Полный текст (2 051 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلسَّامِعِ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ غِشًّا فِي الدِّينِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِي الْكَلَامِ، وَعِنْدَ الْعَمَلِ وَالْجَزْمِ وَالتَّحْقِيقِ يَتَوَقَّفُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ لِيَسْتَفِيدَ بِهِ نَظَرًا، أَوْ هُوَ سَمَاعِي، تَرْغِيبًا لَهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ لِذَلِكَ الْكِتَابِ بِعَيْنِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَحَقَّقَ حَالَ رِوَايَتِهِ لَهُ فِيمَا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَرْوِي عَنْهُ» ، أَيْ: عَنْ شَيْخِهِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، «مَا وَجَدَهُ بِخَطِّهِ» ، أَيْ: بِخَطِّ الشَّيْخِ، بِأَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنَا أَوْ حَدَّثَنَا؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ، لَكِنَّهُ يَقُولُ: وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، «وَتُسَمَّى الْوِجَادَةَ» ، وَهِيَ فِعَالَةٌ، مِنْ وَجَدَ الشَّيْءَ يَجِدُهُ وِجْدَانًا: إِذَا صَادَفَهُ، وَلَقِيَهُ.
قَوْلُهُ: «أَمَّا إِنْ قَالَ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ» ، إِلَى آخِرِهِ.
أَيْ: إِنْ قَالَ الْعَدْلُ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ، أَوْ مُسْلِمٍ، أَوِ التِّرْمِذِيِّ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ دَوَاوِينِ السُّنَّةِ، وَلَمْ يَقُلِ: ارْوِهَا عَنِّي، لَمْ يَجُزْ لِلسَّامِعِ رِوَايَتُهَا عَنْهُ مُطْلَقًا، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا، أَوْ مُقَلِّدًا، لِعَدَمِ الْإِذْنِ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ.
فَأَمَّا الْعَمَلُ، فَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، لَمْ يُجِزْ لَهُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ تَقْلِيدَ الْمُجْتَهِدِ، لِقُصُورِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ مَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا؛ فَفِيهِ
стр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ، لِعَدَمِ سَمَاعِهِ لَهُ.
وَالثَّانِي: لَهُ الْعَمَلُ بِهِ، وَيَلْزَمُهُ فِيمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ؛ إِمَّا مِنْ جِهَةِ ضَعْفِهِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْخَطَأِ فِي دَلَالَتِهِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ هَهُنَا.
أَمَّا الضَّعْفُ فَقَدِ انْتَفَى بِقَوْلِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَأَمَّا الْخَطَأُ فِي الدَّلَالَةِ فَمُنْتَفٍ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ عَارِفٌ بِتَنْزِيلِ الْأَدِلَّةِ مَنَازِلَهَا، وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَحْمِلُونَ كُتُبَ الْأَحْكَامِ، كَصُحُفِ الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا إِلَى الْبِلَادِ؛ فَكَانَ النَّاسُ يَعْمَلُونَ بِمَا فِيهَا، اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِهِمْ لِمَضْمُونِهَا، وَشَهَادَةِ حَامِلِهَا بِصِحَّتِهَا عَنْ أَمْرِ الشَّرْعِ.
стр. 738
وَلَا يَرْوِي عَنْ شَيْخِهِ مَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، إِذْ هُوَ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ شَاعَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ فِي مَسْمُوعَاتِهِ، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، لَمْ يَرْوِ شَيْئًا مِنْهَا، لِجَوَازِ كَوْنِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ كُلًّا مِنْهَا، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَسْمُوعٌ لَهُ؛ فَفِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّنِّ خِلَافٌ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَلَا يَرْوِي عَنْ شَيْخِهِ مَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ» ، يَعْنِي: الرَّاوِي إِذَا شَكَّ، هَلْ سَمِعَ هَذَا الْكِتَابَ أَوِ الْحَدِيثَ مِنْ شَيْخِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ مَعَ الشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْجَزْمِ وَالْعِلْمِ؛ فَلَوْ شَاعَ الْحَدِيثُ الْمَشْكُوكُ فِي سَمَاعِهِ فِي مَسْمُوعَاتِ الرَّاوِي، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، فَلَمْ يَعْلَمْ: هَلْ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ أَوْ هَذَا؟ أَوْ هَلْ هُوَ هَذَا الْكِتَابُ أَوْ هَذَا؟ لَمْ يَرْوِ شَيْئًا مِنْ مَسْمُوعَاتِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْكُوكُ فِي سَمَاعِهِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَوِ الْكُتُبِ الَّتِي هِيَ سَمَاعُهُ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الرِّوَايَةَ شَهَادَةٌ، وَهِيَ تَعْتَمِدُ الْعِلْمَ لَا الشَّكَّ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ. مَا إِذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، أَوِ الْمَيِّتَةُ بِالْمُذَكَّاةِ، لَزِمَهُ اجْتِنَابُ الْجَمِيعِ كَمَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَسْمُوعٌ لَهُ؛ فَفِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّنِّ خِلَافٌ» ، هَذِهِ مَسْأَلَتَانِ:
стр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِحْدَاهُمَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، وَهِيَ مَا إِذَا شَاعَ الْحَدِيثُ أَوِ الْكِتَابُ الْمَشْكُوكُ فِي سَمَاعِهِ فِي بَقِيَّةِ مَسْمُوعَاتِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُ، لَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، هَذَا أَوْ هَذَا أَوْ هَذَا؛ فَفِي جَوَازِ رِوَايَتِهِ قَوْلَانِ لِلنَّاسِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّنِّ، وَهُوَ مَنَاطُ الْعَمَلِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ظَنَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَسْمُوعٌ لَهُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْهُ؛ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ.
стр. 740
وَ إِنْكَارُ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ لَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ. لَنَا: عَدْلٌ جَازِمٌ؛ فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، وَيُحْمَلُ إِنْكَارُ الشَّيْخِ عَلَى نِسْيَانِهِ، جَمْعًا بَيْنَهُمَا، وَقَدْ رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، «قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» . ثُمَّ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ؛ فَكَانَ بَعْدُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ، عَنِّي، أَنِّي حَدَّثْتُهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ. قَالُوا: هُوَ فَرْعٌ لِشَيْخِهِ فِي الْإِثْبَاتِ؛ فَكَذَا فِي النَّفْيِ. وَكَالشَّهَادَةِ. قُلْنَا: مَمْنُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا، وَبَابُ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ؛ فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَإِنْكَارُ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ لَهُ» ، إِلَى آخِرِهِ.
