Полный текст (2 051 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَلِكَ، وَأَيْضًا كَمَا أَنَّ مُخَالَفَةَ الرَّاوِي لِمَا رَوَاهُ لَا تَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ؛ فَكَذَلِكَ تَرْكُ الْحُكْمِ بِالرِّوَايَةِ لَا يَقْدَحُ فِي الرَّاوِي.
الثَّالِثُ: مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْدِيلُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي، بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ أَنْ لَا مُسْتَنَدَ لِلْعَمَلِ غَيْرُ رِوَايَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لِلْعَمَلِ إِلَّا رِوَايَتُهُ، لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عَمِلَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَافَقَ رِوَايَةَ الرَّاوِي، وَكَانَتْ هِيَ زَائِدَةً، لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهَا.
وَقَدِ اصْطَلَحَ قُضَاةُ الْعَصْرِ وَغَيْرُهُمْ، عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ مَنْ لَا يَثِقُ بِشَهَادَتِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّصْرِيحُ بِرَدِّهَا، يَطْلُبُ زِيَادَةَ شُهُودٍ، حَتَّى تَكْمُلَ الْبَيِّنَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّاهِدِ، وَيَحْكُمُ بِهَا، مُوهِمًا لِذَلِكَ الشَّاهِدِ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ: مَصْلَحَةِ الِاسْتِيثَاقِ لِلْحُكْمِ، وَعَدَمِ تَنْفِيرِ هَذَا الشَّاهِدِ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لِفِسْقِ الْعَامِلِ» ، أَيِ: الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي تَعْدِيلٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَ الْعَامِلِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَمِلَ بِخَبَرِهِ بِدُونِ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ، وَلَوْ عَمِلَ بِخَبَرِهِ بِدُونِ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ لَفُسِّقَ الْعَامِلُ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَامِلًا بِخَبَرِ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ غَيْرِ الْعَدْلِ فِسْقٌ؛ لِأَنَّهُ تَلْبِيسٌ وَغَرَرٌ فِي الدِّينِ، وَغِشٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، إِذْ يُوهِمُهُمْ بِعَمَلِهِ بِخَبَرِ
стр. 702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَا الرَّاوِي عَدَالَتَهُ، وَلَيْسَ بِعَدْلٍ؛ فَيَغْتَرُّونَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَقَالَ: الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ. وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ «الْمُخْتَصَرِ» فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ فِيهَا نَوْعُ إِشْكَالٍ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صِيغَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مَرَّتَيْنِ؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ نُوَضِّحَهَا بِعِبَارَةٍ أُخْرَى؛ فَنَقُولُ:
الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعِلْمِ بِانْحِصَارِ مُسْتَنَدِ الْعَمَلِ فِيهِ، أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ؛ فَهُوَ تَعْدِيلٌ لَهُ، وَإِلَّا لَفَسَقَ الْعَامِلُ، لِكَوْنِهِ تَلْبِيسًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْعِلْمِ بِانْحِصَارِ مُسْتَنَدِ الْعَمَلِ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا، لِجَوَازِ اسْتِنَادِ الْعَمَلِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: وَفِي كَوْنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ تَعْدِيلًا لَهُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، قِيَاسًا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَالْحُكْمُ بِرِوَايَتِهِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ قَدْ رَوَوْا عَنِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِ، وَعَنِ الضَّعِيفِ وَغَيْرِهِ.
وَالْحَقُّ - يَعْنِي التَّحْقِيقَ فِي هَذَا - أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِ الرَّاوِي، أَوْ عَادَتِهِ، أَوْ صَرِيحِ قَوْلِهِ، أَنَّهُ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ، وَلَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ، كَانَتْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا لِمَنْ رَوَى عَنْهُ، كَمَا سُئِلَ مَالِكٌ ﵁ عَنْ رَجُلٍ: هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ
стр. 703
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلسَّائِلِ: أَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَوْ كَانَ حُجَّةً، لَرَأَيْتَهُ. أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ. فَاسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ حُجَّةٍ ثَبْتٍ، وَلِهَذَا قِيلَ: إِذَا ذُكِرَ الْحَدِيثُ؛ فَمَالِكٌ النَّجْمُ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِ الرَّاوِي، أَوْ عَادَتِهِ، أَوْ صَرِيحِ قَوْلِهِ، أَوْ دَلَالَتِهِ الظَّاهِرَةِ، كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ، لَمْ تَكُنْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا لِمَنْ رَوَى عَنْهُ، إِذْ قَدْ يَرْوِي الشَّخْصُ عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ، لَسَكَتَ؛ إِمَّا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، أَوْ تَفْوِيضًا إِلَى السَّائِلِ أَمْرَ الْبَحْثِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «وَقَوْلُهُ: سَمِعْتُ فُلَانًا صَدَقَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَوْ لَمْ تَكُنْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا لِلرَّاوِي، لَكَانَ غَاشًّا فِي الدِّينِ، إِذْ قَدْ يَرْوِي عَمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَيُوهِمُ النَّاسَ عَدَالَتَهُ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ، حَيْثُ يَقُولُ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ كَذَا.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ: سَمِعْتُ فُلَانًا صَدَقَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَالَةُ فُلَانٍ، إِذْ قَدْ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مِنَ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا تَرْكُهُ بَيَانَ حَالِهِ؛ فَلَعَلَّهُ جَهِلَ حَالَهُ؛ فَرَوَى عَنْهُ، وَوَكَّلَ الْبَحْثَ عَنْ حَالِهِ إِلَى مَنْ أَرَادَ قَبُولَ رِوَايَتِهِ، أَيْ: جَعَلَهُ مَوْكُولًا، أَيْ: مُفَوَّضًا إِلَيْهِ.
يُقَالُ: وَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ، أَيْ: فَوَّضْتُهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ مَقْصُودَ الرِّوَايَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: حِفْظُ السُّنَّةِ بِطُرُقِهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
الثَّانِي: تَبْيِينُ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا.
وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ هِيَ وَظِيفَةُ الْمُحَدِّثِينَ، لَكِنَّ بَعْضَهُمُ الْتَزَمَهُمَا جَمِيعًا،
стр. 704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ صَنَّفَ الصَّحِيحَ، وَمِنْهُمْ مَنِ الْتَزَمَ الْأَوَّلَ فَقَطْ، وَهُوَ حِفْظُ السُّنَّةِ بِطُرُقِهَا، ثُمَّ قَالَ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ مَقَالِهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَا قَدْ حَفِظْتُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ السُّنَّةَ؛ فَانْظُرُوا أَنْتُمْ فِيهَا؛ فَاعْمَلُوا بِصَحِيحِهَا، وَدَعُوا سَقِيمَهَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مُسْنَدِ أَحْمَدَ ﵁، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ جَوَامِعِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّ أَحْمَدَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ الْقَوِيَّ وَاللَّيِّنَ، وَقَالَ: كُلُّ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ؛ فَارْجِعُوا فِيهِ إِلَى هَذَا الْمُسْنَدِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا لَهُ أَصْلًا فِيهِ؛ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ فَإِنِّي قَدِ انْتَقَيْتُهُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ؛ فَبَيَّنَ أَحْمَدُ ﵁، أَنَّ مَقْصُودَهُ فِي مُسْنَدِهِ تَدْوِينُ السُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ، لَا بَيَانُ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا، ثُمَّ لَمَّا احْتَاجَ عِنْدَ الْعَمَلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ، فِي مَسَائِلِهِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُ، كَـ «جَامِعِ الْخِلَالِ» ، وَ «زَادِ الْمُسَافِرِ» وَ «مَسَائِلِ حَرْبٍ» ، وَكِتَابِ «الْعِلَلِ» ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ، وَهُوَ كَثِيرُ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 705
السَّابِعَةُ: الْجُمْهُورُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ، لَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ. وَقِيلَ: إِلَى أَوَانِ الْخِلَافِ لِشَيَاعِ الْمُخْطِئِ مِنْهُمْ فِيهِمْ. وَقِيلَ: هُمْ كَغَيْرِهِمْ.
لَنَا: ثَنَاءُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ، نَحْوَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ، «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ، إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا، لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي، وَسَلْبُهُمُ الْعَدَالَةَ أَذًى لَهُ فِيهِمْ. ثُمَّ فِيمَا تَوَاتَرَ مِنْ صَلَاحِهِمْ، وَطَاعَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ غَايَةُ التَّعْدِيلِ.
