← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالثَّانِيَةُ: تُقَدَّمُ لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهِمْ، وَتَيَقُّظِهِمْ، وَتَنَبُّهِهِمْ لِلْأَحْكَامِ، وَاحْتِيَاطِهِمْ لَهَا، وَلِمَا ذَكَرْنَا فِي تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الْأَقْدَمِ إِسْلَامًا. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي تَقْدِيمِ رِوَايَتِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي إِجْمَاعِهِمْ: هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِهِ. قَوْلُهُ: «فَإِنْ رَجَحَتْ» - يَعْنِي رِوَايَةَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ﵃ «رَجَحَتْ رِوَايَةُ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ» . يَعْنِي عَلَى رِوَايَةِ أَصَاغِرِهِمْ «لِاخْتِصَاصِهِمْ بِمَزِيدِ خِبْرَةٍ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، لِمَنْزِلَتِهِمْ» مِنْهُ «وَمَكَانِهِمْ» عِنْدَهُ، وَمُلَازَمَتِهِمْ لَهُ. قُلْتُ: وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ بِنَاءِ هَذَا عَلَى رُجْحَانِ رِوَايَةِ الْخُلَفَاءِ، بَلْ رِوَايَةُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ﵃ مُحْتَمِلَةٌ لِلْخِلَافِ مُطْلَقًا، كَرِوَايَةِ الْأَقْدَمِ إِسْلَامًا، سَوَاءٌ رَجَحَتْ رِوَايَةُ الْخُلَفَاءِ أَوْ لَا، وَالْأَشْبَهُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَصَاغِرِ يُعْرَفُ مِنْ كُتُبِ الطَّبَقَاتِ، وَقَدْ قَسَّمَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابَةَ إِلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ طَبَقَةً.

стр. 1997

وَأَمَّا الثَّانِي: فَمَبْنَاهُ تَفَاوُتُ دَلَالَاتِ الْعِبَارَاتِ فِي أَنْفُسِهَا، فَيُرَجَّحُ الْأَدَلُّ مِنْهَا فَالْأَدَلُّ، فَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ، وَلِلظَّاهِرِ مَرَاتِبُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ، أَوْ قَرِينَتِهِ، فَيُقَدَّمُ الْأَقْوَى مِنْهَا فَالْأَقْوَى بِحَسَبِ قُوَّةِ دِلَالَتِهِ وَضَعْفِهَا، وَالْمُخْتَلِفُ لَفْظًا فَقَطْ عَلَى مُتَّحَدِهِ، لِدِلَالَةِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ عَلَى اشْتِهَارِهِ ; وَقَدْ يُعَارَضُ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَلْفَاظِ ضَرْبٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَالِاتِّحَادَ أَدَلُّ عَلَى الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ، وَذُو الزِّيَادَةِ عَلَى غَيْرِهِ، لِإِمْكَانِهِمَا بِذُهُولِ رَاوِي النَّاقِصِ ; أَوْ نِسْيَانِهِ، كَمَا سَبَقَ. وَالْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي إِلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ النَّفْيُ إِلَى عِلْمٍ بِالْعَدَمِ، لَا عَدَمَ الْعِلْمِ فَيَسْتَوِيَانِ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى حَظْرٍ، أَوْ وَعِيدٍ، عَلَى غَيْرِهِ اِحْتِيَاطًا عِنْدَ الْقَاضِي. وَالنَّاقِلُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِيهِمَا خِلَافٌ، وَلَا يُرَجَّحُ مَسْقِطُ الْحَدِّ وَمُوجِبُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى غَيْرِهِمَا، إِذْ لَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ فِي صِدْقِ الرَّاوِي، وَقِيلَ: بَلَى ; لِمُوَافَقَتِهِمَا الْأَصْلَ ; وَقَوْلُهُ ﷺ عَلَى فِعْلِهِ، إِذِ الْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ. ــ قَوْلُهُ: " وَأَمَّا الثَّانِي " - يَعْنِي التَّرْجِيحُ اللَّفْظِيُّ مِنْ جِهَةِ الْمَتْنِ - " فَمَبْنَاهُ "، أَيْ: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى " تَفَاوُتِ دَلَالَاتِ الْعِبَارَاتِ فِي أَنْفُسِهَا، فَيُرَجَّحُ الْأَدَلُّ مِنْهَا فَالْأَدَلُّ "، أَيْ: إِنَّ الْعِبَارَاتِ تَتَفَاوَتُ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْبَيَانِ وَالْإِجْمَالِ، وَالْإِيضَاحِ وَالْإِشْكَالِ، فَمَا كَانَ مِنْهَا أَقْوَى دِلَالَةً، قُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ. وَهَذِهِ قَاعِدَةُ هَذَا الْقِسْمِ، " فَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ "، لِأَنَّ النَّصَّ أَدَلُّ، لِعَدَمِ احْتِمَالِهِ غَيْرَ الْمُرَادِ، وَالظَّاهِرَ مُحْتَمِلٌ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، لَكِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِدَلِيلٍ، كَمَا سَبَقَ فِي تَأْوِيلِ الظَّوَاهِرِ. قَوْلُهُ: " وَلِلظَّاهِرِ مَرَاتِبُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ أَوْ قَرِينَتِهِ "، أَيْ: قَدْ يَكُونُ لَفْظٌ

стр. 1998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَظْهَرَ فِي الْمُرَادِ مِنْ لَفْظٍ، وَقَدْ تَقْتَرِنُ بِهِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ مَعْنَوِيَّةٌ، أَوْ حَالِيَّةٌ تُوجِبُ لَهُ زِيَادَةَ الظُّهُورِ، فَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ بِذَلِكَ، " فَيُقَدَّمُ الْأَقْوَى " فَالْأَقْوَى " مِنْ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ " بِحَسَبِ قُوَّةِ دِلَالَتِهِ وَضَعْفِهَا " كَمَا تُرَجَّحُ بَعْضُ الْعُمُومَاتِ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ قُوَّتِهَا فِي نَفْسِهَا، أَوْ بِحَسَبِ قَرَائِنِهَا، وَكَمَا تُقَدَّمُ بَعْضُ الْأَقْيِسَةِ عَلَى بَعْضٍ. قَوْلُهُ: " وَالْمُخْتَلِفُ "، أَيْ: وَيُقَدَّمُ الْخَبَرُ الْمُخْتَلِفُ فِي اللَّفْظِ عَلَى مَا اتَّحَدَ لَفْظُهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ " لِدِلَالَةِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ عَلَى اشْتِهَارِهِ. وَقَدْ يُعَارَضُ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَلْفَاظِ ضَرْبٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَالِاتِّحَادِ " - يَعْنِي اتِّحَادَ لَفْظِ الْحَدِيثِ - " أَدَلُّ عَلَى الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ " يَعْنِي إِتْقَانَ الرَّاوِي وَوَرَعَهُ. حَاصِلُ هَذَا أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ إِذَا تَعَارَضَا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُخْتَلِفَ الْأَلْفَاظِ، وَالْآخَرُ مُتَّحِدَ اللَّفْظِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِهَةُ رُجْحَانٍ، فَصَارَ لِذَلِكَ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا مَحَلَّ اجْتِهَادٍ. أَمَّا جِهَةُ رُجْحَانِ الْمُخْتَلِفِ، فَلِأَنَّ اخْتِلَافَ أَلْفَاظِهِ تَدُلُّ عَلَى شُهْرَتِهِ حَتَّى تَلَعَّبَتْ بِهِ أَلْسِنَةُ الرُّوَاةِ بِاللَّفْظِ تَارَةً، وَبِالْمَعْنَى تَارَةً، فَاخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا جِهَةُ رُجْحَانِ الْمُتَّحِدِ اللَّفْظِ، فَلِأَنَّ اتِّحَادَ لَفْظِهِ يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِحِفْظِهِ وَضَبْطِهِ، وَهُوَ أَدَلُّ عَلَى إِتْقَانِ رَاوِيهِ وَوَرَعِهِ حَتَّى اجْتَهَدَ فِي ضَبْطِهِ، فَلَمْ يَدَعْ لِلِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ مَدْخَلًا، وَاخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ ضَرْبٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ. قُلْتُ: وَقَدْ يَتَوَسَّطُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ اخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِهِ الْمَعْنَى وَلَوْ أَدْنَى اخْتِلَافٍ، أَوْ تَغَيَّرِ انْتِظَامُ الرِّوَايَةِ وَاتِّسَاقُهَا ; قُدِّمَ الْمُتَّحِدُ لَفْظًا، وَإِلَّا فَالْمُخْتَلِفُ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ

стр. 1999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَوْلُهُ: " وَالْمُخْتَلِفُ لَفْظًا فَقَطْ ": احْتِرَازٌ مِنَ الْمُخْتَلِفِ مَعْنًى، فَإِنَّهُ لَا يُعَارِضُ الْمُتَّحِدُ مَعْنًى قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَعْنَى اضْطِرَابٌ، وَالْمُضْطَرِبُ لَا يُعَارِضُ الْمُسْتَقِيمَ، وَهَذَا هُوَ وَالْمُتَوَسِّطُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: " وَذُو الزِّيَادَةِ ". أَيْ: وَيُقَدَّمُ ذُو الزِّيَادَةِ " عَلَى غَيْرِهِ "، أَيْ: عَلَى مَا لَا زِيَادَةَ فِيهِ " لِإِمْكَانِهِمَا "، أَيْ: لِإِمْكَانِ رِوَايَةِ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ مِنْ رِوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَذْهَلَ " رَاوِي النَّاقِصِ " عَنِ الزِّيَادَةِ، أَوْ يَنْسَاهَا، فَيَرْوِيهَا غَيْرُهُ " كَمَا سَبَقَ " فِي قَبُولِ الزِّيَادَةِ مِنَ الثِّقَةِ. قَوْلُهُ: " وَالْمُثْبِتُ "، أَيْ: وَيُقَدَّمُ الْخَبَرُ الْمُثْبِتُ " عَلَى النَّافِي "، يَعْنِي الدَّالَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ عَلَى الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِهِ، كَإِثْبَاتِ بِلَالٍ ﵁ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نَفْيِهَا، لِأَنَّ عِنْدَ الْمُثْبِتِ زِيَادَةُ عِلْمٍ مُمْكِنَةٍ وَهُوَ عَدْلٌ جَازِمٌ بِهَا. قَوْلُهُ: " إِلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ النَّفْيُ إِلَى عِلْمٍ بِالْعَدَمِ، لَا عَدَمِ الْعِلْمِ، فَيَسْتَوِيَانِ ".