اعْلَمْ أَنْ إِنْكَارَ الْأَصْلِ لِرِوَايَةِ الْفَرْعِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَزْمِ بِالْإِنْكَارِ، أَوْ مَعَ التَّرَدُّدِ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَزْمِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ لِلْفَرْعِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ لِلْفَرْعِ؛ فَحَكَى الْآمِدِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُكَذِّبُ الْآخَرَ؛ فَأَحَدُهُمَا كَاذِبٌ، لَا بِعَيْنِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ، أَوْ كَانَ إِنْكَارُ الْأَصْلِ غَيْرَ جَازِمٍ، بَلْ كَانَ شَاكًّا فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ؛ فَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ فِيهَا، وَيَجِبُ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ عِنْدَنَا، وَ «هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ» ؛ فَقَالُوا: لَا يُقْبَلُ. هَكَذَا يَحْكِي بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ الْخِلَافَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَذْهَبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، لِرَدِّهِمْ حَدِيثَ رَبِيعَةَ
стр. 741
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَالْمَذْكُورُ فِي «الرَّوْضَةِ» وَ «الْمُنْتَهَى» ، وَ «التَّنْقِيحِ» أَنَّ الْخِلَافَ مَعَ الْكَرْخِيِّ مِنْهُمْ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ: إِذَا شَكَّ الْأَصْلُ فِي الْحَدِيثِ، لَا يَضُرُّ ذَلِكَ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: عَدْلٌ جَازِمٌ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْفَرْعَ عَدْلٌ جَازِمٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الْأَصْلِ؛ فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ عَنْهُ. وَأَمَّا إِنْكَارُ الشَّيْخِ لِلرِّوَايَةِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى نِسْيَانِهِ، أَيْ: عَلَى أَنَّهُ نَسِيَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ جَمْعًا بَيْنَهُمَا أَيْ: بَيْنَ جَزْمِ الْفَرْعِ بِالرِّوَايَةِ، وَإِنْكَارِ الشَّيْخِ لَهَا.
وَقَدْ رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، ثُمَّ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ،
стр. 742
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي، أَنِّي حَدَّثْتُهُ عَنْ أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.
فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّ سُهَيْلًا تَذَكَّرَ الْحَدِيثَ بِرِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْهُ، وَمُرَاجَعَتِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَتَخْرُجُ قِصَّتُهُ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
قُلْنَا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمَا رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْهُ، بَلْ كَانَ يَرْوِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالنِّسْيَانُ مُتَسَلِّطٌ عَلَى الْإِنْسَانِ؛ فَيُحْمَلُ الْحَالُ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ جُزْءًا فِيمَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ، لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا» هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ، أَيْ: قَالُوا: الْفَرْعُ تَبَعٌ لِشَيْخِهِ فِي إِثْبَاتِ الْحَدِيثِ، بِحَيْثُ إِذَا أَثْبَتَ الشَّيْخُ الْحَدِيثَ، ثَبَتَ بِرِوَايَةِ الْفَرْعِ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا عَلَيْهِ، وَتَبَعًا لَهُ فِي النَّفْيِ، بِحَيْثُ إِذَا نَفَاهُ الشَّيْخُ، تَنْتَفِي رِوَايَةُ الْفَرْعِ لَهُ، وَكَالشَّهَادَةِ، فَإِنَّ شَاهِدَ الْأَصْلِ إِذَا أَنْكَرَ الشَّهَادَةَ، أَوْ تَرَدَّدَ فِيهَا، بَطَلَتْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَمْنُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا، وَبَابُ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ؛ فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ» . هَذَا جَوَابُ دَلِيلِهِمْ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّهُ فَرْعٌ عَلَى الشَّيْخِ فِي النَّفْيِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِثْبَاتِ، مَمْنُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا، مِنْ أَنَّهُ عَدْلٌ جَازِمٌ بِالرِّوَايَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ رِوَايَتِهِ، وَإِنْكَارِ الشَّيْخِ، مُمْكِنٌ بِمَا سَبَقَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فَرْعًا فِي الْإِثْبَاتِ، أَنْ يَكُونَ فَرْعًا فِي النَّفْيِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَا تُسْمَعُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ، وَالرِّوَايَةُ
стр. 743
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَبَيْنَ الْبَابَيْنِ فُرُوقٌ كَثِيرَةٌ، وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ اسْتِوَاءُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا الْقِيَاسُ.
стр. 744
وَإِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ بِخَطٍّ يَثِقُ بِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ، جَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ السَّمَاعَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، كَالشَّهَادَةِ.
وَلَنَا: أَنَّ مَبْنَى الرِّوَايَةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقَدْ وُجِدَ، وَلِهَذَا اعْتَمَدَ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا فِي أَقْطَارِ الْبِلَادِ. وَالْقِيَاسُ عَلَى الشَّهَادَةِ مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ مَمْنُوعٌ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَإِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ بِخَطٍّ يَثِقُ بِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ، جَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ السَّمَاعَ» ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَالَةَ السَّمَاعِ؛ فَيَرْوِي اعْتِمَادًا عَلَى وُثُوقِهِ بِالْخَطِّ وَظَنِّهِ السَّمَاعَ، «وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ» ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ، قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ.
«وَلَنَا» عَلَى الْجَوَازِ: «أَنَّ مَبْنَى الرِّوَايَةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ» ، إِذِ الْقَطْعُ لَيْسَ مُعْتَبَرًا فِي الْفُرُوعِ، «وَقَدْ وُجِدَ» الظَّنُّ؛ فَيَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ وَالْعَمَلِ «وَلِهَذَا اعْتَمَدَ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا فِي أَقْطَارِ الْبِلَادِ» مَعَ أَنَّهَا لَا تُحَصِّلُ إِلَّا الظَّنَّ، وَقِيَاسُ الرِّوَايَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ مُمْتَنِعٌ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفُرُوقِ وَالسِّعَةِ وَالضِّيقِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ قِيَاسِ الرِّوَايَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، لَكِنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّهَادَةِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ لَنَا فِي الشَّاهِدِ يَجِدُ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ، أَوِ الْحَاكِمِ يَجِدُ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ، مُتَيَقِّنًا أَنَّهُ خَطَّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَالَ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ أَقْوَالَ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ فَارَقَ خَطُّهُ حِرْزَهُ، لَمْ يَشْهَدْ، وَلَمْ يَحْكُمْ، وَإِلَّا شَهِدَ، وَحَكَمَ؛ فَنَحْنُ نَمْنَعُ الْحُكْمَ فِي الشَّهَادَةِ مَنْعًا مُطْلَقًا أَوْ مُفَصَّلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 745
التَّاسِعَةُ: الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ الْمُنْفَرِدِ بِهَا مَقْبُولَةٌ، لَفْظِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً، كَالْحَدِيثِ التَّامِّ وَأَوْلَى. وَلِإِمْكَانِ انْفِرَادِهِ، بِأَنْ يَكُونَ عَرَضَ لِرَاوِي النَّاقِصِ شَاغِلٌ، أَوْ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ، أَوْ ذُكِرَتِ الزِّيَادَةُ فِي أَحَدِ الْمَجْلِسَيْنِ، فَإِنْ عُلِمَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، قُدِّمَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، ثُمَّ الْأَحْفَظِ، وَالْأَضْبَطِ، ثُمَّ الْمُثْبِتِ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ مَعَ التَّسَاوِي رِوَايَتَانِ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «التَّاسِعَةُ: الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ الْمُنْفَرِدِ بِهَا مَقْبُولَةٌ ، لَفْظِيَّةً كَانَتْ» ، كَقَوْلِهِ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّ الْوَاوَ زِيَادَةٌ فِي اللَّفْظِ لَا فِي الْمَعْنَى، أَوْ مَعْنَوِيَّةً، أَيْ: تُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا، كَقَوْلِهِ ﵇: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، تَحَالَفَا وَتَرَادَّا، فَإِنَّ الْأَكْثَرِينَ لَمْ يَذْكُرُوا: وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ.
