءِ: أَنْ يَقُولَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ أَنَّهُ نَصٌّ فِي التَّعْلِيلِ بِالتَّبْدِيلِ: الْقَتْلُ حُكْمٌ اقْتَرَنَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ وَهُوَ تَبْدِيلُ
стр. 1832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدِّينِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعِلَّةَ فِيهِ، كَالْقَطْعِ مَعَ السَّرِقَةِ، وَالْجَلَدِ مَعَ الزِّنَى.
وَبِالْجُمْلَةِ: طُرُقُ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ قَدْ سَبَقَتْ، فَمَنْ عَرَفَهَا هُنَاكَ اسْتَعْمَلَهَا هُنَا.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأَصْلِ لَاغٍ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، كَالذُّكُورِيَّةِ فِي الْعِتْقِ؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْأَمَةِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا: رَقِيقٌ أَوْ مَمْلُوكٌ، فَسَرَى عِتْقُ الْمُوسِرِ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى الْعَبْدِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: فِي الْعَبْدِ مَعْنًى خَاصٌّ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةَ السَّرَايَةِ أَوْ جُزْءَهَا وَهُوَ الذُّكُورِيَّةُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَرَى الْعِتْقُ فِيهِ، وَكَمُلَتْ حُرِّيَّتُهُ صَلَحَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ لِمَا لَا تَصْلُحُ لَهُ الْأَمَةُ. فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: مَا ذَكَرْتَهُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْمُنَاسَبَةِ إِلَّا أَنَّ الذُّكُورِيَّةَ وَالْأُنُوثِيَّةَ وَصْفٌ مُلْغًى فِي بَابِ الْعِتْقِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ لَمْ نَرَهُ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ، فَهُوَ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ.
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ وَصْفُ الرِّقِّ وَالْمَمْلُوكِيَّةِ هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِحُكْمِ السِّرَايَةِ فِي الْعَبْدِ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْأَمَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي النَّبِيذِ: مُسْكِرٌ فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: فِي الْخَمْرِ وَصْفٌ زَائِدٌ يَصْلُحُ عِلَّةً لِلتَّحْرِيمِ، أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُعْتَصَرًا مِنَ الْعِنَبِ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُهُ فِي فَسَادِ الْعَقْلِ أَشَدَّ، فَيَخْتَصُّ لِذَلِكَ بِالتَّحْرِيمِ بِخِلَافِ النَّبِيذِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: مُجَرَّدُ الْإِسْكَارِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِلتَّحْرِيمِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّصُّ حَيْثُ قَالَ ﵇: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَدَارَ التَّحْرِيمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا. فَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ مَاءِ
стр. 1833
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعِنَبِ، فَهُوَ وَإِنْ دَارَ التَّحْرِيمُ مَعَهُ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ اعْتِبَارٌ لِلْمَادَّةِ، وَلَيْسَ مَعْهُودًا مِنَ الشَّرْعِ اعْتِبَارُ الْمَوَادِّ مَعَ تَأْثِيرِ الْأَوْصَافِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي خُصُوصِيَّةِ الْمُحَدَّدِ، دَارَ مَعَ الْقَتْلِ فِي مَسْأَلَةِ الْقِصَاصِ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ «مِثْلَ الْحُكْمِ» الْمُتَنَازَعِ فِيهِ «ثَبَتَ بِدُونِ مَا ذَكَرَهُ» الْمُعْتَرِضُ، فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْحُكْمِ، فَيَسْتَقِلُّ بِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ.
مِثَالُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ أَمَانِ الْعَبْدِ: إِذَا قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: مُسْلِمُ مُكَلَّفٌ فَصَحَّ أَمَانُهُ كَالْحُرِّ، فَعَارَضَهُ الْخَصْمُ فِي الْحُرِّ بِوَصْفِ الْحُرِّيَّةِ كَمَا سَبَقَ، يَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: قَدْ صَحَّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ مَعَ انْتِفَاءِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، فَيَكُونُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ وَصْفِ الْإِسْلَامِ وَالتَّكْلِيفِ مُسْتَقِلًّا بِالصِّحَّةِ.
стр. 1834
فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ فِي أَصْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى ثُبُوتُهُ بِدُونِ مَا ذَكْرُهُ مُنَاسِبًا آخَرَ، لَزِمَ الْمُسْتَدِلَّ حَذْفُهُ، وَلَا يَكْفِيهِ إِلْغَاءُ كُلٍّ مِنَ الْمُنَاسِبَيْنِ بِالْأَصْلِ الْآخَرِ، لِجَوَازِ ثُبُوتِ حُكْمِ كُلِّ أَصْلٍ بِعِلَّةٍ تَخُصُّهُ، إِذِ الْعَكْسُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الشَّرْعِيَّاتِ. وَإِنِ ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ اسْتِقْلَالَ مَا ذَكَرَهُ مُنَاسِبًا، كَفَى الْمُسْتَدِلَّ فِي جَوَابِهِ بَيَانُ رُجْحَانِ مَا ذَكَرَهُ هُوَ بِدَلِيلٍ، أَوْ تَسْلِيمٍ، وَأَمَّا فِي الْفَرْعِ بِذِكْرِ مَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ، إِمَّا بِالْمُعَارَضَةِ بِدَلِيلٍ آكَدَ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَيَكُونُ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ كَمَا سَبَقَ، وَإِمَّا بِإِبْدَاءِ وَصْفٍ فِي الْفَرْعِ مَانِعٍ لِلْحُكْمِ فِيهِ، أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَإِنْ مَنَعَ الْحُكْمَ، احْتَاجَ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِهِ مَانِعًا إِلَى مِثْلِ طَرِيقِ الْمُسْتَدِلِّ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِهِ مِنَ الْعِلَّةِ وَالْأَصْلِ؛ وَإِلَى مِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْقُوَّةِ، وَإِنْ مَنَعَ السَّبَبِيَّةَ، فَإِنْ بَقِيَ احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ مَعَهُ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ لَمْ يَضُرَّ الْمُسْتَدِلَّ، لِإِلْفِنَا مِنَ الشَّرْعِ اكْتِفَاءَهُ بِالْمَظِنَّةِ وَمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْحِكْمَةِ، فَيَحْتَاجُ الْمُعْتَرِضُ إِلَى أَصْلٍ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرَهُ بِالِاعْتِبَارِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَصْلٍ؛ إِذْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ تَابِعٌ لِلْحِكْمَةِ، وَقَدْ عُلِمَ انْتِفَاؤُهَا، وَفِي الْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ يَنْقَلِبُ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًّا عَلَى إِثْبَاتِ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا عَلَيْهَا بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ.
ــ
قَوْلُهُ: «فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ فِي أَصْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى ثُبُوتُهُ بِدُونِ مَا ذَكَرَهُ مُنَاسِبًا آخَرَ لَزِمَ الْمُسْتَدِلَّ حَذْفُهُ» .
قُلْتُ: هَذَا مِنْ تَوَابِعِ هَذَا الْجَوَابِ الْأَخِيرِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِذَا بَيَّنَ فِي أَصْلِ قِيَاسِ الْمُسْتَدِلِّ وَصْفًا زَائِدًا عَلَى الْفَرْعِ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَأَلْغَاهُ
стр. 1835
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُسْتَدِلُّ بِبَيَانِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي أَصْلٍ آخَرَ بِدُونِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ، فَبَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ فِي هَذَا الْوَصْفِ الثَّانِي وَصْفًا آخَرَ مُنَاسِبًا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ، لَزِمَ الْمُسْتَدِلَّ إِبْطَالُ هَذَا الْوَصْفِ بِحَذْفِهِ، أَوْ مَنْعِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْإِبْطَالِ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُبْطِلْهُ كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْأَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لِلتَّعْلِيلِ، وَتَمْثِيلُهُ بِمَسْأَلَةِ الْأَمَانِ أَيْضًا إِذَا قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ أَمَانُهُ كَالْحُرِّ، فَعَارَضَهُ الْخَصْمُ بِوَصْفِ الْحُرِّيَّةِ، فَأَلْغَاهُ الْمُسْتَدِلُّ بِالْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ حَيْثُ صَحَّ أَمَانُهُ بِدُونِ الْحُرِّيَّةِ، فَقَدْ صَارَ الْمَأْذُونُ لَهُ كَأَصْلٍ بِأَنْ قَاسَ عَلَيْهِ الْمُسْتَدِلُّ، فَإِذَا بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ وَصْفًا آخَرَ مُنَاسِبًا لِصِحَّةِ الْأَمَانِ، مَفْقُودًا فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَذَلِكَ الْمُنَاسِبُ هُوَ الْإِذْنُ.
وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّ السَّيِّدَ أَقَامَهُ مَقَامَهُ فِي الْقِتَالِ وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ الْكِفَايَةَ فِي ذَلِكَ وَرَصَانَةَ الرَّأْيِ، وَإِلَّا كَانَ السَّيِّدُ فَاسِقًا بِتَفْوِيضِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ إِلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا، وَالْفِسْقُ خِلَافُ ظَاهِرِ حَالِ الْمُسْلِمِ.
