Полный текст (2 051 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ فُورَكٍ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِمَا.
«وَقِيلَ» : هِيَ «اصْطِلَاحِيَّةٌ» أَيْ: عُرِفَتْ بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِ.
«وَقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْقِسْمَيْنِ» : التَّوْقِيفِ وَالِاصْطِلَاحِ، أَيْ: بَعْضُهَا حَصَلَ بِالتَّوْقِيفِ، وَبَعْضُهَا بِالِاصْطِلَاحِ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْتِدَاءَ اللُّغَاتِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ضَرُورَةُ التَّفَاهُمِ أَوَّلًا وَقَعَ بِالِاصْطِلَاحِ، وَالْبَاقِي يَحْتَمِلُ التَّوْقِيفَ وَالِاصْطِلَاحَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْقَدْرَ الضَّرُورِيَّ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِاصْطِلَاحُ تَوْقِيفِيٌّ، وَالْبَاقِي اصْطِلَاحِيٌّ، وَهَذَا قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ: «وَالْكُلُّ مُمْكِنٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَطْعِ بِأَحَدِهَا» .
أَيْ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُمْكِنَةٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْقَطْعِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، إِذْ لَيْسَ فِيهَا قَاطِعٌ نَقْلِيٌّ أَنَّهَا تَوْقِيفٌ أَوِ اصْطِلَاحٌ، أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، وَالْعَقْلُ لَا مَجَالَ لَهُ فِي اللُّغَاتِ لِيَسْتَدِلَّ عَلَيْهَا بِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْعَقْلِ وَنَظَرَهُ إِنَّمَا يَقْصُرُ عَنْ وَضْعِ اللُّغَاتِ وَتَخْصِيصِ أَسْمَائِهَا بِمُسَمَّيَاتِهَا. أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى وَاضِعِهَا، وَكَيْفِيَّةِ ابْتِدَائِهَا، فَهُوَ أَمْرٌ نَظَرِيٌّ لَا يَقْصُرُ الْعَقْلُ عَنْهُ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى مَذْهَبِهِمْ بِالنَّظَرِ الْعَقْلِيِّ، أَوِ الْمُرَكَّبِ مِنْهُ وَمِنَ النَّقْلِ، نَعَمْ إِدْرَاكُهُ لِلْحُكْمِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ ضَرُورِيًّا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الْقَطْعُ مِنْهُ.
أَمَّا دَلِيلُ إِمْكَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَجُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ:
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا التَّوْقِيفُ: فَبِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي الْمُكَلَّفِينَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِالْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَنِسْبَةِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، فَيَحْصُلَ الْعِلْمُ لَهُمْ بِهَا تَوْقِيفًا.
وَأَمَّا الِاصْطِلَاحُ: فَبِأَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ دَوَاعِيَ الْعُقَلَاءِ بِالِاصْطِلَاحِ عَلَى مَا يَتَخَاطَبُونَ بِهِ، وَيُعِينُهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ، فَيَحْصُلُ التَّخَاطُبُ بَيْنَهُمْ بِالِاصْطِلَاحِ، وَالْقَوْلَانِ الْآخَرَانِ يَظْهَرُ إِمْكَانُهُمَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
قَوْلُهُ: «وَالْخَطْبُ فِيهَا يَسِيرٌ» ، أَيْ: وَالْخَطْبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَسِيرٌ، أَيْ: أَمْرُهَا سَهْلٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ تُذْكَرْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي هَذَا الْعِلْمِ وَلَا فِي غَيْرِهِ نَقْصًا، إِذْ لَا يَرْتَبِطُ بِهَا تَعَبُّدٌ عَمَلِيٌّ وَلَا اعْتِقَادِيٌّ، أَيْ: لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا مَعْرِفَةُ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الشَّرِيعَةِ، وَلَا مَعْرِفَةُ اعْتِقَادٍ مِنَ اعْتِقَادَاتِهَا.
فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا كَانَ أَمْرُهَا هَكَذَا، فَلِمَ أَطْنَبَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهَا هَذَا الْإِطْنَابَ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَنْفَعُ، عَبَثٌ؟
قُلْنَا: لَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ مِنَ الْعُلُومِ، فَفِي مَسَائِلِهِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الضَّرُورَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَفِيهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الرِّيَاضَاتِ الَّتِي يَرْتَاضُ الْعُلَمَاءُ بِالنَّظَرِ فِيهَا، فَتَكُونُ فَائِدَتُهَا الرِّيَاضَةَ النَّظَرِيَّةَ لَا دَفْعَ الْحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ وَنَحْنُ إِنَّمَا نَفَيْنَا فَائِدَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ لَا فِي الْعِلْمِ عَلَى جِهَةِ الِارْتِيَاضِ، وَهَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ يُصَوِّرُونَ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي الْوَصَايَا وَالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ وَغَيْرِهَا صُوَرًا يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ - أَوْ يَنْدُرُ - وُقُوعُهَا، وَيَبْحَثُونَ فِيهَا الْبَحْثَ الْعَرِيضَ
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطَّوِيلَ، وَمَا قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا الِارْتِيَاضُ بِهَا، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ الْمَسَائِلِ الضَّرُورِيَّةِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ رِيَاضَاتِهِ. وَمَسْأَلَةُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ أَوِ الْفَوْرِ وَالنَّهْيِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَنَحْوَهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ.
قَوْلُهُ: «وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ» ، أَيْ: إِنْ حَاوَلْنَا الْقَطْعَ بِأَحَدِ الْأَقْوَالِ، فَلَا سَبِيلَ لَنَا إِلَيْهِ لِمَا مَرَّ، وَإِنْ حَاوَلْنَا الظَّنَّ، فَالظَّاهِرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ التَّوْقِيفُ، وَلَنَا عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣١] ، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ بِاللَّامِ الْمُسْتَغْرِقَةِ، وَأَكَّدَهَا بِلَفْظِ كُلٍّ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَوَارَثَتْ ذَلِكَ ذَرِّيَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ بِالتَّلَقِّي عَنْهُ، فَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى اصْطِلَاحٍ كُلِّيٍّ وَلَا جُزْئِيٍّ.
قَوْلُهُ: «قِيلَ: أَلْهَمَهُ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى دَلِيلِ التَّوْقِيفِ مِنْ جِهَةِ الْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا فِي التَّوْقِيفِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَلْهَمَ آدَمَ وَضْعَ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ لِمُسَمَّيَاتِهَا، ثُمَّ نَسَبَ التَّعْلِيمَ إِلَى نَفْسِهِ ، لِأَنَّهُ الْهَادِي وَالْمُرْشِدُ لَهُ إِلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَّمَهُ لُغَةً كَانَتْ قَبْلَهُ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ أُمَمٌ، وَلَا بُدَّ لِهَؤُلَاءِ مِنْ لُغَةٍ يَتَخَاطَبُونَ بِهَا،
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَا يَكُونُ تَعْلِيمُهُ لِلُغَتِهِمْ تَوْقِيفًا ابْتِدَاءً، بَلْ إِيصَالًا لِلُغَةِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ، وَإِخْبَارًا لَهُ بِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَهُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَوْجُودَةِ حِينَئِذٍ، كَالسَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، لَا مَا حَدَثَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ التَّوْقِيفُ كُلِّيًّا. وَبِتَقْدِيرِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُكُمْ مِنَ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: تَخْصِيصٌ» ، أَيْ: هَذَا الَّذِي عَارَضْتُمْ بِهِ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ تَخْصِيصٌ لِظَاهِرِ عُمُومِهَا، وَتَأْوِيلٌ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِهَا، وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ وَتَأْوِيلُ الظَّاهِرِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يَصْلُحُ لَهُ، وَيُكَافِئُهُ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا قَاطِعَ وَلَا نَصَّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَا الظَّنَّ وَالظُّهُورَ، وَدَلِيلُنَا عَلَى مَا ادَّعَيْنَاهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ الْإِنْصَافِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَائِدَةٌ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللُّغَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ، فَإِنَّهَا لَمْ تَقَعْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، بَلْ وُقِفَ آدَمُ عَلَى مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ مَنْ حَدَثَ مِنْ بَنِيهِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ بَعْدَهُ، حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَأُوتِيَ مِنْهَا مَا لَمْ يُؤْتَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ قَرَّ الْأَمْرُ قَرَارَهُ، وَخُتِمَتْ بِهِ اللُّغَةُ، كَمَا خُتِمَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ. ذَكَرَ مَعْنَى هَذَا ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ فِقْهِ اللُّغَةِ وَسُنَنِ الْعَرَبِ الْمُسَمَّى بِـ «الصَّاحِبِي» .
стр. 425
الثَّانِي: تَثْبُتُ الْأَسْمَاءُ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
لَنَا، مُعْتَمَدُهُ فَهْمُ الْجَامِعِ، كَالتَّخْمِيرِ فِي النَّبِيذِ، كَالشَّرْعِيِّ، فَيَصِحُّ حَيْثُ فُهِمَ.
ــ
قَوْلُهُ: «الثَّانِي» ، أَيِ: الْبَحْثُ الثَّانِي مِنْ أَبْحَاثِ اللُّغَةِ: «تَثْبُتُ الْأَسْمَاءُ قِيَاسًا» وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي يَعْقُوبَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا.
قُلْتُ: وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَلَا فِي أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ، كَعَالِمٍ وَقَادِرٍ، إِذْ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فِيهِ، لِأَنَّ الْأَعْلَامَ ثَابِتَةٌ بِوَضْعِ الْوَاضِعِ لَهَا بِاخْتِيَارِهِ، فَلَيْسَ لَهَا ضَابِطٌ، وَأَسْمَاءُ الصِّفَاتِ لِأَجْلِ الْمَعَانِي الصَّادِرَةِ مِنْهَا، وَالْقَائِمَةِ بِهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: زَيْدٌ إِنْسَانٌ، فَأَنَا أَحْكُمُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِأَنَّ اسْمَهُ زَيْدٌ، وَلَا أَنْ يَقُولَ: عَمْرٌو عَالِمٌ، وَهُوَ رَجُلٌ، فَأَنَا أَحْكُمُ بِأَنَّ كُلَّ رَجُلٍ عَالِمٌ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأَسْمَاءِ الْكُلِّيَّةِ، أَعْنِي أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ الَّتِي وُضِعَتْ لَمَعَانٍ فِي مُسَمَّيَاتِهَا تَدُورُ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا، كَالْخَمْرِ الَّذِي دَارَ اسْمُهُ مَعَ التَّخْمِيرِ هَلْ يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى النَّبِيذِ قِيَاسًا بِعِلَّةِ التَّخْمِيرِ وَالْإِسْكَارِ؟
قَالَ الْآمِدِيُّ: أَثْبَتَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَنَفَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ، وَهَذَا النَّقْلُ كَالتَّفْصِيلِ لِنَقْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
стр. 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «لَنَا، مُعْتَمَدُهُ فَهْمُ الْجَامِعِ» ، كَالتَّخْمِيرِ الْجَامِعِ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ، وَإِذَا وُجِدَ الْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ، وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ الْقِيَاسُ، كَالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، لَمَّا كَانَ مُعْتَمَدُهُ فَهْمَ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَازَ، كَقِيَاسِ الْأُرْزِ وَالذُّرَةِ عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فِي الرِّبَا بِجَامِعِ الْكَيْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مُعْتَمَدَ الْقِيَاسِ فَهْمُ الْمَعْنَى الْجَامِعِ، لِمَا سَيَأْتِي فِي الْقِيَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «فَيَصِحُّ حَيْثُ فُهِمَ» ، أَيْ: فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ لُغَةً حَيْثُ فُهِمَ الْجَامِعُ، كَمَا فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِ هَذَا قِيَاسًا لُغَوِيًّا وَهَذَا قِيَاسًا شَرْعِيًّا، لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْقٌ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلتَّأْثِيرِ.