стр. 746
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلَهُ: «كَالْحَدِيثِ التَّامِّ وَأَوْلَى» . هَذَا دَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْقِيَاسُ عَلَى قَبُولِ الْحَدِيثِ التَّامِّ إِذَا انْفَرَدَ بِهِ الثِّقَةُ؛ فَالزِّيَادَةُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ، بَلْ تَابِعَةٌ لِغَيْرِهَا، وَإِذَا قُبِلَ الْحَدِيثُ الْمُسْتَقِلُّ مِمَّنِ انْفَرَدَ بِهِ؛ فَغَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ انْفِرَادَ الثِّقَةِ بِالزِّيَادَةِ مُمْكِنٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِهِ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الثِّقَةُ، وَجَبَ قَبُولُهُ.
وَلِتَوْجِيهِ إِمْكَانِ انْفِرَادِهِ بِالزِّيَادَةِ طُرُقٌ:
مِنْهَا: أَنْ يَعْرِضَ لِرَاوِي النَّاقِصِ شَاغِلٌ عَنْ سَمَاعِ الزِّيَادَةِ، مِثْلَ أَنْ بَلَغَهُ خَبَرٌ مُزْعِجٌ، أَوْ عَرَضَ لَهُ أَلَمٌ، أَوْ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ دَابَّةٌ عَلَى بَابِ الْمَجْلِسِ؛ فَشَرَدَتْ؛ فَرَاحَ يَتْبَعُهَا؛ فَانْفَرَدَ غَيْرُهُ بِالزِّيَادَةِ، كَمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ﵁، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ، ﷺ ، وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ؛ فَأَتَى نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ؛ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْنَا لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ، قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ عِمْرَانُ: ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ؛ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ؛ فَقَدْ ذَهَبَتْ؛ فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَتَقَطَّعُ دُونَهَا، وَايْمُ اللَّهِ، لَوَدِدْتُ أَنَّهَا ذَهَبَتْ، وَلَمْ أَقُمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّ رَاوِيَ النَّاقِصِ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ وَقَدْ فَاتَهُ بَعْضُهُ؛ فَرَوَاهُ مَنْ سَمِعَهُ دُونَهُ، كَمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ؛ فَجَاءَتْ نَوْبَتِي أَرْعَاهَا؛ فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ؛ فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ؛ فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ؛ فَيُحْسِنُ وَضَوْءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ؛ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ؛ فَقُلْتُ: مَا أَجَوَدَ هَذَا، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ؛ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. . . الْحَدِيثَ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي مَجْلِسَيْنِ، وَفِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ، وَلَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ، وَهَذَا كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، حَيْثُ رَوَى حَدِيثَ الَّذِي يُمَنِّيهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ؛ فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الْأَمَانِيُّ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ : فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ؛ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وَكَانَ يَسْمَعُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ؛ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَمْ أَسْمَعْ إِلَّا وَمِثْلَهُ
стр. 748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعَهُ؛ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ؛ فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ ، بِاللَّفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، بِوَحْيٍ، أَوْ إِلْهَامٍ؛ فَسَمِعَ أَبُو سَعِيدٍ: وَمِثْلَهُ مَعَهُ وَشُغِلَ بِعَارِضٍ عَنْ سَمَاعِ: وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ؛ فَسَمِعَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ، غَابَ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ أَحَدِهِمَا. هَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَفِيهَا: ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حَدِّثْ بِمَا سَمِعْتَ، وَأُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْتُ. وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: لَكَ هَذَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، كَرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا ذَكَرَهُ، تَذَكَّرَ؛ فَوَافَقَ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ
стр. 749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابْنِ خَدِيجٍ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ - يَعْنِي حَدِيثَ الْمُزَارَعَةِ - إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَدِ اقْتَتَلَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ؛ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ؛ فَسَمِعَ - يَعْنِي رَافِعًا - قَوْلَهُ: لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ. يَعْنِي: وَلَمْ يَسْمَعِ الشَّرْطَ.
فَإِنْ عُلِمَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، أَيْ: أَنَّ مَجْلِسَ الْحَدِيثِ وَاحِدٌ، وَوَقَعَتِ الزِّيَادَةُ فِيهِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، قُدِّمَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، سَوَاءٌ كَانُوا رُوَاةَ الزِّيَادَةِ أَوْ غَيْرَهُمْ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ عَنْهَا أَبْعَدُ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْكَثْرَةِ - أَعْنِيَ رُوَاةَ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ - قُدِّمَ الْأَحْفَظُ وَالْأَضْبَطُ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ وَالضَّبْطَ مِمَّا يَصْلُحُ التَّرْجِيحُ بِهِمَا، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْكَثْرَةِ وَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ، مِثْلَ أَنْ كَانُوا عَشْرَةً؛ فَرَوَى الزِّيَادَةَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الْبَاقُونَ، أَوْ نَفَوْهَا، قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي تَقْدِيمِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: فِيهِ مَعَ التَّسَاوِي رِوَايَتَانِ، أَيْ: إِذَا تَسَاوَوْا فِي الْكَثْرَةِ وَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ؛ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ قَوْلُ الْمُثْبِتِ، لِإِخْبَارِهِ بِزِيَادَةِ عِلْمٍ.
وَالثَّانِي: قَوْلُ النَّافِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ.
قُلْتُ: الزِّيَادَةُ إِمَّا أَنْ تُنَافِي الْمَزِيدَ عَلَيْهِ، أَوْ لَا تُنَافِيهِ، فَإِنْ نَافَتْهُ، احْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيحِ، لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
стр. 750
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ، مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ ; فَهُوَ عَتِيقٌ، وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ. مَعَ مَا فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. فَإِنَّ زِيَادَةَ الِاسْتِسْعَاءِ تُنَافِي قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ. وَهَكَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ، بَعْضُهُمْ يَنْفِي الِاسْتِسْعَاءَ، وَبَعْضُهُمْ يُثْبِتُهُ.
стр. 751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنْ لَمْ تُنَافِ الزِّيَادَةُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّرْجِيحِ بَلْ يَعْمَلُ بِالزِّيَادَةِ إِذَا ثَبَتَتْ، كَمَا فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ. وَكَقَوْلِ أَنَسٍ ﵁: رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ ; فَرَضَخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. رَوَاهُ بَعْضُهُمْ هَكَذَا مُطْلَقًا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ ; فَاعْتَرَفَ ; فَرَضَخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، رَأْسَهُ. وَهِيَ رِوَايَةُ «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
فَائِدَةٌ: قَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الْحَدِيثِ رَافِعَةً لِلْإِشْكَالِ، مُزِيلَةً لِلْإِجْمَالِ وَالِاحْتِمَالِ، وَقَدْ تَكُونُ دَالَّةً عَلَى إِرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، لَا عَلَى خُصُوصِيَّةِ الزِّيَادَةِ أَوْ ضِدِّهَا.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُ ﵇: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ. فَاحْتَمَلَ هَذَا اللَّفْظُ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ، أَيْ: يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ لِقُوَّتِهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الضَّيْمَ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَا تَنْجُسُ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ، أَيْ: يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ لِضَعْفِهِ، كَمَا يُقَالُ: الْمَرِيضُ لَا يَحْمِلُ الْحَرَكَةَ وَالضَّرْبَ ; فَجَاءَ فِي لَفْظِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ: إِذَا
стр. 752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ ; فَكَانَ هَذَا رَافِعًا لِذَلِكَ الْإِجْمَالِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْوُلُوغِ: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ ; فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ. وَفِي لَفْظٍ: أُولَاهُنَّ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: آخِرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ. فَالتَّقْيِيدُ بِالْأُولَى وَالْأُخْرَى تَضَادٌّ يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ فِيهِ ; فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى إِرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ غُسْلٌ وَاحِدٌ بِتُرَابِ أَيَّتِهِنَّ كَانَتْ.
وَقَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ دَالَّةً عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ، تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِي الْحَدِيثِ، وَاعْتِبَارِهِ بِقَوَانِينِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 753
الْعَاشِرَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ، وَخَالَفَ قَوْمٌ، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِنَصِّهِ أَوْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ، لِجَوَازِ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ صَحَابِيٍّ.
لَنَا: إِجْمَاعُهُمْ عَلَى قَبُولِ أَحَادِيثِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِي بِوَاسِطَةِ بَعْضٍ، كَحَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: مَا كُلُّ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَكْذِبُ. وَالصَّحَابِيُّ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ، أَوْ مَعْلُومِ الْعَدَالَةِ غَيْرِهِ ; فَلَا مَحْذُورَ.
أَمَّا مُرْسَلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ، كَقَوْلِ مَنْ لَمْ يُعَاصِرِ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ النَّبِيُّ ﷺ . وَمَنْ لَمْ يُعَاصِرْ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ; فَفِيهِ قَوْلَانِ: الْقَبُولُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَالْمَنْعُ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ.
وَالْخِلَافُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ، إِذِ السَّاقِطُ مِنَ السَّنَدِ مَجْهُولٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الْعَاشِرَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ» ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِوَاسِطَةِ رَاوٍ آخَرَ لَمْ يُسَمِّهِ، «وَخَالَفَ قَوْمٌ» ; فَقَالُوا: لَا يُقْبَلُ «إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِنَصِّهِ أَوْ عَادَتِهِ، أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنِ صَحَابِيٍّ» ، أَمَّا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْهُ، لَمْ يُقْبَلْ مَا أَرْسَلَهُ، لِجَوَازِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ غَيْرِ صَحَابِيٍّ.
«لَنَا» عَلَى قَبُولِهِ مُطْلَقًا: «إِجْمَاعُهُمْ عَلَى قَبُولِ أَحَادِيثِهِمْ» ، أَيْ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃، عَلَى قَبُولِ بَعْضِهِمْ حَدِيثَ بَعْضٍ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِي بِوَاسِطَةِ بَعْضٍ، كَحَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقَيْنِ فِي مَرَاتِبِ أَلْفَاظِ الصَّحَابِيِّ، وَهُوَ حَدِيثُ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ. حَيْثُ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ. حَيْثُ رَوَاهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
стр. 754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ الْبَرَاءُ: مَا كُلُّ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَكْذِبُ. يَعْنِي بَلْ بَعْضُنَا يَرْوِي بِوَاسِطَةِ بَعْضٍ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ، وَهُوَ مَعْلُومُ الْعَدَالَةِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ عَنْ مَعْلُومِ الْعَدَالَةِ غَيْرِ صَحَابِيٍّ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَحْوَطُ لِلدِّينِ مِنْ أَنْ يَرْوُوا أَحْكَامَهُ عَمَّنْ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ لَا مَحْذُورَ فِي مَرَاسِيلِهِمْ ; لِأَنَّ الْوَاسِطَةَ عَدْلٌ بِكُلِّ حَالٍ. هَذِهِ أَدِلَّةُ «الْمُخْتَصَرِ» فِي الْمَسْأَلَةِ:
وَهُنَا دَلِيلَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي «الرَّوْضَةِ» ، وَهُوَ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَنُظَرَائِهِ مِنْ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ، مَعَ إِكْثَارِهِمْ، وَإِنَّمَا أَكْثَرُ رِوَايَتِهِمْ عَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ.
كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَرَدَّدُ إِلَى أَبْوَابِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُمْ، ثُمَّ هُوَ تَارَةً يُسَمِّيهِمْ، وَتَارَةً يُرْسِلُ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ; فَقَدْ صَارَ مُرْسَلُ الصَّحَابَةِ مَقْبُولًا بِالْإِجْمَاعِ. وَلَا جَرَمَ، كَانَ الْمُخَالِفُ فِيهِ شَاذًّا.
الثَّانِي: مَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ وَجَارٌ لَهُ يَتَنَاوَبَانِ مَجْلِسَ النَّبِيِّ،
стр. 755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ ، هَذَا يَوْمًا، وَهَذَا يَوْمًا، ثُمَّ يُخْبِرُ الْحَاضِرُ مِنْهُمَا الْغَائِبَ بِمَا يَكُونُ فِي يَوْمِهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَرْوِي عَنْ بَعْضٍ، وَبِوَاسِطَتِهِ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي عُمُومِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ.
«أَمَّا مُرْسَلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ ، كَقَوْلِ مَنْ لَمْ يُعَاصِرِ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ النَّبِيُّ، ﷺ ، وَمَنْ لَمْ يُعَاصِرْ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ» ; فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: «الْقَبُولُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي» أَبُو يَعْلَى، «وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ» ، وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَالثَّانِي: «الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ» ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا نَقْلٌ مُطْلَقٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَالنَّقْلُ الْمُفَصَّلُ عَنْهُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، أَوْ كَانَ قَدْ أَسْنَدَهُ غَيْرُ مَنْ أَرْسَلَهُ، أَوْ أَرْسَلَهُ رَاوٍ آخَرُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْأَوَّلِ - بِمَعْنَى اخْتَلَفَتْ طُرُقُ إِرْسَالِهِ - فَيَتَعَاضَدُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، أَوْ يَكُونُ الْمُرْسَلُ قَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ، أَوْ عَضَدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; فَهُوَ حُجَّةٌ، وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ.
стр. 756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ، وَمَنْ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، دُونَ غَيْرِهِمْ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْمُخْتَارُ قَبُولُ مَرَاسِيلِ الْعَدْلِ مُطْلَقًا.
قُلْتُ: التَّفْصِيلُ أَحْوَطُ، وَالْقَبُولُ مُطْلَقًا أَسْهَلُ، وَأَكْثَرُ لِلْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: «وَالْخِلَافُ هُنَا» ، أَيْ: فِي مُرْسَلِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ «مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ» ; لِأَنَّ الْمُرْسَلَ هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي سَقَطَ مِنْ سَنَدِهِ رَاوٍ ; فَذَلِكَ السَّاقِطُ مِنَ السَّنَدِ مَجْهُولٌ، وَجَهَالَتُهُ هِيَ الَّتِي أَوْجَبَتْ رَدَّهُ عِنْدَ الْخَصْمِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ، وَبَيَّنَّا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ الْأَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ قَبُولُهَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ، وَإِنْ كُنَّا عِنْدَ تَقْرِيرِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ رَجَّحْنَا الْمَنْعَ.
وَمِمَّا يَقْوَى بِهِ قَبُولُ الْمُرْسَلِ مُطْلَقًا، هُوَ أَنَّ الْعَدْلَ إِذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ; فَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ، أَوْ ظَنِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَهُ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عَدَالَةَ الْوَاسِطَةِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّاهِرُ مِنْهُ ذَلِكَ، لَكَانَ غَاشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، مُلَبِّسًا فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْعَدَالَةَ. لَكِنَّا فَرَضْنَاهُ عَدْلًا، هَذَا خُلْفٌ، بَلِ الْمُرْسَلُ رُبَّمَا كَانَ أَقْوَى مِنَ الْمُسْنَدِ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: إِذَا رَوَيْتُ لَكُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَسْنَدْتُ ; فَقَدْ حَدَّثَنِي وَاحِدٌ عَنْهُ، وَإِذَا أَرْسَلْتُ ; فَقَدْ حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ
стр. 757
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْهُ.
