← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُجَرَّدِ أَوْلَى، وَإِذَا لَمْ يُقَرَّ، لَمْ يَجُزِ التَّقْلِيدُ فِيهِ، وَصَارَ النَّاطِقُ بِجَوَازِهِ كَالسَّاكِتِ، وَالْمُقَلِّدُ فِيهِ كَالْمُجْتَرِئِ الْمُعَانِدِ حُكْمًا. قُلْتُ: الْأَشْبَهُ بِعَدْلِ الشَّرْعِ أَنَّ شَارِبَ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا لَا يُحَدُّ، وَأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ إِمَّا مَقْطُوعٌ بِهِ، أَوْ مَظْنُونٌ، وَالْقَطْعُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، إِذْ لَا قَاطِعَ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَالظَّنُّ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّهُمْ إِذَا اعْتَلُّوا عَلَى الْحَنَفِيِّ مَثَلًا، بِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، اعْتَلَّ هُوَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ حَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، ثُمَّ يُورِدُ شُبْهَتَهُ، وَمَعَ تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، أَوْ تَقَارُبِهَا، كَيْفَ يَجِبُ الْحَدُّ. ثُمَّ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقْبَلُوهُ، أَوْ يُفَسِّقُوهُ؛ فِيمَا إِذَا تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ صَلَوَاتٍ، بِنَاءً عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ، بِتَرْكِهِ رُكْنَهَا أَوْ شَرْطَهَا، وَالْمُدْرِكُ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنَ الْمُدْرِكِ فِي تَحْرِيمِ

стр. 667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّبِيذِ، أَوْ مِثْلِهِ؛ فَمَا الْفَرْقُ؟ قَوْلُهُ: " (ب) " يَعْنِي الشَّرْطَ الثَّانِي مِنَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلرَّاوِي: " الْعَدَالَةُ، لِعَدَمِ الْوَازِعِ لِلْفَاسِقِ الْمُعَانِدِ عَنِ الْكَذِبِ "، أَيْ: لَيْسَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْكَذِبِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُعَانِدِ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَوِّلَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ رِوَايَتَهُ تُقْبَلُ، " وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ أَيْ: تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الرَّاوِي، وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْفَاسِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٦] ؛ فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَوْ قُبِلَتْ، لَمْ تَقِفْ عَلَى التَّبَيُّنِ، كَرِوَايَةِ الْعَدْلِ. تَنْبِيهٌ: الْعَدَالَةُ: قَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهَا الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَالْمُرُوءَةُ، وَفَصَّلُوا ذَلِكَ. وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وُجُودَهُ فِي الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ، وَهُمَا قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِمَا كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَكَأَنَّ مَأْخَذَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ ظُهُورُ أَمَارَةِ الصِّدْقِ، أَوْ عَدَمُ ظُهُورِ أَمَارَةِ الْكَذِبِ.

стр. 668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْقَوْلُ الْوَجِيزُ الْجَامِعُ فِي الْعَدَالَةِ، أَنَّهَا اعْتِدَالُ الْمُكَلَّفِ فِي سِيرَتِهِ شَرْعًا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَا يُشْعِرُ بِالْجَرَاءَةِ عَلَى الْكَذِبِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَلَوَاحِقِهَا. وَتُعْرَفُ عَدَالَةُ الشَّخْصِ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: الْمُعَامَلَةُ وَالْمُخَالَطَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي الْعَادَةِ عَلَى خَبَايَا النُّفُوسِ وَدَسَائِسِهَا. الثَّانِي: التَّزْكِيَةُ، وَهُوَ ثَنَاءُ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُ لَهُ بِالْعَدَالَةِ. الثَّالِثُ: السُّمْعَةُ الْجَمِيلَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ أَوِ الْمُسْتَفِيضَةُ، وَبِمِثْلِهَا عُرِفَتْ عَدَالَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ. قَوْلُهُ: « (ج) » أَيِ: الشَّرْطُ الثَّالِثُ مِنْ شُرُوطِ الرَّاوِي: «التَّكْلِيفُ» ، بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، «إِذْ لَا وَازِعَ» ، أَيْ: لَا مَانِعَ «لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ» عَنِ الْكَذِبِ، لِعَدَمِ تَعَقُّلِهِمَا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، «وَلَا عِبَادَةَ لَهُمَا شَرْعًا» ، أَيْ: لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عِبَادَتِهِمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، كَعَقْدِ بَيْعٍ، أَوْ نِكَاحٍ، أَوْ فَسْخِ عَقْدٍ، أَوْ طَلَاقٍ، «فَإِنْ سَمِعَ» الرَّاوِي «صَغِيرًا» ، أَيْ: حَالَ صِغَرِهِ، «وَرَوَى بَالِغًا» : أَيْ: بَعْدَ بُلُوغِهِ، «قُبِلَ» قَوْلُهُ، وَرِوَايَتُهُ «كَالشَّهَادَةِ، وَصِبْيَانِ الصَّحَابَةِ» . أَمَّا الشَّهَادَةُ؛ فَلِأَنَّ مَنْ شَهِدَ صَغِيرًا، وَأَدَّى كَبِيرًا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عِنْدَ الْبُلُوغِ يَحْصُلُ لَهُ الْوَازِعُ عَنِ الْكَذِبِ؛ فَلَا يَرْوِي وَيُؤَدِّي إِلَّا مَا سَمِعَ وَشَاهَدَ. وَأَمَّا صِبْيَانُ الصَّحَابَةِ؛ فَلِأَنَّهُمْ سَمِعُوا صِبْيَانًا، وَرَوَوْا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقُبِلَتْ

стр. 669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِوَايَتُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ، كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّ أُمَّهُ سَلَّمَتْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، صَبِيًّا لِيَخْدِمَهُ؛ فَخَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَلِذَلِكَ كَثُرَتْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂، دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَرَوَتْ عَنْهُ، ﵃ أَجْمَعِينَ. قَوْلُهُ: «وَالْإِجْمَاعُ عَلَى إِحْضَارِهِ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى قَبُولِ مَا سَمِعَهُ صَغِيرًا وَرَوَاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ إِحْضَارِ الصَّبِيِّ مَجَالِسَ السَّمَاعِ، أَيْ: سَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَلَا فَائِدَةَ لِإِحْضَارِهِ صَغِيرًا إِلَّا قَبُولَ رِوَايَتِهِ كَبِيرًا، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ، لَانْتَفَتْ فَائِدَةُ إِحْضَارِهِ، وَلُغِيَ الْإِجْمَاعُ، وَهُوَ حَالٌ لِعِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ سَمْعًا عَنِ الْخَطَأِ وَاللَّغْوِ. قَوْلُهُ: « (د) » : أَيِ: الشَّرْطُ الرَّابِعُ مِنْ شُرُوطِ الرَّاوِي: «الضَّبْطُ» ، أَيْ: يَكُونُ ضَابِطًا لِمَا يَسْمَعُهُ «حَالَةَ السَّمَاعِ، إِذْ لَا وُثُوقَ بِقَوْلِ مَنْ لَا ضَبْطَ لَهُ» ، فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَبْطَلُوا رِوَايَاتِ كَثِيرٍ مِمَّنْ ضَعُفَ ضَبْطُهُ، مِمَّنْ سَمِعَ بَالِغًا عَاقِلًا، بَلْ شَيْخًا أَوْ كَهْلًا مُحْتَنِكًا؛ فَإِبْطَالُ رِوَايَةِ مَنْ لَا ضَبْطَ لَهُ، مِمَّنْ سَمِعَ صَغِيرًا، أَوْلَى. تَنْبِيهٌ: أَصْلُ الضَّبْطِ إِمْسَاكُ الشَّيْءِ بِالْيَدِ، أَوِ الْيَدَيْنِ، إِمْسَاكًا يُؤْمَنُ مَعَهُ الْفَوَاتُ،

стр. 670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّذِي يَعْمَلُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ: أَضْبَطُ، وَالْأُنْثَى: ضَبْطَاءُ. وَالضَّبَنْطِيُّ: الْقَوِيُّ، وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي حِفْظِ الْوَالِي وَنَحْوِهِ الْبِلَادَ بِالْحَزْمِ وَحُسْنِ السِّيَاسَةِ، وَفِي حِفْظِ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظِهَا، أَوْ بِدُونِهَا، بِالْقُوَّةِ الْحَافِظَةِ. وَيُسْتَعْمَلُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ فِي التَّحَرِّي وَالتَّشَدُّدِ فِي النَّقْلِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي إِيضَاحِ الْخَطِّ بِالْإِعْرَابِ، وَالشَّكْلِ، وَالنَّقْطِ.

стр. 671

الرَّابِعَةُ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَتُقْبَلُ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ: الْعِلْمُ بِالْعَدَالَةِ؛ فَلَا تُقْبَلُ لِلْجَهْلِ بِهَا. أَوْ: عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ؛ فَتُقْبَلُ لِعَدَمِهِ هَا هُنَا. وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ. احْتَجَّ الْأَوَّلُ: بِأَنَّ مُسْتَنَدَ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ: الْإِجْمَاعُ، وَلَا إِجْمَاعَ هُنَا. وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ لِيَلْحَقَ بِهِ. وَبِأَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ، كَالصِّبَا، وَالْكُفْرِ؛ فَالشَّكُّ فِيهِ كَالشَّكِّ فِيهِمَا. وَبِالْقِيَاسِ عَلَى شَهَادَتِهِ فِي الْعُقُوبَاتِ، وَبِأَنَّ شَكَّ الْمُقَلِّدِ فِي بُلُوغِ الْمُفْتِي دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ أَوْ عَدَالَتِهِ مَانِعٌ مِنْ تَقْلِيدِهِ. وَهَذَا مِثْلُهُ وَأَوْلَى، لِإِثْبَاتِ شَرْعٍ عَامٍّ بِقَوْلِهِ. احْتَجَّ الثَّانِي: بِقَبُولِ النَّبِيِّ ﷺ ، شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالصَّحَابَةِ رِوَايَةَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامَ. وَبِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ رَوَى أَوْ شَهِدَ قُبِلَ، وَلَا مُسْتَنَدَ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَتَرَاخِي الزَّمَنِ بَعْدَهُ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِلرَّدِّ، وَإِلَّا فَبَعِيدٌ، إِذْ لَا يَظْهَرُ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ. وَبِقَبُولِ قَوْلِهِ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَنَجَاسَتِهِ، وَمِلْكِهِ لِهَذِهِ الْجَارِيَةِ، وَخُلُوِّهَا عَنْ زَوْجٍ؛ فَيَحِلُّ شِرَاؤُهَا وَوَطْؤُهَا، وَبِأَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ؛ فَيَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَالَةِ الْعَرَبِيِّ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بِوَحْيٍ، أَوْ تَزْكِيَةِ خَبِيرٍ بِهِ. وَالصَّحَابَةُ إِنَّمَا قَبِلُوا خَبَرَ مَنْ عَلِمُوا عَدَالَتَهُ، وَحَيْثُ جُهِلَتْ رَدُّوهَا، ثُمَّ الصَّحَابَةُ عُدُولٌ بِالنَّصِّ؛ فَلَا وَجْهَ لِلْبَحْثِ عَنْهُمْ. وَقَبُولُ قَوْلِ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى، مَمْنُوعٌ، لِجَوَازِ اسْتِصْحَابِهِ حَالَ الْكَذِبِ، وَتَأْثِيرُ الْإِسْلَامِ يَظْهَرُ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ؛ فَالْفَرْقُ أَنَّهُ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ يُعَظِّمُهُ وَيَهَابُهُ؛ فَيَصْدُقُ غَالِبًا وَظَاهِرًا، بِخِلَافِ مَنْ طَالَ زَمَنُهُ فِيهِ، وَطَمِعَ فِي جَنَّتِهِ. وَقَبُولُ قَوْلِهِ فِي مِلْكِ الْأَمَةِ وَخُلُوِّهَا رُخْصَةٌ، حَتَّى مَعَ الْعِلْمِ بِفِسْقِهِ، لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَفِي الْبَاقِي مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَأَحْكَامٌ جُزْئِيَّةٌ، لَيْسَتْ إِثْبَاتَ شَرْعٍ عَامٍّ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَسْأَلَةُ «الرَّابِعَةُ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ» عَنْ أَحْمَدَ، «وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَتُقْبَلُ فِي» الْقَوْلِ «الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ» ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْحَالِ، فِي الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْأُخَرِ، وَهِيَ: الْإِسْلَامُ، وَالتَّكْلِيفُ، وَالضَّبْطُ. قَوْلُهُ: «وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا مَأْخَذٌ كُلِّيٌّ مُخْتَصَرٌ لِلْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الرِّوَايَةِ، هَلْ هُوَ الْعِلْمُ بِالْعَدَالَةِ، أَوْ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: شَرْطُ الْقَبُولِ الْعِلْمُ بِعَدَالَةِ الرَّاوِي، لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَةُ الْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَلَا تُقْبَلُ لِلْجَهْلِ بِهَا. وَإِنْ قُلْنَا: شَرْطُ الْقَبُولِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ، قُبِلَتْ رِوَايَةُ الْمَجْهُولِ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِفِسْقِهِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: «فَتُقْبَلُ لِعَدَمِهِ هَهُنَا» . قُلْتُ: هَذَا الْكَلَامُ يُشِيرُ بِهِ إِلَى إِثْبَاتِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ، وَهَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَدَالَةَ وَالْفِسْقَ؛ إِمَّا أَنْ نَعْتَبِرَهُمَا بِحَسْبِ نَفْسِ الْأَمْرِ وَبَاطِنِهِ؛ فِيمَا بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَرَبِّهِ ، أَوْ بِحَسْبِ مَا يَظْهَرُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ، الدَّالَّةِ عَادَةً عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَإِنْ خَالَهَا تَخَفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمُ

стр. 673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَوْ بِحَسْبِ عِلْمِنَا بِحَالِهِ، عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا. أَمَّا بِحَسْبِ الِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ؛ فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُضْمِرًا لِلْمَعَاصِي إِذَا ظَفِرَ بِهَا، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْفَاسِقُ، وَالثَّانِي هُوَ الْعَدْلُ. هَذَا بِاعْتِبَارِ نِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ. أَمَّا بِاعْتِبَارِ سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ؛ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُطِيعٌ، أَوْ سَيُطِيعُ؛ فَيَكُونُ عَدْلًا، أَوْ أَنَّهُ عَاصٍ، أَوْ سَيَعْصِي؛ فَيَكُونُ فَاسِقًا. وَأَمَّا بِحَسْبِ الِاعْتِبَارَيْنِ الْآخَرِينَ؛ فَتُمْكِنُ الْوَاسِطَةُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِ أَمَارَاتُ الْعَدَالَةِ أَوِ الْفِسْقِ، أَوْ لَا يَظْهَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ؛ إِمَّا أَنْ نَعْلَمَهُ مَشْهُورَ الْعَدَالَةِ أَوِ الْفِسْقِ، أَوْ لَا نَعْلَمَ مِنْهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَهُوَ الْمَسْتُورُ، وَلِهَذَا فَرَّقَ الْمُحَدِّثُونَ بَيْنَ الصَّحِيحِ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّعِيفِ. فَالصَّحِيحُ: رِوَايَةُ مَشْهُورِ الْعَدَالَةِ، السَّالِمِ مِنْ عِلَّةٍ قَادِحَةٍ، غَيْرِ الْفِسْقِ. وَالْحَسَنُ رِوَايَةُ الْمَسْتُورِينَ. وَالضَّعِيفُ: رِوَايَةُ الْمَجْرُوحِينَ بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفِ حِفْظٍ. قَوْلُهُ: «وَهَذَا أَشْبَهُ» ، أَيْ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ، هُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٦]

стр. 674

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ وَالتَّثَبُّتِ عِنْدَ ظُهُورِ فِسْقِ الْمُخْبِرِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِسْقَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا، لَا يَجِبُ التَّبَيُّنُ وَالتَّثَبُّتُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا: شَرْطُ الْقَبُولِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ. قَوْلُهُ: «احْتَجَّ الْأَوَّلُ» ، وَهُوَ الْقَائِلُ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمَجْهُولِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مُسْتَنَدَ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ، أَيِ: الْمَعْلُومِ الْعَدَالَةِ، الْإِجْمَاعُ، وَالْمَجْهُولُ لَا إِجْمَاعَ فِي قَبُولِ خَبَرِهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ لِيُلْحَقَ بِهِ قِيَاسًا فَقَدِ انْتَفَى فِيهِ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَهَذِهِ هِيَ الْأَدِلَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ، فَإِذَا انْتَفَتْ، لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَثْبُتُ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ، وَهُوَ قَبُولُ خَبَرِ الْمَجْهُولِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ، كَمَا أَنَّ الصِّبَا وَالْكُفْرَ مَانِعَانِ مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ، ثُمَّ إِنَّ الشَّكَّ فِي الصِّبَا وَالْكُفْرِ مَانِعٌ مِنَ الْقَبُولِ، فَإِنَّا إِذَا شَكَكْنَا: هَلْ هَذَا الرَّاوِي صَبِيٌّ أَوْ بَالِغٌ؟ أَوْ هَلْ هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ؟ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ لِلشَّكِّ فِي شَرْطِ قَبُولِهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ. فَكَذَلِكَ الشَّكُّ فِي الْفِسْقِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْقَبُولِ، وَهَذَا الْمَجْهُولُ مَشْكُوكٌ فِي عَدَالَتِهِ وَفِسْقِهِ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ خَبَرُهُ، لِلتَّرَدُّدِ فِي شَرْطِ قَبُولِهِ، وَهُوَ الْعَدَالَةُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ شَهَادَةَ الْمَجْهُولِ لَا تُقْبَلُ فِي الْعُقُوبَاتِ؛ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ

стр. 675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الثِّقَةِ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْقِيَاسَ عَلَى شَهَادَتِهِ فِي الْعُقُوبَاتِ؛ لِأَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَى رَدِّهَا مِنْهُ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي الْمَالِ، فَإِنَّ الْخَصْمَ قَدْ يَلْتَزِمُ صِحَّتَهَا مِنْهُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُقَلِّدَ إِذَا شَكَّ فِي الْمُفْتِي هَلْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا؟ أَوْ شَكَّ، هَلْ هُوَ عَدْلٌ أَمْ لَا؟ كَانَ ذَلِكَ الشَّكُّ مَانِعًا مِنْ تَقْلِيدِهِ وَقَبُولِ فُتْيَاهُ. فَكَذَلِكَ السَّامِعُ، إِذَا شَكَّ فِي عَدَالَةِ هَذَا الرَّاوِي الْمَجْهُولِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَكُّهُ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ خَبَرِهِ، بَلِ الْمَنْعُ هَهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ يُثْبِتُ بِرِوَايَتِهِ شَرْعًا عَامًّا مُؤَبَّدًا؛ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ بِرَدِّ خَبَرِهِ حَتَّى تُعْلَمَ عَدَالَتُهُ أَوْلَى مِنَ الْمُفْتِي؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْتِي بِحُكْمٍ لِمُعَيَّنٍ؛ فَلَيْسَ فِي تَقْلِيدِهِ فِي هَذِهِ الْفُتْيَا الْمُعَيَّنَةِ مَفْسَدَةٌ عَامَّةٌ. هَذِهِ حُجَجُ الْمَانِعِينَ. قَوْلُهُ: «احْتَجَّ الثَّانِي» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: احْتَجَّ الْقَائِلُ بِقَبُولِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَبُولُ النَّبِيِّ ﷺ ، شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، ذَلِكَ مَا رَوَى

стр. 676

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ؛ فَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ - يَعْنِي رَمَضَانَ - فَقَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَحْمَدَ. وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ ﵃، كَانُوا يَقْبَلُونَ رِوَايَةَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامِ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ ، فِي قَبُولِهِ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَرَتَّبَ الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِإِسْلَامِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِقْلَالَ الْإِسْلَامِ بِقَبُولِ الْخَبَرِ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ فِي قَبُولِهِمْ رِوَايَةَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، لَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَالَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الرِّوَايَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى خَبَرًا، أَوْ شَهِدَ شَهَادَةً، قُبِلَ مِنْهُ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا مُسْتَنَدَ لِقَبُولِ خَبَرِهِ هَهُنَا إِلَّا الْإِسْلَامَ؛ فَلْيَكُنْ مُجَرَّدُ الْإِسْلَامِ كَافِيًا فِي قَبُولِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَأَوْلَى، لِمَا قَدِ اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِ هَذَا الْمَجْهُولِ مِنْ هَيْبَةِ الْإِسْلَامِ، وَمَعْرِفَةِ حُقُوقِهِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدُ فِي غَبَاوَةِ الْكُفْرِ وَجَهَالَتِهِ. قَوْلُهُ: «وَتَرَاخِي الزَّمَنِ بَعْدَهُ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا تَكْمِيلٌ لِهَذَا الدَّلِيلِ، وَتَقْرِيرٌ لَهُ.

стр. 677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْخَصْمَ قَدْ وَافَقَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ عُقَيْبَ إِسْلَامِهِ يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي أَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ؛ أَنَّ الْكَافِرَ الْمَذْكُورَ إِذَا تَرَاخَى الزَّمَنُ بِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ تَظْهَرْ عَدَالَتُهُ، لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرَاخِيَ زَمَنِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِرَدِّ الْخَبَرِ، مَعَ قَبُولِهِ عُقَيْبَ الْكُفْرِ. قَوْلُهُ: «وَإِلَّا؛ فَبَعِيدٌ، إِذْ لَا يَظْهَرُ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ» ، هَذَا مِنْ تَمَامِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى تَقْسِيمٍ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى؛ فَإِمَّا أَنْ تَقْبَلُوا رِوَايَتَهُ أَوْ لَا، فَإِنْ قَبِلْتُمُوهَا عُقَيْبَ الْإِسْلَامِ، وَجَبَ أَنْ تَقْبَلُوهَا بَعْدَ تَرَاخِي الزَّمَانِ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرِ الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّ الْحَالَيْنِ وَاحِدَةٌ فِي عَدَمِ ظُهُورِهَا، حَالَ رِوَايَتِهِ عُقَيْبَ الْإِسْلَامِ، وَحَالَ رِوَايَتِهِ بَعْدَ تَرَاخِي الزَّمَانِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوهَا مِنَ الْكَافِرِ عُقَيْبَ إِسْلَامِهِ؛ فَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ، فَإِنَّ خَبَرَهُ إِذَا كَانَ مَرْدُودًا حَالَ الْكُفْرِ وَحَالَ الْإِسْلَامِ، اسْتَوَى الْحَالَانِ، وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ الْإِسْلَامِ وَلَا فَائِدَتُهُ، وَمُقْتَضَى الْإِسْلَامِ وَشَأْنُهُ التَّأْثِيرُ وَظُهُورُ الْمَزَايَا لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ مَقْبُولٌ فِي أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ بِاتِّفَاقٍ: مِنْهَا: إِخْبَارُهُ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيَسُوغُ التَّوَضُّوءُ بِمَا أَخْبَرَ بِطَهَارَتِهِ، وَاجْتِنَابُ مَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَتِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بِأَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ مِلْكُهُ، وَأَنَّهَا خَالِيَةٌ مِنْ زَوْجٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَجَازَ شِرَاؤُهَا أَوْ نِكَاحُهَا، وَوَطْؤُهَا بِذَلِكَ، أَعْنِي: بِالشِّرَاءِ أَوِ النِّكَاحِ.

стр. 678

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهَا: إِذَا أَخْبَرَ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ، قَبْلَ قَوْلِهِ، وَجَازَ الِائْتِمَامُ بِهِ؛ فَهَذِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، قَدْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهَا وَفِي نَظَائِرِهَا؛ فَلْيُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيمَا يَرْوِيهِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ؛ فَهَذِهِ حُجَجُ الْمُجَوِّزِينَ لِقَبُولِ رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ. قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ» ، أَيْ: وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ عَنْ أَدِلَّةِ الْمُثْبِتِينَ لَهُ أَوَّلَ أَوَّلَ. فَقَالُوا: أَمَّا قَبُولُ النَّبِيِّ ﷺ ، خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ؛ فَيَجُوزُ أَنَّهُ عَلِمَ عَدَالَتَهُ، وَالْعِلْمُ بِعَدَالَتِهِ بِوَحْيٍ إِلَى النَّبِيِّ، ﷺ ، أَوْ تَزْكِيَةِ خَبِيرٍ بِالْأَعْرَابِيِّ لَهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَالْقَضِيَّةُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، وَقَضَايَا الْأَعْيَانِ تَتَنَزَّلُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَقَاعِدَةُ الشَّرْعِ فِي الْأَخْبَارِ أَنْ لَا تُقْبَلَ إِلَّا مِمَّنْ عُرِفَ حَالُهُ. وَلَوْ بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَةَ فُلَانٍ. نَزَّلْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَالَتَهُ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ، لِمَا اسْتَقَرَّ مِنْ قَاعِدَةِ الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ ، أَوْلَى بِنِسْبَةِ الِاحْتِيَاطِ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ. وَأَمَّا الصَّحَابَةُ؛ فَإِنَّمَا قَبِلُوا خَبَرَ مَنْ عَلِمُوا عَدَالَتَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، كَأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَأَزْوَاجِهِ وَمَوَالِيهِ، وَحَيْثُ جُهِلَتْ، رَدُّوهَا، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَنْزِيلِ قَضَايَا الْأَعْيَانِ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ الظَّنُّ بِالصَّحَابَةِ ﵃ أَنْ يَحْتَاطُوا فِي الدِّينِ.

стр. 679

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ الصَّحَابَةُ عُدُولٌ بِالنَّصِّ؛ فَلَا وَجْهَ لِلْبَحْثِ عَنْهُمْ» ، يَعْنِي أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَقْبَلُونَ رِوَايَاتِ الْمَجَاهِيلِ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ وَالنِّسَاءَ الَّذِينَ قَبِلَ الصَّحَابَةُ خَبَرَهُمْ، هُمْ صَحَابَةٌ أَيْضًا، وَالصَّحَابَةُ قَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ بِالنَّصِّ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ. وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ - أَعْنِي مَسْأَلَةَ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ - فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا قَبُولُ خَبَرِ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى عَقِيبَ إِسْلَامِهِ؛ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ قَبُولَ خَبَرِهِ وَشَهَادَتِهِ، لِجَوَازِ اسْتِصْحَابِهِ حَالَ الْكَذِبِ فِي الْكُفْرِ إِلَى مَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُمْ: لَوْ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَظْهَرْ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ. قُلْنَا: أَثَرُ الْإِسْلَامِ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ، بَلْ يَظْهَرُ أَثَرُ الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، كَصِحَّةِ الْإِمَامَةِ، وَأَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَعِصْمَةِ الدَّمِ وَالْمَالِ، وَوُجُوبِ قَتْلِهِ بِالرِّدَّةِ لَوِ ارْتَدَّ، وَسُقُوطِ الْجِزْيَةِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ. قَوْلُهُ: «وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ؛ فَالْفَرْقُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَإِنْ سَلَّمْنَا قَبُولَ رِوَايَةِ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى عُقَيْبَ الْإِسْلَامِ؛ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا تَرَاخَى زَمَنُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ الْمَجْهُولِ الْعَدَالَةِ، هُوَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ؛ فَهُوَ عِنْدُ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ يُعَظِّمُهُ وَيَهَابُهُ؛ لِأَنَّهُ دِينٌ جَدِيدٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَهُ؛ فَيُصَدَّقُ غَالِبًا وَظَاهِرًا، أَيِ: الظَّاهِرُ وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي خَبَرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ طَالَ زَمَنُهُ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ يَطْمَعُ فِي جَنَبَتِهِ، وَيَسْتَسْهِلُ الْمَعَاصِيَ مِنْ كَذِبٍ وَغَيْرِهِ؛ إِمَّا لِرِخَصِ الدِّينِ عِنْدَهُ، جَرَاءَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْتِمَادًا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الرُّخَصِ وَالتَّوْسِعَةِ، رَجَاءً لِعَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَقَدْ

стр. 680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَاحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. وَنَظِيرُ هَذَا أَوْ شَبِيهُهُ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقَلِّلُ مَهَابَةَ الْبَيْتِ فِي النُّفُوسِ، لِكَثْرَةِ رُؤْيَتِهَا وَمُلَابَسَتِهَا لَهُ، بِخِلَافِ مَنْ يَرَاهُ فِي الْعَامِ أَوِ الْأَعْوَامِ مَرَّةً، فَإِنَّ مَحَلَّ الْبَيْتِ فِي نَفْسِهِ أَعْظَمُ، وَمَهَابَتَهُ أَكْبَرُ. وَلِمِثْلِ هَذَا نَهَى السَّلَفُ عَنِ الْكَلَامِ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ تُسْقِطُ مَهَابَةَ الرَّبِّ مِنَ الْقَلْبِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ الْقَائِلِ: وَأَخٍ كَثُرْتُ عَلَيْهِ حَتَّى مَلَّنِي ... وَالشَّيْءُ مَمْلُولٌ إِذَا مَا يَكْثُرُ وَفِي رِوَايَةٍ: رَخُصْتُ عَلَيْهِ، وَيَرْخَصُ. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا قَبُولُ قَوْلِ الْمَجْهُولِ فِي مِلْكِ الْأَمَةِ، وَخُلُوِّهَا عَنِ النِّكَاحِ؛ فَهُوَ رُخْصَةٌ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَلُزُومِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، مِنْ وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ كُلِّ بَائِعٍ وَمُعَامِلٍ، حَتَّى مَعَ الْعِلْمِ بِفِسْقِهِ، أَيْ: حَتَّى وَلَوْ عَلِمْنَا فِسْقَ الْإِنْسَانِ، قَبِلْنَا قَوْلَهُ فِيمَا يَدَّعِي مِلْكَهُ مِنْ أَمَةٍ وَغَيْرِهَا؛ فَنَشْتَرِيهِ مِنْهُ، وَنُرَتِّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمِلْكِ مِنْ إِبَاحَةِ وَطْءٍ، وَاسْتِخْدَامٍ، وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا قَبُولُ قَوْلِهِ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، كَنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ، وَنَحْوِهِ فَمَمْنُوعٌ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ قَبُولَ قَوْلِهِ فِيهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ، أَنَّ هَذِهِ أَحْكَامٌ جُزْئِيَّةٌ، لَا تَعْظُمُ الْمَفْسَدَةُ فِي قَبُولِهَا مِنْهُ، بِخِلَافِ قَبُولِ رِوَايَتِهِ، فَإِنَّ

стр. 681

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِيهِ إِثْبَاتَ شَرْعٍ عَامٍّ، تَعْظُمُ الْمَفْسَدَةُ بِتَقْدِيرِ الْكَذِبِ فِيهِ. فَإِنَّ مَنْ قَالَ: أَنَا مُتَطَهِّرٌ؛ فَصَلُّوا خَلْفِي؛ فَبِتَقْدِيرِ كَذِبِهِ، إِنَّمَا يُفْسِدُ عَلَيْنَا تِلْكَ الصَّلَاةَ فَقَطْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَأَمَّا مَنْ رَوَى لَنَا أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ، وَأَكْلَ لَحْمِ الْجَزُورِ، لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ فَبِتَقْدِيرِ الْكَذِبِ فِي مِثْلِ هَذَا يُبْطِلُ صَلَاةَ عَالَمٍ كَثِيرٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ قَبُولِ الْقَوْلِ فِيمَا يَخِفُّ ضَرَرُهُ جَوَازُ قَبُولِهِ فِيمَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 682

الْخَامِسَةُ: لَا يُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّةُ الرَّاوِي، وَلَا رُؤْيَتُهُ، لِقَبُولِ الصَّحَابَةِ خَبَرَ عَائِشَةَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. وَلَا فِقْهُهُ، لِقَوْلِهِ ﵇: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ» . وَلَا مَعْرِفَةُ نَسَبِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ أَصْلًا، وَأَوْلَى. وَلَا عَدَمُ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ، لِعُمُومِ حُكْمِ الرِّوَايَةِ، وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهَا بِشَخْصٍ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، وَمَنِ اشْتَبَهَ اسْمُهُ بِاسْمِ مَجْرُوحٍ رُدَّ خَبَرُهُ، حَتَّى يُعْلَمَ حَالُهُ. ــ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: لَا يُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّةُ الرَّاوِي، وَلَا رُؤْيَتُهُ، أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي ذَكَرًا، وَلَا أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا، مُشَاهَدًا حَالَ السَّمَاعِ مِنْهُ. قَوْلُهُ: «لِقَبُولِ الصَّحَابَةِ خَبَرَ عَائِشَةَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ» . هَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّرْطَيْنِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقْبَلُونَ رِوَايَتَهَا وَهِيَ أُنْثَى، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ النِّسَاءِ غَيْرِهَا، وَكَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهَا وَهِيَ وَرَاءَ حِجَابٍ؛ لِأَنَّهَا مَا كَانَ يَرَاهَا إِلَّا مَحَارِمُهَا، كَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ أَخِيهَا، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهِيَ بِنْتُ أَخِيهَا، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِثْلُهَا، وَلِهَذَا رُجِّحَتْ رِوَايَةُ هَؤُلَاءِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَجَانِبِ إِذَا عَارَضَتْهَا، لِكَوْنِ هَؤُلَاءِ يَسْمَعُونَ مِنْهَا بِغَيْرِ حِجَابٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَعْنًى يُنَاسِبُ التَّرْجِيحَ، وَيَصْلُحُ لَهُ. قَوْلُهُ: «وَلَا فِقْهُهُ» ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا، وَهُوَ قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ، خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي اشْتِرَاطِهِ، وَلِذَلِكَ قَدَحَ أَهْلُ الْعِرَاقِ

стр. 683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْفِقْهِ عِنْدَهُمْ، وَإِنِ احْتَجُّوا بِأَنَّ غَيْرَ الْفَقِيهِ مَظِنَّةُ سُوءِ الْفَهْمِ، وَوَضْعِ النُّصُوصِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهَا؛ فَالِاحْتِيَاطُ لِلْأَحْكَامِ أَنْ لَا يُرْوَى عَنْهُ. وَلَنَا مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَذَا نَصٌّ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. وَمُبَلَّغٌ: بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ الَّذِي يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْفَهْمِ. وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْفِقْهَ، وَلَا فَرَّقَ بَيْنَ الْفَقِيهِ وَغَيْرِهِ.

стр. 684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْفَقِيهِ مَظِنَّةُ سُوءِ الْفَهْمِ؛ فَلَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا نَقْبَلُ رِوَايَتَهُ، إِذَا رَوَى بِاللَّفْظِ، أَوِ الْمَعْنَى الْمُطَابِقِ، وَكَانَ يَعْرِفُ مُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَالْعَدَالَةُ تَمْنَعُهُ مِنْ تَحْرِيفٍ لَا يَجُوزُ؛ فَيَكُونُ مَا يَرْوِيهِ لَنَا لَفْظَ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَوْ مَعْنَاهُ، وَحِينَئِذٍ نَأْمَنُ وُقُوعَ الْخَلَلِ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا الْعَمَلُ. قَوْلُهُ: «وَلَا مَعْرِفَةُ نَسَبِهِ» ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ نَسَبِ الرَّاوِي، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ أَصْلًا كَالْعَبْدِ، وَوَلَدِ الزِّنَى، وَالْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ، إِذَا كَانُوا عُدُولًا، قُبِلَتْ رِوَايَتُهُمْ، وَلَا نَسَبَ لَهُمْ أَصْلًا، وَأَوْلَى، أَيْ: فَتُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ أَصْلًا، وَهِيَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَهُ نَسَبٌ، لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ، وَأُولَئِكَ لَا نَسَبَ لَهُمْ أَصْلًا، وَالْمَوْجُودُ الْمَجْهُولُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمَعْدُومِ بِالْكُلِّيَّةِ. قَوْلُهُ: «وَلَا عَدَمُ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ» ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّاوِي أَنْ لَا يَكُونَ عَدُوًّا، وَلَا قَرِيبًا، لِمَنْ رَوَى فِي حَقِّهِ خَبَرًا، مِثْلَ أَنْ تَثْبُتَ السَّرِقَةُ عَلَى شَخْصٍ؛ فَرَوَى عَدُوٌّ لَهُ: مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ. مَثَلًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ مَعْلُومًا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. أَوْ

стр. 685

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَثْبُتُ لِشَخْصٍ حَقٌّ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ؛ فَرَوَى أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؛ فَلَا تَقْدَحُ عَدَاوَةُ الْأَوَّلِ، وَقَرَابَةُ الثَّانِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لِعُمُومِ حُكْمِ الرِّوَايَةِ، وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهَا بِشَخْصٍ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ - وَإِنْ كَانَ بَيِّنًا، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ -: هُوَ أَنَّ حُكْمَ الرِّوَايَةِ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا حُكْمٌ عَامٌّ عَلَى هَذَا الْمَرْوِيِّ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ؛ فَالْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ لَا تَحْمِلُهُ تُهْمَةُ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ عَلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ الْإِثْمَ الْعَامَّ، لِبُلُوغِ غَرَضِهِ فِي عَدُوٍّ أَوْ قَرِيبٍ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، حَيْثُ مَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا الْعَدَاوَةُ وَالْقَرَابَةُ؛ فَإِنَّهَا عَلَى شَخْصٍ مَخْصُوصٍ؛ فَحُكْمُهَا وَضَرَرُهَا غَيْرُ عَامٍّ؛ فَقَدْ يَنْقَدِحُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَضُرُّ عَدُوِّي هَذَا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ زُورًا، وَأَنْفَعُ قَرِيبِي هَذَا بِالشَّهَادَةِ لَهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَسْتَدْرِكُ إِثْمَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِفِعْلِ قُرْبَةٍ مِنَ الْقُرَبِ، أَوْ قُرُبَاتٍ مِنْ صَلَاةٍ، وَصَدَقَةٍ، وَصِيَامٍ، وَحَجٍّ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، حَتَّى أَفْعَلَ مِنَ الْحَسَنَاتِ مَا يَذْهَبُ بِتِلْكَ السَّيِّئَةِ. بِخِلَافِ الضَّرَرِ الْعَامِّ عَلَى النَّاسِ بِكَذِبِهِ فِي الرِّوَايَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَطْمَعُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ؛ فَيَجْبُنُ عَنِ الْكَذِبِ فِيهَا. قَوْلُهُ: «وَمَنِ اشْتَبَهَ اسْمُهُ بِاسْمِ مَجْرُوحٍ، رُدَّ خَبَرُهُ حَتَّى يُعْلَمَ حَالُهُ» ، وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي ذَلِكَ الْمَجْرُوحَ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ؛ فَيَتَوَقَّفُ حَتَّى يَعْلَمَ: هَلْ هُوَ الْمَجْرُوحُ أَوِ الثِّقَةُ؟ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ الْمُدَلِّسُونَ مِثْلَ هَذَا، يَذْكُرُونَ الرَّاوِيَ

стр. 686

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الضَّعِيفَ بِاسْمٍ يُشَارِكُهُ فِيهِ رَاوٍ ثِقَةٌ، لِيُظَنَّ أَنَّهُ ذَلِكَ الثِّقَةُ، تَرْوِيجًا لِرِوَايَتِهِمْ. وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ: الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، هُمَا اثْنَانِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْرَجُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَكَذَلِكَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ وَحُكِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، ثِقَةٌ قَوِيٌّ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ يَنْبَغِي التَّحَفُّظُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 687

السَّادِسَةُ: الْجَرْحُ: نِسْبَةُ مَا يُرَدُّ لِأَجْلِهِ الْقَوْلُ إِلَى الشَّخْصِ، وَالتَّعْدِيلُ: خِلَافُهُ. اعْتَبَرَ قَوْمٌ بَيَانَ السَّبَبِ فِيهِمَا، وَنَفَاهُ آخَرُونَ، اعْتِمَادًا عَلَى الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ خَبِيرًا ضَابِطًا ذَا بَصِيرَةٍ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا. أَوْ يُطَالَبُ بِالسَّبَبِ. وَعِنْدَنَا: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بَيَانُهُ فِي الْجَرْحِ فِي قَوْلٍ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ، وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ سَبَبًا سَبَبًا. وَفِي قَوْلٍ: لَا. اكْتِفَاءً بِظُهُورِ أَسْبَابِ الْجَرْحِ. وَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ لِتَضَمُّنِهِ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَنِ الْمُعَدِّلِ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ فِي الْأَظْهَرِ فِيهِ. وَاعْتَبَرَ الْعَدَدَ فِيهِمَا قَوْمٌ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ. وَعِنْدَنَا: يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ، وَإِلَّا لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ، إِذِ التَّعْدِيلُ لِلرِّوَايَةِ تَبَعٌ وَفَرْعٌ لَهَا. وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ، إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةَ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ، إِذْ عَدَمُ كَمَالِ نِصَابِهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَقَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْ أَبِي بَكَرَةَ. وَإِلَّا رُدَّتْ حَتَّى يَتُوبَ. وَتَعْدِيلُ الرَّاوِي: إِمَّا بِصَرِيحِ الْقَوْلِ، وَتَمَامُهُ: هُوَ عَدْلٌ رِضًى، مَعَ بَيَانِ السَّبَبِ، أَوْ بِالْحُكْمِ بِرِوَايَتِهِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ التَّعْدِيلِ الْقَوْلِيِّ، وَلَيْسَ تَرْكُ الْحُكْمِ بِهَا جَرْحًا، أَوْ بِالْعَمَلِ بِخَبَرِهِ إِنْ عُلِمَ أَنْ لَا مُسْتَنَدَ لِلْعَمَلِ غَيْرُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِلَّا لَفَسَقَ الْعَامِلُ، وَفِي كَوْنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ تَعْدِيلًا لَهُ قَوْلَانِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ، أَوْ عَادَتِهِ، أَوْ صَرِيحِ قَوْلِهِ، أَنَّهُ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ، وَلَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ، كَانَتْ تَعْدِيلًا، وَإِلَّا فَلَا، إِذْ قَدْ يَرْوِي الشَّخْصُ عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ لَسَكَتَ. وَقَوْلُهُ: سَمِعْتُ فُلَانًا، صِدْقٌ. وَلَعَلَّهُ جَهِلَ حَالَهُ؛ فَرَوَى عَنْهُ، وَوَكَلَ الْبَحْثَ إِلَى مَنْ أَرَادَ الْقَبُولَ. ــ الْمَسْأَلَةُ «السَّادِسَةُ: الْجَرْحُ: نِسْبَةُ مَا يُرَدُّ لِأَجْلِهِ الْقَوْلُ إِلَى الشَّخْصِ» . هَذَا الْكَلَامُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَلَا خَفَاءَ فِي مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ، لِيُعْلَمَ مَنْ يَنْبَغِي الْأَخْذُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ. وَحَقِيقَةُ الْجَرْحِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - هُوَ الْقَطْعُ فِي الْجِسْمِ الْحَيَوَانِيِّ بِحَدِيدٍ، أَوْ مَا قَامَ

стр. 688

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَقَامَهُ، وَالْجُرْحُ - بِالضَّمِّ - هُوَ أَثَرُ الْجَرْحِ - بِالْفَتْحِ - وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمَقْطُوعُ مِنَ الْجِسْمِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ الْمُحَدِّثُونَ وَالْفُقَهَاءُ فِيمَا يُقَابِلُ التَّعْدِيلَ، مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ تَأْثِيرٌ فِي الدِّينِ وَالْعِرْضِ، كَمَا أَنَّ الْجَرْحَ الْحَقِيقِيَّ تَأْثِيرٌ فِي الْجِسْمِ. وَالْجَرْحُ كَمَا ذُكِرَ: هُوَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الشَّخْصِ مَا يُرَدُّ قَوْلُهُ لِأَجْلِهِ، مِنْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ، أَوِ ارْتِكَابِ دَنِيئَةٍ. وَبِالْجُمْلَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مَا يُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ قَبُولِ الرِّوَايَةِ. وَقَوْلُنَا: إِلَى الشَّخْصِ، هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنِسْبَةٍ، لَا بِالْقَوْلِ، وَإِنَّمَا الْإِضَافَةُ مَنَعَتِ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مِنْ أَنْ يَلِيَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: «وَالتَّعْدِيلُ خِلَافُهُ» ، أَيْ: خِلَافُ الْجَرْحِ؛ فَيَكُونُ إِذَنْ نِسْبَةُ مَا يُقْبَلُ لِأَجْلِهِ قَوْلُ الشَّخْصِ، أَيْ أَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْعِفَّةِ، وَالصِّيَانَةِ، وَالْمُرُوءَةِ، وَالتَّدَيُّنِ، بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، مَا يُسَوِّغُ قَبُولَ قَوْلِهِ شَرْعًا، لِدَلَالَةِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ، وَمُجَانَبَةِ الْكَذِبِ. وَقَوْلُنَا: الشَّخْصُ، لِيَعُمَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. وَالتَّعْدِيلُ: تَفْعِيلٌ، مِنَ الْعَدَالَةِ، وَهِيَ الِاعْتِدَالُ فِي السِّيرَةِ شَرْعًا، بِحَيْثُ لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ. قَوْلُهُ: «وَاعْتَبَرَ قَوْمٌ بَيَانَ السَّبَبِ فِيهِمَا» ، أَيِ اشْتَرَطَ قَوْمٌ أَنْ يُبَيِّنَ الْجَارِحُ سَبَبَ الْجَرْحِ، وَالْمُعَدِّلُ سَبَبَ التَّعْدِيلِ؛ فَيَقُولُ مَثَلًا: هُوَ فَاسِقٌ؛ لِأَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَوْ هُوَ عَدْلٌ لِأَنَّهُ مُوَاظِبٌ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ فِيمَا أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَنَفَاهُ آخَرُونَ» ، أَيْ: بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، نَفَى اشْتِرَاطَهُ

стр. 689

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آخَرُونَ؛ فَقَالُوا: لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: هُوَ فَاسِقٌ، أَوْ عَدْلٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، اعْتِمَادًا عَلَى الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّهُ، إِنْ كَانَ خَبِيرًا بِمَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ وَيُثْبِتُهَا، عَالِمًا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَاتِّفَاقِهِمْ، ضَابِطًا لَهُ، ذَا بَصِيرَةٍ فِيهِ، قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ؛ فَيُرَدُّ، أَوْ يُطَالِبُهُ الْحَاكِمُ بِبَيَانِ السَّبَبِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ هُوَ مُؤَثِّرٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ إِنَّمَا يُقْبَلُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ حَالِهِ فِي الضَّبْطِ وَالْعِلْمِ مَا وَصَفْنَا، لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْ مُسْلِمًا وَنَحْوَهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، إِذَا جَرَحُوا شَخْصًا، أَوْ عَدَّلُوهُ، يَبْعُدُ بَيَانُ اشْتِرَاطِهِمْ لِلسَّبَبِ، مَعَ اشْتِهَارِ عِلْمِهِمْ، وَضَبْطِهِمْ، وَإِتْقَانِهِمْ، وَاحْتِيَاطِهِمْ، بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَتْ حَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِهِمْ. قَوْلُهُ: «وَعِنْدَنَا: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بَيَانُهُ فِي الْجَرْحِ، فِي قَوْلٍ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ، وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ سَبَبًا سَبَبًا، وَفِي قَوْلٍ: لَا، اكْتِفَاءً بِظُهُورِ أَسْبَابِ الْجَرْحِ» . مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّعْدِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ سَبَبِهِ، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْعَدَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، بِخِلَافِ سَبَبِ الْجَرْحِ؛ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي سَبَبِ الْجَرْحِ، وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْجَرْحِ جَارِحًا، كَشُرْبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا؛ فَإِنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، دُونَ غَيْرِهِ، وَكَمَنَ يَرَى إِنْسَانًا يَبُولُ قَائِمًا؛ فَيُبَادِرُ لِجَرْحِهِ لِذَلِكَ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي أَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ، مُخْطِئٌ أَوْ مَعْذُورٌ، كَمَا حُكِيَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، أَنَّهُ بَالَ قَائِمًا؛ لِعُذْرٍ كَانَ بِهِ؛ فَيَنْبَغِي بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ، لِيَكُونَ

стр. 690

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى ثِقَةٍ وَاحْتِرَازٍ مِنَ الْخَطَأِ، وَالْغُلُوِّ فِيهِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْعَامَّةِ، وَهُوَ يَضْرِبُ يَدًا عَلَى يَدٍ، وَيُشِيرُ إِلَى رَجُلٍ، وَيَقُولُ: مَا هَذَا إِلَّا زِنْدِيقٌ، لَيْتَنِي قَدَرْتُ عَلَيْهِ؛ فَأَفْعَلُ بِهِ، وَأَفْعَلُ؛ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي عَنْ أَحْمَدَ: لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ أَيْضًا «اكْتِفَاءً» أَيْ: لِلِاكْتِفَاءِ بِظُهُورِ أَسْبَابِهِ؛ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ، مَشْهُورَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْجَارِحِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَجْرَحُ بِمَا يَعْلَمُهُ صَالِحًا لِلْجَرْحِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى. وَمَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ بَيَانِ السَّبَبِ فِيهِمَا حَسَنٌ جَيِّدٌ؛ فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَوِ الْمُحَدِّثِ، أَنْ لَا يَقْبَلَ إِلَّا قَوْلَ الْجَازِمِ، الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْمُفَرِّطِ وَالْمُفْرِطِ؛ فَمَنْ غَلَا فِي الْجَزْمِ، حَتَّى جَرَحَ بِمَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِفْرَاطٌ، وَالثَّانِي تَفْرِيطٌ، وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ، وَالصَّوَابُ التَّوَسُّطُ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِاخْتِلَافِ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، كَمَا سَبَقَ؛ فَيَجْرَحُ عِنْدَ كُلِّ حَاكِمٍ بِمَا يَرَاهُ ذَلِكَ الْحَاكِمُ جَرْحًا؛ فَيَجْرَحُ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا؛ لِأَنَّهُ يَرَاهُ قَادِحًا دُونَ غَيْرِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ، لَكَانَ الْجَارِحُ أَوِ الْمُعَدِّلُ غَارًّا لِبَعْضِ الْحُكَّامِ، حَتَّى يَحْكُمَ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَرَى قَبُولَ قَوْلِهِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْغِشِّ فِي الدِّينِ، وَهُوَ حَرَامٌ. قَوْلُهُ: «وَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ؛ لِتَضَمُّنِهِ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَنِ الْمُعَدِّلِ» ، أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ

стр. 691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ، بِأَنْ عَدَّلَ الشَّاهِدَ أَوِ الرَّاوِيَ طَائِفَةٌ، وَجَرَحَهُ طَائِفَةٌ، قُدِّمَ الْجَرْحُ، وَعُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَلَى الْمُعَدِّلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ الْمُعَدِّلِ فِي تَعْدِيلِهِ اسْتِصْحَابُ حَالِ الْعَدَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَعَدَمُ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا يُنَافِيهَا، وَمُسْتَنَدَ الْجَارِحِ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ؛ فَقُدِّمَ قَوْلُهُ كَرَاوِي الزِّيَادَةِ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا أَمْكَنَ اطِّلَاعُ الْجَارِحِ عَلَى زِيَادَةٍ، أَمَّا إِذَا اسْتَحَالَ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ قَالَ الْجَارِحُ: رَأَيْتُ هَذَا قَدْ قَتَلَ زَيْدًا فِي وَقْتِ كَذَا، وَقَالَ الْمُعَدِّلُ: رَأَيْتُ زَيْدًا حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ فَهَهُنَا يَتَعَارَضَانِ؛ فَيَتَسَاقَطَانِ، وَيَبْقَى أَصْلُ الْعَدَالَةِ ثَابِتًا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ هَهُنَا أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي اسْتَنَدَ إِلَيْهِ الْجَارِحُ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ؛ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْجَرْحَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ؛ فَيَبْقَى التَّعْدِيلُ مُسْتَقِلًّا، وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنَّ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ؛ تَكُونُ ثُبُوتُ عَدَالَةِ هَذَا الرَّاوِي ثَابِتَةً بِالْأَصَالَةِ وَتَعْدِيلِ الْمُعَدِّلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَسَاقُطِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، تَكُونُ ثَابِتَةً بِالْأَصَالَةِ فَقَطْ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الصُّورَةُ تُشْبِهُ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ وَالْأَمَارَتَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ؛ فِيمَنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ، أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ فِي وَقْتٍ عَيَّنَهُ، وَأَخْبَرَهُ آخَرُ أَنَّ الْكَلْبَ الْمُعَيَّنَ، وَلَغَ فِي إِنَاءٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، وَلَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِوُلُوغِهِ فِيهِمَا؛ فَيَتَعَارَضُ خَبَرُهُمَا، وَيَكُونُ الْمَاءُ طَاهِرًا، لِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ.

стр. 692

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَإِنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ فِي الْأَظْهَرِ فِيهِ» ، أَيِ: الْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ، عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ لِلنَّاسِ فِيهِ، أَيْ: فِيمَا إِذَا زَادَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِ الْجَارِحِ، إِنَّمَا كَانَ لِتَضَمُّنِهِ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَنِ الْمُعَدَّلِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَعَ زِيَادَةِ عَدَدِ الْمُعَدِّلِ، وَنَقْصِهِ، وَمُسَاوَاتِهِ؛ فَلَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ، وَعَدَّلَهُ مِائَةٌ، قُدِّمَ قَوْلُ الْوَاحِدِ لِذَلِكَ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: إِنَّ عَدَدَ الْمُعَدِّلِ إِنْ زَادَ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ، قُدِّمَ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ تُقَوِّي الظَّنَّ، وَالْعَمَلُ بِأَقْوَى الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ، كَمَا فِي تَعَارُضِ الْحَدِيثَيْنِ وَالْأَمَارَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُتَعَارِضَاتِ، وَرُبَّمَا فُهِمَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَإِذَا جَرَحَهُ اثْنَانِ، وَعَدَّلَهُ اثْنَانِ؛ فَالْجَرْحُ أَوْلَى، لِكَوْنِهِ خَصَّ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ بِمَا إِذَا اسْتَوَى الْعَدَدَانِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْخِرَقِيَّ لَمْ يَقْصِدْ هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ فِي الْجُمْلَةِ. قَوْلُهُ: «وَاعْتَبَرَ الْعَدَدَ فِيهِمَا قَوْمٌ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ، وَعِنْدَنَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ» ، أَيَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، أَيْ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ اثْنَانِ؛ فَصَاعِدًا، أَوْ يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ، وَالْمُرَادُ بِالْعَدَدِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا. فَقَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ مِنْهُمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الرِّوَايَةِ، قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ، وَهُوَ

стр. 693

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ فِيهِمَا، لَا فِي الرِّوَايَةِ، وَلَا فِي الشَّهَادَةِ. وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ شَهَادَةٌ [فَيَلْزَمُ فِيهِ الْعَدَدُ] ، أَوْ رِوَايَةٌ؛ فَيَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ، وَعِنْدَنَا - وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْأَكْثَرِينَ - إِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ. قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَوِ اعْتَبَرَ الْعَدَدَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الرِّوَايَةِ، لَكَانَ الْفَرْعُ زَائِدًا عَلَى أَصْلِهِ، فَإِنَّ التَّعْدِيلَ فِي الرِّوَايَةِ تَبَعٌ لِلرِّوَايَةِ، وَفَرْعٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرَادُ لِأَجْلِهَا، وَالرِّوَايَةُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا رَاوٍ وَاحِدٌ؛ فَكَذَا مَا هُوَ تَبَعٌ وَفَرْعٌ لَهَا. فَلَوْ قُلْنَا: تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ، وَلَا يَكْفِي فِي تَعْدِيلِهِ إِلَّا اثْنَانِ، لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ، وَزِيَادَةُ الْفُرُوعِ عَلَى أُصُولِهَا غَيْرُ مَعْهُودَةٍ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، وَلَا جَرَمَ لَمَّا اعْتَبَرْنَا الْفَرْعَ بِأَصْلِهِ، اطَّرَدَ لَنَا فِي الشَّهَادَةِ؛ فَكَمَا اعْتُبِرَ الْعَدَدُ فِيهَا، اعْتُبِرَ فِيمَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا لَهَا، وَهُوَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ لِأَجْلِهَا. فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ شَهَادَةً يُعْتَبَرُ لَهَا الْعَدَدُ؛ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ مَنْ جَعَلَهُمَا رِوَايَةً لَا يُعْتَبَرُ لَهَا الْعَدَدُ، ثُمَّ هُوَ أَوْلَى، حَذَرًا مِنْ تَضْيِيعِ أَوَامِرِ الشَّرْعِ؛ فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَقْبَلْ خَبَرَ الرَّاوِي إِلَّا إِذَا عَدَّلَهُ اثْنَانِ، قَلَّ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَلُغِيَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ، وَخَرَجَتْ عَنْ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا.

стр. 694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُعَارَضٌ، بِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ احْتِرَازًا مِنَ الْعَمَلِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَصِيَانَةٌ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. قُلْنَا: هَذَا مَرْدُودٌ، بِأَنَّ خَبَرَ مَنْ عَدَّلَهُ مُزَكٍّ وَاحِدٌ يُفِيدُ الظَّنَّ، وَهُوَ مَنَاطُ وُجُوبِ الْعَمَلِ كَمَا سَبَقَ. فَأَمَّا مَنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا؛ فَإِنَّمَا يُفِيدُ خَبَرُهُ مِنَ الظَّنِّ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، لَكِنَّ زِيَادَةَ قُوَّةِ الظَّنِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ هَهُنَا، وَإِلَّا لَوَجَبَ اعْتِبَارُ تَعْدِيلِ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى يُفِيدَ التَّوَاتُرُ بِعَدَالَةِ الرَّاوِي، وَهُوَ مُلْغًى بِاتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ حُصُولُ مُطْلَقُ ظَنِّ الْعَدَالَةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ تَعْدِيلِ الْوَاحِدِ. قَوْلُهُ: «وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْمَحْدُودُ بِسَبَبِ الْقَذْفِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ قَذَفَ غَيْرَهُ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَذَفَهُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إِنْسَانٍ بِالزِّنَى، أَوْ بِغَيْرِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، مِثْلَ أَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: يَا زَانِي، فَإِنْ كَانَ قَذَفَهُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، لَمْ يُرَدَّ خَبَرُهُ، وَقُبِلَتْ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحَدُّ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ لِعَدَمِ كَمَالِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، إِذْ لَوْ كَمُلُوا، لَحُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ دُونَ الشَّاهِدِ، وَعَدَمُ كَمَالِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ هَذَا الشَّاهِدِ الْمَحْدُودِ، حَتَّى يُعَاقَبَ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ. وَقَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ، وَكَانَ مَحْدُودًا فِي قَذْفِهِ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَى بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ. وَإِنْ كَانَ قَذْفُهُ بِغَيْرِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ كَقَوْلِهِ: يَا زَانِي، يَا عَاهِرُ، وَنَحْوِهِ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النُّورِ: ٤ - ٥]

стр. 695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ، أَيْ: فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَلِأَنَّ حَدَّ هَذَا الْقَاذِفِ؛ كَانَ بِسَبَبٍ مِنْ فِعْلِهِ، وَهُوَ قَذْفُهُ؛ فَعُوقِبَ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ، وَسُلِبَ مَنْصِبَ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا تَابَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا. فَائِدَةٌ: كَانَ مِنْ قِصَّةِ أَبِي بَكْرَةَ مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِ الْأَغَانِي، وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، كَانَ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ وَسَطَ النَّهَارِ؛ فَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ يَلْقَاهُ؛ فَيَقُولُ: إِلَى أَيْنَ ذَهَبَ الْأَمِيرُ؟ فَيَقُولُ: إِلَى حَاجَةٍ؛ فَيَقُولُ: حَاجَةِ مَاذَا؟ إِنَّ الْأَمِيرَ يُزَارُ وَلَا يَزُورُ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَأْتِيهَا جَارَةً لِأَبِي بَكْرَةَ. قَالَ: فَبَيْنَا أَبُو بَكَرَةَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ مَعَ أَخَوَيْهِ، نَافِعٍ وَزِيَادٍ، وَرَجُلٍ آخَرَ يُقَالُ لَهُ: شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَكَانَتْ غُرْفَةُ جَارَتِهِ تِلْكَ حِذَاءَ غُرْفَةِ أَبِي بَكَرَةَ؛ فَضَرَبَتِ الرِّيحُ بَابَ الْمَرْأَةِ؛ فَفَتَحَتْهُ؛ فَنَظَرَ الْقَوْمُ فَإِذَا بِالْمُغِيرَةِ يَنْكِحُهَا؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: هَذِهِ بَلِيَّةٌ ابْتُلِيتُمْ بِهَا، انْظُرُوا؛ فَنَظَرُوا حَتَّى أَثْبَتُوا؛ فَنَزَلَ أَبُو بَكْرَةَ؛ فَجَلَسَ حَتَّى خَرَجَ الْمُغِيرَةُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَرْأَةِ؛ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِكَ مَا قَدْ عَلِمْتَ؛ فَاعْتَزِلْنَا. قَالَ: وَذَهَبَ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ؛ فَمَنَعَهُ أَبُو بَكْرَةَ، وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا تُصَلِّي بِنَا وَقَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ. فَقَالَ النَّاسُ: دَعُوهُ،

стр. 696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَلْيُصَلِّ؛ فَإِنَّهُ الْأَمِيرُ، وَاكْتُبُوا مَا بَدَا لَكُمْ إِلَى عُمَرَ؛ فَكَتَبُوا إِلَيْهِ؛ فَوَرَدَ كِتَابُهُ بِأَنْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ جَمِيعًا، الْمُغِيرَةُ وَالشُّهُودُ؛ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵁، قَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ شُهِدَ عَلَيْكَ بِأَمْرٍ، إِنْ كَانَ حَقًّا؛ فَلَأَنْ تَكُونَ مُتَّ قَبْلَ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكَ، ثُمَّ دَعَا بِالشُّهُودِ؛ فَقَدِمَ أَبُو بَكْرَةَ؛ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تَشْرِيمِ الْجُدَرِيِّ بِفَخِذَيْهَا، قَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: لَقَدْ أَلْطَفْتَ النَّظَرَ. فَقَالَ: لَمْ آلُ أَنْ أُثْبِتَ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ بِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَشْهَدَ لَقَدْ رَأَيْتَهُ يَلِجُ فِيهَا كَمَا يَلِجُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ. فَقَالَ: نَعَمْ أَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ عَنْكَ، يَا مُغِيرَةُ، ذَهَبَ رُبْعُكَ. ثُمَّ دَعَا الثَّانِي؛ فَقَالَ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قَالَ: عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: لَا، حَتَّى تَشْهَدَ لَقَدْ رَأَيْتَهُ يَلِجُ فِيهَا كَمَا يَلِجُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ. فَقَالَ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ قُذَذَهُ. فَقَالَ: اذْهَبْ عَنْكَ، يَا مُغِيرَةُ، ذَهَبَ نِصْفُكَ. ثُمَّ دَعَا الثَّالِثَ؛ فَقَالَ: عَلَامَ تَشْهَدُ؟ قَالَ عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ صَاحِبَيَّ؛ فَقَالَ عُمَرُ: ذَهَبَ عَنْكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِكَ. قَالَ: وَدَعَا زِيَادًا فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مُقْبِلًا، قَالَ: إِنِّي أَرَى رَجُلًا، لَنْ يُخْزِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: لَمَّا شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ، تَغَيَّرَ لِذَلِكَ لَوْنُ عُمَرَ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ؛ فَشَهِدَ؛ فَانْكَسَرَ انْكِسَارًا شَدِيدًا، ثُمَّ جَاءَ الثَّالِثُ، يَخْطُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَرَفَعَ عُمَرُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ؛ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا سَلْحَ الْعُقَابِ فَضِيحَةٌ عَظِيمَةٌ. قَالَ: فَلَمَّا تَقَدَّمَ الرَّابِعُ، وَهُوَ زِيَادٌ، الْتَفَتَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ؛ فَقَالَ: لَا مَخْبَأَ لِعِطْرٍ بَعْدَ عَرُوسٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا زِيَادُ، اذْكُرِ اللَّهَ، وَاذْكُرْ مَوْقِفَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ، وَكِتَابَهُ،

стр. 697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَرَسُولَهُ، وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ حَظَرُوا دَمِي إِلَّا أَنْ تَتَجَاوَزَ إِلَى مَا لَمْ تَعْلَمْ؛ فَلَا يَحْمِلَنَّكَ سُوءُ مَنْظَرٍ رَأَيْتَهُ عَلَيَّ، أَنْ تَتَجَاوَزَهُ إِلَى مَا لَمْ تَرَهُ؛ فَوَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ بَيْنَ بَطْنِي وَبَطْنِهَا، مَا رَأَيْتَ أَيْنَ سَلَكَ ذَكَرِي مِنْهَا، قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَّا أَنْ أُحِقَّ مَا أَحَقَّ الْقَوْمُ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي، وَلَكِنْ رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَبِيحًا، وَسَمِعْتُ نَفَسًا حَثِيثًا، وَرَأَيْتُهُ مُسْتَبْطِنَهَا. فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَهُ يُدْخِلُهُ وَيُخْرِجُهُ كَالْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، يَا عَلِيُّ، قُمْ إِلَيْهِمْ؛ فَاضْرِبْهُمُ الْحَدَّ؛ فَقَامَ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ سَوْطًا وَضَرَبَ الْبَاقِينَ، وَأَعْجَبَهُ قَوْلُ زِيَادٍ، وَدَرَأَ الْحَدَّ عَنِ الْمُغِيرَةِ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ عَلَى الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا. فَهَمَّ عُمَرُ بِضَرْبِهِ؛ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنْ ضَرَبْتَهُ، رَجَمْتَ صَاحِبَكَ، وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، يَعْنِي إِنْ ضَرَبَهُ، جَعَلَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ؛ فَوَجَبَ بِذَلِكَ الرَّجْمُ عَلَى الْمُغِيرَةِ، قَالَ: فَاسْتَتَابَ عُمَرُ ﵁ أَبَا بَكْرَةَ؛ فَقَالَ: إِنَّمَا تَسْتَتِيبُنِي لِتَقْبَلَ شَهَادَتِي. فَقَالَ: أَجَلْ؛ فَقَالَ: لَا أَشْهَدُ مَا بَقِيتُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَبَدًا فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لَمَّا ضُرِبُوا: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاكُمْ؛ فَقَالَ عُمَرُ: اسْكُتْ، أَخْزَى اللَّهُ مَكَانًا رَأَوْكَ فِيهِ. قَالَ: فَأَقَامَ أَبُو بَكْرَةَ عَلَى قَوْلِهِ،

стр. 698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَابَ الِاثْنَانِ؛ فَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، إِذَا دُعِيَ إِلَى شَهَادَةٍ، قَالَ: اطْلُبْ غَيْرِي، فَإِنَّ زِيَادًا قَدْ أَفْسَدَ عَلَيَّ شَهَادَتِي. قُلْتُ: هَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنَ الْقِصَّةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: إِنْ ضَرَبْتَهُ، رَجَمْتَ صَاحِبَكَ، إِشْكَالٌ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكَرَةَ، وَإِنْ كَانَ صَحَابِيًّا مُكَرَّمًا، وَلَا نَظُنُّ بِهِ الْكَذِبَ، خُصُوصًا فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، غَيْرَ أَنَّهُ بِحُكْمِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَدْ صَارَ فَاسِقًا، حَيْثُ رَمَى الْمُحْصَنَاتِ، وَلَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، وَالْفَاسِقُ يُؤَثِّرُ قَذْفُهُ فِي أَنَّهُ يُحَدُّ بِهِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَقْذُوفِ. وَالْفَرْضُ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ لَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ أَصَرَّ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَالَّذِي يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ كَلَامُ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُ أَقَامَ شُبْهَةً لِدَرْءِ الْحَدِّ الثَّانِي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَتَغَاضَى عُمَرُ عَنْ مُنَاقَشَتِهِ، أَوْ أَنَّهُ ظَنَّ صِحَّةَ الشُّبْهَةِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَافَقَتْ أَمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ عَمْرٍو، الَّتِي رُمِيَ بِهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِالْمَوْسِمِ، عُمَرَ وَالْمُغِيرَةَ؛ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَعْرِفُ هَذِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذِهِ أُمُّ كُلْثُومٍ

стр. 699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِنْتُ عَلِيٍّ. فَقَالَ لَهُ: أَتَتَجَاهَلُ عَلَيَّ؟ وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ أَبَا بَكْرَةَ كَذَبَ عَلَيْكَ، وَمَا رَأَيْتُكَ إِلَّا خِفْتُ أَنْ أُرْمَى بِحِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ. قُلْتُ: لِأَنَّ عُمَرَ عَرَّضَ لِلشَّاهِدِ الرَّابِعِ بِأَنْ لَا يَشْهَدَ، بِقَوْلِهِ: إِنِّي أَرَى رَجُلًا لَنْ يُخْزِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ خَيْرًا، وَمَعَ ذَلِكَ، خَشِيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعَانَ عَلَى إِبْطَالِ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ . قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: لَمَّا شَخَصَ الْمُغِيرَةُ إِلَى عُمَرَ - يَعْنِي فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ - رَأَى فِي طَرِيقِهِ جَارِيَةً أَعْجَبَتْهُ؛ فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا؛ فَقَالَ لَهُ: وَأَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، قَالَ: وَمَا عَلَيْكَ، إِنْ أُعْفَ؛ فَهُوَ الَّذِي أُرِيدُ، وَإِنْ أُقْتَلْ - يَعْنِي فِي الْحَدِّ - تَرِثُنِي؛ فَزَوَّجَهُ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵁، قَالَ: إِنَّكَ لَفَارِغُ الْقَلْبِ، طَوِيلُ الشَّبَقِ، قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ: مَا اخْتَلَجَ فِي صَدْرِ الْمُغِيرَةِ أَمْرَانِ إِلَّا اخْتَارَ أَحْزَمَهُمَا. قُلْتُ: أَحْسَبُهُ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْحَزْمِ، وَهُوَ ضِدُّ التَّفْرِيطِ، وَالَّذِي رَأَيْتُهُ مَضْبُوطًا بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ؛ فَهُوَ نَقِيضُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، حَيْثُ كَانَ لَا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا اخْتَارَ أَشَدَّهُمَا وَأَغْلَظَهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَتَعْدِيلُ الرَّاوِي: إِمَّا بِصَرِيحِ الْقَوْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ. لَمَّا تَقَرَّرَ الْقَوْلُ فِي حَقِيقَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالْحُكْمِ فِي بَيَانِ سَبَبِهِمَا، وَاعْتِبَارِ

стр. 700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْعَدَدِ فِيهِمَا، وَجَبَ الْقَوْلُ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْدِيلُ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: صَرِيحُ الْقَوْلِ وَتَمَامُهُ، أَيْ: تَمَامُ الْقَوْلِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّعْدِيلُ، أَنْ يَقُولَ الْمُعَدِّلُ: هُوَ عَدْلٌ رِضًى، مَعَ بَيَانِ السَّبَبِ، أَيْ: يُبَيِّنُ سَبَبَ الْعَدَالَةِ، مَعَ قَوْلِهِ: هُوَ عَدْلٌ رِضًى، بِأَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِمَحَاسِنِ مَا يَعْلَمُ مِنْهُ، مِمَّا يَنْبَغِي شَرْعًا، مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ، وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَاسْتِعْمَالِ وَظَائِفِ الْمُرُوءَةِ. الثَّانِي: مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْدِيلُ الْحُكْمُ بِرِوَايَتِهِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ التَّعْدِيلِ الْقَوْلِيِّ، أَيْ: مِنَ التَّعْدِيلِ بِالْقَوْلِ بِقَوْلِهِ: هُوَ عَدْلٌ رِضًى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ مُجَرَّدٌ، وَالْحُكْمُ بِرِوَايَتِهِ فِعْلٌ تَضَمَّنَ الْقَوْلَ، أَوِ اسْتَلْزَمَهُ، إِذْ تَعْدِيلُهُ الْقَوْلِيُّ تَقْدِيرًا، مِنْ لَوَازِمِ الْحُكْمِ بِرِوَايَتِهِ، وَإِلَّا كَانَ هَذَا الْحَاكِمُ حَاكِمًا بِالْبَاطِلِ. وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ هَهُنَا تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ طُرُقَ التَّعْدِيلِ، وَقَالَ: أَعْلَاهَا صَرِيحُ الْقَوْلِ. ثُمَّ قَالَ: وَالْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ أَقْوَى مِنْ تَزْكِيَتِهِ بِالْقَوْلِ، وَعِبَارَةُ «الْمُخْتَصَرِ» بَرِيئَةٌ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ. قَوْلُهُ: «وَلَيْسَ تَرْكُ الْحُكْمِ بِهَا جَرْحًا» ، أَيِ: الْحُكْمُ بِرِوَايَةِ الرَّاوِي تَعْدِيلٌ لَهُ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَتَرْكُ الْحُكْمِ بِهَا لَيْسَ جَرْحًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَقَّفُ فِي الْحُكْمِ بِهَا، لِسَبَبٍ غَيْرِ الْجَرْحِ، مِثْلَ أَنْ يَتَرَدَّدَ، هَلْ هُوَ عَدَوٌ مُتَّهَمٌ لِعَدَاوَتِهِ، أَوْ قَرِيبٌ مُتَّهَمٌ لِقَرَابَتِهِ، أَوْ يَكُونُ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يَرَى قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَنَفِيًّا، وَالْخَبَرُ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، أَوْ كَانَ مَالِكِيًّا وَالْخَبَرُ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَنَحْوِ

стр. 701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ، وَأَيْضًا كَمَا أَنَّ مُخَالَفَةَ الرَّاوِي لِمَا رَوَاهُ لَا تَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ؛ فَكَذَلِكَ تَرْكُ الْحُكْمِ بِالرِّوَايَةِ لَا يَقْدَحُ فِي الرَّاوِي. الثَّالِثُ: مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْدِيلُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي، بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ أَنْ لَا مُسْتَنَدَ لِلْعَمَلِ غَيْرُ رِوَايَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا. أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لِلْعَمَلِ إِلَّا رِوَايَتُهُ، لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عَمِلَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَافَقَ رِوَايَةَ الرَّاوِي، وَكَانَتْ هِيَ زَائِدَةً، لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهَا. وَقَدِ اصْطَلَحَ قُضَاةُ الْعَصْرِ وَغَيْرُهُمْ، عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ مَنْ لَا يَثِقُ بِشَهَادَتِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّصْرِيحُ بِرَدِّهَا، يَطْلُبُ زِيَادَةَ شُهُودٍ، حَتَّى تَكْمُلَ الْبَيِّنَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّاهِدِ، وَيَحْكُمُ بِهَا، مُوهِمًا لِذَلِكَ الشَّاهِدِ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ: مَصْلَحَةِ الِاسْتِيثَاقِ لِلْحُكْمِ، وَعَدَمِ تَنْفِيرِ هَذَا الشَّاهِدِ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ. قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لِفِسْقِ الْعَامِلِ» ، أَيِ: الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي تَعْدِيلٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَ الْعَامِلِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَمِلَ بِخَبَرِهِ بِدُونِ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ، وَلَوْ عَمِلَ بِخَبَرِهِ بِدُونِ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ لَفُسِّقَ الْعَامِلُ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَامِلًا بِخَبَرِ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ غَيْرِ الْعَدْلِ فِسْقٌ؛ لِأَنَّهُ تَلْبِيسٌ وَغَرَرٌ فِي الدِّينِ، وَغِشٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، إِذْ يُوهِمُهُمْ بِعَمَلِهِ بِخَبَرِ

стр. 702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَا الرَّاوِي عَدَالَتَهُ، وَلَيْسَ بِعَدْلٍ؛ فَيَغْتَرُّونَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَقَالَ: الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ. وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ «الْمُخْتَصَرِ» فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ فِيهَا نَوْعُ إِشْكَالٍ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صِيغَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مَرَّتَيْنِ؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ نُوَضِّحَهَا بِعِبَارَةٍ أُخْرَى؛ فَنَقُولُ: الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعِلْمِ بِانْحِصَارِ مُسْتَنَدِ الْعَمَلِ فِيهِ، أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ؛ فَهُوَ تَعْدِيلٌ لَهُ، وَإِلَّا لَفَسَقَ الْعَامِلُ، لِكَوْنِهِ تَلْبِيسًا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْعِلْمِ بِانْحِصَارِ مُسْتَنَدِ الْعَمَلِ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا، لِجَوَازِ اسْتِنَادِ الْعَمَلِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ. قَوْلُهُ: وَفِي كَوْنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ تَعْدِيلًا لَهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، قِيَاسًا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَالْحُكْمُ بِرِوَايَتِهِ. وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ قَدْ رَوَوْا عَنِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِ، وَعَنِ الضَّعِيفِ وَغَيْرِهِ. وَالْحَقُّ - يَعْنِي التَّحْقِيقَ فِي هَذَا - أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِ الرَّاوِي، أَوْ عَادَتِهِ، أَوْ صَرِيحِ قَوْلِهِ، أَنَّهُ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ، وَلَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ، كَانَتْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا لِمَنْ رَوَى عَنْهُ، كَمَا سُئِلَ مَالِكٌ ﵁ عَنْ رَجُلٍ: هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ

стр. 703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِلسَّائِلِ: أَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَوْ كَانَ حُجَّةً، لَرَأَيْتَهُ. أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ. فَاسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ حُجَّةٍ ثَبْتٍ، وَلِهَذَا قِيلَ: إِذَا ذُكِرَ الْحَدِيثُ؛ فَمَالِكٌ النَّجْمُ. وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِ الرَّاوِي، أَوْ عَادَتِهِ، أَوْ صَرِيحِ قَوْلِهِ، أَوْ دَلَالَتِهِ الظَّاهِرَةِ، كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ، لَمْ تَكُنْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا لِمَنْ رَوَى عَنْهُ، إِذْ قَدْ يَرْوِي الشَّخْصُ عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ، لَسَكَتَ؛ إِمَّا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، أَوْ تَفْوِيضًا إِلَى السَّائِلِ أَمْرَ الْبَحْثِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: «وَقَوْلُهُ: سَمِعْتُ فُلَانًا صَدَقَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ. وَتَقْرِيرُهُ: لَوْ لَمْ تَكُنْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا لِلرَّاوِي، لَكَانَ غَاشًّا فِي الدِّينِ، إِذْ قَدْ يَرْوِي عَمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَيُوهِمُ النَّاسَ عَدَالَتَهُ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ، حَيْثُ يَقُولُ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ كَذَا. وَجَوَابُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ: سَمِعْتُ فُلَانًا صَدَقَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَالَةُ فُلَانٍ، إِذْ قَدْ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مِنَ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا تَرْكُهُ بَيَانَ حَالِهِ؛ فَلَعَلَّهُ جَهِلَ حَالَهُ؛ فَرَوَى عَنْهُ، وَوَكَّلَ الْبَحْثَ عَنْ حَالِهِ إِلَى مَنْ أَرَادَ قَبُولَ رِوَايَتِهِ، أَيْ: جَعَلَهُ مَوْكُولًا، أَيْ: مُفَوَّضًا إِلَيْهِ. يُقَالُ: وَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ، أَيْ: فَوَّضْتُهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ مَقْصُودَ الرِّوَايَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: حِفْظُ السُّنَّةِ بِطُرُقِهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . الثَّانِي: تَبْيِينُ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا. وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ هِيَ وَظِيفَةُ الْمُحَدِّثِينَ، لَكِنَّ بَعْضَهُمُ الْتَزَمَهُمَا جَمِيعًا،

стр. 704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ صَنَّفَ الصَّحِيحَ، وَمِنْهُمْ مَنِ الْتَزَمَ الْأَوَّلَ فَقَطْ، وَهُوَ حِفْظُ السُّنَّةِ بِطُرُقِهَا، ثُمَّ قَالَ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ مَقَالِهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَا قَدْ حَفِظْتُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ السُّنَّةَ؛ فَانْظُرُوا أَنْتُمْ فِيهَا؛ فَاعْمَلُوا بِصَحِيحِهَا، وَدَعُوا سَقِيمَهَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مُسْنَدِ أَحْمَدَ ﵁، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ جَوَامِعِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّ أَحْمَدَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ الْقَوِيَّ وَاللَّيِّنَ، وَقَالَ: كُلُّ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ؛ فَارْجِعُوا فِيهِ إِلَى هَذَا الْمُسْنَدِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا لَهُ أَصْلًا فِيهِ؛ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ فَإِنِّي قَدِ انْتَقَيْتُهُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ؛ فَبَيَّنَ أَحْمَدُ ﵁، أَنَّ مَقْصُودَهُ فِي مُسْنَدِهِ تَدْوِينُ السُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ، لَا بَيَانُ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا، ثُمَّ لَمَّا احْتَاجَ عِنْدَ الْعَمَلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ، فِي مَسَائِلِهِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُ، كَـ «جَامِعِ الْخِلَالِ» ، وَ «زَادِ الْمُسَافِرِ» وَ «مَسَائِلِ حَرْبٍ» ، وَكِتَابِ «الْعِلَلِ» ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ، وَهُوَ كَثِيرُ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 705

السَّابِعَةُ: الْجُمْهُورُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ، لَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ. وَقِيلَ: إِلَى أَوَانِ الْخِلَافِ لِشَيَاعِ الْمُخْطِئِ مِنْهُمْ فِيهِمْ. وَقِيلَ: هُمْ كَغَيْرِهِمْ. لَنَا: ثَنَاءُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ، نَحْوَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ، «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ، إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا، لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي، وَسَلْبُهُمُ الْعَدَالَةَ أَذًى لَهُ فِيهِمْ. ثُمَّ فِيمَا تَوَاتَرَ مِنْ صَلَاحِهِمْ، وَطَاعَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ غَايَةُ التَّعْدِيلِ. وَالصَّحَابِيُّ: مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ ﷺ ، وَلَوْ سَاعَةً، أَوْ رَآهُ، مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ، إِذْ حَقِيقَةُ الصُّحْبَةِ: الِاجْتِمَاعُ بِالْمَصْحُوبِ. وَقِيلَ: مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ عُرْفًا. وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ، وَغَزَا مَعَهُ غَزَاةً أَوْ غَزَاتَيْنِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ عَنْهُ، أَوْ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ هُوَ مُتَّهَمٌ بِتَحْصِيلِ مَنْصِبِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَفْرِيعُ قَبُولِ قَوْلِهِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ، إِذْ عَدَالَتُهُمْ فَرْعُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَوْ أُثْبِتَتِ الصُّحْبَةُ بِهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. ــ الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: الْجُمْهُورُ» ، أَيْ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ عُدُولٌ مُطْلَقًا، لَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ. وَقِيلَ: إِلَى أَوَانِ الْخِلَافِ، أَيْ: لَمْ يَزَالُوا عُدُولًا، حَتَّى وَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَهُمْ، وَاقْتَتَلُوا؛ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ صَارُوا فِئَتَيْنِ، وَالْحَقُّ بِالضَّرُورَةِ لَا يَكُونُ فِي الطَّرَفَيْنِ. فَإِحْدَاهُمَا عَلَى بَاطِلٍ قَطْعًا؛ فَهِيَ فَاسِقَةٌ، لَكِنَّ الْفَاسِقَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لِاشْتِبَاهِ الْأَمْرِ؛ فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ رَدَّ قَوْلَ الْجَمِيعِ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْفَاسِقِ مِنْهُمْ مِنَ الْعَدْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ، دُونَ حَالَةِ مُعَارَضَةِ غَيْرِهِ لَهُ، لِعَدَمِ تَمْيِيزِ
следующие страницы →