стр. 2000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَعْنِي أَنَّ نَفْيَ النَّافِي إِنِ اسْتَنَدَ إِلَى عَدَمِ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِالْبَيْتِ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَ إِثْبَاتُ الْمُثْبِتِ لِلصَّلَاةِ، وَقَتْلُ فُلَانٍ مُقَدَّمًا لِمَا سَبَقَ. وَإِنِ اسْتَنَدَ نَفْيُ النَّافِي إِلَى عِلْمٍ بِالْعَدَمِ، كَقَوْلِ الرَّاوِي: اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ بِالْبَيْتِ، لِأَنِّي كُنْتُ مَعَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْ نَظَرِي طَرْفَةَ عَيْنٍ فِيهِ، وَلَمْ أَرَهُ صَلَّى فِيهِ، أَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ، أَوْ قَالَ: اعْلَمْ أَنْ فُلَانًا لَمْ يَقْتُلْ زَيْدًا، لِأَنِّي رَأَيْتُ زَيْدًا حَيًّا بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ، أَوْ بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي أَخْبَرَ الْجَارِحُ أَنَّهُ قَتَلَهُ فِيهِ. فَهَذَا يُقْبَلُ، لِاسْتِنَادِهِ إِلَى مُدْرَكٍ عِلْمِيٍّ، وَيَسْتَوِي هُوَ وَإِثْبَاتُ الْمُثْبِتِ، فَيَتَعَارَضَانِ، وَيُطْلَبُ الْمُرَجِّحُ مِنْ خَارِجٍ. وَقَدْ سَبَقَ لَنَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِثْلُ هَذَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ نَافِيَةٍ اسْتَنَدَتْ إِلَى عِلْمٍ بِالنَّفْيِ، لَا إِلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا تُعَارِضُ الْمُثْبِتَةَ، لِأَنَّهَا تُسَاوِيهَا، إِذْ هُمَا فِي الْحَقِيقَةِ مُثْبِتَتَانِ، لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا تُثْبِتُ الْمَشْهُودَ بِهِ، وَالْأُخْرَى تُثْبِتُ الْعِلْمَ بِعَدَمِهِ. قَوْلُهُ: " وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى حَظْرٍ، أَوْ وَعِيدٍ عَلَى غَيْرِهِ احْتِياطًا عِنْدَ الْقَاضِي ". أَيْ: وَيُرَجَّحُ مَا تَضَمَّنَ تَحْرِيمًا، أَوْ وَعِيدًا عَلَى مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَقِيلَ: لَا يُرَجَّحُ بِذَلِكَ. قُلْتُ: الْوَعِيدُ وَالْحَظْرُ مُتَلَازِمَانِ، إِذْ كُلُّ مَحْظُورٍ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مُتَوَعَّدٍ عَلَيْهِ مَحْظُورٌ، لِأَنَّ الْوَعِيدَ مِنْ آثَارِ الْحَظْرِ، وَالْحَظْرَ مِنْ أَحْكَامِ الْوَعِيدِ، فَحَصَلَ التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ. وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي هَذَا أَنَّ وَعْدَ الشَّرْعِ وَوَعِيدَهُ مُتَكَافِئَانِ فِي الْغَالِبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٥] ،

стр. 2001

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٣] ، ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٨] ، وَقَوْلِهِ ﷺ : لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ لَاعْتَدَلَا وَهُوَ كَثِيرٌ. فَإِذَا تَعَارَضَ الْحَاظِرُ وَالْمُبِيحُ، أَوْ مَا تَضَمَّنَ وَعِيدًا أَوْ غَيْرَهُ، احْتَمَلَ الْخِلَافُ لِمَا ذَكَرْنَا. وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ مَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا تَعَارَضَتْ فُتْيَا الْمُجْتَهِدِينَ عِنْدَ الْمُقَلِّدِ هَلْ يَأْخُذُ بِالْأَخَفِّ، أَوْ بِالْأَثْقَلِ نَظَرًا إِلَى الدَّلِيلِ الْمُتَعَارِضِ هُنَاكَ، أَوْ إِلَى الِاحْتِيَاطِ تَارَةً، وَإِلَى عُمُومِ التَّخْفِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ أُخْرَى. قَوْلُهُ: " وَالنَّاقِلُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ عَلَى غَيْرِهِ "، أَيْ: وَيُرَجَّحُ النَّصُّ أَوِ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ عَلَى الْمُقَرَّرِ عَلَيْهِ. " وَفِيهِمَا خِلَافٌ ": هَلْ يُقَدَّمُ النَّاقِلُ، أَوِ الْمُقَرَّرُ؟ مِثَالُهُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَطْعُومَاتِ الْحِلُّ، فَلَوْ وَرَدَ بِإِبَاحَةِ الثَّعْلَبِ حَدِيثٌ ; وَحَدِيثٌ بِتَحْرِيمِهِ ; فَهَلْ يُرَجَّحُ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ لِمُوَافَقَتِهِ أَصْلَ الْحِلِّ وَاعْتِضَادِهِ بِهِ، فَهُمَا دَلِيلَانِ، فَيُرَجَّحَانِ عَلَى دَلِيلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ دَلِيلُ الْحَظْرِ، أَوْ يُرَجَّحُ الْحَاظِرُ، لِأَنَّهُ نَاقِلٌ عَنْ أَصْلِ الْحِلِّ، فَهُوَ مُفِيدٌ فَائِدَةَ زِيَادَةٍ، وَهِيَ التَّحْرِيمُ؟ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ. وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي الضَّبُعِ أَنَّهَا صَيْدٌ تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ فِي الْإِحْرَامِ، وَهُوَ يُفِيدُ إِبَاحَتَهَا، وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَهِيَ ذَاتُ نَابٍ، وَهُوَ يُفِيدُ تَحْرِيمَهَا، فَالْأَوَّلُ مُقَرِّرٌ لِإِبَاحَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ، وَالثَّانِي نَاقِلٌ عَنْ أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ وَالْأَشْبَهُ تَقْدِيمُ الْمُقَرَّرِ لِاعْتِضَادِهِ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ.

стр. 2002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَعَلَى هَذَا تَنْبَنِي بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، وَهُوَ مَا إِذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، فَالدَّاخِلُ مَنْ فِي يَدِهِ الْعَيْنُ، وَالْخَارِجُ مَنْ لَيْسَتْ فِي يَدِهِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ اعْتَضَدَتْ بِيَدِهِ عَلَى الْعَيْنِ فَهُمَا دَلِيلَانِ، وَالْخَارِجُ إِنَّمَا مَعَهُ الْبَيِّنَةُ فَقَطْ. وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ عَنْ دَلَالَةِ الْيَدِ الَّتِي هِيَ كَالْأَصْلِ، وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ لِأَحْمَدَ ﵁، وَالْأَشْبَهُ بِقَوَاعِدِهِ وَقَوَاعِدِ غَيْرِهِ فِي اعْتِبَارِ التَّرْجِيحِ بِمَا يَصْلُحُ لَهُ، وَالْيَدُ صَالِحَةٌ لِلتَّرْجِيحِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ ﵇: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ خَارِجًا بِأَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ، أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا. قَوْلُهُ: " وَلَا يُرَجَّحُ مُسْقِطُ الْحَدِّ وَمُوجِبُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى غَيْرِهِمَا ". أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا يُسْقِطُ حَدًّا، وَالْآخَرُ يُوجِبُهُ ; أَوْ أَحَدُهُمَا يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ، وَالْآخَرُ يَمْنَعُهَا ; لَمْ يُرَجَّحْ مُسْقِطُ الْحَدِّ وَمُوجِبُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى مُقَابِلِهَا، " إِذْ لَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ فِي صِدْقِ الرَّاوِي ". " وَقِيلَ ": بَلْ يُرَجَّحُ مُسْقِطُ الْحَدِّ وَمُوجِبُ الْحُرِّيَّةِ " لِمُوَافَقَتِهِمَا الْأَصْلَ "، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِّ، وَالْأَصْلُ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ. قُلْتُ: فَهُوَ مِنْ بَابِ تَعَارُضِ النَّاقِلِ وَالْمُقَرِّرِ. قُلْتُ: وَقَوْلُنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: " لَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ فِي صِدْقِ الرَّاوِي " وَهْمٌ تَابَعْتُ

стр. 2003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِيهِ الْأَصْلَ وَلَمْ أَتَأَمَّلْهُ، لِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي التَّرْجِيحِ مِنْ جِهَةِ الْمَتْنِ، فَإِذَا تَرَجَّحَتْ جِهَةُ الْمَتْنِ بِمُوَافَقَةِ الْأَصْلِ، وَجَبَ تَقْدِيمُهَا. قُلْتُ: وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا بِقَوْلِهِ ﵇: لَا قَطْعَ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَكَوْنُهُ قَطَعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي إِسْقَاطَ حَدِّ الْقَطْعِ عَمَّنْ سَرَقَ رُبُعَ دِينَارٍ إِلَى تِسْعَةِ دَرَاهِمَ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي وُجُوبَ حَدِّ الْقَطْعِ عَلَيْهِ، فَمُقْتَضَى مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ تَرْجِيحِهِ أَنْ يَكُونَ فِي قَطْعِ سَارِقِ رُبُعِ دِينَارٍ خِلَافٌ، بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي تَرْجِيحِهِ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ فِي اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ لِبَعْضِهِ الْآخَرِ مُعْسِرًا، فَرِوَايَةُ الِاسْتِسْعَاءِ مُوجِبَةٌ لِحُرِّيَّةِ الْبَاقِي، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى مُقَابِلِهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا إِشْكَالَ فِي ذَلِكَ: أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّ حَدِيثَ لَا قَطْعَ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِيهِ مَقَالٌ، فَلَا

стр. 2004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي الْقَطْعِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ. وَلَوْ صَحَّ، لَرَجَّحْنَاهُ، أَوْ خَرَّجْنَا الْخِلَافَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ قُلْنَا بِهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا فِي الِاسْتِسْعَاءِ الْمُوجِبِ لِحُرِّيَّةِ بَاقِي الْعَبْدِ قَوْلَيْنِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يُرَجِّحُهُ. وَقَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالْمَانِعُ لِلِاسْتِسْعَاءِ لَا يَمْنَعُهُ إِعْرَاضًا عَنِ التَّرْجِيحِ الْمَذْكُورِ، بَلْ قَدْ جَاءَ فِي ذِكْرِ الِاسْتِسْعَاءِ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَالْأَوْلَى خِلَافُهُ، وَثُبُوتُ الِاسْتِسْعَاءِ عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ فِي " الْقَوَاعِدِ الْكُبْرَى ". قَوْلُهُ: " وَقَوْلُهُ "، أَيْ: وَيُرَجَّحُ قَوْلُهُ " ﵇ عَلَى فِعْلِهِ، إِذِ الْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ ". أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى فِعْلِهِ، رُجِّحَ الْقَوْلُ، لِأَنَّ لَهُ صِيغَةً دَالَّةً، بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا صِيغَةَ لَهُ تَدُلُّ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا دِلَالَةُ الْفِعْلِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ ﵇ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ، فَكَانَ الْقَوْلُ أَقْوَى، فَيُرَجَّحُ لِذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَوْلَ مُتَّفَقٌ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً، وَالْفِعْلَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ رَاجِحٌ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَشْرِيعًا عَامًّا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَإِذَا احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ، سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَتَعَيَّنَ الْقَوْلُ.

стр. 2005

وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَيُرَجَّحُ الْمُجْرَى عَلَى عُمُومِهِ عَلَى الْمَخْصُوصِ ; وَالْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ عَلَى مَا دَخَلَهُ النَّكِيرُ، وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا قَلَّ نَكِيرُهُ عَلَى مَا كَثُرَ، وَمَا عَضَدَهُ عُمُومُ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ قِيَاسٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ مَعْنًى عَقْلِيٍّ عَلَى غَيْرِهِ. فَإِنْ عَضَدَ أَحَدَهُمَا قُرْآنٌ، وَالْآخَرَ سُنَّةٌ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ فِي رِوَايَةٍ، لِتَنَوُّعِ الدِّلَالَةِ، وَالثَّانِي فِي أُخْرَى، إِذِ السُّنَّةُ مُقَدَّمَةٌ بِطْرِيقِ الْبَيَانِ، وَمَا وَرَدَ ابْتِدَاءً عَلَى ذِي السَّبَبِ، لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ بِسَبَبِهِ. وَمَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ عَلَى غَيْرِهِ فِي رِوَايَةٍ، لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِمْ، وَمَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَاوِيهِ خِلَافُهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَلَا يُرَجَّحُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، كَقَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَا بِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، كَقَوْلِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْأَمَاكِنِ فِي زِيَادَةِ الظُّنُونِ. وَمَا عَضَدَهُ مِنِ احْتِمَالَاتِ الْخَبَرِ بِتَفْسِيرِ الرَّاوِي، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ. ــ قَوْلُهُ: «وَأَمَّا الثَّالِثُ» . يَعْنِي التَّرْجِيحَ مِنْ جِهَةِ الْقَرِينَةِ ، «فَيُرَجَّحُ الْمُجْرَى عَلَى عُمُومِهِ عَلَى الْمَخْصُوصِ» . أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ عَامَّانِ أَحَدُهُمَا بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْآخَرُ قَدْ خُصَّ بِصُورَةٍ فَأَكْثَرَ ; رُجِّحَ الْبَاقِي عَلَى عُمُومِهِ عَلَى الْمَخْصُوصِ، لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي بَقَائِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَحُجَّةً، أَوْ غَيْرَ حُجَّةٍ، وَالْبَاقِي عَلَى عُمُومِهِ لَا خِلَافَ فِي بَقَائِهِ حَقِيقَةً وَحُجَّةً، فَكَانَ رَاجِحًا. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ مَا كَانَ أَقَلَّ تَخْصِيصًا عَلَى الْأَكْثَرِ تَخْصِيصًا، مِثْلَ

стр. 2006

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَنْ يُخَصَّ أَحَدُهُمَا بِصُورَةٍ، وَالْآخَرُ بِصُورَتَيْنِ، فَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ عَلَى الْعُمُومِ وَمُخَالَفَةُ الْأَصْلِ فِيهِ أَقَلُّ. قَوْلُهُ: «وَالْمُتَلَقَّى» . أَيْ: وَيُرَجَّحُ الْمُتَلَقَّى «بِالْقَبُولِ عَلَى مَا دَخَلَهُ النَّكِيرُ» ، أَيْ: إِذَا كَانَ أَحَدُ النَّصَّيْنِ قَدْ تَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ إِنْكَارٌ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا لَحِقَهُ الْإِنْكَارُ مِنْ بَعْضِهِمْ، لِأَنَّ لُحُوقَ الْإِنْكَارِ شُبْهَةٌ، فَالْخَالِي مِنْهَا يَكُونُ رَاجِحًا، كَمَا فِي الْمُسْنَدِ مَعَ الْمُرْسَلِ «وَعَلَى قِيَاسِهِ» أَيْ: وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِنَا: يُقَدَّمُ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ عَلَى مَا دَخَلَهُ النَّكِيرُ أَنْ يُقَدَّمَ «مَا قَلَّ نَكِيرُهُ عَلَى مَا كَثُرَ» نَكِيرُهُ، مِثْلَ أَنْ يَتَعَارَضَ النَّصَّانِ ; وَكِلَاهُمَا قَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، فَمَا قَلَّ مُنْكِرُهُ مِنْهُمَا مُقَدَّمٌ، مِثْلَ أَنْ يُنْكِرَ أَحَدَهُمَا اثْنَانِ وَالْآخَرَ ثَلَاثَةٌ، فَيُرَجَّحُ الْأَوَّلُ، كَالْأَقَلِّ تَخْصِيصًا مَعَ الْأَكْثَرِ. قَوْلُهُ: «وَمَا عَضَدَهُ عُمُومُ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ قِيَاسٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ مَعْنًى عَقْلِيٍّ عَلَى غَيْرِهِ» . وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ أَحَدَ الدَّلِيلَيْنِ يَتَرَجَّحُ بِاعْتِضَادِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِمَّا يُفِيدُهُ قُوَّةً لِاجْتِمَاعِ دَلِيلَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ دَلِيلٍ وَاحِدٍ. فَإِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ ; وَمَعَ أَحَدِهِمَا عُمُومُ كِتَابٍ، أَوْ عُمُومُ سُنَّةٍ، أَوْ عَضَدَهُ قِيَاسٌ شَرْعِيٌّ أَوْ مَعْنًى عَقْلِيٌّ يَحْصُلُ مَصْلَحَةً مَا ; كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْآخَرِ لِتَجَرُّدِهِ عَنْ مُرَجِّحٍ. قَوْلُهُ: «فَإِنْ عَضَدَ أَحَدَهُمَا - أَيْ: أَحَدَ النَّصَّيْنِ - قُرْآنٌ وَالْآخَرَ سُنَّةٌ» ، أَيْ: تَعَارَضَ حَدِيثَانِ وَعَضَدَ أَحَدَهُمَا آيَةٌ، وَعَضَدَ الْآخَرَ حَدِيثٌ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُقَدَّمُ مَا عَضَدَهُ الْقُرْآنُ لِتَنَوُّعِ الدِّلَالَةِ، أَيْ: لِأَنَّ الدِّلَالَةَ صَارَتْ مِنْ نَوْعَيْنِ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِخِلَافِ مَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، فَإِنَّ دِلَالَتَهُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْحَدِيثُ.

стр. 2007

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُقَدَّمُ مَا عَضَدَهُ الْحَدِيثُ، لِأَنَّ «السُّنَّةَ مُقَدَّمَةٌ» عَلَى الْكِتَابِ «بِطَرِيقِ الْبَيَانِ» ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مُبَيِّنَةً لَهُ بِحَقِّ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤] . وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعَارُضَ إِمَّا أَنْ يَقَعَ بَيْنَ آيَتَيْنِ، أَوْ خَبَرَيْنِ، أَوْ قِيَاسَيْنِ، أَوْ آيَةٍ وَخَبَرٍ، أَوْ آيَةٍ وَقِيَاسٍ، أَوْ خَبَرٍ وَقِيَاسٍ. وَعَلَى التَّقْدِيرَاتِ السِّتَّةِ، فَالْمُرَجَّحُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ إِمَّا آيَتَانِ، أَوْ خَبَرَانِ، أَوْ قِيَاسَانِ، أَوْ آيَةٌ وَخَبَرٌ، أَوْ آيَةٌ وَقِيَاسٌ، أَوْ خَبَرٌ وَقِيَاسٌ. فَهَذِهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ تَعَارُضًا مَضْرُوبُ سِتَّةٍ فِي سِتَّةٍ، فَحَيْثُ اتَّحَدَ نَوْعُ الْعَاضِدِ وَالْمَعْضُودِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَآيَتَيْنِ عَضَدَتْهُمَا آيَتَانِ، أَوْ خَبَرَيْنِ عَضَدَهُمَا خَبَرَانِ، أَوْ قِيَاسَيْنِ عَضَدَهُمَا قِيَاسَانِ ; رُجِّحَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ بِبَعْضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ مِمَّا سَبَقَ أَوْ غَيْرِهِ. وَحَيْثُ اخْتَلَفَ نَوْعُهَا، كَآيَةٍ وَخَبَرٍ مَعَ خَبَرَيْنِ أَوْ آيَتَيْنِ ; فَهَلْ يُقَدَّمُ مَا تَعَدَّدَ نَوْعُ دِلَالَتِهِ أَوْ مَا عَضَدَتْهُ السُّنَّةُ؟ فِيهِ مَا ذُكِرَ. وَالْأَضْبَطُ مِنْ هَذَا أَنْ يُرَجَّحَ مَا تُخِيِّلَ فِيهِ زِيَادَةُ قُوَّةٍ كَائِنًا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ، وَقَدْ تُتَخَيَّلُ زِيَادَةُ الْقُوَّةِ مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِ. قَوْلُهُ: «وَمَا وَرَدَ» . أَيْ: وَيُرَجَّحُ مَا وَرَدَ «ابْتِدَاءً» عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ عَلَى مَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ «لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ» ، أَيْ: اخْتِصَاصِ ذِي السَّبَبِ «بِسَبَبِهِ» . وَهَذَا الِاحْتِمَالُ مَعْدُومٌ فِيمَا وَرَدَ ابْتِدَاءً، فَيَكُونُ رَاجِحًا، وَلِأَنَّ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ، كَالْمُرْسَلِ مَعَ الْمُسْنَدِ، وَالْمَخْصُوصِ عَلَى غَيْرِ الْمَخْصُوصِ. قَوْلُهُ: «وَمَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ عَلَى غَيْرِهِ فِي رِوَايَةٍ» ، أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، وَقَدْ عَمِلَ بِأَحَدِهِمَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، فَهَلْ يَكُونُ عَمَلُهُمْ بِهِ

стр. 2008

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُرَجِّحًا لَهُ عَلَى النَّصِّ الْآخَرِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، «لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِمْ» حَيْثُ قَالَ ﵊: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا النَّصَّ الْآخَرَ إِلَّا لِحُجَّةٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ مَا عَمِلُوا بِهِ رَاجِحًا عَلَى غَيْرِهِ، لِجَوَازِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ. وَحِينَئِذٍ لَا يَدُلُّ تَرْكُهُمْ لَهُ عَلَى مَرْجُوحِيَّتِهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. فَائِدَةٌ: إِذَا وَجَدْنَا فُتْيَا صَحَابِيٍّ مَشْهُورٍ بِالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ عَلَى خِلَافِ نَصٍّ، لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَجْزِمَ بِخَطَئِهِ الْخَطَأَ الِاجْتِهَادِيَّ، لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ الصَّحَابِيِّ عَلَى نَصٍّ أَوْ دَلِيلٍ رَاجِحٍ أَفْتَى بِهِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَقْرَبُ إِلَى مَعْرِفَةِ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ مِنَّا لِمُعَاصَرَتِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَمْ مِنْ نَصٍّ نَبَوِيٍّ كَانَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ ﵃، ثُمَّ دُثِرَ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا، وَذَلِكَ كَفُتْيَا عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَعْتَدُّ بِأَطْوَلِ الْأَجَلَيْنِ، وَنَحْوَهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي نَقَمَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى عَلِيٍّ فِيهَا لِمُخَالَفَتِهِ لِلنَّصِّ، وَخَطَئِهِ بِذَلِكَ.

стр. 2009

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَمَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَاوِيهِ خِلَافُهُ عَلَى غَيْرِهِ» ، أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ، أَحَدُهُمَا قَدْ نُقِلَ عَنْ رَاوِيهِ خِلَافُهُ قُولًا أَوْ فِعْلًا، وَالْآخَرُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَاوِيهِ خِلَافُهُ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، قُدِّمِ الثَّانِي، لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الرَّاوِي مَا رَوَاهُ يُؤْثِرُ شُبْهَةً، فَالْخَالِي مِنْهُ يَكُونُ رَاجِحًا، كَمَا سَبَقَ فِيمَا لَحِقَهُ النَّكِيرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: «وَلَا يُرَجَّحُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» . أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِأَحَدِهِمَا، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لَهُ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ: يُرَجَّحُ بِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يُرَجَّحُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: حُجَّةُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْأَمَاكِنَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي زِيَادَةِ الظُّنُونِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمَا فِي عَدَمِ التَّرْجِيحِ بِهِ. حُجَّةُ الثَّانِي: أَنَّ إِطْبَاقَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ يُفِيدُهُ تَقْوِيَةٌ وَزِيَادَةُ ظَنٍّ، فَيُرَجَّحُ بِهِ، كَمُوَافَقَةِ خَبَرٍ آخَرَ، وَلِأَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْبَلَدِ الْمَذْكُورِينَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ إِجْمَاعًا، فَإِنْ كَانَ إِجْمَاعًا، فَهُوَ مُرَجَّحٌ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا، فَأَدْنَى أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُرَجَّحًا، كَالظَّاهِرِ وَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. وَقَوْلُهُمْ: «لَا تَأْثِيرَ لِلْأَمَاكِنِ فِي زِيَادَةِ الظُّنُونِ» . قُلْنَا: نَحْنُ لَا نُرَجِّحُ بِالْأَمَاكِنِ، بَلْ بِأَقْوَالِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِهَا، وَهُوَ مُفِيدٌ لِزِيَادَةِ الظَّنِّ بِلَا شَكٍّ.

стр. 2010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَمَا عَضَدَهُ مِنِ احْتِمَالَاتِ الْخَبَرِ بِتَفْسِيرِ الرَّاوِي، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ» . أَيْ: إِذَا كَانَ الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، وَتَتَّجِهُ لَهُ مَحَامِلُ، فَفَسَّرَهُ الرَّاوِي عَلَى بَعْضِهَا ; كَانَ مَا فَسَّرَهُ الرَّاوِي عَلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلَى بَاقِيهَا. وَكَذَلِكَ إِذَا تَرَجَّحَ بَعْضُ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ، كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَتَرَجَّحْ بِذَلِكَ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لِسَمَاعِهِ الْخَبَرَ مِنَ الْمُخْبِرِ، وَمُشَاهَدَتِهِ قَرَائِنَ الْمَقَالِ وَالْحَالِ، أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رَوَى، فَيَكُونُ مَا فَسَّرَ بِهِ الْخَبَرَ مُتَعَيِّنًا، كَتَفْسِيرِ ابْنِ عُمَرَ التَّفَرُّقَ فِي حَدِيثِ: الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ بِفِعْلِهِ، وَتَفْسِيرِهِ قَوْلُهُ ﵇: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ بِالتَّضْيِيقِ فِي الْعِدَّةِ احْتِيَاطًا، حَيْثُ كَانَ يُصْبِحُ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ صَائِمًا.

стр. 2011

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ بَعْضَ احْتِمَالَاتِ الْخَبَرِ إِذَا عُضِدَ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ، كَانَ كَاعْتِضَادِهِ بِخَبَرٍ آخَرَ بِجَامِعِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَنَّهُ الْمُرَادُ فِي الصُّورَتَيْنِ.

стр. 2012

وَالْقِيَاسِيُّ: إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ أَوِ الْعِلَّةِ، أَوِ الْقَرِينَةِ الْعَاضِدَةِ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَحُكُمُ الْأَصْلِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ، رَاجِحٌ عَلَى الثَّابِتِ بِالنَّصِّ لِعِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ، وَالثَّابِتِ بِالْقُرْآنِ، أَوْ تَوَاتُرِ السُّنَّةِ، عَلَى الثَّابِتِ بِآحَادِهَا. وَبِمُطْلَقِ النَّصِّ، عَلَى الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ، وَالْمَقِيسِ عَلَى أُصُولٍ أَكْثَرَ عَلَى غَيْرِهِ، لِحُصُولِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ، كَالشَّهَادَةِ، خِلَافًا لِلْجُوَيْنِيِّ، وَالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَمْ يُخَصَّ عَلَى الْقِيَاسِ الْمَخْصُوصِ. ــ قَوْلُهُ: «وَالْقِيَاسِيُّ» ، أَيْ: وَ التَّرْجِيحُ الْقِيَاسِيُّ ، يَعْنِي الْوَاقِعَ فِي الْأَقْيِسَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنِ التَّرْجِيحَ ضَرْبَانِ: لَفْظِيٌّ، أَيْ: وَاقِعٌ فِي الْأَلْفَاظِ. وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ فِيهِ، وَقِيَاسِيٌّ، أَيْ: وَاقِعٌ فِي الْقِيَاسِ، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِيهِ. وَهُوَ «إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ، أَوِ الْعِلَّةِ، أَوِ الْقَرِينَةِ الْعَاضِدَةِ» ، أَيْ: التَّرْجِيحُ الْعَاضِدُ لِلْقِيَاسِ إِمَّا مِنْ جِهَةِ أَصْلِهِ، أَوْ عِلَّتِهِ، أَوْ قَرِينَةٍ تَقْتَرِنُ بِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ تَعْضِدُهُ، فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْآخَرِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: يَعْنِي تَرْجِيحَ الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ أَصْلِهِ ، فَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ «حُكْمَ الْأَصْلِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ رَاجِحٌ عَلَى الثَّابِتِ بِالنَّصِّ لِعِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ» ، أَيْ: إِذَا أَمْكَنَ قِيَاسُ الْفَرْعِ عَلَى أَصْلَيْنِ ; حُكْمُ أَحَدِهِمَا ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالْآخَرُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ ; كَانَ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَصْلِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّصِّ، فَكَذَا مَا

стр. 2013

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثَبَتَ بِهِ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ، لِعِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْخَطَأِ وَالنَّسْخِ بِخِلَافِ النَّصِّ. الْوَجْهُ الثَّانِي: حُكْمُ الْأَصْلِ الثَّابِتِ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَوْ تَوَاتُرِ السُّنَّةِ، رَاجِحٌ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ الثَّابِتِ بِآحَادِ السُّنَّةِ، أَيْ: بِالسُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ بِطَرِيقِ الْآحَادِ، كَمَا يُقَدَّمُ الْقُرْآنُ، وَمُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ عَلَى آحَادِهَا. وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالْقُرْآنِ لَا يُقَدَّمُ عَلَى الثَّابِتِ بِتَوَاتُرِ السُّنَّةِ، كَمَا لَا يُقَدَّمُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ عَلَى تَوَاتُرِ السُّنَّةِ، لِاسْتِوَائِهِمَا كَمَا سَبَقَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: حُكْمُ الْأَصْلِ الثَّابِتِ «بِمُطْلَقِ النَّصِّ» رَاجِحٌ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ «الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ» ، كَمَا يُقَدَّمُ مُطْلَقُ النَّصِّ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْمُرَادُ بِمُطْلَقِ النَّصِّ أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، صَحِيحًا أَوْ حَسَنًا مِمَّا سَاغَ الْعَمَلَ بِهِ شَرْعًا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: الْحُكْمُ «الْمَقِيسُ عَلَى أُصُولٍ أَكْثَرَ» رَاجِحٌ «عَلَى غَيْرِهِ» ، أَيْ: إِذَا تَعَدَّدَتِ الْأُصُولُ فِي أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ وَلَيْسَ فِي الْقِيَاسِ الْآخَرِ إِلَّا أَصْلٌ وَاحِدٌ، مِثْلُ: إِنْ أَمْكَنَ قِيَاسُ الْفَرْعِ بِجَامِعٍ عَلَى أُصُولٍ كَثِيرَةٍ ; وَأَمْكَنَ قِيَاسُهُ بِجَامِعٍ آخَرَ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ أَوْ أُصُولٍ أَقَلَّ مِنْ أُصُولِ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ ; قُدِّمَ الْقِيَاسُ عَلَى الْأُصُولِ الْكَثِيرَةِ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا شَوَاهِدُ لِلْفَرْعِ بِالصِّحَّةِ، وَمَا كَثُرَتْ شَوَاهِدُهُ كَانَ الظَّنُّ بِصِحَّتِهِ أَغْلَبَ، كَمَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «لِحُصُولِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ، كَالشَّهَادَةِ» . يَعْنِي عَلَى قَوْلِ مَنْ يُرَجِّحُ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، «خِلَافًا لِلْجُوَيْنِيِّ» حَيْثُ حُكِيَ عَنْهُ، أَنَّ أَحَدَ الْقِيَاسَيْنِ لَا يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ.

стр. 2014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الْخَامِسُ: «الْقِيَاسُ عَلَى» أَصْلٍ «لَمْ يُخَصَّ» رَاجِحٌ عَلَى أَصْلٍ مَخْصُوصٍ، كَمَا يُرَجَّحُ الْعَامُّ الْبَاقِي عَلَى عُمُومِهِ عَلَى الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ. وَبِالْجُمْلَةِ: حُكْمُ أَصْلِ الْقِيَاسِ حُكْمُ مُسْتَنَدِهِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ، فَمَا قُدِّمَ مِنَ الْمُسْتَنَدَاتِ، قُدِّمَ مَا ثَبَتَ بِهِ مِنْ أُصُولِ الْأَقْيِسَةِ.

стр. 2015

وَأَمَّا الثَّانِي: فَتُقَدَّمُ الْعِلَّةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَالْمَنْصُوصَةُ، عَلَى الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَالثَّابِتَةُ عِلِّيَّتُهَا تَوَاتُرًا عَلَى الثَّابِتَةِ عِلِّيَّتُهَا آحَادًا، وَالْمُنَاسِبَةُ عَلَى غَيْرِهَا، لِاخْتِصَاصِهَا بِزِيَادَةِ الْقَبُولِ فِي الْعُقُولِ، وَالنَّاقِلَةُ عَلَى الْمُقَرِّرَةِ، وَالْحَاظِرَةُ عَلَى الْمُبِيحَةِ، وَمُسْقِطَةُ الْحَدِّ وَمُوجِبَةُ الْعِتْقِ وَالْأَخَفُّ حُكْمًا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، كَالْخَبَرِ، وَالْوَصْفِيَّةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا عَلَى الِاسْمِيَّةِ، وَالْمَرْدُودَةُ إِلَى أَصْلٍ قَاسَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِهَا، كَقِيَاسِ الْحَجِّ عَلَى الدَّيْنِ، وَالْقُبْلَةِ عَلَى الْمَضْمَضَةِ، وَالْمُطَّرِدَةِ عَلَى غَيْرِهَا إِنْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا، وَالْمُنْعَكِسَةِ عَلَى غَيْرِهَا إِنْ اشْتُرِطَ الْعَكْسُ، إِذِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَائِهَا يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ اخْتِصَاصِهَا بِالتَّأْثِيرِ، فَتَصِيرُ كَالْحَدِّ مَعَ الْمَحْدُودِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ. ــ «وَأَمَّا الثَّانِي» : يَعْنِي تَرْجِيحَ الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ عِلَّتِهِ فَمِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: تُرَجَّحُ «الْعِلَّةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا عَلَى غَيْرِ» الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، أَيْ: إِذَا ظَهَرَ فِي الْأَصْلِ الْوَاحِدِ وَصْفَانِ مُنَاسِبَانِ، وَقَدْ أُجْمِعَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِأَحَدِهِمَا، وَاخْتُلِفَ فِي التَّعْلِيلِ بِالْآخَرِ، فَالتَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ رَاجِحٌ لِقُوَّةِ مُسْتَنَدِهَا، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَهُوَ كَمَا لَوِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلَيْنِ ; وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِهِمَا ; تَعَيَّنَ وَلَمْ يَجُزِ الْأَخْذُ بِغَيْرِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ «الْمَنْصُوصَةُ عَلَى الْمُسْتَنْبَطَةِ» أَيْ: الَّتِي تَثْبُتُ عِلَّتُهَا بِالنَّصِّ عَلَى الَّتِي ثَبَتَتْ عِلَّتُهَا بِالِاسْتِنْبَاطِ، لِأَنَّ نَصَّ الشَّارِعِ أَوْلَى مِنِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ، لِعِصْمَةِ النَّصِّ دُونَهُ.

стр. 2016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الثَّالِثُ: تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الَّتِي ثَبَتَتْ عِلَّتُهَا بِالتَّوَاتُرِ عَلَى الَّتِي ثَبَتَتْ عِلَّتُهَا بِالْآحَادِ لِقُوَّةِ التَّوَاتُرِ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُنَاسِبَةُ عَلَى غَيْرِ الْمُنَاسِبَةِ، وَكَذَلِكَ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مُنَاسَبَةً عَلَى غَيْرِهَا لِاخْتِصَاصِ الْمُنَاسِبَةِ «بِزِيَادَةِ الْقَبُولِ فِي الْعَقْلِ» ، أَيْ: لِأَنَّ الْعُقُولَ أَسْرَعُ انْقِيَادًا، وَأَشَدُّ قَبُولًا لِلْعِلَّةِ الْمُنَاسِبَةِ، وَالَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مُنَاسَبَةً. قُلْتُ: وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَنْصُوصَتَيْنِ أَوِ الْمُسْتَنْبَطَتَيْنِ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مَنْصُوصَةً، فَهِيَ الرَّاجِحَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُنَاسِبَةً، أَوْ أَشَدَّ مُنَاسَبَةٍ أَوْ لَا، لِعِصْمَةِ النَّصِّ، كَمَا لَوِ اجْتَمَعَ نَصٌّ وَقِيَاسٌ، كَانَ النَّصُّ مُقَدَّمًا. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ «النَّاقِلَةُ» عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ «عَلَى» الْعِلَّةِ «الْمُقَرَّرَةِ» عَلَيْهِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْخَبَرِ النَّاقِلِ مَعَ الْمُقَرِّرِ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ «الْحَاظِرَةُ عَلَى الْمُبِيحَةِ» ، أَيْ: الَّتِي تُوجِبُ الْحَظْرَ عَلَى الَّتِي تُوجِبُ الْإِبَاحَةَ. الْوَجْهُ السَّابِعُ: تُرَجَّحُ «مُسْقِطَةُ الْحَدِّ» عَلَى مُوجِبَتِهِ، «وَمُوجِبَةُ الْعِتْقِ» عَلَى نَافِيَتِهِ، وَالَّتِي هِيَ أَخَفُّ حُكْمًا عَلَى الَّتِي أَثْقَلُ حُكْمًا، «عَلَى خِلَافٍ» فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، كَمَا سَبَقَ فِي نَظِيرِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ، لِأَنَّ الْعِلَلَ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ النُّصُوصِ فَتَتْبَعُهَا فِي الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَنْصُوصَتَيْنِ وَالْمُسْتَنْبَطَتَيْنِ، أَمَّا فِي الْمَنْصُوصَةِ وَالْمُسْتَنْبَطَةِ، فَالْمَنْصُوصَةُ وَاجِبَةُ التَّقْدِيمِ بِكُلِّ حَالٍ، لِمَا سَبَقَ فِي الْمُنَاسَبَةِ مَعَ غَيْرِهَا.

стр. 2017

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الثَّامِنُ: تُقَدَّمُ الْعِلَّةُ: «الْوَصْفِيَّةُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا عَلَى الِاسْمِيَّةِ» ، أَيْ: الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ وَصْفٌ، تُرَجَّحُ عَلَى الَّتِي هِيَ اسْمٌ، لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْأَوْصَافِ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالْأَسْمَاءِ، كَمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ بِكَوْنِهِ مَكِيلًا أَوْ مَطْعُومًا يُقَدَّمُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِكَوْنِهِ بُرًّا، وَفِي الذَّهَبِ بِكَوْنِهِ مَوْزُونًا يُقَدَّمُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِكَوْنِهِ ذَهَبًا، وَرُبَّمَا نَزَعَ هَذَا إِلَى تَعَدِّي الْعِلَّةِ وَقُصُورِهَا. الْوَجْهُ التَّاسِعُ: الْعِلَّةُ «الْمَرْدُودَةُ إِلَى أَصْلٍ قَاسَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ» رَاجِحَةٌ «عَلَى غَيْرِهَا» ، كَقِيَاسِ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجَّ عَلَى دِينِ الْآدَمِيِّ فِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، «وَالْقُبْلَةِ عَلَى الْمَضْمَضَةِ» فِي حَدِيثِ عُمَرَ. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْحَجُّ عَلَى الْمَغْصُوبِ لَا يُجْزِئُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالْقُبْلَةِ تُفْطِرُ الصَّائِمَ، لِأَنَّهَا نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوَطْءِ ; لَقُلْنَا: الْقِيَاسُ عَلَى مَا قَاسَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْكَامِ وَمَصَالِحِهَا وَمَفَاسِدِهَا، وَيَصِيرُ الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِقِيَاسِ الشَّارِعِ، كَالْقِيَاسِ الْمُعَارِضِ لِنَصِّهِ، بَلْ هُوَ مُعَارِضٌ لِنَصِّهِ حَقِيقَةً، لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْحُكْمِ، ثُمَّ أَوْضَحَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ وَاضِحٍ، لِأَنَّهُ قَالَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: حُجِّي عَنْ أَبِيكِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: لَا تُفْطِرُ بِالْقُبْلَةِ كَمَا لَا تُفْطِرُ إِذَا تَمَضْمَضْتَ. الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: الْعِلَّةُ «الْمُطَّرِدَةُ» تُرَجَّحُ «عَلَى» غَيْرِ الْمُطَّرِدَةِ «إِنْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا» ، يَعْنِي بِصِحَّةِ غَيْرِ الْمُطَّرِدَةِ. وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّ غَيْرَ الْمُطَّرِدَةِ وَهِيَ الْمُنْتَقِضَةُ بِصُورَةٍ فَأَكْثَرَ إِنْ لَمْ نَقُلْ بِصِحَّتِهَا لَمْ تُعَارِضِ الْمُطَّرِدَةَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى التَّرْجِيحِ، وَتَكُونُ كَالْخَبَرِ الضَّعِيفِ

стр. 2018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَعَ الصَّحِيحِ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهَا، فَاجْتَمَعَتْ هِيَ وَالْمُطَّرِدَةُ، فَالْمُطَّرِدَةُ رَاجِحَةٌ، لِأَنَّ ظَنَّ الْعِلِّيَّةُ فِيهَا أَغْلَبُ، وَلِأَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَالْمُنْتَقَضَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَهْمًا كَالْعَامَّيْنِ إِذَا خُصَّ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَانَ الْبَاقِي عَلَى عُمُومِهِ رَاجِحًا. الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: الْعِلَّةُ «الْمُنْعَكِسَةُ» رَاجِحَةٌ عَلَى غَيْرِ الْمُنْعَكِسَةِ «إِنِ اشْتُرِطَ الْعَكْسُ» ، يَعْنِي فِي الْعِلَلِ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ اطِّرَادَ الْعِلَّةِ هُوَ وُجُودُ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا حَيْثُ وُجِدْتُ، وَانْعِكَاسُهَا هُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَائِهَا، وَسَبَقَ أَيْضًا أَنَّ انْعِكَاسَ الْعِلَّةِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطِ الْعَكْسُ لَمْ تُرَجَّحِ الْمُنْعَكِسَةُ عَلَى غَيْرِ الْمُنْعَكِسَةِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِكَ بَيْنَهُمَا فِي شَرْطِ الصِّحَّةِ هُوَ الِاطِّرَادُ وَهُوَ مَوْجُودٌ، وَالِانْعِكَاسُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ، فَوُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، وَهُوَ كَالْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ مَعَ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَإِنِ اشْتَرَطْنَا انْعِكَاسَ الْعِلَّةِ رَجَحَتِ الْمُنْعَكِسَةُ عَلَى غَيْرِهَا، لِأَنَّ «انْتِفَاءَ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَائِهَا يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ اخْتِصَاصِهَا بِالتَّأْثِيرِ، فَتَصِيرُ كَالْحَدِّ مَعَ الْمَحْدُودِ» يُقَدَّمُ الْمُنْعَكِسُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَالْعِلَّةِ «الْعَقْلِيَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ» ، كَالتَّسْوِيدِ مَعَ الِاسْوِدَادِ، فَكَانَتِ الْمُشَبَّهَةُ لَهَا مِنَ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى، وَصَارَ انْعِكَاسُهَا عَلَى هَذَا كَإِخْوَةِ الْأُمِّ مَعَ إِخْوَةِ الْأَبِ فِي بَابِ الْمِيرَاثِ، يُرَجَّحُ بِهَا دِلَالَتُهُ عَلَى أَخَصِيَّةِ الْقَرَابَةِ.

стр. 2019

الْمُتَعَدِّيَةُ وَالْقَاصِرَةُ إِنْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا، سِيَّانَ حُكْمًا، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهَا. وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْقَاصِرَةُ لِمُطَابَقَتِهَا النَّصَّ فِي مَوْرِدِهَا، وَأَمْنِ صَاحِبِهَا مِنَ الْخَطَأِ. وَقِيلَ: الْمُتَعَدِّيَةُ، لِكَثْرَةِ فَوَائِدِهَا، فَعَلَى هَذَا تُرَجَّحُ الْأَكْثَرُ فُرُوعًا عَلَى الْأَقَلِّ، وَمِنْهُ تَرْجِيحُ ذَاتِ الْوَصْفِ لِكَثْرَةِ فُرُوعِهَا عَلَى ذَاتِ الْوَصْفَيْنِ. وَرُدَّ بِأَنَّ ذَاتَ الْوَصْفَيْنِ قَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ فُرُوعًا، وَلَا مَدْخَلَ لِلْكَلَامِ فِي الْقَاصِرَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ فِي تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ، وَإِنَّمَا فَائِدَتُهُ إِمْكَانُ الْقِيَاسِ بِتَقْدِيرِ تَقْدِيمِ الْمُتَعَدِّيَةِ كَالْوَزْنِ فِي النَّقْدَيْنِ، وَعَدَمِهِ بِتَقْدِيرِ تَقْدِيمِ الْقَاصِرَةِ كَالثَّمَنِيَّةِ فِيهِمَا، إِذِ الْقَاصِرُ لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهُ لِيُقَاسَ عَلَيْهِ، وَيُقَدَّمُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ وَالْيَقِينِيُّ عَلَى الْوَصْفِ الْحِسِّيِّ، وَالْإِثْبَاتِيِّ عِنْدَ قَوْمٍ. وَقِيلَ: الْحَقُّ التَّسْوِيَةُ، إِذْ بَعْدَ قِيَامِ دَلِيلِ الْعِلِّيَّةِ لَا يَخْتَلِفُ الظَّنُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالْمُؤَثِّرُ عَلَى الْمُلَائِمِ، وَالْمُلَائِمُ عَلَى الْغَرِيبِ، وَالْمُنَاسِبُ عَلَى الشَّبَهِيِّ. ــ الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: قَالَ: «الْمُتَعَدِّيَةُ وَالْقَاصِرَةُ إِنْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا سِيَّانِ حُكْمًا» ، إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْقَاصِرَةَ قَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهَا هَلْ هِيَ عِلَّةٌ صَحِيحَةٌ فِي نَفْسِهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ صَحِيحَةً لَمْ تُعَارِضِ الْمُتَعَدِّيَةَ، فَلَا تَرْجِيحَ كَغَيْرِ الْمُطَّرِدَةِ مَعَ الْمُطَّرِدَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ صَحِيحَةٌ، فَاجْتَمَعَتْ مَعَ الْمُتَعَدِّيَةِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ:

стр. 2020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ لَا رُجْحَانَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى «لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهَا» كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ. الثَّانِي: أَنَّ الْقَاصِرَةَ أَرْجَحُ، فَتُقَدَّمُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُطَابِقَةٌ لِلنَّصِّ فِي مَوْرِدِهَا، أَيْ: لَمْ يُجَاوِزْ تَأْثِيرُهَا مَوْضِعَ النَّصِّ، بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّيَةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُطَابِقِ النَّصَّ، بَلْ زَادَتْ عَلَيْهِ، وَمَا طَابَقَ النَّصَّ كَانَ أَوْلَى. الْوَجْهُ الثَّانِي: «أَمْنُ صَاحِبِهَا» - أَيِ الْمُعَلَّلُ بِهَا - «مِنَ الْخَطَأِ» ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْلِيلِ بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ كَالْمُتَعَدِّيَةِ، فَرُبَّمَا أَخْطَأَ بِالْوُقُوعِ فِي بَعْضِ مَثَارَاتِ الْغَلَطِ فِي الْقِيَاسِ، وَمَا أُمِنَ فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ أَوْلَى مِمَّا كَانَ عُرْضَةً لَهُ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ «الْمُتَعَدِّيَةَ» أَرْجَحُ، فَتُقَدَّمُ «لِكَثْرَةِ فَوَائِدِهَا» ، كَالتَّعْلِيلِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْوَزْنِ، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إِلَى كُلِّ مَوْزُونٍ، كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالصُّفْرِ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالثَّمَنِيَّةِ أَوِ النَّقْدِيَّةِ، فَلَا تَتَعَدَّاهُمَا، فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِالْوَزْنِ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ مُتَعَدٍّ لِمَحِلِّ النَّقْدَيْنِ إِلَى غَيْرِهِمَا أَكْثَرَ فَائِدَةً مِنَ الثَّمَنِيَّةِ الْقَاصِرَةِ عَلَيْهِمَا لَا تُجَاوِزُهُمَا. «فَعَلَى هَذَا» - أَيْ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِتَرْجِيحِ الْمُتَعَدِّيَةِ - تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ فُرُوعًا عَلَى الَّتِي هِيَ أَقَلُّ فُرُوعًا. مِثَالُهُ: لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الْمَكِيلَاتِ أَكْثَرُ ; عَلَّلْنَا فِي الْبُرِّ بِالْكَيْلِ، لِأَنَّ عِلَّةَ الْكَيْلِ حِينَئِذٍ تَكُونُ أَكْثَرَ فُرُوعًا. وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الْمَطْعُومَاتِ أَكْثَرُ ; عَلَّلْنَا فِيهِ

стр. 2021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالطَّعْمِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَكْثَرَ فُرُوعًا. وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْأَقَلُّ فُرُوعًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَكْثَرِ فُرُوعًا كَالْقَاصِرَةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُتَعَدِّيَةِ، وَيَخْرُجُ فِيهِمَا بِالتَّفْرِيعِ الْعَامِّ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ. قَوْلُهُ: «وَمِنْهُ» - أَيْ: وَمِنَ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْفُرُوعِ - «تَرْجِيحُ» الْعِلَّةِ «ذَاتِ الْوَصْفِ» الْوَاحِدِ «عَلَى ذَاتِ الْوَصْفَيْنِ» فَصَاعِدًا، لِأَنَّ ذَاتَ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ أَكْثَرُ فُرُوعًا، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى وَصْفٍ وَاحِدٍ، وَمَا تَوَقَّفَ عَلَى وَصْفٍ وَاحِدٍ، كَانَ أَكْثَرَ فُرُوعًا مِمَّا تَوَقَّفَ عَلَى وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَصَارَ هَذَا كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شُرُوطٍ. وَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ أَقْرَبُ وُقُوعًا مِمَّا تَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، وَمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ أَقْرَبُ وُقُوعًا مِمَّا يَثْبُتُ بِأَرْبَعَةٍ، فَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْأَقَلِّ أَكْثَرُ، وَعَلَى الْأَكْثَرِ أَقَلُّ، وَلِهَذَا كَانَ الزِّيَادَةُ فِي الْحَدِّ نَقْصًا فِي الْمَحْدُودِ، وَالنَّقْصُ فِي الْحَدِّ زِيَادَةً فِي الْمَحْدُودِ، فَالْحَيَوَانُ الْمَشَّاءُ أَكْثَرُ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَالْحَيَوَانُ الْكَاتِبُ بِالْفِعْلِ أَقَلُّ مِنَ الْإِنْسَانِ. قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» ، أَيْ: وَرُدَّ تَرْجِيحُ ذَاتِ الْوَصْفِ «بِأَنَّ ذَاتَ الْوَصْفَيْنِ قَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ فُرُوعًا» . قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِحَسَبِ كَثْرَةِ مَوَارِدِ فُرُوعِ ذَاتِ الْوَصْفَيْنِ، وَقِلَّةِ مَوَارِدِ فُرُوعِ ذَاتِ الْوَصْفِ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ. مِثْلَ أَنْ نُعَلِّلَ الرِّبَا فِي الْبُرِّ بِالْكَيْلِ وَحْدَهُ، وَيُعَلِّلُ غَيْرُنَا بِالْكَيْلِ مَعَ الطَّعْمِ، وَيَتَّفِقُ أَنَّ الْمَكِيلَاتِ الْمَطْعُومَةَ أَكْثَرُ مِنَ الْمَكِيلَاتِ غَيْرِ الْمَطْعُومَةِ. فَحِينَئِذٍ تَكُونُ فُرُوعُ ذَاتِ الْوَصْفَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ فُرُوعِ ذَاتِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَمَتَى فَرَضْنَا اتِّفَاقَ مَوَارِدِ فُرُوعِهِمَا فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، كَانَتْ فُرُوعُ ذَاتِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ بِالضَّرُورَةِ لِمَا حَقَّقْنَاهُ.

стр. 2022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثْلَ: إِنْ فَرْضَنَا أَصْنَافَ الْمَكِيلِ مَعَ الْمُجَرَّدِ عِشْرِينَ، وَأَصْنَافَ الْمَكِيلِ مَعَ الْمَطْعُومِ عِشْرِينَ أَيْضًا، فَإِنَّ عِلَّةَ الْكَيْلِ تَجْرِي فِي الْأَرْبَعِينَ صِنْفًا، وَعِلَّةَ الْكَيْلِ مَعَ الطُّعْمِ لَا تَجْرِي إِلَّا فِي أَصْنَافِهَا الْعِشْرِينَ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَلَا مَدْخَلَ لِلْكَلَامِ فِي الْقَاصِرَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ فِي تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ، وَإِنَّمَا فَائِدَتُهُ إِمْكَانُ الْقِيَاسِ بِتَقْدِيرِ تَقْدِيمِ الْمُتَعَدِّيَةِ، كَالْوَزْنِ فِي النَّقْدَيْنِ وَعَدَمِهِ بِتَقْدِيرِ تَقْدِيمِ الْقَاصِرَةِ، كَالثَّمَنِيَّةِ فِيهِمَا، إِذِ الْقَاصِرُ لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهُ لِيُقَاسَ عَلَيْهِ» . قُلْتُ: مَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَرْجِيحِ الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ عَلَى الْقَاصِرَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ، أَيْ: لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ تَرْجِيحُ قِيَاسِ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، لِأَنَّ الْقَاصِرَةَ لَا تَتَعَدَّى مَحَلَّهَا لِيُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا فَائِدَةُ الْكَلَامِ فِي تَرْجِيحِ الْقَاصِرَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ إِمْكَانُ الْقِيَاسِ إِنْ قَدَّمْنَا الْمُتَعَدِّيَةَ، وَعَدَمُ إِمْكَانِهِ إِنْ قَدَّمْنَا الْقَاصِرَةَ. مِثَالُهُ: أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ فِي النَّقْدَيْنِ الْوَزْنُ وَالثَّمَنِيَّةُ، فَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْوَزْنِ أَمْكَنَ الْقِيَاسُ لِتَعَدِّي الْوَزْنِ مَحَلَّ النَّقْدِيَّةِ إِلَى الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِهِ. فَنَقُولُ: يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ بِجَامِعِ الْوَزْنِ. وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالثَّمَنِيَّةِ أَوِ النَّقْدِيَّةِ لَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِمَا لِيُقَاسَ عَلَيْهِمَا. وَهَذَا الْكَلَامُ خَرَجَ مَخْرَجَ جَوَابِ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْعِلَّةُ الْقَاصِرَةُ لَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا، فَالْكَلَامُ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِلَّةِ

стр. 2023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُتَعَدِّيَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ، إِذِ التَّرْجِيحُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ مَوْجُودَيْنِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْقَاصِرَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا مُمْكِنٍ، فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ؟ فَكَانَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فَائِدَةُ ذَلِكَ تَرْجِيحَ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لِمَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ فَائِدَتُهُ أَنَّا إِنْ رَجَّحْنَا الْمُتَعَدِّيَةَ، أَمْكَنَ الْقِيَاسُ، وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: «وَيُقَدَّمُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ وَالْيَقِينِيُّ عَلَى الْوَصْفِ الْحِسِّيِّ وَالْإِثْبَاتِيِّ عِنْدَ قَوْمٍ، وَقِيلَ: الْحَقُّ التَّسْوِيَةُ» . أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ قِيَاسَانِ وَالْجَامِعُ فِي أَحَدِهِمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَفِي الْآخَرِ وَصْفٌ حِسِّيٌّ أَوِ الْجَامِعُ فِي أَحَدِهِمَا حُكْمٌ سَلْبِيٌّ، وَفِي الْآخَرِ حُكْمٌ إِثْبَاتِيٌّ، فَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصْفِ الْحِسِّيِّ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ لَا حِسِّيٌّ، فَكَانَ الِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ السَّلْبِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الثُّبُوتِيِّ، لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلْأَصْلِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا. هَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْحَقُّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. يَعْنِي الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ مَعَ الْوَصْفِ الْحِسِّيِّ، وَالْحُكْمَ السَّلْبِيَّ مَعَ الْإِثْبَاتِيِّ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَمَّا قَامَ عَلَى عِلِّيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، ثَبَتَتْ عِلِّيَتُهُ، وَالظَّنُّ لَا يَتَفَاوَتُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، فَاسْتَوَيَا لِعَدَمِ مَا يَصْلُحُ مُرَجِّحًا، وَأَبُو الْخَطَّابِ يُرَجِّحُ الْعِلَّةَ الْحُكْمِيَّةَ، وَالْقَاضِي يُرَجِّحُ الْحِسِّيَّةَ. قَوْلُهُ: «وَالْمُؤَثِّرُ» ، أَيْ: وَيُرَجَّحُ «الْمُؤَثِّرُ عَلَى الْمُلَائِمِ، وَالْمُلَائِمِ عَلَى الْغَرِيبِ» .

стр. 2024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: لِأَنَّ قُوَّتَهَا فِي أَنْفُسِهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ. وَقَدْ سَبَقَ حَقَائِقُهَا وَأَحْكَامُهَا وَصِفَاتُهَا وَمَرَاتِبُهَا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَقْسَامِ طَرِيقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ عِنْدَ ذِكْرِ أَقْسَامِ الْمُنَاسِبِ. قَوْلُهُ: «وَالْمُنَاسِبُ» ، أَيْ: وَيُقَدَّمُ «الْمُنَاسِبُ عَلَى الشَّبَهِيِّ» . يَعْنِي إِذَا دَارَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسِ بَيْنَ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ وَشَبَهِيٍّ ; قُدِّمَ الْمُنَاسِبُ، لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْمَصْلَحَةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ، بِخِلَافِ الشَّبَهِيِّ فِيهِمَا.

стр. 2025

وَتَفَاصِيلُ التَّرْجِيحِ كَثِيرَةٌ، فَالضَّابِطُ فِيهِ: أَنَّهُ مَتَى اقْتَرَنَ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَمْرٌ نَقْلِيٌّ، أَوِ اصْطِلَاحِيٌّ، عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ، أَوْ قَرِينَةٌ عَقْلِيَّةٌ، أَوْ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ حَالِيَّةٌ، وَأَفَادَ ذَلِكَ زِيَادَةَ ظَنٍّ، رَجَحَ بِهِ. وَقَدْ حَصَلَ بِهَذَا بَيَانُ الرُّجْحَانِ مِنْ جِهَةِ الْقَرَائِنِ ; وَوَجْهُ الرُّجْحَانِ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ التَّرْجِيحَاتِ ظَاهِرٌ، فَلِهَذَا أَهْمَلْنَا ذِكْرَهُ اخْتِصَارًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ــ قَوْلُهُ: «وَتَفَاصِيلُ التَّرْجِيحِ كَثِيرَةٌ» . اعْلَمْ أَنَّ التَّرْجِيحَاتِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» هِيَ أَكْثَرُ مِنْ تَرْجِيحَاتِ «الرَّوْضَةِ» نَقَلْتُهَا مِنْ «الْحَاصِلِ» وَ «جَدَلِ ابْنِ الْمَنِّيِّ» ، وَغَيْرِهِمَا، وَمَعَ ذَلِكَ، فَثَمَّ تَرَاجِيحُ كَثِيرَةٌ لَمْ نَذْكُرْهَا ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِيِّينَ، وَذَلِكَ، لِأَنَّ مَثَارَاتِ الظُّنُونِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الرُّجْحَانُ وَالتَّرَاجِيحُ كَثِيرَةٌ جِدًا، فَحَصْرُهَا يَبْعُدُ. وَحَيْثُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ; «فَالضَّابِطُ» ، وَالْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ فِي التَّرْجِيحِ: «أَنَّهُ مَتَى اقْتَرَنَ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ» يَعْنِي الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ «أَمْرٌ نَقْلِيٌّ» ، كَآيَةٍ، أَوْ خَبَرٍ، «أَوِ اصْطِلَاحِيٌّ» كَعُرْفٍ، أَوْ عَادَةٍ ; عَامًّا كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ أَوْ خَاصًّا، «أَوْ قَرِينَةٌ عَقْلِيَّةٌ، أَوْ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ حَالِيَّةٌ، وَأَفَادَ ذَلِكَ زِيَادَةَ ظَنٍّ ; رَجَحَ بِهِ» لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ رُجْحَانَ الدَّلِيلِ هُوَ الزِّيَادَةُ فِي قُوَّتِهِ، وَظَنُّ إِفَادَتِهِ الْمَدْلُولَ، وَذَلِكَ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَخْتَلِفُ فِي نَفْسِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَدَارِكُهُ. قَوْلُهُ: «وَقَدْ حَصَلَ بِهَذَا بَيَانُ الرُّجْحَانِ مِنْ جِهَةِ الْقَرَائِنِ» . هَذَا اعْتِذَارٌ عَنْ تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِالْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَقْسَامِ التَّرْجِيحِ الْقِيَاسِيِّ، وَهُوَ التَّرْجِيحُ بِالْقَرَائِنِ ، لِأَنَّا كُنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّرْجِيحَ الْقِيَاسِيَّ: إِمَّا مِنْ جِهَةِ أَصْلِ الْقِيَاسِ، أَوْ عِلَّتِهِ، أَوْ قَرِينَةٍ عَاضِدَةٍ لَهُ، وَذَكَرْنَا الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنَ، وَهْمًا التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ وَالْعِلَّةِ، وَبَقِيَ التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةِ الْقَرِينَةِ لَمْ يُصَرَّحْ بِذِكْرِهِ تَفْصِيلًا

стр. 2026

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَالْقِسْمَيْنِ قَبْلَهُ، لَكِنَّا أَدْرَجْنَاهُ إِجْمَالًا فِي الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِلتَّرْجِيحِ بِقَوْلِنَا: «أَوْ قَرِينَةٌ عَقْلِيَّةٌ، أَوْ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ حَالِيَّةٌ» . قَوْلُهُ: «وَوَجْهُ الرُّجْحَانِ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ التَّرْجِيحَاتِ ظَاهِرٌ، فَلِهَذَا أَهْمَلْنَا ذِكْرَهُ اخْتِصَارًا» . يَعْنِي أَنَّ التَّرْجِيحَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَقَعَ أَكْثَرُهَا غَيْرَ مُوَجَّهٍ، أَيْ: لَمْ يُذْكَرْ وَجْهُ التَّرْجِيحِ فِيهِ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ، إِذِ الْعَادَةُ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ ذِكْرُ الْأَحْكَامِ وَتَرْكُ التَّوْجِيهَاتِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ اخْتِصَارًا. الثَّانِي: أَنَّ وَجْهَ تِلْكَ التَّرْجِيحَاتِ بَيِّنٌ، فَلَمْ نَرَ الْإِطَالَةَ بِذِكْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ تَوْجِيهُكُمْ لِذَلِكَ فِي الشَّرْحِ بِتَبْيِينِ الْبَيِّنِ، وَإِيضَاحِ الْوَاضِحِ، وَذَلِكَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، لِأَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ أَنَّ الْبَيَانَ لَهُ مَرَاتِبُ، بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ. فَرُتْبَةُ بَيَانِ التَّرْجِيحَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الشَّرْحِ أَعْلَى مِنْ رُتْبَةِ بَيَانِهَا عَلَى الْمُخْتَصَرِ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِ الْبَسْطِ فِي الشُّرُوحَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اخْتِصَارِ الْمَشْرُوحَاتِ. وَقَدْ نَجَزَ الْكَلَامُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، فَلْنَسْرِدِ الْآنَ وُجُوهًا مِنَ التَّرْجِيحَاتِ ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ تَكْمِلَةً لِمَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَرُبَّمَا وَقَعَ تَكْرَارٌ بَيْنَ مَا

стр. 2027

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَذْكُرُهُ وَمَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» فَلْيُغْتَفَرْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: عَرِيٌّ عَنِ الْأَمْثِلَةِ، فَ مِنَ التَّرْجِيحِ الْعَائِدِ إِلَى الرَّاوِي: أَنْ يَكُونَ أَذْكَرَ لِلرِّوَايَةِ، أَوْ قَدْ عَمِلَ بِمَا رَوَى، أَوْ يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْمَرْوِيِّ عَنْهُ حَالَ سَمَاعِهِ، أَوْ يَكُونَ أَعْلَمَ بِالْعَرَبِيَّةِ، أَوْ أَفْطَنَ، أَوْ أَذْكَى، أَوْ أَشْهَرَ فِي النَّسَبِ لَا لَبْسَ فِي اسْمِهِ، أَوْ تَكُونَ رِوَايَتُهُ عَنْ حِفْظٍ لَا عَنْ كِتَابٍ، وَيُحْتَمَلُ تَرْجِيحُ الْكِتَابِ هَهُنَا، لِأَنَّهُ أَوْثَقُ وَأَضْبَطُ. وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ كِتَابٍ مَعَ حِفْظِهِ لِمَا يَرْوِيهِ، وَأَوْصَى بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ، كَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَنَحْوِهِ. أَوْ يَكُونُ تَحَمُّلِهِ لِلرِّوَايَةِ فِي حَالِ بُلُوغِهِ، بِخِلَافِ مَنْ تَحَمَّلَ الرِّوَايَةَ صَغِيرًا، وَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يَخْتَلِطْ عَقْلُهُ فِي وَقْتٍ عَلَى غَيْرِهِ. وَحَكَى الْقَرَافِيُّ تَقْدِيمَ رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ نَازِعٌ إِلَى مَسْأَلَةِ إِجْمَاعِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَمِنْ التَّرْجِيحِ الْعَائِدِ إِلَى تَزْكِيَةِ الرَّاوِي: أَنْ يَكُونَ الْمُزَكِّي لِأَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ أَكْثَرَ، أَوْ يَكُونَ تَزْكِيَتُهُ بِصَرِيحِ الْقَوْلِ، وَتَزْكِيَةُ الْآخَرِ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، أَوِ الْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ، أَوِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَمِنْ الْعَائِدِ إِلَى نَفْسِ الرِّوَايَةِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ مِنْ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ، وَالْآخَرُ مِنْ مَرَاسِيلِ مَنْ دُونَهُمْ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُصَرَّحًا فِيهِ بِلَفْظِ: «حَدَّثَنَا» ، أَوْ «سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ» ، وَالْآخَرُ مُعَنْعَنًا، لِوُقُوعِ التَّدْلِيسِ فِي الْعَنْعَنَةِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُعَنْعَنًا وَالْآخَرُ مُعَلَّقًا، أَوْ مُكْتَفًى فِيهِ بِالشُّهْرَةِ، فَالْمُعَنْعَنُ رَاجِحٌ، لِأَنَّهُ وَإِنِ احْتَمَلَ الْإِرْسَالَ، فَالظَّاهِرُ الِاتِّصَالُ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِمَّا لَا سَنَدَ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَعْزُوًّا إِلَى كِتَابٍ مَشْهُورٍ

стр. 2028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالصِّحَّةِ، وَالْآخَرُ إِلَى كِتَابٍ لَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ سَمَاعًا مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ بِقِرَاءَتِهِ وَالْآخَرُ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ، أَوْ إِجَازَةً، أَوْ مُنَاوَلَةً مِنْهُ، أَوْ وِجَادَةً، فَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ أَعْلَى إِسْنَادًا مِنَ الْآخَرِ، فَيَكُونُ أَرْجَحُ لِقِلَّةِ مَظَانِّ الْغَلَطِ فِيهِ، أَوْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِهِمَا بِاللَّفْظِ، وَالْآخَرِ بِالْمَعْنَى، أَوْ أَحَدِهِمَا سَمَاعًا مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، كَرِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ لِأَنَّهُمْ مَحَارِمُهَا، وَالْآخَرِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، كَرِوَايَةِ رِجَالٍ كَثِيرِينَ عَنْهَا، لِكَوْنِهِمْ أَجَانِبَ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى فِيهِمَا. وَمِنْ الْعَائِدِ إِلَى الْمَرْوِيِّ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ مَسْمُوعًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْآخَرُ عَنْ كِتَابٍ، أَوْ إِقْرَارٍ مِنْهُ، أَوْ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ قَوْلٌ، وَالْآخَرُ فِعْلٌ، أَوْ أَحَدُهُمَا خَبَرٌ وَاحِدٌ فِيمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَالْآخَرُ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ. فَالْأَوَّلُ مُقَدَّمٌ فِي الْكُلِّ لِقُوَّةِ السَّمَاعِ وَالْقَوْلِ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى: هَلْ يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ أَمْ لَا؟ ، وَيُقَدَّمُ مَا لَمْ يُنْكِرْهُ رَاوِي الْأَصْلِ عَلَى مَا أَنْكَرَهُ، وَمَا أَنْكَرَهُ إِنْكَارَ نِسْيَانٍ عَلَى مَا أَنْكَرَهُ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ. وَمِنْ الْعَائِدِ إِلَى الْمَتْنِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَمْرًا وَالْآخَرُ نَهْيًا، فَالنَّهْيُ رَاجِحٌ، لِأَنَّ مَحَامِلَهُ أَقَلُّ، إِذْ هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ، وَالْأَمْرُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيُقَدَّمُ الْحَاظِرُ عَلَى الْمُبِيحِ لِذَلِكَ، وَيُقَدَّمُ مَا مَدْلُولُهُ مُبَيَّنٌ عَلَى مَا مَدْلُولُهُ مُجْمَلٌ بِاشْتِرَاكٍ أَوْ

стр. 2029

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غَيْرِهِ، وَمَا مَدْلُولُهُ حَقِيقِيٌّ عَلَى مَا مَدْلُولُهُ مَجَازِيٌّ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَالْأَشْهُرُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَمَا اسْتَغْنَى عَنْ إِضْمَارٍ أَوْ حَذْفٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَمَا دَلَّ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ جَمِيعًا عَلَى مَا دَلَّ بِأَحَدِهِمَا، وَمَا دَلَّ مِنْ وَجْهَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى مَا دَلَّ مِمَّا دَوْنَ ذَلِكَ، وَمَا لَهُ مَجَازٌ وَاحِدٌ عَلَى مَا لَهُ مَجَازَاتٌ، وَمَا لَزِمَهُ إِضْمَارٌ وَاحِدٌ عَلَى مَا لَزِمَهُ إِضْمَارَاتٌ، وَمَا أُكِّدَتْ دِلَالَاتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَدِلَالَةُ الْمَنْطُوقِ عَلَى الْمَفْهُومِ، وَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ عَلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَمَا دَلَّ عَلَى عِلَّةِ حُكْمِهِ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا، وَمَا سِيقَ لِبَيَانِ الْحُكْمِ عَلَى مَا لَمْ يُسَقْ لَهُ، بَلِ اسْتُفِيدَ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ، لِجَوَازِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يُرِيدُ مَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَمَا فَصَّلَ الْقِصَّةَ، وَاسْتَوْفَى حِكَايَتَهَا عَلَى مَا أَجْمَلَهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا، لِأَنَّ التَّفْصِيلَ وَالِاسْتِيفَاءَ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ إِحَاطَةٍ بِهَا، وَمَا لَا يُشْعِرُ بِنَقْصِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى غَيْرِهِ، كَحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ الْمُتَضَمِّنِ الْإِخْبَارَ بِضَحِكِ الصَّحَابَةِ فِي صَلَاتِهِمْ مِنْ وُقُوعِ الضَّرِيرِ فِي الْبِئْرِ. وَالْإِنْصَافُ أَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ مِنَ التَّرْجِيحِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ مَعَ كَمَالِهِمْ قَدْ وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمُ الزِّنَى وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذَا عَلَى ضَعْفِهِ مُحِيلٌ لِلرُّجْحَانِ. وَمَا تَضَمَّنَ ذِكْرَ سَبَبِ الْحُكْمِ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْأَسْبَابَ يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، وَلِهَذَا رَجَعْنَا فِي الْأَيْمَانِ إِلَى أَسْبَابِهَا وَمَا هَيَّجَهَا، وَالْأَفْصَحُ لَفْظًا عَلَى غَيْرِهِ. وَمِنْ تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ مِمَّا يَعُودُ إِلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ

стр. 2030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْقِيَاسَيْنِ وَاجِبَ التَّعْلِيلِ، أَوْ مُتَّفَقًا عَلَى تَعْلِيلِهِ، أَوْ هُوَ غَيْرُ مَعْدُولٍ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ. وَمِمَّا يَعُودُ إِلَى عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ وَصْفًا حَقِيقِيًّا وَالْأُخْرَى حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَيُقَدَّمُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا قَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ. وَيُقَدَّمُ الْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ عَلَى الْعَدَمِيُّ، وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ أَيْضًا، وَمَا لَا تَرْجِعُ عَلَى أَصْلِهَا بِالْإِبْطَالِ عَلَى غَيْرِهَا، كَمَا يَقُولُ الْحَنَفِيُّ فِي قَوْلِهِ ﵇: فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ الْمَعْقُولُ مِنْ هَذَا إِيجَابُ مَالِيَّةِ الشَّاةِ لِإِغْنَاءِ الْفُقَرَاءِ، فَتُجْزِئُ قِيمَتُهَا، لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَالِيَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنَ النَّصِّ الْمَذْكُورِ، عَادَتْ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا الْعِلَّةُ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَصْدُ الشَّارِعِ التَّشْرِيكَ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ فِي جِنْسِ الْمَالِ، لِأَنَّهَا تُقَرِّرُ أَصْلَهَا وَلَا تُبْطِلُهُ. قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ بَابِ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ، وَهُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ. وَأَحْسَبُ أَنَّ خُصُومَهُمْ تَمَحَّلُوا لِهَذَا الْوَجْهِ مِنَ التَّرْجِيحِ حَتَّى يُبْطِلُوا بِهِ تَأْوِيلَهُمْ. وَمَذْهَبُهُمْ فِي دَفْعِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ قَوِيٌّ جِدًا. وَيُقَدَّمُ الْمُنَاسِبُ الضَّرُورِيُّ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْحَاجِيُّ عَلَى التَّحْسِينِيِّ، وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ عَلَى قِيَاسِ الدِّلَالَةِ، وَالدِّلَالَةِ عَلَى الشَّبَهِ، وَمَا عِلَّتُهُ وَاحِدَةٌ عَلَى ذِي الْعِلَّتَيْنِ لِلْخِلَافِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ، وَالْعِلَّةِ الْعَامَّةِ الْمُصْلِحَةِ عَلَى الْخَاصِّ مِنْهَا. وَمِمَّا يَعُودُ إِلَى الْفَرْعِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ مُشَارِكًا لِأَصْلِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَعَيْنُ الْعِلَّةِ بِخِلَافِ الْآخَرَ، أَوْ يَكُونَ وُجُودُ الْعِلَّةِ فِي أَحَدِهِمَا أَظْهَرُ مِنْ

стр. 2031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وُجُودِهَا فِي الْآخَرِ، أَوْ يَكُونَ النَّصُّ قَدْ دَلَّ عَلَى حُكْمِ أَحَدِهِمَا إِجْمَالًا لَا تَفْصِيلًا، بِخِلَافِ الْآخَرِ. هَذَا مَا تَيَسَّرَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ الْمُكَمِّلَةِ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْهَا. الْقِسْمُ الثَّانِي: ذِكْرُ جُمْلَةٍ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ بِأَمْثِلَتِهَا أَوْ بَعْضِهَا، ذَكَرَهَا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحْسَبُهُ الْجَصَّاصَ صَاحِبَ «الْفُصُولِ» وَفِيهِ أَبْوَابٌ: أَحَدُهَا: فِي تَرْجِيحِ النُّصُوصِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ، فَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: إِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، فَهُمَا إِمَّا عَامَّانِ، أَوْ خَاصَّانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَامٌّ وَالْآخَرُ خَاصٌّ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ كَانَا عَامَّيْنِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، تَعَيَّنَ احْتِرَازًا مِنْ تَعْطِيلِهِمَا، أَوْ تَعْطِيلِ أَحَدِهِمَا. مِثَالُهُ: قَوْلُهُ ﵇: خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ مَعَ ذَمِّهِ لِمَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ، فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ

стр. 2032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّ لَهُ شَاهِدًا حِفْظًا لَحِقِّ الْمُسْلِمَ. وَالثَّانِي: عَلَى مَا إِذَا عَلِمَ فَإِنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ حِينَئِذٍ تَكُونُ فُضُولًا. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَا خَاصَّيْنِ لَا رُجْحَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، تَوَقَّفَ عَلَى الْمُرَجِّحِ الْخَارِجِيِّ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، وَعُلِمَ التَّارِيخُ، فَالثَّانِي نَاسِخٌ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ، فَهُمَا كَمُجْمَلٍ لَا بَيَانَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا، وَالْآخَرُ خَاصًّا، حُمِلَ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ، كَقَوْلِهِ ﵇: فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ مَعَ قَوْلِهِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ يَخُصُّ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي، وَيَصِيرُ تَقْدِيرُهُ: فِي الرِّقَّةِ فِي خَمْسِ أَوَاقٍ فَصَاعِدًا رُبْعُ الْعُشْرِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ تَرَجَّحَتْ حُجَّةُ خُصُوصِ أَحَدِهِمَا، خُصَّ بِهِ الْآخَرُ، وَإِلَّا وَقَفَ عَلَى الْمُرَجِّحِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ: مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا مَعَ قَوْلِهِ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ

стр. 2033

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، فَالْأَوَّلُ عَامٌّ فِي الْوَقْتِ خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَالثَّانِي خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ، فَخَصَّصْنَا الثَّانِي لِمَا عُرِفَ مِنْ شِدَّةِ اهْتِمَامِ الشَّرْعِ بِالْمَكْتُوبَاتِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا صَلَاةَ تَطَوُّعٍ بَعْدَ الْفَجْرِ. وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ خَاصَّانِ وَأَحَدُهُمَا مُتَقَدِّمٌ، رُجِّحَ الْمُتَأَخِّرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ تَرْجِيحِ الْمُتَقَدِّمِ يَتَعَطَّلُ الْمُتَأَخِّرُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَبِتَقْدِيرِ تَرْجِيحِ الْمُتَأَخِّرِ إِنَّمَا يَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْمُتَقَدِّمِ بِبَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ التَّعْطِيلِ بِالْكُلِّيَّةِ. قُلْتُ: وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ الْمُتَقَدِّمُ قَدْ عَمِلَ بِهِ فِي وَقْتٍ مَا، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ تَرْجِيحِ أَيُّهُمَا كَانَ تَعْطِيلُ الْآخَرُ. وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، وَأَحَدُهُمَا يُعَرِّفُ الْحُكْمَ - مَوْضُوعٌ لِتَعْرِيفِهِ -، وَالثَّانِي يَنْفِي الْحُكْمَ بِإِضْمَارِ شَيْءٍ، أَوْ بِتَقْيِيدِ مُطَلَّقٍ، فَالْأَوَّلُ رَاجِحٌ. قُلْتُ: حَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى تَرْجِيحِ مَا دَلَّ بِنَفْسِهِ عَلَى مَا افْتَقَرَ إِلَى إِضْمَارٍ أَوْ تَقْيِيدٍ، لَكِنَّ عِبَارَتَهُ مُنْحَرِفَةٌ عَنْ إِفَادَةِ ذَلِكَ إِفَادَةً تَامَّةً. ثُمَّ مَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ ﵇: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ مَعَ قَوْلِهِ: لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي قَبُولُ الصَّلَاةِ بِدُونِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَالثَّانِي يَنْفِي ذَلِكَ ; إِمَّا بِإِضْمَارِ الْجَوَازِ، أَيْ: لَا صَلَاةَ جَائِزَةٌ أَوْ صَحِيحَةٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، أَوْ بِتَقْيِيدِ لَفَظِ الْعَمَلِ بِالْوَاجِبِ، أَيْ: لَا عَمَلَ وَاجِبٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ.

стр. 2034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَحَيُّلَاتِ الْحَنَفِيَّةِ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَبَيَانُ ضَعْفِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فَهْمَ قَبُولِ الصَّلَاةِ بِدُونِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، هُوَ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْغَايَةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ لَا يَقُولُونَ بِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ إِنْ كُنَّا نَحْنُ نُضْمِرُ فِيهِ الْجَوَارِحَ فَهُمْ يَلْزَمُهُمْ إِضْمَارُ الْكَمَالِ بِأَنْ يُقَالَ: لَا عَمَلَ كَامِلٌ وَلَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ، وَلَمْ يُضْمِرُوا ذَلِكَ ; لَزِمَ انْتِفَاءُ ذَاتِ الْعَمَلِ وَالصَّلَاةِ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُنَا. وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْعَمَلِ بِالْوَاجِبِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ الْمَطْعُونُ فِيهِ وَغَيْرُهُ ; قُدِّمَ الثَّانِي، كَقَوْلِهِ ﵇ لِعَلِيٍّ ﵁: لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الذَّهَبِ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَفِيهَا نِصْفُ مِثْقَالٍ عَلَى قَوْلِهِ ﵇: لَا زَكَاةَ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ،

стр. 2035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ، وَالثَّانِي يَنْفِيهِ، لَكِنْ طَعَنَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ. قُلْتُ: أَمَّا أَصْلُ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي تَرْجِيحِ مَا لَا طَعْنَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ، فَصَحِيحٌ،أَمَّا الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِي لَا يَصِحُّ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ بِعُمُومِهِ، وَنَحْنُ نَخُصُّهُ فِي قِيَاسِ الْحُلِيِّ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى عَبِيدِ الْخِدْمَةِ، وَثِيَابِ الْبَذْلَةِ بِجَامِعِ كَوْنِهَا مُتَعَلَّقَ الْحَاجَةِ، فَلَا تَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ. وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ عُمُومُ قَوْلِهِ ﵊ وَفِعْلِهِ، تَرَجَّحَ الْفِعْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ عِنْدَ غَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ. مِثَالُهُ: قَوْلُهُ ﵇: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَقَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ.
следующие страницы →