← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَعَهُ إِلَى شَاهِدٍ ثَانٍ، وَلَا يَمِينٍ عِنْدِ عَدَمِهِ، وَلَا إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى الْوَاحِدِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى وَاللِّوَاطِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ حَاصِلٌ، وَلَيْسَ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ مَطْلُوبٌ، لَكِنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ لَاسْتَوَى الْعَدْلُ وَالْفَاسِقُ فِي الْإِخْبَارِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمَا، كَمَا اسْتَوَى خَبَرُ التَّوَاتُرِ فِي كَوْنِ عَدَدِ الْمُخْبِرِينَ بِهِ عُدُولًا أَوْ فُسَّاقًا، مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا، إِذْ لَا مَطْلُوبَ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ، وَإِذَا حَصَلَ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدْلِ فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، لَكِنَّ الْفَاسِقَ وَالْعَدْلَ لَا يَسْتَوِيَانِ بِالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ دُونَ الْفَاسِقِ. وَهَذِهِ الْوُجُوهُ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْمُلَازَمَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِنَا: «لَوْ أَفَادَ الْعِلْمَ لَصَدَّقْنَا كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، وَلَمَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ، وَلَجَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرُ السُّنَّةِ بِهِ، وَلَجَازَ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَاسْتَوَى الْعَدْلُ وَالْفَاسِقُ» . وَقَوْلُنَا: «وَاللَّوَازِمُ بَاطِلَةٌ» ، مَعْنَاهُ: أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» تَضَمَّنَتْ خَمْسَ مُلَازَمَاتٍ، قَدْ ظَهَرَتْ فِي الْوُجُوهِ الْخَمْسَةِ هَاهُنَا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ وَشَرْحُهَا فِي مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ. وَاللَّوَازِمُ: جَمْعُ لَازِمٍ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي جَوَابِ «لَوْ» فِي قَوْلِنَا: لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا، وَبُطْلَانِ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَلْزُومِ ; فَاللَّوَازِمُ هَاهُنَا هِيَ تَصْدِيقُنَا كُلَّ

стр. 632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، وَعَدَمُ تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ، وَجَوَازُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَجَوَازُ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَاسْتِوَاءُ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ. وَانْتِفَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ اللَّوَازِمِ الْخَمْسَةِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ، وَهُوَ إِفَادَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ ; فَهُوَ مَلْزُومٌ وَاحِدٌ لَهُ خَمْسَةُ لَوَازِمَ، وَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ. قَوْلُهُ: «وَالِاحْتِجَاجُ بِنَحْوِ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣] ، غَيْرُ مُجْدٍ» ، أَيْ: غَيْرُ نَافِعٍ «لِجَوَازِ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ» ، هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى حُجَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَبَيَانِ ضَعْفِهَا. أَمَّا تَقْرِيرُ حُجَّتِهِمْ: فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣] ، أَيْ: هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ لَمْ يُفِدْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَكَانَ ذَلِكَ كَذِبًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ، وَهُوَ الْكَذِبُ وَذَلِكَ لِقَوْلِ الرُّوَاةِ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ، وَقَالُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهُوَ حَرَامٌ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ أَنَّ اللَّازِمَ مِنْهَا ارْتِكَابُ الرُّوَاةِ الْمُحَرَّمَ، وَهُوَ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ ، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْهِمْ، وَلَا هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْهُ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَكِبُوا الْكَذِبَ الْمُحَرَّمَ فِي الرِّوَايَةِ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ: أَنَّهُمْ لِإِسْلَامِهِمْ، وَظُهُورِ عَدَالَتِهِمْ، لَا نَظُنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِصِدْقِهِمْ، بَلِ الظَّنَّ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَهَاهُنَا جَوَابٌ آخَرُ لَمْ يُذْكَرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ إِفَادَةِ

стр. 633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَبَرِهِمُ الْعِلْمَ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَهُمْ، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَهْمًا وَخَطَأً فِي الرِّوَايَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ وَلَا تَحْلِيلٌ. تَنْبِيهٌ: الْخَبَرُ إِمَّا تَوَاتُرٌ ; فَهُوَ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ آحَادٌ مُجَرَّدٌ ; فَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ قَطْعًا كَمَا تَقَرَّرَ هَاهُنَا، أَوْ آحَادٌ احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ أَفَادَ مَعَهَا الْعِلْمَ ; فَهُوَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ ; فَلَيْسَ تَوَاتُرًا ; لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِهِ وَاحِدٌ، وَلَا آحَادًا لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمَ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى خَبَرُ الْوَاحِدِ خَاصًّا، لِاخْتِصَاصِهِ بِالْقَرَائِنِ. وَأَيْضًا الْخَبَرُ إِمَّا تَوَاتُرٌ: وَقَدْ عُرِفَ، أَوْ آحَادٌ: وَهُوَ إِمَّا مُسْتَفِيضٌ، [أَوْ غَيْرُ مُسْتَفِيضٍ] وَهُوَ بَقِيَّةُ الْآحَادِ. قُلْتُ: الْمُسْتَفِيضُ مَأْخُوذٌ مِنْ: فَاضَ الْمَاءُ وَالْإِنَاءُ وَنَحْوُهُ: إِذَا امْتَلَأَ، حَتَّى تَبَدَّدَ الْمَاءُ مِنْ حَافَّاتِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ بِمُوجِبِ هَذَا الِاشْتِقَاقِ، وَبِمُوجِبِ عُرْفِ النَّاسِ: أَنَّهُ الْخَبَرُ الشَّائِعُ الذَّائِعُ، الْمُنْتَشِرُ فِي النَّاسِ انْتِشَارًا يَبْعُدُ مَعَهُ الْكَذِبُ عَادَةً، وَهُوَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْمَوْتُ، وَالنَّسَبُ، وَالْمُلْكُ الْمُطْلَقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْوَقْفُ وَمَصْرِفُهُ، وَالْعِتْقُ، وَالْوَلَاءُ، وَالْوِلَايَةُ، وَالْعَزْلُ، وَالْخَلْعُ، وَالطَّلَاقُ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ. فَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ فِيهِ عَدَدًا يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ; فَهُوَ اعْتِبَارُ التَّوَاتُرِ فِيهِ، وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الِاسْتِفَاضَةِ. وَأَمَّا اكْتِفَاءُ الْقَاضِي فِيهِ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا ; فَلَيْسَ لِأَنَّ الْمُسْتَفِيضَ ذَلِكَ، بَلْ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا أَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ

стр. 634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَالتَّحْقِيقُ فِي الْمُسْتَفِيضِ مَا ذَكَرْنَاهُ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ الصَّحِيحَةِ، الْمَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَسَّمَهَا الْمُحَدِّثُونَ إِلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَحَادِيثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي عُرْفِهِمْ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. وَثَانِيهَا: مَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ. وَثَالِثُهَا: مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ عَنِ الْبُخَارِيِّ. وَرَابِعُهَا: مَا خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا. وَخَامِسُهَا: مَا خُرِّجَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ. وَسَادِسُهَا: مَا خُرِّجَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ. وَذَلِكَ كَمَا فِي الْمُسْتَدْرِكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ. وَمَعْنَى التَّخْرِيجِ عَلَى شَرْطِهِمَا، أَوْ شَرْطِ أَحَدِهِمَا: أَنَّهُمَا - أَعْنِي الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا - اخْتَلَفَا فِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ، لِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِمُ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُمَا ; فَاتَّفَقَا عَلَى الْإِخْرَاجِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الرُّوَاةِ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِالرِّوَايَةِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الرُّوَاةِ، وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ طَائِفَةٍ. فَزَعَمَ الْمُسْتَدْرِكُونَ عَلَيْهِمَا: أَنَّهُمْ قَدْ وَجَدُوا أَحَادِيثَ قَدْ رَوَاهَا مَنْ خَرَّجَا عَنْهُ، اتِّفَاقًا وَانْفِرَادًا، وَمَنْ يُسَاوِي مَنْ خَرَّجَا عَنْهُ ; فَخَرَّجُوهَا، وَقَالُوا: هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَيْهِمَا عَلَى شَرْطِهِمَا، أَوْ شَرْطِ وَاحِدٍ

стр. 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْهُمَا. وَسَابِعُهَا: مَا أَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ، كَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَأَعْلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ: الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِفَادَتِهِ الْعِلْمَ ; فَزَعَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِإِفَادَتِهِ الظَّنَّ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَأُ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ. قَالَ: لِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى تَلَقِّي مَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» بِالْقَبُولِ، وَأَنَّهُ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ ; فَإِنَّا نَقْطَعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ حَدِيثِ: الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ، وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ غَزَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بَدْرًا وَأُحُدًا وَحُنَيْنًا.

стр. 636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْعِلْمِيَّاتُ لَا تَتَفَاوَتُ، حَتَّى يَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَعْضِ أَخْبَارِهَا وَبَعْضٍ، وَإِذَا كَانَتْ خُطْبَةُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ بِوُقُوعِهَا، بَلْ هِيَ فِي عِدَادِ الْآحَادِ، مَعَ وُقُوعِهَا بَيْنَ الْعَالَمِ الْمُجْتَمِعِينَ فِي الْحَجِّ ; فَمَا الظَّنُّ بِبَقِيَّةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَمْ يَسْمَعْهَا إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي أَحَادِيثِ «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّهَا مُفِيدَةٌ لِلظَّنِّ الْقَوِيِّ الْغَالِبِ، لِمَا حَصَلَ فِيهَا مِنَ اجْتِهَادِ الشَّيْخَيْنِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي نَقْدِ رِجَالِهَا، وَتَحْقِيقِ أَحْوَالِهَا، أَمَّا حُصُولُ الْعِلْمِ بِهَا ; فَلَا مَطْمَعَ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَقْسَامِ الْأُخَرِ أَوْلَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 637

ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، خِلَافًا لِقَوْمٍ. لَنَا: أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ ; فَوَجَبَ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ، وَقَوَاطِعُ الشَّرْعِ نَادِرَةٌ ; فَاعْتِبَارُهَا يُعَطِّلُ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ. وَالرَّسُولُ ﷺ مَبْعُوثٌ إِلَى الْكَافَّةِ، وَمُشَافَهَتُهُمْ وَإِبْلَاغُهُمْ بِالتَّوَاتُرِ مُتَعَذِّرٌ ; فَتَعَيَّنَتِ الْآحَادُ. الْخَصْمُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ ; فَالْعَمَلُ بِهِ عَمَلٌ بِالْجَهْلِ، وَامْتِثَالُ أَمْرِ الشَّرْعِ وَالدُّخُولُ فِيهِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ، وَأَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِالْمُعَارَضَةِ، بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي التَّرْكِ، احْتِرَازًا مِنْ تَصَرُّفِ الْمُكَلَّفِ فِي نَفْسِهِ، الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، بِالظَّنِّ، وَفِيهِ خَطَرٌ، كَمَا قِيلَ فِي شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا. وَعَنِ الثَّانِي: بِمَنْعِ التَّعْطِيلِ تَمَسُّكًا بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ إِنَّمَا كُلِّفَ إِبْلَاغَ مَنْ أَمْكَنَهُ إِبْلَاغُهُ دُونَ غَيْرِهِ. وَالْمُعْتَمَدُ: أَنَّ نَصْبَ الشَّارِعِ عِلْمًا ظَنِيًّا عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ تَكْلِيفِيٍّ، جَائِزٌ بِالضَّرُورَةِ. ثُمَّ الْمُنْكِرُ، إِنْ أَقَرَّ بِالشَّرْعِ ; فَتَعَبُّدُهُ بِالْحُكْمِ بِالْفُتْيَا، وَالشَّهَادَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْوَقْتِ، وَالْقِبْلَةِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الظَّنِّيَّاتِ، يَنْقُضُ قَوْلَهُ، وَإِلَّا ; فَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ يُبْطِلُهُ، ثُمَّ إِذَا أَقَرَّ بِالشَّرْعِ، وَعَرَفَ قَوَاعِدَهُ وَمَبَانِيَهُ وَافَقَ. ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ» ، أَيْ فِي خَبَرِ الْآحَادِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النِّزَاعَ فِي كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، أَوْ غَيْرَ مُفِيدٍ، هُوَ كَالْحُكْمِ الْكُلِّيِّ بِهِ ; فَلِذَلِكَ قَدَّمْتُهُ عَلَى مَسَائِلِهِ، وَلَمْ أُدْرِجْهُ فِيهَا، وَكُلٌّ جَائِزٌ، وَقَدْ سَبَقَ مَثَلُهُ. الْمَسْأَلَةُ «الْأُولَى: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، أَيْ: يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، بِأَنْ يَقُولَ لَهُمُ: اعْبُدُونِي بِمُقْتَضَى مَا يَبْلُغُكُمْ

стр. 638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ. قَوْلُهُ: «لَنَا: أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» ، إِلَى آخِرِهِ: هَذِهِ حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، وَهِيَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ دَفْعُ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الظَّنَّ بِمُقْتَضَاهُ، فَإِذَا وَرَدَ بِإِيجَابِ شَيْءٍ أَوْ حَظْرِهِ، حَصَلَ لَنَا الظَّنُّ بِأَنَّا مُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَفِعْلِ الْمَحْظُورِ؛ فَالْعِقَابُ عَلَيْهَا ضَرَرٌ مَظْنُونٌ؛ فَفِي عَمَلِنَا بِذَلِكَ الْخَبَرِ دَفْعُ هَذَا الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ. وَأَمَّا أَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ وَاجِبٌ عَقْلًا؛ فَمِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ عَاقِلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ لِلنَّفْسِ، وَالِاحْتِيَاطُ لِلنَّفْسِ وَاجِبٌ عَقْلًا بِالضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّا إِذَا عَرَضْنَا عَلَى الْعَقْلِ أَنَّ بِتَقْرِيرِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ تَسْلَمُ النَّفْسُ مِنْ عَذَابٍ مَظْنُونٍ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْوُضُوءِ مِنْهُ يَلْحَقُهَا عَذَابٌ مَظْنُونٌ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَقَوْلُهُ ﵇: وَيْلٌ لِلَّذِينِ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يُحْدِثُونَ لِذَلِكَ وُضُوءًا. أَوْ قُلْنَا لَهُ: أَيُّ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَكَ أَرْجَحُ؟ الْوُضُوءُ أَوْ عَدَمُهُ؟ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُرَجَّحُ الْوُضُوءُ جَزْمًا؛ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ عَقْلًا، بَلْ

стр. 639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاجِبٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لَتَعَطَّلَ أَكْثَرُ الْوَقَائِعِ عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لَكِنَّ تَعَطُّلَ أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ لَا يَجُوزُ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزًا. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ: فَلِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِتَوَقُّفِ الْعَمَلِ فِي الْوَقَائِعِ عَلَى الْقَوَاطِعِ، لَخَلَتْ أَكْثَرُ الْوَقَائِعِ عَنِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ قَوَاطِعَ الشَّرْعِ نَادِرَةٌ؛ فَلَا تَفِي بِجَمِيعِ الْوَقَائِعِ. وَأَمَّا أَنَّ تَعَطُّلَ أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ لَا يَجُوزُ؛ فَلِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مُقْتَضَى الشَّرْعِ وَمَقْصُودِهِ، إِذْ مُقْتَضَى الشَّرْعِ وَمَقْصُودُ الشَّارِعِ تَعْمِيمُ الْوَقَائِعِ بِالْأَحْكَامِ؛ لِيَكُونَ نَامُوسُهُ قَائِمًا ظَاهِرًا فِي كُلِّيِّهَا وَجُزْئِيِّهَا، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالتَّعَبُّدِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ؛ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ، وَبَاقِيهَا عَمَّمْنَاهَا بِالْأَحْكَامِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى مَوَارِدِ النُّصُوصِ بِهَذَا الدَّلِيلِ بِعَيْنِهِ، كَمَا بَيَّنَاهُ فِي الْقِيَاسِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ ، «مَبْعُوثٌ إِلَى الْكَفَّةِ» ، أَيْ: إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ بِالْإِجْمَاعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سَبَأٍ: ٢٨] ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٧] ، وَقَوْلِهِ ﵇: بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ؛ فَإِبْلَاغُهُ إِلَيْهِمُ الْأَحْكَامَ الْعِلْمِيَّةَ إِمَّا تَوَاتُرٌ، أَوْ آحَادٌ، لَكِنَّ التَّوَاتُرَ مُتَعَذِّرٌ،

стр. 640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَتَعَيَّنَتِ الْآحَادُ، وَإِذَا تَعَيَّنَتْ لِلتَّبْلِيغِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِهَا، لَمْ يَكُنْ لِتَبْلِيغِهَا فَائِدَةٌ؛ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ عَقْلًا. قَوْلُهُ: «الْخَصْمُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذِهِ حُجَّةُ الْخَصْمِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا. وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ؛ فَالْعَمَلُ بِهِ عَمَلٌ بِالْجَهْلِ، وَهُوَ قَبِيحٌ عَقْلًا، وَالْعَقْلُ لَا يُجِيزُ الْقَبِيحَ، وَأَيْضًا: فَإِنَّ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّرْعِ وَالدُّخُولَ فِيهِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ، لِيَكُونَ الْمُكَلَّفُ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ وَأَمَانٍ مِنَ الْخَطَأِ فِيهِ. قَوْلُهُ: «وَأَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ» ، أَيْ: هَذَا الْخَصْمُ الْمَانِعُ لِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَجَابَ عَنِ الْوُجُوهِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْمُجَوِّزُونَ لَهُ؛ فَأَجَابَ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِأَنْ قَالَ: قَوْلُكُمْ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ - أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ - مُعَارَضٌ بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ تَصَرُّفٌ مِنَ الْمُكَلَّفِ فِي نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ، - وَهُوَ خَالِقُهُ بِالظَّنِّ، وَفِي ذَلِكَ خَطَرٌ، لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: لِمَ تَصَرَّفْتَ فِي مِلْكِنَا مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ قَاطِعٍ؟ وَكَيْفَ أَضَعْتَ حَقَّنَا مِنْ نَفْسِكَ بِظَنٍّ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ؟ وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِي وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا، حَيْثُ كَانَ الْخَطَرُ فِي تَرْكِهِ مُعَارَضًا بِالْخَطَرِ فِي فِعْلِهِ، حَيْثُ كَانَ الشُّكْرُ إِتْعَابًا لِنَفْسِ الشَّاكِرِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهَا. «وَعَنِ الثَّانِي» : أَيْ: وَأَجَابَ هَذَا الْخَصْمُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي لِلْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَوِ اعْتَبَرْنَا قَوَاطِعَ الشَّرْعِ، لَتَعَطَّلَتِ الْأَحْكَامُ بِمَنْعِ التَّعْطِيلِ تَمَسُّكًا بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّعْطِيلِ، بَلْ مَا وَجَدْنَا فِيهِ قَاطِعًا أَثْبَتْنَاهُ، وَمَا لَمْ نَجِدْ فِيهِ قَاطِعًا رَدَدْنَاهُ إِلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَهُوَ النَّفْيُ الْأَصْلِيُّ، أَيِ: الْأَصْلُ عَدَمُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ؛ فَيُسْتَصْحَبُ فِيهَا ذَلِكَ. «وَعَنِ الثَّالِثِ» : أَيْ: وَأَجَابَ الْخَصْمُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ لِلْمُثْبِتِينَ - وَهُوَ أَنَّ إِبْلَاغَ

стр. 641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرَّسُولِ الْأَحْكَامَ إِلَى الْكَافَّةِ بِالتَّوَاتُرِ مُتَعَذِّرٌ؛ فَتَتَعَيَّنُ الْآحَادُ - بِأَنْ قَالَ: «الرَّسُولُ إِنَّمَا كُلِّفَ إِبْلَاغَ مَنْ أَمْكَنَهُ إِبْلَاغُهُ، دُونَ غَيْرِهِ» ، مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ إِبْلَاغُهُ، كَأَهْلِ الْجَزَائِرِ وَنَحْوِهَا. قَوْلُهُ: «وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ نَصْبَ الشَّارِعِ عِلْمًا ظَنِّيًّا عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ تَكْلِيفِيٍّ جَائِزٍ بِالضَّرُورَةِ» ، أَيِ: الدَّلِيلُ الْمُعْتَمَدُ - أَيِ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْمَطْلُوبِ - هُوَ: أَنَّا نَعْلَمُ جَوَازَ أَنَّ الشَّارِعَ يَنْصُبُ عَلَمًا - أَيْ: مُعَرَّفًا ظَنِّيًّا، أَيْ يُفِيدُ الظَّنَّ - عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ تَكْلِيفِيٍّ، أَيْ: مِنْ أَفْعَالِ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ كَثِيرًا، وَلَا يَقَعُ فِي الشَّرْعِ إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ، إِذْ مَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْمُنْكِرُ إِنْ أَقَرَّ بِالشَّرْعِ» إِلَى آخِرِهِ أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، نَقُولُ: لِهَذَا الْمُنْكِرِ لِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ: إِمَّا أَنْ يُقِرَّ بِالشَّرْعِ وَصِحَّةِ أَحْكَامِهِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، أَوْ لَا، فَإِنْ أَقَرَّ بِالشَّرْعِ؛ فَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ التَّعَبُّدَاتِ الظَّنِّيَّةِ يَنْقُضُ قَوْلَهُ، كَالْحُكْمِ بِالْفُتْيَا، وَالشَّهَادَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ إِذَا اشْتَبَهَتْ جِهَتُهَا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَمَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ جَمِيعَهَا إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، وَقَدْ وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ؛ فَمَا الْمَانِعُ مِنَ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ؟ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُنْكِرُ لَا يُقِرُّ بِالشَّرْعِ؛ فَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ

стр. 642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَوَّلًا؛ وَهَذَا الدَّلِيلُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْجَوَازِ، يُبْطِلُ قَوْلَهُ، وَيُثْبِتُ مَا قُلْنَاهُ. ثُمَّ إِذَا أَقَرَّ بِالشَّرْعِ، وَعَرَفَ قَوَاعِدَهُ وَمَبَانِيهِ، وَافَقَ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعَبُّدِ بِالْعِلْمِيَّاتِ بِالظُّنُونِ، تَوْسِيعًا لِدَائِرَةِ التَّكْلِيفِ، وَتَكْثِيرًا لِلْعِبَادَاتِ، وَتَخْفِيفًا عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِتَكْثِيرِ الْمَذَاهِبِ الْمَسْلُوكَةِ، إِذْ لَوْ حَصَرُوا التَّعَبُّدَ بِالْقَوَاطِعِ؛ لَمَا كَانَ لَهُمْ إِلَّا مَذْهَبٌ وَاحِدٌ، وَقَوْلُ وَاحِدٍ يَلْزَمُ الْحَرَجُ بِمُخَالَفَتِهِ قَطْعًا. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ عِنْدَ ذِكْرِنَا أَنَّ فِي الْحَوَادِثِ حُكْمًا مُعَيَّنًا أَمْ لَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 643

الثَّانِيَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ سَمْعًا، خِلَافًا لِبَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ، لَنَا: وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ تَبْلِيغُ النَّبِيِّ ﷺ ، الْأَحْكَامَ إِلَى الْبِلَادِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ عَبَثًا، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، وَتَبْلِيغُهُ كَذَلِكَ تَوَاتُرِيٌّ. فَإِنْ قِيلَ: اقْتَرَنَ بِهَا مَا أَفَادَ الْعِلْمَ، قُلْنَا: لَمْ يُنْقَلْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَمُجَرَّدُ الْجَوَازِ لَا يَكْفِي. الثَّانِي: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَتَوَاتُرُهُ عَنْهُمْ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا، كَقَبُولِ الصِّدِّيقِ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْجَدَّةِ، وَعُمَرَ خَبَرَ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ فِي غُرَّةٍ الْجَنِينِ، وَخَبَرَ الضَّحَّاكِ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، وَخَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الْمَجُوسِ، وَعُثْمَانَ خَبَرَ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ فِي السُّكْنَى، وَعَلِيٍّ خَبَرَ الصِّدِّيقِ فِي غُفْرَانِ الذَّنْبِ بِصَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالِاسْتِغْفَارِ عَقِيبَهُ. وَرُجُوعُ الْكُلِّ إِلَى خَبَرِ عَائِشَةَ فِي الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَاسْتِدَارَةِ أَهْلِ قُبَاءَ إِلَى الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ. وَدَعْوَى اقْتِرَانِ مَا أَفَادَ الْعِلْمُ بِهَا مَرْدُودَةٌ بِمَا سَبَقَ، وَبِقَوْلِ عُمَرَ فِي خَبَرِ الْغُرَّةِ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا بِغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ الرُّجُوعُ إِلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ. قَالُوا: رَدَّ ﵇ خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ، وَالصِّدِّيقُ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ، وَعُمَرُ خَبَرَ أَبِي مُوسَى، وَعَلِيٌّ خَبَرَ مَعْقِلٍ فِي بَرْوَعَ، وَعَائِشَةُ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. قُلْنَا: اسْتِظْهَارًا لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ لِجِهَاتِ ضَعْفٍ اخْتَصَّتْ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ، ثُمَّ إِنَّهَا قُبِلَتْ بَعْدَ التَّوَقُّفِ فِيهَا بِإِخْبَارِ اثْنَيْنِ بِهَا، وَلَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا آحَادًا. الثَّالِثُ: وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِ الْمُفْتِي فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ ظَنِّهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَلْيَجِبْ قَبُولُ قَوْلِ الرَّاوِي فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ السَّمَاعِ، وَالْجَامِعُ حُصُولُ الظَّنِّ. قَالُوا: قِيَاسٌ ظَنِّيٌّ؛ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ أَصْلٌ. قُلْنَا: مَحَلُّ النِّزَاعِ. ــ الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ» ، أَيْ: بِخَبَرِ الْوَاحِدِ،

стр. 644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «سَمْعًا» ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، أَيْ: دَلَّ السَّمْعُ، وَهُوَ دَلِيلُ الشَّرْعِ، عَلَى جَوَازِهِ، «خِلَافًا لِبَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ» ، وَهُمْ أَكْثَرُهُمْ، وَبَعْضِ «الظَّاهِرِيَّةِ» عَلَى مَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا، مِنْهُمْ مَنْ نَفَى كَوْنَهُ حُجَّةً شَرْعًا، كَالشِّيعَةِ، وَالْقَاشَانِيِّ، وَابْنِ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى دَلَالَةِ دَلِيلِ السَّمْعِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَيْهِ؛ فَأَثْبَتَهُ أَحْمَدُ وَالْقَفَّالُ وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَنَفَاهُ الْبَاقُونَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ حُجَّةٌ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَعَلَيْهِ النَّظَرُ. «لَنَا» عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ سَمْعًا «وُجُوهٌ» : الْأُولَى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، ثَبَتَ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُ الْأَحْكَامَ إِلَى الْبِلَادِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ سَمْعًا، «لَكَانَ تَبْلِيغُ الْأَحْكَامِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ عَبَثًا» ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ «وَاللَّازِمُ» وَهُوَ الْعَبَثُ مِنَ الشَّارِعِ «بَاطِلٌ» لِأَنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ ، هُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الْعَبَثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٥ - ١١٦] ، أَيْ: عَنِ الْعَبَثِ.

стр. 645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَتَبْلِيغُهُ كَذَلِكَ تَوَاتُرِيٌّ» ، أَيْ: تَبْلِيغُ النَّبِيِّ ﷺ ، الْأَحْكَامَ بِطَرِيقِ الْآحَادِ ثَابِتٌ بِالتَّوَاتُرِ، وَقَدْ صَدَّرْنَا الدَّلِيلَ بِهَذَا. قَوْلُهُ: «فَإِنْ قِيلَ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنَ الْخَصْمِ. وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تِلْكَ الْأَخْبَارَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، يُبَلِّغُهَا النَّاسَ كَانَتْ آحَادًا، بَلِ اقْتَرَنَ بِهَا مَا أَفَادَ الْعِلْمَ مِنَ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِالْقَرَائِنِ كَانَ وَاسِطَةً بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ، لَا تَوَاتُرًا وَلَا آحَادًا، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْقَى فِي تَبْلِيغِهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُجَرَّدِ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابُ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ اقْتِرَانِ قَرَائِنَ بِتِلْكَ الْأَخْبَارِ، أَفَادَتْ مَعَهَا الْعِلْمَ «لَمْ يُنْقَلْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ» ؛ فَيُسْتَصْحَبُ فِيهِ حَالُ الْعَدَمِ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ احْتِمَالًا مُجَرَّدًا، لَكِنَّ مُجَرَّدَ احْتِمَالِ الشَّيْءِ وَجَوَازِهِ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ مُمْكِنٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَاقِعًا مَوْجُودًا؛ لِأَنَّهُ جَائِزُ الْوُجُودِ. الْوَجْهُ «الثَّانِي: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَيْهِ، وَتَوَاتُرُهُ عَنْهُمْ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا» ، أَيْ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَتَوَاتَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا، كَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁، وَذَلِكَ فِي وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ جَرَتْ لَهُمْ، نَذْكُرُ مِنْهَا جُمْلَةً تُنَبِّهُ عَلَى غَيْرِهَا، وَهِيَ الْوَقَائِعُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .

стр. 646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَمِنْ ذَلِكَ: «قَبُولُ الصِّدِّيقِ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْجَدَّةِ» ؛ فَرَوَى مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَمَا لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، شَيْءٌ؛ فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ؛ فَسَأَلَ النَّاسَ؛ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَعْطَاهَا السُّدُسَ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ؛ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ؛ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمِنْ ذَلِكَ قَبُولُ عُمَرَ ﵁ خَبَرَ حَمَلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فِي غُرَّةِ الْجَنِينِ: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: أُذَكِّرُ اللَّهَ امْرَأً سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي الْجَنِينِ؛ فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ؛ فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي؛ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ؛ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا؛ فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ ، فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ؛ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: «لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا بِغَيْرِهِ» .

стр. 647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: مَعْنَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵄، غَيْرَ أَنَّ مُنَاشَدَةَ عُمَرَ ﵁ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا. مِنْ ذَلِكَ: قَبُولُ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا خَبَرَ الضَّحَّاكِ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا؛ فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا؛ فَأَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثُ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَبُولُ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا خَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ «فِي» أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ؛ فَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ بَجَالَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، حَتَّى أَخْبَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ

стр. 648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّبِيَّ ﷺ ، أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ، قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى «مَنَاذِرَ» ؛ فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ: «انْظُرْ مَجُوسَ مَنْ قِبَلَكَ؛ فَخُذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَبُولُ عُثْمَانَ ﵁ خَبَرَ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ فِي السُّكْنَى؛ فَرَوَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ؛ فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ تَرَكَ لَهَا مَسْكَنًا تَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁، أَرْسَلَ إِلَيَّ؛ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ؛ فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ، وَقَضَى بِهِ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَبُولُ عَلِيٍّ خَبَرَ الصِّدِّيقِ ﵄ فِي غُفْرَانِ الذَّنْبِ بِصَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالِاسْتِغْفَارِ عَقِيبَهُ؛ فَرَوَى أَسْمَاءُ بْنُ الْحَكَمِ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٥] . رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ أَيْضًا. وَمِنْ ذَلِكَ: «رُجُوعٌ لِكُلٍّ - أَيْ: جَمِيعُ الصَّحَابَةِ ﵃ إِلَى خَبَرِ عَائِشَةَ ﵂ فِي» وُجُوبِ «الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ» وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ يُفْتِي بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِأَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ، لَا غَيْرَ؛ فَنَازَعَهُ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَاشْتُهِرَ الْخِلَافُ حَتَّى صَارَ الصَّحَابَةُ فِيهِ قِسْمَيْنِ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ؛ فَأَرْسَلُوا إِلَى عَائِشَةَ أَبَا مُوسَى يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؛ فَرَوَتْ لَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ - وَجَبَ الْغُسْلُ؛ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْلِهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ

стр. 650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَمِنْ ذَلِكَ: اسْتِدَارَةُ أَهْلِ قُبَاءٍ إِلَى الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَرَوَى إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، الْمَدِينَةَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٤] ؛ فَوُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ

стр. 651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُحِبُّ ذَلِكَ؛ فَصَلَّى رَجُلٌ مَعَهُ الْعَصْرَ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَأَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، قَالَ: فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانُوا فِي الْفَجْرِ. أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. قَوْلُهُ: «فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ» ، أَيْ: هَذِهِ الْوَقَائِعُ عُمِلَ فِيهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي قَضَايَا، أَيْ: مَعَ قَضَايَا كَثِيرَةٍ، عُمِلَ فِيهَا بِهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃؛ فَيَكُونُ حُجَّةً. قَوْلُهُ: «وَدَعْوَى اقْتِرَانِ مَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِهَا مَرْدُودَةٌ بِمَا سَبَقَ، وَبِقَوْلِ عُمَرَ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: فَإِنِ ادَّعَى الْخَصْمُ أَنَّ الْأَخْبَارَ فِي هَذِهِ الْوَقَائِعِ اقْتَرَنَ بِهَا قَرَائِنُ أَفَادَتْ مَعَهَا الْعِلْمَ، قُلْنَا: دَعْوَاكَ هَذِهِ مَرْدُودَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا سَبَقَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَمُجَرَّدُ الْجَوَازِ لَا يَكْفِي. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَرْدُودَةٌ «بِقَوْلِ عُمَرَ فِي خَبَرِ الْغُرَّةِ» ، السَّابِقِ ذِكْرُهُ: «لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا بِغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ الرُّجُوعُ إِلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ» ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ قَضَاؤُهُ بِرَأْيِهِ لِوُجُودِ

стр. 652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سَمَاعِهِ هَذَا الْخَبَرَ؛ فَيَكُونُ الْخَبَرُ بِمُجَرَّدِهِ مُسْتَقِلًّا بِالْمَنْعِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ قَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: «قَالُوا: رَدَّ ﵇ خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا اعْتِرَاضٌ مِنَ الْخَصْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ الِاحْتِجَاجُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ، إِنْ دَلَّ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَقَدْ وَرَدَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى رَدِّهِ، وَعَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ، وَذَلِكَ فِي قَضَايَا: مِنْهَا: مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ؛ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ؛ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ. الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَقِيَّةِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ رَدَّ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي الْجَدَّةِ بِمُجَرَّدِهِ حَتَّى وَافَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَقَدْ سَبَقَ. وَمِنْهَا: أَنَّ عُمَرَ ﵁ رَدَّ خَبَرَ أَبِي مُوسَى فِي الِاسْتِئْذَانِ؛ فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ ﵁: فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ وَاحِدَةً، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: ثِنْتَانِ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: ثَلَاثٌ، ثُمَّ رَجَعَ؛ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِلْبَوَّابِ: مَا صَنَعَ؟ قَالَ: رَجَعَ، قَالَ: عَلَيَّ بِهِ؛ فَلَمَّا جَاءَهُ، قَالَ: مَا هَذَا الَّذِي

стр. 653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَنَعْتَ؟ قَالَ: السُّنَّةَ، قَالَ: وَاللَّهِ لِتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبُرْهَانٍ، أَوْ لِأَفْعَلَنَّ بِكَ. قَالَ: فَأَتَانَا وَنَحْنُ رُفْقَةً مِنَ الْأَنْصَارِ؛ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَسْتُمْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ؟ قَالَ: فَجَعَلَ الْقَوْمُ يُمَازِحُونَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي؛ فَقُلْتُ: فَمَا أَصَابَكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مِنْ شَيْءٍ؛ فَأَنَا شَرِيكُكَ، قَالَ: فَأَتَى عُمَرُ؛ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: مَا كُنْتُ عَلِمْتُ بِهَذَا. أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِهِ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ رَدَّ خَبَرَ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ مَا رَوَى عَلْقَمَةُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ؛ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ. فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ؛ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي بَرْوَعَ بِنْتِ

стр. 654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاشِقٍ، امْرَأَةٍ مِنَّا، مِثْلَ مَا قَضَيْتَ؛ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَمِنْهَا: أَنَّ عَائِشَةَ رَدَّتْ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؛ فَرَوَى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ وَهِمَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِرَجُلٍ مَاتَ يَهُودِيًّا: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. قَالُوا: فَهَذَا رَدٌّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَحِينَئِذٍ رَدُّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا اسْتِظْهَارًا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: إِنَّمَا رَدُّوا هَذِهِ الْأَخْبَارَ، فِي هَذِهِ الْوَقَائِعِ، اسْتِظْهَارًا لِتِلْكَ الْأَحْكَامِ «لِجِهَاتِ ضَعْفٍ اخْتَصَّتْ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ» ، فِي نَظَرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَرْدُودٌ مُطْلَقًا، «ثُمَّ إِنَّهَا - يَعْنِي تِلْكَ الْأَخْبَارَ - قُبِلَتْ بَعْدَ التَّوَقُّفِ فِيهَا بِإِخْبَارِ اثْنَيْنِ بِهَا» ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ لَمَّا وَافَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى لَمَّا وَافَقَهُ أَبُو سَعِيدٍ، وَحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لَمَّا وَافَقَهُ الشَّيْخَانِ، وَغَيْرُهُمَا «وَلَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ - أَيْ: بِإِخْبَارِ اثْنَيْنِ بِهَا - عَنْ

стр. 655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَوْنِهَا آحَادًا» ؛ فَقَدْ صَارَ مَا احْتَجَّ بِهِ الْخَصْمُ حُجَّةً عَلَيْهِ. وَبَيَانُ وَجُوهِ الْمُوجِبِ لِلتَّوَقُّفِ فِي الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ. أَمَّا خَبَرُ ذِي الْيَدَيْنِ، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا كَثِيرِينَ خَلْفَ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَضْبَطُ لِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنْ ذِي الْيَدَيْنِ، وَأَحْرَصُ عَلَى كَمَالِهَا وَدَفْعِ النَّقْصِ عَنْهَا؛ فَكَانَ تَنْبِيهُهُ لِوُقُوعِ النَّقْصِ فِيهَا دُونَهُمْ بَعِيدًا فِي الْعَادَةِ؛ فَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى وَافَقَهُ النَّاسُ. وَأَمَّا خَبَرُ الْمُغِيرَةِ فِي الْجَدَّةِ؛ فَلِلتَّوَقُّفِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُغِيرَةَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ غَيْرَ مُتَمَاسِكٍ تَمَاسُكَ غَيْرِهِ مِنَ الْعَرَبِ، وَشُهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَى فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا رَجْمَهُ؛ فَلَعَلَّ الصِّدِّيقَ ﵁ تَفَرَّسَ فِيهِ نَوْعَ ضَعْفٍ أَوْ تُهْمَةٍ؛ فَتَوَقَّفَ فِي خَبَرِهِ لِأَجْلِهِ، حَتَّى وَافَقَهُ آخَرُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصِّدِّيقَ لَعَلَّهُ غَلَّبَ فِي خَبَرِهِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَالِ، مِنْ حَيْثُ كَانَ الثَّابِتُ بِهِ مَالًا، خُصُوصًا وَهُوَ يُثْبِتُ حُكْمًا مُؤَبَّدًا، لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مِيرَاثُ الْجَدَّةِ؛ فَكَانَ ذَلِكَ مُنَاسِبًا، بَلْ مُوجِبًا لِلتَّوَقُّفِ. وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي مُوسَى: فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ شَدِيدَ الْحِرَاسَةِ لِلسُّنَّةِ، وَالصِّيَانَةِ لَهَا عَنْ دُخُولِ مَا لَيْسَ مِنْهَا فِيهَا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ شَدِيدَ الْخِبْرَةِ بِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ، ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُفَارِقُهُ؛ إِمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَائِبِهِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْهُ؛ فَأَحَبَّ الِاحْتِيَاطَ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ: مَا كُنْتُ عَلِمْتُ بِهَذَا.

стр. 656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْقِلٍ فَتَضَمَّنَ أَحْكَامًا، مِنْهَا: الصَّدَاقُ، وَهُوَ حَقٌّ مَالِيٌّ؛ فَلَعَلَّهُ غَلَّبَ فِيهِ الشَّهَادَةَ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَإِنَّمَا رَدَّتْهُ عَائِشَةُ ﵂ مِنْ حَيْثُ الْوَهْمِ، لَا مِنْ حَيْثُ الْكَذِبِ وَالضَّعْفِ، وَلِهَذَا قَالَتْ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ وَهِمَ. وَكَذَلِكَ رَوَتْ عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: غَفَرَ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا؛ فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ رَدَّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، لِهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي اخْتُصَّتْ بِهَا، لَا يَقْدَحُ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. الْوَجْهُ «الثَّالِثُ» : مِنْ أَصْلِ الدَّلِيلِ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ قَوْلَ الْمُفْتِي يَجِبُ قَبُولُهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ ظَنِّهِ أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ حُكْمُ اللَّهِ، بِحَسْبِ اجْتِهَادِهِ بِالْإِجْمَاعِ، أَيْ: يَجِبُ قَبُولُهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَلْيَجِبْ قَبُولُ قَوْلِ الرَّاوِي فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ السَّمَاعِ مِمَّنْ فَوْقَهُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ فُتْيَا الْمُفْتِي، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ حُصُولُ الظَّنِّ فِيهِمَا. أَمَّا فِي الْفُتْيَا؛ فَلِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 657

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا فِي الرَّاوِي؛ فَلِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ السَّامِعِ، أَنَّ مَا رَوَاهُ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفُتْيَا. قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ ظَنِّيٌّ؛ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ قَوِيٌّ؛ فَلَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذَا الْقِيَاسِ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَحَلُّ النِّزَاعِ» ، هَذَا جَوَابُ اعْتِرَاضِهِمْ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ كَوْنَ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ ظَنِّيًّا مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ ظَنِّيٌّ، بَلْ هُوَ جَلِيٌّ قَاطِعٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِي مَعْنَى أَصْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّاوِي وَالْمُفْتِي إِلَّا أَنَّ هَذَا يُخْبِرُ عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا يُخْبِرُ عَنْ ظَنِّهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا يَرْوِي قَوْلَ غَيْرِهِ، وَهَذَا يَرْوِي مَذْهَبَ غَيْرِهِ. وَتَحْرِيرُ الْجَوَابِ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ: إِمَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَنْعِ كَوْنِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ ظَنِّيًّا، أَوْ بِمَنْعِ كَوْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ - وَهُوَ جَوَازُ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ - قَطْعِيًّا، بَلْ هُوَ اجْتِهَادِيٌّ؛ فَيَثْبُتُ بِدَلَالَتِهِ الظَّنِّيَّةِ كَالْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ.

стр. 658

تَنْبِيهٌ: اشْتَرَطَ الْجُبَّائِيُّ لِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، أَنْ يَرْوِيَهُ اثْنَانِ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِهِ، كَالشَّهَادَةِ، أَوْ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ آخَرُ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ ظَاهِرٌ. ــ «تَنْبِيهٌ: اشْتَرَطَ الْجُبَّائِيُّ لِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، أَنْ يَرْوِيَهُ اثْنَانِ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِهِ، كَالشَّهَادَةِ، أَوْ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ آخَرُ» ، أَيْ: قَالَ: لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ إِلَّا بِأَحَدِ شَرْطَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَرْوِيَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، اثْنَانِ، ثُمَّ عَنْهُمَا اثْنَانِ، وَهَلُمَّ جَرًّا حَتَّى يَصِلَ إِلَيْنَا. أَوْ لَا يُرْوَى كَذَلِكَ، لَكِنْ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ آخَرُ مِنْ نَصٍّ، أَوْ عَمَلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوْ قِيَاسٍ. كَمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ اثْنَيْنِ، اعْتِبَارًا لِلرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» : «أَنْ يَرْوِيَهُ اثْنَانِ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِهِ» . وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ قَالَ: ذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ إِلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِنَّمَا يُقْبَلُ؛ إِذَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، اثْنَانِ، ثُمَّ يَرْوِيهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اثْنَانِ، وَقَاسَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ. قُلْتُ: لَكِنَّ هَذَا خَارِجٌ عَنْ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ؛ فَإِنَّهُمْ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ، لَمْ يَشْتَرِطُوا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَاهِدَيِ الْأَصْلِ شَاهِدَا فَرْعٍ. هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ: يُشْتَرَطُ لِكُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّةَ مِنْ أَصْحَابِنَا. فَمُقْتَضَى اعْتِبَارِ الرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، أَنْ يَرْوِيَهُ اثْنَانِ ثُمَّ،

стр. 659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ. وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ شَيْءٌ، يُذْكَرُ نَحْوُهُ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الَّذِي يَرْوِيهِ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ بِالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَلِذَلِكَ الصَّحَابِيِّ رَاوِيَانِ ثِقَتَانِ عَنْهُ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ، ثُمَّ يَرْوِيهِ عَنْهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ الْمَشْهُورُ، وَلَهُ رُوَاةٌ ثِقَاتٌ، ثُمَّ يَكُونُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ حَافِظًا مُتْقِنًا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ، مِنْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ اشْتَرَطَ رِوَايَةَ عَدْلَيْنِ عَنْ عَدْلَيْنِ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَكِنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ، فَلَمْ يُصِبْ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ بَاطِلٌ» ، أَيْ: مَا اشْتَرَطَهُ الْجُبَّائِيُّ بَاطِلٌ، بِمَا سَبَقَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهِيَ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرَ، «وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ ظَاهِرٌ» ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ دَخَلَهَا التَّعَبُّدُ، حَتَّى لَا يُقْبَلَ فِيهَا النِّسَاءُ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَإِنْ كَثُرْنَ فِي بَاقَةِ بَقْلٍ، إِلَّا فِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُعَيَّنٍ؛ فَاحْتِيطَ لَهُ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ؛ فَإِنَّهَا فِي جُمْلَةِ أَحْكَامِ النَّاسِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ؛ فَالْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ لَا يَتَجَرَّأُ فِي مِثْلِهَا عَلَى الْكَذِبِ، لِعِظَمِ الْخَطَرِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى أَرْبَعَةٌ، دُونَ الرِّوَايَةِ فِيهِ. ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْجُبَّائِيُّ - عَلَى مَا فَسَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَذْهَبِهِ - يُوجِبُ أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْنَا إِثْبَاتُ حَدِيثٍ أَصْلًا، وَعَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ نَحْنُ يَقْتَضِي أَنْ يَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ، إِذْ وُجُودُ ذَلِكَ الشَّرْطِ نَادِرٌ أَوْ قَلِيلٌ، وَإِذَا كَانَ الظَّنُّ مَنَاطَ التَّعَبُّدِ، لَمْ يُحْتَجْ إِلَى هَذَا التَّبَدُّعِ.

стр. 661

الثَّالِثَةُ: يُعْتَبَرُ لِلرَّاوِي الْمَقْبُولِ الرِّوَايَةِ شُرُوطٌ. فَالْأَوَّلُ: الْإِسْلَامُ، لِاتِّهَامِ الْكَافِرِ فِي الدِّينِ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي الْكَافِرِ أَوِ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً، يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، إِذْ أَجَازَ نَقْلَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمُرْجِئَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَاسْتَعْظَمَ الرِّوَايَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْعَوْفِيِّ لِجَهْمِيَّتِهِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ قَبُولَهَا مِنَ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ؛ لِحُصُولِ الْوَازِعِ لَهُ عَنِ الْكَذِبِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. ب: الْعَدَالَةُ، لِعَدَمِ الْوَازِعِ لِلْفَاسِقِ الْمُعَانِدِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ . ج: التَّكْلِيفُ، إِذْ لَا وَازِعَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَا عِبَادَةَ لَهُمَا، فَإِنْ سَمِعَ صَغِيرًا، وَرَوَى بَالِغًا، قُبِلَ: كَالشَّهَادَةِ، وَصِبْيَانِ الصَّحَابَةِ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى إِحْضَارِهِ مَجَالِسَ السَّمَاعِ، وَلَا فَائِدَةَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ. د: الضَّبْطُ حَالَةَ السَّمَاعِ، إِذْ لَا وُثُوقَ بِقَوْلِ مَنْ لَا ضَبْطَ لَهُ. ــ الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ: يُعْتَبَرُ لِلرَّاوِي الْمَقْبُولِ الرِّوَايَةِ شُرُوطٌ» ، لَمَّا بَيَّنَ جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا وَسَمْعًا؛ وَجَبَ النَّظَرُ فِي شُرُوطِ الْوَاحِدِ الَّذِي يُقْبَلُ خَبَرُهُ: فَالْأَوَّلُ: الْإِسْلَامُ، أَيْ: يَكُونُ الرَّاوِي مُسْلِمًا لِأَنَّ الْكَافِرَ مُتَّهَمٌ فِي الدِّينِ؛ فَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ فِي خَبَرٍ دِينِيٍّ، كَالرِّوَايَةِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ بِمَحَارِيبِ الْكُفَّارِ، وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَطَهَارَةِ مَوْضِعِهَا، وَطَهَارَةِ الْمَاءِ، وَوَقْتِ السُّحُورِ وَالْإِفْطَارِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١٣] ، وَ ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١] ، أَيْ: لَا تَتَوَلَّوْهُمْ فِي الدِّينِ، وَهَذِهِ الْفُرُوعُ مِنَ الدِّينِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: لَا تَأْخُذُوا

стр. 662

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِآرَائِهِمْ. قَوْلُهُ: «وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي الْكَافِرِ، أَوِ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ» . يَعْنِي: أَنَّ الْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ، إِذَا كَانَا مُتَأَوِّلِينَ؛ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ، كَشَارِبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا، وَنَحْوِهِ، لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَضَعَ الْحَدِيثَ عَلَى مُوَافَقَةِ مَذْهَبِهِ وَهَوَاهُ، كَمَا يُحْكَى عَنِ الْخَطَّابِيَّةِ مِنَ الرَّافِضَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً؛ فَكَلَامُ أَحْمَدَ فِيهِ يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، أَيْ: لِأَنَّهُ أَجَازَ نَقْلَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ أَوْ فُسَّاقٌ؛ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ. وَاسْتَعْظَمَ - يَعْنِي أَحْمَدَ - الرِّوَايَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْعَوْفِيِّ لِجَهْمِيَّتِهِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ

стр. 663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَهْمِيًّا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ. قَالَ أَحْمَدُ ﵀: احْمِلُوا الْحَدِيثَ عَنِ الْمُرْجِئَةِ. وَقَالَ: يُكْتَبُ عَنِ الْقَدَرِيِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً. وَاسْتَعْظَمَ الرِّوَايَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْعَوْفِيِّ، وَقَالَ: هُوَ جَهْمِيٌّ، امْتُحِنَ فَأَجَابَ. قُلْتُ: الْمُحَدِّثُ إِذَا كَانَ نَاقِدًا بَصِيرًا فِي فَنِّهِ، جَازَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ، الَّذِينَ يُفَسَّقُونَ بِبِدْعَتِهِمْ، كَعَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِّيِّ - بِالْجِيمِ وَالنُّونِ - وَكَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، وَحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، وَكَانَ يُبْغِضُ عَلِيًّا ﵁، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ.

стр. 664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ قَبُولَهَا» ، أَيْ: قَبُولَ الرِّوَايَةِ «مِنَ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ لِحُصُولِ الْوَازِعِ» ، أَيِ: الْكَافِّ لَهُ مِنَ الْكَذِبِ. يُقَالُ: وَزَعَهُ يَزَعُهُ وَزْعًا: إِذَا كَفَّهُ؛ فَاتَّزَعَ هُوَ: أَيْ: كَفَّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِسْقَ هَذَا، إِنَّمَا هُوَ فِي اعْتِقَادِ خَصْمِهِ، وَإِلَّا؛ فَهُوَ يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ الْعَدَالَةَ وَالْإِسْلَامَ، وَيُخَطِّئُ خَصْمَهُ فِي خِلَافِهِ؛ فَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مُعْتَصِمٌ بِحَبْلِ التَّدَيُّنِ؛ فَلَا يُقْدِمُ عَلَى الْكَذِبِ. وَلَا يَرِدُ مِثْلُ هَذَا فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَقْطَعُونَ بِخَطَأِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَقْطَعُونَ بِخَطَئِهِمْ؛ فَيَرَوْنَ الْكَذِبَ لِيَكِيدُوا بِهِ الْإِسْلَامَ قُرْبَةً، بِخِلَافِ فَسَقَةِ الْمِلَّةِ، فَإِنَّ غَالِبَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفَسَّقُونَ بِهَا لَيْسَتْ قَوَاطِعَ، كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي كِتَابِ «إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» . وَهَذَا - أَعْنِي قَبُولَ رِوَايَةِ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ - قَوْلُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَالِاحْتِرَازُ بِالْمُتَأَوِّلِ عَنِ الْمُعَانِدِ؛ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ لِعِنَادِهِ، وَعَدَمِ الْوَازِعِ لَهُ. تَنْبِيهٌ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ عَلَى أَنَّ شَارِبَ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا يُحَدُّ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ؛ فَقَبِلَهَا أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ، وَرَدَّهَا مَالِكٌ ﵃. وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ: أَنَّ فِسْقَهُ مَظْنُونٌ؛ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، أَوْ مَقْطُوعٌ؛ فَتُرَدُّ.

стр. 665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمَّا وَجْهُ كَوْنِهِ مَظْنُونًا؛ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَلَّدَ فِي شُرْبِهِ إِمَامًا مُجْتَهِدًا، يَسْتَنِدُ فِي إِبَاحَتِهِ إِلَى شُبْهَةٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً؛ فَيَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ الْقَطْعُ بِفِسْقِهِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُحَدَّ أَيْضًا، وَإِنَّمَا حَدَدْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ وُضِعَتْ لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا الْعِصْيَانُ؛ فَحَدَدْنَاهُ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ فَسَادِ الْعَقْلِ، وَقَبِلْنَا شَهَادَتَهُ لِعَدَمِ عِصْيَانِهِ. وَوَجْهُ كَوْنِهِ مَقْطُوعًا بِهِ، هُوَ أَنَّ مُدْرِكَ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ: قَوِيَ، حَتَّى صَارَ خِلَافُهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَالسَّفْسَطَةِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ؛ فَشَارِبُ النَّبِيذِ خَالَفَ النَّصَّ الْمُرْضِي، وَالْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، وَالْقَانُونَ الْكُلِّيَّ. أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ ﵇: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ. وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ؛ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ. وَهِيَ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ: فَقِيَاسُ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ. وَأَمَّا الْقَانُونُ الْكُلِّيُّ: فَإِنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ سَدُّ الذَّرَائِعِ، حَتَّى حَرَّمَ الْقَطْرَةَ مِنَ الْخَمْرِ، وَإِنْ لَمْ تُسْكِرْ، لِكَوْنِهَا ذَرِيعَةً إِلَى مَا يُسْكِرُ، وَالنَّبِيذُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْخَمْرِ؛ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِهِ. وَأَمَّا تَقْلِيدُهُ فِي شُرْبِهِ لِإِمَامٍ مُجْتَهِدٍ؛ فَلَا يَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُنْقَضُ بِمُخَالَفَةِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَلَا يُقَرُّ الْحُكْمُ مَعَ تَأَكُّدِهِ؛ فَأَنْ لَا يُقَرَّ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ

стр. 666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُجَرَّدِ أَوْلَى، وَإِذَا لَمْ يُقَرَّ، لَمْ يَجُزِ التَّقْلِيدُ فِيهِ، وَصَارَ النَّاطِقُ بِجَوَازِهِ كَالسَّاكِتِ، وَالْمُقَلِّدُ فِيهِ كَالْمُجْتَرِئِ الْمُعَانِدِ حُكْمًا. قُلْتُ: الْأَشْبَهُ بِعَدْلِ الشَّرْعِ أَنَّ شَارِبَ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا لَا يُحَدُّ، وَأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ إِمَّا مَقْطُوعٌ بِهِ، أَوْ مَظْنُونٌ، وَالْقَطْعُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، إِذْ لَا قَاطِعَ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَالظَّنُّ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّهُمْ إِذَا اعْتَلُّوا عَلَى الْحَنَفِيِّ مَثَلًا، بِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، اعْتَلَّ هُوَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ حَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، ثُمَّ يُورِدُ شُبْهَتَهُ، وَمَعَ تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، أَوْ تَقَارُبِهَا، كَيْفَ يَجِبُ الْحَدُّ. ثُمَّ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقْبَلُوهُ، أَوْ يُفَسِّقُوهُ؛ فِيمَا إِذَا تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ صَلَوَاتٍ، بِنَاءً عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ، بِتَرْكِهِ رُكْنَهَا أَوْ شَرْطَهَا، وَالْمُدْرِكُ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنَ الْمُدْرِكِ فِي تَحْرِيمِ

стр. 667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّبِيذِ، أَوْ مِثْلِهِ؛ فَمَا الْفَرْقُ؟ قَوْلُهُ: " (ب) " يَعْنِي الشَّرْطَ الثَّانِي مِنَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلرَّاوِي: " الْعَدَالَةُ، لِعَدَمِ الْوَازِعِ لِلْفَاسِقِ الْمُعَانِدِ عَنِ الْكَذِبِ "، أَيْ: لَيْسَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْكَذِبِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُعَانِدِ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَوِّلَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ رِوَايَتَهُ تُقْبَلُ، " وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ أَيْ: تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الرَّاوِي، وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْفَاسِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٦] ؛ فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَوْ قُبِلَتْ، لَمْ تَقِفْ عَلَى التَّبَيُّنِ، كَرِوَايَةِ الْعَدْلِ. تَنْبِيهٌ: الْعَدَالَةُ: قَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهَا الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَالْمُرُوءَةُ، وَفَصَّلُوا ذَلِكَ. وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وُجُودَهُ فِي الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ، وَهُمَا قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِمَا كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَكَأَنَّ مَأْخَذَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ ظُهُورُ أَمَارَةِ الصِّدْقِ، أَوْ عَدَمُ ظُهُورِ أَمَارَةِ الْكَذِبِ.

стр. 668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْقَوْلُ الْوَجِيزُ الْجَامِعُ فِي الْعَدَالَةِ، أَنَّهَا اعْتِدَالُ الْمُكَلَّفِ فِي سِيرَتِهِ شَرْعًا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَا يُشْعِرُ بِالْجَرَاءَةِ عَلَى الْكَذِبِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَلَوَاحِقِهَا. وَتُعْرَفُ عَدَالَةُ الشَّخْصِ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: الْمُعَامَلَةُ وَالْمُخَالَطَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي الْعَادَةِ عَلَى خَبَايَا النُّفُوسِ وَدَسَائِسِهَا. الثَّانِي: التَّزْكِيَةُ، وَهُوَ ثَنَاءُ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُ لَهُ بِالْعَدَالَةِ. الثَّالِثُ: السُّمْعَةُ الْجَمِيلَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ أَوِ الْمُسْتَفِيضَةُ، وَبِمِثْلِهَا عُرِفَتْ عَدَالَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ. قَوْلُهُ: « (ج) » أَيِ: الشَّرْطُ الثَّالِثُ مِنْ شُرُوطِ الرَّاوِي: «التَّكْلِيفُ» ، بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، «إِذْ لَا وَازِعَ» ، أَيْ: لَا مَانِعَ «لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ» عَنِ الْكَذِبِ، لِعَدَمِ تَعَقُّلِهِمَا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، «وَلَا عِبَادَةَ لَهُمَا شَرْعًا» ، أَيْ: لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عِبَادَتِهِمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، كَعَقْدِ بَيْعٍ، أَوْ نِكَاحٍ، أَوْ فَسْخِ عَقْدٍ، أَوْ طَلَاقٍ، «فَإِنْ سَمِعَ» الرَّاوِي «صَغِيرًا» ، أَيْ: حَالَ صِغَرِهِ، «وَرَوَى بَالِغًا» : أَيْ: بَعْدَ بُلُوغِهِ، «قُبِلَ» قَوْلُهُ، وَرِوَايَتُهُ «كَالشَّهَادَةِ، وَصِبْيَانِ الصَّحَابَةِ» . أَمَّا الشَّهَادَةُ؛ فَلِأَنَّ مَنْ شَهِدَ صَغِيرًا، وَأَدَّى كَبِيرًا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عِنْدَ الْبُلُوغِ يَحْصُلُ لَهُ الْوَازِعُ عَنِ الْكَذِبِ؛ فَلَا يَرْوِي وَيُؤَدِّي إِلَّا مَا سَمِعَ وَشَاهَدَ. وَأَمَّا صِبْيَانُ الصَّحَابَةِ؛ فَلِأَنَّهُمْ سَمِعُوا صِبْيَانًا، وَرَوَوْا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقُبِلَتْ

стр. 669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِوَايَتُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ، كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّ أُمَّهُ سَلَّمَتْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، صَبِيًّا لِيَخْدِمَهُ؛ فَخَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَلِذَلِكَ كَثُرَتْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂، دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَرَوَتْ عَنْهُ، ﵃ أَجْمَعِينَ. قَوْلُهُ: «وَالْإِجْمَاعُ عَلَى إِحْضَارِهِ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى قَبُولِ مَا سَمِعَهُ صَغِيرًا وَرَوَاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ إِحْضَارِ الصَّبِيِّ مَجَالِسَ السَّمَاعِ، أَيْ: سَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَلَا فَائِدَةَ لِإِحْضَارِهِ صَغِيرًا إِلَّا قَبُولَ رِوَايَتِهِ كَبِيرًا، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ، لَانْتَفَتْ فَائِدَةُ إِحْضَارِهِ، وَلُغِيَ الْإِجْمَاعُ، وَهُوَ حَالٌ لِعِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ سَمْعًا عَنِ الْخَطَأِ وَاللَّغْوِ. قَوْلُهُ: « (د) » : أَيِ: الشَّرْطُ الرَّابِعُ مِنْ شُرُوطِ الرَّاوِي: «الضَّبْطُ» ، أَيْ: يَكُونُ ضَابِطًا لِمَا يَسْمَعُهُ «حَالَةَ السَّمَاعِ، إِذْ لَا وُثُوقَ بِقَوْلِ مَنْ لَا ضَبْطَ لَهُ» ، فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَبْطَلُوا رِوَايَاتِ كَثِيرٍ مِمَّنْ ضَعُفَ ضَبْطُهُ، مِمَّنْ سَمِعَ بَالِغًا عَاقِلًا، بَلْ شَيْخًا أَوْ كَهْلًا مُحْتَنِكًا؛ فَإِبْطَالُ رِوَايَةِ مَنْ لَا ضَبْطَ لَهُ، مِمَّنْ سَمِعَ صَغِيرًا، أَوْلَى. تَنْبِيهٌ: أَصْلُ الضَّبْطِ إِمْسَاكُ الشَّيْءِ بِالْيَدِ، أَوِ الْيَدَيْنِ، إِمْسَاكًا يُؤْمَنُ مَعَهُ الْفَوَاتُ،

стр. 670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّذِي يَعْمَلُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ: أَضْبَطُ، وَالْأُنْثَى: ضَبْطَاءُ. وَالضَّبَنْطِيُّ: الْقَوِيُّ، وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي حِفْظِ الْوَالِي وَنَحْوِهِ الْبِلَادَ بِالْحَزْمِ وَحُسْنِ السِّيَاسَةِ، وَفِي حِفْظِ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظِهَا، أَوْ بِدُونِهَا، بِالْقُوَّةِ الْحَافِظَةِ. وَيُسْتَعْمَلُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ فِي التَّحَرِّي وَالتَّشَدُّدِ فِي النَّقْلِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي إِيضَاحِ الْخَطِّ بِالْإِعْرَابِ، وَالشَّكْلِ، وَالنَّقْطِ.
следующие страницы →