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْإِذْنُ دَلِيلًا عَلَى صَلَاحِيَةِ هَذَا الْمَأْذُونِ لَهُ لِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ، فَالْحُرِّيَّةُ وَإِنِ انْتَفَتْ حَقِيقَتُهَا، فَقَدْ خَلَفَهَا صِفَةٌ تُحَصِّلُ مَقْصُودُهَا، وَتَدُلُّ عَلَيْهَا، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ إِبْطَالُ هَذَا الْمُنَاسِبِ، وَإِلَّا كَانَ مُعَارَضًا بِوَصْفِ الْإِذْنِ كَمَا عُورِضَ بِوَصْفِ الْحُرِّيَّةِ. وَسَبِيلُهُ فِي إِلْغَائِهِ أَنْ يُبَيِّنَ مَثَلًا صِحَّةَ الْأَمَانِ مِنَ الْعَبْدِ فِي صُورَةٍ بِدُونِ الْإِذْنِ، وَلِلْمُعْتَرِضِ إِبْدَاءُ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ فِي تِلْكَ
стр. 1836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصُّورَةِ، وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ إِلْغَاؤُهُ، وَهَلُمَّ جَرًّا فِي إِبْدَاءِ الْمُنَاسِبِ مِنَ الْمُعْتَرِضِ وَإِلْغَائِهِ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْإِلْغَاءُ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ، أَوْ إِبْدَاءُ الْوَصْفِ مِنَ الْمُعْتَرِضِ.
قُلْتُ: حَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ إِلْغَاءِ الْمُسْتَدِلِّ: وَصْفُ الْمُعْتَرِضِ فِي الْأَصْلِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَاسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ عَلَى أَصْلٍ، كَقِيَاسِ أَمَانِ الْعَبْدِ عَلَى أَمَانِ الْحُرِّ، ثُمَّ عَلَى أَمَانِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَذَلِكَ انْتِقَالٌ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ بِطَرِيقِ التَّصْحِيحِ لَهُ بِدَفْعِ مَا يُبْطِلُ تَعَلُّقَهُ بِهِ لَمْ يَضُرُّهُ وَلَمْ يَكُنْ مُنَتَقِلًا.
أَمَّا الْمُعْتَرِضُ، فَإِنَّهُ لَمَّا ادَّعَى أَنَّ وَصْفَ الْحُرِّيَّةِ فِي أَمَانِ الْحُرِّ مُؤَثِّرٌ، وَوَصْفُ الْإِذْنِ فِي أَمَانِ الْمَأْذُونِ لَهُ أَيْضًا مُؤَثِّرٌ، فَقَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ مَا أَبْدَاهُ أَوَّلًا مِنْ وَصْفِ الْحُرِّيَّةِ مَعَ الْإِسْلَامِ وَالتَّكْلِيفِ لَيْسَ مُتَعَيِّنًا لِلْعِلِّيَّةِ، بَلْ هُوَ وَصْفُ الْإِذْنِ. وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي يُعَارِضُ بِهَا الْمُسْتَدِلُّ فِي صُورَةِ الْإِلْغَاءِ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ. أَعْنِي أَنَّ الْوَصْفَ الْمَضْمُومَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالتَّكْلِيفِ لَيْسَ هُوَ الْحُرِّيَّةَ عَيْنًا، بَلْ هُوَ الْحُرِّيَّةَ أَوِ الْإِذْنَ فِي الْقِتَالِ أَوْ غَيْرَهُمَا كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالْكِتَابَةِ إِنْ قَالَ بِصِحَّةِ الْأَمَانِ مَعَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا بِإِبْدَاءِ الْمُنَاسِبِ فِي مَحَلِّ الْإِلْغَاءِ.
فَلَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ لِلْمُعْتَرِضِ: أَنْتَ عَلَّلْتَ صِحَّةَ أَمَانِ الْحُرِّ بِوَصْفِ الْحُرِّيَّةِ لِكَمَالِ نَظَرِ الْحُرِّ بِتَفَرُّغِهِ، فَتَكْمُلُ مَصْلَحَةُ أَمَانِهِ، ثُمَّ جَعَلْتَ الْإِذْنَ فِي صُورَةِ الْمَأْذُونِ لَهُ خَلَفًا عَنِ الْحُرِّيَّةِ وَهُوَ لَا يُسَاوِيهَا فِي الْمَصْلَحَةِ لِتَحَقُّقِ الرِّقِّ فِي الْمَأْذُونِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَيَتَحَقَّقُ شَغْلُ الْخَاطِرِ، وَعَدَمُ فَرَاغِ الْبَالِ، فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُعَارِضَنِي بِهِ فِي صُورَةِ الْمَأْذُونِ لَهُ عَنِ الْحُرِّيَّةِ - لَكَانَ هَذَا كَلَامًا
стр. 1837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَحِيحًا، لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِوَصْفٍ وَلَمْ يُظْهِرْهُ بِكَمَالِهِ.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَكْفِيهِ إِلْغَاءُ كُلٍّ مِنَ الْمُنَاسِبَيْنِ بِالْأَصْلِ الْآخَرِ لِجَوَازِ ثُبُوتِ حُكْمِ كُلِّ أَصْلٍ بِعِلَّةٍ تَخُصُّهُ، إِذِ الْعَكْسُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الشَّرْعِيَّاتِ» .
اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْجَدَلِيِّينَ زَعَمَ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِذَا أَبْدَى فِي صُورَةِ الْإِلْغَاءِ مُنَاسِبًا آخَرَ غَيْرَ مَا عَرَّضَ بِهِ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ، كَفَى فِي جَوَابِهِ «إِلْغَاءُ كُلٍّ مِنَ الْمُنَاسِبَيْنِ» اللَّذَيْنِ أَبْدَاهُمَا الْمُعْتَرِضُ «بِالْأَصْلِ الْآخَرِ» . مِثْلَ أَنْ يُلْغِيَ الْحُرِّيَّةَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَانِ بِمَسْأَلَةِ الْمَأْذُونِ، حَيْثُ اكْتَفَى الْمُعْتَرِضُ فِيهِ بِالْإِذْنِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ حَقِيقَةَ الْحُرِّيَّةِ. وَيُلْغِي الْإِذْنَ بِأَمَانِ الْحُرِّ حَيْثُ صَحَّ وَلَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهِ وُجُودُ الْإِذْنِ، وَإِذَا أَلْغَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُنَاسِبَيْنِ، سَقَطَتِ الْمُعَارَضَةُ مِنَ الْأَصْلَيْنِ وَبَقِيَ قِيَاسُ الْمُسْتَدِلِّ سَالِمًا عَنْ مُعَارِضٍ، فَتَبَيَّنَ هَهُنَا أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَعَدُّدِ الْعِلَلِ فِي الْأُصُولِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُ كُلِّ أَصْلٍ بِعِلَّةٍ غَيْرِ عِلَّةِ الْأَصْلِ الْآخَرِ، كَأَمَانِ الْحُرِّ بِعِلَّةِ الْحُرِّيَّةِ، وَأَمَانِ الْمَأْذُونِ بِعِلَّةِ الْإِذْنِ، لِأَنَّ «الْعَكْسَ» - يَعْنِي عَكْسَ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ - «غَيْرُ لَازِمٍ» كَمَا سَبَقَ، فَلَا يَجِبُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ، لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ فِي الْأَصْلِ الْآخَرِ. مَثَلًا لَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ صِحَّةِ الْأَمَانِ مِنَ الْمَأْذُونِ لِانْتِفَاءِ الْحُرِّيَّةِ، وَلَا انْتِفَاءُ صِحَّةِ أَمَانِ الْحُرِّ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْإِذْنِ، بَلْ جَازَ أَنْ تَثْبُتَ الصِّحَّةُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ فِيهِ. وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِإِلْغَاءِ كُلٍّ مِنَ الْمُنَاسِبَيْنِ بِالْآخَرِ وَجْهٌ.
قَوْلُهُ: «وَإِنِ ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ اسْتِقْلَالَ مَا ذَكَرَهُ مُنَاسِبًا كَفَى الْمُسْتَدِلَّ فِي جَوَابِهِ بَيَانُ رُجْحَانِ مَا ذَكَرَهُ هُوَ بِدَلِيلٍ أَوْ تَسْلِيمٍ» .
стр. 1838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِي: أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِذَا عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِوَصْفٍ فِي الْأَصْلِ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ اسْتِقْلَالَهُ بِالْحُكْمِ، بَلْ بِانْضِمَامِهِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ، كَالْحُرِّيَّةِ مَعَ الْإِسْلَامِ وَالتَّكْلِيفِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَانِ؛ فَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَإِنِ ادَّعَى اسْتِقْلَالَهُ بِالْحُكْمِ كَوَصْفِ الرُّجُولِيَّةِ فِي الْمُرْتَدِّ، وَالطَّعْمِ مَعَ الْكَيْلِ فِي الرِّبَا؛ «كَفَى الْمُسْتَدِلَّ» فِي جَوَابِ الْمُعْتَرِضِ «بَيَانُ رُجْحَانِ مَا ذَكَرَهُ» أَعْنِي الْمُسْتَدِلَّ «بِدَلِيلٍ» يَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِهِ أَوْ بِتَسْلِيمٍ مِنَ الْمُعْتَرِضِ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَيَانُ عَدَمِ مُنَاسَبَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ رُجْحَانِ مَا ذَكَرَهُ هُوَ وَأَوْلَوِيَّتُهُ، وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ تَعْلِيلَ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ بِتَبْدِيلِ الدِّينِ أَرْجَحُ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِوَصْفِ الرُّجُولِيَّةِ، وَأَنَّ تَعْلِيلَ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ بِالْكَيْلِ أَوِ الطَّعْمِ مَثَلًا، أَرْجَحُ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِغَيْرِهِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ بِطُرُقِهِ سَهْلٌ يَسِيرٌ.