وَعُورِضَ هَذَا بِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَرْوِي عَنْ مَنْ لَوْ سُئِلَ عَنْ حَالِهِ، لَضَعَّفَهُ، أَوْ سَكِتَ عَنْهُ، فَإِذَا احْتَمَلَ أَنَّ الْوَاسِطَةَ فِي الْمُرْسَلِ كَذَلِكَ، سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ.
وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ مُعَيَّنًا، وَلَمْ يَجْزِمِ الرَّاوِي بِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ ، قَالَ كَذَا، بَلْ قَالَ: قَالَ فُلَانٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَذَا ; فَالْعُهْدَةُ هَاهُنَا عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَعَلَى مَنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ الْبَحْثُ عَنْهُ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُذْكَرِ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ، وَجَزَمَ الرَّاوِي بِإِضَافَةِ الْحَدِيثِ إِلَى النَّبِيِّ، ﷺ ; فَلَا يَتَأَتَّى مَا ذَكَرْتُمُوهُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَوْ ظَانًّا ثُبُوتَ الْحَدِيثِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
стр. 758
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْجُمْهُورُ يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ:
فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ، وَنَحْوِهَا - خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ ; لِأَنَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، تَتَوَفَّرُ الدَّاوَعِي عَلَى نَقْلِهِ ; فَيَشْتَهِرُ عَادَةً ; فَوُرُودُهُ غَيْرَ مُشْتَهِرٍ، دَلِيلُ بُطْلَانِهِ. وَلَنَا: قَبُولُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْوِتْرِ، وَالْقَهْقَهَةِ، وَتَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ، وَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، إِذْ أَثْبَتُوهُ بِالْآحَادِ، وَدَعْوَاهُمْ تَوَاتُرَهُ وَاشْتِهَارَهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، إِذِ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. ثُمَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ ; فَبِالْخَبَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ أَوْلَى.
وَفِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، كَالْحُدُودِ - خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ ; لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ ; فَيَنْهَضُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْقِيَاسِ وَالشَّهَادَةِ، إِذْ هُمَا مَظْنُونَانِ، وَيُقْبَلَانِ فِي الْحَدِّ.
وَفِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، خِلَافًا لِمَالِكٍ.
وَفِيمَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ أَوْ مَعْنَاهَا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
لَنَا: تَصْوِيبُ النَّبِيِّ ﷺ ، مُعَاذًا فِي تَقْدِيمِهِ السُّنَّةَ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ قَوْلُ الْمَعْصُومِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ.
قَالُوا: الْقَائِسُ عَلَى يَقِينٍ مِنِ اجْتِهَادِهِ، وَلَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ.
قُلْنَا: وَلَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ إِصَابَتِهِ. ثُمَّ احْتِمَالُ الْخَطَأِ فِي حَقِيقَةِ الِاجْتِهَادِ، لَا فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ، بَلْ فِي طَرِيقِهِ ; فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ. وَأَيْضًا مُقَدِّمَاتُ الْقِيَاسِ أَكْثَرُ ; فَالْخَطَأُ فِيهَا أَغْلَبُ.
ثُمَّ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ سَفَرًا لَا حَضَرًا، وَبُطْلَانُ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ دُونَ خَارِجِهَا، مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، وَهُوَ آحَادٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَقَدْ قَالُوا بِهِ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْجُمْهُورُ: يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى» ، أَيْ: فِيمَا يَكْثُرُ التَّكْلِيفُ بِهِ «كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ،
стр. 759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَنَحْوِهَا» مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي يَكْثُرُ التَّكْلِيفُ بِمُقْتَضَاهَا «خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ» ، قَالُوا: «لِأَنَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ; تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ عَادَةً ; فَيَشْتَهِرُ عَادَةً» فَإِذَا وَرَدَ غَيْرَ مُشْتَهِرٍ، بَلْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ، دَلَّ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِهِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِشَاعَتُهُ، وَإِلَّا كَانَ إِخْفَاءً لِلشَّرْعِ، وَكِتْمَانًا لِلْعِلْمِ، وَإِذَا شَاعَ، تَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ; فَوَجَبَ اشْتِهَارُهُ عَادَةً.
«وَلَنَا» ، أَيْ: عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، أَنَّ السَّلَفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، قَبِلُوا خَبَرَ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا ; فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَغَيْرِهِ، كَقَبُولِهِمْ خَبَرَ عَائِشَةَ ﵂ فِي الْغُسْلِ مِنَ الْجِمَاعِ بِدُونِ الْإِنْزَالِ، وَخَبَرَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْمُخَابَرَةِ، وَهَمَّا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
قَوْلُهُ: «وَمَا ذَكَرُوهُ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا نَقْضٌ لِدَلِيلِ الْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ وُجُوبِ اشْتِهَارِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى عَادَةً يَبْطُلُ بِالْوِتْرِ ; فَإِنَّكُمْ أَوْجَبْتُمُ الْوِتْرَ، وَالْوُضُوءَ بِالْقَهْقَهَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، وَاخْتَارُوا تَثْنِيَةَ
стр. 760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْإِقَامَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَوْجَبُوا الْوُضُوءَ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَكَذَلِكَ الْغَسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَقَوْلُهُ: «وَدَعْوَاهُمْ تَوَاتُرَهُ وَاشْتِهَارَهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، إِذِ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ» .
هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَعْوَى يَدَّعِيهَا الْحَنَفِيَّةُ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي أَثْبَتُوا بِهَا الْأَحْكَامَ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمَذْكُورَةَ تَوَاتَرَتْ عِنْدَهُمْ، وَاشْتَهَرَتْ ; فَمَا أَثْبَتْنَا مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى إِلَّا بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي اشْتِهَارِ الْخَبَرِ وَعَدَمِهِ، وَصِحَّتِهِ وَعَدَمِهَا، بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، لَا بِقَوْلِكُمْ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ آحَادٌ، ثُمَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ فَرْعٌ لِلْخَبَرِ، وَمُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ ; فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِالْخَبَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْقِيَاسِ أَوْلَى، وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: نَحْنُ إِنَّمَا نُثْبِتُهُ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ خَبَرٍ مَشْهُورٍ ; فَيَكُونُ الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى أَصْلِهِ، فَإِنْ رَاعَوْا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ، لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ثُبُوتِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى بِالْقِيَاسِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَهُ بِمُطْلَقِ الْقِيَاسِ، بَلْ بِقِيَاسٍ خَاصٍّ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِشَاعَةُ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ; فَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ; فَيَشْتَهِرُ عَادَةً.
فَجَوَابُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشَاعَةُ، لَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ كَافِيًا فِي التَّعَبُّدِ مُطْلَقًا، لَكِنَّهُ كَافٍ فِي التَّعَبُّدِ ; فَلَا تَجِبُ الْإِشَاعَةُ وَلَوْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ
стр. 761
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِشَاعَتِهِ عَلَى النَّبِيِّ، ﷺ ، لَكُنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَوَفُّرَ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَاشْتِهَارِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ مَنَاطَ تَعَبُّدِهِمُ الظَّنُّ ; فَيَكْتَفُوا مِنَ النَّقْلِ بِمَا يُحَصِّلُهُ، وَهُوَ الْآحَادُ.