وَالصَّحَابِيُّ: مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ ﷺ ، وَلَوْ سَاعَةً، أَوْ رَآهُ، مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ، إِذْ حَقِيقَةُ الصُّحْبَةِ: الِاجْتِمَاعُ بِالْمَصْحُوبِ. وَقِيلَ: مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ عُرْفًا. وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ، وَغَزَا مَعَهُ غَزَاةً أَوْ غَزَاتَيْنِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ عَنْهُ، أَوْ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ هُوَ مُتَّهَمٌ بِتَحْصِيلِ مَنْصِبِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَفْرِيعُ قَبُولِ قَوْلِهِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ، إِذْ عَدَالَتُهُمْ فَرْعُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَوْ أُثْبِتَتِ الصُّحْبَةُ بِهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: الْجُمْهُورُ» ، أَيْ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ عُدُولٌ مُطْلَقًا، لَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ. وَقِيلَ: إِلَى أَوَانِ الْخِلَافِ، أَيْ: لَمْ يَزَالُوا عُدُولًا، حَتَّى وَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَهُمْ، وَاقْتَتَلُوا؛ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ صَارُوا فِئَتَيْنِ، وَالْحَقُّ بِالضَّرُورَةِ لَا يَكُونُ فِي الطَّرَفَيْنِ. فَإِحْدَاهُمَا عَلَى بَاطِلٍ قَطْعًا؛ فَهِيَ فَاسِقَةٌ، لَكِنَّ الْفَاسِقَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لِاشْتِبَاهِ الْأَمْرِ؛ فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ رَدَّ قَوْلَ الْجَمِيعِ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْفَاسِقِ مِنْهُمْ مِنَ الْعَدْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ، دُونَ حَالَةِ مُعَارَضَةِ غَيْرِهِ لَهُ، لِعَدَمِ تَمْيِيزِ
стр. 706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَدْلِ، وَهَذَا يُعْزَى إِلَى بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، أَحْسَبُهُ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ وَأَصْحَابَهُ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: «لِشَيَاعِ الْمُخْطِئِ مِنْهُمْ» ، أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، «فِيهِمْ» أَيْ: لِصَيْرُورَتِهِ شَائِعًا لَا يُعْرَفُ، وَالضَّمِيرُ فِي «مِنْهُمْ» ، وَ «فِيهِمْ» عَائِدٌ إِلَى الصَّحَابَةِ.
وَقِيلَ: هُمْ كَغَيْرِهِمْ أَيْ مِنْ رُوَاةِ الْأُمَّةِ، يُبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْعَدْلِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: ثَنَاءُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِعَدَالَتِهِمْ مُطْلَقًا. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ اللَّهَ ، وَرَسُولَهُ، ﷺ ، أَثْنَيَا عَلَيْهِمْ، وَكُلُّ مَنْ أَثْنَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ عَدْلٌ؛ فَالصَّحَابَةُ عُدُولٌ.
أَمَّا ثَنَاءُ اللَّهِ ، وَرَسُولِهِ عَلَيْهِمْ؛ فَدَلِيلُهُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ﴾ فَتْحًا قَرِيبًا [الْفَتْحِ: ١٨] ، يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، لِهَذَا سُمِّيَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَضِيَ عَنْهُمْ لِأَجْلِهَا، وَاللَّهُ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ؛ فَدَلَّ رِضَاهُ عَنْهُمْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢٩] ، وَالْكُفَّارُ لَا يُغَاظُونَ إِلَّا بِالْمُؤْمِنِينَ الْعُدُولِ، إِذِ الْفُسَّاقُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عَنْهُمْ، حَتَّى يَكُونُوا مِنْ جُنْدِ الْإِيمَانِ، وَيُغَاظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ، وَقَالَ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] ، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] ، وَالْخِطَابُ مَعَ الصَّحَابَةِ، وَالْوَسَطُ وَخَيْرُ النَّاسِ هُوَ الْعَدْلُ.
وَدَلِيلُهُ مِنَ السُّنَّةِ: مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ:
стр. 707
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَقَالَ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي، وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا، وَأَنْصَارًا، وَأَصْهَارًا.
وَقَالَ: لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي، وَسَلْبُهُمُ الْعَدَالَةَ، أَيِ: الْحُكْمَ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ، أَذًى لَهُ فِيهِمْ؛ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ فَيَكُونُ الْقَوْلُ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَهُوَ سَلْبُهُمُ الْعَدَالَةَ؛ فَاسِدًا.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي؛ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ؛ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي؛ فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ؛ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 708
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَصْحَابِي أَمَنَةُ أُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي، أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ. وَمَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ لَا تُوصَى فِيهِ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ، وَلَا يَكُونُ أَمَنَةً، أَيْ: أَمَانًا لِلْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ فِيمَا تَوَاتَرَ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَلَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ النُّصُوصُ بِتَعْدِيلِهِمْ، لَكَانَ فِيمَا تَوَاتَرَ مِنْ صَلَاحِهِمْ، وَطَاعَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، بِبَذْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي الْجِهَادِ وَطَاعَةِ رَبِّ الْعِبَادِ غَايَةُ التَّعْدِيلِ.
فَأَمَّا مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْخِلَافِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ فِيهِ، بَلْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ؛ فَالْمُصِيبُ مِنْهُمْ لَا نِزَاعَ فِي عَدَالَتِهِ، وَالْمُخْطِئُ مِنْهُمْ لَا يَقْدَحُ خَطَؤُهُ فِي اجْتِهَادِهِ فِي عَدَالَتِهِ، كَالْحَاكِمِ.
стр. 709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. فَهُوَ نَهْيٌ وَتَحْذِيرٌ، لَا إِخْبَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مِنْهُمْ، وَلَا جَرَمَ؛ فَإِنَّهُمُ انْتَهَوْا بِنَهْيِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فَلَمْ يَقْتَتِلُوا قِتَالَ كُفْرٍ وَتَكْفِيرٍ، بَلْ قِتَالَ اجْتِهَادٍ وَتَأْوِيلٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: لَيَخْتَلِجَنَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنِ الْحَوْضِ. الْحَدِيثَ؛ فَالْمُرَادُ بِهِ أَهْلُ الرِّدَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَالصَّحَابِيُّ» ، إِلَى آخِرِهِ. لَمَّا أَثْبَتَ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ، وَجَبَ الْقَوْلُ
стр. 710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الصَّحَابِيِّ، الْمُسْتَحِقِّ لِمَنْصِبِ الْعَدَالَةِ بِتَعْدِيلِ الشَّرْعِ مَنْ هُوَ؟
فَالصَّحَابِيُّ: مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ ﵇ مُطْلَقَ الصُّحْبَةِ، وَلَوْ سَاعَةً، أَوْ لَحْظَةً، وَرَآهُ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ، إِذْ حَقِيقَةُ الصُّحْبَةِ الِاجْتِمَاعُ بِالْمَصْحُوبِ، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا مَعَ ذَلِكَ الْإِيمَانَ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ صَحِبُوهُ وَرَأَوْهُ ﵇، لَا يُسَمَّوْنَ صَحَابَةً بِالِاتِّفَاقِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ شَرْطٌ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الصَّحَابِيِّ.
«وَقِيلَ: مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ» ، أَيْ: وَقِيلَ: الصَّحَابِيُّ: مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، عُرْفًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ: فُلَانٌ صَاحِبُ فُلَانٍ، إِلَّا لِمَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ فِي الْعُرْفِ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ مَعَ الِاجْتِمَاعِ صُحْبَةً، لَكَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ أَصْحَابُ بَعْضٍ، إِذْ أَكْثَرُهُمْ يَحْصُلُ بَيْنَهُمْ ذَلِكَ.
«وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ» ، أَيْ: وَقِيلَ: الصَّحَابِيُّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، سَنَتَيْنِ، «وَغَزَا مَعَهُ غَزَاةً أَوْ غَزَاتَيْنِ» . وَهَذَا فِيمَا أَظُنُّ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَقَدْ رُدَّ بِمِثْلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَصْحَبِ النَّبِيَّ ﷺ ، هَذِهِ الْمُدَّةَ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، وَجَرِيرٌ ﵁ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَالْمَائِدَةُ
стр. 711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ أَوَاخِرَ مَا نَزَلَ، وَفِيهَا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِدْلَالِ، وَمِنْ حَيْثُ التَّارِيخِ؛ فَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْقِيحُ» أَنَّ إِسْلَامَهُ، يَعْنِي: جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ، كَانَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَهِيَ آخِرُ سِنِي الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ: «وَالْأَوَّلُ أَوْلَى» ، أَيْ: أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ صَحِبَهُ مُطْلَقَ الصُّحْبَةِ مَعَ الْإِيمَانِ، أَوْلَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ. أَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ فَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ؛ فَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّ مُشْتَقٌّ مِنَ الصُّحْبَةِ، وَبِمُطْلَقِهَا يَتَحَقَّقُ الِاشْتِقَاقُ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُهَا إِلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، نَحْوَ صُحْبَتِهِ لَحْظَةً، وَسَنَةً، وَدَهْرًا، وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لِيَصْحَبَنَّ فُلَانًا، أَوْ لَا صَحِبْتُ فُلَانًا، حَصَلَ الْحِنْثُ أَوِ الْبِرُّ بِمُطْلَقِ الصُّحْبَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّاحِبَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ، بَلْ هُوَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَيْهِ عَدَمُ إِطْلَاقِهِ عَلَى غَيْرِهِ، بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْإِطْلَاقُ فِي جَمِيعِ
стр. 712
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الصُّحْبَةِ، وَهُوَ مُطْلَقُهَا، نَفْيًا لِلْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ: «وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ عَنْهُ، أَوْ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ» ، أَيْ: وَيُعْلَمُ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ عَنْهُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ التَّعْدِيلِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهِ مَقْبُولٌ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ صَحَابِيًّا، عَدْلًا بِتَعْدِيلِ الشَّرْعِ، أَوْ بِإِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا صَحَابِيٌّ.