قَوْلُهُ: «وَأَمَّا فِي الْفَرْعِ» . هَذَا أَحَدُ قِسْمَيِ الْمُعَارَضَةِ، وَهِيَ إِمَّا فِي الْأَصْلِ، وَإِمَّا فِي الْفَرْعِ.
قَوْلُهُ: «بِذِكْرِ مَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ، إِمَّا بِالْمُعَارَضَةِ بِدَلِيلٍ آكَدَ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَيَكُونُ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ كَمَا سَبَقَ» .
أَيِ: الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ تَكُونُ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: ذِكْرُ دَلِيلٍ آكَدَ مِنْ قِيَاسِ الْمُسْتَدِلِّ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قِيَاسُهُ، فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ أَوِ الْإِجْمَاعَ. وَهَذَا هُوَ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، كَمَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ: رُكْنٌ مِنْ
стр. 1839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، فَلَا يُشْرَعُ فِيهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ كَالسُّجُودِ، فَيَقُولُ لَهُ الْخَصْمَ: هَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَالرُّكُوعِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ» ، فَيَكُونُ قِيَاسُكَ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ. أَوْ يَقُولُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا، وَقِيَاسُكَ عَلَى خِلَافِهِ، فَيَكُونُ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ.
قَوْلُهُ: «وَإِمَّا بِإِبْدَاءِ وَصْفٍ فِي الْفَرْعِ مَانِعٍ لِلْحُكْمِ فِيهِ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ» .
هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي تَكُونُ بِهِ الْمُعَارَضَةُ، وَهُوَ أَنْ يُبْدِيَ الْمُعْتَرِضُ فِي فَرْعِ قِيَاسِ الْمُسْتَدِلِّ وَصْفًا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِيهِ، أَوْ يَمْنَعُ سَبَبِيَّةَ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ، أَيْ: يَمْنَعُ كَوْنَ وَصْفِهِ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ.
وَحَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُبَيِّنُ مَا يَمْنَعُ عِلَّةَ الْمُسْتَدِلِّ، أَوْ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَفَرْعِهِ.
مِثَالُ مَنْعِ الْحُكْمِ: أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: رُكْنٌ، فَلَا يُشْرَعُ فِيهِ رَفْعُ الْيَدِ كَالسُّجُودِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: رُكْنٌ، فَيُشْرَعُ فِيهِ رَفْعُ الْيَدِ كَالْإِحْرَامِ، فَقَدْ مَنَعَ الْحُكْمَ وَهُوَ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَقَاسَهُ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الْقَلْبِ، وَهُوَ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ كَمَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ.
стр. 1840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَثَالُ مَنْعِ السَّبَبِيَّةِ: أَنْ يَقُولَ الْحَنْبَلِيُّ فِي الْمُرْتَدَّةِ: بَدَّلَتْ دِينَهَا، فَتُقْتَلُ كَالرَّجُلِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: أُنْثَى، فَلَا تُقْتَلُ بِكُفْرِهَا، كَالْكَافِرَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَبَيَّنَ أَنَّ تَبْدِيلَ الدِّينِ لَيْسَ سَبَبًا لِقَتْلِ الْمَرْأَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمُتْلَفِ: مَالٌ مَمْلُوكٌ لِمَعْصُومٍ، فَيُضْمَنُ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَلْفِ كَالْبَهِيمَةِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إِنْسَانٌ مَعْصُومٌ، فَلَا يَزِيدُ بَدَلُهُ عَلَى الْأَلْفِ كَالْحُرِّ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ الْعِلَّةُ فِي ضَمَانِهِ كَوْنَهُ مَالًا بَلْ كَوْنَهُ إِنْسَانًا مَعْصُومًا، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْعَ السَّبَبِيَّةِ أَعَمُّ مِنْ مَنْعِ الْحُكْمِ، لِأَنَّ مَنْعَ سَبَبِيَّةِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ قَدْ يَلْزَمُهُ مَنْعُ الْحُكْمِ بِأَنْ لَا يَكُونَ صَالِحًا لِإِثْبَاتِهِ إِلَّا هُوَ، وَلَا وَصْفَ الْمُعْتَرِضِ الَّذِي يُبْدِيهِ، وَقَدْ لَا يَلْزَمُهُ مَنْعُ الْحُكْمِ بِأَنْ يَكُونَ وَصْفُ الْمُعْتَرِضِ صَالِحًا لِإِثْبَاتِهِ خَالَفَ الْوَصْفَ الْمُسْتَدِلَّ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ مَنَعَ الْحُكْمَ، احْتَاجَ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِهِ مَانِعًا إِلَى مِثْلِ طَرِيقِ الْمُسْتَدِلِّ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِهِ» فِي عِلَّتِهِ وَأَصْلِهِ وَقُوَّةِ عِلَّتِهِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مِثَالِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَيْثُ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: رُكْنٌ فَلَا يَرْفَعُ فِيهِ الْيَدَيْنِ كَالسُّجُودِ، فَالسُّجُودُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ رُكْنٌ، وَالْعِلَّةُ وَصْفٌ شَبَهِيٌّ، وَهُوَ كَوْنُ الرُّكُوعِ رُكْنًا كَالسُّجُودِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: رُكْنٌ فَيَرْفَعُ فِيهِ الْيَدَيْنِ كَالْإِحْرَامِ، فَالْإِحْرَامُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ رُكْنٌ، وَالْعِلَّةُ أَيْضًا وَصْفٌ شَبَهِيٌّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعَارِضَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَاوِمًا لِلْمُعَارَضِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - وَلَا يُقَاوِمُهُ إِلَّا إِذَا سَاوَاهُ فِي
стр. 1841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْصَافِهِ الْخَاصَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَإِنْ مَنَعَ السَّبَبِيَّةَ، فَإِنْ بَقِيَ احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ مَعَهُ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ لَمْ يَضُرَّ الْمُسْتَدِلَّ لِإِلْفِنَا مِنَ الشَّرْعِ اكْتِفَاءَهُ بِالْمَظِنَّةِ وَمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْحِكْمَةِ، فَيَحْتَاجُ الْمُعْتَرِضُ إِلَى أَصْلٍ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرَهُ بِالِاعْتِبَارِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَصْلٍ، إِذْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ تَابِعٌ لِلْحِكْمَةِ وَقَدْ عُلِمَ انْتِفَاؤُهَا» .
يَعْنِي أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ، أَوْ يَمْنَعَ سَبَبِيَّةَ الْوَصْفِ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ. وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يَبْقَى احْتِمَالُ حِكْمَةِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ مَعَ مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ أَوْ لَا يَبْقَى، «فَإِنْ بَقِيَ احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ» «وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ» ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ احْتِمَالًا بَعِيدًا، لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْمُسْتَدِلَّ، لِأَنَّ احْتِمَالَ حِكْمَةِ وَصْفِهِ بَاقٍ، وَالْوَصْفُ مَظِنَّةٌ لَهُ، وَقَدْ أَلِفْنَا مِنَ الشَّارِعِ أَنَّهُ يَكْتَفِي فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ مَظِنَّتِهِ، وَمُجَرَّدِ وُجُودِ احْتِمَالِ حِكْمَتِهِ، وَهَذَا حَاصِلٌ، وَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الْمُعْتَرِضُ إِلَى أَصْلٍ يَشْهَدُ لِلْوَصْفِ الَّذِي أَبْدَاهُ بِالِاعْتِبَارِ حَتَّى يَقْوَى عَلَى إِبْطَالِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْمَحْسُوسِ: شَخْصٌ جَاءَ يُكَابِرُ شَخْصًا عَلَى أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ دَارِهِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، وَبَقِيَ عِيَالُهُ وَرَحْلُهُ فِيهَا، فَيَحْتَاجُ الْمُكَابِرُ لَهُ إِلَى قَطْعِ عَلَائِقِهِ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ هُوَ مِنْهَا. أَوْ إِنْسَانٌ نَازَعَ شَخْصًا رَاكِبًا بَهِيمَةً عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ، فَأَنْزَلَهُ عَنْهَا، وَبَقِيَ خُرْجُهُ عَلَيْهَا، أَوْ مِقْوَدُهَا فِي يَدِهِ، فَيَحْتَاجُ الْمُنَازِعُ إِلَى إِلْقَاءِ خُرْجِهِ عَنْهَا، أَوْ فَكِّ مِقْوَدِهَا مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَسْتَوِيَا بِالنِّسْبَةِ
стр. 1842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِلَيْهَا، وَإِلَّا فَمَا دَامَ لِرَاكِبِهَا بِهَا عَلَقَةٌ كَانَ أَحَقَّ بِهَا، فَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ إِذَا عُورِضَ، وَبَقِيَتْ حِكْمَتُهُ، كَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُعْتَرِضُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ وَصْفِهِ، فَيَسْتَوِيَانِ حِينَئِذٍ فِي الِاعْتِبَارِ أَوِ السُّقُوطِ.
وَمِثَالُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ أَنْ يَقُولَ الْحَنْبَلِيُّ فِي النَّبِيذِ: مُسْكِرٌ فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِتَحْرِيمِهِ أَوْ: غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَلَا يَحْرُمُ كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ، فَيُقَالُ لَهُ: الْحِكْمَةُ فِي الْإِسْكَارِ بَاقِيَةٌ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَالْمُسْكِرُ مَظِنَّةٌ لَهَا، وَذَلِكَ كَافٍ فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ عَمَلًا بِوُجُودِ الْمَظِنَّةِ حَتَّى تَأْتِيَ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُعْتَرِضُ بِشَاهِدٍ عَلَى اعْتِبَارِ وَصْفِكَ وَهُوَ أَنَّ مَا لَيْسَ مَقْطُوعًا بِتَحْرِيمِهِ، أَوْ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ لَا يَكُونُ حَرَامًا. وَإِنْ لَمْ تَبْقَ حِكْمَةُ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ مَعَ مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ، لَمْ يَحْتَجْ - يَعْنِي الْمُعْتَرِضَ - إِلَى أَصْلٍ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرَهُ بِالِاعْتِبَارِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ تَابِعٌ لِبَقَاءِ الْحِكْمَةِ، لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ بِهِ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، وَقَدْ عُلِمَ انْتِفَاؤُهَا، وَمَعَ انْتِفَاءِ الْمَقْصُودِ لَا فَائِدَةَ فِي بَقَاءِ الْوَسِيلَةِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: مَسْأَلَةُ ضَمَانِ الْعَبْدِ وَنَظَائِرُهَا مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ الْأَشْبَاهَ قَدْ تَتَعَادَلُ، فَلَا تَبْقَى حِكْمَةُ شُبَهِ الْمُسْتَدِلِّ، كَمَا إِذَا قَالَ: مَالٌ لِمَعْصُومٍ، فَيُضْمَنُ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ كَالْبَهِيمَةِ، فَالْحِكْمَةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ، وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَدْلِ بِجَبْرِ مَا فَاتَ مِنْ مَالِ الْمَالِكِ بِقِيمَةِ الْفَائِتِ، فَإِذَا قَالَ الْمُعْتَرِضُ: إِنْسَانٌ مَعْصُومٌ، فَلَا يَزِيدُ بَدَلُهُ عَلَى الْأَلْفِ كَالْحُرِّ؛ كَانَتْ هَذِهِ حِكْمَةً مُقَاوِمَةً، أَوْ مُقَارِبَةً لِلْأُولَى
стр. 1843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَ بَدَلَ الْإِنْسَانِ الْمَعْصُومِ أَلْفًا، فَالزَّائِدُ عَلَيْهِ افْتِئَاتٌ عَلَيْهِ، فَطَعَنَ فِي حِكْمَتِهِ، وَهَذَا إِنْسَانٌ مَعْصُومٌ، فَلَا يَحْتَاجُ الْمُعْتَرِضُ هَهُنَا إِلَى أَصْلٍ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرَهُ بِالِاعْتِبَارِ لِمُقَاوَمَتِهِ وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُرَجِّحَ وَصْفَهُ عَلَى وَصْفِ الْمُعْتَرِضِ بِأَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْتَهُ مُتَّجِهٌ، لَكِنْ مَا ذَكَرْتُهُ أَنَا أَرْجَحُ، لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي بَابِ الضَّمَانِ وَالْإِتْلَافِ أَشْبَهُ بِالْبَهِيمَةِ مِنْهُ بِالْحُرِّ، لِأَنَّ شِبْهَ الْمَالِيَّةِ فِيهِ أَمْكَنُ مِنْ شِبْهِ الْحُرِّيَّةِ لِثُبُوتِ أَحْكَامِ الْأَمْوَالِ فِيهِ مِنْ وُرُودِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَنَحْوِهَا عَلَيْهِ، وَأَحْكَامُ الْأَحْرَارِ لَا يَتَثَبَّتُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا قَلِيلٌ لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ، فَكَانَ بِالْمَالِ أَشْبَهَ، فَأُلْحِقَ بِهِ فِي الضَّمَانِ بِقِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
قَوْلُهُ: «وَفِي الْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ يَنْقَلِبُ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًّا عَلَى إِثْبَاتِ الْمُعَارَضَةِ، وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا عَلَيْهَا بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ» .
قُلْتُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ هِيَ الْمُقَابَلَةُ عَلَى جِهَةٍ، وَالْمُمَانِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَانِعٌ لِمَقْصُودِ خَصْمِهِ، مُثْبِتٌ لِمَقْصُودِهِ هُوَ، فَإِذًا لِلْمُعَارَضَةِ جِهَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: جِهَةُ مَنْعِ مَقْصُودِ الْمُسْتَدِلِّ فَيَحْتَاجُ الْمُعْتَرِضُ فِيهَا إِلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ الْمَنْعِ بِالدَّلِيلِ، مِثْلَ أَنْ يَسْتَدِلَّ الْحَنْبَلِيُّ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ: بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْغِي لَهَا الْإِنَاءَ، فَتَشْرَبُ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: مَا ذَكَرْتَ مِنَ
стр. 1844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدَّلِيلِ وَإِنْ دَلَّ؛ غَيْرَ أَنَّ عِنْدِي مَانِعًا يُعَارِضُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: الْهِرَّةُ سَبُعٌ، فَعَمِلْتُ بِحَدِيثِ الْإِصْغَاءِ فِي الطَّهَارَةِ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْكَرَاهَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي الْعَمَلِ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا.
الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ لِلْمُعَارَضَةِ: إِثْبَاتُ مَطْلُوبِ الْمُعْتَرِضِ كَمَا ذُكِرَ مِنْ إِثْبَاتِ كَرَاهِيَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ، فَهُوَ مِنَ الْجِهَةِ الْأُولَى مَانِعٌ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مُسْتَدِلٌّ، فَبِالضَّرُورَةِ يَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى أَنْ يَنْقَلِبَ مُعْتَرِضًا عَلَى اسْتِدْلَالِ الْمُعْتَرِضِ، لِيَسْلَمَ لَهُ دَلِيلُهُ، فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى النَّصِّ، أَوِ الْقِيَاسِ مِمَّا سَبَقَ، فَيَقُولُ هَهُنَا: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. سَلَّمْنَاهُ؛ لَكِنَّ السَّبُعِيَّةَ فِيهِ لَيْسَتْ حَقِيقَةً، بَلْ مَجَازًا شَبَهِيًّا صُورِيًّا، كَمَا يُقَالُ لِلطَّوِيلِ:
стр. 1845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَخْلَةٌ، لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي الطُّولِ، وَلِلْمُعْتَدِلِ وَلِلْقَدِّ: رُمْحٌ لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي الِاعْتِدَالِ وَالِاهْتِزَازِ. سَلَّمْنَاهُ؛ لَكِنْ حَدِيثُنَا أَصَحُّ وَأَثْبَتُ، فَيُرَجَّحُ، وَالْمَرْجُوحُ مَعَ الرَّاجِحِ عَدَمٌ فِي الْحُكْمِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ عَلَى النَّصِّ.
وَإِنْ كَانَتِ الْمُعَارَضَةُ قِيَاسًا؛ اعْتَرَضَ الْمُسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأَسْئِلَةِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورَةِ لِلِاسْتِفْسَارِ وَفَسَادِ الْوَضْعِ وَالِاعْتِبَارِ وَالْمَنْعِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَسْئِلَةِ عَلَى مَا شُرِحَ فِيهَا.
وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُعَارَضَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَدِلِّ كَالدَّلِيلِ الِابْتِدَائِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُعْتَرِضِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ مُسْتَدِلًّا مُعْتَرِضًا مِنْ جِهَتَيْنِ، كَمَا أَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَنَحْوِهِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ مُنْكِرٌ مِنْ جِهَتَيْنِ.
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّهَا بِنَاءٌ مِنَ الْمُعْتَرِضِ، إِذْ هِيَ تَقْرِيرُ دَلِيلٍ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْنَفِ، وَوَظِيفَةُ الْمُعْتَرِضِ أَنْ يَكُونَ هَادِمًا لِمَا يَذْكُرُهُ الْمُسْتَدِلُّ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ خِلَافُ وَظِيفَتِهِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ الْمُسْتَدِلُّ مَنْصِبَهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا سُؤَالٌ مَقْبُولٌ، لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ بِنَاءً فَهِيَ بِنَاءٌ بِالْعَرْضِ، وَهِيَ بِالذَّاتِ هَدْمٌ لِمَا بَنَاهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، فَأَشْبَهَتِ الْمَنْعَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1846
الْعَاشِرُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ ، وَهُوَ ذِكْرُ مَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الدَّلِيلُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ، إِمَّا لِطَرْدِيَّتِهِ نَحْوَ: صَلَاةٌ لَا تُقْصَرُ، فَلَا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا عَلَى الْوَقْتِ، كَالْمَغْرِبِ، إِذْ بَاقِي الصَّلَوَاتِ تُقْصَرُ، فَلَا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا عَلَى الْوَقْتِ، أَوْ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِهِ، نَحْوَ: مَبِيعٌ لَمْ يَرَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، فَإِنَّ بَيْعَ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ رُؤِيَ، نَعَمْ إِنْ أَشَارَ بِذِكْرِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ إِلَى خُلُوِّ الْفَرْعِ مِنَ الْمَانِعِ، أَوِ اشْتِمَالِهِ عَلَى شَرْطِ الْحُكْمِ دَفْعًا لِلنَّقْضِ، جَازَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَإِنْ أَشَارَ الْوَصْفُ إِلَى اخْتِصَاصِ الدَّلِيلِ بِبَعْضِ صُوَرِ الْحُكْمِ، جَازَ إِنْ لَمْ تَكُنِ الْفُتْيَا عَامَّةً، وَإِنْ عَمَّتْ، لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ وَفَاءِ الدَّلِيلِ الْخَاصِّ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْعَامِّ.
