Полный текст (2 051 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِثَالُهُ: الْحَوْلُ: مُنَاسَبَتُهُ فِي السَّبَبِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ لِتَكْمِيلِهِ الْغِنَى الْحَاصِلَ بِهِ بِالتَّنْمِيَةِ. وَجُزْءُ الْعِلَّةِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ مُنَاسَبَتُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَعْضِ الْغِنَى. فَالْعِلَّةُ وَجُزْؤُهَا مُؤَثِّرَانِ، وَالشَّرْطُ مُكَمِّلٌ لِتَأْثِيرِ الْعِلَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ عَرَّفَ بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ بِمَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْحُكْمَ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ سَبَبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ شَرْطِهِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟
وَالْجَوَابُ بِمَا سَبَقَ مِنْ كَوْنِ السَّبَبِ مُؤَثِّرًا مُنَاسِبًا فِي نَفْسِهِ، وَالشَّرْطُ مُكَمِّلٌ مُنَاسِبٌ فِي غَيْرِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ أَجْزَاءَ الْعِلَّةِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ، وَالْعِلَلُ الْمُتَعَدِّدَةُ إِذَا وُجِدَتْ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ، فَمَا الْفَرْقُ؟
وَالْجَوَابُ أَنَّ جُزْءَ الْعِلَّةِ إِذَا انْفَرَدَ لَا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا، كَأَوْصَافِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ إِذَا اجْتَمَعَتْ وَجَبَ الْقَوَدُ، وَلَوِ انْفَرَدَ بَعْضُهَا كَالْقَتْلِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ قَتْلِ الْعَادِلِ الْبَاغِي لَمْ يَجِبِ الْقَوَدُ، بِخِلَافِ الْعِلَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ، فَإِنَّ بَعْضَهَا إِذَا انْفَرَدَ اسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ، كَمَنْ لَمَسَ وَنَامَ وَبَالَ،
стр. 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجَبَ الْوُضُوءُ بِجَمِيعِهَا وَبِكُلِّ وَاحِدٍ، نَعَمْ إِذَا اجْتَمَعَتْ كَانَ حُكْمًا ثَابِتًا بِعِلَلٍ كَمَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ:
مِنْهَا: مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ وَاسْتِمْرَارَهُ، كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَاسْتِمْرَارَهُ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ فَقَطْ، كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَلَا تُبْطِلُ اسْتِمْرَارَهُ.
وَمِنْهَا: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ، كَالْإِحْرَامِ، يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الصَّيْدِ، فَإِنْ طَرَأَ عَلَى الصَّيْدِ، فَهَلْ تَجِبُ إِزَالَةُ الْيَدِ عَنْهُ؟
وَكَالطَّوْلِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الْأَمَةِ، فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ فَهَلْ يُبْطِلُهُ؟
وَكَوُجُودِ الْمَاءِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ التَّيَمُّمِ، فَلَوْ طَرَأَ وُجُودُ الْمَاءِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ هَلْ يُبْطِلُهُ أَمْ لَا؟
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ خِلَافٌ لِتَرَدُّدِ هَذَا الْقِسْمِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَنَصْبُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُفِيدَةً مُقْتَضَيَاتِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، إِذْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي حُكْمَانِ: وُجُوبُ الْحَدِّ وَسَبَبُهُ الزِّنَى لَهُ» .
هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَصْنَافِ الْعِلْمِ الْمَنْصُوبِ لِتَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْوَضْعِيِّ، وَهِيَ الْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ.
وَقَوْلُهُ: مُفِيدَةً، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: نَصْبُهَا حَالَ إِفَادَتِهَا أَوْ مُعَدَّةً لِإِفَادَتِهَا.
стр. 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ نَصْبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِتُفِيدَ مَا اقْتَضَتْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، أَيْ: قَضَاءٌ مِنَ الشَّارِعِ بِذَلِكَ، وَمُقْتَضَيَاتُهَا أَيْضًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَجَعْلُ الزِّنَى سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ حُكْمٌ، وَوُجُوبُ الْحَدِّ حُكْمٌ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: إِذْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي حُكْمَانِ: وُجُوبُ الْحَدِّ، وَهُوَ حُكْمٌ لَفْظِيٌّ، وَسَبَبُهُ الزِّنَى، أَيْ: كَوْنُ الزِّنَى سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ حُكْمٌ آخَرُ.
وَكَذَلِكَ وُجُوبُ حَدِّ الْقَذْفِ مَعَ جَعْلِ الْقَذْفِ سَبَبًا لَهُ.
وَوُجُوبُ الْقَطْعِ مَعَ نَصْبِ السَّرِقَةِ سَبَبًا لَهُ.
وَوُجُوبُ الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ وَالْقِصَاصِ مَعَ نَصْبِ الرِّدَّةِ وَالْقَتْلِ سَبَبًا لَهُمَا. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
فَائِدَةٌ: قَدْ تَضَمَّنَتِ الْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ وَالطَّلَبِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا اجْتِمَاعُهُمَا فَكَالزِّنَى هُوَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحَدِّ خِطَابٌ وَضْعِيٌّ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ حَرَامًا خِطَابٌ طَلَبِيٌّ، وَكَذَا نَظَائِرُهُ.
وَأَمَّا انْفِرَادُ خِطَابِ الْوَضْعِ، فَكَزَوَالِ الشَّمْسِ، وَسَائِرُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ أَسْبَابٌ لِوُجُوبِهَا، وَطُلُوعُ الْهِلَالِ سَبَبُ وُجُوبِ رَمَضَانَ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالشَّكِّ، وَالْحَيْضُ مَانِعٌ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَالْبُلُوغُ شَرْطٌ لِوُجُوبِهَا، وَحُئُولُ الْحَوْلِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَكُلُّ هَذِهِ مُتَجَرِّدَةٌ عَنْ خِطَابِ الطَّلَبِ، لَيْسَ هُوَ فِيهَا أَنْفُسِهَا، بَلْ فِي
стр. 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَيْرِهَا، كَالْوُجُوبِ مَثَلًا مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ لَا بِالزَّوَالِ، وَبِصَوْمِ رَمَضَانَ لَا بِطُلُوعِ الْهِلَالِ. وَأَمَّا انْفِرَادُ خِطَابِ الطَّلَبِ، فَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي «الْفُرُوقِ» : هُوَ كَأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الشَّرْعِ قَدْ جَعَلَهَا سَبَبًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ، وَدَرْءِ الْعِقَابِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَفْعَالًا لِلْمُكَلَّفِ، وَلَا نَعْنِي بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا إِلَّا كَوْنَهُ وُضِعَ سَبَبًا لِفِعْلٍ مِنْ قِبَلِ الْمُكَلِّفِ.
وَقَالَ فِي «شَرْحِ التَّنْقِيحِ» : لَا يُتَصَوَّرُ انْفِرَادُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، إِذْ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا وَلَهُ سَبَبٌ أَوْ شَرْطٌ أَوْ مَانِعٌ.
قُلْتُ وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ.
стр. 390
ثُمَّ هُنَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وُقُوعُ الْفِعْلِ كَافِيًا فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ.
وَقِيلَ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ. وَلَا يَرُدُّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ. فَصَلَاةُ الْمُحْدِثِ يَظُنُّ الطَّهَارَةَ، صَحِيحَةٌ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَالْبُطْلَانُ يُقَابِلُهَا عَلَى الرَّأْيَيْنِ. وَفِي الْمُعَامَلَاتِ، تُرَتَّبُ أَحْكَامُهَا الْمَقْصُودَةُ بِهَا عَلَيْهَا. وَالْبُطْلَانُ وَالْفَسَادُ مُتَرَادِفَيْنِ يُقَابِلَانِهَا، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا تَرَادُفَ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِمَا سَبَقَ.
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُنَا أُمُورٌ، أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ» إِلَى آخِرِهِ، يَعْنِي أَنَّنَا ذَكَرْنَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا هُوَ كَالْكُلِّيَّاتِ لَهُ، ثُمَّ هَاهُنَا أُمُورٌ وَهِيَ - وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ - لَكِنَّهَا كَاللَّوَاحِقِ الْجُزْئِيَّةِ لَهُ فَنَذْكُرُهَا:
أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وُقُوعُ الْفِعْلِ كَافِيًا فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ.
وَقِيلَ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ.
مَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، فَالْفُقَهَاءُ قَالُوا: الصِّحَّةُ وُقُوعُ الْفِعْلِ كَافِيًا فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، كَالصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا مَعَ انْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا، فَكَوْنُهَا كَافِيَةً فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، أَيْ أَنَّهَا لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا، هُوَ صِحَّتُهَا.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ قَالُوا: الصِّحَّةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، فَكُلُّ مَنْ أُمِرَ بِعِبَادَةٍ، فَوَافَقَ الْأَمْرَ بِفِعْلِهَا، كَانَ قَدْ أَتَى بِهَا صَحِيحَةً، وَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا، أَوْ وُجِدَ مَانِعٌ.
وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّ كُلَّ صِحَّةٍ، فَهِيَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُوَافَقَةِ الْأَمْرِ صِحَّةً عِنْدِهِمْ، وَالنِّزَاعُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ أَوْ كَاللَّفْظِيِّ.
стр. 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «وَلَا يُرَدُّ الْحَجُّ الْفَاسِدُ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ» .
هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ أَوْرَدَهُ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَوْ كَانَتِ الصِّحَّةُ مُوَافَقَةَ الْأَمْرِ، لَكَانَ الْحَجُّ الْفَاسِدُ صَحِيحًا، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِهِ، وَالْمُضِيِّ فِيهِ، فَالْمُتِمُّ لَهُ مُوَافِقُ الْأَمْرِ بِإِتْمَامِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، لَكِنَّهُ فَاسِدٌ بِاتِّفَاقٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ الصِّحَّةُ مُوَافَقَةَ الْأَمْرِ، بَلْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَوْنِهِ كَافِيًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ وَقَعَ عَلَى مُوَافَقَةِ الْأَمْرِ، بَلْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، حَيْثُ فَعَلَ فِيهِ مَا أَفْسَدَهُ، وَحِينَئِذٍ انْتِفَاءُ صِحَّتِهِ لِانْتِفَاءِ مُوَافَقَةِ الْأَمْرِ فِيهِ. فَأَمَّا كَوْنُ الْمُفْسِدِ لَهُ مَأْمُورًا بِإِتْمَامِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ امْتِثَالُهُ الْأَمْرَ بِإِتْمَامِهِ يُوجِبُ صِحَّتَهُ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ بِإِتْمَامِهِ أَمْرٌ طَرَأَ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ: إِمَّا حِفْظًا لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ مِنَ الْهَتْكِ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ احْتِرَامِهِ بِالْإِحْرَامِ، أَوْ عُقُوبَةً لِلْمُفْسِدِ لَهُ عَلَى إِفْسَادِهِ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّخْفِيفِ عَلَيْهِ وَمُعَارَضَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، كَالْوَاطِئِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. وَنَحْنُ إِنَّمَا نُرِيدُ بِالْأَمْرِ الَّذِي الصِّحَّةُ مُوَافَقَتُهُ الْأَمْرَ الِابْتِدَائِيَّ، أَيِ: الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْمُكَلَّفُ ابْتِدَاءً.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّنَا إِنَّمَا نَقُولُ: إِنَّ الصِّحَّةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ فِيمَا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ طَلَبَ مِنَّا تَصْحِيحَهُ، وَالْحَجُّ الْفَاسِدُ نَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُرِدْ مِنَّا تَصْحِيحَهُ، لِأَنَّ
стр. 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَصْحِيحَهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ فَسَادِهِ مُحَالٌ، وَالشَّرْعُ مَا كَلَّفَنَا بِالْمُحَالِ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ غَيْرُ وَارِدٍ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ بِالْوَجْهَيْنِ يَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الدَّعْوَى، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: أَرَدْنَا أَنَّ الصِّحَّةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ الْخَاصِّ، وَهُوَ الِابْتِدَائِيُّ، أَوْ مَا عَلِمْنَا إِرَادَةَ الشَّرْعِ تَصْحِيحَ مَأْمُورٍ مِنَّا.
قَوْلُهُ: «فَصَلَاةُ الْمُحْدِثِ يَظُنُّ الطَّهَارَةَ صَحِيحَةٌ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ» .
هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الصِّحَّةِ، وَهُوَ أَنَّ صَلَاةَ الْمُحْدِثِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ صَحِيحَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ الصِّحَّةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، لِأَنَّ هَذَا مُوَافِقٌ لِأَمْرِ الشَّرْعِ، لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الطَّهَارَةُ فِيهَا، وَقَدْ فَعَلَ، فَهُوَ مُوَافِقٌ.
وَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ كَافِيَةً فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: «وَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ» ، أَيْ: فِي صَلَاةِ الْمُحْدِثِ يَظُنُّ الطَّهَارَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَمْ يَقَعْ كَافِيًا فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ.
وَمِنْ هُنَا تَبَيَّنَ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، وَهُوَ فِي أَنَّ هَذِهِ: هَلْ تُسَمَّى صَحِيحَةً أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى سَائِرِ أَحْكَامِهَا، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُصَلِّيَ مُوَافِقٌ لِأَمْرِ اللَّهِ ، مُثَابٌ عَلَى صِلَاتِهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا اطَّلَعَ عَلَى
стр. 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَدَثِ دُونَ مَا إِذَا لَمْ يَطَّلِعْ، فَلَمْ يَبْقَ النِّزَاعُ إِلَّا فِي التَّسْمِيَةِ، وَمَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ أَوْفَقُ لِلُّغَةِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا تُسَمِّي صَحِيحًا مَا سَلِمَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، كَالْآنِيَةِ الَّتِي لَا كَسْرَ فِيهَا، فَهَذِهِ الصَّلَاةُ لَيْسَتْ سَالِمَةً مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، بَلْ هِيَ بِتَقْدِيرِ الذِّكْرِ يَتَبَيَّنُ فَسَادُهَا، وَيَجِبُ قَضَاؤُهَا بِاتِّفَاقٍ.
قَوْلُهُ: «وَالْبُطْلَانُ يُقَابِلُهَا عَلَى الرَّأْيَيْنِ» ، أَيِ: الْبَطَلَانُ يُقَابِلُ الصِّحَّةَ عَلَى رَأْيِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
فَمَنْ قَالَ: الصِّحَّةُ: وُقُوعُ الْفِعْلِ كَافِيًا فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، قَالَ: الْبُطَلَانُ: هُوَ وُقُوعُ الْفِعْلِ غَيْرُ كَافٍ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ. وَمَنْ قَالَ: الصِّحَّةُ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، قَالَ: الْبُطْلَانُ: مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى الْمُتَطَهِّرُ يَظُنُّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ، وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، لَكِنْ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، لِكَوْنِهَا بَاطِلَةً بِالْمُخَالَفَةِ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الطَّهَارَةِ.
وَشَبِيهٌ بِهَذَا مَا لَوِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى إِلَى جِهَةٍ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ، فَوَافَقَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، فَهُوَ مُخَالِفٌ بِتَرْكِ الِاجْتِهَادِ، فَتَكُونُ بَاطِلَةً عَلَى رَأْيِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ تَصِحُّ لِوَقْعِهَا بِشَرْطِهَا كَافِيَةً فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: «وَفِي الْمُعَامَلَاتِ» ، أَيْ: وَالصِّحَّةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ، كَعَقْدِ الْبَيْعِ، وَالرَّهْنِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوِهَا، «تُرَتَّبُ أَحْكَامُهَا الْمَقْصُودَةُ بِهَا عَلَيْهَا» وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يُوضَعْ إِلَّا لِإِفَادَةِ مَقْصُودٍ، كَمِلْكِ الْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ، وَمِلْكِ الْبِضْعِ فِي النِّكَاحِ، فَإِذَا أَفَادَ
стр. 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَقْصُودَهُ، فَهُوَ صَحِيحٌ. وَحُصُولُ مَقْصُودِهِ هُوَ تَرَتُّبُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ مُؤَثِّرٌ لِحُكْمِهِ وَمُوجِبٌ لَهُ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَلَا بَأْسَ بِتَفْسِيرِ الصِّحَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ بِهَذَا.
قُلْتُ: لِأَنَّ مَقْصُودَ الْعِبَادَةِ إِقَامَةُ رَسْمِ التَّعَبُّدِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْعَبْدِ مِنْهَا، فَإِذَا أَفَادَتْ ذَلِكَ كَانَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: إِنَّهَا كَافِيَةٌ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً.
قَوْلُهُ: «وَالْبُطْلَانُ وَالْفَسَادُ مُتَرَادِفَيْنِ» ، أَيْ: حَالَ تَرَادُفِهِمَا، «يُقَابِلَانِهَا» ، أَيْ: يُقَابِلَانِ الصِّحَّةَ.
أَيِ: الْبُطْلَانُ يُقَابِلُ الصِّحَّةَ، وَالْفَسَادُ يُقَابِلُ الصِّحَّةَ أَيْضًا، فَيُقَالُ: صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ، كَمَا يُقَالُ: صَحِيحٌ وَبَاطِلٌ، فَالْفَاسِدُ وَالْبَاطِلُ مُتَرَادِفَانِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا تَرَادُفَ بَيْنِهِمَا، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِمَا سَبَقَ، يَعْنِي: فِي آخِرِ مَسْأَلَةِ تَوَارُدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْفِعْلِ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، فَالْفَاسِدُ وَالْبَاطِلُ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ الْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ، كَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ، إِذْ كُلُّ بَاطِلٍ فَاسِدٌ، وَلَيْسَ كُلُّ فَاسِدٍ بَاطِلًا، وَعِنْدَنَا هُمَا مُتَرَادِفَانِ مِنْ بَابِ اللَّيْثِ وَالْأَسَدِ، إِذْ كُلُّ فَاسِدٍ بَاطِلٌ، وَكُلُّ بَاطِلٍ فَاسِدٌ، وَقَوْلِي: مُتَرَادِفَيْنِ: حَالٌ، لَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُصُوصِ مَذْهَبِنَا حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، كَقَوْلِهِ : ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩١] ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْفَاسِدُ وَالْبَاطِلُ غَيْرَ مُتَرَادِفَيْنِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، إِمَّا بِالنَّظَرِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِ الْمَذْهَبَيْنِ، فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي بَابِ الْحَالِ، لِأَنَّ التَّقْيِيدَ حِينَئِذٍ وَالْبُطْلَانَ وَالْفَسَادَ إِذَا كَانَا مُتَرَادِفَيْنِ عَلَى رَأْيِنَا يُقَابِلَانِ
стр. 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصِّحَّةَ، وَإِذَا لَمْ يَكُونَا مُتَرَادِفَيْنِ عَلَى رَأْيِ الْخَصْمِ لَا يُقَابِلَانِهَا جَمِيعًا، إِنَّمَا يُقَابِلُهَا مُقَابَلَةً صَحِيحَةً الْبُطْلَانُ وَحْدَهُ، أَمَّا الْفَسَادُ، فَإِنَّهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا لَا يُقَابِلُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَإِنْ قُوبِلَتْ بِهِ الصِّحَّةُ فِي تَخَاطُبِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَهُمْ، فَهُوَ اصْطِلَاحٌ وَاتِّسَاعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 396
الثَّانِي: الْأَدَاءُ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا. وَالْإِعَادَةُ: فِعْلُهُ فِيهِ ثَانِيًا، لِخَلَلٍ فِي الْأَوَّلِ. وَالْقَضَاءُ: فِعْلُهُ خَارِجَ الْوَقْتِ، لِفَوَاتِهِ فِيهِ، لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
ــ
قَوْلُهُ: «الثَّانِي» ، أَيِ: الْأَمْرُ الثَّانِي مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَاحِقِ خِطَابِ الْوَضْعِ، أَوْ كَاللَّوَاحِقِ لَهُ، وَهُوَ الْقَوْلُ فِي الْأَدَاءِ وَالْإِعَادَةِ وَالْقَضَاءِ ، فَالْأَدَاءُ «فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا» كَفِعْلِ الْمَغْرِبِ مَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِ الشَّفَقِ، وَالْفَجْرِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ مُضَيَّقًا، كَالصَّوْمِ، وَمُوَسَّعًا مَحْدُودًا بِوَقْتٍ كَالصَّلَوَاتِ، أَوْ غَيْرَ مَحْدُودٍ، كَالْحَجِّ، فَإِنَّ وَقْتَهُ الْعُمْرُ، وَتَحْدِيدُهُ بِالْمَوْتِ ضَرُورِيٌّ لَيْسَ كَتَحْدِيدِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.