قُلْتُ: «وَفِيهِ نَظَرٌ» أَيْ: فِي ثُبُوتِ صُحْبَتِهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِتَحْصِيلِ مَنْصِبِ الصَّحَابَةِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَفْرِيعُ قَبُولِ قَوْلِهِ عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، بِأَنْ يُقَالَ: هَذَا صَحَابِيٌّ عَدْلٌ؛ فَيُقْبَلُ خَبَرُهُ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ فَرْعُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَوْ أُثْبِتَتِ الصُّحْبَةُ بِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.
أَمَّا أَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ فَرْعُ الصُّحْبَةِ؛ فَلِأَنَّا لَا نَحْكُمُ بِهَذِهِ الْعَدَالَةِ إِلَّا لِمَنْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ فَنَقُولُ: هَذَا صَحَابِيٌّ؛ فَيَكُونُ عَدْلًا بِالْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ لَوْ أُثْبِتَتِ الصُّحْبَةُ بِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، لَزِمَ الدَّوْرُ؛ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِثْبَاتُ الْأَصْلِ - وَهُوَ الصُّحْبَةُ - بِالْفَرْعِ - وَهُوَ الْعَدَالَةُ - وَإِثْبَاتُ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ دَوْرٌ مُحَالٌ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ زَعَمَ أَنَّ إِثْبَاتَ صُحْبَةِ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: أَنَا صَحَابِيٌّ، لَا يُلْحِقُ غَيْرَهُ مَضَرَّةً، وَلَا يُوجِبُ تُهْمَةً، وَهُمَا مَمْنُوعَانِ. بَلْ يُوجِبُ تُهْمَةً، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَنْصِبِ الصُّحْبَةِ لِنَفْسِهِ، وَيَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ يَلْزَمُهُمْ قَبُولُ مَا يَرْوِيهِ مَعَ هَذِهِ التُّهْمَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
стр. 713
الثَّامِنَةُ: الرَّاوِي؛ إِمَّا صَحَابِيٌّ، أَوْ غَيْرُهُ.
فَالصَّحَابِيُّ لِأَلْفَاظِ رِوَايَتِهِ مَرَاتِبُ، أَقْوَاهَا أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ، أَوْ حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي، أَوْ أَنْبَأَنِي، أَوْ شَافَهَنِي، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الرِّوَايَةِ، لِعَدَمِ احْتِمَالِهِ.
ثُمَّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ، لِإِشْعَارِهِ بِالسَّمَاعِ ظَاهِرًا، وَعَدَمِ تَدْلِيسِ الصَّحَابَةِ، لَكِنَّهُ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ، لِاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ، كَسَمَاعِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا؛ فَلَا صَوْمَ لَهُ» مِنَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» مِنْ أُسَامَةَ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّامِنَةُ: الرَّاوِي: إِمَّا صَحَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا بَيَانُ مَرَاتِبِ الرِّوَايَةِ، وَأَلْفَاظُ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ بَيَانَ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، لِاخْتِلَالِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِهِ، وَقِسْمَةُ الرَّاوِي إِلَى صَحَابِيِّ وَغَيْرِهِ قِسْمَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ، ﷺ ، أَوْ رَآهُ، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ الصَّحَابِيُّ، وَالثَّانِي غَيْرُهُ.
«فَالصَّحَابِيُّ لِأَلْفَاظِ رِوَايَتِهِ مَرَاتِبُ:
أَقْوَاهَا: أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ، أَوْ حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، أَوْ أَخْبَرَنِي، أَوْ أَنْبَأَنِي، أَوْ شَافَهَنِي فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الرِّوَايَةِ، لِعَدَمِ احْتِمَالِهِ» ، يَعْنِي: الْوَاسِطَةَ، لِقَوْلِهِ ﵇: نَضَرَّ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا. الْحَدِيثَ. نَعَمْ، بَيْنَ سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنِي، وَأَخَوَاتِهَا فَرْقٌ، وَهُوَ أَنَّ حَدَّثَنِي وَنَحْوَهُ: يَكُونُ الرَّاوِي مَقْصُودًا بِالْحَدِيثِ وَلَا بُدَّ، عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، بِخِلَافِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ، إِذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مَقْصُودًا بِالْحَدِيثِ، بَلْ جَازَ أَنَّ
стр. 714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَدِيثَ لِغَيْرِهِ، وَسَمِعَهُ هُوَ، كَمَا فِي شَهَادَةِ الْمُسْتَخْفِي.
قَوْلُهُ: ثُمَّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، أَيْ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كَذَا، هُوَ فِي الْقُوَّةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: سَمِعْتُ، لَكِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ قَوْلِهِ: سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنِي، فِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ لِإِشْعَارِهِ بِهِ ظَاهِرًا، وَعَدَمِ تَدْلِيسِ الصَّحَابَةِ، أَيْ: حُكْمُ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، حُكْمُ قَوْلِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّفْظَ، أَيْ: لَفْظُ قَالَ، مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ.
الثَّانِي: لِعَدَمِ تَدْلِيسِ الصَّحَابَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ سَمَاعُهُ بِوَاسِطَةٍ، مَعَ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، الْمُشْعِرُ ظَاهِرًا بِالسَّمَاعِ، لَكَانَ ذَلِكَ تَدْلِيسًا وَتَلْبِيسًا عَلَى النَّاسِ، وَالصَّحَابَةُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «لَكِنَّهُ دُونَهُ» ، أَيْ: لَكِنَّ قَوْلَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، دُونَ قَوْلِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، «فِي الْقُوَّةِ، لِاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ» ، فِي قَوْلِهِ: قَالَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: قَالَ، هُوَ إِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى الْقَائِلِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ عَدَمِهَا، وَذَلِكَ كَسَمَاعِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِنَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ، ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِلَفْظِ: قَالَ، أَوْ بِلَفْظٍ يُوهِمُهُ. وَكَسَمَاعِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ حَدِيثَيْهِمَا، بَيَّنَا مِمَّنْ سَمِعَا، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ الْعَدْلِ: قَالَ
стр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، لَا يَدُلُّ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ، بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ مُتَرَدِّدٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ لِمَا مَرَّ.
قُلْتُ: مِمَّا يُقَوِّي قَوْلَ الْقَاضِي، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْمَرْوَزِيَّ رَوَى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ فَنَقُولُ: سَمِعْتَهُ؟ فَيَقُولُ: خَرَجَ بِهِ أَصْحَابُهُ إِلَيْنَا.
قُلْتُ: وَالتَّدْلِيسُ الْمُوهِمُ حَرَامٌ عَلَى الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِذَا جَازَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ، جَازَ مِنَ الصَّحَابَةِ.
стр. 716
ثُمَّ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِي قَبْلَهُ، لَكِنَّهُ دُونَهُ، لِاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ، وَاعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا. لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِ الْأَمْرِ إِلَّا بَعْدَ جَزْمِهِ لِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ، وَمَعْرِفَةُ الْأَمْرِ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ اللُّغَةِ، وَهُمْ أَهْلُهَا؛ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ وَنَحْوِهَا خِلَافٌ، وَخِلَافُنَا فِيهِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ.
ثُمَّ أَنْ يَقُولَ: أُمِرْنَا، أَوْ نُهِينَا؛ فَيُحْتَمَلُ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّ الْآمِرَ غَيْرُ الرَّسُولِ ﵇؛ فَرَدَّهُ قَوْمٌ لِذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ قَبُولُهُ، إِذْ مُرَادُ الصَّحَابِيِّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى صُدُورِهِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ، ﷺ ، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلٍ أَخْطَأَ فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَيَخْرُجُ قَبُولُهُ إِذَنْ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ أَمْ لَا.
وَلَا يَتَوَجَّهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوْ جَرَتْ، أَوْ مَضَتِ السُّنَّةُ بِكَذَا؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِرْنَا وَنُهِينَا.
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا» .
هَذِهِ الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ، «فَحُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِي قَبْلَهُ» ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي حَمْلِهِ عَلَى السَّمَاعِ، لَكِنَّهُ دُونَ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: احْتِمَالُ الْوَاسِطَةِ فِي قَوْلِهِ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، أَوْ نَهَى، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، يَحْتَمِلُ الْوَاسِطَةَ أَيْضًا؛ فَلَا يَصِحُّ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ فِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، وَاحْتِمَالِهَا فِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، نَعَمِ احْتِمَالُ الْوَاسِطَةِ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَقْوَى مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُ مَنْ يَرْوِي أَمْرَ الرَّسُولِ وَنَهْيَهُ؛ فَيَحْكِيهِ عَنْهُ، وَيُضِيفُهُ إِلَى الرَّسُولِ بِوَاسِطَةِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، أَقْرَبُ وَأَكْثَرُ مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ، مَعَ إِرَادَةِ الْوَاسِطَةِ.
стр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ لَفْظَ قَالَ لَفْظٌ خَبَرِيٌّ لَا احْتِمَالَ فِيهِ، وَلَا اشْتِبَاهَ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مُشْتَبِهٌ فِي صِيَغِهِ وَمَعَانِيهِ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ اعْتَقَدَ مَا لَيْسَ أَمْرًا أَمْرًا، وَمَا لَيْسَ نَهْيًا نَهْيًا، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا حُجَّةَ فِيهِ مَا لَمْ يُنْقَلِ اللَّفْظُ، لَكِنْ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، إِلَّا بَعْدَ جَزْمِهِ بِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ؛ فَيَكُونُ هَذَا الظَّاهِرُ رَاجِحًا عَلَى ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَا نُقِلَ الْأَمْرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَمْرِ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ اللُّغَةِ، وَهُمْ - يَعْنِي الصَّحَابَةَ - أَهْلُ اللُّغَةِ؛ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ لَفْظُ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَنَحْوِهَا خِلَافٌ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الرَّاوِيَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ مِنْ لُغَتِهِمْ، مِنْ غَيْرِ اشْتِبَاهٍ وَلَا احْتِمَالٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْأَمْرِ فِيمَا بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ ﵃ بِكَثِيرٍ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِيهِ، وَاشْتِبَاهَهُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ أَنْ يَقُولَ: أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا» . هَذِهِ الرُّتْبَةُ الرَّابِعَةُ؛ فَيُحْتَمَلُ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّ الْآمِرَ غَيْرُ الرَّسُولِ، أَمَّا الِاحْتِمَالَاتُ السَّابِقَةُ؛ فَهِيَ احْتِمَالُ الْوَاسِطَةِ، وَاحْتِمَالُ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَمْرًا، وَاحْتِمَالُ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِنَهْيٍ نَهْيًا؛ فَهَذِهِ
стр. 718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ احْتِمَالَانِ، وَهُمَا قَائِمَانِ فِي قَوْلِهِ: أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا، وَيَزِيدُ عَلَى مَا سَبَقَهُ مِنَ الْمَرَاتِبِ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْآمِرَ غَيْرُ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِي قَوْلِهِ: أُمِرْنَا غَيْرُ مُسَمًّى، «فَرَدَّهُ قَوْمٌ» وَهُوَ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ، أَيْ: مَنَعُوا إِضَافَةَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، «لِذَلِكَ» أَيْ: لِعَدَمِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ قَطْعًا؛ فَلَا يُضَافُ إِلَى الرَّسُولِ بِالِاحْتِمَالِ «وَالْأَظْهَرُ قَبُولُهُ» ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ، ﷺ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الصَّحَابِيِّ إِنَّمَا هُوَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، أَيْ: بِقَوْلِهِ: أُمِرْنَا؛ فَيَجِبُ حَمْلُهُ، أَيْ: حَمْلُ الْأَمْرِ، عَلَى صُدُورِهِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ ﵇، إِذْ غَيْرُهُ لَا حُجَّةَ فِي أَمْرِهِ، وَلِأَنَّ الْعُرْفَ، أَنَّ الْمَرْءُوسَ إِذَا قَالَ: أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا، أَنَّهُ يُرِيدُ رَئِيسَهُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «لَكِنَّهُ» ، أَيْ: لَكِنَّ قَوْلَهُ: أُمِرْنَا، «يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْرَ اللَّهِ» ، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِكَذَا، «بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِ» آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ «أَخْطَأَ الصَّحَابِيُّ فِيهِ» ، أَيْ: فِي التَّأْوِيلِ «فِي نَفْسِ الْأَمْرِ» .
وَمِثَالُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، حِينَ صَامَ بِالْمَدِينَةِ رَمَضَانَ، بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ، بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؛ فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَا تَرْضَى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّمَا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ؛ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ؛ بِنَاءً
стр. 719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْهُ عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﵇: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، عَلَى مَا ذُكِرَ.
وَإِنَّمَا مُرَادُ الْحَدِيثِ مَا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، لَا مُطْلَقًا. أَمَّا إِذَا رُئِيَ فِي بَعْضِهَا؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ رُئِيَ فِي جَمِيعِهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ؛ فَكَانَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، بِنَاءً مِنْهُ عَلَى إِجْرَائِهِ الْحَدِيثَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ لِلرُّؤْيَةِ، وَفِيهِ مَا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ، لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أُمِرْنَا أَنْ نَرُدَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الزَّوْجِ الثَّانِي عَلَيْهَا، بِنَاءًا عَلَى تَأْوِيلِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ، عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فِيهِ الْعَقْدُ، «فَيَخْرُجُ قَبُولُ قَوْلِهِ» : أُمِرْنَا «عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ أَمْ لَا» ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ هُوَ مَذْهَبُهُ. وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِمَذْهَبِهِ خِلَافٌ، يُذْكَرُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَتَوَجَّهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوْ جَرَتِ السُّنَّةُ، أَوْ مَضَتِ السُّنَّةُ بِكَذَا» .
أَيِ: الْخَطَأُ فِي تَأْوِيلِ الْأَمْرِ، لَا يَتَّجِهُ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، وَنَحْوَهُ، نَقْلٌ مُجَرَّدٌ، لَا اجْتِهَادَ فِيهِ، وَالْخَطَأُ فِي قَوْلِهِ: أُمِرْنَا، عَلَى
стр. 720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، إِنَّمَا جَاءَ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي لَفْظِ النَّصِّ، حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِمَا لَيْسَ آمِرًا بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: «فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِرْنَا وَنُهِينَا» ، أَيْ: قَوْلُهُ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوْ جَرَتِ السُّنَّةُ، أَوْ مَضَتِ السُّنَّةُ بِكَذَا، كَقَوْلِهِ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنِينَ؛ فَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، وَنَحْوُهُ، حُكْمُهُ: حُكْمُ أُمِرْنَا وَنُهِينَا، فِي أَنَّ الْأَظْهَرَ إِضَافَتُهُ إِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ، ﷺ ، لَا غَيْرِهِ، مَعَ احْتِمَالِهِ مَا سَبَقَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ، وَهُوَ وُقُوعُ الْوَاسِطَةِ بَيْنَ هَذَا الرَّاوِي، وَبَيْنَ سُنَّةِ الرَّسُولِ، بِأَنْ يَكُونَ إِمَّا عَرَفَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ السُّنَّةِ بِوَاسِطَةٍ، وَاحْتِمَالِ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا.
فَأَمَّا احْتِمَالُ أَنَّ الْآمِرَ غَيْرُ الرَّسُولِ؛ فَلَا يَتَّجِهُ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا لَفْظُ أَمْرٍ يَسْتَدْعِي آمِرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ هَذَا الِاحْتِمَالِ فِي قَوْلِهِ: أُمِرْنَا، احْتِمَالُ تَرَدُّدِ قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ، بَيْنَ سُنَّةِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْأَظْهَرَ إِضَافَتُهُ إِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ ﵇، لِتَبَادُرِهَا إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي سُنَّةِ الرَّسُولِ، وَسُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - وَإِنْ كَانَتْ حُجَّةً أَيْضًا، وَاللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهَا - لَكِنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَسُنَّةُ الرَّسُولِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا؛ فَحَمْلُ أَمْرِ الصَّحَابِيِّ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ، عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَوْلَى.
стр. 721
وَقَوْلُ التَّابِعِيِّ وَالصَّحَابِيِّ، فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ، إِلَّا أَنَّ الْحُجَّةَ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَظَهَرُ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ، أَوْ: كَانُوا يَفْعَلُونَ، نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نُفَاضِلُ، وَكُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقَوْلُ عَائِشَةَ: كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ. فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ، دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، أَوْ وُجُوبِهِ، عَلَى حَسْبِ مَفْهُومِ لَفْظِ الرَّاوِي، إِذْ ذِكْرُهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَلَغَ النَّبِيَّ، ﷺ ؛ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: كَانُوا يَفْعَلُونَ. لَا يُفِيدُ الْإِجْمَاعَ عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ نَقْلٌ لَهُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، قَالَ: وَيُقْبَلُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: هَذَا الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ، وَيُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ.
ــ
قَوْلُهُ «وَقَوْلُ التَّابِعِيِّ وَالصَّحَابِيِّ، فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ، ﷺ ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ» ، سَوَاءٌ، أَيْ: قَوْلُ الرَّاوِي: مِنَ السُّنَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ تَابِعِيًّا أَوْ صَحَابِيًّا، فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَضَافَ السُّنَّةَ إِلَى مَنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِإِضَافَتِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ، ﷺ ، لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَظَهَرُ مِنْهَا فِي قَوْلِ التَّابِعِيِّ، لِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ، وَكَوْنِهِ شَاهَدَ مَا لَمْ يُشَاهِدْ، وَكَوْنِهِ عَدْلًا بِالنَّصِّ، بِخِلَافِ التَّابِعِيِّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَوْلُنَا: «فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ» هُوَ تَقْسِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابِيِّ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: مِنَ السُّنَّةِ، وَالرَّسُولُ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ. أَمَّا التَّابِعِيُّ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا وَالرَّسُولُ مَيِّتٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَهُ وَالرَّسُولُ حَيٌّ، لَكَانَ صَحَابِيًّا، اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، مِمَّنْ عَاصَرَ الرَّسُولَ وَلَمْ يَلْقَهُ، كَكَعْبِ الْأَحْبَارِ،
стр. 722
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ الصُّنَابِحِيِّ، وَنَحْوِهِمَا؛ فَهَؤُلَاءِ يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعُوا السُّنَّةَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ، ﷺ ، ثُمَّ يَقُولُونَ فِي حَيَاتِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، إِلَّا أَنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا، وَلَمْ نَعْلَمْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ» ، هَذِهِ الرُّتْبَةُ الْخَامِسَةُ، وَهِيَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَلُ، أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا.
نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «كُنَّا نُفَاضِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ؛ فَنَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ؛ فَيَبْلُغُ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ؛ فَلَا يُنْكِرُهُ» .
стр. 723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: «كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ، يَعْنِي: نُزَارِعُ مُخَابَرَةً، كَمَا عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَهْلَ خَيْبَرَ فِي مُزَارَعَةِ أَرْضِهِمْ.
«وَقَوْلُ عَائِشَةَ: كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» ، أَيْ: لَا يَقْطَعُونَ السَّارِقَ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا شَرْعِيًّا.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ أُضِيفَ» ، يَعْنِي قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَ، «إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ» ، بِأَنْ قَالَ: كُنَّا نَفْعَلُ أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، «دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ أَوْ وُجُوبِهِ» ، أَيْ: جَوَازُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، أَوْ وُجُوبُهُ «عَلَى حَسْبِ مَفْهُومِ لَفْظِ الرَّاوِي» ، أَيْ: عَلَى حَسْبِ مَا فُهِمَ مِنْهُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ مِنْ جَوَازٍ، أَوْ وُجُوبٍ، أَوْ نَدْبٍ.
стр. 724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ أَوْ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ؛ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَلَغَ النَّبِيَّ، ﷺ ؛ فَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ ، حُجَّةٌ كَمَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ» ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُضَفْ قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ وَكَانُوا يَفْعَلُونَ، إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ، لَمْ يُفِدْ أَنَّهُ حَجَّةٌ، إِذِ الْحُجَّةُ فِي إِقْرَارِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي غَيْرِ عَهْدِهِ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ؛ فَحَكَاهُ هَذَا الرَّاوِي عَنْهُمْ، وَلَفْظُهُ - وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي اتِّفَاقَ جَمِيعِهِمْ عَلَيْهِ - غَيْرَ أَنَّهُ غَيْرُ قَاطِعٌ فِيهِ، بَلْ هُوَ مَظْنُونٌ؛ فَلِذَلِكَ سَاغَ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَوْلُهُ: كَانُوا يَفْعَلُونَ» ، إِلَى آخِرِهِ. لَيْسَتْ هَذِهِ رُتْبَةٌ سَادِسَةٌ لِلَفْظِ الرَّاوِي؛ لِأَنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ فِي الرُّتْبَةِ الْخَامِسَةِ الَّتِي تَكَلَّمْنَا فِيهَا آنِفًا، بَلْ هُوَ كَلَامٌ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا هَلْ تُفِيدُ الْإِجْمَاعَ أَمْ لَا؟
وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا أَوَّلًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ وَالْحُجَّةُ أَعَمُّ مِنَ الْإِجْمَاعِ.
فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي: كَانُوا يَفْعَلُونَ، إِنْ أُضِيفَ إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ فَهُوَ حُجَّةٌ إِقْرَارِيَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يُضَفْ إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ فَلَيْسَ حُجَّةً إِقْرَارِيَّةً.
وَهَلْ يَكُونُ حُجَّةً إِجْمَاعِيَّةً؟ فِيهِ خِلَافٌ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: كَانُوا يَفْعَلُونَ «لَا يُفِيدُ الْإِجْمَاعَ عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ» ، أَيْ: لَا يُفِيدُ إِضَافَةَ الْفِعْلِ الْمَحْكِيِّ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ مِنْ ذَلِكَ الْعَصْرِ، مَا لَمْ يُصَرَّحْ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَنْ أَهْلِهِ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، «وَهُوَ نَقْلٌ لَهُ» ، أَيْ: هَذَا اللَّفْظُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: كَانُوا يَفْعَلُونَ نَقْلٌ لِلْإِجْمَاعِ
стр. 725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ» .
قُلْتُ: يُشْبِهُ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، وَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُفِيدُ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَى الْجَمَاعَةِ ظَنًّا لَا قَطْعًا. صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ فِي صِيغَةِ: كُنَّا نَفْعَلُ، وَالصِّيغَتَانِ وَاحِدَةٌ. وَلِقَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ قُوَّةٌ وَظُهُورٌ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّاوِيَ؛ إِنَّمَا يَذْكُرُ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: «قَالَ» - يَعْنِي أَبَا الْخَطَّابِ -: «وَيُقْبَلُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: هَذَا الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ، وَيُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ» ، هَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: قَبُولُ قَوْلِهِ: هَذَا الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْإِخْبَارِ بِالنَّسْخِ نَصًّا جَازِمًا؛ فَيُحْمَلُ عَلَى عِلْمِهِ بِهِ، دَفْعًا لِلْكَذِبِ عَنْهُ، وَالْغِشِّ وَالتَّلْبِيسِ مِنْهُ عَلَى النَّاسِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: لَا يُقْبَلُ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِ ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْهُ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: إِنْ قَالَ: هَذَا الْخَبَرُ نَسَخَ ذَاكَ الْخَبَرَ، لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ قَالَ: هُوَ مَنْسُوخٌ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا؛ فَهُوَ قَاطِعٌ بِهِ. وَضَعَّفَ هَذَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
قُلْتُ: الِاحْتِمَالُ فِي قَوْلِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ، قَائِمٌ؛ فَهُوَ يُفِيدُ النَّسْخَ ظَنًّا لَا قَطْعًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِ الْخَبَرِ إِلَى الصَّحَابِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا سَمِعَ، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّفْسِيرُ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ كَمَا فَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ حَدِيثَ: الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. بِتَفَرُّقِ الْأَبْدَانِ، حَيْثُ كَانَ إِذَا بَاعَ أَوِ اشْتَرَى شَيْئًا،
стр. 726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَمْشِي خُطُوَاتٍ، لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ، وَحَدِيثِ: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ. بِصَوْمِهِ يَوْمَ الْغَيْمِ، وَرُبَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ: قَدْ بَانَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ أَنَّ لِأَلْفَاظِ الصَّحَابِيِّ خَمْسَ مَرَاتِبَ:
الْأُولَى: أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، أَوْ حَدَّثَنِي، وَنَحْوَهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْوَاسِطَةِ بِاتِّفَاقٍ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا. وَهَاتَانِ مَحْمُولَتَانِ عَلَى عَدَمِ الْوَاسِطَةِ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا؛ فَهُوَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَمْرِهِ ﵇، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ.
الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ. إِنْ أُضِيفَ إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ فَهُوَ حُجَّةٌ إِقْرَارِيَّةٌ، وَإِلَّا فَلَا.
فَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ؛ فَقِيلَ: يُحْمَلُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَقِيلَ: لَا.
стр. 727
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ (عَنْ) مَعْنَاهَا الْمُجَاوَزَةُ؛ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، جَاوَزَ الْقَوْلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَيَّ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ فَمَنْ رَجَّحَ تَحْسِينَ الظَّنِّ بِالصَّحَابِيِّ، حَمَلَهُ عَلَى السَّمَاعِ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى احْتِمَالِ قِيَامِ الْوَاسِطَةِ، وَرَجَّحَ جَانِبَ الِاحْتِيَاطِ، لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَيْهِ. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي غَيْرِ الصَّحَابِيِّ؛ إِذَا قَالَ: عَنْ فُلَانٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ بِتَدْلِيسٍ، فَإِنْ عُرِفَ بِتَدْلِيسٍ؛ فَالْوَجْهَانِ أَيْضًا، لَكِنْ يَصِيرُ تَدْلِيسُهُ قَرِينَةً مُرَجِّحَةً لِعَدَمِ السَّمَاعِ، وَكَانَ قَتَادَةُ مُدَلِّسًا؛ فَكَانَ شُعْبَةُ يُرَاعِي لَفْظَهُ، فَإِنْ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا مَثَلًا كَتَبَ عَنْهُ، وَإِنْ قَالَ: عَنْ أَنَسٍ، لَمْ يَكْتُبْ.
انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى مَرَاتِبِ لَفْظِ الصَّحَابِيِّ.
стр. 728
أَمَّا غَيْرُ الصَّحَابِيِّ؛ فَلِكَيْفِيَّةِ رِوَايَتِهِ مَرَاتِبُ:
إِحْدَاهَا: سَمَاعُهُ قِرَاءَةَ الشَّيْخِ، فِي مَعْرِضِ إِخْبَارِهِ، لِيَرْوِيَ عَنْهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ، وَقَالَ، وَحَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْرَأَ هُوَ عَلَى الشَّيْخِ؛ فَيَقُولَ: نَعَمْ، أَوْ يَسْكُتَ؛ فَلَهُ الرِّوَايَةُ، لِظُهُورِ الصِّحَّةِ وَالْإِجَابَةِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ، إِلَّا مَعَ مُخَيَّلَةِ غَفْلَةٍ أَوْ إِكْرَاهٍ؛ فَلَا يَكْفِي السُّكُوتُ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنَا، وَحَدَّثَنَا فُلَانٌ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَبِدُونِ: قِرَاءَةٍ عَلَيْهِ، فِيهِ رِوَايَتَانِ: الْمَنْعُ، لِإِيهَامِ السَّمَاعِ فِي لَفْظِهِ، وَهُوَ كَذِبٌ. وَالْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا كَقَوْلِ الشَّاهِدِ عَلَى مُقِرٍّ «بِنَعَمْ» : أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا وَكَذَا.
وَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّاوِي إِبْدَالُ قَوْلِ الشَّيْخِ: أَخْبَرَنَا. «بِحَدَّثَنَا» ، أَوْ عَكْسُهُ، فِيهِ رِوَايَتَانِ: الْجَوَازُ، لِاتِّحَادِ الْمَعْنَى لُغَةً. وَالْمَنْعُ، لِاخْتِلَافِهِ اصْطِلَاحًا.
ــ
قَوْلُهُ: «أَمَّا غَيْرُ الصَّحَابِيِّ» ، يَعْنِي كَالتَّابِعِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ، «فَلِكَيْفِيَّةِ رِوَايَتِهِ مَرَاتِبُ: إِحْدَاهَا: سَمَاعُهُ قِرَاءَةَ الشَّيْخِ، فِي مَعْرِضِ إِخْبَارِهِ، لِيَرْوِيَ عَنْهُ» ، أَيْ: سَمَاعُ الرَّاوِي قِرَاءَةَ الشَّيْخِ لِلْحَدِيثِ، عَلَى جِهَةِ إِخْبَارِهِ لِلرَّاوِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَتِهِ، لِيَرْوِيَ الرَّاوِي عَنْهُ؛ فَلَهُ، أَيْ: فَلِلرَّاوِي أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ فُلَانًا، يَعْنِي شَيْخَهُ الْمَذْكُورَ، يَقُولُ: كَذَا، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ، وَحَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ جَمِيعَهَا صَادِقَةٌ عَلَى السَّمَاعِ لُغَةً، وَالسَّمَاعُ صَادِقٌ عَلَيْهَا.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْرَأَ هُوَ، يَعْنِي الرَّاوِيَ، عَلَى الشَّيْخِ؛ فَيَقُولَ الشَّيْخُ: نَعَمْ، أَوْ يَسْكُتَ؛ فَلَهُ الرِّوَايَةُ، عَنْهُ بِذَلِكَ، لِظُهُورِ الصِّحَّةِ وَالْإِجَابَةِ، أَيْ: لِأَنَّ قَوْلَ
стр. 729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّيْخِ: نَعَمْ، فِي سِيَاقِ قِرَاءَةِ الرَّاوِي عَلَيْهِ، ظَاهِرٌ فِي أَنَّ رِوَايَةَ الشَّيْخِ لِلْحَدِيثِ صَحِيحَةٌ، وَفِي أَنَّهُ أَجَابَ الرَّاوِي إِلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ «خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ» .
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، أَنَّ خِلَافَهُمْ فِيمَا إِذَا سَكَتَ الشَّيْخُ، فَلَمْ يَعْتَرِفْ، وَلَمْ يُنْكِرْ، بِإِشَارَةٍ وَلَا عِبَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي دَلِيلِهِ: وَلَنَا: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، لَمْ يَسْكُتْ؛ فَحَصَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ بِحَالَةِ السُّكُوتِ. وَإِنْكَارُ الرِّوَايَةِ مَعَ السُّكُوتِ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَيْضًا، وَكَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ السَّاكِتَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلٌ، وَإِلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَدَمُ الْكَلَامِ؛ فَلَا يُفِيدُ ثُبُوتَ الرِّوَايَةِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ السَّاكِتَ مَعَ الْقَرِينَةِ كَالنَّاطِقِ، وَلِهَذَا كَانَ إِقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ ، عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي تَنْتَهِي إِلَيْهِ حُجَّةً، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ السُّكُوتِ مَعَ قَرِينَةِ الرِّضَى. وَسُكُوتُ الشَّيْخِ فِي مَعْرِضِ قِرَاءَةِ الرَّاوِي عَلَيْهِ، يُفِيدُ الْإِخْبَارَ وَالْإِذْنَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَإِلَّا كَانَ تَلْبِيسًا فِي الدِّينِ، وَهُوَ فِسْقٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
فَأَمَّا إِذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ؛ فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ قَالَ: أَخْبَرَكَ فُلَانٌ بِكَذَا؛ فَقَالَ: نَعَمْ؛ فَلَا يَتَّجِهُ فِيهِ خِلَافٌ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ سَمِعَ الرَّاوِي قِرَاءَةَ الشَّيْخِ يُحَدِّثُهُ.
قَوْلُهُ: «إِلَّا مَعَ مُخَيَّلَةِ غَفْلَةٍ، أَوْ إِكْرَاهٍ؛ فَلَا يَكْفِي السُّكُوتُ» ، يَعْنِي سُكُوتَ الشَّيْخِ فِيمَا إِذَا قَرَأَ الرَّاوِي عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ مَعَ تَنَبُّهِهِ فَهُوَ كَافٍ فِي الرِّوَايَةِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةُ غَفْلَةٍ مِنَ الشَّيْخِ، أَوْ إِكْرَاهٌ لَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ، أَوْ أَمْرٌ يُحِيلُ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ كَافِيًا فِي الرِّوَايَةِ، كَمَا سَبَقَ فِي إِقْرَارِ النَّبِيِّ ﵇، إِنْ كَانَ مَعَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ
стр. 730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى الْإِنْكَارِ، كَانَ حُجَّةً، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ لَهُ» ، أَيْ: لِلرَّاوِي «أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ» ، وَ «حَدَّثَنَا فُلَانٌ قِرَاءَةً عَلَيْهِ» ؛ لِأَنَّهُ حَكَى حَالَهُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ صَادِقٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُ مُطَابِقٌ. وَبِدُونِ: «قِرَاءَةً عَلَيْهِ» ، أَيْ: إِذَا قَالَ الرَّاوِي فِيمَا قَرَأَهُ عَلَى الشَّيْخِ وَهُوَ سَاكِتٌ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ بِكَذَا، وَلَمْ يَقُلْ: «قِرَاءَةً عَلَيْهِ» ؛ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ السَّمَاعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَهُوَ كَذِبٌ فِي الرِّوَايَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، أَيْ: سُكُوتُ الشَّيْخِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الرَّاوِي عَلَيْهِ، هُوَ فِي مَعْنَى سَمَاعِ الرَّاوِي مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ؛ فَاقْتِصَارُهُ عَلَى أَخْبَرَنَا لَا يَكُونُ كَذِبًا فِي الْحَقِيقَةِ.
قَوْلُهُ: «وَهَذَا كَقَوْلِ الشَّاهِدِ عَلَى مُقِرٍّ بِـ نَعَمْ: أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا وَكَذَا» . هَذَا تَقْوِيَةٌ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ قِيلَ لَهُ: أَلِفُلَانٍ عَلَيْكَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَثَلًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ لِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، مَعَ أَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إِلَّا قَوْلُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ: نَعَمْ؛ فَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا أَيْسَرُ مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ نَعَمْ حَرْفُ تَقْرِيرٍ لِمَا قَبْلَهُ؛ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ؛ فَقَوْلُ الشَّيْخِ: نَعَمْ، تَقْدِيرُهُ: نَعَمْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا. وَقَوْلُ الْمُقِرِّ: نَعَمْ، تَقْدِيرُهُ: نَعَمْ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ؛ فَالْجُمْلَةُ مُرَادَةٌ فِي الْحُكْمِ وَالتَّقْدِيرِ، لَكِنَّهَا حُذِفَتْ، لِظُهُورِهَا بِقَرِينَةِ الْحَالِ عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي الِاخْتِصَارِ.
قَوْلُهُ: «وَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّاوِي إِبْدَالُ قَوْلِ الشَّيْخِ: أَخْبَرَنَا، بِحَدَّثَنَا أَوْ عَكْسُهُ» ، يَعْنِي:
стр. 731
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِبْدَالَ قَوْلِهِ حَدَّثَنَا بِأَخْبَرَنَا، يَعْنِي إِذَا قَالَ الشَّيْخُ الْمُسْمِعُ مَثَلًا: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ بِحَدِيثِ كَذَا؛ فَهَلْ لِلرَّاوِي أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي شَيْخُنَا فُلَانٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ بِحَدِيثِ كَذَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْجَوَازُ، لِاتِّحَادِ الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ، إِذْ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَخْبَرَنَا، وَحَدَّثَنَا، وَأَنْبَأَنَا؛ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَبَرِ، وَالْحَدِيثِ، وَالنَّبَأِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ لَهُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، لِاخْتِلَافِ مُقْتَضَى اللَّفْظَيْنِ اصْطِلَاحًا، أَيْ: فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ؛ فَإِنَّهُمْ يَخُصُّونَ لَفْظَ حَدَّثَنَا بِمَا سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَ
стр. 732
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَخْبَرَنَا يَصْلُحُ عِنْدَهُمْ لِذَلِكَ، وَلَمَّا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ؛ فَأَقَرَّ بِهِ؛ فَالْإِخْبَارُ أَعَمُّ مِنَ التَّحْدِيثِ، وَأَنْبَأَنَا يُطْلِقُهَا الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ يُطْلِقُونَهَا بِمَعْنَى أَخْبَرَنَا أَوْ حَدَّثَنَا، وَالِاصْطِلَاحُ فِي كُلِّ لَفْظٍ يَقْضِي عَلَى وَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَدَّمَةً عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، تَقْدِيمًا لِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِ عَلَى وَضْعِ اللُّغَةِ.
стр. 733
الثَّالِثَةُ: الْإِجَازَةُ ، نَحْوَ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ، أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتِي. وَالْمُنَاوَلَةُ، نَحْوَ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ فَارْوِهِ عَنِّي، وَيَكْفِي مُجَرَّدُ اللَّفْظِ دُونَ الْمُنَاوَلَةِ. فَيَقُولُ فِيهِمَا: حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي إِجَازَةً، فَإِنْ لَمْ يَقُلْهَا؛ فَقَدْ أَجَازَهُ قَوْمٌ، وَهُوَ فَاسِدٌ، لِإِشْعَارِهِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ، وَهُوَ كَذِبٌ. وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ الرِّوَايَةَ بِهِمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذِ الْغَرَضُ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْخَبَرِ، لَا عَيْنَ الطَّرِيقِ.
وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ: هُوَ سَمَاعِي، وَلَمْ يَقُلْ: ارْوِهِ عَنِّي. لَمْ تَجُزْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا؛ فَلَا يَشْهَدْ بِهَا؛ لِجَوَازِ مَعْرِفَتِهِ بِخَلَلٍ مَانِعٍ، وَقَدْ يَتَسَاهَلُ الْإِنْسَانُ فِي الْكَلَامِ، وَعِنْدَ الْجَزْمِ بِهِ يَتَوَقَّفُ.
وَلَا يَرْوِي عَنْهُ مَا وَجَدَهُ بِخَطِّهِ، لَكِنْ يَقُولُ: وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ كَذَا، وَتُسَمَّى الْوِجَادَةَ. أَمَّا إِنْ قَالَ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ وَنَحْوِهِ، لَمْ تَجُزْ رِوَايَتُهَا عَنْهُ مُطْلَقًا، وَلَا الْعَمَلُ بِهَا، إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، إِذْ فَرْضُهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا؛ فَقَوْلَانِ.
ــ
الْمَرْتَبَةُ «الثَّالِثَةُ: الْإِجَازَةُ، نَحْوَ» قَوْلِ الشَّيْخِ لِلرَّاوِي: «أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ، أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتِي» .
«وَالْمُنَاوَلَةُ: نَحْوَ» قَوْلِهِ: «خُذْ هَذَا الْكِتَابَ؛ فَارْوِهِ عَنِّي» ؛ فَهَذَا مِنْ طُرُقِ الرِّوَايَةِ، وَمِمَّا يَجُوزُ بِهِ.
قَوْلُهُ: «وَيَكْفِي» - يَعْنِي فِي الْمُنَاوَلَةِ - «مُجَرَّدُ اللَّفْظِ، دُونَ الْمُنَاوَلَةِ» ، أَيْ: دُونَ أَنْ يُنَاوِلَهُ الْكِتَابَ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنَ اللَّفْظِ، لَا مِنْ إِعْطَاءِ الْكِتَابِ،
стр. 734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى إِعْطَائِهِ الْكِتَابَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: ارْوِهِ عَنِّي، لَمْ تَجُزِ الرِّوَايَةُ، وَإِنَّمَا جَازَتْ بِلَفْظِ الْإِذْنِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ بِهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا مُنَاوَلَةً؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمْ يُنَاوِلُ الْآخَرَ كِتَابًا؛ فَيَقُولُ: ارْوِهِ عَنِّي، عَادَةً وَاتِّفَاقًا، لَا اشْتِرَاطًا لِإِعْطَاءِ الْكِتَابِ فِي الْمُنَاوَلَةِ، وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْمُنَاوَلَةُ نَوْعَ إِجَازَةٍ.
قَوْلُهُ: «فَيَقُولُ فِيهِمَا» ، أَيْ: فِي الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ، يَقُولُ الرَّاوِي: حَدَّثَنِي فُلَانٌ إِجَازَةً، أَوْ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ إِجَازَةً «فَإِنْ لَمْ يَقُلْهَا» ، أَيْ: إِنْ لَمْ يَقُلْ إِجَازَةً، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي، «فَقَدْ أَجَازَهُ قَوْمٌ» ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ وَالْمُنَاوَلَةَ فِي مَعْنَى إِسْمَاعِ الشَّيْخِ، وَقِرَاءَةِ الرَّاوِي عَلَيْهِ، «وَهُوَ» ، أَيْ: هَذَا الْقَوْلُ، «فَاسِدٌ» ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ، يُشْعِرُ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ، وَهُوَ كَذِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: «وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ الرِّوَايَةَ بِهِمَا» ، أَيْ: بِالْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ، «وَفِيهِ» ، أَيْ: فِيمَا قَالَاهُ، «نَظَرٌ» ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الرِّوَايَةِ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْخَبَرِ، لَا عَيْنِ طَرِيقِهِ الَّتِي هُوَ ثَابِتٌ بِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَرِيقَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّاوِي: حَدَّثَنَا فُلَانٌ، عَنْ فُلَانٍ، إِلَى آخِرِ السَّنَدِ، إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَمَعْرِفَةُ صِحَّتِهِ مَقْصِدٌ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمَقَاصِدَ إِذَا حَصَلَتْ بِدُونِ الْوَسَائِلِ، سَقَطَتْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا، وَمَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْخَبَرِ حَاصِلَةٌ بِالْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ عَدْلٌ جَازِمٌ بِالْإِذْنِ فِي الرِّوَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا أَذِنَ إِلَّا فِيمَا هُوَ عَالِمٌ بِصِحَّتِهِ وَرِوَايَتِهِ لَهُ.
وَقَدْ صَنَّفَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ جُزْءًا فِي الْإِجَازَةِ لِلْمَعْدُومِ وَذَكَرَ حُجَجَهُ وَأَقْوَالَ
стр. 735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّاسِ فِيهِ؛ فَالْإِجَازَةُ لِلْمَوْجُودِ أَوْلَى.
فَائِدَةٌ: جَرَتْ عَادَةُ الْمُسْتَجِيزِينَ فِي إِجَازَاتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: الْمَسُئُولُ مِنْ إِنْعَامِ الْمَشَايِخِ، أَنْ يُجِيزُوا لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ مِنْ مَسْمُوعَاتِهِمْ، إِلَى آخِرِ الْإِجَازَةِ. فَالضَّمِيرُ فِي عِنْدَهُمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنَّهُ لِلْمَشَايِخِ، أَوْ لِلْجَمَاعَةِ الْمُسْتَجِيزِينَ، وَهُوَ لَهُمْ دُونَ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ الْمَشَايِخَ قَدْ صَحَّ عِنْدَهُمْ مَا أَجَازُوهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ: مَا صَحَّ عِنْدَ الْمُسْتَجِيزِينَ أَنَّهُ رِوَايَةُ الْمَشَايِخِ، جَازَ لَهُمْ أَنْ يَرْوُوهُ. وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا بِقَوْلِي: «أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتِي» .