ــ
السُّؤَالُ «الْعَاشِرُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ» .
اعْلَمْ أَنَّ التَّأْثِيرَ هُوَ إِفَادَةُ الْوَصْفِ أَثَرَهُ، فَإِذَا لَمْ يُفِدْهُ، فَهُوَ عَدَمُ التَّأْثِيرِ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ ذِكْرُ مَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الدَّلِيلُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ، إِمَّا لِطَرْدِيَّتِهِ» ، «أَوْ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِهِ» .
يَعْنِي أَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ: هُوَ ذِكْرُ وَصْفٍ، أَوْ أَكْثَرَ تَسْتَغْنِي عَنْهُ الْعِلَّةُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ، إِمَّا لِكَوْنِ ذَلِكَ الْوَصْفِ طَرْدِيًّا لَا يُنَاسِبُ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ لِكَوْنِ الْحُكْمِ ثَبَتَ بِدُونِهِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ؛ وَهُوَ مَا عُدِمَ تَأْثِيرُهُ لِكَوْنِهِ طَرْدِيًّا: قَوْلُ الْقَائِلِ فِي أَنَّ الْفَجْرَ لَا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا عَلَى الْوَقْتِ: «صَلَاةٌ لَا تُقْصَرُ، فَلَا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا عَلَى الْوَقْتِ، كَالْمَغْرِبِ» ، وَذَلِكَ، لِأَنَّ «بَاقِيَ الصَّلَوَاتِ تُقْصَرُ» ، وَلَا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا عَلَى وَقْتِهَا،
стр. 1847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَبَقِيَ قَوْلُهُ: لَا تُقْصَرُ؛ وَصْفًا طَرْدِيًّا، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِتَقْدِيمِ الْأَذَانِ عَلَى الْوَقْتِ، وَلَا عَدَمِهِ.
وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِي هَذَا: أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ اقْتَضَى تَعْلِيلَ عَدَمِ تَقْدِيمِ الْأَذَانِ بِعَدَمِ الْقَصْرِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُقَدَّمُ الْأَذَانُ عَلَى الْفَجْرِ، لِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ، وَاطَّرَدَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْعَكِسْ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، إِذْ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ أَنَّ مَا يُقْصَرُ مِنَ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَذَانِهِ عَلَى وَقْتِهِ مِنْ حَيْثُ انْعِكَاسِ الْعِلَّةِ، لَكِنِ الْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، لَكِنْ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى عَكْسِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ، وَإِذَا أُلْغِيَ قَوْلُهُ: لَا تُقْصَرُ؛ لَمْ يَبْقَ لِاخْتِصَاصِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ - وَهُوَ الْمَغْرِبُ - وَجْهٌ، إِذْ كُلُّ الصَّلَوَاتِ لَا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا.
وَمِثَالُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الدَّلِيلُ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِهِ: قَوْلُهُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: «مَبِيعٌ لَمْ يَرَهُ» الْعَاقِدُ، «فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ هَهُنَا عَدِيمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ بَيْعُ الطَّيْرِ، لِأَنَّ «بَيْعَ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ مَمْنُوعٌ» ، أَيْ: لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا. وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ هَهُنَا مِنْ جِهَةِ الْعَكْسِ كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ تَعْلِيلَ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَقَدْ بَطَلَ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ.
وَذَكَرَ النِّيلِيُّ هَذَا الْمِثَالَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَقَالَ: مَبِيعٌ لَمْ يَرَهُ فَلَا يَصِحُّ، كَمَا إِذَا بَاعَ مَيْتَةً لَمْ يَرَهَا، وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّظْمِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ فِي بَيْعِ الْمَيْتَةِ عَدِيمُ التَّأْثِيرِ، إِذْ نَجَاسَتُهَا تَسْتَقِلُّ بِالْبُطْلَانِ كَمَا أَنَّ الْغَرَرَ فِي
стр. 1848
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَسْتَقِلُّ بِالْبُطْلَانِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ: مَسَّ ذَكَرَهُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، كَمَا لَوْ مَسَّ وَبَالَ، فَإِنَّ مَسَّ الذَّكَرِ مَعَ الْبَوْلِ عَدِيمُ التَّأْثِيرِ لِاسْتِقْلَالِهِ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ إِجْمَاعًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوَّلَ يُسَمَّى عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ، لِأَنَّ الْوَصْفَ طَرْدِيٌّ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، كَقَوْلِهِ: صَلَاةٌ لَا تُقْصَرُ، وَالثَّانِي يُسَمَّى عَدَمَ التَّأْثِيرِ، كَعَدَمِ الرُّؤْيَةِ فِي بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ لِاسْتِغْنَاءِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي ثُبُوتِهِ عَنْهُ.
وَقَدْ يَكُونُ عَدَمُ التَّأْثِيرِ لِعَدَمِ اطِّرَادِ الْوَصْفِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ النِّزَاعِ، وَيُسَمَّى عَدَمَ التَّأْثِيرِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعَ، وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ يَرْجِعُ إِلَى سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ بِالْعِلَّةِ، وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ يَرْجِعُ إِلَى سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُلْغِي مِنَ الْعِلَّةِ وَصْفًا، ثُمَّ يُعَارِضُ الْمُسْتَدِلَّ بِمَا بَقِيَ. وَالثَّالِثُ يَرْجِعُ إِلَى مَنْعِ الْفَرْضِ فِي الدَّلِيلِ وَتَحْقِيقِهِ فِي عِلْمِ الْجَدَلِ.
قَوْلُهُ: «نَعَمْ إِنْ أَشَارَ - يَعْنِي الْمُسْتَدِلَّ - بِذِكْرِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ إِلَى خُلُوِّ الْفَرْعِ مِنَ الْمَانِعِ، أَوِ اشْتِمَالِهِ عَلَى شَرْطِ الْحُكْمِ دَفْعًا لِلنَّقْضِ، جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ» .
مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ فِي الدَّلِيلِ إِنَّمَا يَكُونُ عَدِيمَ التَّأْثِيرِ إِذَا لَمْ يُفِدْ فَائِدَةً أَصْلًا، أَمَّا إِذَا كَانَ فِيهِ فَائِدَةٌ، دَفَعَ النَّقْضَ بِأَنْ يُشِيرَ إِلَى أَنَّ الْفَرْعَ خَالٍ مِمَّا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِيهِ، أَوْ إِلَى اشْتِمَالِ الْفَرْعِ عَلَى شَرْطِ الْحُكْمِ، فَلَا يَكُونُ عَدِيمَ التَّأْثِيرِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي مَسْأَلَةِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ: صَوْمٌ مَفْرُوضٌ، فَافْتَقَرَ
стр. 1849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِلَى التَّبْيِيتِ قِيَاسًا عَلَى الْقَضَاءِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ مَفْرُوضًا يَتَحَقَّقُ بِهِ شَرْطُ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ صَوْمُ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ خَالٍ مِمَّا يَمْنَعُ ثُبُوتَ التَّبْيِيتِ فِيهِ، وَيَنْدَفِعُ بِهِ النَّقْضُ بِالنَّفْلِ، إِذْ لَوْ قَالَ: صَوْمٌ، فَافْتَقَرَ إِلَى التَّبْيِيتِ، لَانْتَقَضَ بِالنَّفْلِ، لِأَنَّهُ صَوْمٌ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى التَّبْيِيتِ، مَعَ أَنَّ فَرْضِيَّةَ الصَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَبْيِيتِ النِّيَّةِ طَرْدِيٌّ لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ لَهُ.
قُلْتُ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، بَلْ وَجْهُ الْمُنَاسِبِ أَنَّ النِّيَّةَ تُمَيِّزُ الْعِبَادَةَ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَالْفَرْضَ مِمَّا يَشْتَدُّ اهْتِمَامُ الشَّرْعِ بِهِ، فَنَاسَبَ اعْتِبَارَ التَّبْيِيتِ، لِتَمْيِيزِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَنِ الْعِبَادَةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا، بِخِلَافِ النَّفْلِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الِاهْتِمَامَ بِهِ دُونَ الِاهْتِمَامِ بِالْفَرْضِ.
قَوْلُهُ: «وَإِنْ أَشَارَ الْوَصْفُ إِلَى اخْتِصَاصِ الدَّلِيلِ بِبَعْضِ صُوَرِ الْحُكْمِ، جَازَ إِنْ لَمْ تَكُنِ الْفُتْيَا عَامَّةً، وَإِنْ عَمَّتْ لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ وَفَاءِ الدَّلِيلِ الْخَاصِّ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْعَامِّ» .
يَعْنِي أَنَّ وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ إِذَا أَشَارَ إِلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِبَعْضِ صُوَرِهِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ فُتْيَاهُ - يَعْنِي جَوَابَهُ - عَامًّا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ عَامًّا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْخَاصَّ لَا يَفِي بِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْعَامِّ.
مِثَالُهُ: مَا إِذَا قِيلَ لِلْمَالِكِيِّ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ أَكْفَاءٌ لَهَا، فَلَا يُفْضِي ذَلِكَ إِلَى لُحُوقِ النَّقْصِ وَالْعَارِ بِهَا غَالِبًا، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا وَلَيُّهَا، فَإِنَّ الْعِلَّةَ هَهُنَا تُشِيرُ إِلَى اخْتِصَاصِ جَوَازِ ذَلِكَ بِالدَّنِيَّةِ مِنَ النِّسَاءِ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ جَوَابَهُ بِجَوَازِ تَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا خَرَجَ عَامًّا، فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الدَّنِيَّةِ وَالشَّرِيفَةِ، وَتَعْلِيلُهُ خَاصٌّ
стр. 1850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالدَّنِيَّةِ، وَالْجَوَابُ الْعَامُّ لَا يَحْصُلُ بِالتَّعْلِيلِ الْخَاصِّ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْفُتْيَا عَامَّةً، كَمَا لَوْ قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النِّسَاءِ، أَوْ يَجُوزُ فِي الْجُمْلَةِ، وَعَلَّلَ بِالتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ؛ جَازَ ذَلِكَ وَأَفَادَ جَوَازَ فَرْضِ الْكَلَامِ فِي بَعْضِ صُوَرِ السُّؤَالِ وَهُوَ جَوَازُ تَزْوِيجِ الدَّنِيَّةِ نَفْسَهَا دُونَ الشَّرِيفَةِ فَرْقًا بَيْنَهُمَا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
بَقِيَ الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ: «وَإِنْ أَشَارَ الْوَصْفُ» ؛ هَلِ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَوْ لِلْعَهْدِ؟ إِنْ قُلْنَا: لِلِاسْتِغْرَاقِ، كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُنْقَطِعَةً عَمَّا قَبْلَهَا، وَكَانَ حَاصِلُهَا أَنَّ التَّعْلِيلَ الْخَاصَّ بِبَعْضِ صُوَرِ الْحُكْمِ لَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ جَوَابُ الْمُعَلِّلِ عَامًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا، جَازَ وَأَفَادَ جَوَازَ فَرْضِ الدَّلِيلِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْفَرْضِ فِيهِ كَمَا قُرِّرَ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْخِلَافِ، وَإِنْ قُلْنَا: اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ، كَانَ الْمُرَادُ بِالْوَصْفِ هُوَ الْمَعْهُودَ السَّابِقَ وَهُوَ الْعَدِيمُ التَّأْثِيرِ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ الْوَصْفَ الْعَدِيمَ التَّأْثِيرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَافِعًا لِلنَّقْضِ كَمَا سَبَقَ لَكِنَّهُ أَفَادَ فَرْضَ الْكَلَامِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، جَازَ ذِكْرُهُ أَيْضًا.
وَمَثَّلَهُ النِّيلِيُّ بِمَا إِذَا قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي الْمُرْتَدِّينَ: طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَا يَضْمَنُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْإِتْلَافِ، كَالْحَرْبِيِّ إِذَا أَتْلَفَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَوْلُهُ: فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَا أَثَرَ لَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الْحُكْمِ، وَلَا مَانِعِهِ وَشَرْطِهِ، إِذِ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَضْمَنُ مَالَ الْمُسْلِمِ، سَوَاءٌ أَتْلَفَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا أَفَادَ قَوْلُهُ: فِي دَارِ الْحَرْبِ، تَخْصِيصَ الدَّلِيلِ، وَفَرْضُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ فَرْضِ الدَّلِيلِ.
стр. 1851
الْحَادِي عَشَرَ: تَرْكِيبُ الْقِيَاسِ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُرَكَّبُ الْمَذْكُورِ قَبْلُ، نَحْوَ قَوْلِهِ فِي الْبَالِغَةِ: أُنْثَى، فَلَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، كَابْنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ، إِذِ الْخَصْمُ يَمْنَعُ تَزْوِيجَهَا نَفْسَهَا لِصِغَرِهَا لَا لِأُنُوثَتِهَا، فَفِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ خِلَافٌ.
الْإِثْبَاتُ، إِذْ أَصْلُهُ النِّزَاعُ فِي الْأَصْلِ فَيُثْبِتُهُ، وَيُبْطِلُ مَأْخَذَ الْخَصْمِ فِيهِ، وَقَدْ ثَبَتَ مُدَّعَاهُ.
وَالنَّفْيُ، لِأَنَّهُ فِرَارٌ عَنْ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى مِقْدَارِ سِنِّ الْبُلُوغِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
ــ
السُّؤَالُ «الْحَادِي عَشَرَ: تَرْكِيبُ الْقِيَاسِ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ» ، يَعْنِي مَذْهَبَ الْمُسْتَدِلِّ وَالْمُعْتَرِضِ، «وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُرَكَّبُ الْمَذْكُورُ قَبْلُ» ، يَعْنِي عِنْدَ ذِكْرِ شُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَأَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَمَثَّلْنَاهُ بِقَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: الْعَبْدُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ كَالْمُكَاتَبِ.
وَمِثَالُهُ هَهُنَا: أَنْ يَقُولَ الْحَنْبَلِيُّ فِي الْمَرْأَةِ الْبَالِغَةِ: «أُنْثَى، فَلَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا» بِغَيْرِ وَلِيٍّ «كَابْنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ» سَنَةً.
قَوْلُهُ: «إِذِ الْخَصْمُ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا كَالتَّفْسِيرِ وَالشَّرْحِ، لِكَوْنِ الْقِيَاسِ مُرَكَّبًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَصْمَ - وَهُوَ الْحَنَفِيُّ - «يَمْنَعُ تَزْوِيجَهَا» ، أَيْ: تَزْوِيجَ بِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً «لِصِغَرِهَا، لَا لِأُنُوثَتِهَا» ، أَيْ: لِكَوْنِهَا صَغِيرَةً لَا لِكَوْنِهَا أُنْثَى فَاخْتَلَفَتِ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ صِحَّةُ هَذَا الْقِيَاسِ لِاجْتِمَاعِ عِلَّةِ
стр. 1852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْخَصْمَيْنِ فِيهِ، فَتَرَكَّبَ مِنْهُمَا.
وَتَحْقِيقُ التَّرْكِيبِ هَهُنَا: هُوَ أَنْ يَتَّفِقَ الْخَصْمَانِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي عِلَّتِهِ، فَإِذَا أَلْحَقَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ الْأَصْلِ فَرْعًا بِغَيْرِ عِلَّةِ صَاحِبِهِ، فَالْقِيَاسُ مُنْتَظِمٌ، لَكِنْ بِنَاءً عَلَى تَرْكِيبِ حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ عِلَّتَيْنِ.
مِثَالُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: أَنَّ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيَّ ﵄ يَعْتَقِدَانِ أَنَّ بِنْتَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا لِأُنُوثَتِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا لِصِغَرِهَا، إِذِ الْجَارِيَةُ إِنَّمَا تَبْلُغُ عِنْدَهُ لِتِسْعَ عَشْرَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِثَمَانِي عَشْرَةَ كَالْغُلَامِ، فَالْعِلَّتَانِ مَوْجُودَةٌ فِيهَا، وَالْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ. فَإِذَا قَالَ الْحَنْبَلِيُّ فِي الْبَالِغَةِ: أُنْثَى فَلَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا كَبِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ انْتَظَمَ الْقِيَاسُ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَرْكِيبِ حُكْمِ الْأَصْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنَ الْعِلَّتَيْنِ، وَاسْتِنَادِهِ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى عِلَّتِهِ. وَلِهَذَا جَازَ لِأَحَدِهِمَا مَنْعُ صِحَّةِ الْقِيَاسِ لِاخْتِلَافِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ هَهُنَا لِلْمُسْتَدِلِّ: أَنْتَ عَلَّلْتَ الْمَنْعَ فِي الْبَالِغَةِ بِالْأُنُوثَةِ، وَالْمَنْعُ فِي بِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ عِنْدِي مُعَلَّلٌ بِالصِّغَرِ، فَمَا اتَّفَقَتْ عِلَّةُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَلَا يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ.
قَوْلُهُ: «فَفِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ خِلَافٌ» ، هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟
قَوْلُهُ: «الْإِثْبَاتُ» ؛ بَدَلٌ مِنْ «خِلَافٌ» ، وَ «النَّفْيُ» بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ. أَيْ: فِي ذَلِكَ خِلَافٌ: الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ، أَيْ: أَثْبَتَ صِحَّةَ التَّمَسُّكِ بِهِ قَوْمٌ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ.
حُجَّةُ الْإِثْبَاتِ: أَنَّ حَاصِلَ سُؤَالِ التَّرْكِيبِ يَرْجِعُ إِلَى النِّزَاعِ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي عِلَّتِهِ، كَالنِّزَاعِ فِي حُكْمِهِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَجُوزُ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَإِذَا مَنَعَهُ الْمُعْتَرِضُ، أَثْبَتَهُ الْمُسْتَدِلُّ بِطَرِيقِهِ، وَصَحَّ قِيَاسُهُ، فَهَهُنَا كَذَلِكَ يُثْبِتُ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي بِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ هِيَ الْأُنُوثَةُ، وَيُحَقِّقُهَا فِي الْفَرْعِ، وَهِيَ الْبَالِغَةُ، وَيُبْطِلُ مَأْخَذَ الْخَصْمِ وَهُوَ تَعْلِيلُهُ فِي بِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ
стр. 1853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالصِّغَرِ. وَقَدْ ثَبَتَ مُدَّعَاهُ، وَصَحَّ قِيَاسُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْبَالِغَةَ أُنْثَى، فَلَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا كَبِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ.