وَقَوْلُنَا: «فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ» احْتِرَازٌ مِمَّا رُبِطَ الْأَمْرُ بِفِعْلِهِ بِوُجُودِ سَبَبِهِ كَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ، وَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ إِذَا وُجِدَ، وَكَالْجِهَادِ إِذَا تَحَرَّكَ الْعَدُوُّ، أَوْ حُصِرَ الْبَلَدُ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وَلَا يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ فِي الِاصْطِلَاحِ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ وَقْتِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ فِي فَاعِلِهِ: إِنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُنَا: «شَرْعًا» : احْتِرَازٌ مِنَ الْعُرْفِ وَالْعَقْلِ، فَإِنَّهُمَا لَا تَصَرُّفَ لَهُمَا فِي تَقْدِيرِ أَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
قَوْلُهُ: «وَالْإِعَادَةُ فِعْلُهُ فِيهِ» ، أَيْ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا «لِخَلَلٍ فِي الْأَوَّلِ» أَيْ: فِي الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْخَلَلُ فِي الْأَجْزَاءِ، كَمَنْ صَلَّى بِدُونِ
стр. 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ، أَوْ فِي الْكَمَالِ كَمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا، فَيُعِيدُهَا فِي جَمَاعَةٍ فِي الْوَقْتِ. هَكَذَا يَذْكُرُهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ: الْإِعَادَةُ فِعْلُ الشَّيْءِ مَرَّةً أُخْرَى.
قُلْتُ: وَهَذَا أَوْفَقُ لِلُّغَةِ وَالْمَذْهَبِ، أَمَّا اللُّغَةُ: فَإِنَّ الْعَرَبَ عَلَى ذَلِكَ تُطْلِقُ الْإِعَادَةَ، يَقُولُونَ: أَعَدْتُ الْكَرَّةَ إِذَا كَرَّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَأَعَدْنَا الْحَرْبَ خَدْعَةً، وَرَجَعَ عَوْدَهُ عَلَى بَدْئِهِ، أَيْ: عَادَ رَاجِعًا كَمَا ذَهَبَ. وَإِعَادَةُ اللَّهِ لِلْعَالَمِ هُوَ إِنْشَاؤُهُ مَرَّةً ثَانِيَةً، قَالَ اللَّهُ : ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٩] ، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٤] ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَعَرُّضٌ لِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي الْفِعْلِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْمَذْهَبُ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا وَغَيْرَهُمْ قَالُوا: مَنْ صَلَّى ثُمَّ حَضَرَ جَمَاعَةً، سُنَّ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا مَعَهُمْ، إِلَّا الْمَغْرِبَ عَلَى خِلَافٍ فِيهَا.
قُلْتُ: سَوَاءٌ كَانَتْ صَلَاتُهُ الْأَوْلَى مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ، فَقَدْ أَثْبَتُوا الْإِعَادَةَ مَعَ عَدَمِ الْخَلَلِ فِي الْأُولَى، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ: لَا تَخْتَصُّ الْإِعَادَةُ بِالْوَقْتِ، بَلْ هِيَ فِي الْوَقْتِ لِاسْتِدْرَاكِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَبَعْدَ الْوَقْتِ لِاسْتِدْرَاكِ الْوَاجِبَاتِ.
قَوْلُهُ: «وَالْقَضَاءُ فِعْلُهُ» ، أَيْ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ «خَارِجَ الْوَقْتِ» ، أَيْ: بَعْدَ خُرُوجِهِ «لِفَوَاتِهِ فِيهِ» أَيْ: لِفَوَاتِ فِعْلِهِ فِي الْوَقْتِ «لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ» يَعْنِي: إِذَا فَاتَ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي وَقْتِهِ الشَّرْعِيِّ فَفِعْلُهُ خَارِجَ الْوَقْتِ قَضَاءٌ، سَوَاءٌ كَانَ فَوَاتُهُ فِي الْوَقْتِ لِعُذْرٍ،
стр. 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَالْحَائِضِ يَفُوتُهَا الصَّوْمُ فِي رَمَضَانَ، فَتَصُومُ بَعْدَهُ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ أَخَّرَ الْمَأْمُورَ بِهِ عَمْدًا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهُ، ثُمَّ فَعَلَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى قَضَاءً فِي اللُّغَةِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ، تَقُولُ: قَضَيْتُ حَاجَتِي، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ وَالْإِنْهَاءِ، تَقُولُ: قَضَيْتُ دَيْنِي. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤] ، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الْحِجْرِ: ٦٦] ، أَيْ: أَنْهَيْنَاهُ وَأَبْلَغْنَاهُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ فِعْلَ الْعِبَادَةِ خَارِجَ وَقْتِهَا لِفَوَاتِهَا فِيهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، هُوَ فَرَاغٌ مِنْهَا وَأَدَاءٌ لِمَا وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْهَا لُغَةً، وَانْتِهَاءٌ إِلَيْهِ، وَإِنْهَاءٌ لَهُ.
стр. 399
وَقِيلَ: لَا يُسَمَّى قَضَاءً مَا فَاتَ لِعُذْرٍ، كَالْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ يَسْتَدْرِكُونَ الصَّوْمَ، لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ حَالَ الْعُذْرِ، بِدَلِيلِ عَدَمِ عِصْيَانِهِمْ لَوْ مَاتُوا فِيهِ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: لَا يُسَمَّى قَضَاءً مَا فَاتَ لِعُذْرٍ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا قَوْلٌ آخَرُ فِي الْقَضَاءِ يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلًا، أَيْ إِنْ كَانَ فَوَاتُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي وَقْتِهِ لَا لِعُذْرٍ، فَفَعَلَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ يَكُونُ قَضَاءً، وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَاءً، كَالْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ: يَفُوتُهُمْ صَوْمُ رَمَضَانَ لِعُذْرِ الْحَيْضِ وَالسَّفَرِ، فَيَسْتَدْرِكُونَهُ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: «لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ حَالَ الْعُذْرِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا تَوْجِيهُ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ قَضَاءً.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى هَؤُلَاءِ حَالَ الْحَيْضِ وَالسَّفَرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمْ لَهُ قَضَاءً، إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِمْ حَالَ الْعُذْرِ، لِأَنَّهُمْ لَوْ مَاتُوا حِينَئِذٍ لَمْ يَكُونُوا عُصَاةً، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «بِدَلِيلِ عَدَمِ عِصْيَانِهِمْ لَوْ مَاتُوا فِيهِ» ، أَيْ: فِي حَالِ الْعُذْرِ، الْحَائِضُ لَوْ مَاتَتْ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لَمْ تَعْصِ بِتَرْكِ الصَّوْمِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا، لَعَصَتْ بِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا حَالَ الْعُذْرِ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ بَعْدَهُ قَضَاءً، لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا الْخِلَافِ أَصْلٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
стр. 400
وَرَدَ، بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ إِجْمَاعًا، وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: (كُنَّا نَحِيضُ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ) ، وَبِأَنَّ ثُبُوتَ الْعِبَادَةِ فِي الذِّمَّةِ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، فَكِلَاهُمَا يُقْضَى. وَفِعْلُ الزَّكَاةِ وَالصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ بَعْدَ تَأْخِيرِهِمَا عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهِمَا لَا يُسَمَّى قَضَاءً، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ وَقْتِ الزَّكَاةِ، وَامْتِنَاعِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ.
ــ
قَوْلُهُ: " وَرَدَ بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ إِجْمَاعًا "، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَرَدَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي فُصِلَ فِيهِ: بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ لَا لِعُذْرٍ، فَيَكُونُ قَضَاءً، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ، فَلَا يَكُونُ قَضَاءً، بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَائِضَ وَالْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ إِذَا صَامُوا بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِمْ، تَجِبُ عَلَيْهِمْ نِيَّةُ الْقَضَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، وَكُلُّ مَا وَجَبَتْ فِيهِ نِيَّةُ الْقَضَاءِ، فَهُوَ قَضَاءٌ، إِذْ لَوْ كَانَ أَدَاءً، لَمَا جَازَ أَنْ يَنْوُوا الْقَضَاءَ فِيهِ، لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَنْوُونَ غَيْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: " كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَمَعْنَاهُ فِي " الصَّحِيحِ ". فَسَمَّتْهُ قَضَاءً، وَأَخْبَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَمِّيهِ قَضَاءً وَيَأْمُرُ بِهِ.