قَوْلُهُ: «وَ فِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ» ، أَيْ: وَيُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، كَالْحُدُودِ، «خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ» ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: «لِأَنَّهُ» ، أَيْ: خَبَرَ الْوَاحِدِ، «مَظْنُونٌ» ، أَيْ: إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، «فَيَنْهَضُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ» ، لِقَوْلِهِ ﵇: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. وَهُوَ، أَيْ: مَا ذَكَرُوهُ، «بَاطِلٌ بِالْقِيَاسِ وَالشَّهَادَةِ» ; فَإِنَّهُمَا إِنَّمَا يُفِيدَانِ الظَّنَّ، وَمَعَ ذَلِكَ يُقْبَلَانِ فِي الْحَدِّ، وَلَيْسَ كُلُّ شُبْهَةٍ
стр. 762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ، وَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ يُؤْثَرْ فِيهَا مُطْلَقُ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ دَرْءِ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ مُعَارَضٌ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ، فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ ظَاهِرٌ، مُغَلِّبٌ عَلَى الظَّنِّ ثُبُوتَ الْحَدِّ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ. وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الْقَوَاطِعُ فِي الْحُدُودِ، لَتَعَطَّلَتْ، أَوْ كَثُرَ وُقُوعُهَا، وَطَمِعَ مُوَاقِعُوهَا.
قَوْلُهُ: «وَفِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ» ، أَيْ: وَيُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، «خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَفِيمَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ» ، أَوْ مَعْنَى الْأُصُولِ، «خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ» .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِمَّا يُسْتَشْكَلُ ; فَيُقَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ وَبَيْنَ مَا خَالَفَ الْأُصُولَ؟ وَالْحَنَفِيَّةُ يُمَثِّلُونَهُ بِخَبَرِ الْمُصَرَّاةِ، وَهُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ
стр. 763
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلْقِيَاسِ، إِذِ الْقِيَاسُ ضَمَانُ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ، وَالتَّمْرُ لَيْسَ مِثْلًا لِلَّبَنِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقِيَاسَ أَخَصُّ مِنَ الْأُصُولِ، إِذْ كُلُّ قِيَاسٍ أَصْلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ أَصْلٍ قِيَاسًا ; فَمَا خَالَفَ الْقِيَاسَ قَدْ خَالَفَ أَصْلًا خَاصًّا، وَمَا خَالَفَ الْأُصُولَ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِقِيَاسٍ، أَوْ لِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوِ اسْتِدْلَالٍ، أَوِ اسْتِصْحَابٍ، أَوِ اسْتِحْسَانٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَقَدْ يَكُونُ الْخَبَرُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، مُوَافِقًا لِبَعْضِ الْأُصُولِ. وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ، كَانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ، مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْحُكْمِ بِمَظِنَّتِهِ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِمَظَانِّهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِبَعْضِ الْأُصُولِ، وَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ خُرُوجِ الْحَدَثِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُمَا جَمِيعًا، كَخَبَرِ الْمُصَرَّاةِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ كَمَا دَلَّ عَلَى ضَمَانِ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ، كَذَلِكَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مُوَافِقًا لَهُمَا، كَالْآثَارِ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ، مُوَافَقَةً لِقِيَاسِهِ عَلَى الْخَمْرِ، وَالنَّصُّ عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَالنَّصُّ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ.
وَالْقِسْمَةُ رُبَاعِيَّةٌ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ إِمَّا أَنْ يُوَافِقَ الْقِيَاسَ وَالْأُصُولَ، أَوْ يُخَالِفَهُمَا، أَوْ يُوَافِقَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَأَصْحَابُنَا لَمْ يَتْرُكُوا حَدِيثَ الْقَهْقَهَةِ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ،
стр. 764
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَلْ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: «لَنَا» ، أَيْ: عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِنْ خَالَفَ الْأُصُولَ وَمَعْنَاهَا وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، صَوَّبَ مُعَاذًا فِي تَقْدِيمِهِ السُّنَّةَ عَلَى الِاجْتِهَادِ، حَيْثُ قَالَ لَهُ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي. فَصَوَبَّهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ مُطْلَقًا، وَإِنْ خَالَفَهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فَائِدَةُ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا خَالَفَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، أَيْ: عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ ; فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ النُّصُوصِ، إِذَا وَجَدُوهَا، تَرَكُوهُ إِلَيْهَا، كَمَا رَجَعَ عُمَرُ فِي غُرَّةِ الْجَنِينِ إِلَى حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ يُفَاضِلُ بَيْنَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ، وَيُقَسِّمُهَا عَلَى قَدْرِ مَنَافِعِهَا ; فَلَمَّا بَلَغَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، رَجَعَ إِلَيْهِ، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ; فَلَوْ وَجَبَ تَقْدِيمُ
стр. 765
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقِيَاسِ لَمَا أَقَرُّوهُ عَلَى تَرْكِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْخَبَرَ قَوْلٌ لِلْمَعْصُومِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ ; فَإِنَّهُ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ، وَلَيْسَ بِمَعْصُومٍ، فَإِذَا تَعَارَضَ قَوْلُ الْمَعْصُومِ، وَقَوْلُ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، كَانَ قَوْلُ الْمَعْصُومِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ; لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ مَأْمُونٌ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْقَائِسُ عَلَى يَقِينٍ مِنِ اجْتِهَادِهِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ مُعَارَضَةٌ لِهَذَا الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَهِيَ أَيْضًا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ لِلْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقَائِسَ عَلَى يَقِينٍ مِنِ اجْتِهَادِهِ ; لِأَنَّهُ يُبَاشِرُ النَّظَرُ فِي أَصْلِ الْقِيَاسَ، وَفَرْعِهِ، وَعِلَّتِهِ، وَحُكْمِهِ، وَلَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ، لِتَعَدُّدِ الْوَسَائِطِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّارِعِ، وَاتِّبَاعُ مَا هُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ مَا لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» . هَذَا جَوَابُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقَائِسَ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ، كَذَلِكَ هُوَ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إِصَابَتِهِ فِي الْقِيَاسِ، وَكَوْنُهُ عَلَى يَقِينٍ مِنِ اجْتِهَادِهِ لَا يَنْفَعُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِصَابَةُ، وَلَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْهَا. وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ ; فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ أَوْ يُصِيبَ، وَإِذَا اسْتَوَى الْخَبَرُ وَالْإِصَابَةُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بَقِيَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رُجْحَانِ الْخَبَرِ، بِكَوْنِهِ قَوْلَ الْمَعْصُومِ، سَالِمًا عَنِ الْمُعَارِضِ، وَهُوَ أَقْوَى فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ مِنَ الْقِيَاسِ.
стр. 766
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ احْتِمَالُ الْخَطَأِ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا تَرْجِيحٌ آخَرُ لِلْخَبَرِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْخَطَأَ ; وَإِنْ كَانَ مُتَطَرِّقًا إِلَى الِاجْتِهَادِ وَالْخَبَرِ جَمِيعًا، غَيْرَ أَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِي حَقِيقَةِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ: تَحْقِيقُ الْجَامِعِ فِي الْقِيَاسِ، وَإِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ بِوَاسِطَتِهِ، وَلَيْسَ احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ قَوْلُ الْمَعْصُومِ، وَإِنَّمَا احْتِمَالُ الْخَطَأِ فِي طَرِيقِ الْخَبَرِ، بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ أَوْ عِلَّةٌ مَا، وَمَا كَانَ الْخَطَأُ مُتَطَرِّقًا إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، يَكُونُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِمَّا كَانَ الْخَطَأُ مُتَطَرِّقًا إِلَى حَقِيقَتِهِ.
