Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَنْصُوصَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ تَلَقِّيًا مِنْ فِيهِ، مِنْ أَجْوِبَتِهِ فِي سُؤَالَاتِهِ وَفَتَاوِيهِ، فَكُلُّ مَنْ رَوَى مِنْهُمْ عَنْهُ شَيْئًا دَوَّنَهُ، وَعُرِفَ بِهِ كَمَسَائِلِ أَبِي دَاوُدَ، وَحَرْبٍ الْكِرْمَانِيِّ، وَمَسَائِلِ حَنْبَلٍ، وَابْنَيْهِ صَالِحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَإِسْحَاقِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ذَكَرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ فِي أَوَّلِ " زَادِ الْمُسَافِرِ " وَهُمْ كَثِيرٌ، وَرَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، ثُمَّ انْتُدِبَ لِجَمْعِ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي " جَامِعِهِ الْكَبِيرِ "، ثُمَّ تِلْمِيذُهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " زَادِ الْمُسَافِرِ "، فَحَوَى الْكِتَابَانِ عِلْمًا جَمًّا مِنْ عِلْمِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْلَمَ مِنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ الْإِخْبَارُ بِصَحِيحِ مَذْهَبِهِ فِي تِلْكَ الْفُرُوعِ، غَيْرَ أَنَّ الْخَلَّالَ يَقُولُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ لِأَحْمَدَ رَجَعَ عَنْهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ يَسِيرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ مِنْهَا، وَنَحْنُ لَا يَصِحُّ لَنَا أَنْ نَجْزِمَ بِمَذْهَبِ إِمَامٍ حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُ آخِرُ مَا دَوَّنَهُ مِنْ تَصَانِيفِهِ وَمَاتَ عَنْهُ، أَوْ أَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ سَاعَةَ مَوْتِهِ، وَلَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالتَّصْحِيحُ الَّذِي فِيهِ، إِنَّمَا هُوَ مِنِ اجْتِهَادِ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ، كَابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَمِنِ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ بَالِغِينَ مَا بَلَغُوا، لَا يَحْصُلُ الْوُثُوقُ مِنْ تَصْحِيحِهِمْ لِمَذْهَبِ أَحْمَدَ، كَمَا يَحْصُلُ مِنْ تَصْحِيحِهِ هُوَ لِمَذْهَبِهِ قَطْعًا، فَمَنْ فَرَضْنَاهُ جَاءَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ، وَبَلَغَ مِنَ الْعِلْمِ دَرَجَتَهُمْ أَوْ قَارَبَهُمْ، جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْأَقْوَالِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ كَتَصَرُّفِهِمْ، وَيُصَحِّحَ مِنْهَا مَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، وَافَقَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، وَعَمِلَ بِذَلِكَ وَأَفْتَى. وَفِي عَصْرِنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَالِمُ
стр. 1927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَلَّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ الْحَرَّانِيُّ حَرَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ فِي الْفُتْيَا عَلَى مَا صَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ مِنَ الْمَذْهَبِ، بَلْ يَعْمَلُ وَيُفْتِي بِمَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ فَائِدَةً خَاصَّةً بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ لِتَدْوِينِ نُصُوصِهِ وَنَقْلِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1928
السَّادِسَةُ: يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمُجْتَهِدٍ اجْتَهَدَ وَظَنَّ الْحُكْمَ، اتِّفَاقًا فِيهِمَا، أَمَّا مَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ وَيُمْكِنْهُ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْلِ لِأَهْلِيَّتِهِ لِلِاجْتِهَادِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا مُطْلَقًا؛ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: لِيَعْمَلَ لَا لِيُفْتِيَ، وَقِيلَ: لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَقِيلَ: مِنَ الصَّحَابَةِ.
لَنَا: مُجْتَهِدٌ فَلَا يُقَلِّدُ، كَمَا لَوِ اجْتَهَدَ فَظَنَّ الْحُكْمَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ خَطَأَ غَيْرِهِ لَوِ اجْتَهَدَ، فَكَيْفَ يَعْمَلُ بِمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ؟ نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَنْقِلَ مَذْهَبَ غَيْرِهِ لِلْمُسْتَفْتِي، وَلَا يُفْتِي هُوَ بِتَقْلِيدِ أَحَدٍ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «السَّادِسَةُ: يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمُجْتَهِدٍ اجْتَهَدَ، وَظَنَّ الْحُكْمَ، اتِّفَاقًا فِيهِمَا» ، أَيْ: فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ. أَيْ: أَنَّ الْعَامِّيَّ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا اجْتَهَدَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَا لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا، أَيْ: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. «أَمَّا مَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ» فِي الْحُكْمِ بَعْدُ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ «بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْلِ» ، لِكَوْنِهِ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ، «فَلَا يَجُوزُ لَهُ» تَقْلِيدُ غَيْرِهِ «أَيْضًا مُطْلَقًا» ؛ لَا لِأَعْلَمَ مِنْهُ وَلَا لِغَيْرِهِ؛ لَا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا غَيْرِهِمْ؛ لَا لِلْعَمَلِ وَلَا لِلْفُتْيَا؛ لَا مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَلَا سَعَتِهِ. هَذَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ: «مُطْلَقًا، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ» .
стр. 1929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: هَذَا عَنِ الظَّاهِرِيَّةِ، لَا أَعْلَمُ الْآنَ مِنْ أَيْنَ نَقَلْتُهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَلَمْ أَرَهُ فِي «الرَّوْضَةِ» ، وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا وَهْمًا مِمَّنْ نَقَلْتُهُ عَنْهُ، أَوْ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي كَانَ مِنْهَا الِاخْتِصَارُ، فَإِنَّ الظَّاهِرِيَّةَ أَشَدُّ النَّاسِ فِي مَنْعِ التَّقْلِيدِ لِغَيْرِ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ.
«وَقِيلَ: يَجُوزُ» - يَعْنِي التَّقْلِيدَ - لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ الْمَذْكُورِ «مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ» عَنْ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ، مِثْلَ أَنْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَقَدْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ بَعْضُ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا، بِحَيْثُ لَوْ أَخَّرَهَا لِيَسْتَوْفِيَ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ فَاتَ وَقْتُهَا؛ جَازَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ.
«وَقِيلَ» : يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ «لِيَعْمَلَ» بِهِ «لَا لِيُفْتِيَ» بِهِ - يَعْنِي فِيمَا يَخُصُّهُ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ غَيْرِهِ - وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ.
«وَقِيلَ» : يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ «لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ» مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ، دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
«وَقِيلَ» : يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ «مِنَ الصَّحَابَةِ» دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَقْوَالًا وَتَفَاصِيلَ أَذْكُرُهَا تَكْمِلَةً، فَقَالَ:
الْمُجْتَهِدُ إِذَا اجْتَهَدَ فِي مَسْأَلَةٍ، وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ فِي مُقَابِلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اجْتَهَدَ فِيهَا، قَالَ الْجُبَائِيُّ: الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ، مَعَ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِيهَا لِوَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِذَا تَرَجَّحَ فِي نَظَرِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَهُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَ الصَّحَابِيِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْقَدِيمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ تَقْلِيدَهُ لِلتَّابِعِيِّ أَيْضًا دُونَ مَنْ بَعْدَهُ.
стр. 1930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَجْهُ الِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ مُطْلَقًا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ فِيمَا يُفْتِي بِهِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ خَصَّصَ ذَلِكَ بِمَا يَفُوتُ وَقْتُهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَنْعِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ مُطْلَقًا، قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
قُلْتُ: مَا حَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ، مِنْ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ مُطْلَقًا غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ عَنْهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ لَا تَقْلِيدًا لَهُ بَلْ بِنَوْعِ اسْتِدْلَالٍ، كَمَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ. هَذَا مَا أَرَدْنَا حِكَايَتَهُ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
عُدْنَا إِلَى الْكَلَامِ عَلَى أَدِلَّتِهَا:
قَوْلُهُ: «لَنَا: مُجْتَهِدٌ فَلَا يُقَلِّدُ» . أَيْ: لَنَا عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْقِيَاسُ عَلَى مَا لَوِ اجْتَهَدَ، وَظَنَّ الْحُكْمَ، لَأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُجْتَهِدٍ لَمْ يَجْتَهِدْ بِالْفِعْلِ، فَنَقُولُ: هَذَا مُجْتَهِدٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، «كَمَا لَوِ اجْتَهَدَ وَظَنَّ الْحُكْمَ» ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا، كَذَلِكَ هَهُنَا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ، وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ ذَلِكَ قَدِ اجْتَهَدَ
стр. 1931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالْفِعْلِ، وَظَنَّ الْحُكْمَ، بِخِلَافِ هَذَا، لِأَنَّ ذَلِكَ تَفَاوُتٌ يَسِيرٌ، لِأَنَّ تَحْصِيلَ ظَنِّ الْحُكْمِ عَلَى هَذَا يَسِيرٌ، بِأَنْ يَجْتَهِدَ كَمَا اجْتَهَدَ غَيْرُهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا اجْتَهَدَ، فَتَبَيَّنَ لَهُ خَطَأُ مَنْ قَلَّدَهُ. وَحِينَئِذٍ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ «يَعْمَلَ بِمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ؟» وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّا إِذَا جَوَّزْنَا لَهُ تَقْلِيدَ ذَلِكَ الْغَيْرِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ اجْتِهَادٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ اجْتِهَادٌ تَعَيَّنَ مَا صَارَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَسَقَطَ التَّقْلِيدُ، كَوَاجِدِ الْمَاءِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَسَائِرِ الْمُبْدَلَاتِ بَعْدَ إِبْدَالِهَا.
قَوْلُهُ: «نَعَمْ» أَيْ: لَا يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ. «نَعَمْ لَهُ أَنْ يَنْقِلَ مَذْهَبَ غَيْرِهِ لِلْمُسْتَفْتِي» ، إِرْشَادًا لَهُ إِلَيْهِ، «وَلَا يُفْتِي هُوَ بِتَقْلِيدِ أَحَدٍ» .
стр. 1932
قَالُوا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَهَذَا لَا يَعْلَمُ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ التَّقْلِيدِ، تُرِكَ فِي مَنِ اجْتَهَدَ لِظُهُورِ الْحَقِّ لَهُ بِالْفِعْلِ؛ فَمَنْ عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
قُلْنَا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْأَلُوا: الْعَامَّةُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَلْ يَعْلَمُ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ، وَأُولُو الْأَمْرِ: الْوُلَاةُ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُمُ الْعُلَمَاءُ فَجَوَابُهُ مَا ذُكِرَ، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِعُمُومِ: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ وَهَذَا حَثٌّ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ.
وَالتَّدَبُّرُ تُرِكَ فِي الْعَامِّيِّ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، فَبَقِيَ غَيْرُهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَوَجْهُ بَقِيَّةِ التَّفَاصِيلِ ظَاهِرٌ، وَدَلِيلُ ضَعْفِهَا عُمُومُ الدَّلِيلِ.
ــ
قَوْلُهُ: «قَالُوا:» يَعْنِي مَنْ جَوَّزَ التَّقْلِيدَ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٤٣] . «وَهَذَا» وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ، لَكِنَّهُ «لَا يَعْلَمُ» هَذَا الْحُكْمَ الْخَاصَّ، فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ هَذَا النَّصِّ، فَجَازَ لَهُ التَّقْلِيدُ كَالْعَامِّيِّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩] ، «وَهُمُ الْعُلَمَاءُ» ، أَمَرَ بِطَاعَتِهِمْ، وَذَلِكَ بِتَقْلِيدِهِمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ الشَّرْعِ، وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمُجْتَهِدَ وَغَيْرَهُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: «أَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ التَّقْلِيدِ» لِامْتِنَاعِ حُصُولِ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ أَحَدٍ عَادَةً «تُرِكَ» ذَلِكَ «فِي مَنِ اجْتَهَدَ» وَظَنَّ الْحُكْمَ، «لِظُهُورِ الْحَقِّ لَهُ بِالْفِعْلِ، فَمَنْ عَدَاهُ» يَبْقَى «عَلَى الْأَصْلِ» وَهُوَ جَوَازُ التَّقْلِيدِ، فَثَبَتَ
стр. 1933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ هَذَا الْمُجْتَهِدَ الْمَذْكُورَ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا:» إِلَى آخِرِهِ هَذَا جَوَابُ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ ، فَالْمَأْمُورُ بِالسُّؤَالِ هُمُ «الْعَامَّةُ» بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا لَا يَعْلَمُ بَلْ هُوَ يَعْلَمُ الْحُكْمَ «بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ» مِنَ الْفِعْلِ، لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ، «بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ» ؛ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩] فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمُ الْعُلَمَاءُ، بَلْ هُمُ «الْوُلَاةُ» ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٨٣] ، وَلَوْ كَانَ أُولُو الْأَمْرِ هَهُنَا الْعُلَمَاءَ لَمْ يَسْتَقِمْ، إِذْ لَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَامَهُمْ عَلَى تَرْكِ الرَّدِّ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، وَهُمْ أُمَرَاؤُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمُ الَّذِينَ الْتَزَمُوا طَاعَتَهُمْ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ هُمُ الْعُلَمَاءُ «فَجَوَابُهُ مَا ذُكِرَ» يَعْنِي فِي الْجَوَابِ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِطَاعَةِ الْعُلَمَاءِ هُمُ الْعَامَّةُ لَا الْمُجْتَهِدُونَ، «ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِعُمُومِ» قَوْلِهِ : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الْحَشْرِ: ٢] وَقَوْلِهِ : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] وَقَوْلِهِ : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾
стр. 1934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمْرٌ بِالِاعْتِبَارِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ، وَحَضٌّ عَلَى التَّدَبُّرِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْعُمُومِ، «تُرِكَ فِي الْعَامِّيِّ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ» فَفِي غَيْرِهِ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ وَذَلِكَ يُعَارِضُ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ دَلَالَةِ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ عَلَى التَّقْلِيدِ.
قَوْلُهُ: «الْأَصْلُ جَوَازُ التَّقْلِيدِ» .
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلِ الْأَصْلُ مَنْعُهُ، لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: لِامْتِنَاعِ حُصُولِ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ أَحَدٍ عَادَةً.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا يُجِيزُ التَّقْلِيدَ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِيمَنْ حَصَّلَ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ.
قُلْتُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا وَاسِطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، فَتَجَاذَبَاهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ يُقَلِّدُ بِاتِّفَاقٍ، وَالْمُجْتَهِدَ إِذَا ظَنَّ الْحُكْمَ بِاجْتِهَادٍ لَا يُقَلِّدُ بِاتِّفَاقٍ.
أَمَّا الْمُجْتَهِدُ الَّذِي لَمْ يَجْتَهِدْ فِي الْحُكْمِ، وَيَظْهَرُ لَهُ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ظَنُّ الْحُكْمِ يَلْحَقُ بِالْعَامِّيِّ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ فِيهِ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِقُوَّتِهِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْلِ يَلْحَقُ بِالْمُجْتَهِدِ الَّذِي ظَنَّ الْحُكْمَ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّقْلِيدِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بِهِ أَشْبَهُ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِيمَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ دُونَ بَعْضٍ، كَالنَّحْوِيِّ فِي مَسْأَلَةٍ نَحْوِيَّةٍ، وَالْمُحَدِّثِ فِي مَسْأَلَةٍ خَبَرِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ هُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَإِلْحَاقُهُ بِالْعَامِّيِّ أَشْبَهُ بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ بِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ إِذَا اجْتَهَدَ.
فَحَصَلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمَرَاتِبَ أَرْبَعٌ:
стр. 1935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَامِّيٌّ مَحْضٌ.
مُتَمَكِّنٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ.
مُجْتَهِدٌ كَامِلٌ لَمْ يَجْتَهِدْ.
مُجْتَهِدٌ كَامِلٌ اجْتَهَدَ وَظَنَّ الْحُكْمَ.
فَالطَّرَفَانِ قَدْ عُرِفَ حُكْمُهُمَا وَهُوَ أَنَّ الْعَامِّيَّ يُقَلِّدُ، وَالْمُجْتَهِدَ بِالْفِعْلِ الظَّانِّ لِلْحُكْمِ لَا يُقَلِّدُ، وَالْمُجْتَهِدُ الْكَامِلُ الَّذِي لَمْ يَجْتَهِدْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَنِ اجْتَهَدَ بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يَظُنَّ الْحُكْمَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ أَوْ غَيْرِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، وَالْمُتَمَكِّنُ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ الْأَشْبَهُ أَنْ يُقَلِّدَ؛ لِأَنَّهُ عَامِّيٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقَلِّدَ، لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مِنْ وَجْهٍ، فَهُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَلَهُ مَرَاتِبُ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِيهِ مِنَ الْمَسَائِلِ.
قَوْلُهُ: «وَوَجْهُ بَقِيَّةِ التَّفَاصِيلِ ظَاهِرٌ» يَعْنِي التَّفَاصِيلَ الْمَذْكُورَةَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَكَذَا فِي غَيْرِهِ.
أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَسَعَتِهِ، فَلِأَنَّ فِي تَقْلِيدِهِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ تَحْصِيلًا لِلْعَمَلِ فِي وَقْتِهِ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ مَا، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِخْلَاءِ الْوَقْتِ عَنْ وَظِيفَتِهِ لِتَوَقُّعِ ظُهُورِ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَسَعَتِهِ، فَلِأَنَّ فِي تَقْلِيدِهِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ تَحْصِيلًا لِلْعَمَلِ فِي وَقْتِهِ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ مَا، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِخْلَاءِ الْوَقْتِ عَنْ وَظِيفَتِهِ لِتَوَقُّعِ ظُهُورِ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ تَقْلِيدِهِ لِلْعَمَلِ وَالْفُتْيَا؛ فَلِأَنَّ تَقْلِيدَهُ لِيَعْمَلَ بِهِ هُوَ تَصَرُّفٌ فِيمَا يَخُصُّ نَفْسَهُ مِنَ الْعَمَلِ، فَجَازَ. كَتَوْكِيلِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ تَقْلِيدِهِ لِفُتْيَا الْغَيْرِ، لِأَنَّهُ كَتَوْكِيلِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ تَقْلِيدِهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ فَلِأَنَّ تَقْلِيدَهُ أَعْلَمَ مِنْهُ يُفِيدُهُ ظَنًّا غَالِبًا أَعْلَى مِنْ ظُهُورِ ظَنِّهِ وَرُتْبَتِهِ، إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ الْأَعْلَمَ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ، وَالْإِصَابَةَ عَلَيْهِ أَغْلَبُ، فَصَارَ كَاجْتِهَادِهِ هُوَ فِي الْحُكْمِ بِخِلَافِ تَقْلِيدِهِ
стр. 1936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دُونَهُ، إِذْ لَا يُفِيدُهُ الظَّنَّ وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ، إِذْ لَا مُرَجِّحَ لَهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ لِنَفْسِهِ.
وَيُشْبِهُ هَذَا مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ أَنَّ مَنْ أَوْدَعَ شَيْئًا وَعَيَّنَ لَهُ مَوْضِعًا، فَنَقَلَهُ الْمُودَعُ إِلَى أَحْرَزَ مِنْهُ، لَمْ يَضْمَنْ إِنْ تَلَفَ، وَإِنْ نَقَلَهُ إِلَى مِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ ضَمِنَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَقْلِيدِهِ الصَّحَابِيَّ دُونَ غَيْرِهِ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ أَقْرَبُ إِلَى الْإِصَابَةِ مِنْ غَيْرِهِ لِمَا عُرِفَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّحَابَةِ ﵃.
قَوْلُهُ: «وَدَلِيلُ ضَعْفِهَا عُمُومُ الدَّلِيلِ» أَيْ: دَلِيلُ ضَعْفِ التَّفَاصِيلِ الْمَذْكُورَةِ عُمُومُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ التَّقْلِيدِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ.
стр. 1937
السَّابِعَةُ: إِذَا نَصَّ الْمُجْتَهِدُ عَلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ لِعِلَّةٍ بَيَّنَهَا، فَمَذْهَبُهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وُجِدَتْ فِيهَا تِلْكَ الْعِلَّةُ كَمَذْهَبِهِ فِيهَا، إِذِ الْحُكْمُ يَتْبَعُ الْعِلَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الْعِلَّةَ فَلَا، وَإِنْ أَشْبَهَتْهَا، إِذْ هُوَ إِثْبَاتُ مَذْهَبٍ بِالْقِيَاسِ، وَلِجَوَازِ ظُهُورِ الْفَرْقِ لَهُ لَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَصَّ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُشْتَبِهَتَيْنِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، كَمَا لَوْ سَكَتَ عَنْ إِحْدَاهُمَا وَأَوْلَى، وَالْأَوْلَى جَوَازُ ذَلِكَ بَعْدَ الْجِدِّ وَالْبَحْثِ مِنْ أَهْلِهِ، إِذْ خَفَاءُ الْفَرْقِ مَعَ ذَلِكَ وَإِنْ دَقَّ مُمْتَنِعٌ عَادَةً.
وَقَدْ وَقَعَ فِي مَذْهَبِنَا، فَقَالَ فِي «الْمُحَرَّرِ» : وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فِيهِ، وَأَعَادَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَّ فِيمَنْ حُبِسَ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ فَصَلَّى فِيهِ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ، فَيَتَخَرَّجُ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْوَصَايَا وَالْقَذْفِ، وَمِثْلُهُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَثِيرٌ.
ثُمَّ التَّخْرِيجُ قَدْ يَقْبَلُ تَقْرِيرَ النَّصَّيْنِ وَقَدْ لَا يَقْبَلُ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: إِذَا نَصَّ الْمُجْتَهِدُ عَلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ لِعِلَّةٍ بَيَّنَهَا، فَمَذْهَبُهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وُجِدَتْ فِيهَا تِلْكَ الْعِلَّةُ كَمَذْهَبِهِ فِيهَا» ، أَيْ: إِذَا نَصَّ الْمُجْتَهِدُ عَلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَبَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ الْحُكْمِ مَا هِيَ، ثُمَّ وُجِدَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ فِي مَسَائِلَ أُخَرَ؛ فَمَذْهَبُهُ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ كَمَذْهَبِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ «الْحُكْمَ يَتْبَعُ الْعِلَّةَ» فَيُوجَدُ حَيْثُ وُجِدَتْ، وَلِأَنَّ هَذَا قَدْ
стр. 1938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجِدَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ، فَفِي كَلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ كَذَلِكَ وَأَوْلَى، لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي سِيَاقِ ذَمِّهِمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢] ، فَفَهِمْنَا مِنْ ذَلِكَ تَعْلِيلَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ عَلَى جِهَةِ الْعُقُوبَةِ، فَقُلْنَا: إِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي؛ لَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهَا قَدْ أَتَتْ بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ وَالزُّورِ كَمَا عَلَّلَ بِهِ الْخِرَقِيُّ. وَقَدْ يَرِدُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَقْتَضِي جَعْلَ الْمَرْأَةِ مُظَاهِرَةً وَقَدْ نَفَاهُ الْخِرَقِيُّ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا كَفَّارَةَ الظِّهَارِ.
قُلْتُ: وَالْتِزَامُ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ. وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْهِرَّةِ: إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ وَوُجِدَتْ عِلَّةُ الطَّوَافِ فِي غَيْرِهَا؛ جَعَلْنَا حُكْمَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، أَوْ رُوِيَ لَهُ: أَنَّ قَوْمًا عَلَى مَاءٍ لَهُمْ مَرَّ بِهِمْ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَاسْتَسْقُوهُمْ فَلَمْ يَسْقُوهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا، فَضَمَّنَ عُمَرُ أَصْحَابَ الْمَاءِ دِيَاتِهِمْ. فَقِيلَ لِأَحْمَدَ: أَتَقُولُ بِهَذَا؟ قَالَ: إِيْ وَاللَّهِ؛ يَقُولُ عُمَرُ ﵁ وَلَا آخُذُ بِهِ! فَلَمَّا عَلَّلَ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَهُ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي كُلِّ حُكْمٍ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ، وَأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: «وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الْعِلَّةَ» يَعْنِي الْمُجْتَهِدَ إِذَا نَصَّ عَلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ عِلَّتَهُ «فَلَا» أَيْ: فَلَا يُحْكَمُ بِحُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي غَيْرِهَا
стр. 1939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنَ الْمَسَائِلِ، «وَإِنْ أَشْبَهَتْهَا» يَعْنِي الْمَسْأَلَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا وَغَيْرَهَا فِي الصُّورَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ «إِثْبَاتُ مَذْهَبٍ» لَهُ «بِالْقِيَاسِ» بِغَيْرِ جَامِعٍ «وَلِجَوَازِ ظُهُورِ الْفَرْقِ لَهُ» أَيْ: لِلْمُجْتَهِدِ «لَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ» الْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِهَا أَيْ: لَوْ عُرِضَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْمَسْأَلَتَانِ الَّتِي نَصَّ عَلَى حُكْمِهَا وَغَيْرُهَا لَجَازَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُثْبِتَ لَهُ حُكْمًا - يَجُوزُ أَنْ يُبْطِلَهُ بِظُهُورِ الْفَرْقِ لَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَصَّ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةٍ فَأَلْحَقْنَا بِهَا غَيْرَهَا بِعِلَّتِهِ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ لِلْمُجْتَهِدِ فَرْقٌ لَوْ عُرِضَتَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: " وَلَوْ نَصَّ "، يَعْنِي الْمُجْتَهِدَ " فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُشْتَبِهَتَيْنِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ بِ النَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ كَمَا لَوْ سَكَتَ عَنْ إِحْدَاهُمَا وَأَوْلَى ".
أَيْ: كَمَا أَنَّهُ إِذَا نَصَّ عَلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَسَكَتَ عَنْ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى تُشْبِهُهَا، فَلَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمٍ فِيهَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْقَلَ حُكْمُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا إِلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهَا، كَذَلِكَ إِذَا نَصَّ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْقَلَ حُكْمُ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى وَيُخَرِّجُهُ قَوْلًا لَهُ فِيهَا فَيَصِيرُ لَهُ فِيهَا قَوْلَانِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجُزْ نَقْلُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ الَّذِي لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَنْقُلَهُ إِلَى مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ الْحُكْمِ، لِأَنَّا فِي الْأَوَّلِ نَكُونُ قَدْ قَوَّلْنَاهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا لَجَازَ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَوَّلَنَاهُ فِيهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ قَوَّلْنَاهُ نَقِيضَ مَا قَالَ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مُوَافَقَتُهُ لَنَا فِيهَا الْآنَ بِحَالٍ.
стр. 1940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: " وَالْأَوْلَى جَوَازُ ذَلِكَ "، أَيْ: جَوَازُ نَقْلِ حُكْمِ إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُشْتَبِهَتَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَى حُكْمِهِمَا إِلَى الْأُخْرَى، إِذَا كَانَ ذَلِكَ " بَعْدَ الْبَحْثِ وَالْجِدِّ " فِيهِ " مِنْ أَهْلِهِ "، أَيْ: مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ مِمَّنْ تَدَرَّبَ فِي النَّظَرِ، وَعَرَفَ مَدَارِكَ الْأَحْكَامِ وَمَآخِذَهَا، لِأَنَّ " خَفَاءَ الْفَرْقِ " بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الَّذِي يَقْتَضِي اخْتِلَافَهُمَا فِي الْحُكْمِ " مَعَ ذَلِكَ "، أَيْ: مَعَ أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ " مُمْتَنِعٌ " فِي الْعَادَةِ " وَإِنْ دَقَّ " يَعْنِي ذَلِكَ الْفَرْقَ.
قُلْتُ: وَقِيَاسُ هَذَا جَوَازُ ذَلِكَ فِي نَقْلِ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، إِذَا عُدِمَ الْفَرْقُ الْمُؤَثِّرُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ النَّظَرِ الْبَالِغِ مِنْ أَهْلِهِ، لِأَنَّ عَدَمَ ظُهُورِ الْفَرْقِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُمْتَنِعٌ فِي الْعَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: " وَقَدْ وَقَعَ " - يَعْنِي النَّقْلَ وَالتَّخْرِيجَ - " فِي مَذْهَبِنَا، فَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ ": لَنَا فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ: " وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فِيهِ وَأَعَادَ ; نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَّ فِيمَنْ حُبِسَ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ فَصَلَّى أَنَّهُ لَا يُعِيدُ، فَيَتَخَرَّجُ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ "، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَهَارَةَ الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ، كِلَاهُمَا شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَقَدْ نَصَّ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ أَنَّهُ يُعِيدُ فَيَنْقِلُ حُكْمَهُ إِلَى الْمَكَانِ، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُهُ، وَنَصَّ فِي الْمَوْضِعِ النَّجِسِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعِيدُ، فَيَنْقِلُ حُكْمَهُ إِلَى الثَّوْبِ النَّجِسِ، فَيَتَخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُهُ، فَلَا جَرَمَ صَارَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا بِالنَّصِّ وَالْأُخْرَى بِالنَّقْلِ.
قَوْلُهُ: " وَذَكَرَ " يَعْنِي صَاحِبَ " الْمُحَرَّرِ " مِثْلَ ذَلِكَ "، أَيْ: مِثْلَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ النَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ " فِي الْوَصَايَا وَالْقَذْفِ ".
стр. 1941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ فِي الْوَصَايَا: وَمَنْ وُجِدَتْ لَهُ وَصِيَّةٌ بِخَطِّهِ عُمِلَ بِهَا ; نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَّ فِيمَنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَخَتَمَهَا وَقَالَ: اشْهَدُوا بِمَا فِيهَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، فَتَخْرُجُ الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَدْ وُجِدَتْ وَصِيَّتُهُ بِخَطِّهِ، وَقَدْ نَصَّ فِيهِمَا عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَيَخْرُجُ الْخِلَافُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ كَمَا سَبَقَ.
وَقَالَ فِي الْقَذْفِ: وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: بِكَ زَنَيْتُ ; سَقَطَ عَنْهُ حَقُّهَا بِتَصْدِيقِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً لَهُ ; نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَّ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: زَنَى بِكِ فُلَانٌ. إِنَّهُ قَاذِفٌ لَهُمَا، فَتَخْرُجُ الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا فِي قَوْلِهَا لَهُ: بِكَ زَنَيْتُ قَاذِفَةٌ لَهُ بِالِالْتِزَامِ وَالتَّبَعِ، وَهُوَ فِي قَوْلِهِ لَهَا زَنَى بِكِ فُلَانٌ ; قَاذِفٌ لِفُلَانٍ بِالتَّبَعِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ نَصُّهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَيَخْرُجُ الْخِلَافُ كَمَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: " وَمِثْلُهُ "، أَيْ: وَمِثْلُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ مَذْهَبِنَا مِنَ النَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ " فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَثِيرٌ ". وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْمَسَائِلِ الْمُشْتَبِهَةِ.
قَوْلُهُ: " ثُمَّ التَّخْرِيجُ قَدْ يَقْبَلُ تَقْرِيرَ النَّصَّيْنِ، وَقَدْ لَا يَقْبَلُ ". يَعْنِي أَنَّا إِذَا خَرَّجْنَا حُكْمَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْأُخْرَى لِاشْتِبَاهِهِمَا، فَقَدْ يُمْكِنُنَا بِتَدْقِيقِ النَّظَرِ أَنْ نُقَرِّرَ كُلَّ مَسْأَلَةٍ عَلَى مَا نَصَّ فِيهَا الْإِمَامُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ نَقْلِ حُكْمِ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، بِأَنْ نُبْدِيَ بَيْنَهُمَا فَرْقًا مُنَاسِبًا لِاخْتِصَاصِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِيهَا. فَهَذَا يُسَمَّى تَقْرِيرَ النَّصِّ. وَقَدْ لَا يُمْكِنُنَا ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ بَيْنَهُمَا فَرْقًا مُؤَثِّرًا مُنَاسِبًا كَذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ التَّخْرِيجُ قَابِلًا لِلتَّقْرِيرِ.
مِثَالُ مَا يَقْبَلُ التَّقْرِيرَ: مَسْأَلَةُ الْقَذْفِ الْمَذْكُورَةُ، فَإِنَّ الصُّورَتَيْنِ وَإِنِ اشْتَبَهَتَا
стр. 1942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ حَيْثُ ذَكَرْنَا، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا إِذَا قَالَتْ لَهُ: بِكَ زَنَيْتُ، فَهِيَ غَيْرُ قَاصِدَةٍ لِقَذْفِهِ، وَإِنَّمَا قَصَدَتْ إِلْزَامَهُ بِمِثْلِ مَا أَلْزَمَهَا، وَتَوْبِيخَهُ عَلَى تَعْبِيرِهِ لَهَا بِفِعْلٍ قَدْ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا تُنْكِرُهُ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ، كَأَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ عَيَّرْتَنِي بِالزِّنَى فَعَيِّرْ نَفْسَكَ لِأَنِّي وَأَنْتَ اشْتَرَكْنَا فِيهِ.
وَمِنَ الْمَشْهُورِ فِي إِنْكَارِ تَعْيِيرِ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ بِمِثْلِ مَا فَعَلَهُ هُوَ قَوْلُهُ : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٤] ، وَقَوْلُ شُعَيْبٍ ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هُودٍ: ٨٨] ، وَقَوْلُ نَبِيِّنَا ﵊: لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِنَ الضَّرْطَةِ أَيَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
فَهَذَا كُلُّهُ يَشْتَرِكُ فِي الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا.
أَمَّا إِذَا قَالَ لَهَا: زَنَى بِكِ فُلَانٌ، فَقَدْ قَصَدَ قَذْفَهَا، وَأَسْنَدَهُ إِلَى فُلَانٍ إِسْنَادَ الْفَاعِلِيَّةِ، بِخِلَافِ قَوْلِهَا هِيَ لَهُ: بِكَ زَنَيْتُ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا أَضَافَتِ الزِّنَى إِضَافَةَ الْفَاعِلِيَّةِ إِلَى نَفْسِهَا دُونَهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً لَهُ، بِخِلَافِهِ هُوَ حَيْثُ كَانَ قَاذِفًا لَهَا.
وَمِثَالُ مَا لَا يَقْبَلُ التَّقْرِيرَ مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَنْقَدِحُ بَيْنَ صُورَتَيْهَا فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ.
أَمَّا مَسْأَلَةُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَفِي قَبُولِهَا لِلتَّقْرِيرِ نَظَرٌ، إِذْ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ الثَّوْبِ
стр. 1943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْمَكَانِ فِي الِاشْتِرَاطِ يَتَعَذَّرُ وُجُودُ الْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ بَيْنَهُمَا، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَكَانَ مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَفْعَالِ عَقْلًا، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِعْلٌ إِلَّا فِي مَكَانٍ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِهَا عَقْلًا، إِذْ يُتَصَوَّرُ فِعْلُهَا بِدُونِهِ، كَصَلَاةِ الْعُرْيَانِ يَنْقَدِحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَيَتَّجِهُ التَّقْرِيرُ.
فَائِدَةٌ: كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَصِفَتُهُ وَمِثَالُهُ مَا ذَكَرْنَا، وَيَقُولُونَ أَيْضًا: يَتَخَرَّجُ أَنْ يَكُونَ كَذَا، وَتَتَخَرَّجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَسْأَلَةِ كَذَا، أَوْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَخْرِيجٌ، فَيُقَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْرِيجِ، وَبَيْنَ النَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ؟ .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّقْلَ وَالتَّخْرِيجَ يَكُونُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ بِأَنْ يُنْقَلَ عَنْ مَحَلٍّ إِلَى غَيْرِهِ بِالْجَامِعِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ مَحَلَّيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَمْثِلَةِ، وَالتَّخْرِيجُ يَكُونُ مِنْ قَوَاعِدِهِ الْكُلِّيَّةِ.
مِثَالُهُ: قَوْلُنَا: لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ الْمَنْعِ مِنْهُ، وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَا يُصَلِّي بِهِ حَتَّى يُحْدِثَ، وَيَتَخَرَّجُ خِلَافُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ ; وَهُوَ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ التَّيَمُّمِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوعًا عَنْهُ عِنْدَنَا.
وَقَوْلُنَا: إِذَا وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ خَرَجَ فَتَطَهَّرَ وَابْتَدَأَهَا، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَبْنِيَ بِنَاءً عَلَى مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ هَلْ يَسْتَأْنِفُ أَوْ يَبْنِي.
وَقَوْلُنَا: مَنْ أَتْلَفَ لِذِمِّيٍّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَ الذِّمِّيُّ خَمْرَ الذِّمِّيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَالٌ لَهُمْ.
стр. 1944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّخْرِيجَ أَعَمُّ مِنَ النَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، لِأَنَّ التَّخْرِيجَ يَكُونُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ لِلْإِمَامِ، أَوِ الشَّرْعِ، أَوِ الْعَقْلِ، لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ بِنَاءُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ بِجَامِعٍ مُشْتَرَكٍ، كَتَخْرِيجِنَا عَلَى قَاعِدَةِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فُرُوعًا كَثِيرَةً، وَعَلَى قَاعِدَةِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ أَيْضًا فُرُوعًا كَثِيرَةً فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَأَمَّا النَّقْلُ وَالتَّخْرِيجُ، فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِنُصُوصِ الْإِمَامِ.
стр. 1945
وَ إِذَا نَصَّ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ ، فَمَذْهَبُهُ آخِرُهُمَا إِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ، كَتَنَاسُخِ أَحْكَامِ الشَّارِعِ، وَإِلَّا فَأَشْبَهُهُمَا بِأُصُولِهِ وَقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ وَأَقْرَبُهُمَا إِلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ.
وَقِيلَ: كِلَاهُمَا مَذْهَبٌ لَهُ، إِذْ لَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ، فَإِنْ أُرِيدَ ظَاهِرُهُ فَمَمْنُوعٌ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا عُمِلَ بِالْأَوَّلِ لَا يُنْقَضُ، فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِمَا لَوْ صَرَّحَ بِرُجُوعِهِ عَنْهُ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مَذْهَبًا لَهُ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِاعْتِقَادِ بُطْلَانِهِ، وَلَوْ خَالَعَ مُجْتَهِدٌ زَوْجَتَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَعْتَقِدُ الْخُلْعَ فَسْخًا، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَاعْتَقَدَهُ طَلَاقًا لَزِمَهُ فِرَاقُهَا، وَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ حَاكِمٌ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَمْ يُنْقَضْ، لِلُزُومِ التَّسَلْسُلِ بِنَقْضِ النَّقْضِ ; وَاضْطِرَابِ الْأَحْكَامِ ; وَلَوْ نَكَحَ مُقَلِّدٌ بِفَتْوَى مُجْتَهِدٍ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَالظَّاهِرُ لَا يَلْزَمُهُ فِرَاقُهَا، إِذْ عَمَلُهُ بِالْفُتْيَا جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَإِذَا نَصَّ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ» كَقَوْلِهِ: يُجْزِئُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَلَا يُجْزِئُ ; «فَمَذْهَبُهُ آخِرُهُمَا» ، أَيْ: آخِرُ الْحُكْمَيْنِ «إِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ» ، أَيْ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَارِيخُ الْقَوْلَيْنِ أَوْ لَا، فَإِنْ عُلِمَ ; فَمَذْهَبُهُ آخِرُهُمَا، «كَتَنَاسُخِ أَحْكَامِ الشَّارِعِ» ، أَيْ: كَمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، كَذَلِكَ يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرُ مِنْ أَحْكَامِ الْأَئِمَّةِ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مُقَلِّدِيهِمْ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ بِالْإِضَافَةِ
стр. 1946
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِلَى الْأَئِمَّةِ. وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ التَّارِيخُ فَمَذْهَبُهُ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ «بِأُصُولِهِ» ، أَيْ: بِأُصُولِ الْإِمَامِ «وَقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ وَأَقْرَبُهُمَا» ، أَيْ: أَقْرَبُ الْقَوْلَيْنِ «إِلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ» تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْإِمَامِ مَعَ سَبْرِهِ الْأحْكَامَ وَالنَّظَرَ فِي مَآخِذِهَا أَنَّهُ يَطَّرِدُ أُصُولُهُ وَقَوَاعِدُهُ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَا يُخَالِفُ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: مَا لَوِ اخْتَلَفَ نَصُّ أَحْمَدَ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، لَكَانَ الْأَشْبَهُ بِأَصْلِهِ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ بِنَاءً عَلَى تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَاعِدَتِهِ فِي أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُحَرَّمَةَ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ، وَلِذَلِكَ رَجَّحَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَنَصْرَهُ فِي تَعْلِيقِهِ ; وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِنُصُوصِ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا.
وَلَمَّا اخْتَلَفَ نَصُّهُ فِي أَنَّ بَيْعَ النَّجَشِ، وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَنَحْوَهُمَا بَاطِلٌ ; كَانَ الْأَشْبَهُ بِأَصْلِهِ الْبُطْلَانَ بِنَاءً عَلَى اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: كِلَاهُمَا» ، أَيْ: كِلَا الْقَوْلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ «مَذْهَبٌ لَهُ» ، أَيْ: لِلْإِمَامِ، لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ، وَالْقَوْلَانِ بِاجْتِهَادَيْنِ، فَلَا يَنْقُضُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ أُرِيدَ ظَاهِرُهُ» ، أَيْ: ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ: كِلَا الْقَوْلَيْنِ مَذْهَبٌ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّ الْفُتْيَا وَالْعَمَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهُوَ «مَمْنُوعٌ» ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُهُ، لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، «وَإِنْ أُرِيدَ» بِكَوْنِهِمَا مَذْهَبًا لَهُ «أَنَّ مَا عُمِلَ» بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ حُكْمٍ وَعِبَادَةٍ «لَا يُنْقَضُ» ، وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا «فَلَيْسَ» ذَلِكَ «مِمَّا نَحْنُ فِيهِ» أَيْ: لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ هَلْ
стр. 1947
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَبْقَى الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَمْ لَا؟ وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ. وَأَمَّا عَدَمُ نَقْضِ مَا عُمِلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَلَا يُوجَبُ بَقَاؤُهُ مَذْهَبًا لِجَوَازِ امْتِنَاعِ النَّقْضِ لِعَارِضٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ يَبْطُلُ» - يَعْنِي مَا ذَكَرُوهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ - «بِمَا لَوْ صَرَّحَ» الْإِمَامُ «بِرُجُوعِهِ عَنْهُ» ، أَيْ: بِرُجُوعِهِ عَنِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ إِذَا صَرَّحَ بِرُجُوعِهِ عَنْهُ، فَإِمَّا أَنْ لَا يَبْقَى مَذْهَبًا لَهُ فَقَدْ نَقَضَ الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ الَّذِي نَفَاهُ الْخَصْمُ، أَوْ يَبْقَى مَذْهَبًا لَهُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِاعْتِقَادِ بُطْلَانِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: «وَلَوْ خَالَعَ مُجْتَهِدٌ زَوْجَتَهُ» ، إِلَى آخِرِهِ هَذَا مِنْ فُرُوعِ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ وَصُوَرِهِ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مُجْتَهِدًا لَوْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ «يَعْتَقِدُ الْخُلْعَ فَسْخًا» لَا طَلَاقًا، «ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَاعْتَقَدَهُ طَلَاقًا، لَزِمَهُ فِرَاقُهَا» ، لِأَنَّهَا صَارَتْ بِمُوجِبِ هَذَا الِاجْتِهَادِ الثَّانِي مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا وَهُوَ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إِمْسَاكُ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ.
قَوْلُهُ: «وَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ حَاكِمٌ» مِثْلَ أَنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ شُهُودٍ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ، أَوْ مُجْتَهِدٌ غَيْرُهُ، «ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ» ، فَرَأَى ذَلِكَ النِّكَاحَ بَاطِلًا، «لَمْ يُنْقَضْ» ذَلِكَ الِاجْتِهَادُ الْأَوَّلُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ «لِلُزُومِ التَّسَلْسُلِ بِنَقْضِ النَّقْضِ» ، أَيْ: لَوْ نُقِضَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي لَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ، لَوَجَبَ أَنْ يُنْقَضَ الْحُكْمُ الثَّانِي بِالثَّالِثِ إِذَا تَغَيَّرَ
стр. 1948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اجْتِهَادُهُ، وَهَلُمَّ جَرًّا ; كُلَّمَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، حَكَمَ بِحُكْمٍ، وَنَقَضَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَيَتَسَلْسَلُ النَّقْضُ، وَتَضْطَرِبُ أَحْكَامُ النَّاسِ لِنَقْضِهَا بَعْدَ تَرْتِيبِهَا عَلَى تِلْكَ الِاجْتِهَادَاتِ، وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُنْقَضَ الْحُكْمُ بِمَا يُنَافِيهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ بَعْدَهُ، كَمَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ الْمُجَرَّدُ عَنْ حُكْمٍ بِمِثْلِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ، لَكِنْ هَهُنَا تُرِكَ الْقِيَاسُ لِلِاسْتِحْسَانِ تَحْصِيلًا لِضَبْطِ الْأُمُورِ، وَصِيَانَتِهَا عَنِ الِانْتِشَارِ.
قَوْلُهُ: «وَلَوْ نَكَحَ مُقَلِّدٌ بِفَتْوَى مُجْتَهِدٍ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ» - يَعْنِي اجْتِهَادَ الْمُجْتَهِدِ - «فَالظَّاهِرُ» أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ، أَيْ: لَا يَلْزَمُ الْمُقَلِّدُ فِرَاقُ زَوْجَتِهِ لِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ عَمَّا أَفْتَاهُ بِهِ أَوَلًا، «إِذْ عَمَلُهُ بِالْفُتْيَا جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الْحَاكِمِ» .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُنْقَضُ، فَكَذَا مَا جَرَى مَجْرَاهُ.
وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ: أَنَّ اجْتِهَادَ الْمُجْتَهِدِ إِمَّا أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنِ الْحُكْمِ وَالْفَتْوَى، أَوْ لَا يَتَجَرَّدْ.
فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْهُمَا، وَجَبَ نَقْضُهُ بِالِاجْتِهَادِ الْمُخَالِفِ لَهُ بَعْدَهُ.
وَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ حَكَمٌ لَمْ يُنْقَضْ، وَاسْتُؤْنِفَ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي.
وَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ الْفُتْيَا، وَالْعَمَلُ بِهَا، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُنْقَضَ مَا عَمِلَ بِهَا مُطْلَقًا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، تَنْزِيلًا لِلْعَمَلِ بِهَا مَنْزِلَةَ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُنْقَضَ مَا سِوَى النِّكَاحِ، كَمَا فَرَضَ فِي الْمُخْتَصَرِ، فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِمَا عُرِفَ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَتَشَوَّفَ الشَّرْعُ إِلَى تَكْثِيرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1949
التَّقْلِيدُ
لُغَةً: جَعْلُ شَيْءٍ فِي الْعُنُقِ مُحِيطًا بِهِ، وَالشَّيْءُ قِلَادَةٌ.
وَشَرْعًا: قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، كَأَنَّ الْمُقَلِّدَ يُطَوِّقُ الْمُجْتَهِدَ إِثْمَ مَا غَشَّهُ بِهِ فِي دِينِهِ، وَكَتَمَهُ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعَارَةِ، وَلَيْسَ قَبُولُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْلِيدًا، إِذْ هُوَ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ.
وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ إِجْمَاعًا، خِلَافًا لِبَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ.
لَنَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ تَكْلِيفِ الْعَامَّةِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهَا مُثَابٌ فَلَا مَحْذُورَ.
قَالُوا: الْوَاجِبُ الْعِلْمُ ; أَوْ مَا أَمْكَنَ مِنَ الظَّنِّ، وَالْحَاصِلُ مِنْهُ بِاجْتِهَادٍ أَكْثَرَ.
قُلْنَا: فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ، ثُمَّ تَكْلِيفُهُمُ الِاجْتِهَادَ يُبْطِلُ الْمَعَايِشَ، وَيُوجِبُ خَرَابَ الدُّنْيَا فِي طَلَبِ أَهْلِيَّتِهِ، وَلَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُدْرِكُهَا فَتَتَعَطَّلُ الْأَحْكَامُ بِالْكُلِّيَّةِ.
ــ
«التَّقْلِيدُ لُغَةً» أَيْ: هُوَ فِي اللُّغَةِ «جَعْلُ شَيْءٍ فِي الْعُنُقِ» عُنُقِ الدَّابَّةِ وَغَيْرِهِ «مُحِيطًا بِهِ» ، احْتِرَازًا مِمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا بِالْعُنُقِ، فَلَا يُسَمَّى قِلَادَةً فِي عُرْفِ اللُّغَةِ وَلَا غَيْرِهِا، وَذَلِكَ كَالْعُقُودِ،الْمَخَانِقِ، وَالْمُرْسِلَاتِ فِي حُلُوقِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَالسُّبَحِ الَّتِي هِيَ فِي حُلُوقِ الْمُتَزَهِّدِينَ، وَالْقَلَائِدِ فِي أَعْنَاقِ
стр. 1950
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْخَيْلِ. وَفِي الْحَدِيثِ: ارْكَبُوا الْخَيْلَ وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ، أَيْ: لَا تَجْعَلُوا الْأَوْتَارَ قَلَائِدَ فِي أَعْنَاقِهَا خَشْيَةَ أَنْ تَخْتَنِقَ إِذَا أَمْعَنَتْ فِي الْجَرْيِ، لِانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهَا. هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَالشَّيْءُ» - يَعْنِي الْمُحِيطُ بِالْعُنُقِ - يُسَمَّى «قِلَادَةً» ، وَجَمْعُهَا قَلَائِدُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢] يَعْنِي مَا يُقَلِّدُهُ الْهَدْيَ فِي عُنُقِهِ مِنَ النِّعَالِ أَوْ آذَانِ الْقُرَبِ وَنَحْوِهَا.
قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا» ، أَيْ: وَالتَّقْلِيدُ شَرْعًا، أَيْ: فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: «قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ» ; اسْتِعَارَةً مِنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، «كَأَنَّ الْمُقَلِّدَ يُطَوِّقُ الْمُجْتَهِدَ
стр. 1951
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِثْمَ مَا غَشَّهُ بِهِ فِي دِينِهِ، وَكَتَمَهُ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ» ، أَيْ: يَجْعَلُهُ طَوْقًا فِي عُنُقِهِ «أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ» : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣] «عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعَارَةِ» يَعْنِي مِنَ التَّقْلِيدِ اللُّغَوِيِّ كَمَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: «وَلَيْسَ قَبُولُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْلِيدًا إِذْ هُوَ - يَعْنِي قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ» .
قُلْتُ: قَالَ الْآمِدِيُّ: التَّقْلِيدُ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ، كَأَخْذِ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ مِثْلِهِ، وَالْمُجْتَهِدِ بِقَوْلِ مِثْلِهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، بِخِلَافِ اتِّبَاعِ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ وَقَوْلِ الْأُمَّةِ - يَعْنِي فِي الْإِجْمَاعِ - وَالْعَامِّيِّ لِلْمُفْتِي لِعَدَمِ عُرُوِّهِ عَنِ الْحُجَّةِ الْمُلْزِمَةِ بِهِ.
قُلْتُ: هَذَا مِنْهُ عَلَى جِهَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا هُوَ تَقْلِيدٌ أَوْ غَيْرُهُ.
وَالتَّحْقِيقُ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أُرِيدَ بِالْحُجَّةِ مَا أَفَادَ مَدْلُولَهُ بِذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، فَهَذَا كُلُّهُ تَقْلِيدٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا أَفَادَ مَدْلُولَهُ مُطْلَقًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ تَقْلِيدٌ، لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ يُفِيدُ مَدْلُولَهُ بِوَاسِطَةِ تَصْدِيقِ الْمُعْجِزِ لَهُ، وَالْإِجْمَاعُ يُفِيدُ مَدْلُولَهُ بِوَاسِطَةِ شَهَادَةِ الصَّادِقِ لَهُ بِالْعِصْمَةِ، وَقَوْلُ الْمُفْتِي يُفِيدُ مَدْلُولَهُ بِوَاسِطَةِ الْإِجْمَاعِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَامِّيِّ.
قَوْلُهُ: «وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ إِجْمَاعًا» ، أَيْ: بِالْإِجْمَاعِ، «خِلَافًا لِبَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ» مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.
«لَنَا» عَلَى جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: «الْإِجْمَاعُ» مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ وَغَيْرِهِمْ -
стр. 1952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سِوَى هَذَا الْمُخَالِفِ - «عَلَى عَدَمِ تَكْلِيفِ الْعَامَّةِ ذَلِكَ» - يَعْنِي الِاجْتِهَادَ فِي الْفُرُوعِ - فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى عَامِيٍّ اتَّبَعَ مُفْتِيًا فِيمَا أَفْتَاهُ سَوَاءَ ذَكَرَ لَهُ الدَّلِيلَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «الْمُخْطِئَ فِيهَا» ، أَيْ: فِي الْفُرُوعِ «مُثَابٌ» ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي الْحَاكِمِ يُخْطِئُ فَلَهُ أَجْرٌ. وَحِينَئِذٍ لَا مَحْذُورَ فِي تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ فِيهَا، لِأَنَّهُ فِي تَقْلِيدِهِ كَالْمُجْتَهِدِ فِي اجْتِهَادِهِ، وَالْمُجْتَهِدُ إِذَا أَخْطَأَ فِيهَا لَا مَحْذُورَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْتَثَلَ حُكْمَ الشَّرْعِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ وَأَهْلِيَّتِهِ ; هَذَا بِالتَّقْلِيدِ، وَهَذَا بِالِاجْتِهَادِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، أَيِ: احْتَجَّ الْخَصْمُ عَلَى مَنْعِ جَوَازِ التَّقْلِيدِ لِلْعَامِّيِّ، بِأَنَّ «الْوَاجِبَ» فِيهَا «الْعِلْمُ أَوْ مَا أَمْكَنَ مِنَ الظَّنِّ» إِذَا تَعَذَّرَ الْعِلْمُ. «وَالْحَاصِلُ» مِنَ الظَّنِّ بِالِاجْتِهَادِ أَكْثَرُ مِنَ الْحَاصِلِ مِنْهُ بِالتَّقْلِيدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الظَّنُّ الْأَكْثَرُ وَاجِبًا، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَالْأَقْرَبُ إِلَى الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ وَاجِبٌ، وَإِذَا وَجَبَ الظَّنُّ الْأَكْثَرُ وَجَبَ الِاجْتِهَادُ الَّذِي هُوَ طَرِيقٌ إِلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الْعِلْمُ لِقَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٦] ، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣] . وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْعِلْمَ إِذَا تَعَذَّرَ، وَجَبَ مَا أَمْكَنَ مِنَ الظَّنِّ لِقَوْلِهِ ﵇: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَقِيَاسًا عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا بَعْضَ صَاعٍ مِنْ فِطْرَتِهِ
стр. 1953
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مَا يَكْفِي بَعْضَ طَهَارَتِهِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فِي بَلَدِهِ مَصْرِفًا لِلزَّكَاةِ أَخْرَجَهَا إِلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَبَاقِي مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» ، أَيْ: فِي جَوَابِ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّهُ «فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ» ، وَالْإِشَارَةُ بِالنَّصِّ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٧] ، وَقَوْلُهُ ﵇ فِي قِصَّةِ ذِي الشَّجَّةِ الْمَشْهُورَةِ: أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ وَقَوْلُهُ ﵇ فِي حَدِيثِ ذَهَابِ الْعِلْمِ: رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا مَفْهُومُهُ مَنْ أَفْتَى بِعِلْمٍ يَكُونُ هَادِيًا، وَمَنْ كَانَ هَادِيًا، جَازَ اتِّبَاعَهُ، وَالْإِشَارَةُ بِالْإِجْمَاعِ إِلَى إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ كَمَا ذُكِرَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ تَكْلِيفُهُمْ» ، أَيْ: تَكْلِيفُ الْعَامَّةِ «الِاجْتِهَادَ يُبْطِلُ الْمَعَايِشَ، وَيُوجِبُ خَرَابَ الدُّنْيَا فِي طَلَبِ أَهْلِيَّتِهِ» ، أَيْ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ، أَيْ صَيْرُورَةِ الْعَامَّةِ أَهْلًا لَهُ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْفَرَاغِ وَالنَّظَرِ، وَمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ، وَمُمَارَسَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُلُومِ، «وَلَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ» - أَيْ: أَكْثَرَ الْعَامَّةِ - لَوْ تَجَرَّدَ لِطَلَبِ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ «لَا يُدْرِكُهَا» ، إِذْ قَدْ وُجِدَ كَثِيرٌ مِمَّنْ تَجَرَّدَ لِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ فَمَاتَ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ فِيهِ عَلَى عَامِّيَّتِهِ، إِذِ الْمُجْتَهِدُونَ لِعِزَّةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ كَالْمُلُوكِ فِي
стр. 1954
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَعْصَارِ لَا يُوجَدُ مِنْهُمْ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ، فَكَانَتْ «تَتَعَطَّلُ الْأَحْكَامُ بِالْكُلِّيَّةِ» لَوْ كُلِّفَ الْعَامَّةُ الِاجْتِهَادَ، لِأَنَّهُمْ مَادَّةُ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا تَشَاغَلُوا بِطَلَبِ الِاجْتِهَادِ، انْقَطَعَتْ مَادَّةُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَتَعَطَّلَتِ الْأَحْكَامُ، إِذِ الْعَامِّيُّ لَا يَقُومُ مِنْهُ مُجْتَهِدٌ، وَيَنْقَطِعُ بِتَشَاغُلِهِ بِالْعِلْمِ مَادَّةَ طَلَبِهِ الْعِلْمَ، فَيَشْتَغِلُونَ بِضَرُورَاتِهِمْ عَنْ طَلَبِهِ، فَيَخْلُو الْوَقْتُ عَمَّنْ يَسْتَرْشِدُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
стр. 1955
وَلَا تَقْلِيدَ فِي مَا عُلِمَ كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، كَالْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِيهِ، وَلَا فِي الْأَحْكَامِ الْأُصُولِيَّةِ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ، وَنَحْوِهِا، لِظُهُورِ أَدِلَّتِهَا فِي نَفْسِ كُلِّ عَاقِلٍ، وَإِنْ مَنَعَ الْعَامِّيَّ عِيُّهُ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْهَا.
وَلِأَنَّ الْمُقَلِّدَ إِنْ عَلِمَ خَطَأَ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَلِّدَهُ، أَوْ أَصَابَتَهُ فِيمَ عَلِمَهَا إِنْ كَانَ لِتَقْلِيدِهِ آخَرَ، فَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْأَوَّلِ، أَوْ بِاجْتِهَادِهِ فِيهِ فَلْيَجْتَهِدْ فِي الْمَطْلُوبِ وَلْيُلْغِ وَاسِطَةَ التَّقْلِيدِ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِشْكَالٌ، إِذِ الْعَامِّيُّ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشُّبَهِ لِاشْتِبَاهِهِمَا، لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا ; مَعَ تَفَرُّقِ الْآرَاءِ وَكَثْرَةِ الْأَهْوَاءِ، بَلْ نَحَارِيرُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يَسْتَقِلُّونَ بِذَلِكَ، فَإِذَا مُنِعَ مِنَ التَّقْلِيدِ لَزِمَ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ شَيْئًا.
ــ
قَوْلُهُ: «وَلَا تَقْلِيدَ فِيمَا عُلِمَ كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً كَالْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ» ، وَهِيَ الشَّهَادَتَانِ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالْحَجُّ. «لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ» يَعْنِي الْعَامِّيَّ وَغَيْرَهُ فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ، إِذْ التَّقْلِيدُ يَسْتَدْعِي جَهْلَ الْمُقَلِّدِ بِمَا قَلَّدَ فِيهِ، وَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ فِيمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ، وَالْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأَرْكَانِ بِالضَّرُورَةِ الْحَاصِلَةِ عَنِ التَّوَاتُرِ وَالْإِجْمَاعِ، وَهُمَا مُرَكَّبَانِ مِنَ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ كَمَا سَبَقَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمَحْضَةِ.
قَوْلُهُ: «وَلَا فِي الْأَحْكَامِ» ، أَيْ: وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي الْأَحْكَامِ «الْأُصُولِيَّةِ» الْكُلِّيَّةِ، «كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ، وَنَحْوِهَا» مِنَ الْقَطْعِيَّاتِ الظَّاهِرَةِ الْأَدِلَّةِ، «لِظُهُورِ أَدِلَّتِهَا فِي نَفْسِ كُلِّ عَاقِلٍ، وَإِنْ مَنَعَ الْعَامِّيَّ عِيُّهُ» ، أَيْ: قُصُورُ عِبَارَتِهِ «مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْهَا» ، أَيْ: عَنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ،
стр. 1956
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَإِنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا رَأَى هَذَا الْعَالَمَ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ وَأَنْوَاعِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْإِتْقَانِ، عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ لَهُ صَانِعًا، وَإِنْ قَصُرَتْ عِبَارَتُهُ عَنْ تَقْرِيرِ دَلِيلِ الدُّورِ وَالتَّسَلْسُلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَإِذَا رَأَى الْعَالَمَ جَارِيًا عَلَى نِظَامِ الْحِكْمَةِ عَلِمَ أَنَّ صَانِعَهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَلَا مُشَارِكَ، لِمَا عَلِمَ فِي مُسْتَقَرِّ الْعَادَةِ مِنْ أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَفْسَدُ بِتَعَدُّدِ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الَأَنْبِيَاء: ٢٢] ، وَإِذَا رَأَى إِنْسَانًا قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ بِشَرْطِهِ ; عَلِمَ صِدْقَهُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَقْرِيرُ دَلِيلِ النُّبُوَّةِ، وَدَفْعُ الشُّبَهِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «وَلِأَنَّ الْمُقَلِّدَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُقَلِّدَ إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ خَطَأَ مَنْ قَلَّدَهُ أَوْ إِصَابَتَهُ، فَإِنْ عَلِمَ خَطَأَهُ، «لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَلِّدَهُ» فِي الْخَطَأِ كَمَا فِي الْفُرُوعِ وَأَوْلَى، وَإِنْ عَلِمَ إِصَابَتَهُ فَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَهَا بِتَقْلِيدٍ آخَرَ، أَوْ بِاجْتِهَادِهِ هُوَ، فَإِنْ عَلِمَهَا بِتَقْلِيدِ شَخْصٍ آخَرَ قُلْنَا: الْكَلَامُ فِي هَذَا الشَّخْصِ الْآخَرِ، كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِي قَلَّدْتُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: بِمَ عَلِمْتَ إِصَابَةَ هَذَا الَّذِي قَلَّدْتَهُ، بِتَقْلِيدِكَ فِي ذَلِكَ غَيْرَكَ، أَوْ بِاجْتِهَادِكَ؟ وَيَتَسَلْسَلُ التَّعْلِيلُ، أَوْ يَنْتَهِي إِلَى الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ عَلِمَ الْمُقَلِّدُ إِصَابَةَ مَنْ قَلَّدَهُ بِاجْتِهَادِهِ «فَلْيَجْتَهِدْ فِي الْمَطْلُوبِ وَلْيُلْغِ وَاسِطَةَ التَّقْلِيدِ» ، فَنَقُولُ لَهُ: إِذَا كَانَ لَكَ أَهْلِيَّةٌ تَعْلَمُ بِهَا إِصَابَةَ مَنْ تُقَلِّدُهُ مِنْ خَطَئِهِ، فَاجْتَهِدْ أَنْتَ فِيمَا قَلَّدْتَ فِيهِ، وَأَلْغِ وَاسِطَةَ التَّقْلِيدِ، أَيْ: لَا تَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اعْتِقَادِكَ وَاسِطَةً
стр. 1957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُقَلِّدُهَا، لِأَنَّ هَذِهِ الْوَاسِطَةَ تَكُونُ لَاغِيَةً لَا فَائِدَةَ فِيهَا، بَلْ مَعَ تَقْلِيدِهَا إِنَّمَا اعْتَمَدْتَ عَلَى اجْتِهَادِكَ. وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْإِقْرَارُ يُلْغِي الْبَيِّنَةَ، وَحُضُورُ شَاهِدَ الْأَصْلِ يُلْغِي اعْتِبَارَ شَاهِدِ الْفَرْعِ.
قَوْلُهُ: «وَفِيِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِشْكَالٌ» ، أَيْ: تَكْلِيفُ الْعَامَّةِ الِاجْتِهَادَ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ، لِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ «الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ» ، وَبِالْفَرْقِ «بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشُّبَهِ لِاشْتِبَاهِهِمَا» ، أَيْ: لِاشْتِبَاهِ الدَّلِيلِ وَالشُّبْهَةِ، إِذِ الدَّلِيلُ مَا لَزِمَ مِنْ ثُبُوتِهِ ثُبُوتُ الْمَدْلُولِ، وَالشُّبْهَةُ تُوهِمُ ثُبُوتَ مَا نُصِبَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ لِمُشَابَهَتِهَا الدَّلِيلَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، وَهِيَ غَيْرُ دَالَّةٍ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَحْتَاجُ النَّاظِرُ فِي أَحْكَامِ الْأُصُولِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِتَقْرِيرِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ عَنْهَا، وَذَلِكَ بَعِيدٌ عَنِ الْعَامِّيِّ، بَلْ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّهِ عَادَةً «لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا مَعَ تَفَرُّقِ الْآرَاءِ، وَكَثْرَةِ الْأَهْوَاءِ، بَلْ نَحَارِيرُ الْمُتَكَلِّمِينَ» وَشُطَّارُهُمْ «لَا يَسْتَقِلُّونَ بِذَلِكَ» وَحَيْثُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، «فَإِذَا مُنِعَ» يَعْنِي الْعَامِّيَّ «مِنَ التَّقْلِيدِ لَزِمَ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ شَيْئًا» ، لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ الِاجْتِهَادِيَّ مُتَعَذِّرٌ عَلَيْهِ، وَالتَّقْلِيدُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ.
وَحَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى مَنْعِ عُمُومِ الدَّلِيلِ السَّابِقِ عَلَى مَنْعِ التَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ لِظُهُورِ أَدِلَّتِهَا فِي نَفْسِ كُلِّ عَاقِلٍ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي نُفُوسِ الْعُلَمَاءِ. أَمَّا الْعَامَّةُ فَلَا.
стр. 1958
فَالْأَشْبَهُ إِذًا، أَنْ لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ فِي حُكْمٍ اعْتِقَادِيٍّ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ مُجْتَهِدٍ، أَوْ عَامِّيٍّ مَعَ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ مَعَ تَرْكِ الْعِنَادِ.
وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِمَّا يَلْزَمُ الْجَاحِظَ، إِذْ أَكْثَرُ مُخَالِفِي الْمِلَّةَ عَانَدُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَسْتَفْرِغْ وُسْعَهُ فِي الِاجْتِهَادِ.
وَأَنَّ الْكُفْرَ إِنْكَارُ مَا عُلِمَ كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي رِسَالَتِهِ، إِذْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ غَيْرَ الْمُعَانِدِينَ وَمُنْكِرِي الضَّرُورِيَّاتِ، لِقَصْدِهِمُ الْحَقَّ مَعَ اسْتِبْهَامِ طَرِيقِهِ.
ــ
وَقَوْلُهُ: «فَالْأَشْبَهُ إِذًا» ، أَيْ: قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ عَنْهَا، فَالْأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ «أَنْ» يُقَالَ: «لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ فِي حُكْمٍ اعْتِقَادِيٍّ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ مُجْتَهِدٍ أَوْ عَامِّيٍّ مَعَ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ مَعَ تَرْكِ الْعِنَادِ» .
فَقَوْلُنَا: «اعْتِقَادِيٍّ» هُوَ الْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ الْأُصُولِيَّةِ لِأَنَّ حَظَّ الْمُكَلَّفِ مِنْهَا الِاعْتِقَادُ.
وَقَوْلُنَا: «غَيْرِ ضَرُورِيٍّ» احْتِرَازٌ مِمَّا سَبَقَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي اشْتَرَكَ فِيهَا الْعَامَّةُ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَوْلُنَا: «مُجْتَهِدٍ، أَوْ عَامِّيٍّ» لَيْسَ احْتِرَازًا عَنْ شَيْءٍ، بَلْ هُوَ بَدَلٌ تَفْصِيلِيٌّ مِنْ قَوْلِنَا: «عَلَى مَنْ أَخْطَأَ» ، أَيْ: لَا إِثْمَ عَلَى الْمُخْطِئِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ عَامِيًّا.
стр. 1959
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُنَا: «مَعَ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ» احْتِرَازٌ مِمَّنْ لَا يَجْتَهِدُ فِي مُعْتَقَدِهِ أَصْلًا، بَلْ يَعْتَقِدُ مَا خَطَرَ لَهُ أَوْ مَا مَالَ إِلَيْهِ هَوَاهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَأْثَمُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ، أَوْ تَابِعَ الْهَوَى فِي اجْتِهَادِهِ.
وَقَوْلُنَا: «بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ» ، أَيْ: يَكْتَفِي مِنْهُ بِمَا أَمْكَنَهُ، وَمَا بَلَغَتْهُ قُوَّتُهُ مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْهُ مَا لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهِ، إِذْ ذَلِكَ مَا لَا يُطَاقُ.
وَقَوْلُنَا: «مَعَ تَرْكِ الْعِنَادِ» ، احْتِرَازٌ مِنْ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيُعَانِدَ فِي اجْتِهَادِهِ بِأَنْ يَظْهَرَ لَهُ الصَّوَابُ، فَيَحِيدَ عَنْهُ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النَّمْلِ: ١٤] .
قَوْلُهُ: «وَفِيهِ» ، أَيْ: فِي هَذَا الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ لِعَدَمِ الْإِثْمِ «احْتِرَازٌ مِمَّا يَلْزَمُ الْجَاحِظَ» عَلَى قَوْلِهِ: لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ مَعَ الْجِدِّ فِي طَلَبِهِ مِنْ رَفْعِ الْإِثْمِ عَنْ كُلِّ كَافِرٍ، لِأَنَّهُمْ جَدُّوا فِي طَلَبِ الْحَقِّ، فَلَمْ يُصِيبُوهُ، فَلَا يَلْزَمُ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الضَّابِطِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمُخَالِفِينَ لِمِلَّةِ الْإِسْلَامِ عَانَدُوا الْحَقَّ مَعَ وُضُوحِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٣] ، ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٤] ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، مِمَّا دَلَّ عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ. «وَمِنْهُمْ» - أَيْ: وَمِنْ مُخَالِفِي الْمِلَّةِ - «مَنْ لَمْ يَسْتَفْرِغْ وُسْعَهُ فِي الِاجْتِهَادِ» ، فَكَانَ خَطَؤُهُ لِتَقْصِيرِهِ، فَلَحِقَهُمُ الْإِثْمُ لِذَلِكَ، وَنَحْنُ قَدَّرْنَا الضَّابِطَ الْمَذْكُورَ، لِنَفِيَ الْإِثْمِ بِأَنْ يُوجَدَ الْجِدُّ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَأَنْ تَنْتَفِيَ الْمُكَابَرَةُ وَالْمُعَانَدَةُ، فَلَا يَلْزَمُنَا مَا لَزِمَ الْجَاحِظَ مِمَّا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: «وَأَنَّ الْكُفْرَ» . هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَالْأَشْبَهُ أَنْ لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ
стр. 1960
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرَ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْكُفْرَ «إِنْكَارُ مَا عُلِمَ كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً» ، فَلَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِإِنْكَارِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُصُولِ الضَّرُورِيَّةِ، كَمَسْأَلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَرْفِ، وَالصَّوْتِ، وَنَحْوِهَا عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ فِي كِتَابِ «إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» .
قُلْتُ: وَهَذَا كَالتَّقْرِيرِ لِلضَّابِطِ الْمَذْكُورِ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ عَمَّنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكُفْرَ إِذَا انْحَصَرَ فِي إِنْكَارِ الضَّرُورِيَّاتِ، فَالضَّرُورِيَّاتُ لَا يُخْطِئُ فِيهَا أَحَدٌ عَامِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ، فَيَبْقَى مَا عَدَا الضَّرُورِيَّاتِ «هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ» مُصَنِّفِ «الرَّوْضَةِ» «فِي رِسَالَتِهِ» ، وَهِيَ رِسَالَةٌ رَدَّ فِيهَا عَلَى بَعْضِ الْحَرَّانِيِينَ قَوْلَهُ بِتَكْفِيرِ كُلِّ مُبْتَدِعٍ فِي مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ، كَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَ «لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا» مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ غَيْرَ الْمُعَانِدِينَ وَمُنْكِرِي الضَّرُورِيَّاتِ لِقَصْدِهِمُ الْحَقَّ مَعَ اسْتِبْهَامِ طَرِيقِهِ.
قُلْتُ: فَهُمْ بِقَصْدِ الْحَقِّ مُثَابُونَ أَوْ غَيْرُ آثِمِينَ، وَبِاسْتِبْهَامِ طَرِيقِهِ مَعْذُورُونَ.
وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى قَاعِدَةٍ قَرَّرْتُهَا فِي ذَلِكَ فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى» وَكِتَابِ «إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» .
أَمَّا مُنْكِرُو الضَّرُورَاتِ، فَيَلْزَمُهُمُ الْعِنَادُ، لِأَنَّ مَنْ يَعِشْ خَمْسِينَ سَنَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: الصَّلَاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَالزِّنَا غَيْرُ مُحَرَّمٍ، فَهَذَا لَا يُرْتَابُ فِي أَنَّهُ مُعَانِدٌ، وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَقَدَ فِي اللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ، كَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ جِسْمٌ ; وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْجِسْمِيَّةَ لَا تَلِيقُ بِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ بِالْحُرْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، مُتَلَاعِبٌ بِهَا، فَهَذَانِ يَكْفُرَانِ، وَمَنْ سِوَاهُمْ، فَلَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1961
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَائِدَةٌ: قَالَ الْآمِدِيُّ: ذَهَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ وَالْحَشْوِيَّةُ وَالتَّعْلِيمِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاعْتِقَادِ فِي اللَّهِ ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَتَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ، وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ: لَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ إِلَّا الْحَنَابِلَةُ.
قُلْتُ: قَدْ رَأَيْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِنَا فِي ذَلِكَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ نَهْيًا عَامًا، فَقَالَ: مِنْ ضِيقِ عِلْمِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ دِينَهُ غَيْرَهُ، فَبَانَ أَنَّ مَا قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِمَّا الْتِبَاسٌ عَلَيْهِ، أَوْ تَلْبِيسٌ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1962
ثُمَّ هُنَا مَسْأَلَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ الْعَامِّيَّ يُقَلِّدُ مَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلِاجْتِهَادِ بِطَرِيقٍ مَا، دُونَ مَنْ عَرَفَهُ بِالْجَهْلِ اِتِفَاقًا فِيهِمَا.
أَمَّا مَنْ جَهِلَ حَالَهُ فَلَا يُقَلِّدُهُ أَيْضًا، خِلَافًا لِقَوْمٍ.
لَنَا: غَالِبُ النَّاسِ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ، فَاحْتِمَالُ الْأَهْلِيَّةِ مَرْجُوحٌ، وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَجَبَ مَعْرِفَةُ حَالِهِ، كَالنَّبِيِّ بِالْمُعْجِزِ، وَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي بِالتَّعْدِيلِ.
قَالُوا: الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا لَا يَسْأَلُ عَنْ عِلْمِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ وَلَا عَنْ عَدَالَتِهِ.
قُلْنَا: الْعَادَةُ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَى الدَّلِيلِ، لِجَوَازِ مُخَالَفَتِهَا إِيَّاهُ، ثُمَّ وُجُوبُ السُّؤَالِ عَنْ عِلْمِهِ مُلْتَزَمٌ، وَالْعَدَالَةُ أَصْلِيَّةٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ، بِخِلَافِ الْعِلْمِ.
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُنَا» ، أَيْ: فِي بَابِ التَّقْلِيدِ «مَسْأَلَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعَامِّيَّ يُقَلِّدُ مَنْ عَلِمَ، أَوْ ظَنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلِاجْتِهَادِ بِطَرِيقٍ مَا، دُونَ مَنْ عُرِفَ بِالْجَهْلِ اِتِفَاقًا فِيهِمَا» . أَيِ: الْحُكْمُ فِي الصُّورَتَيْنِ إَثْبَاتٌ فِي الْأُولَى، وَنَفْيٌ فِي الثَّانِيَةِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ التَّقْلِيدَ لِلْعَامِّيِّ.
وَتَحْقِيقُ الْقِسْمَةِ فِيهِ: أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَفْتِيَ شَخْصًا، فَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ، أَوْ يَظُنَّ أَنَّهُ أَهْلٌ لَلْفُتْيَا، أَوْ يَعْلَمَ أَنَّهُ جَاهِلٌ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، أَوْ يَجْهَلُ حَالَهُ، فَلَا يَعْلَمُ أَهْلِيَّتَهُ وَلَا عَدَمَهَا. فَالْأَوَّلُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَعِلْمِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ إِمَّا بِإِخْبَارِ عَدْلٍ عَنْهُ بِذَلِكَ، أَوْ بِاشْتِهَارِهِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْفُتْيَا، أَوْ بِانْتِصَابِهِ لَهَا وَانْقِيَادِ
стр. 1963
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّاسِ لِلْأَخْذِ عَنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الطُّرُقِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «بِطَرِيقٍ مَا» ، وَالظَّنُّ يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ لِمَا عُرِفَ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ جَهْلَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ، لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ كَالْعَالِمِ يُفْتِي بِغَيْرِ دَلِيلٍ. أَمَّا مَنْ جَهِلَ حَالَهُ، فَلَا يُقَلِّدُهُ أَيْضًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، خِلَافًا لِقَوْمٍ.
«لَنَا» عَلَى أَنْ لَا يُقَلِّدَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «غَالِبَ النَّاسِ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ، فَاحْتِمَالُ الْأَهْلِيَّةِ مَرْجُوحٌ» .
يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَمَّا جُهِلَ حَالُهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ، لَكِنَّ غَالِبَ الْإِنْسِ غَيْرُ أَهْلٍ لَلْفُتْيَا، فَحَمْلُ هَذَا عَلَى الْغَالِبِ رَاجِحٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ أَهْلِيَّتُهُ مَرْجُوحَةً، فَيَنْتَفِي ظَنُّ أَهْلِيَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُفْتِيَ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَكُلُّ «مَنْ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَجَبَ مَعْرِفَةُ حَالِهِ» ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَجَبَ مَعْرِفَةُ حَالِهِ وَامْتِحَانِهِ بِظُهُورِ الْمُعْجِزِ عَلَى يَدِهِ، «وَالشَّاهِدُ وَالرَّاوِي» لَمَّا وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِمَا، وَجَبَ مَعْرِفَةُ حَالِهِمَا «بِالتَّعْدِيلِ» .
قَوْلُهُ: «قَالُوا» . هَذَا حُجَّةُ الْخَصْمِ عَلَى قَبُولِ فُتْيَا الْمَجْهُولِ الْحَالِ. وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّ «الْعَادَةَ» جَرَتْ بِأَنَّ «مَنْ دَخَلَ بَلَدًا لَا يَسْأَلُ عَنْ عِلْمِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ وَلَا عَدَالَتِهِ» ، وَالْعَوَائِدُ الْمَشْهُورَةُ حُجَّةٌ لِدِلَالَتِهَا عَلَى اتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَيْهَا عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ.
стр. 1964
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» هَذَا جَوَابُ مَا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَادَةَ «حُجَّةٌ عَلَى الدَّلِيلِ، لِجَوَازِ مُخَالَفَتِهَا إِيَّاهُ» ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يُسْتَفْتَى كَمَا سَبَقَ. وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْعَادَةِ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ وَكَذَلِكَ مُطْلَقُ «الْعَادَةِ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَى» مُطْلَقِ «الدَّلِيلِ لِجَوَازِ» أَنْ تُخَالِفَهُ، وَمَا خَالَفَ الدَّلِيلَ لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَادَةَ مَا ذَكَرْتُمْ، بَلِ الْعَادَةُ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا احْتَاطَ لِدِينِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ ; لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ شُهْرَتَهَا، بَلْ هُوَ عَادَةُ شُذُوذِ النَّاسِ وَجُهَّالِهِمْ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا مَشْهُورَةٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اتِّفَاقٍ عَلَيْهَا حَتَّى تَكُونَ حُجَّةً.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ وُجُوبُ السُّؤَالِ عَنْ عِلْمِهِ مُلْتَزِمٌ» ، أَيْ: نَلْتَزِمُ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ عِلْمِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ، وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ وُجُوبِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ اسْتَفَدْتُمُوهُ مِنَ الْعَادَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَهُ.
قَوْلُهُ: «وَالْعَدَالَةُ أَصْلِيَّةٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ بِخِلَافِ الْعِلْمِ» .
هَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَدَالَةِ وَالْعِلْمِ: بِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُفْتِي إِنَّمَا لَمْ يَجِبِ السُّؤَالُ عَنْهَا، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ بِخِلَافِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ عَدَمَهُ أَصْلِيٌّ فِي كُلِّ أَحَدٍ، فَلِذَلِكَ أَوْجَبْنَا السُّؤَالَ عَنْ عِلْمِ الْمُفْتِي دُونَ عَدَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1965
الثَّانِيَةُ: يَكْفِي الْمُقَلِّدَ سُؤَالُ بَعْضَ مُجْتَهَدِي الْبَلَدِ، وَفِي وُجُوبِ تَخَيُّرِ الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ:
النَّافِي: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَسْوِيغِ سُؤَالِ مُقَلِّدِيهِمُ الْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ لِأَنَّ الْفَضْلَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِخَاصَّةِ الْأَفْضَلِيَّةِ.
الْمُثْبِتُ: الظَّنُّ الْحَاصِلُ مِنْ قَوْلِ الْأَفْضَلِ أَغْلَبُ، فَإِنْ سَأَلَهُمَا وَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ مُتَابَعَةُ الْأَفْضَلِ فِي دِينِهِ وَعِلْمِهِ كَالْمُجْتَهِدِ يَتَعَارَضُ عِنْدَهُ الدَّلِيلَانِ، أَوْ يَتَخَيَّرُ؟ فِيهِ خِلَافٌ، الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَيُعَرَفُ الْأَفْضَلُ بِالْإِخْبَارِ وَإِذْعَانِ الْمَفْضُولِ لَهُ وَتَقْدِيمِهِ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَمَارَاتِ الْمُفِيدَةِ لِلظَّنِّ، فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ اتَّبَعَ أَيَّهُمَا شَاءَ.
وَقِيلَ: الْأَشَدُّ، إِذِ الْحَقُّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ، وَالْبَاطِلُ خَفِيفٌ وَبِيٌّ.
وَقِيلَ الْأَخَفُّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، «لَا ضَرَرَ» ، «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ» .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَا لِتَعَارُضِهِمَا، وَيَرْجِعَ إِلَى غَيْرِهِمَا إِنْ وَجَدَ، وَإِلَّا فَإِلَى مَا قَبْلَ السَّمْعِ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ: يَكْفِي الْمُقَلِّدَ سُؤَالُ بَعْضِ مُجْتَهَدِي الْبَلَدِ» يَعْنِي مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَلَا يَلْزَمُهُ سُؤَالُ جَمِيعِهِمْ. «وَفِي وُجُوبِ تَخَيُّرِ الْأَفْضَلِ» . أَيْ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَيَّرَ أَفْضَلَ الْمُجْتَهِدِينَ فَيَسْتَفْتِيَهِ؟ فِيهِ «قَوْلَانِ» : بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ «النَّافِي» ، أَيْ: احْتَجَّ النَّافِي لِوُجُوبِ تَخَيُّرِ الْأَفْضَلِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا:
следующие страницы →