لَا يُقَالُ: إِنَّمَا سَمَّاهُ قَضَاءً لُغَةً، وَالْقَضَاءُ وَالْأَدَاءُ فِي اللُّغَةِ قَدْ يَكُونَانِ بِمَعْنًى
стр. 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاحِدٍ، نَحْوَ: قَضَيْتُ الدَّيْنَ وَأَدَّيْتُهُ، لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ أَلْفَاظَ الشَّارِعِ الْمُبَيِّنَةَ لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ إِنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى مَوْضُوعَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ، وَالْقَضَاءُ وَالْأَدَاءُ فِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ مُتَغَايِرَانِ كَمَا تَقَرَّرَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ ثُبُوتَ الْعِبَادَةِ فِي الذِّمَّةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، كَمَا أَنَّ ثُبُوتَ دَيْنِ الْآدَمِيِّ فِي الذِّمَّةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَإِذَا كَانَ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ جَائِزًا، كَانَ فِعْلُهَا خَارِجَ وَقْتِهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ قَضَاءً كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ امْتِنَاعِ ثُبُوتِ الْعِبَادَةِ فِي الذِّمَّةِ، هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ يَعْنِي مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّ، فَشَبَّهَ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِدَيْنِ الْآدَمِيِّ فِي الْقَضَاءِ الَّذِي الثُّبُوتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ لَوَازِمِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ دِينَ اللَّهِ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَالْعِبَادَاتُ مِنْ دَيْنِهِ، فَيَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ. وَلِأَنَّ مَعْنَى الثُّبُوتِ فِي الذِّمَّةِ هُوَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ مُتَرَاخِيًا، وَهَذَا مُمْكِنٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا، فَيَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَيَسْتَدْرِكُ فِعْلَهَا بِالْقَضَاءِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمُ: الْعِبَادَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ حَالَ الْعُذْرِ، قُلْنَا: أَدَاؤُهَا هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَمَّا الْتِزَامُهَا فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْصُوا بِمَوْتِهِمْ حَالَ الْعُذْرِ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِفِعْلِهَا حِينَئِذٍ، كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي، هُمَا مُخَاطَبَانِ بِالْوُجُوبِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُمَا الْإِثْمُ بِتَرْكِ الْفِعْلِ حَالَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ لِأَجْلِ الْعُذْرِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا أَنَّ شَرْطَ الْقَضَاءِ، هَلْ هُوَ تَقَدُّمُ وُجُوبِ الْفِعْلِ أَوْ تَقَدُّمُ
стр. 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَبَبِهِ فَقَطْ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَكُونُ فِعْلُ الْحَائِضِ لِلصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ قَضَاءً، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهَا، فَانْتَفَى شَرْطُ الْقَضَاءِ، فَانْتَفَى لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَكُونُ قَضَاءً، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوُجُوبِ، وَإِنِ انْتَفَتْ، لَكِنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ مَوْجُودٌ، وَهُوَ أَهْلِيَّتُهَا لِلتَّكْلِيفِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ السَّبَبُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الْإِثْمِ بِالتَّرْكِ، كَالتَّارِكِ الْمُتَعَمِّدِ الْمُتَمَكِّنِ مِنَ الْفِعْلِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مَعَ الْإِثْمِ، كَالنَّائِمِ وَالْحَائِضِ. ثُمَّ الْمُزِيلُ لِلْإِثْمِ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ، كَالسَّفَرِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ، كَالْحَيْضِ، ثُمَّ قَدْ يَصِحُّ مَعَهُ الْأَدَاءُ، كَالْمَرَضِ، وَقَدْ لَا يَصِحُّ، إِمَّا شَرْعًا كَالْحَيْضِ، أَوْ عَقْلًا كَالنَّوْمِ.
قُلْتُ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْتِزَامَ الْعِبَادَةِ وَاجِبٌ حَالَ الْعُذْرِ عَمَلًا بِالْخِطَابِ السَّابِقِ، وَإِيقَاعَهَا حِينَئِذٍ غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَجْلِ الْعُذْرِ.
تَنْبِيهٌ: الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ وَقْتُهُ إِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُ وُجُوبِهِ، لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَاءً إِجْمَاعًا، وَإِنِ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَوَجَبَ، كَانَ فِعْلُهُ خَارِجَ الْوَقْتِ قَضَاءً حَقِيقَةً، وَإِنِ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ لِمُعَارِضٍ، سُمِّيَ قَضَاءً أَيْضًا، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِيهِ. هَلْ هُوَ قَضَاءٌ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا؟ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، هَلْ كَانَ لِاسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةٍ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ، فَيَكُونُ هَاهُنَا حَقِيقَةً لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، أَوْ لِاسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةٍ مَا وَجَبَ، فَيَكُونُ هَاهُنَا مَجَازٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ.
هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ تَلْخِيصٌ حَسَنٌ وَمَأْخَذٌ جَيِّدٌ.
قَوْلُهُ: " وَفِعْلُ الزَّكَاةِ وَالصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ بَعْدَ تَأْخِيرِهِمَا عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهِمَا لَا يُسَمَّى قَضَاءً لِعَدَمِ تَعَيُّنِ وَقْتِ الزَّكَاةِ وَامْتِنَاعِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ ".
هَاتَانِ صُورَتَانِ قَدْ يَقَعُ التَّرَدُّدُ فِيهِمَا، هَلْ هُمَا قَضَاءٌ أَوْ لَا؟ فَبُيِّنَ حُكْمُهُمَا
стр. 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَنَّهُمَا لَيْسَا قَضَاءً.
أَمَّا الزَّكَاةُ، فَإِنَّهَا تَجِبُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ عَلَى الْفَوْرِ، فَهُوَ وَقْتُ وُجُوبِهَا، فَلَوْ أُخِّرَتْ عَنْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلتَّأْخِيرِ، ثُمَّ أُدِّيَتْ، لَمْ تُسَمَّ قَضَاءً لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَقْتَهَا غَيْرُ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ، مُقَدَّرٌ كَتَقْدِيرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَنَحْنُ قُلْنَا: إِنَّ الْقَضَاءَ هُوَ فِعْلُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا.
قُلْتُ: وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ تَحْدِيدَ الْوَقْتِ بِطَرَفَيْهِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ هَاهُنَا، بَلِ الْمُؤَثِّرُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ وَقْتِهِ مَعْلُومًا فِي الْجُمْلَةِ، وَوَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ، وَهُوَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِقَدْرِ مَا يَتَّسِعُ لِأَدَائِهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُؤَخَّرُ أَدَاؤُهَا فِيهَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِإِخْرَاجِهَا فِيهِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ أَدَاءَهَا فِي الْوَقْتِ الثَّانِي بَعْدَ تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا الْأَوَّلِ قَضَاءٌ، لَزِمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَيَلْزَمُ بِتَقْدِيرِ تَأْخِيرِهَا أَزْمِنَةٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ يُؤَدِّيهَا، أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْإِخْرَاجُ لَهَا هُوَ قَضَاءُ قَضَاءِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ، بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ: إِذَا أُخِّرَتْ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا الْأَوَّلِ، وَجَبَ فِعْلُهَا فِي الْوَقْتِ الثَّانِي، وَهُوَ حَالُ الذِّكْرِ أَوِ الِانْتِبَاهِ لِقَوْلِهِ ﵇: مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَذَلِكَ وَقْتُهَا
стр. 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
فَلَوْ أَخَّرَهَا وَقْتَ الِانْتِبَاهِ قَدْرَ مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهَا فَصَاعِدًا، ثُمَّ فَعَلَهَا، لَمْ يُسَمَّ هَذَا الْفِعْلُ قَضَاءً، لِأَنَّهُ لَوْ سُمِّيَ قَضَاءً لَلَزِمَ أَنْ يُسَمَّى قَضَاءَ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وَيُفْضِي إِلَى كَثْرَةِ أَلْفَاظِ الْقَضَاءِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ.
قُلْتُ: الْعِبَادَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، فَإِذَا نَفَيْنَا أَنْ تَكُونَ هَاتَانِ الصُّورَتَانِ قَضَاءً، لَزِمَ أَنْ يَكُونَا أَدَاءً لِاسْتِحَالَةِ خُلُوِّ الْمَحَلِّ عَنِ الضِّدَّيْنِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ أَدَاءً لِفَوَاتِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ قَضَاءً فِي الْحَقِيقَةِ، لَكِنَّهُمْ إِنَّمَا رَفَضُوا تَسْمِيَتَهَا قَضَاءً وَاسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْقَضَاءِ فِيهَا تَخْفِيفًا، اسْتِثْقَالًا لِتَكْرَارِ لَفْظِ الْقَضَاءِ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْقَضَاءِ اسْتِدْرَاكُ مَصْلَحَةٍ فَائِتَةٍ، وَهَذَا كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: هُوَ شَرْحُ عِبَارَةِ " الْمُخْتَصَرِ " عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي " الرَّوْضَةِ "، وَفِيهِ تَكَلُّفٌ وَعَدَمُ تَحْقِيقٍ لِحَدِّ الْقَضَاءِ.
وَالْأَحْسَنُ فِي حَدِّهِ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ، حَيْثُ قَالَ: الْقَضَاءُ إِيقَاعُ الْعِبَادَةِ خَارِجَ وَقْتِهَا الَّذِي عَيَّنَهُ الشَّرْعُ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ، أَيْ: فِي الْوَقْتِ، احْتِرَازٌ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ الشَّرْعُ لِمَصْلَحَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، كَالْفَوْرِيَّاتِ الَّتِي عَيَّنَ الشَّرْعُ لَهَا الزَّمَنَ الَّذِي يَلِي
стр. 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُرُودَ الْأَمْرِ، فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي الْمَأْمُورَاتِ كَانَتْ لَا فِي الْوَقْتِ الْفَوْرِيِّ، بِخِلَافِ الْأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ لِلْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي أَوْقَاتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَظْهَرُ، فَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ، وَإِنْقَاذُ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ لِمَصْلَحَةٍ فِي الْإِزَالَةِ وَالْإِنْقَاذِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، وَأَمَّا تَعْيِينُ وَقْتِ الزَّوَالِ لِلظُّهْرِ، وَسَائِرُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَوْقَاتِ، فَهُوَ لِمَصْلَحَةٍ فِي الْوَقْتِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهَا.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَخْرُجُ صُورَةُ الزَّكَاةِ وَالصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ إِذَا فُعِلَا بَعْدَ تَأْخِيرِهِمَا عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهِمَا عَنْ كَوْنِهِمَا قَضَاءً بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِّ، لِأَنَّهُمَا فَوْرِيَّتَانِ مَصْلَحَتُهُمَا فِي فِعْلِهِمَا لَا فِي وَقْتِهِمَا، وَيَطَّرِدُ هَذَا فِي الْحَجِّ حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، إِذِ الْمَصْلَحَةُ فِي فِعْلِهِ لَا فِي وَقْتِهِ، مِنْ حَيْثُ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عِبَادَةً أَوْ حَجًّا. فَإِذَنْ لَهُ جِهَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: جِهَةُ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، فَمَصْلَحَتُهُ فِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ عِبَادَةً، فَالْمَصْلَحَةُ فِيهِ وَفِي وَقْتِهِ الْخَاصِّ، وَهِيَ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَهَذَا الْمَكَانُ يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
فَائِدَةٌ: الْعِبَادَاتُ قَدْ تُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَقَدْ لَا تُوصَفُ بِهِمَا، كَالنَّوَافِلِ، لِعَدَمِ تَقْدِيرِ وَقْتِهَا. وَقَدْ تُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَحْدَهُ، كَالْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ.
وَعَدَمُ الْقَضَاءِ فِيهِمَا لِلتَّوْقِيفِ أَوِ الْإِجْمَاعِ، لَا لِامْتِنَاعِهِ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا.
стр. 406
الثَّالِثُ: الْعَزِيمَةُ لُغَةً: الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ، وَشَرْعًا: الْحُكْمُ الثَّابِتُ لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ. وَالرُّخْصَةُ لُغَةً: السُّهُولَةُ، وَشَرْعًا: مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ. وَقِيلَ: اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ.
ــ
قَوْلُهُ: " الثَّالِثُ " أَيِ: الْأَمْرُ الثَّالِثُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ كَاللَّوَاحِقِ لِكُلِّيَّاتِ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ .
" فَالْعَزِيمَةُ لُغَةً " أَيْ: فِي اللُّغَةِ، هِيَ " الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ "، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٩] .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: عَزَمْتُ عَلَى كَذَا عَزْمًا وَعُزْمًا بِالضَّمِّ، وَعَزِيمَةً وَعَزِيمًا، إِذَا أَرَدْتَ فِعْلَهُ وَقَطَعْتَ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] . " وَشَرْعًا " أَيْ: وَالْعَزِيمَةُ فِي الشَّرْعِ: هِيَ " الْحُكْمُ الثَّابِتُ لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ " وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ: هِيَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
فَقَوْلُنَا: الْحُكْمُ الثَّابِتُ لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ: يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ، وَالْمَنْدُوبَ، وَتَحْرِيمَ الْحَرَامِ، وَكَرَاهَةَ الْمَكْرُوهِ. فَالْعَزِيمَةُ وَاقِعَةٌ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ. وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّ سَجْدَةَ (ص) ، هَلْ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ أَوْ لَا؟ مَعَ أَنَّ سَجَدَاتِ
стр. 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقُرْآنِ كُلَّهَا عِنْدَهُمْ نَدْبٌ.
وَقَوْلُنَا: لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ: احْتِرَازٌ مِنَ الثَّابِتِ لِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ الرُّخْصَةُ وَالْعَزِيمَةُ.
وَقَوْلُنَا: خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ: احْتِرَازٌ مِمَّا ثَبَتَ لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، لَكِنْ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ مُعَارِضٌ مُسَاوٍ أَوْ رَاجِحٌ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُعَارِضُ مُسَاوِيًا، لَزِمَ الْوَقْفُ، وَانْتَفَتِ الْعَزِيمَةُ، وَوَجَبَ طَلَبُ الْمُرَجَّحِ الْخَارِجِيِّ، وَإِنْ كَانَ رَاجِحًا، لَزِمَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَانْتَفَتِ الْعَزِيمَةُ، وَثَبَتَتِ الرُّخْصَةُ، كَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَخْمَصَةِ هُوَ عَزِيمَةٌ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ لِدَلِيلٍ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْمَخْمَصَةُ، حَصَلَ الْمُعَارِضُ لِدَلِيلِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ رَاجِحٌ عَلَيْهِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ، فَجَازَ الْأَكْلُ، وَحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْعَزِيمَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا لَزِمَ الْعِبَادُ بِإِلْزَامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَذَكَرَ مَعْنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَيْضًا.
قُلْتُ: وَهِيَ عَلَى هَذَا تَخْتَصُّ بِالْوَاجِبَاتِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِاللُّغَةِ، وَبِلَفْظِ مُقَابِلِهَا، وَهُوَ الرُّخْصَةُ.
أَمَّا اللُّغَةُ: فَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرُّخْصَةُ فِي الْأَمْرِ خِلَافُ التَّشْدِيدِ فِيهِ، وَالتَّشْدِيدُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ الْوَاجِبِ فِعْلًا أَوْ كَفًّا.
وَأَمَّا لَفْظُ الرُّخْصَةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّسْهِيلَ، فَالْعَزِيمَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَقْتَضِيَ التَّشْدِيدَ. وَتَقْرِيرُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْعَزِيمَةُ: طَلَبُ الْفِعْلِ الَّذِي لَمْ يَشْتَهِرْ فِيهِ مَنْعٌ شَرْعِيٌّ. قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْتُ: طَلَبُ الْفِعْلِ، لِيَخْرُجَ أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ وَنَحْوُهَا الدَّاخِلُ
стр. 408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي حَدِّ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، حَيْثُ عَرَّفَ الْعَزِيمَةَ بِجَوَازِ الْإِقْدَامِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ وَلُبْسُ الثِّيَابِ وَنَحْوُهَا عَزِيمَةً، لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ جَائِزٌ، وَالْمَانِعَ مِنْهُ مُنْتَفٍ. وَعَدَمُ اشْتِهَارِ الْمَانِعِ: احْتِرَازٌ مِمَّا إِذَا اشْتَهَرَ الْمَانِعُ، فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ تَنْقَلِبُ رُخْصَةً.
قَوْلُهُ: " وَالرُّخْصَةُ لُغَةً: السُّهُولَةُ ". وَمِنْهُ: رَخُصَ السِّعْرُ، إِذَا سَهُلَ وَلَمْ يَبْقَ فِي السِّعْرِ تَشْدِيدٌ. وَالرَّخْصُ: النَّاعِمُ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ. وَقَدْ سَبَقَ كَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ فِي أَنَّ الرُّخْصَةَ خِلَافُ التَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ: " وَشَرْعًا "، أَيْ: وَالرُّخْصَةُ فِي الشَّرْعِ " مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ ".
فَقَوْلُنَا: " مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ ": احْتِرَازٌ مِمَّا ثَبَتَ عَلَى وَفْقِ الدَّلِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ رُخْصَةً، بَلْ عَزِيمَةً، كَالصَّوْمِ فِي الْحَضَرِ.
وَقَوْلُنَا: " لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ ": احْتِرَازٌ مِمَّا كَانَ لِمُعَارِضٍ غَيْرِ رَاجِحٍ، بَلْ إِمَّا مُسَاوٍ، فَيَلْزَمُ الْوَقْفُ عَلَى حُصُولِ الْمُرَجَّحِ، أَوْ قَاصِرٌ عَنْ مُسَاوَاةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، فَلَا يُؤَثِّرُ، وَتَبْقَى الْعَزِيمَةُ بِحَالِهَا.
" وَقِيلَ: الرُّخْصَةُ: " اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ " وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَنَدُهَا الشَّرْعَ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ لِمُعَارَضَةِ دَلِيلٍ
стр. 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَاجِحٍ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ، فَإِنَّهُ اسْتِبَاحَةٌ لِلْمَيْتَةِ الْمُحَرَّمَةِ شَرْعًا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ رَاجِحٍ عَلَى هَذَا السَّبَبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، فَإِنَّ هَذَا خَاصٌّ، وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ عَامٌّ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ. هَذَا مَعَ النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ الْخَاصِّ عَلَى حِفْظِ النُّفُوسِ وَاسْتِبْقَائِهَا. وَقَدْ لَا تَكُونُ الِاسْتِبَاحَةُ مُسْتَنَدَةً إِلَى الشَّرْعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً مَحْضَةً لَا رُخْصَةً. فَلَوْ قِيلَ: اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ شَرْعًا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ، لَصَحَّ وَسَاوَى الْأَوَّلَ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الرُّخْصَةُ: مَا شُرِعَ مِنَ الْأَحْكَامِ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هِيَ جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ مَعَ اشْتِهَارِ الْمَانِعِ مِنْهُ شَرْعًا.
وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ.
стр. 410
فَمَا لَمْ يُخَالِفْ دَلِيلًا، كَاسْتِبَاحَةِ الْمُبَاحَاتِ، وَسُقُوطِ صَوْمِ شَوَّالٍ، لَا يُسَمَّى رُخْصَةً، وَمَا خُفِّفَ عَنَّا مِنَ التَّغْلِيظِ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَنَا، بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا رُخْصَةٌ مَجَازًا، وَمَا خُصَّ بِهِ الْعَامُّ إِنِ اخْتُصَّ بِمَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي بَقِيَّةِ صُوَرِهِ، كَالْأَبِ الْمَخْصُوصِ بِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَلَيْسَ بِرُخْصَةٍ، وَإِلَّا كَانَ رُخْصَةً، كَالْعَرَايَا الْمَخْصُوصَةِ مِنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ. وَإِبَاحَةُ التَّيَمُّمِ رُخْصَةٌ، إِنْ كَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِمَرَضٍ، أَوْ زِيَادَةِ ثَمَنٍ، وَإِلَّا فَلَا، لِعَدَمِ قِيَامِ السَّبَبِ.
ــ
قَوْلُهُ: «فَمَا لَمْ يُخَالِفْ دَلِيلًا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا كَالِامْتِحَانِ لِحَدِّ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ بِالتَّفْرِيعِ عَلَيْهِ، فَاسْتِبَاحَةُ الْمُبَاحَاتِ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَتَنَزُّهٍ وَنَحْوِهِ، وَعَدَمُ صَوْمِ شَوَّالٍ، لَا يُسَمَّى رُخْصَةً، لِكَوْنِهِ لَا يُخَالِفُ دَلِيلًا، وَشَرْطُ الرُّخْصَةِ مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ.
وَقَوْلُنَا هَاهُنَا: وَعَدَمُ وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ: أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِنَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» : وَسُقُوطُ صَوْمِ شَوَّالٍ، لِأَنَّ السُّقُوطَ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ وُجُوبٍ، وَصَوْمُ شَوَّالٍ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا حَتَّى يَكُونَ عَدَمُ صَوْمِهِ لِسُقُوطِهِ.
فَأَمَّا مَا خُفِّفَ عَنَّا - أَيُّهَا الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ - مِنَ التَّغْلِيظِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَنَا، كَقَطْعِ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَهَتْكِ الْعُصَاةِ بِوُجُودِ مَعَاصِيهِمْ مَكْتُوبَةً عَلَى أَبْوَابِهِمْ، فَيُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْآصَارُ وَالْأَغْلَالُ الْمَوْضُوعَةُ عَنَّا بِبَرَكَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا رُخْصَةٌ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ سَهَّلَ عَلَيْنَا مَا شَدَّدَ
стр. 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِمْ رِفْقًا مِنَ اللَّهِ بِنَا مَعَ جَوَازِ إِيجَابِهِ عَلَيْنَا كَمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّنَا اسْتَبَحْنَا شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَيْهِمْ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ فِي حَقِّنَا، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ لِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِهِ لَا نَحْنُ، فَهَذَا وَجْهُ التَّجَوُّزِ.
أَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ عَزِيمَةً فِي حَقِّهِمْ، فَهُوَ حَقِيقَةٌ، لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُمْ طَلَبًا مُؤَكَّدًا بِدَلِيلٍ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ. وَهَذَا حَقِيقَةُ الْعَزِيمَةِ.
قَوْلُهُ: «وَمَا خُصَّ بِهِ الْعَامُّ» ، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: مَا خُصَّ بِهِ الْعَامُّ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَلَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يُخْتَصَّ ذَلِكَ الْمُخَصَّصُ لِلْعَامِ بِمَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي بَقِيَّةِ صُوَرِ الْعَامِّ، أَوْ لَا يُخْتَصُّ.
فَإِنِ اخْتُصَّ بِمَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، فَلَيْسَ بِرُخْصَةٍ، وَذَلِكَ كَالْأَبِ الْمَخْصُوصِ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لِابْنِهِ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
فَإِنَّ اخْتِصَاصَ الْأَبِ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لِمَعْنًى خَاصٍّ فِيهِ، وَهُوَ الْأُبُوَّةُ، دُونَ سَائِرِ الْوَاهِبِينَ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ لَا مِنْ بَابِ الرُّخَصِ.
وَإِنْ لَمْ يُخْتَصَّ ذَلِكَ الْمُخَصَّصُ بِمَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي بَقِيَّةِ صُوَرِهِ، كَانَ رُخْصَةً، كَالْعَرَايَا الْمَخْصُوصَةِ مِنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، فَإِنَّ الْمُزَابَنَةَ: بَيْعُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ نَهْيًا عَامًّا، ثُمَّ خُصَّتْ مِنْهُ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا دُونَهُمَا لِلْحَاجَةِ بِشُرُوطٍ ذُكِرَتْ فِي الْفِقْهِ. وَصَرَّحَتِ الرُّوَاةُ بِلَفْظِ الرُّخْصَةِ فِيهَا، حَيْثُ رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا
стр. 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَغَيْرِهِمَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخَصَّصَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمَعْنَى الْمُخَصَّصَ لِلْأَبِ مِنْ عُمُومِ مَنْعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ دَائِمُ الْقِيَامِ بِهِ، وَهُوَ الْأُبُوَّةُ، وَالْمُخَصَّصُ لِمَحَلِّ الرُّخْصَةِ مِنْ عُمُومِ دَلِيلِ الْعَزِيمَةِ عَارِضٌ غَيْرُ لَازِمٍ، كَالْمَخْمَصَةِ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَالْحَاجَةِ فِي الْعَرَايَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يُؤَثِّرُ، وَلَا يُنَاسِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، بَلِ الْأَشْبَهُ أَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ رُخْصَةً: أَعْنِي رُجُوعَ الْأَبِ فِي الْهِبَةِ، وَجَوَازَ الْعَرَايَا، وَنَحْوَهَا، لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَى الرُّخْصَةِ لُغَةً وَشَرْعًا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، أَمَّا لُغَةً. فَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ مِنَ السُّهُولَةِ كَمَا سَبَقَ، وَفِي تَجْوِيزِ الرُّجُوعِ لِلْأَبِ فِي الْهِبَةِ تَسْهِيلٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا شَرْعًا: فَلِأَنَّ رُجُوعَهُ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ، وَهَذَا حَدُّ الرُّخْصَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رُخْصَةً.
الثَّانِي: أَنَّ الرُّخْصَةَ تُقَابِلُ الْعَزِيمَةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَحْرِيمَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ عَلَى الْأَجَانِبِ عَزِيمَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَوَازُهُ لِلْأَبِ رُخْصَةً.
قَوْلُهُ: «وَإِبَاحَةُ التَّيَمُّمِ رُخْصَةٌ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: لَا يَخْلُو التَّيَمُّمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ
стр. 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ لِوُجُودِهِ، لَكِنْ جَازَ الْعُدُولُ عَنْهُ لِمَرَضٍ أَوْ زِيَادَةِ ثَمَنٍ لَا يُوجِبُ الشَّرْعُ بَذْلَهَا، فَإِبَاحَتُهُ رُخْصَةٌ لِتَحَقُّقِ حَدِّ الرُّخْصَةِ، وَهُوَ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ، وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ.
وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِعَدَمِهِ أَوْ حَائِلٍ دُونَهُ، فَلَيْسَتْ إِبَاحَتُهُ رُخْصَةً، لِعَدَمِ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ. وَعَلَى هَذَا كَلَامٌ يَأْتِي بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 414
وَالرُّخْصَةُ قَدْ تَجِبُ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَقَدْ لَا تَجِبُ كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: التَّيَمُّمُ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ، كُلٌّ مِنْهُمَا رُخْصَةُ عَزِيمَةٍ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ.
ــ
قَوْلُهُ: " وَالرُّخْصَةُ قَدْ تَجِبُ "، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: أَنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَنْتَهِي إِلَى أَنْ تَصِيرَ وَاجِبَةً " كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ " بِنَاءً عَلَى أَنَّ النُّفُوسَ حَقُّ اللَّهِ، وَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِينَ، فَيَجِبُ حِفْظُهَا لِيَسْتَوْفِيَ اللَّهُ تَعَالَى حَقَّهُ مِنْهَا بِالْعِبَادَاتِ وَالتَّكَالِيفِ، وَقَدْ لَا تَنْتَهِي إِلَى الْوُجُوبِ، كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ إِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا، فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا حِفْظًا لِنَفْسِهِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ، وَلَهُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهَا إِرْغَامًا لِمَنْ أُكْرِهُ وَإِعْزَازًا لِلدِّينِ.
نَعَمْ، النِّزَاعُ فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ مُتَّجَهٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْإِجَابَةُ أَفْضَلُ: حِفْظًا لِلنَّفْسِ وَاسْتِيفَاءً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الِامْتِنَاعُ أَفْضَلُ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَسِيرِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: إِنْ صَبَرَ، فَلَهُ الشَّرَفُ، وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ فَلَهُ الرُّخْصَةُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ": الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُعْطِيَ التَّقِيَّةَ، وَلَا يُظْهِرَ الْكُفْرَ حَتَّى يُقْتَلَ. وَاحْتَجَّ بِقِصَّةِ عَمَّارٍ وَخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، حَيْثُ لَمْ يُعْطِ أَهْلَ مَكَّةَ التَّقِيَّةَ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلَ مِنْ عَمَّارٍ.
قُلْتُ: الْعَجَبُ مِنْ أَصْحَابِنَا يُرَجِّحُونَ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ فِي الْفِطْرِ، وَقَصْرِ الصَّلَاةِ
стр. 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي السَّفَرِ، مَعَ يَسَارَةِ الْخَطْبِ فِيهِمَا، وَيُرَجِّحُونَ الْعَزِيمَةَ فِيمَا يَأْتِي عَلَى النَّفْسِ، كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِمَّا أَنْ يُرَجِّحُوا الرُّخْصَةَ مُطْلَقًا أَوِ الْعَزِيمَةَ مُطْلَقًا. أَمَّا الْفَرْقُ، فَلَا يَظْهَرُ لَهُ كَبِيرُ فَائِدَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ لَهُ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ، أَوِ الْعَزِيمَةِ هُوَ الْعِبَادَةُ، فَفِي أَيِّهِمَا كَانَتِ الْعِبَادَةُ أَعْظَمَ، رَجَّحْنَا الْأَخْذَ بِهِ، وَالْعِبَادَةُ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ دُونَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَعْظَمُ، لِأَنَّهُ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وُجُودٌ بِالنَّفْسِ فِي مَحَبَّتِهِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ عِبَادَةٍ، وَقَدْ رَجَّحْتُمُ الْفِطْرَ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْعِبَادَةَ فِي اسْتِيفَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي النَّفْسِ أَعْظَمُ، لِأَنَّهَا إِذَا بَقِيَتْ وُجِدَ مِنْهَا فِي الْعِبَادَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْأَنْوَاعِ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ تَرْكِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنَ الْعِبَادَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يَكُونُ سَبَبُ الرُّخْصَةِ اخْتِيَارِيًّا، كَالسَّفَرِ، وَاضْطِرَارِيًّا، كَالِاغْتِصَاصِ بِاللُّقْمَةِ الْمُبِيحِ لِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقَرَافِيِّ: قَدْ يُبَاحُ سَبَبُهَا، كَالسَّفَرِ، وَقَدْ لَا يُبَاحُ، كَالْغُصَّةِ لِشُرْبِ الْخَمْرِ، لِأَنَّ الْغُصَّةَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا يُوصَفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا حَظْرٍ.
قَوْلُهُ: " وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: التَّيَمُّمُ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ، كُلٌّ مِنْهُمَا رُخْصَةُ عَزِيمَةٍ، بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ.
قُلْتُ: هَذَا مُتَعَيِّنٌ، وَلَكِنِّي تَسَامَحْتُ بِقَوْلِي: يَجُوزُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ التَّيَمُّمِ
стр. 416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْجِهَتَيْنِ يَقِينًا.
أَمَّا مِنْ جِهَةِ الرُّخْصَةِ: فَمِنْ حَيْثُ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَسَهَّلَ عَلَيْهِ، وَسَامَحَهُ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَةِ مَعَ الْحَدَثِ الْمَانِعِ، وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ بِطَلَبِ الْمَاءِ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَشُقُّ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ إِذَا صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَحَيْثُ سَامَحَهُ فِي اسْتِبْقَاءِ نَفْسِهِ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ بِإِيجَابِ الصَّبْرِ عَنْهَا حَتَّى يَمُوتَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ إِبَاحَةَ الْمُحَرَّمِ فِي الْمَخْمَصَةِ رَحْمَةٌ مِنْهُ لَهُمْ.
وَأَمَّا جِهَةُ الْعَزِيمَةِ: فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ - أَعْنِي التَّيَمُّمَ - شَرْطٌ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ، وَشَرْطُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَالْوَاجِبُ عَزِيمَةٌ، فَالتَّيَمُّمُ عَزِيمَةٌ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَسِيلَةٌ إِلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاجِبِ فِي النَّفْسِ، وَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ، فَأَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ إِذَا خِيفَ عَلَى النَّفْسِ بِدُونِهِ وَاجِبٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَالنَّفْسُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقَّانِ: حَقُّ اللَّهِ ، وَحَقُّ الْمُكَلَّفِ. فَكُلُّ تَخْفِيفٍ تَعَلَّقَ بِالْحَقَّيْنِ، فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى حَقِّ اللَّهِ عَزِيمَةٌ، وَبِالْإِضَافَةِ إِلَى حَقِّ الْمُكَلَّفِ رُخْصَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 417
الْفَصْلُ الرَّابِعُ
فِي اللُّغَاتِ
وَهِيَ جَمْعُ لُغَةٍ، وَهِيَ: الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي النَّفْسِيَّةِ، وَاخْتِلَافِهَا لِاخْتِلَافِ أَمْزِجَةِ الْأَلْسِنَةِ، لِاخْتِلَافِ الْأَهْوِيَةِ وَطَبَائِعِ الْأَمْكِنَةِ.
ــ
«الْفَصْلُ الرَّابِعُ»
يَعْنِي مِنْ فُصُولِ الْمُقَدِّمَةِ «فِي اللُّغَاتِ، وَهِيَ - يَعْنِي اللُّغَاتِ - جَمْعُ لُغَةٍ» . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اللُّغَةُ أَصْلُهَا: لُغْيٌ أَوْ لُغْوٌ.
قُلْتُ: أَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِهَا مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ أَوِ الْوَاوِ، فَهُوَ مُتَّجِهٌ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهَا عَلَى مِثَالِ فُعْلٍ - بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ بِدُونِ تَاءِ التَّأْنِيثِ - فَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ أَصْلَهَا لُغْيَةٌ، كَدُمْيَةٍ، أَوْ لُغْوَةٌ، كَعُرْوَةَ، وَجَمْعُهَا لُغًى، مِثْلُ بُرَةٍ وَيُرَى وَلُغَاتٌ مِثْلُ: ثُبَةٍ وَثُبَاتٍ، وَكُرَةٍ وَكُرَاتٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي اللُّغَاتِ هُوَ كَالْمَدْخَلِ إِلَى أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ مُفْرَدَاتِ مَادَّتِهِ، وَهِيَ الْكَلَامُ وَالْعَرَبِيَّةُ وَتَصَوُّرُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَأُصُولُ الْفِقْهِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ لِوُرُودِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِهِمَا، اللَّذَيْنِ هُمَا أُصُولُ الْفِقْهِ وَأَدِلَّتُهُ، فَمَنْ لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِخْرَاجُ الْأَحْكَامِ مِنَ الْكِتَابِ
стр. 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالسُّنَّةِ.
وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي بِمُوجَبِ هَذَا أَنْ يُقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي اللُّغَاتِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْفُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَقْدِيمَ مَادَّةِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَدْ بَيَّنْتُ أَنِّي أَقْرَرْتُ تَرْتِيبَ أَصْلِ هَذَا «الْمُخْتَصَرِ» عَلَى حَالِهِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: «وَهِيَ» - يَعْنِي اللُّغَةَ - هِيَ «الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي النَّفْسِيَّةِ» .
يَعْنِي الْمُتَكَلِّمَ يُقَوِّمُ بِنَفْسِهِ مَعَانِيَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَصَوَّرُهَا كَتَصَوُّرِهِ لِمَعْنَى قِيَامِ زَيْدٍ، وَضَرْبِ عَمْرٍو، وَحُسْنِ الْعِلْمِ، وَقُبْحِ الْجَهْلِ. فَيُعَبِّرُ عَنْ تِلْكَ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظٍ تَدُلُّ عَلَيْهَا، كَقَوْلِهِ: قَامَ زَيْدٌ، وَضَرَبَ عَمْرٌو، وَالْعِلْمُ حَسَنٌ، وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ. فَتِلْكَ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي هِيَ اللُّغَةُ.
قَوْلُهُ: «وَاخْتِلَافُهَا لِاخْتِلَافِ أَمْزِجَةِ الْأَلْسِنَةِ، لِاخْتِلَافِ الْأَهْوِيَةِ وَطَبَائِعِ الْأَمْكِنَةِ» .
أَيْ: وَاخْتِلَافُ اللُّغَاتِ إِلَى عَرَبِيٍّ وَأَعْجَمِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ اللُّغَاتِ عِلَّتُهُ وَسَبَبُهُ اخْتِلَافُ أَمْزِجَةِ الْأَلْسِنَةِ، وَاخْتِلَافُ أَمْزِجَةِ الْأَلْسِنَةِ عِلَّتُهُ وَسَبَبُهُ اخْتِلَافُ الْأَهْوِيَةِ وَطَبَائِعِ الْأَمْكِنَةِ، فَإِذَا غَلَبَ الْبَرْدُ مَثَلًا عَلَى مَكَانٍ، بَرُدَ هَوَاؤُهُ، وَطَبْعُ الْبَرْدِ التَّكْثِيفُ وَالتَّثْقِيلُ، لِأَنَّ الْعُنْصُرَيْنِ الْبَارِدَيْنِ، وَهُمَا: الْمَاءُ وَالْأَرْضُ، ثَقِيلَانِ كَثِيفَانِ. وَالْمَاءُ أَشَدُّهُمَا بَرْدًا، وَالْأَرْضُ أَشَدُّهُمَا كَثَافَةً، فَيَغْلِبُ الثِّقَلُ عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَيَثْقُلُ النُّطْقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، ثُمَّ يَضَعُونَ الْأَلْفَاظَ الْمَخْصُوصَةَ لِلْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، فَيَجِيءُ النُّطْقُ بِهَا ثَقِيلًا، كَالْعَجَمِيِّ، وَالتُّرْكِيِّ، وَغَيْرِهِمَا. وَإِذَا غَلَبَ الْحَرُّ عَلَى مَكَانٍ، سَخُنَ هَوَاؤُهُ، وَطَبْعُ الْحَرَارَةِ التَّخْفِيفُ وَالتَّحْلِيلُ وَالتَّلْطِيفُ، فَتَغْلِبُ الْخِفَّةُ عَلَى أَلْسِنَةِ
стр. 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَيَخِفُّ النُّطْقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، ثُمَّ يَضَعُونَ الْأَلْفَاظَ الْمَخْصُوصَةَ لِلْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، فَيَجِيءُ النُّطْقُ بِهَا خَفِيفًا سَمْحًا سَهْلًا، كَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَلِهَذَا كَانَتْ أَفْصَحَ اللُّغَاتِ وَأَحْسَنَهَا وَأَشْرَفَهَا، وَحَصَلَ الْإِعْجَازُ وَالتَّحَدِّي بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى النَّازِلِ بِهَا دُونَ كَلَامِهِ النَّازِلِ بِغَيْرِهَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ أَنْ يُعْجِزَ أَهْلَ كُلِّ لِسَانٍ بِمَا يُنْزِلُهُ مِنْ كَلَامِهِ بِذَلِكَ اللِّسَانِ. وَهَذَا التَّقْرِيرُ أَشَارَ إِلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ «الْإِقْنَاعِ» .
стр. 420
ثُمَّ هُنَا أَبْحَاثٌ:
الْأَوَّلُ: قِيلَ: هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَقِيلَ: اصْطِلَاحِيَّةٌ، وَقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْقِسْمَيْنِ. وَالْكُلُّ مُمْكِنٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَطْعِ بِأَحَدِهَا، إِذْ لَا قَاطِعَ نَقْلِيٌّ، وَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهَا، وَالْخَطْبُ فِيهَا يَسِيرٌ، إِذْ لَا يَرْتَبِطُ بِهَا تَعَبُّدٌ عَمَلِيٌّ، وَلَا اعْتِقَادِيٌّ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
لَنَا: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ، قِيلَ: أَلْهَمَهُ، أَوْ عَلَّمَهُ لُغَةَ مَنْ قَبْلَهُ، أَوِ الْأَسْمَاءَ الْمَوْجُودَةَ حِينَئِذٍ، لَا مَا حَدَثَ. قُلْنَا: تَخْصِيصٌ وَتَأْوِيلٌ، يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ.
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُنَا أَبْحَاثٌ» ، أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِ اللُّغَاتِ هَهُنَا أَبْحَاثٌ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ جَمْعُ بَحْثٍ، وَأَصْلُ الْبَحْثِ مَصْدَرُ: بَحَثَ يَبْحَثُ بَحْثًا: إِذَا أَثَارَ التُّرَابَ وَنَحْوَهُ عَنْ مَكَانٍ لِدَفْنِ شَيْءٍ، أَوِ الْكَشْفِ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي تَعَرُّفِ الْأَحْكَامِ الشَّبِيهِ بِالْحُجَجِ الَّتِي يُطْلَبُ بِهَا كَشْفُ تِلْكَ الْأَحْكَامِ تَشْبِيهًا لِطَالِبِ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِبَاحِثِ التُّرَابِ.
«وَالْأَوَّلُ» : أَيِ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ، «قِيلَ: هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ» ، إِلَى آخِرِهِ.
أَيِ: اخْتُلِفَ فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ ، فَقِيلَ: هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ، أَيْ: عُرِفَتْ بِالتَّوْقِيفِ مِنَ
стр. 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ فُورَكٍ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِمَا.
«وَقِيلَ» : هِيَ «اصْطِلَاحِيَّةٌ» أَيْ: عُرِفَتْ بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِ.
«وَقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْقِسْمَيْنِ» : التَّوْقِيفِ وَالِاصْطِلَاحِ، أَيْ: بَعْضُهَا حَصَلَ بِالتَّوْقِيفِ، وَبَعْضُهَا بِالِاصْطِلَاحِ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْتِدَاءَ اللُّغَاتِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ضَرُورَةُ التَّفَاهُمِ أَوَّلًا وَقَعَ بِالِاصْطِلَاحِ، وَالْبَاقِي يَحْتَمِلُ التَّوْقِيفَ وَالِاصْطِلَاحَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْقَدْرَ الضَّرُورِيَّ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِاصْطِلَاحُ تَوْقِيفِيٌّ، وَالْبَاقِي اصْطِلَاحِيٌّ، وَهَذَا قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ: «وَالْكُلُّ مُمْكِنٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَطْعِ بِأَحَدِهَا» .
أَيْ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُمْكِنَةٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْقَطْعِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، إِذْ لَيْسَ فِيهَا قَاطِعٌ نَقْلِيٌّ أَنَّهَا تَوْقِيفٌ أَوِ اصْطِلَاحٌ، أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، وَالْعَقْلُ لَا مَجَالَ لَهُ فِي اللُّغَاتِ لِيَسْتَدِلَّ عَلَيْهَا بِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْعَقْلِ وَنَظَرَهُ إِنَّمَا يَقْصُرُ عَنْ وَضْعِ اللُّغَاتِ وَتَخْصِيصِ أَسْمَائِهَا بِمُسَمَّيَاتِهَا. أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى وَاضِعِهَا، وَكَيْفِيَّةِ ابْتِدَائِهَا، فَهُوَ أَمْرٌ نَظَرِيٌّ لَا يَقْصُرُ الْعَقْلُ عَنْهُ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى مَذْهَبِهِمْ بِالنَّظَرِ الْعَقْلِيِّ، أَوِ الْمُرَكَّبِ مِنْهُ وَمِنَ النَّقْلِ، نَعَمْ إِدْرَاكُهُ لِلْحُكْمِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ ضَرُورِيًّا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الْقَطْعُ مِنْهُ.
أَمَّا دَلِيلُ إِمْكَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَجُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ:
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا التَّوْقِيفُ: فَبِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي الْمُكَلَّفِينَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِالْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَنِسْبَةِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، فَيَحْصُلَ الْعِلْمُ لَهُمْ بِهَا تَوْقِيفًا.
وَأَمَّا الِاصْطِلَاحُ: فَبِأَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ دَوَاعِيَ الْعُقَلَاءِ بِالِاصْطِلَاحِ عَلَى مَا يَتَخَاطَبُونَ بِهِ، وَيُعِينُهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ، فَيَحْصُلُ التَّخَاطُبُ بَيْنَهُمْ بِالِاصْطِلَاحِ، وَالْقَوْلَانِ الْآخَرَانِ يَظْهَرُ إِمْكَانُهُمَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
قَوْلُهُ: «وَالْخَطْبُ فِيهَا يَسِيرٌ» ، أَيْ: وَالْخَطْبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَسِيرٌ، أَيْ: أَمْرُهَا سَهْلٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ تُذْكَرْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي هَذَا الْعِلْمِ وَلَا فِي غَيْرِهِ نَقْصًا، إِذْ لَا يَرْتَبِطُ بِهَا تَعَبُّدٌ عَمَلِيٌّ وَلَا اعْتِقَادِيٌّ، أَيْ: لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا مَعْرِفَةُ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الشَّرِيعَةِ، وَلَا مَعْرِفَةُ اعْتِقَادٍ مِنَ اعْتِقَادَاتِهَا.
فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا كَانَ أَمْرُهَا هَكَذَا، فَلِمَ أَطْنَبَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهَا هَذَا الْإِطْنَابَ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَنْفَعُ، عَبَثٌ؟
قُلْنَا: لَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ مِنَ الْعُلُومِ، فَفِي مَسَائِلِهِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الضَّرُورَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَفِيهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الرِّيَاضَاتِ الَّتِي يَرْتَاضُ الْعُلَمَاءُ بِالنَّظَرِ فِيهَا، فَتَكُونُ فَائِدَتُهَا الرِّيَاضَةَ النَّظَرِيَّةَ لَا دَفْعَ الْحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ وَنَحْنُ إِنَّمَا نَفَيْنَا فَائِدَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ لَا فِي الْعِلْمِ عَلَى جِهَةِ الِارْتِيَاضِ، وَهَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ يُصَوِّرُونَ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي الْوَصَايَا وَالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ وَغَيْرِهَا صُوَرًا يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ - أَوْ يَنْدُرُ - وُقُوعُهَا، وَيَبْحَثُونَ فِيهَا الْبَحْثَ الْعَرِيضَ
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطَّوِيلَ، وَمَا قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا الِارْتِيَاضُ بِهَا، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ الْمَسَائِلِ الضَّرُورِيَّةِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ رِيَاضَاتِهِ. وَمَسْأَلَةُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ أَوِ الْفَوْرِ وَالنَّهْيِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَنَحْوَهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ.
قَوْلُهُ: «وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ» ، أَيْ: إِنْ حَاوَلْنَا الْقَطْعَ بِأَحَدِ الْأَقْوَالِ، فَلَا سَبِيلَ لَنَا إِلَيْهِ لِمَا مَرَّ، وَإِنْ حَاوَلْنَا الظَّنَّ، فَالظَّاهِرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ التَّوْقِيفُ، وَلَنَا عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣١] ، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ بِاللَّامِ الْمُسْتَغْرِقَةِ، وَأَكَّدَهَا بِلَفْظِ كُلٍّ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَوَارَثَتْ ذَلِكَ ذَرِّيَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ بِالتَّلَقِّي عَنْهُ، فَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى اصْطِلَاحٍ كُلِّيٍّ وَلَا جُزْئِيٍّ.
قَوْلُهُ: «قِيلَ: أَلْهَمَهُ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى دَلِيلِ التَّوْقِيفِ مِنْ جِهَةِ الْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا فِي التَّوْقِيفِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَلْهَمَ آدَمَ وَضْعَ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ لِمُسَمَّيَاتِهَا، ثُمَّ نَسَبَ التَّعْلِيمَ إِلَى نَفْسِهِ ، لِأَنَّهُ الْهَادِي وَالْمُرْشِدُ لَهُ إِلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَّمَهُ لُغَةً كَانَتْ قَبْلَهُ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ أُمَمٌ، وَلَا بُدَّ لِهَؤُلَاءِ مِنْ لُغَةٍ يَتَخَاطَبُونَ بِهَا،
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَا يَكُونُ تَعْلِيمُهُ لِلُغَتِهِمْ تَوْقِيفًا ابْتِدَاءً، بَلْ إِيصَالًا لِلُغَةِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ، وَإِخْبَارًا لَهُ بِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَهُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَوْجُودَةِ حِينَئِذٍ، كَالسَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، لَا مَا حَدَثَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ التَّوْقِيفُ كُلِّيًّا. وَبِتَقْدِيرِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُكُمْ مِنَ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: تَخْصِيصٌ» ، أَيْ: هَذَا الَّذِي عَارَضْتُمْ بِهِ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ تَخْصِيصٌ لِظَاهِرِ عُمُومِهَا، وَتَأْوِيلٌ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِهَا، وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ وَتَأْوِيلُ الظَّاهِرِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يَصْلُحُ لَهُ، وَيُكَافِئُهُ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا قَاطِعَ وَلَا نَصَّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَا الظَّنَّ وَالظُّهُورَ، وَدَلِيلُنَا عَلَى مَا ادَّعَيْنَاهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ الْإِنْصَافِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَائِدَةٌ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللُّغَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ، فَإِنَّهَا لَمْ تَقَعْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، بَلْ وُقِفَ آدَمُ عَلَى مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ مَنْ حَدَثَ مِنْ بَنِيهِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ بَعْدَهُ، حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَأُوتِيَ مِنْهَا مَا لَمْ يُؤْتَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ قَرَّ الْأَمْرُ قَرَارَهُ، وَخُتِمَتْ بِهِ اللُّغَةُ، كَمَا خُتِمَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ. ذَكَرَ مَعْنَى هَذَا ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ فِقْهِ اللُّغَةِ وَسُنَنِ الْعَرَبِ الْمُسَمَّى بِـ «الصَّاحِبِي» .
стр. 425
الثَّانِي: تَثْبُتُ الْأَسْمَاءُ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
لَنَا، مُعْتَمَدُهُ فَهْمُ الْجَامِعِ، كَالتَّخْمِيرِ فِي النَّبِيذِ، كَالشَّرْعِيِّ، فَيَصِحُّ حَيْثُ فُهِمَ.
ــ
قَوْلُهُ: «الثَّانِي» ، أَيِ: الْبَحْثُ الثَّانِي مِنْ أَبْحَاثِ اللُّغَةِ: «تَثْبُتُ الْأَسْمَاءُ قِيَاسًا» وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي يَعْقُوبَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا.
قُلْتُ: وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَلَا فِي أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ، كَعَالِمٍ وَقَادِرٍ، إِذْ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فِيهِ، لِأَنَّ الْأَعْلَامَ ثَابِتَةٌ بِوَضْعِ الْوَاضِعِ لَهَا بِاخْتِيَارِهِ، فَلَيْسَ لَهَا ضَابِطٌ، وَأَسْمَاءُ الصِّفَاتِ لِأَجْلِ الْمَعَانِي الصَّادِرَةِ مِنْهَا، وَالْقَائِمَةِ بِهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: زَيْدٌ إِنْسَانٌ، فَأَنَا أَحْكُمُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِأَنَّ اسْمَهُ زَيْدٌ، وَلَا أَنْ يَقُولَ: عَمْرٌو عَالِمٌ، وَهُوَ رَجُلٌ، فَأَنَا أَحْكُمُ بِأَنَّ كُلَّ رَجُلٍ عَالِمٌ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأَسْمَاءِ الْكُلِّيَّةِ، أَعْنِي أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ الَّتِي وُضِعَتْ لَمَعَانٍ فِي مُسَمَّيَاتِهَا تَدُورُ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا، كَالْخَمْرِ الَّذِي دَارَ اسْمُهُ مَعَ التَّخْمِيرِ هَلْ يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى النَّبِيذِ قِيَاسًا بِعِلَّةِ التَّخْمِيرِ وَالْإِسْكَارِ؟
قَالَ الْآمِدِيُّ: أَثْبَتَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَنَفَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ، وَهَذَا النَّقْلُ كَالتَّفْصِيلِ لِنَقْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
следующие страницы →