قَوْلُهُ: «وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ: هُوَ سَمَاعِي، وَلَمْ يَقُلْ: ارْوِهِ عَنِّي، لَمْ تَجُزْ رِوَايَتُهُ» ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ جَوَازَ الرِّوَايَةِ، إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْإِذْنِ فِيهَا، وَهُوَ مَفْقُودٌ هَهُنَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ أَخْذَ الْكِتَابِ، أَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمَاعُهُ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا، وَلَمْ يُقَلْ لَهُ: اشْهَدْ بِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَشْهَدُ بِهَا مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ.
قَوْلُهُ: «لِجَوَازِ مَعْرِفَتِهِ بِخَلَلٍ مَانِعٍ» . هَذَا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، أَيْ: لَا يَرْوِي عَنْهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، لِجَوَازِ مَعْرِفَةِ الشَّيْخِ فِي رِوَايَةِ الْكِتَابِ بِخَلَلٍ مَانِعٍ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: «وَقَدْ يَتَسَاهَلُ الْإِنْسَانُ فِي الْكَلَامِ» . هُوَ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ عَلِمَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ خَلَلًا، لَمَا قَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ هُوَ سَمَاعِي؛ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ
стр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلسَّامِعِ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ غِشًّا فِي الدِّينِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِي الْكَلَامِ، وَعِنْدَ الْعَمَلِ وَالْجَزْمِ وَالتَّحْقِيقِ يَتَوَقَّفُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ لِيَسْتَفِيدَ بِهِ نَظَرًا، أَوْ هُوَ سَمَاعِي، تَرْغِيبًا لَهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ لِذَلِكَ الْكِتَابِ بِعَيْنِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَحَقَّقَ حَالَ رِوَايَتِهِ لَهُ فِيمَا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَرْوِي عَنْهُ» ، أَيْ: عَنْ شَيْخِهِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، «مَا وَجَدَهُ بِخَطِّهِ» ، أَيْ: بِخَطِّ الشَّيْخِ، بِأَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنَا أَوْ حَدَّثَنَا؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ، لَكِنَّهُ يَقُولُ: وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، «وَتُسَمَّى الْوِجَادَةَ» ، وَهِيَ فِعَالَةٌ، مِنْ وَجَدَ الشَّيْءَ يَجِدُهُ وِجْدَانًا: إِذَا صَادَفَهُ، وَلَقِيَهُ.
قَوْلُهُ: «أَمَّا إِنْ قَالَ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ» ، إِلَى آخِرِهِ.
أَيْ: إِنْ قَالَ الْعَدْلُ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ، أَوْ مُسْلِمٍ، أَوِ التِّرْمِذِيِّ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ دَوَاوِينِ السُّنَّةِ، وَلَمْ يَقُلِ: ارْوِهَا عَنِّي، لَمْ يَجُزْ لِلسَّامِعِ رِوَايَتُهَا عَنْهُ مُطْلَقًا، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا، أَوْ مُقَلِّدًا، لِعَدَمِ الْإِذْنِ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ.
فَأَمَّا الْعَمَلُ، فَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، لَمْ يُجِزْ لَهُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ تَقْلِيدَ الْمُجْتَهِدِ، لِقُصُورِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ مَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا؛ فَفِيهِ
стр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ، لِعَدَمِ سَمَاعِهِ لَهُ.
وَالثَّانِي: لَهُ الْعَمَلُ بِهِ، وَيَلْزَمُهُ فِيمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ؛ إِمَّا مِنْ جِهَةِ ضَعْفِهِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْخَطَأِ فِي دَلَالَتِهِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ هَهُنَا.
أَمَّا الضَّعْفُ فَقَدِ انْتَفَى بِقَوْلِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَأَمَّا الْخَطَأُ فِي الدَّلَالَةِ فَمُنْتَفٍ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ عَارِفٌ بِتَنْزِيلِ الْأَدِلَّةِ مَنَازِلَهَا، وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَحْمِلُونَ كُتُبَ الْأَحْكَامِ، كَصُحُفِ الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا إِلَى الْبِلَادِ؛ فَكَانَ النَّاسُ يَعْمَلُونَ بِمَا فِيهَا، اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِهِمْ لِمَضْمُونِهَا، وَشَهَادَةِ حَامِلِهَا بِصِحَّتِهَا عَنْ أَمْرِ الشَّرْعِ.
стр. 738
وَلَا يَرْوِي عَنْ شَيْخِهِ مَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، إِذْ هُوَ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ شَاعَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ فِي مَسْمُوعَاتِهِ، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، لَمْ يَرْوِ شَيْئًا مِنْهَا، لِجَوَازِ كَوْنِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ كُلًّا مِنْهَا، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَسْمُوعٌ لَهُ؛ فَفِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّنِّ خِلَافٌ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَلَا يَرْوِي عَنْ شَيْخِهِ مَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ» ، يَعْنِي: الرَّاوِي إِذَا شَكَّ، هَلْ سَمِعَ هَذَا الْكِتَابَ أَوِ الْحَدِيثَ مِنْ شَيْخِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ مَعَ الشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْجَزْمِ وَالْعِلْمِ؛ فَلَوْ شَاعَ الْحَدِيثُ الْمَشْكُوكُ فِي سَمَاعِهِ فِي مَسْمُوعَاتِ الرَّاوِي، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، فَلَمْ يَعْلَمْ: هَلْ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ أَوْ هَذَا؟ أَوْ هَلْ هُوَ هَذَا الْكِتَابُ أَوْ هَذَا؟ لَمْ يَرْوِ شَيْئًا مِنْ مَسْمُوعَاتِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْكُوكُ فِي سَمَاعِهِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَوِ الْكُتُبِ الَّتِي هِيَ سَمَاعُهُ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الرِّوَايَةَ شَهَادَةٌ، وَهِيَ تَعْتَمِدُ الْعِلْمَ لَا الشَّكَّ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ. مَا إِذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، أَوِ الْمَيِّتَةُ بِالْمُذَكَّاةِ، لَزِمَهُ اجْتِنَابُ الْجَمِيعِ كَمَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَسْمُوعٌ لَهُ؛ فَفِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّنِّ خِلَافٌ» ، هَذِهِ مَسْأَلَتَانِ:
стр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِحْدَاهُمَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، وَهِيَ مَا إِذَا شَاعَ الْحَدِيثُ أَوِ الْكِتَابُ الْمَشْكُوكُ فِي سَمَاعِهِ فِي بَقِيَّةِ مَسْمُوعَاتِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُ، لَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، هَذَا أَوْ هَذَا أَوْ هَذَا؛ فَفِي جَوَازِ رِوَايَتِهِ قَوْلَانِ لِلنَّاسِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّنِّ، وَهُوَ مَنَاطُ الْعَمَلِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ظَنَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَسْمُوعٌ لَهُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْهُ؛ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ.
стр. 740
وَ إِنْكَارُ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ لَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ. لَنَا: عَدْلٌ جَازِمٌ؛ فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، وَيُحْمَلُ إِنْكَارُ الشَّيْخِ عَلَى نِسْيَانِهِ، جَمْعًا بَيْنَهُمَا، وَقَدْ رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، «قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» . ثُمَّ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ؛ فَكَانَ بَعْدُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ، عَنِّي، أَنِّي حَدَّثْتُهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ. قَالُوا: هُوَ فَرْعٌ لِشَيْخِهِ فِي الْإِثْبَاتِ؛ فَكَذَا فِي النَّفْيِ. وَكَالشَّهَادَةِ. قُلْنَا: مَمْنُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا، وَبَابُ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ؛ فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَإِنْكَارُ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ لَهُ» ، إِلَى آخِرِهِ.
اعْلَمْ أَنْ إِنْكَارَ الْأَصْلِ لِرِوَايَةِ الْفَرْعِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَزْمِ بِالْإِنْكَارِ، أَوْ مَعَ التَّرَدُّدِ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَزْمِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ لِلْفَرْعِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ لِلْفَرْعِ؛ فَحَكَى الْآمِدِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُكَذِّبُ الْآخَرَ؛ فَأَحَدُهُمَا كَاذِبٌ، لَا بِعَيْنِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ، أَوْ كَانَ إِنْكَارُ الْأَصْلِ غَيْرَ جَازِمٍ، بَلْ كَانَ شَاكًّا فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ؛ فَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ فِيهَا، وَيَجِبُ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ عِنْدَنَا، وَ «هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ» ؛ فَقَالُوا: لَا يُقْبَلُ. هَكَذَا يَحْكِي بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ الْخِلَافَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَذْهَبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، لِرَدِّهِمْ حَدِيثَ رَبِيعَةَ
следующие страницы →