حُجَّةُ النَّفْيِ: «أَنَّهُ فِرَارٌ عَنْ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ» الْمُنَازَعِ فِيهَا «إِلَى» النِّزَاعِ فِي «مِقْدَارِ سِنِّ الْبُلُوغِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى» فَهُوَ انْتِقَالٌ مِنَ الْخَصْمَيْنِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى أَنَّ الْبَالِغَةَ تَسْتَقِلُّ بِتَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا، وَقِيَاسُهُ عَلَى بِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَفْضَى إِلَى النِّزَاعِ فِي أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ فِيهَا الْأُنُوثَةُ، أَوِ الصِّغَرُ، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا بَالِغَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ خَمْسَ عَشْرَةَ هِيَ سِنُّ الْبُلُوغِ أَمْ لَا؟ وَهَذَا انْتِقَالٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ بِوَاسِطَتَيْنِ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ «وَالْأَوَّلُ أَوْلَى» أَيْ: صِحَّةُ التَّمَسُّكِ بِهَذَا الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ لِمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا. وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ التَّمَسُّكِ بِهِ، صَحَّ سُؤَالُ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ، وَلَزِمَ الْمُسْتَدِلَّ الْجَوَابُ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِبْطَالِ مَأْخَذِهِ فِي الْأَصْلِ، وَتَحْقِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ بِعِلَّتِهِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ التَّمَسُّكِ بِالْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ لَا يُتَصَوَّرُ سُؤَالُ التَّرْكِيبِ، لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَلَى قِيَاسٍ بَاطِلٍ، وَفَرْعُ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1854
الثَّانِي عَشَرَ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ ، وَهُوَ: تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ مَنْعِ الْمَدْلُولِ، أَوْ تَسْلِيمُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَعَ دَعْوَى بَقَاءِ الْخِلَافِ، وَهُوَ آخِرُ الْأَسْئِلَةِ، وَيَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِفَسَادِهِ، وَالْمُسْتَدِلُّ بِتَوْجِيهِهِ، إِذْ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ النِّزَاعُ فِيهِمَا.
ــ
«الثَّانِي عَشَرَ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ» . بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: الْقَوْلُ بِمَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ، أَمَّا الْمُوجِبُ بِكَسْرِهَا، فَهُوَ الدَّلِيلُ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» - يَعْنِي الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ - «تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ مَنْعِ الْمَدْلُولِ، أَوْ تَسْلِيمُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَعَ دَعْوَى بَقَاءِ الْخِلَافِ» .
هَذَا عَلَى جِهَةِ التَّخْيِيرِ فِي تَعْرِيفِهِ، أَيْ: بِأَيِّ هَذَيْنِ التَّعْرِيفَيْنِ عُرِّفَ حَصَلَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ، لَكِنَّ التَّعْرِيفَ الثَّانِيَ أَحَقُّ، لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْخَصْمِ إِنَّمَا هُوَ لِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وَمُوجِبِهِ، لَا لِنَفْسِ الدَّلِيلِ، إِذِ الدَّلِيلُ لَيْسَ مُرَادًا لِذَاتِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَدْلُولِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: مَا إِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ: يُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَدُّ، لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ جَوَازِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ، فَكَانَ جَائِزًا، فَيَقُولُ الْحَنْبَلِيُّ أَوِ الْحَنَفِيُّ: أَنَا قَائِلٌ بِمُوجِبِ دَلِيلِكَ، وَأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحَدِّ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا أُنَازِعُ فِي جَوَازِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ، وَلَيْسَ فِي دَلِيلِكَ مَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ، فَهَذَا قَدْ سَلَّمَ لِلْمُسْتَدِلِّ مُقْتَضَى دَلِيلِهِ وَهُوَ جَوَازُ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ، وَادَّعَى بَقَاءَ الْخِلَافِ فِي شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ هَتْكُ حُرْمَةِ الْحَرَمِ.
стр. 1855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» - يَعْنِي الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ - «آخِرُ الْأَسْئِلَةِ» الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ تَرْتِيبُهَا، «وَيَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِفَسَادِهِ وَالْمُسْتَدِلُّ بِتَوْجِيهِهِ» . أَيْ: إِذَا فَسَدَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ، انْقَطَعَ الْمُعْتَرِضُ، إِذْ بِفَسَادِهِ يَثْبُتُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ سَالِمًا عَنْ مُعَارِضٍ، وَإِذَا صَحَّ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ وَتَوَجَّهَ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ صَحِيحًا، انْقَطَعَ لِأَنَّ بِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ دَلِيلَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ، كَمَا لَوِ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي بَعْضِ صُوَرِ النِّزَاعِ فِيهَا بِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ؛ قِيلَ لَهُ: سَلَّمْنَا دَلَالَتَهَا عَلَى التَّوْحِيدِ لَكِنْ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَتَبْقَى دَعْوَاهُ خَالِيَةً عَنْ دَلِيلٍ، فَتَبْطُلُ، فَيَنْقَطِعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الْبَقَرَةُ: ١١١] .
قَوْلُهُ: «إِذْ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ النِّزَاعُ فِيهِمَا» .
هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ آخِرُ الْأَسْئِلَةِ، وَأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يَنْقَطِعُ بِفَسَادِهِ، وَأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ يَنْقَطِعُ بِتَوْجِيهِهِ، لِأَنَّ فِي الْقَوْلِ بِمُوجَبِ الدَّلِيلِ تَسْلِيمُ عِلَّتِهِ وَحُكْمِهِ، وَبَعْدَ تَسْلِيمِ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ لَا يَجُوزُ النِّزَاعُ فِيهِمَا، فَيَكُونُ آخِرَ الْأَسْئِلَةِ. ثُمَّ إِنِ اسْتَقَرَّ، انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ، وَإِنْ أَجَابَ عَنْهُ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ بَعْدُ، انْقَطَعَ الْمُعْتَرِضُ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 1856
وَمَوْرِدُهُ: إِمَّا النَّفْيُ، نَحْوَ قَوْلِهِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ: إِنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَالتَّفَاوُتِ فِي الْقَتْلِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: سَلَّمْتُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْمَانِعِ ثُبُوتُ الْقِصَاصِ، بَلْ مِنْ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ أَيْضًا، فَأَنَا أُنَازِعُ فِيهِ.
وَجَوَابُهُ بِبَيَانِ لُزُومِ حُكْمِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مِمَّا ذَكَرَهُ إِنْ أَمْكَنَ، أَوْ بِأَنَّ النِّزَاعَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ بِإِقْرَارٍ، أَوِ اشْتِهَارٍ، وَنَحْوِهِ. وَإِمَّا الْإِثْبَاتُ، نَحْوَ: الْخَيْلُ حَيَوَانٌ يُسَابَقُ عَلَيْهِ، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْإِبِلِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ زَكَاةُ الْقِيمَةِ.
وَجَوَابُهُ، بِأَنَّ النِّزَاعَ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ، وَقَدْ عَرَّفْنَا الزَّكَاةَ بِاللَّامِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَفِي لُزُومِ الْمُعْتَرِضِ إِبْدَاءُ مُسْتَنَدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ خِلَافُ الْإِثْبَاتِ، لِئَلَّا يَأْتِيَ بِهِ نَكَدًا وَعِنَادًا؛ وَالنَّفْيُ، إِذْ بِمُجَرَّدِهِ يَبِينُ عَدَمُ لُزُومِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ مِمَّا ذَكَرَهُ، وَالْأُولَى أَوْلَى، وَيَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِإِيرَادِهِ عَلَى وَجْهٍ يُغَيِّرُ الْكَلَامَ عَنْ ظَاهِرِهِ، إِذْ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَهُوَ كَالتَّسْلِيمِ، نَحْوَ: الْخَلُّ مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَلَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ كَالْمَرَقِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: أَقُولُ بِهِ، إِذِ الْخَلُّ النَّجِسُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ الْخَلُّ الطَّاهِرُ، إِذِ النَّجِسُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ إِزَالَتِهِ، فَهُوَ كَالنَّقْضِ الْعَامِّ، كَالْعَرَايَا عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا.
ــ
قَوْلُهُ: " وَمَوْرِدُهُ إِمَّا النَّفْيُ "، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: وَمَوْرِدُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ، أَيْ: الْمَحَلُّ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، أَوْ مِنَ الدَّعَاوَى، " إِمَّا النَّفْيُ "، أَوِ " الْإِثْبَاتُ " أَيْ: دَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ الَّتِي يَرِدُ عَلَيْهَا الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ
стр. 1857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَافِيَةً، نَحْوَ: " لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ " أَوْ مُثْبِتَةً، نَحْوَ: تَجِبُ الزَّكَاةُ.
وَأَجْوَدُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ إِمَّا أَنْ يَرِدَ مِنَ الْمُعْتَرِضِ دَفْعًا عَنْ مَذْهَبِهِ، أَوْ إِبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ بِاسْتِيفَاءِ الْخِلَافِ مَعَ تَسْلِيمِ مُقْتَضَى دَلِيلِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتَّبَ عَلَى دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِبْطَالَ مَدْرَكِ الْخَصْمِ، أَوْ إِثْبَاتَ مَذْهَبِهِ هُوَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ يَكُونُ مِنَ الْمُعْتَرِضِ دَفْعًا عَنْ مَأْخَذِهِ، لِئَلَّا يَفْسَدَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، كَانَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ مِنَ الْمُعْتَرِضِ إِبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ وَالْمُعْتَرِضَ كَالْمُتَحَارِبَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْصِدُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ وَتَعْطِيلَ صَاحِبِهِ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ لِمَوْرِدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
أَمَّا تَقْسِيمِي أَنَا لَهُ إِلَى نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، فَلِأَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَقْصُودُ التَّقْسِيمِ، وَرَأَيْتُ الْمِثَالَ عَلَى وَفْقِهِ فِي أَصْلِ الْمُخْتَصَرِ. أَعْنِي أَنَّهُ مُنْقَسِمٌ إِلَى نَفْيٍ كَمَا فِي مِثَالِ الْقِصَاصِ، وَإِلَى إِثْبَاتٍ كَمَا فِي مِثَالِ الزَّكَاةِ، فَقَوِيَ الظَّنُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَكُنْ عِنْدَ الِاخْتِصَارِ تَأَمَّلْتُهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: وَهُوَ وُرُودُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ عَلَى إِبْطَالِ مَأْخَذِ الْمُعْتَرِضِ، فَيَدْفَعُ بِهِ الْمُعْتَرِضُ عَنْ مَذْهَبِهِ: أَنْ يَقُولَ الْحَنْبَلِيُّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ " بِالْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ ": " التَّفَاوُتُ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَالتَّفَاوُتِ فِي الْقَتْلِ "، فَإِنَّهُ لَوْ ذَبَحَهُ، أَوْ ضَرَبَ عُنُقَهُ أَوْ طَعَنَهُ بِرُمْحٍ، أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الْقَتْلِ، لَمْ يَمْنَعِ الْقِصَاصَ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ التَّفَاوُتُ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاص مُحَدَّدَةً كَانَتْ أَوْ مُثَقَّلَةً. وَهَذَا تَعَرُّضٌ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ بِإِبْطَالِ مَأْخَذِ الْخَصْمِ، إِذِ الْحَنَفِيُّ يَرَى أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْآلَةِ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، لِأَنَّ الْمُثَقَّلَ لَمَّا
стр. 1858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَقَاصَرَ تَأْثِيرُهُ عَنِ الْمُحَدَّدِ أَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً، وَالْقِصَاصُ حَدٌّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، " فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ " دِفَاعًا عَنْ مَذْهَبِهِ: " سَلَّمْتُ " أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ؛ " لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْمَانِعِ " لِلْقِصَاصِ ثُبُوتُهُ، " بَلْ " إِنَّمَا يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ " مِنْ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ " وَهُوَ السَّبَبُ الصَّالِحُ لِإِثْبَاتِهِ وَالنِّزَاعِ فِيهِ، وَلِهَذَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدِي بِالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، أَوِ السِّكِّينِ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الْآلَاتِ مَعَ تَفَاوُتِهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ صَالِحَةً لِلْإِزْهَاقِ بِالسَّرَيَانِ فِي الْبَدَنِ بِخِلَافِ الْمُثَقَّلِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ: أَنْ يَقُولَ الشَّفْعَوِيُّ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِيلَادِ الْأَبِ جَارِيَةَ الِابْنِ: إِنَّ وُجُوبَ الْقِيمَةِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمَهْرِ، لِأَنَّهَا بِوُجُوبِ الْقِيمَةِ عَلَى الْأَبِ صَارَتْ مِلْكًا لَهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَهْرُ مِلْكِهِ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: أُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمَهْرِ، لَكِنَّ النِّزَاعَ فِي وُجُوبِ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْمَهْرِ، إِذِ الْحُكْمُ ثَبَتَ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، لَا لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ.
قَوْلُهُ: " وَجَوَابُهُ: بِبَيَانِ لُزُومِ حُكْمِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مِمَّا ذَكَرَهُ إِنْ أَمْكَنَ، أَوْ بِأَنَّ النِّزَاعَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ بِإِقْرَارٍ، أَوِ اشْتِهَارٍ، وَنَحْوِهِ ". أَيْ: وَجَوَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ بِطُرُقٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ لُزُومَ حُكْمِ مَحَلِّ النِّزَاعِ بِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي دَلِيلِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ بَيَانُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ: يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ التَّفَاوُتِ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ وُجُودُ مُقْتَضَى الْقِصَاصِ إِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُودَ الْمَانِعِ وَعَدَمَهُ قِيَامُ الْمُقْتَضِي، إِذْ لَا يَكُونُ الْوَصْفُ مَانِعًا بِالْفِعْلِ إِلَّا لِمُعَارَضَةِ الْمُقْتَضِي، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي وَجُودَهُ. وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ
стр. 1859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُقْتَضِيهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، لَمْ يَصِحَّ عُرْفًا الِاهْتِمَامُ بِسَلْبِ الْمَانِعِ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي، وَإِلَّا فَالِاهْتِمَامُ بِسَبَبِ الْمُقْتَضِي أَوْلَى. أَوْ بِأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: إِذَا سَلَّمْتَ أَنَّ تَفَاوُتَ الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، فَالْقَتْلُ الْمُزْهِقُ هُوَ الْمُقْتَضِي، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ. وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِيلَادِ إِذَا سَلَّمْتَ أَنَّ وُجُوبَ الْقِيمَةِ لَا يَمْنَعُ الْمَهْرَ، فَالْمُتَقَضِّي لِوُجُوبِ الْمَهْرِ قَائِمٌ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي وَقْتٍ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لَهُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: أَقُولُ بِمُوجِبِ هَذَا الدَّلِيلِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ؟ فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَازِمٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ عِنْدَكَ، فَإِذَا سَلَّمْتَ انْتِفَاءَ لَازِمِهَا، لَزِمَكَ تَسْلِيمُ انْتِفَائِهَا، إِذْ لَا بَقَاءَ لِلْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ " أَنَّ النِّزَاعَ " إِنَّمَا هُوَ فِيمَا " يَعْرِضُ لَهُ "، إِمَّا " بِإِقْرَارٍ " أَوِ اعْتِرَافٍ مِنَ الْمُعْتَرِضِ بِذَلِكَ. مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ لَا فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ، وَوَقَعَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بِاشْتِهَارٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعُرْفِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَقَعَ النِّزَاعُ فِيهَا فِي كَذَا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ هَهُنَا، فَلَا يُسْمَعُ مِنَ الْمُعْتَرِضِ الْعُدُولُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ إِنْكَارٌ لِمَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَفِي الثَّانِي نَوْعُ مُرَاوَغَةٍ وَمُغَالَطَةٍ وَدَعْوَى جَهْلٍ بِالْمَشْهُورَاتِ، كَمَنْ نَشَأَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَشَرِبَ أَوْ زَنَى مُدَّعِيًّا لِلْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، وَوَطْءُ الثَّيِّبِ
стр. 1860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: أُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الزَّكَاةَ وَالرَّدَّ يَثْبُتَانِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ لَا يُسْمَعُ، لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَحْوِهَا مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي الزَّكَاةِ: هَلْ تَجِبُ مَعَ الدَّيْنِ؟ وَوَطْءُ الثَّيِّبِ هَلْ يَجُوزُ مَعَهُ الرَّدُّ؟ وَمَعَ الشُّهْرَةِ لَا يُقْبَلُ الْعُدُولُ عَنِ الْمَشْهُورِ، وَلَا دَعْوَى خَفَائِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ هَذَا التَّقْسِيمُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ إِلَى دَعْوَى فَسَادِ الْوَضْعِ، لِكَوْنِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَأَشْبَهَ اقْتِضَاءَ الْعِلَّةِ خِلَافَ مَا عُلِّقَ بِهَا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْآخَرُ مِنْهُ إِذَا صَحَّ وَاسْتَقَرَّ.
مِثَالُ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ، وَهُوَ أَنْ يَرِدَ مِنَ الْمُعْتَرِضِ إِبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي " الْخَيْلِ: حَيَوَانٌ يُسَابَقُ عَلَيْهِ، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْإِبِلِ، فَيَقُولُ " الْمُعْتَرِضُ " أَقُولُ بِمُوجَبِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ تَجِبَ فِيهَا " زَكَاةُ الْقِيمَةِ " إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ.
قَوْلُهُ: " وَجَوَابُهُ ". أَيْ: وَجَوَابُ مِثْلِ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: النِّزَاعُ إِنَّمَا كَانَ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ وَقَدْ عُرِّفَتِ " الزَّكَاةُ بِاللَّامِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ " الْمَعْهُودِ، وَهُوَ زَكَاةُ الْعَيْنِ، فَالْعُدُولُ إِلَى زَكَاةِ الْقِيمَةِ لَا يُسْمَعُ، لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِمَدْلُولٍ إِلَى غَيْرِهِ. وَهَذَا نَحْوٌ مِمَّا سَبَقَ مِنَ الْجَوَابِ بِشُهْرَةِ الْمُرَادِ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي نِكَاحِ الْيَتِيمَةِ: صَغِيرَةٌ، فَتَثْبُتُ الْوَلَايَةُ
следующие страницы →