قَوْلُهُ: «وَأَيْضًا مُقَدِّمَاتُ الْقِيَاسِ أَكْثَرُ ; فَالْخَطَأُ فِيهَا أَغْلَبُ» . هَذَا تَرْجِيحٌ آخَرُ لِلْخَبَرِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقِيَاسَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ كَثِيرَةٍ، أَكْثَرَ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْخَبَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَتَحْقِيقِ الْعِلَّةِ فِيهِمَا، ثُمَّ إِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ يَتَطَرَّقُ الْخَطَأُ إِلَى الْقِيَاسِ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْخَبَرُ ; فَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ النَّظَرُ فِي السَّنَدِ، وَالْخَطَأُ فِيمَا كَثُرَتْ مُقَدِّمَاتُهُ أَغْلَبُ مِنْهُ فِيمَا قَلَّتْ مُقَدِّمَاتُهُ ; فَيَكُونُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، خُصُوصًا إِنْ كَانَ سَنَدُ الْخَبَرِ قَصِيرًا، كَثُلَاثِيَّاتِ الْبُخَارِيِّ، وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ هَاهُنَا يَكُونُ نَادِرًا.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا نَقْضٌ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ.
стр. 767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّكُمْ قَدْ أَوْجَبْتُمُ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، بِشَرْطِهِ عِنْدَكُمْ، وَأَبْطَلْتُمُ الْوُضُوءَ بِالْقَهْقَهَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، دُونَ خَارِجِ الصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ آحَادٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ» . هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ لَهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَحَلُّ النِّزَاعِ إِنَّمَا هُوَ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ، وَخَبَرِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَبُطْلَانُ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ، لَيْسَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ عِنْدَنَا، بَلْ هُوَ مُتَوَاتِرٌ أَوْ مُسْتَفِيضٌ، يَصْلُحُ أَنْ تُتْرَكَ الْأُصُولُ لِمِثْلِهِ، بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ وَلَا مُسْتَفِيضٌ، كَمَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ هُوَ آحَادٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَبَعْضُهُمْ يُضَعِّفُهَا، وَالِاعْتِبَارُ فِي النَّقْلِ بِأَئِمَّتِهِ لَا بِكُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ حَدِيثَ النَّبِيذِ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا أَبُو زَيْدٍ، وَهُوَ كُوفِيٌّ مَجْهُولٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْقَهْقَهَةِ ; فَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَفِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ مَا يَمْنَعُ الِاحْتِجَاجَ بِهِ، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ ; أَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا كَانَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ دُونَ الْوُضُوءِ.
تَنْبِيهٌ: هَكَذَا وَقَعَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» تَبَعًا لِأَصْلِهِ، وَذَكَرَ
стр. 768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْآمِدِيُّ تَفْصِيلًا، وَهُوَ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَخَصَّ مِنَ الْآخَرِ، كَانَ الْقِيَاسُ مُخَصِّصًا لِلْخَبَرِ، كَمَا يَأْتِي فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَكُونُ الْخَبَرُ مُخَصِّصًا لِلْقِيَاسِ، إِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَخَصَّ مِنَ الْآخَرِ، وَتَعَارَضَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ; فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالْوَقْفُ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ عِلَّةَ الْقِيَاسِ إِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً ; فَخَبَرُ الْوَاحِدِ أَوْلَى، إِنْ قُلْنَا إِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْعِلَّةِ لَا يُخْرِجُ الْقِيَاسَ عَنْ كَوْنِهِ قِيَاسًا ; لِأَنَّ دَلَالَةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِمَّا رَاجِحَةٌ عَلَى دَلَالَةِ نَصِّ الْعِلَّةِ، أَوْ مُسَاوِيَةٌ لَهَا، أَوْ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَبِتَقْدِيرِ رُجْحَانِهَا وَمُسَاوَاتِهَا يَكُونُ الْخَبَرُ أَوْلَى، لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، بِخِلَافِ نَصِّ الْعِلَّةِ، إِذْ دَلَالَتُهُ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا يَتَرَجَّحُ دَلَالَةُ نَصِّ الْعِلَّةِ إِذَا كَانَتْ رَاجِحَةً عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً ; فَالْخَبَرُ أَوْلَى مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلَّ بِخَبَرِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ.
قُلْتُ: هَذَا تَفْصِيلٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ مُجَرَّدًا عَنْ مِثَالٍ، تَكْمِلَةً لِمَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَأَمْثِلَتُهُ تَطُولُ، وَرُبَّمَا تَعَدَّدَتْ، وَذُو الدُّرْبَةِ يَفْهَمُ مَقْصُودَهَا مُجَرَّدَةً عَنْ مِثَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 769
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تَجُوزُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ لِلَّفْظِ، لِلْعَارِفِ بِمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، الْفَارِقِ بَيْنَهَا. وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ سِيرِينَ، لِقَوْلِهِ ﵇: فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، «وَلِقَوْلِهِ ﵇» لِلْبَرَاءِ حِينَ قَالَ: وَرَسُولُكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ: قُلْ: وَنَبِيُّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ
وَلَنَا: جَوَازُ شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَعَكْسِهِ ; فَهَذَا أَوْلَى. وَلِأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ، بِخِلَافِ الْقُرْآنِ. وَلِأَنَّهُ جَائِزٌ فِي غَيْرِ السُّنَّةِ ; فَكَذَا فِيهَا، إِذِ الْكَذِبُ حَرَامٌ فِيهِمَا. وَالرَّاوِي بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ مُؤَدٍّ كَمَا سَمِعَ. ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْهُ: مَنْ لَا يُفَرِّقُ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ ﵇ لِلْبَرَاءِ مَا ذُكِرَ: عَدَمُ الِالْتِبَاسِ بِجِبْرِيلَ، أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَ لَفْظَتِي النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَلَا يُبَدِّلُ لَفْظًا بِأَظْهَرَ مِنْهُ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ رُبَّمَا قَصَدَ إِيصَالَ الْحُكْمِ بِاللَّفْظِ الْجَلِيِّ تَارَةً، وَبِالْخَفِيِّ أُخْرَى.
قُلْتُ: وَكَذَا بِالْعَكْسِ، وَأَوْلَى، وَقَدْ فُهِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِنَا: الْمَعْنَى الْمُطَابِقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تَجُوزُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ لِلَّفْظِ لِلْعَارِفِ بِمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، الْفَارِقِ بَيْنَهَا» .
وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّ الرَّاوِيَ إِمَّا غَيْرُ عَالِمٍ بِمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَهَا، مِنْ جِهَةِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ، وَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ; فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلَّفْظِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لَهُ، جَازَ.
стр. 770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الْقَرَافِيُّ: يَجُوزُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يَزِيدَ التَّرْجَمَةَ، وَلَا يَنْقُصَ، وَلَا يَكُونَ أَخْفَى مِنْ لَفْظِ الشَّارِعِ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ مَعْنَى الْمُطَابَقَةِ. وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ: مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى ابْنُ سِيرِينَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَأَوْجَبُوا نَقْلَ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَلَى صُورَتِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا. الْحَدِيثَ. وَقَدْ سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ فِقْهِ الرَّاوِيِ، وَهُوَ يَقْتَضِي نَقْلَ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ.
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ ; فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ
стр. 771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأَتْ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ. قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ ; فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ; فَقَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِنَبِيِّكِ الَّذِي أَرْسَلْتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ إِبْدَالَ لَفْظِ النَّبِيِّ بِالرَّسُولِ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ نَقْلِ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ.