стр. 427
قَالُوا: إِنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْجَامِعَ التَّخْمِيرُ، فَالنَّبِيذُ خَمْرٌ بِالْوَضْعِ، وَإِلَّا فَإِلْحَاقُ مَا لَيْسَ مِنْ لُغَتِهِمْ بِهَا.
قُلْنَا: لَيْسَ النَّصُّ مِنْ شُرُوطِ الْجَامِعِ، بَلْ يَثْبُتُ بِالِاسْتِقْرَاءِ.
قَالُوا: سَمَّوُا الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ، وَكُمَيْتًا لِحُمْرَتِهِ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمَا غَيْرُهُمَا.
قُلْنَا: مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ وَالصِّفَةِ، فَالْعِلَّةُ ذَاتُ وَصْفَيْنِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
قَالُوا: الشَّرْعِيُّ يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا إِجْمَاعَ هُنَا.
ــ
قَوْلُهُ: «قَالُوا: إِنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْجَامِعَ التَّخْمِيرُ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا دَلِيلُ نُفَاةِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْمَاءِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْعَرَبَ فِي تَسْمِيَتِهِمْ لِلْخَمْرِ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونُوا نَصُّوا عَلَى أَنَّ التَّخْمِيرَ هُوَ عِلَّةُ تَسْمِيَتِهِمْ لَهَا خَمْرًا أَوْ لَمْ يَنُصُّوا، فَإِنْ نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ، فَالنَّبِيذُ خَمْرٌ بِالْوَضْعِ لَا بِالْقِيَاسِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ فِي لُغَتِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَائِعٍ قَامَ بِهِ التَّخْمِيرُ، فَهُوَ خَمْرٌ، فَإِذَا رَأَيْنَا النَّبِيذَ مَائِعًا قَامَ بِهِ التَّخْمِيرُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَمْرًا بِنَصِّ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى جِنْسِهِ وَوَضْعِهِمْ لَهُ، كَمَا إِذَا قَالُوا: كُلُّ ذَكَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَهُوَ رَجُلٌ، وَكُلُّ أُنْثَى مِنْهُمْ، فَهِيَ امْرَأَةٌ، فَيُقَالُ: هَذَا الشَّخْصُ ذَكَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ أُنْثَى، فَهُوَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ بِالْوَضْعِ لَا بِالْقِيَاسِ. وَإِنْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَسْمِيَةِ الْخَمْرِ التَّخْمِيرُ، كَانَ تَسْمِيَتُنَا لِلنَّبِيذِ خَمْرًا خَارِجًا عَنْ لُغَتِهِمْ، وَإِلْحَاقًا لِمَا لَيْسَ مِنْهَا بِهَا فَقَدْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي ادَّعَيْتُمْ إِثْبَاتَهَا بِالْقِيَاسِ إِمَّا وَضْعِيَّةٌ أَوْ خَارِجَةٌ عَنِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَثْبُتُ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْمَاءِ، إِمَّا لِلْخُرُوجِ عَنِ اللُّغَةِ، أَوْ لِعَدَمِ مُصَادَفَةِ الْقِيَاسِ
стр. 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَابِلًا.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لَيْسَ النَّصُّ مِنْ شَرْطِ الْجَامِعِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَلِيلِهِمْ بِمَنْعِ الْحَصْرِ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ شَرْطَ الْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْوَاضِعِ، بَلْ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالنَّصِّ أَوِ التَّنْبِيهِ، وَنَسْتَخْرِجُهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَوِ الِاسْتِدْلَالِ، كَمَا أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ تَثْبُتُ بِالنَّصِّ وَالْإِيمَاءِ، وَتُسْتَخْرَجُ بِالِاسْتِدْلَالِ وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَنَحْوِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَنَحْنُ اسْتَقْرَأْنَا كَثِيرًا مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَضَعُونَ الِاسْمَ الْكُلِّيَّ لِمَعْنًى قَائِمٍ بِمُسَمَّاهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْمَعْنَى إِذَا قَامَ بِذَاتٍ، سَمَّيْنَا تِلْكَ الذَّاتَ بِذَاكَ الِاسْمِ، كَمَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمَا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ، وَفَهِمْنَا مِنْ تَحْرِيمِهِ عِلَّةَ الْوَزْنِ، حَكَمْنَا بِأَنَّ كُلَّ مَوْزُونٍ رِبَوِيٍّ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ إِذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: سَمَّوُا الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا نَقْصٌ مِنَ الْخَصْمِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ وَعَلَى أَصْلِ الدَّلِيلِ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَوِ اسْتَقَلَّ فَهْمُ الْجَامِعِ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْمَاءِ، لَجَازَ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ أَسْوَدَ أَدْهَمَ، وَكُلُّ أَحْمَرَ كُمَيْتًا، لِأَنَّ الْعَرَبَ سَمَّتِ الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ، وَكُمَيْتًا
стр. 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِحُمْرَتِهِ، ثُمَّ لَمْ يَلْحَقْ بِهِمَا غَيْرُهُمَا فِي تَسْمِيَتِهِ أَدْهَمَ وَكُمَيْتًا. وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِقْلَالِ فَهْمِ الْجَامِعِ بِالْقِيَاسِ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْمَاءِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ وَالصِّفَةِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
أَيِ: الْأَدْهَمُ وَالْكُمَيْتُ مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ وَالصِّفَةِ، أَيْ: لِجِنْسِ الْفَرَسِ وَصِفَةِ السَّوَادِ وَالْكُمْتَةِ «فَالْعِلَّةُ ذَاتُ وَصْفَيْنِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا» وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّهُ شَبِيهٌ بِبَابِ الِاشْتِقَاقِ حَيْثُ يُوجَدُ فِي الْمُشْتَقِّ خُصُوصُ الْمَحَلِّ مَعَ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، كَمَا سُمِّيَ الْأَسَدُ ضَيْغَمًا مُشْتَقًّا مِنَ الضَّغْمِ، وَهُوَ الْعَضُّ الشَّدِيدُ، وَلَمْ يُسَمَّ الْجَمَلُ ضَيْغَمًا، وَإِنْ كَانَ الْعَضُّ الشَّدِيدُ مَوْجُودًا فِيهِ، لِأَنَّ خُصُوصِيَّةَ الْأَسَدِيَّةِ مُرَادَةٌ فِي الضَّغْمِ، وَالْبَعِيرُ لَيْسَ بِأَسَدٍ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا خُصُوصِيَّةُ الْفَرَسِيَّةِ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَدْهَمِ مَعَ السَّوَادِ.
فَإِذَا قِيلَ لَنَا: لِمَ لَمْ تُسَمُّوا زَيْدًا الْأَسْوَدَ أَوِ الثَّوْرَ الْأَسْوَدَ أَدْهَمَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرَسٍ، فَانْتَفَى فِيهِ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ فِي الْمُسَمَّى، وَأَحَدُ جُزْئَيِ الِاسْمِ، وَكُلُّ عِلَّةٍ كَانَتْ ذَاتَ وَصْفَيْنِ، أَوْ حُكْمٍ عُلِّقَ عَلَى شَرْطَيْنِ، لَمْ يُوجَدِ الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا، لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَالشَّرْطَ لَا يُؤَثِّرَانِ إِلَّا كَامِلَيْنِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ» ، أَيْ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّهُمْ
стр. 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَمَّوُا الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ، وَلَمْ يُسَمُّوا كُلَّ أَسْوَدَ أَدْهَمَ، غَايَتُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْأَسْمَاءِ لَمْ يَطَّرِدْ، فَيَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَكَمَا يَتَخَلَّفُ الْحُكْمُ عَنِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ شَرْعًا، وَلَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ بُطْلَانَ أَصْلِ الْقِيَاسِ، كَذَلِكَ يَتَخَلَّفُ الْحُكْمُ عَنِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ لُغَةً، وَلَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ أَصْلِ الْقِيَاسِ، فَحَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِهِمُ الْمَذْكُورِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنَعَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَسْمِيَتِهِمُ الْفَرَسَ أَدْهَمَ مُجَرَّدُ السَّوَادِ، بَلْ مَعَ خُصُوصِيَّةِ الْفَرَسِيَّةِ.
الثَّانِي: بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ هُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ اللُّغَوِيَّةِ، فَهُوَ كَتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: الشَّرْعِيُّ يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا إِجْمَاعَ هُنَا» .
هَذَا مَنْعٌ مِنْهُمْ لِلْأَصْلِ فِي قِيَاسِنَا الْقِيَاسَ اللُّغَوِيَّ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْلَاهُ لَمَا اسْتَقَلَّ وُجُودُ الْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِجَوَازِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُ اللُّغَوِيِّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالْإِجْمَاعِ.
стр. 431
قُلْنَا: بَلْ بِالْعَقْلِ، كَمَا سَيَأْتِي. ثُمَّ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ اسْتِقْرَاءُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَاسْتِقْرَاءُ اللُّغَةِ مِثْلُهُ. ثُمَّ قَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى جَوَازِهِ، وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ، وَهُوَ إِثْبَاتٌ، فَيُقَدَّمُ.
ــ
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: بَلْ بِالْعَقْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ فَقَطْ، بَلْ وَبِالْعَقْلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقِيَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ الْأُصُولِيِّينَ يَذْكُرُونَ فِي إِثْبَاتِهِ مَدَارِكَ عَقْلِيَّةً وَشَرْعِيَّةً، وَإِذَا كَانَ لِلْعَقْلِ تَصَرُّفٌ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنَّ مُسْتَنَدَ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ اسْتِقْرَاءُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاسْتِخْرَاجُ أَدِلَّتِهِ مِنْهُمَا كَمَا سَيَأْتِي فِي أَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَاسْتِقْرَاءُ اللُّغَةِ مِثْلُهُ، أَيْ: هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ، كَاسْتِقْرَاءِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ هُوَ اسْتِقْرَاءُ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ اللُّغَوِيُّ مُسْتَنَدُهُ اسْتِقْرَاءُ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ كَابْنِ جِنِّيٍّ فِي كِتَابِهِ «الْمُنْصِفِ» وَغَيْرِهِ نَصُّوا عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ،
стр. 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، يَعْنِي قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، «إِثْبَاتٌ، فَيُقَدَّمُ» .
هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ فِيهَا، فَقَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ، فَلِمَ كَانَ قَوْلُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْأُخْرَى؟
وَالْجَوَابُ بِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِينَ نَصُّوا عَلَى الْجَوَازِ مُثْبِتُونَ، وَالَّذِينَ نَصُّوا عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ نَافُونَ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ، كَانَ الْإِثْبَاتُ مُقَدَّمًا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ فِي الْجَوَابِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، بَلْ خَطَرَ لِيَ الْآنَ، فَذَكَرْتُهُ: وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِيَاسَ اللُّغَوِيَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذَا شَأْنُ الْقِيَاسِ، وَهُوَ إِلْحَاقُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، لَبَطَلَ الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ مِنْ أَصْلِهِ، لِأَنَّ مَحَالَّ الْوِفَاقِ لَا حَاجَةَ فِيهَا إِلَى الْقِيَاسِ، وَمَحَالَّ الْخِلَافِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى مَحَلِّ الْوِفَاقِ، فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ: مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ اللَّائِطَ يُحَدُّ قِيَاسًا عَلَى الزَّانِي بِجَامِعِ الْإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ، وَشَارِبَ النَّبِيذِ يُحَدُّ قِيَاسًا عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ بِجَامِعِ السُّكْرِ وَالتَّخْمِيرِ، وَنَبَّاشَ الْقُبُورِ يُحَدُّ قِيَاسًا عَلَى سَارِقِ أَمْوَالِ الْأَحْيَاءِ بِجَامِعِ أَخْذِ الْمَالِ فِي خُفْيَةٍ عِنْدَنَا، وَلَا حَدَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ.
стр. 433
(الثَّالِثُ) الْأَسْمَاءُ: وَضْعِيَّةٌ، وَعُرْفِيَّةٌ، وَشَرْعِيَّةٌ، وَمَجَازٌ مُطْلَقٌ.
فَالْوَضْعِيُّ: الْحَقِيقَةُ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضُوعٍ أَوَّلَ.
وَالْعُرْفِيُّ: مَا خُصَّ عُرْفًا بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ الْوَضْعِيَّةِ، كَالدَّابَّةِ لِذَاتِ الْأَرْبَعِ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْوَضْعِ لِكُلِّ مَا دَبَّ، أَوْ يَشِيعُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، كَالْغَائِطِ، وَالْعَذِرَةِ، وَالرَّاوِيَةِ، وَحَقِيقَتُهَا: الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِنَاءُ الدَّارِ، وَالْجَمَلُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ الْمَاءُ. وَهُوَ مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْضُوعِ الْأَوَّلِ، وَحَقِيقَةٌ فِيمَا خُصَّ بِهِ عُرْفًا لِاشْتِهَارِهِ.
ــ
قَوْلُهُ: «الثَّالِثُ» أَيِ: الْبَحْثُ الثَّالِثُ مِنْ أَبْحَاثِ اللُّغَةِ: «الْأَسْمَاءُ وَضْعِيَّةٌ» ، إِلَى آخِرِهِ.
أَيِ الْأَسْمَاءُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
«وَضْعِيَّةٌ» : أَيْ: ثَابِتَةٌ بِالْوَضْعِ وَهُوَ تَخْصِيصُ الْوَاضِعِ لَفْظًا بِاسْمٍ، بِحَيْثُ إِذَا أُطْلِقَ ذَلِكَ اللَّفْظُ، فُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، كَمَا إِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الْأَسَدِ، فَهِمْنَا مِنْهُ حَدَّ الْحَيَوَانِ الْخَاصِّ الْمُفْتَرِسِ.
«وَعُرْفِيَّةٌ» : وَهِيَ مَا ثَبَتَتْ بِالْعُرْفِ، وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْمُتَخَاطِبِينَ.
«وَشَرْعِيَّةٌ» : وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِوَضْعِ الشَّرْعِ لِلْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ أَوِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا.
«وَمَجَازٌ مُطْلَقٌ» : وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «فَالْوَضْعِيُّ» ، أَيِ: الِاسْمُ الْوَضْعِيُّ هُوَ «الْحَقِيقَةُ» . وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يَخْتَصَّانِ بِالْأَسْمَاءِ، بَلْ هُمَا يَجْرِيَانِ فِي الْكَلِمِ الثَّلَاثِ: الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: اللَّفْظُ هُوَ الْحَقِيقَةُ، لِيَعُمَّ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ غَالِبُ تَنَازُعِ الْأُصُولِيِّينَ فِي هَذَا الْمَكَانِ مُتَعَلِّقًا بِالْأَسْمَاءِ، فَرَضَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَلَامَ فِي
стр. 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَسْمَاءِ، وَتَابَعْتُهُ أَنَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
تَنْبِيهٌ: الْحَقِيقَةُ: فَعِيلَةٌ مِنَ الْحَقِّ، وَهُوَ الثَّابِتُ، لِأَنَّ نَقِيضُهُ الْبَاطِلَ، وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَسُمِّيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَضْعًا مَا: حَقِيقَةً لِثُبُوتِهِ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ.
وَالْمَجَازُ: مَفْعَلٌ، مِنَ الْجَوَازِ. وَهُوَ - أَعْنِي الْمَجَازَ - مَصْدَرٌ وَاسْمُ مَكَانٍ، وَهُوَ أَشْبَهُ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْجَوَازِ، وَسُمِّيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ مَجَازًا، لِأَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ لَهُ جَازَ مَحَلَّ الْحَقِيقَةِ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضُوعٍ أَوَّلَ» ، أَيِ: الْوَضْعِيُّ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ، أَوْ نَفْسُ الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّفْظُ، وَذَكَرَ ضَمِيرَهَا نَظَرًا إِلَى أَنَّهَا لَفْظٌ.
وَقَوْلُهُ: «اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ» : جِنْسٌ يَشْمَلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، إِذْ كِلَاهُمَا لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ.
وَقَوْلُهُ: «فِي مَوْضِعٍ أَوَّلَ» هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ: فِي مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ، وَهَذَا فَصْلٌ لِلْحَقِيقَةِ عَنِ الْمَجَازِ، لِأَنَّ الْمَجَازَ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ الْأَوَّلِ.
فَلَفْظُ الْأَسَدِ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ مَجَازٌ، لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ الْأَوَّلِ.
وَقَوْلُنَا: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ، لِأَنَّ مَدْلُولَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ هِيَ الْأَلْفَاظُ، لَا اسْتِعْمَالُ الْأَلْفَاظِ، وَإِنَّمَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَوْضُوعِهِ أَوْ غَيْرِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَهُ: تَحْقِيقٌ وَتَجَوُّزٌ، لَا
стр. 435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، تَعْرِيفًا لِلْمَصَادِرِ بِالْمَصَادِرِ، وَلِلْأَسْمَاءِ بِالْأَسْمَاءِ.
قَوْلُهُ: «وَالْعُرْفِيُّ: مَا خُصَّ عُرْفًا بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَاللَّفْظُ الْعُرْفِيُّ مَا خُصَّ فِي الْعُرْفِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ الَّتِي وُضِعَ لَهَا فِي الْأَصْلِ، أَيْ: فِي أَصْلِ اللُّغَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ وَضْعِهَا، كَلَفْظِ الدَّابَّةِ الَّذِي هُوَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لِكُلِّ مَا دَبَّ لِاشْتِقَاقِهِ مِنَ الدَّبِيبِ، وَهُوَ الْمَشْيُ، وَرُبَّمَا كَانَ ضَعِيفًا، ثُمَّ خُصَّ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ يَتَنَاوَلُ الطَّائِرَ، لِوُجُودِ الدَّبِيبِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: «أَوْ يَشِيعُ اسْتِعْمَالُهُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ الْعُرْفِيُّ: مَا خُصَّ عُرْفًا بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ، أَوْ شَاعَ، أَيِ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فِي الْأَصْلِ، كَالْغَائِطِ: هُوَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ اسْمٌ لِلْمُطْمَئِنِّ، أَيِ: الْمُنْخَفِضِ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهُ عُرْفًا فِي الْخَارِجِ الْمُسْتَقْذَرِ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَكَالْعَذِرَةِ: الَّتِي هِيَ فِي الْأَصْلِ فِنَاءُ الدَّارِ، وَهُوَ مَا امْتَدَّ مِنْ جَوَانِبِهَا، ثُمَّ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْخَارِجِ الْمُرَادِفِ لِلْغَائِطِ، وَكَالرَّاوِيَةِ: الَّتِي هِيَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْبَعِيرِ أَوِ الْبَغْلِ أَوِ الْحِمَارِ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ، ثُمَّ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَزَادَةِ الَّتِي هِيَ وِعَاءُ الْمَاءِ.
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: أَوْ يَشِيعُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، كَالْغَائِطِ،
стр. 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْعَذِرَةِ، وَالرَّاوِيَةِ، وَحَقِيقَتُهَا: الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِنَاءُ الدَّارِ، وَالْجَمَلُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ. وَهُوَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ.
وَقَوْلُنَا: «وَالْجَمَلُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ الْمَاءُ» ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مُخْتَصًّا بِتَسْمِيَتِهِ رَاوِيَةً، بَلْ هُوَ ضَرْبُ مِثَالٍ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ مُسَمَّى الرَّاوِيَةِ، وَإِلَّا فَاللُّغَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ بِأَنَّ الْجَمَلَ وَالْبَغْلَ وَالْحِمَارَ إِذَا اسْتُقِيَ عَلَيْهِ سُمِّيَ رَاوِيَةً.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْضُوعِ الْأَوَّلِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَهَذَا اللَّفْظُ الْعُرْفِيُّ هُوَ مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَضْعِيِّ الَّذِي هُوَ الْمَوْضُوعُ الْأَوَّلُ، وَحَقِيقَةٌ فِيمَا خُصَّ بِهِ فِي الْعُرْفِ لِاشْتِهَارِهِ فِيهِ.
أَمَّا أَنَّ هَذَا الْعُرْفِيَّ مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَضْعِيِّ، فَلِوُجُودِ حَدِّ الْمَجَازِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَإِنَّا قَدْ عَرَّفْنَا الْمَجَازَ فِيمَا بَعْدُ بِأَنَّهُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ الْأَوَّلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْعُرْفِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَضْعِيَّةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْغَائِطَ فِي الْوَضْعِ هُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ، فَاسْتِعْمَالُهُ فِي عَذِرَةِ الْإِنْسَانِ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ الرَّاوِيَةُ هِيَ فِي الْوَضْعِ: اسْمٌ لِلدَّابَّةِ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا الْمَاءُ، فَاسْتِعْمَالُهَا فِي وِعَاءِ الْمَاءِ اسْتِعْمَالٌ لَهَا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهَا الْأَوَّلِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي الْعَذِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِنَاءِ الدَّارِ، كَمَا يَذْكُرُهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي كُتُبِهِمْ.
أَعْنِي: مِنْ أَنَّ الْعَذِرَةَ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ فِنَاءُ الدَّارِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ عُرْفًا فِي الْغَائِطِ الْمُسْتَقْذَرِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ عَكْسُ ذَلِكَ.
стр. 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْعَذِرَةُ: فِنَاءُ الدَّارِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْعَذِرَةَ كَانَتْ تُلْقَى فِي الْأَفْنِيَةِ، وَهَذَا قَاطِعٌ فِي أَنَّ أَصْلَ وَضْعِ الْعَذِرَةِ لِلْخَارِجِ الْمُسْتَقْذَرِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ فِنَاءُ الدَّارِ لِلْمُجَاوَرَةِ.
وَأَمَّا أَنَّ هَذَا الْعُرْفِيَّ حَقِيقَةٌ فِيمَا خُصَّ بِهِ عُرْفًا، فَلِأَنَّ حَدَّ الْحَقِيقَةِ مَوْجُودٌ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. إِذْ حَدُّ الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَضْعًا مَا.
وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْغَائِطِ فِي الْعَذِرَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَفْظِ الرَّاوِيَةِ فِي الْمَزَادَةِ، وَلَفْظِ الْعَذِرَةِ فِي الْغَائِطِ الْمَشْهُورِ هُوَ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا فِي عُرْفِ اللُّغَةِ، فَاشْتَهَرَ فِيهِ، فَصَارَ حَقِيقَةً فِيهِ لِاشْتِهَارِهِ.
تَنْبِيهٌ: التَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لُغَوِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ، وَاللُّغَوِيَّةُ وَضْعِيَّةٌ وَعُرْفِيَّةٌ.
فَاللُّغَوِيَّةُ الْوَضْعِيَّةُ: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا فِي اللُّغَةِ، كَالْإِنْسَانِ لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ.
وَاللُّغَوِيَّةُ الْعُرْفِيَّةُ: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ، كَالدَّابَّةِ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَالْغَائِطِ وَالْعَذِرَةِ فِي الْخَارِجِ الْمُسْتَقْذَرِ.
وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا فِي الشَّرْعِ، كَاسْمِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِلْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ.
وَقَوْلُنَا: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا فِي الِاصْطِلَاحِ الَّذِي بِهِ التَّخَاطُبُ يَعُمُّ الْحَقِيقَةَ بِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ.
وَبَعْضُهُمْ قَسَمَ الْحَقِيقَةَ إِلَى لُغَوِيَّةٍ، وَشَرْعِيَّةٍ، وَعُرْفِيَّةٍ عَامَّةٍ، كَاسْتِعْمَالِ لَفْظِ الدَّابَّةِ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَعُرْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ، كَاسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْجَوْهَرِ فِي الْمُتَحَيِّزِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ.
стр. 438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَالتَّقْسِيمُ الْمُخْتَارُ لِلْحَقِيقَةِ أَنَّهَا: إِمَّا لُغَوِيَّةٌ، أَوِ اصْطِلَاحِيَّةٌ، وَاللُّغَوِيَّةُ وَضْعِيَّةٌ وَعُرْفِيَّةٌ كَمَا سَبَقَ، وَالِاصْطِلَاحِيَّةُ شَرْعِيَّةٌ وَغَيْرُ شَرْعِيَّةٍ.
فَالشَّرْعِيَّةُ: كَاسْمِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ.
وَغَيْرُ الشَّرْعِيَّةِ: هِيَ كُلُّ لَفْظٍ فِي عِلْمٍ أَوْ صِنَاعَةٍ اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِهِ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَدْلُولِهِ عِنْدَهُمْ. فَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ اصْطِلَاحَ الْفَلَاسِفَةِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَالْجَدَلِيِّينَ، وَالنُّحَاةِ، وَالْأَطِبَّاءِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَاصْطِلَاحِ النَّجَّارِينَ، وَالْحَدَّادِينَ، وَالصَّاغَةِ وَالْمَلَّاحِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصُّنَّاعِ عَلَى حَقَائِقِهِمُ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَهُمْ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْحَقَائِقُ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَاضِعِ، لُغَةً أَوْ شَرْعًا أَوِ اصْطِلَاحًا.
وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَتَحَقَّقُ أَنَّ الْعُرْفِيَّةَ اللُّغَوِيَّةَ حَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اشْتَهَرَتْ فِيهِ عُرْفًا، مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا خُصَّتْ مِنْهُ وَضْعًا، كَالدَّابَّةِ: هِيَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، مَجَازٌ وَضْعِيٌّ فِيهِ، لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي بَعْضِ مَا وُضِعَ لَهُ، لَا فِي كُلِّهِ.
أَمَّا الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ، فَيَنْبَنِي الْقَوْلُ فِيهَا عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي ذِكْرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ وَضْعُ الشَّارِعِ ابْتِدَاءً، فَهِيَ حَقِيقَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: لَمْ يَضَعْهَا ابْتِدَاءً، بَلْ نَقَلَ الْحَقَائِقَ اللُّغَوِيَّةَ إِلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ، وَزَادَ فِيهَا شُرُوطًا، فَهِيَ حَقِيقَةٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الشَّرْعِ، مَجَازٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْوَضْعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 439
وَالشَّرْعِيُّ: مَا نَقَلَهُ الشَّرْعُ فَوَضَعَهُ إِزَاءَ مَعْنًى شَرْعِيٍّ، كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ.
وَقِيلَ: لَا شَرْعِيَّةَ، بَلِ اللُّغَوِيَّةُ بَاقِيَةٌ، وَزِيدَتْ شُرُوطًا.
لَنَا: حِكْمَةُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ بِأَسَامٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَذَلِكَ بِالنَّقْلِ أَسْهَلُ مِنْهُ بِالتَّبْقِيَةِ مَعَ الزِّيَادَةِ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَالشَّرْعِيُّ: مَا نَقَلَهُ الشَّرْعُ، فَوَضَعَهُ إِزَاءَ مَعْنًى شَرْعِيٍّ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَقِيلَ: لَا شَرْعِيَّةَ، بَلِ اللُّغَوِيَّةُ بَاقِيَةٌ وَزِيدَتْ شُرُوطًا» .
أَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ الْحَقِيقَةِ، أَوِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَتَلْخِيصُ مَحَلِّ النِّزَاعِ فِيهَا يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفٍ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ يَتَسَلَّمُهُ تَقْلِيدًا، وَلَوْ سُئِلَ عَنْ تَحْقِيقِهِ لَمْ يُفْصِحْ بِهِ.
فَنَقُولُ: أَمَّا إِمْكَانُ وَضْعِ الشَّارِعِ أَلْفَاظًا مِنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوْ غَيْرِهَا عَلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ تُعْرَفُ بِهَا، فَلَا خِلَافَ فِيهِ - أَعْنِي الْإِمْكَانَ - إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الَّتِي اسْتُفِيدَتْ مِنْهَا الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةُ: هَلْ خَرَجَ بِهَا الشَّارِعُ عَنْ وَضْعِ أَهْلِ اللُّغَةِ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِمْ؟
مِثَالُهُ: أَنَّ الصَّلَاةَ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، وَالزَّكَاةَ: الطَّهَارَةُ أَوِ النَّمَاءُ، وَالْحَجَّ: الْقَصْدُ. وَفِي الشَّرْعِ: الصَّلَاةُ وَالْحَجُّ: أَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ ذَاتُ شُرُوطٍ وَأَرْكَانٍ، وَالزَّكَاةُ: إِخْرَاجُ جُزْءٍ مُقَدَّرٍ مِنْ مِقْدَارٍ خَاصٍّ وَنَوْعٍ خَاصٍّ مِنَ الْمَالِ، إِلَى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ عَلَى وَجْهِ الْقِرْبَةِ. فَهَلْ خَرَجَ الشَّارِعُ بِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي عَنْ وَضْعِ اللُّغَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَعْرَضَ فِيهَا عَنِ الْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ، فَلَمْ يُلَاحِظْهُ أَصْلًا، بَلْ خَطَفَ مَثَلًا لَفْظَ الصَّلَاةِ فَوَضَعَهُ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمَعْرُوفَةِ شَرْعًا، وَأَعْرَضَ عَنِ الْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الدُّعَاءُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: مَا نَقَلَهُ الشَّرْعُ،
стр. 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْ: مُعْرِضًا عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ. أَمْ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ مَوْضُوعِهِمْ، بَلْ لَاحَظَ فِي كُلِّ لَفْظٍ مَوْضُوعَهُ اللُّغَوِيَّ، لَكِنَّهُ زَادَ فِيهِ شُرُوطًا شَرْعِيَّةً؟
مَثَلًا: إِنَّ مَوْضُوعَ الصَّلَاةِ لُغَةً - وَهُوَ الدُّعَاءُ - مُرَادٌ لِلشَّرْعِ، وَمُلَاحَظٌ فِي نَظَرِهِ، لَكِنْ ضُمَّ إِلَيْهِ اشْتِرَاطُ الْوُضُوءِ، وَالْوَقْتِ، وَالسُّتْرَةِ، وَالِاسْتِقْبَالِ، وَالنِّيَّةِ، وَالتَّحْرِيمَةِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالتَّشَهُّدِ، وَالتَّسْلِيمِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: وَقِيلَ: لَا شَرْعِيَّةَ، أَيْ: مُسْتَقِلَّةٌ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ اللُّغَوِيَّةِ، بَلِ اللُّغَوِيَّةُ بَاقِيَةٌ، وَزِيدَتْ شُرُوطًا، فَهَذَا تَلْخِيصُ مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: تَكُونُ الْأَلْفَاظُ الْوَارِدَةُ، كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوِهَا، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ: مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ، كَالْعَيْنِ وَالْقُرْءِ، لِأَنَّ الْمَدْلُولَ مُخْتَلِفٌ مُطْلَقًا بِأَصْلِ الْوَضْعِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُتَوَاطِئِ كَالْحَيَوَانِ، إِذْ بَيْنَ الصَّلَاةِ لُغَةً وَشَرْعًا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَهُوَ الدُّعَاءُ، كَمَا أَنَّ بَيْنَ أَنْوَاعِ جِنْسِ الْحَيَوَانِ، كَالْفَرَسِ، وَالْبَعِيرِ، وَالشَّاةِ، وَنَحْوِهَا قَدْرًا مُشْتَرَكًا، وَهُوَ الْحَيَوَانِيَّةُ.
وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ - وَهُوَ إِثْبَاتُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ - هُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ، وَالْخَوَارِجِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْوَارِدَةُ فِي الشَّرْعِ: إِمَّا جَارِيَةٌ عَلَى الْأَفْعَالِ، كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَنَحْوِهَا، فَهِيَ شَرْعِيَّةٌ، أَوْ جَارِيَةٌ عَلَى الْفَاعِلِينَ، كَالْمُؤْمِنِ، وَالْفَاسِقِ، وَالْكَافِرِ، فَهِيَ دِينِيَّةٌ، تَفْرِقَةً بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي أَنَّ الْجَمِيعَ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ. كَذَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي «الْمَحْصُولِ» .
стр. 441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَمُّوا الْمُصَلِّيَ وَالصَّائِمَ وَالْمُزَكِّيَ أَسْمَاءً دِينِيَّةً، لِجَرَيَانِهَا عَلَى الْفَاعِلِ، وَالْإِيمَانَ وَالْفِسْقَ وَالْكُفْرَ أَسْمَاءً شَرْعِيَّةً، لِجَرَيَانِهَا عَلَى الْفِعْلِ.
وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا عَمَلِيٌّ، وَهِيَ الشَّرْعِيَّةُ، أَوِ اعْتِقَادِيٌّ، وَهِيَ الدِّينِيَّةُ. وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ، وَإِنْ لَمْ تَخْلُ عَمَّا يُقَالُ فِيهَا، أَوْلَى وَأَطْرَدُ مِنَ الْأُولَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: حِكْمَةُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ، وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَتَقْرِيرُ هَذَا الدَّلِيلِ عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، أَنَّ حِكْمَةَ الشَّرْعِ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ مُسَمَّيَاتِهِ بِأَسَامٍ مُسْتَقِلَّةٍ، «وَذَلِكَ» ، أَيْ: وَتَخْصِيصُ مُسَمَّيَاتِهِ بِأَسَامٍ مُسْتَقِلَّةٍ يَحْصُلُ بِالنَّقْلِ، أَيْ: بِنَقْلِ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْ مَوْضُوعَاتِهَا لُغَةً إِلَى الشَّرْعِ أَسْهَلَ مِنْ حُصُولِهِ بِتَبْقِيَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، مَعَ زِيَادَةِ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ.
أَمَّا أَنَّ حِكْمَةَ الشَّرْعِ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ مُسَمَّيَاتِهِ بِأَسَامٍ مُسْتَقِلَّةٍ فَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ أَشْرَفُ لَهُ، وَأَنْبَلُ لِقَدْرِهِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ فِي أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ ذَلِكَ يَكُونُ تَبَعًا لِلُّغَةِ فِي أَلْفَاظِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِقْلَالَ أَشْرَفُ مِنَ التَّبَعِيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ الْحَكِيمُ:
стр. 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَيْتَ هِنْدًا أَنْجَزَتْنَا مَا تَعِدْ ... وَشَفَتْ أَنْفُسَنَا مِمَّا نَجِدْ
وَاسْتَبَدَّتْ مَرَّةً وَاحِدَةً ... إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدْ
وَالِاسْتِبْدَادُ: الِاسْتِقْلَالُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَخْصِيصَ مُسَمَّيَاتِهِ بِأَسَامٍ مُسْتَقِلَّةٍ هُوَ أَبْيَنُ لِلْمُكَلَّفِينَ، وَأَجْدَرُ بِزَوَالِ الِاشْتِبَاهِ عَنْهُمْ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ يَكُونُ لَفْظُ الصَّلَاةِ مَثَلًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الدُّعَاءِ لُغَةً، وَالصَّلَاةِ شَرْعًا، وَصُدُورُ اللَّفْظِ عَنِ الشَّارِعِ قَرِينَةٌ فِي إِرَادَةِ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ، وَالْمُشْتَرَكُ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهِ الْقَرِينَةُ صَارَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَهُوَ أَبْيَنُ مِنَ الْمُتَوَاطِئِ، بِتَقْدِيرِ عَدَمِ تَخْصِيصِ الشَّرْعِ مُسَمَّيَاتِهِ بِأَسَامٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُشْتَرَكَ مَعَ الْقَرِينَةِ أَبْيَنُ مِنَ الْمُتَوَاطِئِ، لِأَنَّ الْقَرِينَةَ تُعَيِّنُ أَحَدَ مَحْمَلَيِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فَيَتَبَادَرُ الْفَهْمُ إِلَيْهِ قَاطِعًا بِأَنَّهُ الْمُرَادُ، وَالْمُتَوَاطِئُ يُبْقِي الذِّهْنَ - لِأَجْلِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ أَفْرَادِهِ - مُتَرَدِّدًا، لَا يَدْرِي عَلَى مَا يَحْمِلُ لَفْظَهُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِهَا، أَوْ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا مُمْكِنًا، غَيْرَ أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى غَيْرِ أَحَدِ مَحْمَلَيْهِ أَدْخَلُ فِي الِاخْتِصَاصِ، وَالْبَيَانُ أَوْلَى، فَكَانَ أَوْلَى.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: خُذْ عَيْنًا، وَاذْهَبْ فَاشْتَرِ لَنَا خُبْزًا، أَوْ أَحْضِرْ لَنَا عَيْنًا نَشْرَبُ مِنْهَا مَاءً، عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى عَيْنَ الذَّهَبِ، بِقَرِينَةِ الشِّرَاءِ،
стр. 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْأَثْمَانِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ أَرَادَ عَيْنَ الْمَاءِ بِقَرِينَةِ الشُّرْبِ، فَكَانَ ذَلِكَ بَيَانًا قَاطِعًا.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ، فَاشْتَرِ لَنَا حَيَوَانًا، بَقِيَ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ مُتَرَدِّدًا، بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا، أَوْ فَرَسًا، أَوْ شَاةً، أَوْ ثَوْرًا. وَمُجَرَّدُ هَذَا التَّرَدُّدِ يَكْفِينَا فِي تَرْجِيحِ الِاشْتِرَاكِ مَعَ الْقَرِينَةِ، لِمُبَادَرَتِهِ إِلَى فَهْمِ الْمُرَادِ.
فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الْعَبْدَ اسْتَشَارَ أَوْ نَظَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أُمِرْتُ بِشِرَاءِ حَيَوَانٍ، وَبِشِرَاءِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ - وَهُوَ مَا يُسَمَّى حَيَوَانًا - أُخْرِجَ عَنِ الْعُهْدَةِ، لَكَانَ هَذَا طَرِيقًا إِلَى السَّلَامَةِ مِنَ الْمَلَامَةِ، لَكِنَّهُ بَعْدَ بُطْءٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنَ الْبَرَاءَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قِيلَ لَهُ: احْفِرْ لَنَا عَيْنًا نَشْرَبْ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يُبَادِرُ إِلَى أَخْذِ الْمِسْحَاةِ، قَاطِعًا بِأَنَّ الْمُرَادَ عَيْنُ الْمَاءِ، وَالْمُقَابَلَةُ فِي هَذَا الْوَجْهِ بَيْنَ الْمُتَوَاطِئِ وَالْمُشْتَرَكِ مَعَ الْقَرِينَةِ الْمُعَيَّنَةِ لِلْمُرَادِ، فَلَا يَرُدُّ قَوْلَ الْخَصْمِ: الْحَمْلُ عَلَى التَّوَاطُؤِ أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُشْتَرَكِ الْمُجَرَّدِ عَنْ قَرِينَةٍ، لَا فِي الْمُقْتَرِنِ بِهَا.
وَأَمَّا أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّرْعِ مُسَمَّيَاتِهِ بِأَسَامٍ مُسْتَقِلَّةٍ، يَكُونُ بِالنَّقْلِ أَسْهَلَ مِنْهُ بِالتَّبْقِيَةِ مَعَ الزِّيَادَةِ، فَلِوَجْهَيْنِ أَيْضًا:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّقْلَ فِعْلٌ وَاحِدٌ، وَالتَّبْقِيَةَ مَعَ الزِّيَادَةِ فِعْلَانِ، وَفِعْلٌ وَاحِدٌ أَسْهَلُ
стр. 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ فِعْلَيْنِ بِالضَّرُورَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ مِنْ لُزُومِ الْإِبْهَامِ بِالتَّوَاطُؤِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا أَبْقَى لَفْظَ الصَّلَاةِ مَثَلًا عَلَى مُسَمَّى الدُّعَاءِ لُغَةً، ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهِ شُرُوطَ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانَهَا، وَقَعَ التَّرَدُّدُ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ بَيْنَ الْمُرَادِ اللُّغَوِيِّ أَوِ الشَّرْعِيِّ، فَحَصَلَ الْإِبْهَامُ، بِخِلَافِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ مِنَ الشَّرْعِ، عَلَى تَقْدِيرِ النَّقْلِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَاطِعًا فِي الْمُرَادِ الشَّرْعِيِّ كَمَا سَبَقَ.
стр. 445
قَالُوا: الْعَرَبُ لَمْ تَضَعْهَا فَلَيْسَتْ عَرَبِيَّةً، فَلَا يَكُونُ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا.
قُلْنَا: عَرَبِيَّةٌ بِوَضْعِ الشَّارِعِ لَهَا مَجَازًا، وَإِنْ سُلِّمَ، فَلَا يَخْرُجُ الْقُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا بِأَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالُوا: لَوْ فَعَلَ، لَعَرَّفَ الْأُمَّةَ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ.
ــ
قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْعَرَبُ لَمْ تَضَعْهَا» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى نَفْيِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَوْ ثَبَتَتِ الْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْهَا، وَكُلُّ مَا لَمْ تَضَعْهُ الْعَرَبُ، فَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، فَالْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ لَوْ ثَبَتَتْ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا، لَكِنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ، فَهَذِهِ الْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ عَرَبِيَّةٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ، فَلِأَنَّ أَسْمَاءَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ، كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ، فَهِيَ بَعْضُهُ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً، لَكَانَ بَعْضُ الْقُرْآنِ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْقُرْآنِ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، لَمْ يَكُنْ جَمِيعُهُ عَرَبِيًّا.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ، فَبِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى مَلْزُومُهُ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْحَقَائِقَ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، فَتَكُونُ عَرَبِيَّةً وَالْعَرَبِيُّ مَا وَضَعَتْهُ الْعَرَبُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْحَقَائِقُ مِنْ مَوْضُوعَاتِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهَا مِنْ مَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِ وَضْعًا اسْتِقْلَالِيًّا، فَثَبَتَ أَنَّهُ أَبْقَاهَا عَلَى مَوْضُوعَاتِهَا فِي الْأَصْلِ، وَزَادَهَا شُرُوطًا شَرْعِيَّةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا عَرَبِيَّةٌ» ، إِلَى آخِرِهِ.
وَتَقْرِيرُ هَذَا الْجَوَابِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
стр. 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَدُهُمَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَرَبَ لَوْ لَمْ تَضَعْ هَذِهِ الْحَقَائِقَ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً، قَوْلُهُمْ: لِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ تَضَعْهُ الْعَرَبُ، فَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، مَمْنُوعٌ، بَلْ جَازَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْحَقَائِقُ عَرَبِيَّةً، بِوَضْعِ الشَّارِعِ لَهَا مَجَازًا عَنِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ، وَلَوْ صَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ تَضَعْهُ الْعَرَبُ لَا يَكُونُ عَرَبِيًّا، لَخَرَجَتْ مَجَازَاتُ اللُّغَةِ عَنْ أَنْ تَكُونَ عَرَبِيَّةً، لِأَنَّهَا لَمْ تَضَعْهَا الْعَرَبُ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا، فَكَمَا سُمِّيَتْ مَجَازَاتُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَرَبِيَّةً - مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً وَضْعًا أَوَّلِيًّا - فَكَذَا حَقَائِقُ الشَّرْعِ الَّتِي هِيَ مَجَازَاتٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى اللُّغَةِ.
وَمَوْضِعُ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ يُقَالَ: مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِكُمْ: إِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْهَا؟ إِنْ أَرَدْتُمْ لَمْ تَضَعْهَا وَضْعًا أَوَّلِيًّا فِي اللُّغَةِ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَكُونَ عَرَبِيَّةً، بِدَلِيلِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ وَلَيْسَ مَوْضُوعًا وَضْعًا أَوَّلِيًّا، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهَا أَصْلًا فَمَمْنُوعٌ، إِذْ هِيَ مَشْهُورَةٌ فِي لُغَتِهِمْ، وَبِاسْتِعْمَالِهِمْ لَهَا صَحَّ اسْتِعَارَةُ الشَّارِعِ لَهَا، وَتَجَوُّزُهُ بِهَا إِلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ، وَذَلِكَ يُصَحِّحُ كَوْنَهَا عَرَبِيَّةً مَجَازًا، لِأَنَّ حَدَّ الْمَجَازِ مَوْجُودٌ فِيهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ: أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً، لَكُنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا فِي عَرَبِ اللُّغَةِ، لِأَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ يَسِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِ الْقُرْآنِ، وَالْيَسِيرُ لَا يَغْلِبُ الْكَثِيرَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي شِعْرِ الْفُصَحَاءِ، كَالْأَعْشَى وَغَيْرِهِ أَلْفَاظٌ أَعْجَمِيَّةٌ، وَلَمْ يَخْرُجْ شِعْرُهُمْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي أَنَّ فِي الْقُرْآنِ الْمُعَرَّبَ، وَهُوَ مَا أَصْلُهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وَهُوَ كَمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ. وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣] بِأَلْفَاظٍ
стр. 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَسِيرَةٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَمْرٌ سَهْلٌ، إِذِ التَّخْصِيصُ كَثِيرٌ، فَهُوَ أَسْهَلُ مِمَّا يَلْزَمُكُمْ عَلَى تَقْدِيرِ نَفْيِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْإِبْهَامِ، وَجَعْلِ الشَّارِعِ تَابِعًا لِلْوَاضِعِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: لَوْ فَعَلَ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِمُنْكِرِي الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الشَّارِعَ لَوْ وَضَعَ لِلْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ أَسْمَاءً كَمَا ذَكَرْتُمْ، لَوَجَبَ أَنْ تُعَرَّفَ الْأُمَّةُ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعَرِّفْهُمْ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ قَدْ وَضَعَ لِلْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ أَسْمَاءً وَضْعًا اسْتِقْلَالِيًّا.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ، فَلِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَ لَهَا، وَلَمْ يُعَرِّفِ الْأُمَّةَ بِذَلِكَ، لَكَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَأَمَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَرِّفِ الْأُمَّةَ بِوَضْعِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلِأَنَّ طَرِيقَ التَّعْرِيفِ: الْعِلْمُ، أَمَّا الْعَقْلُ، فَلَا تَصَرُّفَ لَهُ فِي اللُّغَاتِ وَنَحْوِهَا، أَوِ النَّقْلُ، وَتَوَاتُرُهُ مَفْقُودٌ، وَإِلَّا لَحَصَلَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ كَحُصُولِ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَالْآحَادُ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ.
وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَعْرِيفِ الْأُمَّةِ بِالْوَضْعِ الْمَذْكُورِ عَدَمُ ذَلِكَ الْوَضْعِ، فَلِأَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ لَازِمٌ لِلْوَضْعِ، وَإِذَا انْتَفَى مَلْزُومُهُ.
стр. 448
قُلْنَا: فُهِمَ مَقْصُودُهُ بِالْقَرَائِنِ وَالتَّكْرِيرِ، فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى التَّوْقِيفِ. ثُمَّ هِيَ اجْتِهَادِيَّةٌ، فَلَعَلَّهُ قَصَدَ إِيصَالَ ثَوَابِ الِاجْتِهَادِ لِأَهْلِهِ. ثُمَّ يَبْطُلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ.
ــ
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: فُهِمَ مَقْصُودُهُ بِالْقَرَائِنِ وَالتَّكْرِيرِ، فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى التَّوْقِيفِ» .
تَقْرِيرُ هَذَا الْجَوَابِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ طَرِيقِ تَعْرِيفِ الْأُمَّةِ بِوَضْعِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، حَتَّى يَنْتَفِيَ التَّعْرِيفُ بِانْتِفَائِهَا، بَلْ ثَمَّ طَرِيقٌ آخَرُ، وَهُوَ فَهْمُ الْأُمَّةِ مَقْصُودَهُ، بِتَكْرِيرِ اسْتِعْمَالِهِ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي تِلْكَ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَتَضَافُرُ الْقَرَائِنِ الْمُخْتَصَّةِ بِاسْتِعْمَالِهِ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي تِلْكَ الْمَعَانِي عَلَى أَنَّهُ وَضَعَهَا لَهَا. وَهَذَا كَمَا يَفْهَمُ الْأَطْفَالُ لُغَةَ آبَائِهِمْ بِالتَّكْرَارِ وَالْقَرَائِنِ، لَا بِالْعَقْلِ وَلَا بِالنَّقْلِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ عَرَّفَهُمْ بِالْوَضْعِ الْمَذْكُورِ، فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ فِي الْمُلَازَمَةِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ إِنَّ أَصْلَ حُجَّةِ الْخَصْمِ مَبْنِيٌّ عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ هِيَ اجْتِهَادِيَّةٌ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا مَنْعٌ عَلَى الْمُلَازَمَةِ الَّتِي قَرَّرُوهَا.
وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّارِعَ لَوْ وَضَعَ الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ، لَوَجَبَ أَنْ يُعَرِّفَ الْأُمَّةَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ، فَلَعَلَّهُ - يَعْنِي الشَّارِعَ - يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَصَدَ بِعَدَمِ تَعْرِيفِهِمْ ذَلِكَ تَوَفُّرَ دَوَاعِي الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْبَحْثِ فِيهَا، لِيَحْصُلَ لَهُمْ ثَوَابُ الِاجْتِهَادِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَالْقَطْعِيَّةِ: أَنَّ الِاجْتِهَادِيَّةَ يُكْتَفَى فِيهَا بِالِاعْتِقَادِ الظَّنِّيِّ، وَالْقَطْعِيَّاتِ يَجِبُ فِيهَا الِاعْتِقَادُ الْقَطْعِيُّ، وَالظَّنُّ وَالْقَطْعُ فِيهِمَا تَابِعٌ
стр. 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلدَّلِيلِ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ بَيَانَ هَذَا فِي آخِرِ كِتَابِ «التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» ، وَهُوَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ يَبْطُلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ» ، أَيْ: دَلِيلُهُمُ الَّذِي قَرَّرُوهُ بِالْمُلَازَمَةِ الْمَذْكُورَةِ يَبْطُلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي حَكَمَ بِهَا الشَّارِعُ، وَلَمْ يُوصِلْهَا إِلَى الْأُمَّةِ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ، وَلَيْسَ وَضْعُ الْأَسْمَاءِ لِلْمُسَمَّيَاتِ أَهَمَّ وَلَا أَشَدَّ حُكْمًا مِنْ إِنْشَاءِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَفْعَالِ وَالذَّوَاتِ، فَإِنْ كَانَ عَدَمُ تَعْرِيفِ الْأُمَّةِ بِوَضْعِ الْأَسْمَاءِ لِلْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحْكَامِ الَّتِي أَنْشَأَهَا وَلَمْ يُعَرِّفْهُمْ إِيَّاهَا بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّ مَسْأَلَةً قَطْعِيَّةً، ثُمَّ رَتَّبْنَا عَلَيْهِ هَذَا الْإِلْزَامَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً لَنُصِبَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ، يَثْبُتُ الْقَطْعُ فِيهَا بِمِثْلِهِ، كَأَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّاتِ وَنَحْوِهِ، وَالْإِلْزَامُ: تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ فِيهَا مُنْتَفٍ قَطْعًا، وَإِلَّا لَمَا وَقَعَ هَذَا النِّزَاعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 450
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ عِنْدَ إِطْلَاقِهَا تُصْرَفُ إِلَى مَعْنَاهَا الشَّرْعِيِّ، لِأَنَّ الشَّارِعَ يُبَيِّنُ الشَّرْعَ، لَا اللُّغَةَ، وَكَذَا فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَحُكِيَ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهَا تَكُونُ مُجْمَلَةً، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ مَعْنَيَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَاللَّفْظُ لِحَقِيقَتِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَجَازِ، وَإِلَّا لَاخْتَلَّ مَقْصُودُ الْوَضْعِ، وَهُوَ التَّفَاهُمُ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ عِنْدَ إِطْلَاقِهَا تُصْرَفُ إِلَى مَعْنَاهَا الشَّرْعِيِّ» ، إِلَى آخِرِهِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا أَثْبَتَ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ بِالدَّلِيلِ، أَخَذَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الشَّرْعِيَّةَ، كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، إِذَا صَدَرَتْ عَنِ الشَّارِعِ، أَوْ عَنِ الْفُقَهَاءِ فِي تَخَاطُبِهِمْ وَتَصَانِيفِهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَوْضُوعُ اللُّغَوِيُّ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَوْضُوعُ الشَّرْعِيُّ، وَلَا إِشْكَالَ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، لِأَنَّ الْقَرَائِنَ كَالنُّصُوصِ، أَوْ لَا يُعْلَمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ حَالُ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ هُنَا.
فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ مُجْمَلَةً، وَيَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى مَعْنَاهَا الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ، لِأَنَّ شَأْنَ الشَّارِعِ أَنْ يُبَيِّنَ أَحْكَامَ الشَّرْعِ، لَا أَحْكَامَ اللُّغَةِ، فَلَوْ صَرَفْنَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الصَّادِرَةَ مِنْهُ إِلَى مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ، لَكُنَّا قَدِ اعْتَقَدْنَا فِيهِ أَنَّهُ تَرَكَ مَا يَعْنِيهِ، وَعَدَلَ إِلَى بَيَانِ مَا لَا يَعْنِيهِ، مَعَ أَنَّ مَا تَرَكَهُ لَا يَخْلُفُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَمَا عَدَلَ إِلَيْهِ قَدْ يَكْفِيهِ غَيْرُهُ، وَهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَذَلِكَ تَسْفِيهٌ لَا يَلِيقُ أَنْ يُعْتَقَدَ بِعَامَّةِ النَّاسِ، فَضْلًا عَنْ وَاضِعِ الشَّرْعِ الْحَكِيمِ.
«وَحَكَى عَنِ الْقَاضِي» أَبِي يَعْلَى - وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ -: «أَنَّهَا تَكُونُ مُجْمَلَةً، لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ مَعْنَيَيْهَا» يَعْنِي: اللُّغَوِيَّ وَالشَّرْعِيَّ «وَالْأَوَّلُ أَوْلَى» يَعْنِي: حَمْلَهَا عَلَى مَعْنَاهَا الشَّرْعِيِّ، لِمَا قَرَّرْنَاهُ.
стр. 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَرَدُّدُهَا بَيْنَ مَعْنَيَيْهَا إِنْ أَرَادُوا بِهِ مُطْلَقَ التَّرَدُّدِ، مَعَ رُجْحَانِ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، فَقَدْ يُسَلَّمُ لَهُمْ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ مَعَ الظُّهُورِ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ التَّرَدُّدَ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ.
وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ: قَوْلُهُ ﵇: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الطَّعَامِ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعِمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ حَمَلَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ هَاهُنَا عَلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، أَيْ: لِيَتَشَاغَلَ بِالصَّلَاةِ، تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى أَنَّهُ صَائِمٌ، لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى تَعْرِيفِهِمْ ذَلِكَ خِطَابًا، وَفِيهِ مَا فِيهِ مِنْ جِهَةِ رِيَاءٍ أَوْ عُجْبٍ، وَلَيْسَ الْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ بِالصَّلَاةِ كَالْحَاصِلِ مِنْهُ بِالتَّصْرِيحِ بِالْقَوْلِ، وَالشَّارِعِ دَأْبُهُ تَقْلِيلُ الْمَفَاسِدِ، وَالْتِزَامُ أَيْسَرِهَا بِدَفْعِ أَعْظَمِهَا إِذَا لَمْ يَجِدْ إِلَى دَفْعِ الْجَمِيعِ سَبِيلًا.
وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ، أَيْ: لِيَدَعَ لَهُمْ وَلَا يَأْكُلَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْجَزُورِ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ: وَهُوَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ النِّيَّةِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ: وَهُوَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ.
стр. 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، مَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ يَصْرِفُهُ إِلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، كَمَا يُرْوَى فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: «وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ لَهُمْ» وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: حَدِيثِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ أَكَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَرِيدًا، ثُمَّ بَعْدَهُ رُطَبًا، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِبَلَلِ يَدَيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ! هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، قَالَ: هُوَ غَرِيبٌ.
أَمَّا الْوُضُوءُ مِنْ لَحْمِ الْجَزُورِ، فَلَمْ يَرِدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، فَلَا جَرَمَ جَزَمَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يُوجِبُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَاللَّفْظُ لِحَقِيقَتِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي يُتَرْجِمُهَا بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى وَرَدَ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي بَابِهِ، لُغَةً أَوْ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، مِنْ مُعَارِضٍ قَاطِعٍ، أَوْ عُرْفٍ مَشْهُورٍ، كَمَنْ قَالَ: رَأَيْتُ رَاوِيَةً، فَإِنَّ إِرَادَةَ الْمَزَادَةِ مِنْهُ ظَاهِرٌ بِالْعُرْفِ الْمَشْهُورِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ اللَّفْظَ لِحَقِيقَتِهِ، لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ لَكُنَّا إِمَّا أَنْ نُعَيِّنَ حَمْلَهُ
стр. 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى مَجَازِهِ، أَوْ نَجْعَلَهُ مُجْمَلًا، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ احْتِمَالِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَالثَّانِي: يُوجِبُ اخْتِلَالَ مَقْصُودِ الْوَضْعِ - وَهُوَ التَّفَاهُمُ - وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي وَضْعِ الْأَلْفَاظِ إِنَّمَا هُوَ مَعَانِيهَا، وَدَلَالَتُهَا عَلَيْهَا، فَلَوْ جُعِلَتْ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ حَقَائِقِهَا وَمَجَازَاتِهَا لَكَانَتْ مُجْمَلَةً، وَالْمُجْمَلُ شَأْنُهُ أَنْ يَبْقَى مُعَطَّلًا، مَوْقُوفًا عَلَى مَا يُبَيِّنُهُ، وَلَوْ عُطِّلَتْ جَمِيعُ الْأَلْفَاظِ، وَوَقَفَتْ عَلَى مَا يُبَيِّنُهَا وَيُعِينُ الْمُرَادَ مِنْهَا، لَاخْتَلَّ مَقْصُودُ الْإِفْهَامِ مِنْهَا، وَهُوَ عَكْسُ مَقْصُودِ حِكْمَةِ الْوَضْعِ. وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةَ، لَمَا فَهِمَ أَحَدٌ الْمُرَادَ بِلَفْظٍ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، حَتَّى يَنْظُرَ فِي الدَّلِيلِ الْخَارِجِ الْمُبَيِّنِ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ تَتَبَادَرُ أَفْهَامُهُمْ عِنْدَ إِطْلَاقِ غَالِبِ الْأَلْفَاظِ إِلَى مَعَانِيهَا، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْمَعَانِي مَجَازًا بِاتِّفَاقٍ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
стр. 454
وَالْمَجَازُ، اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعٍ أَوَّلَ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ، وَشَرْطُهُ الْعِلَاقَةُ، وَهِيَ مَا يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ بِوَاسِطَتِهِ عَنْ مَحَلِّ الْمَجَازِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَيُعْتَبَرُ ظُهُورُهَا، كَالْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ، بِجَامِعِ الشُّجَاعَةِ، لَا عَلَى الْأَبْخَرِ، لِخَفَائِهَا.
وَيُتَجَوَّزُ بِالسَّبَبِ عَنِ الْمُسَبَّبِ، وَالْعِلَّةِ عَنِ الْمَعْلُولِ، وَاللَّازِمِ عَنِ الْمَلْزُومِ، وَالْأَثَرِ عَنِ الْمُؤْثَرِ، وَالْمَحَلِّ عَنِ الْحَالِ، وَبِالْعَكْسِ فِيهِنَّ، وَبِاعْتِبَارِ وَصْفٍ زَائِلٍ، كَالْعَبْدِ عَلَى الْعَتِيقِ، أَوْ آيِلٍ، كَالْخَمْرِ عَلَى الْعَصِيرِ، وَبِمَا بِالْقُوَّةِ عَلَى مَا بِالْفِعْلِ، وَعَكْسُهُ، وَبِالزِّيَادَةِ، نَحْوَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وَبِالنَّقْصِ، نَحْوَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أَيْ: حُبَّهُ
ــ
الْمَجَازُ
قَوْلُهُ: «وَالْمَجَازُ» : هُوَ «اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعٍ أَوَّلَ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ» ، قَدْ بَيَّنَّا اشْتِقَاقَ الْمَجَازِ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَقِيقَةِ.
وَقَوْلُنَا: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ: هُوَ جِنْسُ الْحَدِّ، يَتَنَاوَلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، إِذْ كِلَاهُمَا لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ.
وَقَوْلُنَا: فِي غَيْرِ مَوْضُوعٍ أَوَّلَ: فَصْلٌ لِلْمَجَازِ مِنَ الْحَقِيقَةِ، كَمَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَاسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْأَسَدِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلْأَسَدِ الْأَوَّلِ، إِذْ مَوْضُوعُهُ الْأَوَّلُ هُوَ السَّبُعُ.
وَقَوْلُنَا: عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ نُرِيدُ بِهِ وُجُودَ شُرُوطِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ احْتِرَازٍ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ مَا إِذَا انْتَفَتْ شُرُوطُهُ أَوْ بَعْضُهَا، بِأَنْ كَانَ لَا لِعِلَاقَةٍ، أَوْ لِعِلَاقَةٍ خَفِيَّةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَشَرْطُهُ» ، أَيْ: وَشَرْطُ الْمَجَازِ، أَوْ صِحَّةُ التَّجَوُّزِ، «الْعِلَاقَةُ» ، وَقَدْ أَشَرْنَا
стр. 455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِيمَا سَبَقَ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالتَّجَوُّزِ.
قَوْلُهُ: «وَهِيَ» يَعْنِي الْعِلَاقَةَ، هِيَ مَا يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ بِوَاسِطَتِهِ عَنْ مَحَلِّ الْمَجَازِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ كَالشَّجَاعَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ بِوَاسِطَتِهَا عَنِ الرَّجُلِ الشُّجَاعِ إِذَا أَطْلَقْنَا عَلَيْهِ لَفْظَ أَسَدٍ إِلَى السَّبُعِ الْمُفْتَرِسِ، إِذْ لَوْلَا هَذِهِ الْعِلَاقَةُ، وَهِيَ صِفَةُ الشَّجَاعَةِ، لَمَا صَحَّ التَّجَوُّزُ، وَلَمَا انْتَقَلَ الذِّهْنُ إِلَى السَّبُعِ الْمُفْتَرِسِ عِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَسَدِ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَلَكَانَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْأَسَدِ عَلَيْهِ عِلْمِيَّةً ارْتِجَالًا، وَكَذَلِكَ وَصْفُ الْبَلَادَةِ فِي قَوْلِنَا لِلْبَلِيدِ: حِمَارٌ، وَالْكَثْرَةِ فِي قَوْلِنَا لِلْعَالَمِ وَالْجَوَادِ: بَحْرٌ، وَالطُّولِ فِي قَوْلِنَا لِلطَّوِيلِ: نَخْلَةٌ.
وَالْعِلَاقَةُ هَاهُنَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَا تَعَلَّقَ الشَّيْءُ بِغَيْرِهِ، نَحْوَ عِلَاقَةِ السَّوْطِ وَالْقَوْسِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَلِكَ عِلَاقَةُ الْمَجَازِ تَعَلُّقُهُ بِمَحَلِّ الْحَقِيقَةِ؟ وَتَعْلِيقُهَا بِهِ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ انْتِقَالِ الذِّهْنِ بِوَاسِطَتِهَا عَنْ مَحَلِّ الْمَجَازِ إِلَى الْحَقِيقَةِ.
أَمَّا الْعَلَاقَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، فَهِيَ عَلَاقَةُ الْخُصُومَةِ وَالْحُبِّ، وَهِيَ تَعَلُّقُ الْخَصْمِ بِخَصْمِهِ، وَالْمُحِبِّ بِمَحْبُوبِهِ.
قَوْلُهُ: «وَيُعْتَبَرُ ظُهُورُهَا» ، إِلَى آخِرِهِ.
أَيْ: وَيُعْتَبَرُ ظُهُورُ عِلَاقَةِ الْمَجَازِ، أَيْ: أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً، يُسْرِعُ الْفَهْمُ إِلَيْهَا عِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمَجَازِ، حِرْصًا عَلَى سُرْعَةِ التَّفَاهُمِ، وَحَذَرًا مِنْ إِبْطَائِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ عَكْسُ
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَقْصُودِ الْوَاضِعِ، وَالْمُتَجَوِّزِ، وَالْمُتَخَاطِبِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ بِجَامِعِ الشُّجَاعَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ ظَاهِرَةٌ، لَا كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَسَدِ عَلَى الْإِنْسَانِ الْأَبْخَرِ لِخَفَائِهَا، أَيْ: لِخَفَاءِ صِفَةِ الْبَخْرِ فِي الْأَسَدِ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَعْلَمُهَا فِيهِ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ النَّاسِ، بِخِلَافِ الشَّجَاعَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجْهَلُهَا إِلَّا الْقَلِيلُ النَّادِرُ.
قَوْلُهُ: «وَيُتَجَوَّزُ بِالسَّبَبِ عَنِ الْمُسَبَّبِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا ذِكْرُ أَقْسَامِ التَّجَوُّزِ ، وَالْمَذْكُورُ مِنْهُ هَاهُنَا سِتَّةَ عَشَرَ قِسْمًا، نَحْنُ ذَاكِرُوهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْمُخْتَصَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى:
أَحَدُهَا: التَّجَوُّزُ بِالسَّبَبِ عَنِ الْمُسَبَّبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٣] ، أَيْ: نُعَرِّفُهَا، تَجُوزُ بِالِابْتِلَاءِ عَنِ الْعِرْفَانِ، لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ سَبَبُهُ، إِذْ مَنِ ابْتَلَى شَيْئًا عَرَّفَهُ.
وَأَصْنَافُ السَّبَبِ أَرْبَعَةٌ: قَابِلِيٌّ، وَصُورِيٌّ، وَفَاعِلِيٌّ، وَغَائِيٌّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ مُسَبِّبِهِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: - وَهُوَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ قَابِلِهِ - قَوْلُهُمْ: سَالَ الْوَادِي، وَالْأَصْلُ: سَالَ الْمَاءُ فِي الْوَادِي، لَكِنَّ الْوَادِيَ لَمَّا كَانَ سَبَبًا قَابِلًا لِسَيَلَانِ الْمَاءِ فِيهِ، صَارَ الْمَاءُ مِنْ حَيْثُ الْقَابِلِيَّةُ كَالْمُسَبِّبِ لَهُ، فَوُضِعَ لَفْظُ الْوَادِي مَوْضِعَهُ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: - وَهُوَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ صُورَتِهِ - قَوْلُهُمْ: هَذِهِ صُورَةُ الْأَمْرِ وَالْحَالِ، أَيْ: حَقِيقَتُهُ، وَمِثْلُهُ فِي «الْمَحْصُولِ» بِتَسْمِيَتِهِمُ الْيَدَ بِالْقُدْرَةِ، كَأَنَّهُ جَعَلَ
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقُدْرَةَ صُورَةَ الْيَدِ.
وَمِثَالُ الثَّالِثِ: - وَهُوَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ فَاعِلِهِ، حَقِيقَةً أَوْ ظَنًّا - قَوْلُهُمْ فِي الْكِتَابِ الْجَامِعِ لِتَنَوُّعِ عِلْمِهِ: هُوَ شَيْخٌ جَالِسٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ، أَوْ عَلَى الرَّفِّ، لِأَنَّ الشَّيْخَ - أَعْنِي الْمُصَنِّفَ - هُوَ فَاعِلُ الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُمْ لِلْمَطَرِ: سَمَاءٌ، لِأَنَّ السَّمَاءَ فَاعِلٌ مَجَازِيٌّ لِلْمَطَرِ، بِدَلِيلِ إِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِمْ: أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ.
وَمِثَالُ الرَّابِعِ: - وَهُوَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَايَتِهِ - تَسْمِيَةُ الْعِنَبِ خَمْرًا، وَالْعَقْدِ نِكَاحًا، لِأَنَّهُ غَايَتُهُ وَيَئُولُ إِلَيْهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: التَّجَوُّزُ بِالْعِلَّةِ عَنِ الْمَعْلُولِ، كَالتَّجَوُّزِ بِلَفْظِ الْإِرَادَةِ عَنِ الْمُرَادِ، لِأَنَّهَا عِلَّتُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٠] ، أَيْ: وَيُفَرِّقُونَ. بِدَلِيلِ أَنَّهُ قُوبِلَ بِقَوْلِهِ : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٢] ، وَلَمْ يَقُلْ: وَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يُفَرِّقُوا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: رَأَيْتُ اللَّهَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مُوجِدُ كُلِّ شَيْءٍ وَعِلَّتُهُ، فَأَطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ. وَمَعْنَاهُ: رَأَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ، فَاسْتَدْلَلْتُ بِهِ عَلَى اللَّهِ ، لِظُهُورِ آثَارِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْعِلَّةِ عَلَى مَعْلُولِهَا، وَالْمَفْعُولِ عَلَى فَاعِلِهِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: التَّجَوُّزُ بِاللَّازِمِ عَنِ الْمَلْزُومِ، كَتَسْمِيَةِ السَّقْفِ جِدَارًا، لِأَنَّ الْجِدَارَ لَازِمٌ لَهُ، وَتَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ حَيَوَانًا، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَازِمٌ لَهُ.
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: التَّجَوُّزُ بِلَفْظِ الْأَثَرِ عَنِ الْمُؤَثِّرِ، كَتَسْمِيَتِهِمْ مَلَكِ الْمَوْتِ ﵇ مَوْتًا، لِأَنَّ الْمَوْتَ أَثَرٌ لَهُ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ يَصِفُ ظَبْيَةً:
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ
لِأَنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ مِنْ أَفْعَالِهَا، وَهِيَ آثَارٌ لَهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ سُمِّيَ بِاسْمِ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهِ، نَحْوَ: زَيْدٌ صَوْمٌ، وَعَدْلٌ، وَكَرَمٌ، وَفَضْلٌ، وَخَيْرٌ، وَبِرٌّ، وَالطَّرِيقُ جَوْرٌ، أَيْ: مَائِلٌ، فَهُوَ وَصْفٌ لِلطَّرِيقِ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْأَثَرِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: التَّجَوُّزُ بِلَفْظِ الْمَحَلِّ عَنِ الْحَالِ فِيهِ، كَتَسْمِيَةِ الْمَالِ كَيْسًا
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي قَوْلِهِمْ: هَاتِ الْكَيْسَ، وَالْمُرَادُ: الْمَالُ الَّذِي فِيهِ، لِأَنَّهُ حَالٌ فِي الْكَيْسِ، وَكَذَلِكَ تَسْمِيَةُ الْخَمْرِ كَأْسًا، أَوْ زُجَاجَةً، وَالطَّعَامَ مَائِدَةً أَوْ خِوَانًا، وَالْمَيِّتَ جِنَازَةً، وَالْمَكْتُوبَ وَرَقَةً وَكِتَابًا وَبِطَاقَةً، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَالَةٌ فِي الْمَحَالِّ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ.
قَوْلُهُ: «وَبِالْعَكْسِ فِيهِمْ» ، أَيْ: عَكْسِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَهِيَ خَمْسَةٌ أُخْرَى:
أَوَّلُهَا: - وَهُوَ الْقِسْمُ السَّادِسُ -: التَّجَوُّزُ بِلَفْظِ الْمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٨] ، أَيْ: لَا تَأْخُذُوهَا، فَتَجُوزُ بِالْأَكْلِ عَنِ الْأَخْذِ، لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ الْأَخْذِ، إِذْ إِنْسَانٌ يَأْخُذُ فَيَأْكُلُ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ: التَّجَوُّزُ بِلَفْظِ الْمَعْلُولِ عَنِ الْعِلَّةِ، كَالتَّجَوُّزِ بِلَفْظِ الْمُرَادِ عَنِ الْإِرَادَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٥] ، أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ، فَالْقَضَاءُ مَعْلُولُ الْإِرَادَةِ، فَتَجَوَّزَ بِهِ عَنْهَا، وَكَذَا قَوْلُهُ : ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٢] ، أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحْكُمَ.
الْقِسْمُ الثَّامِنُ: التَّجَوُّزُ بِالْمَلْزُومِ عَنِ اللَّازِمِ، كَتَسْمِيَةِ الْعِلْمِ حَيَاةً، لِأَنَّهُ مَلْزُومُ الْحَيَاةِ، إِذِ الْحَيَاةُ شَرْطٌ لِلْعِلْمِ، وَالْمَشْرُوطُ مَلْزُومٌ لِلشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ التَّجَوُّزُ بِكُلِّ مَشْرُوطٍ عَنْ شَرْطِهِ، هُوَ تَجَوُّزٌ بِالْمَلْزُومِ عَنْ لَازِمِهِ، وَكَتَسْمِيَةِ الْجِدَارِ سَقْفًا، وَالْحَيَوَانِ إِنْسَانًا لَوْ سُمِّيَ بِهِ.
الْقِسْمُ التَّاسِعُ: التَّجَوُّزُ بِلَفْظِ الْمُؤَثِّرِ عَنِ الْأَثَرِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: رَأَيْتُ اللَّهَ، وَمَا أَرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهَ، يُرِيدُ آثَارَهُ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ فِي الْعَالَمِ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ وَغَيْرِهِ:
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- ٥١١ - هَذِهِ إِرَادَةُ اللَّهِ، أَيْ: مُرَادُهُ، فَأَطْلَقَ لَفْظَ الْإِرَادَةِ عَلَى الْمُرَادِ إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُؤَثِّرِ عَلَى الْأَثَرِ، لِأَنَّ الْإِرَادَةَ مُؤَثِّرَةٌ.
الْقِسْمُ الْعَاشِرُ: التَّجَوُّزُ بِلَفْظِ الْحَالِ عَنِ الْمَحَلِّ، كَتَسْمِيَةِ الْكَيْسِ مَالًا، وَالْكَأْسِ خَمْرًا، وَالْمَائِدَةِ طَعَامًا، وَالْجِنَازَةِ مَيِّتًا، وَالْوَرَقَةِ مَكْتُوبًا، عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ.
الْقِسْمُ الْحَادِي عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ «بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ زَائِلٍ» أَيْ: كَانَ بِهِ وَزَالَ عَنْهُ، كَإِطْلَاقِ الْعَبْدِ عَلَى الْعَتِيقِ، بِاعْتِبَارِ وَصْفِ الْعُبُودِيَّةِ الَّذِي كَانَ قَائِمًا بِهِ، فَزَالَ عَنْهُ، وَكَذَا تَسْمِيَةُ الْخَمْرِ عَصِيرًا، وَالْعَصِيرِ عِنَبًا، بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ آيِلٍ، أَيْ: يَئُولُ وَيَصِيرُ إِلَيْهِ، كَإِطْلَاقِ الْخَمْرِ عَلَى الْعَصِيرِ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يُوسُفَ: ٣٦] ، وَإِنَّمَا كَانَ يَعْصِرُ عِنَبًا، فَيَحْصُلُ مِنْهُ عَصِيرٌ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعَصِيرُ يَئُولُ إِلَى وَصْفِ الْخَمْرِيَّةِ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْخَمْرِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ: إِطْلَاقُ مَا بِالْقُوَّةِ عَلَى مَا بِالْفِعْلِ، كَتَسْمِيَةِ الْخَمْرِ فِي الدَّنِّ مُسْكِرًا، لِأَنَّ فِيهِ قُوَّةَ الْإِسْكَارِ، وَتَسْمِيَةِ النُّطْفَةِ إِنْسَانًا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِيهِ بِالْقُوَّةِ، أَيْ: قَابِلٌ لِصَيْرُورَتِهِ إِنْسَانًا.
следующие страницы →