← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَائِدَةٌ: قَالَ الْآمِدِيُّ: ذَهَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ وَالْحَشْوِيَّةُ وَالتَّعْلِيمِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاعْتِقَادِ فِي اللَّهِ ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَتَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ، وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ: لَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ إِلَّا الْحَنَابِلَةُ. قُلْتُ: قَدْ رَأَيْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِنَا فِي ذَلِكَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ نَهْيًا عَامًا، فَقَالَ: مِنْ ضِيقِ عِلْمِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ دِينَهُ غَيْرَهُ، فَبَانَ أَنَّ مَا قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِمَّا الْتِبَاسٌ عَلَيْهِ، أَوْ تَلْبِيسٌ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1962

ثُمَّ هُنَا مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ الْعَامِّيَّ يُقَلِّدُ مَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلِاجْتِهَادِ بِطَرِيقٍ مَا، دُونَ مَنْ عَرَفَهُ بِالْجَهْلِ اِتِفَاقًا فِيهِمَا. أَمَّا مَنْ جَهِلَ حَالَهُ فَلَا يُقَلِّدُهُ أَيْضًا، خِلَافًا لِقَوْمٍ. لَنَا: غَالِبُ النَّاسِ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ، فَاحْتِمَالُ الْأَهْلِيَّةِ مَرْجُوحٌ، وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَجَبَ مَعْرِفَةُ حَالِهِ، كَالنَّبِيِّ بِالْمُعْجِزِ، وَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي بِالتَّعْدِيلِ. قَالُوا: الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا لَا يَسْأَلُ عَنْ عِلْمِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ وَلَا عَنْ عَدَالَتِهِ. قُلْنَا: الْعَادَةُ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَى الدَّلِيلِ، لِجَوَازِ مُخَالَفَتِهَا إِيَّاهُ، ثُمَّ وُجُوبُ السُّؤَالِ عَنْ عِلْمِهِ مُلْتَزَمٌ، وَالْعَدَالَةُ أَصْلِيَّةٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ، بِخِلَافِ الْعِلْمِ. ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُنَا» ، أَيْ: فِي بَابِ التَّقْلِيدِ «مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعَامِّيَّ يُقَلِّدُ مَنْ عَلِمَ، أَوْ ظَنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلِاجْتِهَادِ بِطَرِيقٍ مَا، دُونَ مَنْ عُرِفَ بِالْجَهْلِ اِتِفَاقًا فِيهِمَا» . أَيِ: الْحُكْمُ فِي الصُّورَتَيْنِ إَثْبَاتٌ فِي الْأُولَى، وَنَفْيٌ فِي الثَّانِيَةِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ التَّقْلِيدَ لِلْعَامِّيِّ. وَتَحْقِيقُ الْقِسْمَةِ فِيهِ: أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَفْتِيَ شَخْصًا، فَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ، أَوْ يَظُنَّ أَنَّهُ أَهْلٌ لَلْفُتْيَا، أَوْ يَعْلَمَ أَنَّهُ جَاهِلٌ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، أَوْ يَجْهَلُ حَالَهُ، فَلَا يَعْلَمُ أَهْلِيَّتَهُ وَلَا عَدَمَهَا. فَالْأَوَّلُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَعِلْمِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ إِمَّا بِإِخْبَارِ عَدْلٍ عَنْهُ بِذَلِكَ، أَوْ بِاشْتِهَارِهِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْفُتْيَا، أَوْ بِانْتِصَابِهِ لَهَا وَانْقِيَادِ

стр. 1963

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّاسِ لِلْأَخْذِ عَنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الطُّرُقِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «بِطَرِيقٍ مَا» ، وَالظَّنُّ يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ لِمَا عُرِفَ. وَالثَّانِي: وَهُوَ مَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ جَهْلَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ، لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ كَالْعَالِمِ يُفْتِي بِغَيْرِ دَلِيلٍ. أَمَّا مَنْ جَهِلَ حَالَهُ، فَلَا يُقَلِّدُهُ أَيْضًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. «لَنَا» عَلَى أَنْ لَا يُقَلِّدَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ «غَالِبَ النَّاسِ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ، فَاحْتِمَالُ الْأَهْلِيَّةِ مَرْجُوحٌ» . يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَمَّا جُهِلَ حَالُهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ، لَكِنَّ غَالِبَ الْإِنْسِ غَيْرُ أَهْلٍ لَلْفُتْيَا، فَحَمْلُ هَذَا عَلَى الْغَالِبِ رَاجِحٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ أَهْلِيَّتُهُ مَرْجُوحَةً، فَيَنْتَفِي ظَنُّ أَهْلِيَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُفْتِيَ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَكُلُّ «مَنْ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَجَبَ مَعْرِفَةُ حَالِهِ» ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَجَبَ مَعْرِفَةُ حَالِهِ وَامْتِحَانِهِ بِظُهُورِ الْمُعْجِزِ عَلَى يَدِهِ، «وَالشَّاهِدُ وَالرَّاوِي» لَمَّا وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِمَا، وَجَبَ مَعْرِفَةُ حَالِهِمَا «بِالتَّعْدِيلِ» . قَوْلُهُ: «قَالُوا» . هَذَا حُجَّةُ الْخَصْمِ عَلَى قَبُولِ فُتْيَا الْمَجْهُولِ الْحَالِ. وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّ «الْعَادَةَ» جَرَتْ بِأَنَّ «مَنْ دَخَلَ بَلَدًا لَا يَسْأَلُ عَنْ عِلْمِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ وَلَا عَدَالَتِهِ» ، وَالْعَوَائِدُ الْمَشْهُورَةُ حُجَّةٌ لِدِلَالَتِهَا عَلَى اتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَيْهَا عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ.

стр. 1964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «قُلْنَا» هَذَا جَوَابُ مَا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَادَةَ «حُجَّةٌ عَلَى الدَّلِيلِ، لِجَوَازِ مُخَالَفَتِهَا إِيَّاهُ» ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يُسْتَفْتَى كَمَا سَبَقَ. وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْعَادَةِ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ وَكَذَلِكَ مُطْلَقُ «الْعَادَةِ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَى» مُطْلَقِ «الدَّلِيلِ لِجَوَازِ» أَنْ تُخَالِفَهُ، وَمَا خَالَفَ الدَّلِيلَ لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَادَةَ مَا ذَكَرْتُمْ، بَلِ الْعَادَةُ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا احْتَاطَ لِدِينِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ ; لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ شُهْرَتَهَا، بَلْ هُوَ عَادَةُ شُذُوذِ النَّاسِ وَجُهَّالِهِمْ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا مَشْهُورَةٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اتِّفَاقٍ عَلَيْهَا حَتَّى تَكُونَ حُجَّةً. قَوْلُهُ: «ثُمَّ وُجُوبُ السُّؤَالِ عَنْ عِلْمِهِ مُلْتَزِمٌ» ، أَيْ: نَلْتَزِمُ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ عِلْمِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ، وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ وُجُوبِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ اسْتَفَدْتُمُوهُ مِنَ الْعَادَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَهُ. قَوْلُهُ: «وَالْعَدَالَةُ أَصْلِيَّةٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ بِخِلَافِ الْعِلْمِ» . هَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَدَالَةِ وَالْعِلْمِ: بِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُفْتِي إِنَّمَا لَمْ يَجِبِ السُّؤَالُ عَنْهَا، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ بِخِلَافِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ عَدَمَهُ أَصْلِيٌّ فِي كُلِّ أَحَدٍ، فَلِذَلِكَ أَوْجَبْنَا السُّؤَالَ عَنْ عِلْمِ الْمُفْتِي دُونَ عَدَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1965

الثَّانِيَةُ: يَكْفِي الْمُقَلِّدَ سُؤَالُ بَعْضَ مُجْتَهَدِي الْبَلَدِ، وَفِي وُجُوبِ تَخَيُّرِ الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ: النَّافِي: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَسْوِيغِ سُؤَالِ مُقَلِّدِيهِمُ الْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ لِأَنَّ الْفَضْلَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِخَاصَّةِ الْأَفْضَلِيَّةِ. الْمُثْبِتُ: الظَّنُّ الْحَاصِلُ مِنْ قَوْلِ الْأَفْضَلِ أَغْلَبُ، فَإِنْ سَأَلَهُمَا وَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ مُتَابَعَةُ الْأَفْضَلِ فِي دِينِهِ وَعِلْمِهِ كَالْمُجْتَهِدِ يَتَعَارَضُ عِنْدَهُ الدَّلِيلَانِ، أَوْ يَتَخَيَّرُ؟ فِيهِ خِلَافٌ، الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَيُعَرَفُ الْأَفْضَلُ بِالْإِخْبَارِ وَإِذْعَانِ الْمَفْضُولِ لَهُ وَتَقْدِيمِهِ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَمَارَاتِ الْمُفِيدَةِ لِلظَّنِّ، فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ اتَّبَعَ أَيَّهُمَا شَاءَ. وَقِيلَ: الْأَشَدُّ، إِذِ الْحَقُّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ، وَالْبَاطِلُ خَفِيفٌ وَبِيٌّ. وَقِيلَ الْأَخَفُّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، «لَا ضَرَرَ» ، «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ» . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَا لِتَعَارُضِهِمَا، وَيَرْجِعَ إِلَى غَيْرِهِمَا إِنْ وَجَدَ، وَإِلَّا فَإِلَى مَا قَبْلَ السَّمْعِ. ــ الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ: يَكْفِي الْمُقَلِّدَ سُؤَالُ بَعْضِ مُجْتَهَدِي الْبَلَدِ» يَعْنِي مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَلَا يَلْزَمُهُ سُؤَالُ جَمِيعِهِمْ. «وَفِي وُجُوبِ تَخَيُّرِ الْأَفْضَلِ» . أَيْ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَيَّرَ أَفْضَلَ الْمُجْتَهِدِينَ فَيَسْتَفْتِيَهِ؟ فِيهِ «قَوْلَانِ» : بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ «النَّافِي» ، أَيْ: احْتَجَّ النَّافِي لِوُجُوبِ تَخَيُّرِ الْأَفْضَلِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا:

стр. 1966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا «عَلَى تَسْوِيغِ سُؤَالِ مُقَلِّدِيهِمُ الْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ» ، أَيْ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يُقَلِّدَ فَاضِلَهُمْ وَمَفْضُولَهُمْ، وَذَلِكَ يَنْفِي وُجُوبَ تَخَيُّرِ الْأَفْضَلِ وَإِلَّا كَانَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ خَطَأً وَهُوَ بَاطِلٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: «أَنَّ الْفَضْلَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ» بَيْنَ الْفَاضِلِ وَالْأَفْضَلِ، فَلْيَكْفِ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ «وَلَا عِبْرَةَ بِخَاصَّةِ الْأَفْضَلِيَّةِ» . قُلْتُ: وَلِأَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي رُتْبَةِ الْفَضَائِلِ، فَمَا مِنْ فَاضِلٍ إِلَّا وَثَمَّ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يُوسُفَ: ٧٦] ، فَلَوِ اعْتُبِرَ الْأَفْضَلُ، لَانْسَدَّ بَابُ التَّقْلِيدِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إِذَا اعْتَبَرْنَا أَفْضَلَ الْمُجْتَهِدِينَ مُطْلَقًا، أَمَّا إِذَا قَيَّدْنَا ذَلِكَ بِمُجْتَهَدِي الْبَلَدِ، لَمْ يَلْزَمْ، لِأَنَّ الْفَاضِلَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ مُشَارٌ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ. قَوْلُهُ: «الْمُثْبِتُ» ، أَيْ: احْتَجَّ الْمُثْبِتُ لِوُجُوبِ تَخَيُّرِ الْأَفْضَلِ بِأَنَّ «الظَّنَّ الْحَاصِلَ مِنْ قَوْلِ الْأَفْضَلِ أَغْلَبُ» ، فَيَكُونُ وَاجِبًا، أَمَّا الْأُولَى، فَظَاهِرَةٌ، وَأُمَّا الثَّانِيَةُ، فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ لِتَعَذُّرِهِ، فَوَجَبَ الظَّنُّ الْأَقْرَبُ إِلَى الْعِلْمِ كَمَا سَبَقَ. قُلْتُ: الْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَانِ، وَالْأَوَّلُ أَيْسَرُ، وَالثَّانِي أَحْوَطُ. قَوْلُهُ: «فَإِنْ سَأَلَهُمَا وَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ» ، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: إِنْ سَأَلَ الْمُسْتَفْتِي مُجْتَهِدَيْنِ، فَأَكْثَرَ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ، «فَهَلْ يَلْزَمُهُ مُتَابَعَةُ

стр. 1967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَفْضَلِ» مِنْهُمْ «فِي دِينِهِ وَعِلْمِهِ» ، «أَوْ يَتَخَيَّرُ» فَيَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ؟ «فِيهِ خِلَافٌ» . وَجْهُ اللُّزُومِ: أَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَ عِنْدَ الْمُسْتَفْتِي قَوْلَانِ، وَأَحَدُهُمَا خَطَأٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِالرُّجْحَانِ لِذَاتِهِ، فَلَزِمَهُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِرُجْحَانِ أَحَدِ الْقَائِلِينَ، «كَالْمُجْتَهِدِ» إِذَا تَعَارَضَ عِنْدَهُ دَلِيلَانِ، اسْتَعْمَلَ التَّرْجِيحَ فِيهِمَا، فَأَخَذَ بِالْأَرْجَحِ مِنْهُمَا، إِذْ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ الْمُقَلِّدِ، كَقَوْلِ الشَّارِعِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ. وَجْهُ التَّخْيِيرِ: مَا سَبَقَ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى تَسْوِيغِ سُؤَالِ الْمُقَلِّدِ مَنْ شَاءَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يَعْلَمُ الْأَفْضَلَ بِالْحَقِيقَةِ، إِنَّمَا يَعْرِفُ ذَا الْفَضْلِ مِنَ النَّاسِ ذَوُوهُ، بَلِ الْعَامِّيِّ يَغْتَرُّ بِظَوَاهِرِ هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وَطَيْلَسَانٍ، فَرُبَّمَا اعْتَقَدَ الْمَفْضُولَ فَاضِلًا. قَوْلُهُ: «الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ» ، أَيْ: وُجُوبُ مُتَابَعَةِ الْأَفْضَلِ، لِأَنَّ الْعَامِّيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِمَعْرِفَةِ الْفَاضِلِ مِنَ الْمَفْضُولِ، لَكِنْ يُكَلَّفُ مِنْ ذَلِكَ وُسْعَهُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ، كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْأَدِلَّةِ، وَالْخَطَأُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ مُغْتَفَرٌ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَخْتَلِفِ الْجَوَابُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي، بَلْ إِذَا جَاءَ يَسْتَفْتِي ابْتِدَاءً. أَمَّا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، فَيَجِبُ تَخَيُّرُ الْأَفْضَلِ. وَلِذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، لَمْ يَتَّبِعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَيَتَّبِعُ الْأَعْمَى أُوثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ. قَوْلُهُ: «وَيُعْرَفُ الْأَفْضَلُ» ، إِلَى آخِرِهِ. لَمَّا رُجِّحَ وُجُوبُ تَخَيُّرِ الْأَفْضَلِ احْتَاجَ أَنْ يُبَيِّنَ طُرُقَ مَعْرِفَتِهِ، وَهِيَ: إِمَّا إِخْبَارُ الْعَدْلِ، لِأَنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ أَفْضَلِيَّتِهِ، وَهُوَ كَافٍ، أَوْ بِإِذْعَانِ «الْمَفْضُولِ لَهُ وَتَقْدِيمِهِ» عَلَى نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، كَالتِّلْمِيذِ مَعَ شَيْخِهِ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ

стр. 1968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِهَا عَادَةً، أَوْ بِأَمَارَاتٍ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُفِيدُ الْقَطْعَ، أَوِ الظَّنَّ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: «فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ» ، أَيْ: إِنِ اسْتَوَى الْمُجْتَهِدَانِ عِنْدَ الْمُسْتَفْتِي فِي الْفَضِيلَةِ، وَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يَتَّبِعُ «أَيَّهُمَا شَاءَ» مُخَيَّرًا لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ. الثَّانِي: يَأْخُذُ بِأَشَدِّ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ «الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ وَالْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيٌّ» ، كَمَا يُرْوَى فِي الْأَثَرِ. وَفِي الْحِكْمَةِ: إِذَا تَرَدَّدْتَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، فَاجْتَنِبْ أَقْرَبَهُمَا مِنْ هَوَاكَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَشَدَّهُمَا وَفِي لَفْظٍ: أَرْشَدَهُمَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لِلْحَدِيثِ أَنَّ الرُّشْدَ فِي الْأَخْذِ بِالْأَشَدِّ. الثَّالِثُ: يَأْخُذُ بِأَخَفِّ الْقَوْلَيْنِ لِعُمُومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّخْفِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ، كَقَوْلِهِ : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾

стр. 1969

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] ، وَقَوْلُهُ ﵊: لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، وَقَوْلَهُ ﵇: بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ. وَقَالَ شَيْخُنَا الْمُزَنِيُّ: مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِخِفَّةِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ. أَوْ كَمَا قَالَ. قُلْتُ: وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. قُلْتُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمَّارٍ فِيمَا حَكَيْنَا عَنْهُ مِنَ الْأَخْذِ بِأَشَدِّ الْأُمُورِ: أَنَّ عَمَّارًا كَانَ مُكَلَّفًا مُحْتَاطًا لِنَفْسِهِ وَدِينِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ مُشَرِّعًا مُوَسِّعًا عَلَى النَّاسِ، لِئَلَّا يُحْرَجُوا فَيَنْفِرُوا، كَمَا صَحَّ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ لِئَلَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ. وَقَالَ: يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَقَالَ لِبَعْضِ

стр. 1970

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَصْحَابِهِ فِي سِيَاقِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ: إِنَّ فِيكُمْ مُنْكِرِينَ مُنَفِّرِينَ. قَوْلُهُ: «وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَا» - يَعْنِي قَوْلَا الْمُجْتَهِدَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا يَسْقُطَانِ - لِتَعَارُضِهِمَا، وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِهِمَا، «وَيَرْجِعَ» الْمُقَلِّدُ «إِلَى غَيْرِهِمَا» مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ «إِنْ وَجَدَ» غَيْرُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا، رَجَعَ إِلَى «مَا قَبْلَ السَّمْعِ» ، وَفِيهِ الْأَقْوَالُ السَّابِقُ ذِكْرُهَا. تَنْبِيهٌ: إِذَا اخْتَلَفَ عَلَى الْمُقَلِّدِ جَوَابُ الْمُجْتَهِدَيْنِ، وَقُلْنَا: يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِمَا، فَذَلِكَ الْغَيْرُ إِنْ أَفْتَاهُ بِقَوْلٍ ثَالِثٍ غَيْرِ قَوْلَيْهِمَا، مِثْلَ أَنْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ طَاهِرٌ، وَأَفْتَاهُ الْآخَرُ أَنَّهُ طَهُورٌ، فَأَفْتَاهُ الثَّالِثُ بِأَنَّهُ نَجِسٌ ; رَجَعَ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُسْتَنَدُ الْعَمَلِ قَوْلَهُ. وَإِنْ أَفْتَاهُ بِأَحَدِ قَوْلَيِ الْأَوَّلَيْنِ بِكَمَالِهِ أَوْ بِجُزْئِهِ، بِأَنْ فَصَّلَ لَهُ مَا أَطْلَقَاهُ مِثْلَ أَنْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِأَنَّ الْخَمْرَ لَا تَطْهُرُ، وَإِنْ خُلِّلَتْ بِنَقْلِهَا عَنِ الشَّمْسِ إِلَى الظِّلِّ طَهُرَتْ، فَهَلْ تَكُونُ فُتْيَاهُ مُسْتَقِلَّةً بِاسْتِنَادِ عَمَلِ الْمُقَلِّدِ إِلَيْهَا، أَوْ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً لِمَا وَافَقَهَا مَنْ فُتْيَا الْمُجْتَهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ: أَصْلُهُمَا تَعَارُضُ التَّأْكِيدِ وَالتَّأْسِيسِ فِي الْأَدِلَّةِ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى، فَيَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الثَّانِي بِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِقَوْلِ أَحَدِ الْمُجْتَهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، لَكِنْ

стр. 1971

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ لِعَارِضِ التَّعَارُضِ، وَبِفُتْيَا الثَّالِثِ مُوَافِقًا لِأَحَدِهِمَا زَالَ التَّعَارُضُ، وَظَهَرَ رُجْحَانُ قَوْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعُمْدَةُ فِي الْعَمَلِ، وَقَوْلُ الْمُفْتِي الثَّالِثِ مُؤَكِّدًا لَهُ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا عَمِلَ بِفُتْيَاهُمَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا لَيْسَا أَهْلًا لَلْفُتْيَا، وَتَضَمَّنَ الْعَمَلُ بِالْفُتْيَا مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، فَإِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَلْفُتْيَا، فَإِنْ جَعَلْنَا عُمْدَةَ الْعَمَلِ فُتْيَا الثَّالِثِ اسْتَقَلَّ بِالضَّمَانِ كَمَا اسْتَقَلَّ قَوْلُهُ بِالْعَمَلِ، وَإِنْ جَعَلْنَا عُمْدَتَهُ فُتْيَا أَحَدِ الْأَوَّلَيْنِ وَفُتْيَا الثَّالِثِ مُرَجِّحَةً ; كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي سَبَبِ الْإِتْلَافِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَثْلَاثًا عَلَى الثَّالِثِ ثَلَاثَةٌ حَطًّا لِرُتْبَةِ الْمُرَجِّحِ عَنْ رُتْبَةِ الْأَصْلِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِ. وَضَبَطْنَا ذَلِكَ بِالثَّلَاثِ لِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهُ كَثِيرًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1972

الْقَوْلُ فِي تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ وَالتَّرْجِيحِ التَّرْتِيبُ: جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا فِي رُتْبَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِوَجْهٍ مَا، فَالْإِجْمَاعُ مُقَدَّمٌ عَلَى بَاقِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، لِقَطْعِيَّتِهِ وَعِصْمَتِهِ وَأَمْنِهِ مِنْ نَسْخٍ، أَوْ تَأْوِيلٍ، ثُمَّ الْكِتَابُ، وَيُسَاوِيهِ مُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ لِقَطْعِيَّتِهِمَا، ثُمَّ خَبَرُ الْوَاحِدِ، ثُمَّ الْقِيَاسُ، وَالتَّصَرُّفُ فِي الْأَدِلَّةِ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ، وَنَحْوُهُ سَبَقَ. وَالتَّرْجِيحُ: تَقْدِيمُ أَحَدِ طَرِيقَيِ الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِ بِقُوَّةٍ فِي الدِّلَالَةِ، وَرُجْحَانُ الدَّلِيلِ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ أَقْوَى، وَالرُّجْحَانُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَعْيَانِ الْجَوْهَرِيَّةِ، وَهُوَ فِي الْمَعَانِي مُسْتَعَارٌ. ــ " الْقَوْلُ فِي تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ وَالتَّرْجِيحِ " اعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ مَوْضُوعِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ وَضَرُورَاتِهِ، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي مَرَاتِبِ الْقُوَّةِ، فَيَحْتَاجُ الْمُجْتَهِدُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُقَدَّمُ مِنْهَا وَمَا يُؤَخَّرُ، لِئَلَّا يَأْخُذَ بِالْأَضْعَفِ مِنْهَا مَعَ وُجُودِ الْأَقْوَى، فَيَكُونَ كَالْمُتَيَمِّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ. وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْأَدِلَّةِ التَّعَارُضُ وَالتَّكَافُؤُ، فَتَصِيرُ بِذَلِكَ كَالْمَعْدُومَةِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِظْهَارِ بَعْضِهَا بِالتَّرْجِيحِ لِيَعْمَلَ بِهِ، وَإِلَّا تَعَطَّلَتِ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ. فَهَذَا الْبَابُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ تَوَقُّفَ الشَّيْءِ عَلَى جُزْئِهِ، أَوْ شَرْطِهِ. قَوْلُهُ: " التَّرْتِيبُ: جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا فِي رُتْبَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِوَجْهٍ مَا "، أَيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.

стр. 1973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا الْبَابُ مَعْقُودًا لِتَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ وَتَرْجِيحِهَا، وَجَبَ الْكَشْفُ عَنْ حَقِيقَةِ التَّرْتِيبِ وَالتَّرْجِيحِ مَا هِيَ، لِأَنَّهُمَا شَرْطَانِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَالْحُكْمِ عَلَيْهِمَا بِالشَّرْطِيَّةِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ تَصَوُّرِ مَاهِيَّتِهِمَا، إِذِ التَّصْدِيقُ أَبَدًا مَسْبُوقٌ بِالتَّصَوُّرِ. وَلَمَّا كَانَ التَّرْتِيبُ مَصْدَرَ رَتَّبَ يُرَتِّبُ تَرْتِيبًا ; عَرَّفْنَاهُ بِمَصْدَرٍ مِثْلِهِ وَهُوَ الْجَعْلُ. قَوْلُهُ: " جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا "، لِأَنَّ التَّرْتِيبَ قَدْ يَكُونُ فِي شَيْئَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَجَمَاعَةِ رِجَالٍ مُتَفَاوِتِينَ فِي الْأَقْدَارِ يَجْلِسُ كُلٌّ مِنْهُمْ حَيْثُ يَسْتَحِقُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْحَابِهِ. قَوْلُهُ: " فِي رُتْبَتِهِ "، أَيْ: فِي مَوْضِعِهِ أَوْ مَنْزِلَتِهِ " الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا "، أَيْ: يَسْتَحِقُّ جَعْلَهُ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لِأَنَّ أَسْبَابَ التَّرْتِيبِ وَالتَّفَاوُتِ فِي الْمَرَاتِبِ مُتَعَدِّدَةٌ، فَقَدْ يَسْتَحِقُّ الشَّيْءُ التَّقْدِيمَ مِنْ جِهَةِ قُوَّتِهِ أَوْ قُرْبِهِ أَوْ حُسْنِهِ أَوْ خَاصِّيَّةٍ فِيهِ. وَقَدْ يَسْتَحِقُّ الْإِنْسَانُ التَّقْدِيمَ تَارَةً لِشَجَاعَتِهِ، وَتَارَةً لِعِلْمِهِ، وَتَارَةً لِجَاهِهِ، وَتَارَةً لِدِينِهِ، وَتَارَةً لِجَمَالِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجِهَاتِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ تَرْتِيبَ الْأَقَارِبِ فِي نَفَقَاتِهِمْ وَفِطْرَتِهِمْ وَوِلَايَتِهِمْ فِي النِّكَاحِ وَإِرْثِهِمْ بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ وَالْقُوَّةِ عَلَى مَا فُصِّلَ فِي الْفِقْهِ. قَوْلُهُ: " فَالْإِجْمَاعُ مُقَدَّمٌ عَلَى بَاقِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ ". قَدْ سَبَقَ أَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَوْ لَمْ نَذْكُرْهُ، وَالْإِجْمَاعُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا جَمِيعًا لِوَجْهَيْنِ:

стр. 1974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ قَاطِعًا مَعْصُومًا مِنَ الْخَطَأِ بِشَهَادَةِ الْمَعْصُومِ لَهُ بِذَلِكَ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ، بِخِلَافِ بَاقِي الْأَدِلَّةِ. الثَّانِي: كَوْنُهُ آمِنًا مِنَ النَّسْخِ وَالتَّأْوِيلِ بِخِلَافِ بَاقِي الْأَدِلَّةِ، فَإِنَّ النَّسْخَ يَلْحَقُهَا وَالتَّأْوِيلَ يَتَّجِهُ عَلَيْهَا. وَقَدْ سَبَقَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يَلْحَقُ الْإِجْمَاعَ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ إِلَّا مَا كَانَتْ دِلَالَتُهُ ظَاهِرَةً وَالْإِجْمَاعُ قَاطِعٌ فَصَارَ فِي عَدَمِ لُحُوقِ التَّأْوِيلِ لَهُ كَالنُّصُوصِ فِي مَدْلُولِهَا لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ فِي مَسْأَلَةٍ أَنَّ الْمُبَاحَ غَيْرُ مَأْمُورٍ: أَنَّ الْكَعْبِيَّ تَأَوَّلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَا ذَكَرَ هُنَاكَ. قُلْنَا: حَيْثُ أُضِيفَ التَّأْوِيلُ إِلَى الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّمَا يَرِدُ عَلَى مَوْرِدِ الْإِجْمَاعِ لَا عَلَى ذَاتِ الْإِجْمَاعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: " ثُمَّ الْكِتَابُ، وَيُسَاوِيهِ مُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ لِقَطْعِيَّتِهِمَا " أَيْ: ثُمَّ الْكِتَابُ مُقَدَّمٌ فِي الدِّلَالَةِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ، وَيُسَاوِي الْكِتَابَ فِي ذَلِكَ مُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا قَاطِعَانِ مِنْ جِهَةِ الْمَتْنِ. وَلِذَلِكَ جَازَ نَسْخُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ. قَوْلُهُ: " ثُمَّ خَبَرُ الْوَاحِدِ ". يَعْنِي هُوَ مُقَدَّمٌ بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، " ثُمَّ الْقِيَاسُ بَعْدَ خَبَرِ الْوَاحِدِ. قَوْلُهُ: " وَالتَّصَرُّفُ فِي الْأَدِلَّةِ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ وَنَحْوِهِ " مِنْ حَمْلِ الْمُجْمَلِ عَلَى الْمُبَيَّنِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ " سَبَقَ " فِي أَبْوَابِهِ. وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَهُ وَظَائِفُ، وَهِيَ تَرْتِيبُ الْأَدِلَّةِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا، وَتَرْجِيحُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ عِنْدِ التَّعَارُضِ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ

стр. 1975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّصَرُّفِ فِيهَا. أَمَّا التَّرْتِيبُ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعُ، ثُمَّ الْكِتَابُ ثُمَّ مُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ، ثُمَّ خَبَرُ الْوَاحِدِ، ثُمَّ الْقِيَاسُ، ثُمَّ بَاقِي الْأَدِلَّةِ عَلَى مَرَاتِبِهَا فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ. وَأَمَّا التَّصَرُّفُ فِيهَا كَحَمْلِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَالْمُجْمَلِ عَلَى الْمُبَيَّنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; فَقَدْ ذُكِرَ فِي أَبْوَابِهِ، وَسُمِّيَ هَذَا تَصَرُّفًا، لِأَنَّ التَّصَرُّفَ هُوَ التَّنَقُّلُ فِي الْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْوَالِ، وَهَذَا تَنَقُّلٌ فِي أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ. وَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَنَحْنُ الْآنُ ذَاكِرُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: " وَالتَّرْجِيحُ: تَقْدِيمُ أَحَدِ طَرِيقَيِ الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِ بِقُوَّةٍ فِي الدِّلَالَةِ، وَرُجْحَانُ الدَّلِيلِ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ أَقْوَى ". اعْلَمْ أَنَّ التَّرْجِيحَ وَالرُّجْحَانَ قَدْ يَلْتَبِسَانِ. وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِتَمْيِيزِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْهُ بِرَسْمٍ. فَالتَّرْجِيحُ: فِعْلُ الْمُرَجِّحِ النَّاظِرِ فِي الدَّلِيلِ، وَهُوَ تَقْدِيمُ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ الصَّالِحَيْنِ لِلْإِفْضَاءِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ بِقُوَّةٍ فِي الدِّلَالَةِ، كَمَا إِذَا تَعَارَضَ الْكِتَابُ وَالْإِجْمَاعُ فِي حُكْمٍ، وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ، أَوْ قِيَاسُ الْعِلَّةِ وَالشَّبَهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَرِيقٌ يَصْلُحُ لِأَنْ يُعْرَفَ بِهِ الْحُكْمُ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ اخْتَصَّ بِقُوَّةٍ عَلَى الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ الدِّلَالَةُ. وَكَذَا الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ، وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ عَلَى الشَّبَهِ مُقَدَّمٌ لِذَلِكَ. وَالرُّجْحَانُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالدَّلِيلِ، أَوْ مُضَافَةٌ إِلَيْهِ، وَهِيَ كَوْنُ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ

стр. 1976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْهُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، كَالْمُسْتَفَادِ مِنْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ، وَمِنَ الْخَاصِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَامِّ، فَالتَّرْجِيحُ فِعْلُ الْمُرَجِّحِ، وَالرُّجْحَانُ صِفَةُ الدَّلِيلِ. وَيَظْهَرُ لَكَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا مِنْ جِهَةِ التَّصْرِيفِ اللَّفْظِيِّ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: رَجَّحْتُ الدَّلِيلَ تَرْجِيحًا، فَأَنَا مُرَجِّحٌ، وَالدَّلِيلُ مُرَجَّحٌ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - وَتَقُولُ: رَجَحَ الدَّلِيلُ رُجْحَانًا فَهُوَ رَاجِحٌ. أَلَا تَرَى أَنَّكَ أَسْنَدْتَ التَّرْجِيحَ إِلَى نَفْسِكَ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الْفَاعِلِ، وَأَسْنَدْتَ الرُّجْحَانَ إِلَى الدَّلِيلِ ; كَذَلِكَ كَانَ التَّرْجِيحُ وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ، وَالرُّجْحَانُ وَصْفَ الدَّلِيلِ. فَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ التَّصْرِيفِيَّةُ مُفِيدَةٌ فِي مَعْرِفَةِ رُسُومِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ. وَلَمَّا أَهْمَلَهَا أَوْ سَهَا عَنْهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ دِلَالَةِ اللَّفْظِ وَالدِّلَالَةِ بِاللَّفْظِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ دِلَالَةَ اللَّفْظِ صِفَةٌ لَهُ وَهِيَ كَوْنُهُ حَيْثُ يُفِيدُ مُرَادَ الْمُتَكَلَّمِ بِهِ، أَوْ إِفَادَتُهُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ، كَأَنْ يَقُولَ: عَجِبْتُ مِنْ دِلَالَةِ اللَّفْظِ، وَمِنْ: إِنْ دَلَّ اللَّفْظُ، فَإِذَا فَسَّرْتَهَا بِأَنْ وَالْفِعْلِ اللَّذَيْنِ يَنْحَلُّ إِلَيْهِمَا الْمَصْدَرُ، كَانَ الْفِعْلُ مُسْنَدًا إِلَى اللَّفْظِ إِسْنَادَ الْفَاعِلِيَّةِ، وَالدِّلَالَةُ بِاللَّفْظِ صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وَفِعْلِهِ، وَهِيَ إِفَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ اللَّفْظِ مَا أَرَادَ مِنْهُ، لِأَنَّكَ تَقُولُ: عَجِبْتُ مِنْ دِلَالَةِ فُلَانٍ بِلَفْظِهِ، وَمِنْ أَنْ دَلَّ فُلَانٌ بِلَفْظِهِ عَلَى كَذَا، فَيُسْنَدُ ذَلِكَ إِلَى فُلَانٍ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ لَا إِلَى اللَّفْظِ، فَافْهَمْ هَذَا. قَوْلُهُ: «وَالرُّجْحَانُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَعْيَانِ الْجَوْهَرِيَّةِ وَهُوَ فِي الْمَعَانِي مُسْتَعَارٌ» . يَعْنِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ الرُّجْحَانِ حَقِيقَةٌ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ، نَحْوَ:

стр. 1977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَا الدِّينَارُ أَوِ الدِّرْهَمُ رَاجِحٌ عَلَى هَذَا، لِأَنَّ الرُّجْحَانَ مِنْ آثَارِ الثِّقَلِ وَالِاعْتِمَادِ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْجَوَاهِرِ. أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعَانِي، نَحْوَ: هَذَا الدَّلِيلُ، أَوِ الْمَذْهَبُ رَاجِحٌ عَلَى هَذَا، وَهَذَا الرَّأْيُ أَرْجَحُ مِنْ ذَاكَ، فَهُوَ مَجَازٌ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعَارَةِ مِنْ رُجْحَانِ الْأَجْسَامِ.

стр. 1978

وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ إِنْكَارُ التَّرْجِيحِ فِي الْأَدِلَّةِ كَالْبَيِّنَاتِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إِذِ الْعَمَلُ بِالْأَرْجَحِ مُتَعَيِّنٌ. وَقَدْ عَمِلَ الصَّحَابَةُ بِالتَّرْجِيحِ، وَالْتِزَامُهُ فِي الْبَيِّنَاتِ مُتَّجِهٌ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ مَشُوبٌ بِالتَّعَبُّدِ، وَلِهَذَا لَوْ أَبْدَلَ لَفْظَ الشَّهَادَةِ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ لَمْ تُقْبَلْ، وَلَا تُقْبَلْ شَهَادَةُ جَمْعٍ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَثُرْنَ عَلَى بَاقَةِ بَقْلٍ بِدُونِ رَجُلٍ، بِخِلَافِ الْأَدِلَّةِ، وَمَوْرِدُ التَّرْجِيحِ إِنَّمَا هُوَ الْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَةِ، وَالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ، فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمَذَاهِبِ مِنْ غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِدَلِيلٍ، خِلَافًا لِعَبْدِ الْجَبَّارِ، وَلَا فِي الْقَطْعِيَّاتِ، إِذْ لَا غَايَةَ وَرَاءَ الْيَقِينِ، وَالْأَلْفَاظُ الْمَسْمُوعَةُ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا التَّرْجِيحُ إِذَا جَهِلَ التَّارِيخُ، أَوْ عُلِمَ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا فَالثَّانِي نَاسِخٌ إِذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ دَلِيلَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ، وَالتَّنَاقُضُ يُنَافِي الْحِكْمَةَ، فَأَحَدُ الْمُتَنَاقِضِينَ بَاطِلٌ، إِمَّا لِكَذِبِ النَّاقِلِ أَوْ خَطَئِهِ بِوَجْهٍ مَا فِي النَّقْلِيَّاتِ ; أَوْ خَطَأِ النَّاظِرِ فِي النَّظَرِيَّاتِ، أَوْ لِبُطْلَانِ حُكْمِهِ بِالنَّسْخِ، وَالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ وَالْأَقْيِسَةِ، وَنَحْوِهَا. ــ قَوْلُهُ: «وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ إِنْكَارُ التَّرْجِيحِ فِي الْأَدِلَّةِ كَالْبَيِّنَاتِ» ، أَيْ: قَالَ: لَا يُرَجَّحُ بَعْضُ الْأَدِلَّةِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا لَا يُرَجَّحُ بَعْضُ الْبَيِّنَاتِ. قَوْلُهُ: «وَلَيْسَ بِشَيْءٍ» . يَعْنِي قَوْلَ الْبَاقِلَّانِيِّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ «الْعَمَلِ بِالْأَرْجَحِ مُتَعَيِّنٌ» عَقْلًا وَشَرْعًا، «وَقَدْ عَمِلَ الصَّحَابَةُ بِالتَّرْجِيحِ» مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى اعْتِبَارِهِ حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ . . الْحَدِيثَ فَهَذَا تَقْدِيمٌ لِلْأَئِمَّةِ فِي الصَّلَاةِ

стр. 1979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالتَّرْجِيحِ. وَلَمَّا بَعَثَ بَعْضَ السَّرَايَا، اسْتَقْرَأَهُمْ الْقُرْآنَ، فَوَجَدَ فِيهِمْ رَجُلًا يَحْفَظُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُهَا غَيْرُهُ، فَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ تَرْجِيحًا لَهُ بِحِفْظِهَا. وَلَمَّا كَثُرَ الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ، أَمَرَ بِدَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا وَبِالْجُمْلَةِ فَالتَّرْجِيحُ دَأْبُ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ حَيْثُ احْتَاجَ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: «وَالْتِزَامُهُ» ، أَيْ: الْتِزَامُ التَّرْجِيحِ «فِي الْبَيِّنَاتِ مُتَّجِهٌ» ، لِأَنَّ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا اخْتَصَّتْ بِمَا يُفِيدُ زِيَادَةَ ظَنٍّ، صَارَتِ الْأُخْرَى كَالْمَعْدُومَةِ، إِذْ

стр. 1980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَرْجُوحُ مَعَ الرَّاجِحِ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ اسْتِعْمَالُ التَّرْجِيحِ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ الْعَامَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِقَوَاعِدِهِ الْكُلِّيَّةِ، فَاسْتِعْمَالُهُ فِي أَدِلَّتِهِ الْخَاصَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِفُرُوعِهِ الْجُزْئِيَّةِ أَوْلَى. لَا يُقَالُ: لَوِ اسْتَعْمَلْنَا الرُّجْحَانَ فِي الْبَيِّنَاتِ لَأَفْضَى إِلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ أَوْ إِبْطَالِهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُلَّمَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَمْكَنَ أَنْ يُؤْتَى بِأَرْجَحَ مِنْهَا، وَهُوَ خِلَافُ مَقْصُودِ الشَّرْعِ مِنْ نَصْبِ الْحُكَّامِ، وَهُوَ تَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ، وَفَصْلُ الْخِصَامِ. لِأَنَّا نَقُولُ: نَحْنُ إِذَا اسْتَعْمَلْنَا التَّرْجِيحَ فِي الْبَيِّنَاتِ فَإِنَّمَا نَسْتَعْمِلُهُ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ حُكْمٌ، فَإِذَا حُكِمَ بِهَا مَضَتْ شَهَادَتُهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ صِيَانَةً لِحُكْمِ الشَّرْعِ عَنِ النَّقْضِ ضَبْطًا لِلْأَحْكَامِ عَنِ الِاضْطِرَابِ، لَا احْتِرَامًا لِلْبَيِّنَةِ الْمَرْجُوحَةِ. وَهَذَا كَمَا قُلْنَا: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ، يُعْمَلُ بِاجْتِهَادِ الثَّانِي فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، وَلَا يُنْقَضُ مَا حُكِمَ بِهِ أَوَلًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مَرْجُوحًا، فَنِسْبَةُ الِاجْتِهَادِ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ فِي الرُّجْحَانِ كَنِسْبَةِ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْأُولَى فِيهِ، وَاتِّصَالُ الْحُكْمِ بِالْمَرْجُوحِ عَاصِمٌ لَهُ مِنَ النَّقْضِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي تَرْجِيحِ أَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَالشَّاهِدَيْنِ عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا» ، أَيْ: بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْبَيِّنَاتِ، هُوَ «أَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ مَشُوبٌ بِالتَّعَبُّدِ» بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّاهِدَ «لَوْ أَبْدَلَ لَفَظَ الشَّهَادَةِ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ» أَوِ الْعِلْمِ فَقَالَ: أَخْبَرَ أَوْ أَعْلَمَ مَكَانَ: أَشْهَدَ ; «لَمْ تُقْبَلْ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ جَمْعٍ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَثُرْنَ» وَبَلَغْنَ أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً «عَلَى» يَسِيرٍ مِنَ الْمَالِ وَلَوْ «بَاقَةُ بَقْلٍ» حَتَّى

стр. 1981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَكُونَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، مَعَ أَنَّ شَهَادَةَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنَ النِّسَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ الْعِلْمُ التَّوَاتُرِيُّ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِثُبُوتِ التَّعَبُّدِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ التَّرْجِيحِ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ «بِخِلَافِ الْأَدِلَّةِ» ، إِذْ لَا تَعَبُّدَ فِيهَا، وَالتَّرْجِيحُ أَمْرٌ مُفِيدٌ مَعْقُولٌ، فَلَا مَانِعَ لَهُ مِنْ لُحُوقِهَا، وَالْمُقْتَضِي مَوْجُودٌ وَهُوَ وُجُوبُ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ بِمَا يُمْكِنُ مِنَ الظَّنِّ أَوِ الْعِلْمِ. فَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ بِوَجْهَيْنِ ; الْتِزَامُ الْحُكْمِ بِالتَّرْجِيحِ فِي الْبَيِّنَاتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، وَأَحْسَبُ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ قَالَ بِهِ الْبَاقِلَّانِيُّ، ثُمَّ تَرَكَهُ، إِذْ لَا يُظَنُّ بِمِثْلِهِ الْإِصْرَارُ عَلَى مَثَلِ هَذَا الْقَوْلِ مَعَ ظُهُورِ ضَعْفِهِ. تَنْبِيهٌ: لَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ يَقِينًا خِلَافَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِمَا عَلِمَهُ، وَيَصِيرَ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ مُنْكَرٍ اخْتَصَّ بِعِلْمِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهِ، بَلْ هَذَا هُوَ عَيْنُ ذَاكَ وَصُورَةٌ مِنْ صُوَرِهِ. قَوْلُهُ: «وَمَوْرِدُ التَّرْجِيحِ» - أَيِ: الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ - «إِنَّمَا هُوَ الْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَةِ» كَنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَظَوَاهِرِهَا «وَالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ» كَأَنْوَاعِ الْأَقْيِسَةِ وَالتَّنْبِيهَاتِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنَ النُّصُوصِ، أَمَّا الْقَوَاطِعُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ فِيهَا، إِذْ أَحَدُ الْقَاطِعَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ يَكُونُ كَذِبًا قَطْعًا. قَوْلُهُ: «فَلَا مَدْخَلَ لَهُ» ، أَيْ: حَيْثُ اخْتَصَّ التَّرْجِيحُ بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، «فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمَذَاهِبِ مِنْ غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِدَلِيلٍ خِلَافًا لِعَبْدِ الْجَبَّارِ» .

стр. 1982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ فِي «الرَّوْضَةِ» ، وَإِنَّمَا نَقَلْتُهَا وَالَّتِي قَبْلَهَا فِيمَا أَظُنُّ مِنْ جَدَلِ ابْنِ الْمَنِّيِّ الْمُسَمَّى «جَنَّةُ النَّاظِرِ وَجُنَّةُ الْمَنَاظِرِ» . وَقَوْلُهُ: «مِنْ غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِدَلِيلٍ» أَحْسَبُ أَنِّي أَنَا زِدْتُهُ قَيْدًا فِي الْمَسْأَلَةِ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْجَبَّارِ يَقُولُ: إِنَّ التَّرْجِيحَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ بِحَيْثُ يُقَالُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا أَرْجَحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ. حُجَّةُ عَبْدِ الْجَبَّارِ: أَنَّ الْمَذَاهِبَ آرَاءٌ وَاعْتِقَادَاتٌ مُسْنَدَةٌ إِلَى الْأَدِلَّةِ وَالْأَمَارَاتِ، وَهِيَ تَتَفَاوَتُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَجَازَ دُخُولُ التَّرْجِيحِ فِيهَا، كَالْأَدِلَّةِ. حُجَّةُ الْمَانِعِينَ تَتَّجِهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَذَاهِبَ لِتَوَافُرِ انْهِرَاعِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَتَعْوِيلِهِمْ عَلَيْهَا صَارَتْ كَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَا تَرْجِيحَ فِي الشَّرَائِعِ. قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ انْهِرَاعَ النَّاسِ إِلَيْهَا لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا ظَنِّيَّةً تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تُشْبِهُ الشَّرَائِعَ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّرَائِعَ لَا تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ بِاعْتِبَارِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَحَاسِنِ، وَإِنْ كَانَ طَرِيقُ جَمِيعِهَا قَاطِعًا. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ كَانَ لِلتَّرْجِيحِ مَدْخَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ لَاضْطَرَبَتِ النَّاسُ وَلَمْ يَسْتَقِرْ أَحَدٌ عَلَى مَذْهَبٍ، إِذْ كَانَ كُلَّمَا ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُ مَذْهَبٍ دَخَلَ فِيهِ وَتَرَكَ مَذْهَبَهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّرْجِيحِ فِيهِ مَدْخَلٌ كَمَا سَبَقَ فِي تَرْجِيحِ الْبَيِّنَاتِ.

стр. 1983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ، وَاللَّازِمُ مِنْهُ مُلْتَزِمٌ، وَكُلُّ مَنْ ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُ مَذْهَبٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْأَخْذُ بِأَرْجَحِ الدَّلِيلَيْنِ. وَقَدْ بَيَّنَّا اتِّجَاهَ الرُّجْحَانِ فِي الْبَيِّنَاتِ وَالْتِزَامَهُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ لَيْسَ مُتَمَحِضًا فِي الْخَطَأِ وَلَا فِي الصَّوَابِ، بَلْ هُوَ مُصِيبٌ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، مُخْطِئٌ فِي بَعْضِهَا. وَعَلَى هَذَا، فَالْمَذْهَبَانِ لَا يَقْبَلَانِ التَّرْجِيحَ لِإِفْضَاءِ ذَلِكَ إِلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، أَوْ بَيْنَ خَطَأَيْنِ وَصَوَابَيْنِ، وَالْخَطَأُ لَا مَدْخَلَ لِلتَّرْجِيحِ فِيهِ اتِّفَاقًا. قُلْتُ: وَهَذَا الْوَجْهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ وَهُوَ أَنَّ مَنْ نَفَى التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ: لَا يَصِحُّ تَرْجِيحَ مَجْمُوعِ مَذْهَبٍ عَلَى مَجْمُوعِ مَذْهَبٍ آخَرَ لِمَا ذَكَرَ، وَمَنْ أَثْبَتَ التَّرْجِيحَ بَيْنَهُمَا، أَثْبَتَهُ بِاعْتِبَارِ مَسَائِلِهَا الْجُزْئِيَّةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، إِذْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْحَدَثِ طَهُورٌ أَرْجَحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْفَجْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهَا أَرْجَحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي إِجْزَاءِ الْبَعِيرِ عَنْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَنَحْوُهَا مِنَ الْمَسَائِلِ أَرْجَحُ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي طَهَارَةِ الْأَعْيَانِ بِالِاسْتِحَالَةِ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ الْقَابِلَةِ لِلرُّجْحَانِ وَالْمَرْجُوحِيَّةِ. وَحِينَئِذٍ يَعُودُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا، إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِنَا: يَجُوزُ التَّرْجِيحُ فِي الْمَذَاهِبِ، وَلَا يَجُوزُ، لِاخْتِلَافِ مَوْضُوعِ الْحُكْمِ بِالْكُلِّ وَالْجُزْءِ، كَمَا يُقَالُ: الزِّنْجِيُّ أَسْوَدُ، الزِّنْجِيُّ لَيْسَ بِأَسْوَدَ حَيْثُ أَثْبَتْنَا السَّوَادَ لِجِلْدِهِ، وَنَفَيْنَاهُ عَنْ أَسْنَانِهِ.

стр. 1984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ بِمَا ذَكَرْتُهُ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَكَانَ النِّزَاعُ مَعْنَوِيًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُهُ النِّزَاعَ فِي التَّصْوِيبِ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ امْتَنَعَ التَّرْجِيحُ فِي الْمَذَاهِبِ عِنْدَهُ، إِذْ مَاهِيَّةُ الصَّوَابِ أَوِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ لَا تَرْجِيحَ فِيهِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنْ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا اتَّجَهَ التَّرْجِيحُ عِنْدَهُ فِي الْمَذَاهِبِ لِتَتَمَيَّزَ بِالنَّظَرِ الْحُجَّةُ مِنَ الشُّبْهَةِ، وَالرَّاجِحُ مِنَ الْمَرْجُوحِ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْخَطَأِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ هَهُنَا مَبْنِيًا عَلَى تَعَادُلِ الْأَمَارَاتِ، فَمَنْ يَمْنَعْهُ يَمْنَعِ التَّرْجِيحَ فِي الْمَذَاهِبِ، لِأَنَّ الرُّجْحَانَ فِيهَا بَيِّنٌ مِنْ تَفَاوُتِ أَمَارَاتِهَا، وَمَنْ يُجِيزُهُ يُجِيزُ التَّرْجِيحَ فِي الْمَذَاهِبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، إِذْ مَعَ تَعَادُلِ الْأَمَارَاتِ يَشْتَبِهُ الصَّوَابُ بِالْخَطَأِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْأَمَارَتَيْنِ لِتَمْيِيزِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، وَاحْتِمَالُ التَّعَادُلِ قَائِمٌ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ. وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ: أَنَّ لِلتَّرْجِيحِ مَدْخَلًا فِي الْمَذَاهِبِ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالِ، فَبِأَنْ نَقُولَ: مَذْهَبُ فُلَانٍ أَرْجَحُ مِنْ مَذْهَبِ فُلَانٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ يَصِحُّ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَلْيَصِحَّ مُطْلَقًا: أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْجَحُ الْمَذَاهِبِ مِنْ جِهَةِ صِحَّةِ مَقَايِيسِهِ، وَاعْتِبَارِهِ الْمُنَاسَبَاتِ الْمُؤَثِّرَةَ، وَمَذْهَبُ الْبَاقِينَ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ اعْتِمَادِهِمْ عَلَى السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَمَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ

стр. 1985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَسْلَمُ لِجُمُودِهِ عَلَى الْأَثَرِ، وَمَذْهَبُ الْقَيَّاسِينَ مَرْجُوحٌ لِمُخَاطَرَتِهِمْ بِالتَّصَرُّفِ بِالرَّأْيِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فَاسِدًا. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّ التَّرْجِيحَ مُطْلَقًا مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَمَا جَازَ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْجُمْلَةِ جَازَ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ، فَلَمَّا جَازَ رُجْحَانُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، جَازَ رُجْحَانُهُ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَالْكَلَامُ فِي الْجَوَازِ لَا فِي الْوُقُوعِ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلِ، فَبِأَنْ نَقُولَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَوْ هَذَا الْحُكْمُ فِي مَذْهَبِ فُلَانٍ أَرْجَحُ مِنْهَا - أَوْ مِنْهُ - فِي مَذْهَبِ فُلَانٍ، لِأَنَّ هَذَا - أَعْنِي التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا - لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا. وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ. ثُمَّ إِنَّ التَّرْجِيحَ فِي الْمَذَاهِبِ وَاقِعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْجَوَازِ قَطْعًا، وَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدِ اقْتَسَمُوا الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ وَغَيْرَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، كَمَذْهَبِ سُفْيَانَ، وَدَاوُدَ، وَغَيْرِهِمَا. فَكُلُّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ بِمَذْهَبٍ تَعَبَّدَ بِهِ، وَاتَّخَذَهُ دِينًا، حَتَّى غَلَبَ مَذْهَبُ مَالِكٍ عَلَى أَهْلِ الْمَغْرِبِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى غَالِبِ الْبِلَادِ بَيْنَهُمَا، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ عَلَى أَهْلِ جِيلَانَ، فَكُلُّ مَنِ الْتَزَمَ مَذْهَبًا، فَإِنَّمَا هُوَ لِرُجْحَانِهِ عِنْدَهُ بِتَرْجِيحِهِ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنِ الْتَزَمَ أَيَّ مَذْهَبٍ شَاءَ بِذَلِكَ التَّرْجِيحِ، فَكَانَ التَّرْجِيحُ فِي الْمَذَاهِبِ ثَابِتًا بِالْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ: «وَلَا فِي الْقَطْعِيَّاتِ» ، أَيْ: وَلَا مَدْخَلَ لِلتَّرْجِيحِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ، «إِذْ لَا غَايَةَ وَرَاءَ الْيَقِينِ» .

стр. 1986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَعْنِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ التَّرْجِيحِ تَزَايُدُ الظَّنَّ بِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ. وَفِي الْقَطْعِيَّاتِ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ مَعْلُومًا يَقِينًا، وَلَا غَايَةَ وَرَاءَ الْيَقِينِ تُطْلَبُ، فَيَسْتَحِيلُ التَّرْجِيحُ لِعَدَمِ الْقَابِلِ لَهُ. وَهَذَا كَمَنْ يَمْشِي عَلَى جَبَلٍ، أَوْ سَطْحٍ، فَلَا يَزَالُ الْمَشْيُ مُمْكِنًا مِنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَافَّتِهِ، فَيَسْتَحِيلُ مِنْهُ لِانْتِهَاءِ غَايَةِ الْمَشْيِ، فَلَوْ زَادَ بَعْدَ انْتِهَائِهِ إِلَى الطَّرَفِ خُطْوَةً، لَصَارَ مَشْيُهُ فِي الْهَوَاءِ، وَهُوَ مُحَالٌ، بَلْ يَقَعُ الْمَاشِي فَيَهْلِكُ، أَوْ يَتَأَذَّى. قَوْلُهُ: «وَالْأَلْفَاظُ الْمَسْمُوعَةُ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا التَّرْجِيحُ إِذَا جُهِلَ التَّارِيخُ، أَوْ عُلِمَ، وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا فَالثَّانِي نَاسِخٌ» . اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَوْرِدَ التَّرْجِيحِ هُوَ الْأَلْفَاظُ الْمَسْمُوعَةُ وَالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةُ، شَرَعَ الْآنَ يُبَيِّنُ مَا هِيَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَعَارُضِهَا وَالْجَمْعِ بَيْنَهَا، فَالْأَلْفَاظُ الْمَسْمُوعَةُ هِيَ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالِاسْتِقْرَاءِ، فَإِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، فَإِمَّا،أَنْ يُجْهَلَ تَارِيخُهُمَا، أَوْ يُعْلَمُ، فَإِنْ جُهِلَ، قَدَّمْنَا الْأَرْجَحَ مِنْهُمَا بِبَعْضِ وُجُودِ التَّرْجِيحِ، وَإِنْ عُلِمَ تَارِيخُهُمَا، فَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْجَمْعِ، أَوْ لَا، فَإِنْ أَمْكَنَ، جُمِعَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ يَصِحُّ الْجَمْعُ، إِذِ الْوَاجِبُ اعْتِبَارُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ جَمِيعِهَا مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَالثَّانِي نَاسِخٌ إِنْ صَحَّ سَنَدُهُمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا كَذِبٌ إِنْ لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ، «إِذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ دَلِيلَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ، وَالتَّنَاقُضُ يُنَافِي الْحِكْمَةَ، فَأَحَدُ الْمُتَنَاقِضَيْنِ» يَكُونُ بَاطِلًا، إِمَّا لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا، أَوْ لِكَذِبِ نَاقِلِهِ، أَوْ لِخَطَئِهِ «بِوَجْهٍ

стр. 1987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَا» مِنْ وُجُوهِ تَصْحِيفٍ أَوْ وَهُمٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ «فِي النَّقْلِيَّاتِ» ، أَوْ لِخَطَأِ «النَّاظِرِ فِي النَّظَرِيَّاتِ» كَالْإِخْلَالِ بِشَكْلِ الْقِيَاسِ أَوْ شَرْطِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. هَذَا عَلَى تَرْتِيبِ «الْمُخْتَصَرِ» فِي تَقْسِيمِهِ، وَفِيهِ تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: «فَيَدْخُلُهَا التَّرْجِيحُ إِذَا جُهِلَ التَّارِيخُ، أَوْ عُلِمَ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ» ، فَإِنَّ هَذَا مُوهِمٌ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّرْجِيحَ يَدْخُلُهَا فِي الْحَالَيْنِ، أَيْ: فِيمَا إِذَا جُهِلَ التَّارِيخُ وَفِيمَا إِذَا عُلِمَ، وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ. وَلَسْتُ أَدْرِي الْآنَ مَا أَرَدْتُ وَقْتَ الِاخْتِصَارِ، وَالَّذِي يَتَّجِهُ الْآنَ مِنْهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ أَنَّ النَّصَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا، وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ، جَمَعْنَا بَيْنَهُمَا. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: «فِي الْجُمْلَةِ» . يَعْنِي وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالتَّنْزِيلِ عَلَى زَمَانَيْنِ أَوْ حَالَيْنِ، وَالْأَحْوَالُ كَثِيرَةٌ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قَوِيًّا ظَاهِرًا، أَوْ ضَعِيفًا خَفِيًّا، لِأَنَّ حَمْلَ النَّصِّ عَلَى مَعْنًى خَفِيٍ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِهِ بِكُلِّ حَالٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّصَّانِ، إِمَّا أَنْ لَا يَصِحَّ سَنَدُهُمَا. فَلَا اعْتِبَارَ بِهِمَا، أَوْ يَصِحَّ سَنَدُ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْآخَرِ، فَلَا تَعَارُضَ، أَوْ يَصِحَّ سَنَدُهُمَا، فَإِمَّا أَنْ لَا يَتَعَارَضَا، فَلَا إِشْكَالَ، أَوْ يَتَعَارَضَا، فَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ لَا ; فَإِنْ أَمْكَنَ تَعَيَّنَ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَارِيخُهُمَا، فَالثَّانِي نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، أَوْ لَا يُعْلَمَ، فَيُرَجَّحُ بَيْنَهُمَا بِبَعْضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا كَانَ أَحَدُهُمَا مَنْسُوخًا أَوْ كَذِبًا. فَهَذِهِ الْقِسْمَةُ أَضْبَطُ وَأَوْلَى مِنْ قِسْمَةِ «الْمُخْتَصَرِ» ، فَلْتَكُنِ الْعُمْدَةُ عَلَيْهَا. وَقَدْ يَخْتَلِفُ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي النُّصُوصِ إِذَا تَعَارَضَتْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْلُكُ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْلُكُ طَرِيقَ الْجَمْعِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ

стр. 1988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بْنُ رُشْدٍ فِي «قَوَاعِدِهِ» كَثِيرًا مِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ تَقْدِيمُ الْجَمْعِ عَلَى التَّرْجِيحِ مَا أَمْكَنَ، إِلَّا أَنْ يُفْضِيَ الْجَمْعُ إِلَى تَكَلُّفٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَرَاءَةُ الشَّرْعِ مِنْهُ، وَيَبْعُدُ أَنَّهُ قَصَدَهُ، فَيَتَعَيَّنُ التَّرْجِيحُ ابْتِدَاءً. قَوْلُهُ: «وَالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ وَالْأَقْيِسَةِ وَنَحْوِهَا» مِنَ التَّنْبِيهَاتِ وَاسْتِصْحَابِ الْأَحْوَالِ، كَمَا إِذَا تَعَارَضَ أَصْلَانِ، فَرَجَّحْنَا أَحَدَهُمَا، كَمَنْ قَدَّ مَلْفُوفًا نِصْفَيْنِ، وَادَّعَى وَلِيُّهُ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا، فَالْأَصْلُ حَيَاتُهُ وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْجَانِي، فَلِلْمُجْتَهِدِ تَرْجِيحُ مَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى تَرْجِيحِهِ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 1989

فَ التَّرْجِيحُ اللَّفْظِيُّ إِمَّا مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ، أَوِ الْمَتْنِ، أَوِ الْقَرِينَةِ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَيُقَدَّمُ التَّوَاتُرُ عَلَى الْآحَادِ لِقَطْعِيَّتِهِ ; وَالْأَكْثَرُ رُوَاةً عَلَى الْأَقَلِّ، وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ كَالشَّهَادَةِ، وَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ، وَالْمُسْنَدُ عَلَى الْمُرْسَلِ، إِلَّا مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ، فَالْأَمْرُ أَسْهَلُ فِيهَا لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ. كَمَا سَبَقَ. وَالْمَرْفُوعُ عَلَى الْمَوْقُوفِ، وَالْمُتَّصِلُ عَلَى الْمُنْقَطِعِ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَرِوَايَةُ الْمُتْقِنِ وَالْأَتْقَنِ وَالضَّابِطِ وَالْأَضْبَطِ وَالْعَالِمِ وَالْأَعْلَمِ وَالْوَرِعِ وَالْأَوْرَعِ، وَالتَّقِيِّ وَالْأَتْقَى عَلَى غَيْرِهِمْ، وَصَاحِبِ الْقِصَّةِ وَالْمُلَابِسِ لَهَا عَلَى غَيْرِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِمَزِيدِ عِلْمٍ، وَالرِّوَايَةُ الْمُتَّسِقَةُ الْمُنْتَظِمَةُ عَلَى الْمُضْطَرِبَةِ، وَالْمُتَأَخِّرَةُ عَلَى الْمُتَقَدِّمَةِ ; وَرِوَايَةُ مُتَقَدِّمِ الْإِسْلَامِ وَمُتَأَخِّرِهِ سِيَّانِ ; وَفِي تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى غَيْرِهَا رِوَايَتَانِ، فَإِنْ رَجَحَتْ رَجَحَتْ رِوَايَةُ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ، لِاخْتِصَاصِهِمْ بِمَزِيدِ خِبْرَةٍ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْزِلَتِهِمْ وَمَكَانِهِمْ مِنْهُ. ــ قَوْلُهُ: «فَالتَّرْجِيحُ اللَّفْظِيُّ» ، أَيْ: التَّرْجِيحُ الْوَاقِعُ فِي الْأَلْفَاظِ، إِمَّا مِنْ جِهَةِ مَتْنِهَا، أَوْ سَنَدِهَا، أَوْ قَرَائِنِهَا الْمُحْتَفَّةِ بِهَا. «أَمَّا الْأَوَّلُ» : يَعْنِي التَّرْجِيحَ مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ ، «فَيُقَدَّمُ التَّوَاتُرُ عَلَى الْآحَادِ لِقَطْعِيَّتِهِ» ، أَيْ: لِأَنَّ التَّوَاتُرَ قَاطِعٌ، وَالْآحَادُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ، وَالْقَاطِعُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ بِالضَّرُورَةِ، كَالْإِجْمَاعِ عَلَى بَاقِي الْأَدِلَّةِ. قَوْلُهُ: «وَالْأَكْثَرُ» أَيْ: وَيُقَدَّمُ الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ «رُوَاةً عَلَى» الَّذِي هُوَ

стр. 1990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَقَلُّ رُوَاةً، «وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ» أَيْ: قَالُوا: لَا يُقَدَّمُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ، «كَالشَّهَادَةِ» لَا يُقَدَّمُ فِيهَا الْأَكْثَرُ عَدَدًا عَلَى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: «وَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ» . يَعْنِي عِنْدَ مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ إِنْكَارِ تَرْجِيحِ الْأَدِلَّةِ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ. وَتَقْرِيرُهُ هَهُنَا أَنَّ كَثْرَةَ الْعَدَدِ يُفِيدُ قُوَّةَ الظَّنِّ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْعِلْمِ، بِتَزَايُدِهِ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، وَزِيَادَةُ الظَّنِّ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا، إِذْ مَا دُونَهَا مَغْمُورٌ بِهَا، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ مَعَهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَكْثَرُهُمْ فِيمَا أَحْسَبُ عَلَى خِلَافِهِ، لِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الْكَرْخِيُّ يَحْكِي التَّرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَقِيلَ: هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. قَوْلُهُ: «وَالْمُسْنَدُ» ، أَيْ: وَيُقَدَّمُ «الْمُسْنَدُ عَلَى الْمُرْسَلِ» ، لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِضَعْفٍ لَحِقَهُ تَبَيَّنَ فِيمَا سَبَقَ، فَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ الْمُتَّفَقِ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً أَوْلَى، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مَعَ كُلِّ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ، فَتَقْدِيمُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ. وَرَجَّحَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ، وَمَشَايِخُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْمُسْنَدِ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا عَبْدُ الْجَبَّارِ. قَوْلُهُ: «إِلَّا مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ فَالْأَمْرُ أَسْهَلُ فِيهَا لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ كَمَا سَبَقَ» ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْمُسْنَدِ، أَوْ يُعَارِضَهُ، وَيُنْتَظَرُ الْمُرَجِّحُ. قُلْتُ: وَهَذَا عَلَى مَا فِيهِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ. أَمَّا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ ; فَإِذَا تَعَارَضَ الْمُسْنَدُ وَالْمُرْسَلُ بِأَنْ قَالَ الصَّحَابِيُّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذَا، فَقَالَ صَحَابِيٌّ آخَرُ: حَدَّثْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا ;

стр. 1991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَانَ الْمُسْنَدُ مُتَعَيَّنَ التَّقْدِيمِ، كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِيمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ حَدِيثِ غَيْرِهِ فِي رِبَا النَّسِيئَةِ. وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «وَالْمَرْفُوعُ» ، أَيْ: وَيُقَدَّمُ الْمَرْفُوعُ وَهُوَ الْمَحْكِيُّ بِالسَّنَدِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «عَلَى الْمَوْقُوفِ» الَّذِي لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الصَّحَابِيَّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رَفْعِهِ، وَثُبُوتُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ ﵊ دُونَ غَيْرِهِ. «وَالْمُتَّصِلُ» يُقَدَّمُ «عَلَى الْمُنْقَطِعِ» ، لِأَنَّ الِاتِّصَالَ صِفَةُ كَمَالٍ فِي الْحَدِيثِ تُوجِبُ زِيَادَةَ ظَنٍّ، وَالِانْقِطَاعَ صِفَةُ نَقْصٍ وَعِلَّةٌ تُوجِبُ نَقْصَ الظَّنِّ، وَلِأَنَّ الْمُنْقَطِعَ نَوْعٌ مِنَ الْمُرْسَلِ كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَالْأَخْذُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ. قَوْلُهُ: «وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ» أَيْ: يُقَدَّمُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُودِهَا فِيهِ، فَيُقَدَّمُ الْمُتَّفَقُ عَلَى إِسْنَادِهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِي إِسْنَادِهِ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَى رَفْعِهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِي رَفْعِهِ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَى اتِّصَالِهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِي اتِّصَالِهِ، لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى الشَّيْءِ يُوجِبُ لَهُ قُوَّةً، وَيَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ وَتَمَكُّنُهُ فِي بَابِهِ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ يُوجِبُ لَهُ ضَعْفًا، وَيَدُلُّ عَلَى تَزَلْزُلِهِ فِي بَابِهِ مَا لَمْ يَقُمِ الْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ عَلَى ثُبُوتِهِ، فَيَكُونَ الْمُخَالِفُ حِينَئِذٍ مُعَانِدًا، كَالْيَهُودِ فِي نُبُوَّةِ عِيسَى، وَهُمْ وَالنَّصَارَى فِي رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.

стр. 1992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَرِوَايَةُ الْمُتْقِنِ وَالْأَتْقَنِ، وَالضَّابِطِ وَالْأَضْبَطِ، وَالْعَالِمِ وَالْأَعْلَمِ، وَالْوَرِعِ وَالْأَوْرَعِ، وَالتَّقِيِّ وَالْأَتْقَى عَلَى غَيْرِهِمْ» . اعْلَمْ أَنَّ هَذَا وَاضِحٌ، لَكِنْ نَزِيدُهُ إِيضَاحًا، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَخْصَيْنِ اشْتَرَكَا فِي صِفَةٍ، أَوْ فِعْلٍ، وَتَفَاوَتَا فِيهِمَا بِالْكَمِّيَّةِ، أَوِ الْكَيْفِيَّةِ، كَانَا جَمِيعًا مُشْتَرِكَيْنِ فِي اشْتِقَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ لَهُمَا مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، أَوْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَاخْتَصَّ الزَّائِدُ مِنْهُمَا بِاشْتِقَاقِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ لَهُ مِنْهُمَا، فَيُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِكَيْنِ فِي الْإِتْقَانِ: مُتْقِنٌ، وَلِلزَّائِدِ فِيهِ: أَتْقَنُ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصِّفَاتِ. فَنَقُولُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ: تُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْمُتْقِنِ عَلَى غَيْرِ الْمُتْقِنِ، وَرِوَايَةُ الْأَتْقَنِ عَلَى غَيْرِ الْأَتْقَنِ ; وَإِنْ كَانَ مُتْقِنًا، لِأَنَّ نِسْبَةَ الْمُتْقِنِ إِلَى الْأَتْقَنِ كَنِسْبَةِ الْفَاضِلِ إِلَى الْأَفْضَلِ، وَهُوَ مُتَرَجِّحٌ كَمَا سَبَقَ. وَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الضَّابِطِ عَلَى غَيْرِ الضَّابِطِ، وَرِوَايَةُ الْأَضْبَطِ عَلَى غَيْرِ الْأَضْبَطِ، وَرِوَايَةُ الْعَالِمِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِ الْعَالِمِ ; كَرِوَايَةِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ مِثْلَ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُبَيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَنَحْوِهِمْ، عَلَى مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِالْفِقْهِ وَالْعِلْمِ مِنْهُمْ ﵃، وَهُوَ كَثِيرٌ. وَكَذَلِكَ تُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَئِمَّةِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ مَشْهُورًا بِالْفِقْهِ مِنْهُمْ. وَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْأَعْلَمِ عَلَى غَيْرِ الْأَعْلَمِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا كَرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ أَعْلَمُ بِلَا شَكٍّ. وَلِهَذَا وَهِمَ أَبُو

стр. 1993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُوسَى فِي غَيْرِ قَضِيَّةٍ، وَيُصِيبُ فِيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَيَقُولُ أَبُو مُوسَى: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ. وَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْوَرِعِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِ الْوَرِعِ، وَرِوَايَةُ الْأَوْرَعِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِ الْأَوْرَعِ، وَرِوَايَةُ التَّقِيِّ، أَيْ: ذِي التَّقْوَى عَلَى غَيْرِ التَّقِيِّ، وَرِوَايَةُ الْأَتْقَى عَلَى غَيْرِ الْأَتْقَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالزِّيَادَةَ فِيهَا يُوجِبُ زِيَادَةَ الظَّنِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَدَمِهِ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ، كَمَا فِي الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ عَلَى الْآحَادِ. قَوْلُهُ: «وَصَاحِبُ الْقِصَّةِ» ، أَيْ: وَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ صَاحِبِ الْقِصَّةِ «وَالْمُلَابِسِ لَهَا عَلَى غَيْرِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِمَزِيدِ عِلْمٍ» يُوجِبُ إِصَابَتَهُ. مِثَالُ رِوَايَةِ صَاحِبِ الْقِصَّةِ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ ﵂: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ حَلَالٌ» يُقَدَّمُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . وَمِثَالُ رِوَايَةِ الْمُلَابِسِ، أَيْ: الْمُبَاشِرُ لِلْقِصَّةِ: حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا» ; يُقَدَّمُ عَلَى حَدِيثِ

стр. 1994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَمَأْخَذَهَا فِي «مُخْتَصَرِ التِّرْمِذِيِّ» . قَوْلُهُ: «وَالرِّوَايَةُ» . أَيْ: وَتُقَدَّمُ الرِّوَايَةُ «الْمُتَّسِقَةُ الْمُنْتَظِمَةُ عَلَى الْمُضْطَرِبَةِ» ، لِأَنَّ اتِّسَاقَ الرِّوَايَةِ وَانْتِظَامَهَا يَدُلُّ عَلَى ضَبْطِهَا وَالْعِنَايَةِ بِهَا، وَاضْطِرَابِهَا يَدُلُّ عَلَى تَزَلْزُلِهَا وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهَا حَتَّى اضْطَرَبَتْ، وَالِاتِّسَاقُ: الِانْتِظَامُ. ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَانْتِظَامُ الرِّوَايَةِ: هُوَ ارْتِبَاطُ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا بِبَعْضٍ، وَوَفَاءُ الْأَلْفَاظِ بِالْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ مُخِلٍّ، وَلَا زِيَادَةٍ مُمِلَّةٍ، وَاضْطِرَابُهَا تَنَافُرُ أَلْفَاظِهَا، وَاخْتِلَافُهَا بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، كَحَدِيثِ: لَا يَبُولُنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْمُخَابَرَةِ وَنَحْوِهِمَا وَسَبَبُ وُقُوعِ الِاضْطِرَابِ فِي السُّنَنِ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي أَسْبَابٍ أُخَرَ. قَوْلُهُ: «وَالْمُتَأَخِّرَةِ» ، أَيْ: وَتُقَدَّمُ الرِّوَايَةُ الْمُتَأَخِّرَةِ «عَلَى الْمُتَقَدِّمَةِ» ، كَقَوْلِ الرَّاوِي: كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ،

стр. 1995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَبُسْرَةَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ عَلَى رِوَايَةِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ فِيهِ، لِأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَةَ تَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ: «وَرِوَايَةُ مُتَقَدِّمِ الْإِسْلَامِ وَمُتَأَخِّرِهِ سِيَّانِ» ، أَيْ: لَا تَرْجِيحَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَتَفَاوُتِهِمَا بِتَقَدُّمِ الْإِسْلَامِ وَتَأَخُّرِهِ إِنَّمَا يُوجِبُ رُجْحَانًا فِي الْفَضِيلَةِ، لَا فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ وَقُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا، وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ التَّرْجِيحَ بِذَلِكَ. قُلْتُ: نَظَرَ إِلَى مُطْلَقِ الرُّجْحَانِ فِي الْفَضِيلَةِ، وَلِأَنَّهَا جِهَةٌ يُقَدَّمُ بِهَا فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ، فَقَدَّمَ بِهَا فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ، كَالْعِلْمِ، وَالتَّقْوَى، وَالْعَدَالَةِ. قُلْتُ: وَالتَّوْجِيهُ الْمُؤَثِّرُ الْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنَّ مُتَقَدِّمَ الْإِسْلَامِ أَثْبَتُ إِيمَانًا وَأَرْجَحُ فِي التَّقْوَى وَالْوَرَعِ لِزِيَادَةِ تَفَكُّرِهِ فِي قَوَارِعِ الْقُرْآنِ وَزَوَاجِرِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَوَفُّرَ الدَّوَاعِي عَلَى الْعِنَايَةِ بِضَبْطِ الرِّوَايَةِ، وَالتَّحَرِّي فِي تَحَمُّلِهَا وَأَدَائِهَا، وَذَلِكَ مِنْ مَثَارَاتِ زِيَادَةِ الظَّنِّ. قَوْلُهُ: «وَفِي تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ» يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵃ «عَلَى غَيْرِهَا رِوَايَتَانِ» : إِحْدَاهُمَا: لَا تُقَدَّمُ، لِأَنَّهُمْ وَسَائِرَ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي مَنَاطِ الرِّوَايَةِ - وَهُوَ الصُّحْبَةُ - سَوَاءٌ.

стр. 1996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالثَّانِيَةُ: تُقَدَّمُ لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهِمْ، وَتَيَقُّظِهِمْ، وَتَنَبُّهِهِمْ لِلْأَحْكَامِ، وَاحْتِيَاطِهِمْ لَهَا، وَلِمَا ذَكَرْنَا فِي تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الْأَقْدَمِ إِسْلَامًا. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي تَقْدِيمِ رِوَايَتِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي إِجْمَاعِهِمْ: هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِهِ. قَوْلُهُ: «فَإِنْ رَجَحَتْ» - يَعْنِي رِوَايَةَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ﵃ «رَجَحَتْ رِوَايَةُ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ» . يَعْنِي عَلَى رِوَايَةِ أَصَاغِرِهِمْ «لِاخْتِصَاصِهِمْ بِمَزِيدِ خِبْرَةٍ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، لِمَنْزِلَتِهِمْ» مِنْهُ «وَمَكَانِهِمْ» عِنْدَهُ، وَمُلَازَمَتِهِمْ لَهُ. قُلْتُ: وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ بِنَاءِ هَذَا عَلَى رُجْحَانِ رِوَايَةِ الْخُلَفَاءِ، بَلْ رِوَايَةُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ﵃ مُحْتَمِلَةٌ لِلْخِلَافِ مُطْلَقًا، كَرِوَايَةِ الْأَقْدَمِ إِسْلَامًا، سَوَاءٌ رَجَحَتْ رِوَايَةُ الْخُلَفَاءِ أَوْ لَا، وَالْأَشْبَهُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَصَاغِرِ يُعْرَفُ مِنْ كُتُبِ الطَّبَقَاتِ، وَقَدْ قَسَّمَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابَةَ إِلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ طَبَقَةً.

стр. 1997

وَأَمَّا الثَّانِي: فَمَبْنَاهُ تَفَاوُتُ دَلَالَاتِ الْعِبَارَاتِ فِي أَنْفُسِهَا، فَيُرَجَّحُ الْأَدَلُّ مِنْهَا فَالْأَدَلُّ، فَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ، وَلِلظَّاهِرِ مَرَاتِبُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ، أَوْ قَرِينَتِهِ، فَيُقَدَّمُ الْأَقْوَى مِنْهَا فَالْأَقْوَى بِحَسَبِ قُوَّةِ دِلَالَتِهِ وَضَعْفِهَا، وَالْمُخْتَلِفُ لَفْظًا فَقَطْ عَلَى مُتَّحَدِهِ، لِدِلَالَةِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ عَلَى اشْتِهَارِهِ ; وَقَدْ يُعَارَضُ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَلْفَاظِ ضَرْبٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَالِاتِّحَادَ أَدَلُّ عَلَى الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ، وَذُو الزِّيَادَةِ عَلَى غَيْرِهِ، لِإِمْكَانِهِمَا بِذُهُولِ رَاوِي النَّاقِصِ ; أَوْ نِسْيَانِهِ، كَمَا سَبَقَ. وَالْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي إِلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ النَّفْيُ إِلَى عِلْمٍ بِالْعَدَمِ، لَا عَدَمَ الْعِلْمِ فَيَسْتَوِيَانِ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى حَظْرٍ، أَوْ وَعِيدٍ، عَلَى غَيْرِهِ اِحْتِيَاطًا عِنْدَ الْقَاضِي. وَالنَّاقِلُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِيهِمَا خِلَافٌ، وَلَا يُرَجَّحُ مَسْقِطُ الْحَدِّ وَمُوجِبُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى غَيْرِهِمَا، إِذْ لَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ فِي صِدْقِ الرَّاوِي، وَقِيلَ: بَلَى ; لِمُوَافَقَتِهِمَا الْأَصْلَ ; وَقَوْلُهُ ﷺ عَلَى فِعْلِهِ، إِذِ الْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ. ــ قَوْلُهُ: " وَأَمَّا الثَّانِي " - يَعْنِي التَّرْجِيحُ اللَّفْظِيُّ مِنْ جِهَةِ الْمَتْنِ - " فَمَبْنَاهُ "، أَيْ: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى " تَفَاوُتِ دَلَالَاتِ الْعِبَارَاتِ فِي أَنْفُسِهَا، فَيُرَجَّحُ الْأَدَلُّ مِنْهَا فَالْأَدَلُّ "، أَيْ: إِنَّ الْعِبَارَاتِ تَتَفَاوَتُ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْبَيَانِ وَالْإِجْمَالِ، وَالْإِيضَاحِ وَالْإِشْكَالِ، فَمَا كَانَ مِنْهَا أَقْوَى دِلَالَةً، قُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ. وَهَذِهِ قَاعِدَةُ هَذَا الْقِسْمِ، " فَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ "، لِأَنَّ النَّصَّ أَدَلُّ، لِعَدَمِ احْتِمَالِهِ غَيْرَ الْمُرَادِ، وَالظَّاهِرَ مُحْتَمِلٌ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، لَكِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِدَلِيلٍ، كَمَا سَبَقَ فِي تَأْوِيلِ الظَّوَاهِرِ. قَوْلُهُ: " وَلِلظَّاهِرِ مَرَاتِبُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ أَوْ قَرِينَتِهِ "، أَيْ: قَدْ يَكُونُ لَفْظٌ

стр. 1998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَظْهَرَ فِي الْمُرَادِ مِنْ لَفْظٍ، وَقَدْ تَقْتَرِنُ بِهِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ مَعْنَوِيَّةٌ، أَوْ حَالِيَّةٌ تُوجِبُ لَهُ زِيَادَةَ الظُّهُورِ، فَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ بِذَلِكَ، " فَيُقَدَّمُ الْأَقْوَى " فَالْأَقْوَى " مِنْ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ " بِحَسَبِ قُوَّةِ دِلَالَتِهِ وَضَعْفِهَا " كَمَا تُرَجَّحُ بَعْضُ الْعُمُومَاتِ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ قُوَّتِهَا فِي نَفْسِهَا، أَوْ بِحَسَبِ قَرَائِنِهَا، وَكَمَا تُقَدَّمُ بَعْضُ الْأَقْيِسَةِ عَلَى بَعْضٍ. قَوْلُهُ: " وَالْمُخْتَلِفُ "، أَيْ: وَيُقَدَّمُ الْخَبَرُ الْمُخْتَلِفُ فِي اللَّفْظِ عَلَى مَا اتَّحَدَ لَفْظُهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ " لِدِلَالَةِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ عَلَى اشْتِهَارِهِ. وَقَدْ يُعَارَضُ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَلْفَاظِ ضَرْبٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَالِاتِّحَادِ " - يَعْنِي اتِّحَادَ لَفْظِ الْحَدِيثِ - " أَدَلُّ عَلَى الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ " يَعْنِي إِتْقَانَ الرَّاوِي وَوَرَعَهُ. حَاصِلُ هَذَا أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ إِذَا تَعَارَضَا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُخْتَلِفَ الْأَلْفَاظِ، وَالْآخَرُ مُتَّحِدَ اللَّفْظِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِهَةُ رُجْحَانٍ، فَصَارَ لِذَلِكَ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا مَحَلَّ اجْتِهَادٍ. أَمَّا جِهَةُ رُجْحَانِ الْمُخْتَلِفِ، فَلِأَنَّ اخْتِلَافَ أَلْفَاظِهِ تَدُلُّ عَلَى شُهْرَتِهِ حَتَّى تَلَعَّبَتْ بِهِ أَلْسِنَةُ الرُّوَاةِ بِاللَّفْظِ تَارَةً، وَبِالْمَعْنَى تَارَةً، فَاخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا جِهَةُ رُجْحَانِ الْمُتَّحِدِ اللَّفْظِ، فَلِأَنَّ اتِّحَادَ لَفْظِهِ يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِحِفْظِهِ وَضَبْطِهِ، وَهُوَ أَدَلُّ عَلَى إِتْقَانِ رَاوِيهِ وَوَرَعِهِ حَتَّى اجْتَهَدَ فِي ضَبْطِهِ، فَلَمْ يَدَعْ لِلِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ مَدْخَلًا، وَاخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ ضَرْبٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ. قُلْتُ: وَقَدْ يَتَوَسَّطُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ اخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِهِ الْمَعْنَى وَلَوْ أَدْنَى اخْتِلَافٍ، أَوْ تَغَيَّرِ انْتِظَامُ الرِّوَايَةِ وَاتِّسَاقُهَا ; قُدِّمَ الْمُتَّحِدُ لَفْظًا، وَإِلَّا فَالْمُخْتَلِفُ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ

стр. 1999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَوْلُهُ: " وَالْمُخْتَلِفُ لَفْظًا فَقَطْ ": احْتِرَازٌ مِنَ الْمُخْتَلِفِ مَعْنًى، فَإِنَّهُ لَا يُعَارِضُ الْمُتَّحِدُ مَعْنًى قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَعْنَى اضْطِرَابٌ، وَالْمُضْطَرِبُ لَا يُعَارِضُ الْمُسْتَقِيمَ، وَهَذَا هُوَ وَالْمُتَوَسِّطُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: " وَذُو الزِّيَادَةِ ". أَيْ: وَيُقَدَّمُ ذُو الزِّيَادَةِ " عَلَى غَيْرِهِ "، أَيْ: عَلَى مَا لَا زِيَادَةَ فِيهِ " لِإِمْكَانِهِمَا "، أَيْ: لِإِمْكَانِ رِوَايَةِ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ مِنْ رِوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَذْهَلَ " رَاوِي النَّاقِصِ " عَنِ الزِّيَادَةِ، أَوْ يَنْسَاهَا، فَيَرْوِيهَا غَيْرُهُ " كَمَا سَبَقَ " فِي قَبُولِ الزِّيَادَةِ مِنَ الثِّقَةِ. قَوْلُهُ: " وَالْمُثْبِتُ "، أَيْ: وَيُقَدَّمُ الْخَبَرُ الْمُثْبِتُ " عَلَى النَّافِي "، يَعْنِي الدَّالَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ عَلَى الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِهِ، كَإِثْبَاتِ بِلَالٍ ﵁ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نَفْيِهَا، لِأَنَّ عِنْدَ الْمُثْبِتِ زِيَادَةُ عِلْمٍ مُمْكِنَةٍ وَهُوَ عَدْلٌ جَازِمٌ بِهَا. قَوْلُهُ: " إِلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ النَّفْيُ إِلَى عِلْمٍ بِالْعَدَمِ، لَا عَدَمِ الْعِلْمِ، فَيَسْتَوِيَانِ ".

стр. 2000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَعْنِي أَنَّ نَفْيَ النَّافِي إِنِ اسْتَنَدَ إِلَى عَدَمِ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِالْبَيْتِ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَ إِثْبَاتُ الْمُثْبِتِ لِلصَّلَاةِ، وَقَتْلُ فُلَانٍ مُقَدَّمًا لِمَا سَبَقَ. وَإِنِ اسْتَنَدَ نَفْيُ النَّافِي إِلَى عِلْمٍ بِالْعَدَمِ، كَقَوْلِ الرَّاوِي: اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ بِالْبَيْتِ، لِأَنِّي كُنْتُ مَعَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْ نَظَرِي طَرْفَةَ عَيْنٍ فِيهِ، وَلَمْ أَرَهُ صَلَّى فِيهِ، أَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ، أَوْ قَالَ: اعْلَمْ أَنْ فُلَانًا لَمْ يَقْتُلْ زَيْدًا، لِأَنِّي رَأَيْتُ زَيْدًا حَيًّا بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ، أَوْ بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي أَخْبَرَ الْجَارِحُ أَنَّهُ قَتَلَهُ فِيهِ. فَهَذَا يُقْبَلُ، لِاسْتِنَادِهِ إِلَى مُدْرَكٍ عِلْمِيٍّ، وَيَسْتَوِي هُوَ وَإِثْبَاتُ الْمُثْبِتِ، فَيَتَعَارَضَانِ، وَيُطْلَبُ الْمُرَجِّحُ مِنْ خَارِجٍ. وَقَدْ سَبَقَ لَنَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِثْلُ هَذَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ نَافِيَةٍ اسْتَنَدَتْ إِلَى عِلْمٍ بِالنَّفْيِ، لَا إِلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا تُعَارِضُ الْمُثْبِتَةَ، لِأَنَّهَا تُسَاوِيهَا، إِذْ هُمَا فِي الْحَقِيقَةِ مُثْبِتَتَانِ، لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا تُثْبِتُ الْمَشْهُودَ بِهِ، وَالْأُخْرَى تُثْبِتُ الْعِلْمَ بِعَدَمِهِ. قَوْلُهُ: " وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى حَظْرٍ، أَوْ وَعِيدٍ عَلَى غَيْرِهِ احْتِياطًا عِنْدَ الْقَاضِي ". أَيْ: وَيُرَجَّحُ مَا تَضَمَّنَ تَحْرِيمًا، أَوْ وَعِيدًا عَلَى مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَقِيلَ: لَا يُرَجَّحُ بِذَلِكَ. قُلْتُ: الْوَعِيدُ وَالْحَظْرُ مُتَلَازِمَانِ، إِذْ كُلُّ مَحْظُورٍ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مُتَوَعَّدٍ عَلَيْهِ مَحْظُورٌ، لِأَنَّ الْوَعِيدَ مِنْ آثَارِ الْحَظْرِ، وَالْحَظْرَ مِنْ أَحْكَامِ الْوَعِيدِ، فَحَصَلَ التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ. وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي هَذَا أَنَّ وَعْدَ الشَّرْعِ وَوَعِيدَهُ مُتَكَافِئَانِ فِي الْغَالِبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٥] ،
следующие страницы →