قَوْلُهُ: «وَلَنَا» ، أَيْ: عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى كَمَا قَرَّرْنَاهُ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ شَرْحِ الْحَدِيثِ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيِّ، وَالْعَجَمِيِّ بِالْعَرَبِيِّ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَالشَّهَادَةِ بِالْعَجَمِيَّةِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
أَيْ: إِذَا كَانَ شَاهِدُ الْأَصْلِ أَعْجَمِيًّا، جَازَ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ الشَّهَادَةَ عَرَبِيٌّ، وَيُؤَدِّيَهَا بِلِسَانِهِ، وَبِالْعَكْسِ: يُؤَدِّي الْعَجَمِيُّ عَنِ الْعَرَبِيِّ، وَكَذَلِكَ شَرْحُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِلِسَانِهِمْ، وَإِذَا جَازَ إِبْدَالُ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيِّ ; فَإِبْدَالُهُ بِعَرَبِيٍّ مِثْلِهِ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ أَوْلَى
стр. 772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالْجَوَازِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ التَّعَبُّدَ فِي الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، لَا بِاللَّفْظِ، بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ التَّعَبُّدَ بِمَعْنَاهُ لِلْإِبْلَاغِ، وَبِلَفْظِهِ لِلتِّلَاوَةِ وَالْإِعْجَازِ. بِدَلِيلِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مَعْنًى يُفْهَمُ ; فَيُمْتَثَلُ، وَنَحْنُ مُتَعَبِّدُونَ بِلَفْظِهَا، وَالْأَجْرُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهَا، عَلَى كُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، كَسَائِرِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَبْدِيلَ اللَّفْظِ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ جَائِزٌ فِي غَيْرِ السُّنَّةِ، كَالتَّخَاطُبِ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ ; فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ فِي السُّنَّةِ ; لِأَنَّ الْمَحْذُورَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْكَذِبُ، وَهُوَ حَرَامٌ فِيهِمَا، أَيْ: فِي السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ بَيْنَهُمْ. وَقَدْ جَازَ فِي أَحَدِهِمَا ; فَلْيَجُزْ فِي الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: «وَالرَّاوِي بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ لِلَفْظٍ مُؤَدٍّ كَمَا سَمِعَ» . هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَلِيلِ الْخَصْمِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ، فَإِنِ اقْتَضَى أَنَّ الرَّاوِيَ يُؤَدِّي الْحَدِيثَ كَمَا سَمِعَهُ، وَالرَّاوِي بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ يُؤَدِّي كَمَا سَمِعَ.
وَقَوْلُهُمُ: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي نَقْلَ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلْ نَقَلَ
стр. 773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ يَقْتَضِيهِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. «ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْهُ» ، أَيْ: مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَقْتَضِي نَقْلَ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ «مَنْ لَا يُفَرِّقُ» بَيْنَ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْعَارِفِ الْفَارِقِ، الرَّاوِي بِاللَّفْظِ الْمُطَابِقِ.
قَوْلُهُ: «وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ ﵇ لِلْبَرَاءِ مَا ذَكَرَ» . هَذَا جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ فَائِدَةَ قَوْلِهِ ﵇ لَهُ: قُلْ: وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ إِمَّا عَدَمُ الِالْتِبَاسِ بِجِبْرِيلَ ; فَإِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ ; فَلَوْ قَالَ: وَبِرَسُولِكَ، لَالْتَبَسَ بِهِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ هَهُنَا الْإِيمَانُ بِهِ ﵇ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، أَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ بِجِبْرِيلَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِالنَّبِيِّ ﵇.
أَوْ يَكُونُ فَائِدَةُ ذَلِكَ الْجَمْعَ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ لَفْظَيِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فِي قَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَإِحْدَاهُمَا أَعَمُّ مِنَ الْأُخْرَى، عَلَى مَا سَبَقَ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْكِتَابِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَبْلَغُ فِي الْإِيمَانِ، وَأَفْخَمُ لِلرَّسُولِ ﵇.
«قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَلَا يُبَدِّلُ - يَعْنِي الرَّاوِي بِالْمَعْنَى - لَفْظًا بِأَظْهَرَ مِنْهُ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ رُبَّمَا قَصَدَ إِيصَالَ الْحُكْمِ» إِلَى الْمُكَلَّفِينَ «بِاللَّفْظِ الْجَلِيِّ تَارَةً» تَسْهِيلًا لِلْفَهْمِ عَلَيْهِمْ، وَبِاللَّفْظِ الْخَفِيِّ أُخْرَى، تَكْثِيرًا لِأَجْرِهِمْ، بِإِجَادَةِ النَّظَرِ فِيهِ.
«قُلْتُ: وَكَذَا بِالْعَكْسِ وَأَوْلَى» أَيْ: كَذَلِكَ لَا يُبَدِّلُ لَفْظًا بِلَفْظٍ أَخْفَى مِنْهُ، وَهُوَ
стр. 774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْلَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَصْعِيبًا لِمَا سَهَّلَ الشَّارِعُ فَهْمَهُ.
وَقَدْ فُهِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ: تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ ; لِأَنَّ الْمُطَابِقَ هُوَ الْمُسَاوِي فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ; فَلَا يَكُونُ أَعَمَّ وَلَا أَخَصَّ، وَفِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ ; فَلَا يَكُونُ أَجْلَى وَلَا أَخْفَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 775
ثُمَّ لَمَّا كَانَ النَّسْخُ لَاحِقًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَمِيعًا، عَقَّبْنَاهُمَا بِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ عُذْرًا فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى السُّنَّةِ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ لَمَّا كَانَ النَّسْخُ لَاحِقًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَمِيعًا، عَقَّبْنَاهُمَا بِهِ» ، أَيْ: ذَكَرْنَا النُّسَخَ عَقِيبَهُمَا، أَيْ: بَعْدَ انْقِضَاءِ الْكَلَامِ فِيهِمَا، وَهَذَا تَوْجِيهٌ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ النَّسْخِ بَعْدَهُمَا.
قَوْلُهُ: «وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ عُذْرًا فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى السُّنَّةِ غَيْرُ مَرْضِيٍّ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَزَالِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ النَّسْخَ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْكِتَابِ، وَقَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى السُّنَّةِ، وَاعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّسْخَ أَخَصُّ بِالْقُرْآنِ لِإِشْكَالِهِ وَغُمُوضِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، مَعَ اشْتِبَاهِهِ بِالْبَدَاءِ، وَاسْتِحَالَةِ الْبَدَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى السُّنَّةِ طَوِيلٌ، لِتَعَلُّقِهِ بِبَيَانِ أَحْكَامِ التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ، وَمَرَاتِبِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ; فَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِضَمِّ النَّسْخِ إِلَى الْقُرْآنِ التَّعْدِيلَ بَيْنَهُمَا فِي الْمِقْدَارِ، أَيْ: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي الْقُرْآنِ وَالنَّسْخِ مُعَادِلًا لِلْكَلَامِ فِي السُّنَّةِ مَعَ طُولِهَا، تَحْقِيقًا أَوْ تَقْرِيبًا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ; لِأَنَّ مَقْصِدَهُ الْمَذْكُورَ مَعَ مُنَاسَبَةِ وَضْعِ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعِهَا، طَرْدِيٌّ مَحْضٌ ; فَالْمُنَاسِبُ مُتَعَيِّنُ التَّقْدِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →