← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى جَوَازِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ نَسَخَ السُّنَّةَ بِالْقُرْآنِ، وَلَا لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ. وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ قَرِيبًا، وَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ، كَانَ جَائِزًا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، وَالْوُقُوعُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَبَيَانُ وُقُوعِهِ بِصُوَرٍ: إِحْدَاهُنَّ: التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٤] . الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَالْمُبَاشَرَةِ بَعْدَ النَّوْمِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ : ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَجْرِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧] . الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: تَأْخِيرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ إِلَى حَالِ الْأَمْنِ، ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٢] ، وَقَوْلِهِ : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٩] . وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ صُورَةً أُخْرَى، وَهِيَ صُلْحُ النَّبِيِّ ﷺ ، لِأَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَهُ مِنْ عِنْدِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الْمُمْتَحَنَةِ: ١٠] ; فَهَذِهِ أَحْكَامُ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَتْ بِالْكِتَابِ، وَذَلِكَ دَلِيلُ الْجَوَازِ. قَوْلُهُ: «احْتَجَّ» ، يَعْنِي الشَّافِعِيَّ، «عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ» : أَحَدُهُمَا: لَوْ جَازَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، لَكَانَ الْكِتَابُ مُبْطِلًا لِمُبَيِّنِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ ; فَالْقَوْلُ بِنَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ بَاطِلٌ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤] ، وَالنَّاسِخُ يُبْطِلُ الْمَنْسُوخَ ; فَالْكِتَابُ لَوْ نَسَخَ السُّنَّةَ، لَأَبْطَلَهَا، وَهِيَ مُبَيِّنَةٌ لَهُ ; فَيَكُونُ مُبْطِلًا لِمُبَيِّنِهِ.

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا أَنَّ إِبْطَالَ الْقُرْآنِ لِمُبَيِّنِهِ بَاطِلٌ ; فَلِأَنَّهُ إِذَا بَطَلَ مُبَيِّنُهُ، بَقِيَ بِغَيْرِ مُبَيِّنٍ ; فَيَرْجِعُ إِلَى الْإِجْمَالِ الْمُوجِبِ لِلتَّوَقُّفِ فِيهِ، وَتَعْطِيلُ أَلْفَاظِهِ عَنِ الِاسْتِعْمَالِ. وَأَيْضًا السُّنَّةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْقُرْآنِ ; فَلَوْ بَيَّنَهَا الْقُرْآنُ بِنَسْخِهِ لَهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ، إِذْ يَصِيرُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُبَيِّنًا لِلْآخَرِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّاسِخَ يُضَادُّ الْمَنْسُوخَ، وَالْقُرْآنُ لَا يُضَادُّ السُّنَّةَ، وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ بَيَانًا لَهُ ; فَالْقُرْآنُ لَا يَكُونُ نَاسِخًا لِلسُّنَّةِ. قَوْلُهُ: «وَمَنَعَ الْوُقُوعَ الْمَذْكُورَ» ، أَيِ: الشَّافِعِيُّ مَنَعَ وُقُوعَ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ، وَبَيَانُ الْمَنْعِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ، يَجُوزُ أَنَّهَا ثَبَتَتْ بِقُرْآنٍ نُسِخَ رَسْمُهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ، كَمَا سَبَقَ فِي آيَةِ الرَّجْمِ، ثُمَّ نُسِخَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ بِالْقُرْآنِ ; فَمَا نَسَخَ الْقُرْآنَ إِلَّا قُرْآنٌ مِثْلُهُ. الثَّانِي: بِتَقْدِيرِ أَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، يَجُوزُ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِسُنَّةٍ وَافَقَتِ الْقُرْآنَ فِي حُكْمِهِ ; فَمَا نُسِخَتِ السُّنَّةُ إِلَّا بِسُنَّةٍ مِثْلِهَا. قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ بِأَنَّ بَعْضَ السُّنَّةِ مُبَيِّنٌ لَهُ، وَبَعْضَهَا مَنْسُوخٌ بِهِ» . هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ. أَمَّا تَوْجِيهُهُ عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: كَيْفَ يُبْطِلُ الْقُرْآنُ مَبِيِّنَهُ؟ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْقُرْآنِ مُحْتَاجًا إِلَى بَيَانٍ، بَلْ فِيهِ كَثِيرٌ مِمَّا هُوَ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ ; فَحِينَئِذٍ، مُبِيِّنُ السُّنَّةِ يُبَيِّنُ مُجْمَلَ الْقُرْآنِ، وَمُبِيِّنُ الْقُرْآنِ يَنْسَخُ بَعْضَ السُّنَّةِ ; فَلَا يَكُونُ الْقُرْآنُ مُبْطِلًا لِمُبَيِّنِهِ. وَأَمَّا تَوْجِيهُهُ عَنِ الثَّانِي ; فَنَقُولُ: الْقُرْآنُ لَا يُضَادُّ السُّنَّةَ فِي الْكُلِّ، أَوْ فِي الْبَعْضِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَحِينَئِذٍ ذَلِكَ الْبَعْضُ الْمُضَادُّ لِلْقُرْآنِ مِنَ السُّنَّةِ مَنْسُوخٌ بِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا دَوْرَ وَلَا مَحْذُورَ.

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمَنْعِ ; فَقَوْلُهُ: الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ ثَبَتَتْ بِقُرْآنٍ نُسِخَ رَسْمُهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْقُرْآنِ. قُلْنَا: الْأَصْلُ عَدَمُ قُرْآنٍ نُسِخَ رَسْمُهُ، ثَبَتَتْ بِهِ تِلْكَ الْأَحْكَامُ، وَاحْتِمَالُهُ لَا يَكْفِي، وَمَا وُجِدَ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَأَقْوَالِهِ، وَتَقْرِيرَاتِهِ فِي ذَلِكَ، كَصَلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، صَالِحٌ لِإِثْبَاتِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ ; فَوَجَبَ أَنْ تُضَافَ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: يَجُوزُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ نُسِخَتْ بِسُنَّةٍ وَافَقَتِ الْقُرْآنَ. قُلْنَا: لَيْسَ النِّزَاعُ فِي الْجَوَازِ، بَلْ فِي الْوُقُوعِ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلُ وُجُودِ سُنَّةٍ نَاسِخَةٍ كَمَا ذَكَرْتُمْ، وَالْقُرْآنُ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ صَالِحٌ لِلنَّسْخِ ; فَوَجَبَ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهِ. نَعَمْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي مَنْعِ كَوْنِ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ كَلَامًا جَيِّدًا. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقَاعِدَةَ: أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ ثَابِتًا بِمُجْمَلٍ فَهُوَ مُرَادٌ مِنْ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ، وَتَوَجُّهُ النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١٠] ، كَمَا كَانَ قَوْلُهُ ﵇: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ بَيَانًا لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] ، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١٠] ، وَهُوَ مُرَادٌ مِنَ الْآيَةِ: وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُرَادٌ مِنَ الْقُرْآنِ ; فَهُوَ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ بِوَاسِطَةِ الْبَيَانِ. قُلْتُ: وَهَذَا يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ فِي تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَنْ وَقْتِ الْقِتَالِ ; لِأَنَّهُ مِنْ

стр. 844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَوَازِمِ بَيَانِ قَوْلِهِ : ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِقَامَتِهَا إِكْمَالُهَا وَإِتْمَامُهَا، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ حَالَ الْقِتَالِ ; فَكَانَ تَأْخِيرُهَا إِلَى وَقْتِ الْأَمْنِ مِنْ لَوَازِمِ إِقَامَتِهَا، وَكَذَلِكَ صُلْحُهُ ﵇ لِلْكُفَّارِ، عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا، هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٩] ، وَجِهَادُهُمْ مُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِ النَّبِيِّ، ﷺ ، عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ. وَقَدْ رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ صُلْحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: ثُمَّ يَتَفَرَّعُ لَنَا عَلَى هَذَا تَحْقِيقٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ، هَلْ يُضَافُ ثُبُوتُهُ إِلَى الْبَيَانِ، أَوْ إِلَى الْمُبَيَّنِ؟ فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى الْبَيَانِ، اتَّجَهَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ وُقُوعِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ الَّتِي هِيَ بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْكِتَابِ ; فَقَدْ نُسِخَتِ السُّنَّةُ بِالْكِتَابِ. وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى الْمُبَيَّنِ ; فَقَدِ اتَّجَهَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ مَنْعِ الْوُقُوعِ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْقُرْآنِ الْمُجْمَلِ الَّذِي بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْقُرْآنِ ; فَمَا نَسَخَ الْقُرْآنَ إِلَّا قُرْآنٌ مِثْلُهُ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ يُضَافُ إِلَى الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ جَمِيعًا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مَأْخَذُ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ. وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ ; فَجَانِبُ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ مُتَرَجِّحٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْوُقُوعُ ; فَبِنَسْخِ تَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ بَعْدَ النَّوْمِ، إِذْ لَا يَتَّجِهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: كَانَ ثَابِتًا بِقُرْآنٍ مُجْمَلٍ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 845

أَمَّا نَسْخُ الْقُرْآنِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ ; فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀ وَالْقَاضِي مَنْعُهُ، وَأَجَازَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. لَنَا: لَا اسْتِحَالَةَ ذَاتِيَّةٌ، وَلَا خَارِجِيَّةٌ، وَلِأَنَّ تَوَاتُرَ السُّنَّةِ قَاطِعٌ، وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَقِيقَةِ ; فَهُوَ كَالْقُرْآنِ. قَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ، وَالسُّنَّةُ لَا تُسَاوِي الْقُرْآنَ، وَقَدْ قَالَ ﵇: «الْقُرْآنُ يَنْسَخُ حَدِيثِي، وَحَدِيثِي لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ» ، وَلِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ لَفْظَ الْقُرْآنِ ; فَكَذَا حُكْمُهُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الْحُكْمِ وَمَصْلَحَتِهِ، وَالسُّنَّةُ تُسَاوِي الْقُرْآنَ فِي ذَلِكَ، وَتَزِيدُ عَلَيْهِ، إِذِ الْمَصْلَحَةُ الثَّابِتَةُ بِالسُّنَّةِ قَدْ تَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ. أَوْ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ; فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ أَصْلًا. وَالْحَدِيثُ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ، لِكَوْنِهِ أَصْلًا ; فَلَوْ ثَبَتَ لَاشْتُهِرَ، وَلَمَا خُولِفَ. وَلَفْظُ الْقُرْآنِ مُعْجِزٌ ; فَلَا تَقُومُ السُّنَّةُ مَقَامَهُ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ. ــ قَوْلُهُ: " أَمَّا نَسْخُ الْقُرْآنِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ ; فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْقَاضِي مَنَعَهُ، وَأَجَازَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ ". وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي " الرَّوْضَةِ ": قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ إِلَّا قُرْآنٌ مِثْلُهُ يَجِيءُ بَعْدَهُ. قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ عَقْلًا وَشَرْعًا. قُلْتُ: احْتِجَاجُ الْقَاضِي بِعُمُومِ نَفْيِ أَحْمَدَ، وَهُوَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ شَرْعًا، لَا عَقْلًا. قُلْتُ: حَكَى الْآمِدِيُّ الْمَنْعَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَأَكْثَرِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَحُكِيَ الْجَوَازُ عَنْ مَالِكٍ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَابْنِ سُرَيْجٍ، وَأَكْثَرِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.

стр. 846

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَالَ الْقَرَافِيُّ: هُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. قَوْلُهُ: " لَنَا: لَا اسْتِحَالَةَ "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ، لَاسْتَحَالَ لِذَاتِهِ، أَوْ لَأَمَرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ لِذَاتِهِ، وَلَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ ; فَلَا يَكُونُ مُسْتَحِيلًا مُطْلَقًا ; فَيَكُونُ جَائِزًا مُطْلَقًا. وَتَقْرِيرُ هَذَا الدَّلِيلِ: كَتَقْرِيرِ قَوْلِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا: " لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ "، وَقَدْ سَبَقَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ قَاطِعٌ، أَيْ: يَحْصُلُ الْقَطْعُ بِثُبُوتِهِ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وَهُوَ - يَعْنِي مُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ - مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَقِيقَةِ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النَّجْمِ: ٣ - ٤] . وَقَالَ ﵇: أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، وَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ يَأْتِينِي بِالسُّنَّةِ كَمَا يَأْتِينِي بِالْقُرْآنِ، وَإِذَا كَانَ مُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ قَاطِعًا، وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، صَارَ كَالْقُرْآنِ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِهِ. قَوْلُهُ: " قَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ " إِلَى آخِرِهِ هَذِهِ حُجَّةُ الْمَانِعِينَ وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾

стр. 847

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الْبَقَرَةِ: ١٠٦] ; فَحَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسِخَ فِي كَوْنِهِ خَيْرًا مِنَ الْمَنْسُوخِ، أَوْ مِثْلَهُ، وَالسُّنَّةُ لَا تُسَاوِي الْقُرْآنَ ; فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ خَيْرًا مِنْهُ ; فَلَا تَكُونُ نَاسِخَةً لَهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ ﷺ : الْقُرْآنُ يَنْسَخُ حَدِيثِي، وَحَدِيثِي لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ لَفْظَ الْقُرْآنِ ; فَكَذَلِكَ لَا تَنْسَخُ حُكْمَهُ، لِاشْتِرَاكِ لَفْظِ الْقُرْآنِ وَحُكْمِهِ فِي الْقُوَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ أَنْ يُرْفَعَ بِمَا هُوَ دُونَهُ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ فِي الْحُكْمِ وَمَصْلَحَتِهِ، وَالسُّنَّةُ تُسَاوِي الْقُرْآنَ فِي ذَلِكَ، إِذِ الْمَصْلَحَةُ الثَّابِتَةُ بِالسُّنَّةِ قَدْ تَكُونُ أَضْعَافَ الْمَصْلَحَةِ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ ; إِمَّا فِي عِظَمِ الْأَجْرِ، بِنَاءً عَلَى نَسْخِ الْأَخَفِّ بِالْأَثْقَلِ، أَوْ فِي تَخْفِيفِ التَّكْلِيفِ، بِنَاءً عَلَى نَسْخِ الْأَثْقَلِ بِالْأَخَفِّ. قَوْلُهُ: " أَوْ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ". هَذَا جَوَابٌ آخَرُ عَنِ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنَّ فِيهَا تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ ; فَلَا يَكُونُ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ أَصْلًا، إِذْ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى إِثْبَاتِ النَّاسِخِ أَصْلًا، كَمَا سَبَقَ فِي النَّسْخِ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ ; فَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِمِثْلِهِ هَهُنَا ; لِأَنَّهُ أَصْلٌ كَبِيرٌ، وَمِثْلُهُ لَا يَخْفَى فِي الْعَادَةِ، لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ مَا كَانَ كَذَلِكَ عَادَةً. فَلَوْ ثَبَتَ، لَاشْتُهِرَ، ثُمَّ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِشُهْرَتِهِ وَدَلَالَتِهِ.

стр. 848

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ، وَدَلَالَةُ الْعَامِّ ظَاهِرَةٌ، لَا قَاطِعَةٌ ; فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ، يَبْقَى الْمُتَوَاتِرُ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمُ: السُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ لَفْظَ الْقُرْآنِ ; فَكَذَا حُكْمُهُ. فَجَوَابُهُ بِالْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ مُعْجِزٌ، وَالسُّنَّةُ لَا تَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْإِعْجَازِ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ تَكْلِيفُ الْخَلْقِ بِهِ، وَالسُّنَّةُ تَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قُلْتُ: تَلْخِيصُ مَأْخَذِ النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ جَامِعًا وَفَارِقًا. فَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِفَادَةِ الْعِلْمِ، وَكَوْنِهِمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْفَارِقُ: إِعْجَازُ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَالتَّعَبُّدُ بِتِلَاوَتِهِ، بِخِلَافِ السُّنَّةِ ; فَمَنْ لَاحَظَ الْجَامِعَ، أَجَازَ النَّسْخَ، وَمَنْ لَاحَظَ الْفَارِقَ، مَنْعَهُ. فَرْعٌ: كَمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ، كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ شَرْعًا، عَلَى نَحْوِ اخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِهِ ; فَمِمَّنْ أَثْبَتَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ. احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ: بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ثَبَتَتْ بِالْقُرْآنِ، وَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ ﵇: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ. وَإِمْسَاكُ الزَّوَانِي فِي الْبُيُوتِ، ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ، وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ ﵇: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ.

стр. 849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ: بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْوُقُوعِ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَا حُجَّةَ فِيهِمَا عَلَى الْوُقُوعِ، بَلِ النَّصُّ النَّبَوِيُّ فِيهِمَا بَيَانٌ لَا نَسْخٌ. فَآيَةُ الْوَصِيَّةِ نُسِخَتْ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، وَأَكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ ، نَسْخَهَا بِبَيَانِهِ، وَالْإِيضَاحِ عَنْهُ، وَلِهَذَا يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ. فَكَانَ هَذَا بَيَانًا وَإِخْبَارًا عَنْ زَوَالِ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، لَا نَسْخًا. وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى ; فَالسَّبِيلُ مَذْكُورٌ فِيهَا، وَالْأَمْرُ فِيهَا مَغْيِيٌّ إِلَى حِينِ جَعْلِ السَّبِيلِ، فَلَمَّا جَاءَ وَقْتُهُ، بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ . وَلِهَذَا قَالَ: خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. فَأَضَافَ جَعْلَ السَّبِيلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا إِلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ إِمْسَاكَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ مَنْسُوخٌ، لَكَانَ إِضَافَةُ نَسْخِهِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النُّورِ: ٢] ، وَإِلَى آيَةِ الرَّجْمِ الَّتِي نُسِخَ لَفْظُهَا دُونَ حُكْمِهَا أَوْلَى، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تَوَاتَرَا ; فَمِثَالُ الْخَصْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 850

أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِآحَادِهَا ; فَجَائِزٌ عَقْلًا، لِجَوَازِ قَوْلِ الشَّارِعِ: تَعَبَّدْتُكُمْ بِالنَّسْخِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لَا شَرْعًا، لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ، لَا بَعْدَهُ ; لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَبْعَثُ الْآحَادَ بِالنَّاسِخِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ. وَأَجَازَهُ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ مُطْلَقًا، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى، إِذِ الظَّنُّ قَدَرٌ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْكُلِّ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ وَالِاسْتِدْلَالِ الشَّرْعِيِّ. وَقَوْلُ عُمَرَ: لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ. يُفِيدُ أَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ لِشُبْهَةٍ، وَلَوْ أَفَادَ خَبَرُهَا الظَّنَّ لَعَمِلَ بِهِ. ــ قَوْلُهُ: «أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِآحَادِهَا ; فَجَائِزٌ عَقْلًا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَنَسْخُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; فَهُوَ جَائِزٌ عَقْلًا لَا شَرْعًا. أَمَّا أَنَّهُ جَائِزٌ عَقْلًا ; فَلِجَوَازِ قَوْلِ الشَّارِعِ: تَعَبَّدْتُكُمْ بِنَسْخِ الْقَاطِعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَيْ: لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ. وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ شَرْعًا، أَيْ: مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الشَّرْعِ ; قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ، وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ، لَا يُرْفَعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; فَلَا ذَاهِبَ إِلَى تَجْوِيزِهِ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ ﵁: «لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصْدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» . «وَأَجَازَهُ قَوْمٌ» يَعْنِي: نَسْخَ الْكِتَابِ وَتَوَاتُرَ السُّنَّةِ بِآحَادِهَا، «فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ، لَا بَعْدُهُ ; لِأَنَّهُ ﷺ ، كَانَ يَبْعَثُ الْآحَادَ بِالنَّاسِخِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ» ; فَيُقْبَلُ خَبَرُهُمْ فِيهِ. «وَأَجَازَهُ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ مُطْلَقًا» ، يَعْنِي فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهُ. قُلْتُ: «وَلَعَلَّهُ أَوْلَى» ، أَيْ: يُشْبِهُ أَنَّهُ أَوْلَى، لِاتِّجَاهِهِ بِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ أَجْزِمْ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا أَتَيْتُ بِلَفْظِ التَّرَجِّي.

стр. 851

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «إِذِ الظَّنُّ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ، وَالِاسْتِدْلَالِ الشَّرْعِيِّ» . مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَاتُرَ السُّنَّةِ وَآحَادَهَا يَشْتَرِكَانِ فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ، وَإِنْ زَادَ التَّوَاتُرُ بِإِفَادَةِ الْقَطْعِ ; فَالظَّنُّ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ الشَّرْعِيِّ، وَالِاسْتِدْلَالِ الشَّرْعِيِّ، أَيْ: يَكْفِي الظَّنُّ فِي أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا لِلْعَمَلِ وَالِاسْتِدْلَالِ شَرْعًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنَاطَ ذَلِكَ غَلَبَةُ الظَّنِّ ; فَمَتَى حَصَلَ، وَجَبَ الْعَمَلُ، وَصَحَّ الِاسْتِدْلَالُ. وَأَمَّا زِيَادَةُ الْقَطْعِ ; فَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، لِمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَإِذَا كَانَ الظَّنُّ مُشْتَرَكًا بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ، جَازَ أَنْ يَنْسَخَ الْآحَادُ الْمُتَوَاتِرَ وَيَكُونُ النَّسْخُ بِالْآحَادِ مُتَوَجِّهًا إِلَى مِقْدَارِ الظَّنِّ مِنَ التَّوَاتُرِ، لَا إِلَى جَمِيعِ مَا أَفَادَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا إِذَا كَانَ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، تَقَاصَّا بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ ; فَتَقْوَى الْخَمْسَةُ عَلَى رَفْعِ خَمْسَةٍ مِنَ الذِّمَّةِ، لَا عَلَى مَا زَادَ عَلَيْهَا. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ عَنَّا قَوْلُ الْخَصْمِ: إِنَّ الْكِتَابَ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا ; فَلَا يَرْتَفِعُ بِالْآحَادِ الْمَظْنُونَةِ ; لِأَنَّا نَقُولُ: مَا رَفَعْنَا الْقَطْعَ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا رَفَعْنَا بِالظَّنِّ ظَنًّا مِثْلَهُ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ ; فَلَيْسَ لَفْظُهُ: أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ؟ ، بَلْ كَمَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» : أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ؟ وَهُوَ مَا رَوَى مُغِيَرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا

стр. 852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سُكْنَى لَكِ وَلَا نَفَقَةَ، قَالَ مُغِيَرَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ؟ وَكَانَ عُمَرُ يَجْعَلُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. وَهَذَا لَا يُفِيدُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْكِتَابَ وَالْمُتَوَاتِرَ، بَلْ يُفِيدُ جَوَازَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عُمَرَ، إِنَّمَا رَدَّ خَبَرَ فَاطِمَةَ، لِشُبْهَةِ احْتِمَالِ أَنَّهَا نَسِيَتْ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَهَا لَوْ أَفَادَهُ الظَّنُّ، وَلَمْ تَقَعْ لَهُ الشُّبْهَةُ الْمَذْكُورَةُ، لَعَمِلَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يَبْعَثُ الْآحَادَ بِالنَّاسِخِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ ; فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ تِلْكَ الْآحَادَ كَانَتْ تَنْسَخُ الْكِتَابَ وَالْمُتَوَاتِرَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمَنْسُوخَاتِ بِتِلْكَ الْآحَادِ آحَادًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ، وَيَقُولَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَنْسُوخُ بِهَا آحَادًا مِثْلَهَا، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّوَاتُرِ، وَوُرُودُ أَحْكَامِ الْكِتَابِ. فَإِنْ قِيلَ: وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْآحَادِ أَيْضًا. قُلْنَا: نَعَمْ، إِلَّا أَنَّهَا أَكْثَرُ، وَأَعَمُّ وُجُودًا ; فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أُولَى. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حَيَاةَ النَّبِيِّ، ﷺ ، قَرِينَةٌ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِخَبَرِ الْآحَادِ فِي زَمَانِهِ، لِعِلْمِهِمْ بِصَلَابَتِهِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا يُسَامِحُ أَحَدًا يَكْذِبُ عَلَيْهِ، حَتَّى يُنَفِّذَ فِيهِ

стр. 853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمْرَ اللَّهِ، وَحِينَئِذٍ مَا نُسِخَ الْكِتَابُ وَالتَّوَاتُرُ إِلَّا بِمَعْلُومٍ مِثْلِهِمَا. غَايَةُ مَا هُنَاكَ: أَنَّ مُسْتَنَدَ الْعِلْمِ فِي الْمَنْسُوخِ التَّوَاتُرُ، وَفِي النَّاسِخِ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقَرِينَةِ، وَهَذَا لَا يَضُرُّ. وَأَمَّا مَا ادَّعَاهُ الْمَانِعُونَ مُطْلَقًا، مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ رَفْعِ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; فَمَمْنُوعٌ، وَعَلَى مُدَّعِي الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ إِثْبَاتُهُ، كَيْفَ وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَالْبَاجِيُّ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يَدَّعُونَ وُقُوعَهُ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا قَوْلُهُ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] الْآيَةَ، نُسِخَتْ بِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ، وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٤] ، نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﵇: لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا خَالَتِهَا. الْحَدِيثَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ عَنْهُ جَوَابٌ، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَهُ، لَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ، لَعَلِمَهُ، ثُمَّ لَمْ يَدَّعِ وُقُوعَهُ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى امْتِنَاعِ نَسْخِ الْقَاطِعِ بِالْآحَادِ وَاهِيَةٌ.

стр. 854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَنْبِيهٌ: الْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ الَّتِي يَتَطَرَّقُ النَّسْخُ إِلَيْهَا وَبِهَا، هِيَ: الْكِتَابُ، وَمُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ، وَآحَادُهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا ; إِمَّا أَنْ يُنْسَخَ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ بِالْآخَرِينَ مَعَهُ ; فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ: الْأُولَى: نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ. الثَّانِيَةُ: نَسْخُ الْكِتَابِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ. الثَّالِثَةُ: نَسْخُ الْكِتَابِ بِآحَادِ السُّنَةِ. الرَّابِعَةُ: نَسْخُ مُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ. الْخَامِسَةُ: نَسْخُ مُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ. السَّادِسَةُ: نَسْخُ مُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِالْآحَادِ. السَّابِعَةُ: نَسْخُ الْآحَادِ بِالْآحَادِ. الثَّامِنَةُ: نَسْخُ الْآحَادِ بِالْكِتَابِ. التَّاسِعَةُ: نَسْخُ الْآحَادِ بِالْمُتَوَاتِرِ. وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ، عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَهُمْ: أَنَّ النَّصَّ يُنْسَخُ بِأَقْوَى مِنْهُ وَبِمِثْلِهِ، وَلَا يُنْسَخُ بِأَضْعَفَ مِنْهُ ; فَيَسْقُطُ بِمُقْتَضَى هَذَا الضَّابِطِ مِنَ الصُّوَرِ التِّسْعِ صُورَتَانِ، نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْآحَادِ، وَنَسْخُ التَّوَاتُرِ بِالْآحَادِ، وَيَبْقَى سَبْعُ صُوَرٍ، النَّسْخُ فِيهَا جَائِزٌ. وَعَلَى قَوْلِ الْبَاجِيِّ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي وَجَّهْنَاهُ، يَصِحُّ النَّسْخُ فِي الصُّوَرِ التِّسْعِ، نَظَرًا إِلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا، وَهُوَ الظَّنُّ ; فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 855

السَّابِعَةُ: الْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ، إِذِ النَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ، وَلَا إِجْمَاعَ إِذَنْ. وَلِأَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مُتَضَادَّانِ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يُضَادُّ النَّصَّ، وَلَا يَنْعَقِدْ عَلَى خِلَافِهِ. وَالْحُكْمُ الْقِيَاسِيُّ الْمَنْصُوصُ الْعِلَّةِ، يَكُونُ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، كَالنَّصِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: مَا خَصَّ نَسَخَ. وَهُوَ بَاطِلٌ، بِدَلِيلِ: الْعَقْلِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، يَخُصُّ وَلَا يَنْسَخُ. وَالنَّسْخُ وَالتَّخْصِيصُ مُتَنَاقِضَانِ، إِذِ النَّسْخُ إِبْطَالٌ، وَالتَّخْصِيصُ بَيَانٌ ; فَكَيْفَ يَسْتَوِيَانِ. وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِتَنْبِيهِ اللَّفْظِ كَمَنْطُوقِهِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَنَسْخُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ يُبْطِلُ حُكْمَ الْمَفْهُومِ، وَمَا ثَبَتَ بِعِلَّتِهِ، أَوْ دَلِيلِ خِطَابِهِ ; لِأَنَّهَا تَوَابِعُ ; فَسَقَطَتْ بِسُقُوطِ مَتْبُوعِهَا، خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. ــ الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: الْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ» ، أَيْ: لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا وَلَا نَاسِخًا. قَوْلُهُ: «إِذِ النَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ، وَلَا إِجْمَاعَ إِذَنْ» . هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ، أَيِ: الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْإِجْمَاعِ، لَا يُنْسَخُ، أَيْ: لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ عَهْدِ النُّبُوَّةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ لَا يُنْسَخُ. أَمَّا أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ ; فَلِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ لِلْحُكْمِ، وَإِبْطَالٌ لَهُ، وَتَغْيِيرٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ ; لِأَنَّهُ زَمَنُ الْوَحْيِ الرَّافِعِ لِلْأَحْكَامِ، وَبَعْدَ

стр. 856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انْقِرَاضِ عَهْدِ النُّبُوَّةِ يَسْتَقِرُّ الشَّرْعُ ; فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا اتِّبَاعُ مَا انْقَرَضَ عَلَيْهِ عَصْرُ النُّبُوَّةِ. وَأَمَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ عَهْدِ النُّبُوَّةِ ; فَلِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ، عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ ، لِعِصْمَتِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا حَكَمَ بِحُكْمٍ ; فَالْأُمَّةُ إِمَّا أَنْ تُوَافِقَ ; فَلَا أَثَرَ لِمُوَافَقَتِهَا ; لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ، أَوْ تُخَالِفَ ; فَلَا اعْتِبَارَ بِمُخَالَفَتِهَا، بَلْ تَكُونُ عَاصِيَةً بِمُخَالَفَتِهِ ; فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا مُؤَثِّرًا إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ. قَالَ الْآمِدِيُّ إِنَّ نَسْخَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ نَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ، وَأَثْبَتَهُ الْأَقَلُّونَ. وَاخْتَارَ جَوَازَهُ عَقْلًا، وَامْتِنَاعَهُ شَرْعًا. قُلْتُ: أَمَّا جَوَازُهُ عَقْلًا فَلِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ. وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ شَرْعًا ; فَلِأَنَّ نَسْخَهُ إِمَّا بِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ. وَالثَّانِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ النَّاسِخَ ; إِمَّا لَا عَنْ دَلِيلٍ ; فَيَكُونُ خَطَأً، أَوْ عَنْ دَلِيلٍ. فَذَلِكَ الدَّلِيلُ ; إِمَّا نَصٌّ أَوْ قِيَاسٌ، فَإِنْ كَانَ نَصًّا، لَزِمَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ عَلَى خِلَافِهِ ; فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا ; فَلَابُدَّ وَأَنْ يَسْتَنِدَ الْقِيَاسُ إِلَى نَصٍّ ; فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ عَلَى خِلَافِهِ أَيْضًا، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَبِذَلِكَ يَبْطُلُ كَوْنُ نَاسِخِ الْإِجْمَاعِ قِيَاسًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَلِأَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مُتَضَادَّانِ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يُضَادُّ النَّصَّ، وَلَا يَنْعَقِدُ

стр. 857

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى خِلَافِهِ» . هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ نَاسِخًا. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمَنْسُوخَ إِنَّمَا يَكُونُ نَصًّا، لِمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا، وَإِذَا انْحَصَرَ الْمَنْسُوخُ فِي كَوْنِهِ نَصًّا ; فَلَوْ نُسِخَ بِالْإِجْمَاعِ، لَلَزِمَ مُضَادَةُ النَّصِّ لِلْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَادَّا، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُضَادُّ النَّصَّ، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِلَافِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي بُطْلَانَهُ، لِانْعِقَادِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ نَاسِخًا، أَثْبَتَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَعِيسَى بْنُ أَبَانٍ، وَنَفَاهُ الْبَاقُونَ، وَاخْتَارَهُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَوْ كَانَ نَاسِخًا، لَكَانَ دَلِيلُ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ ; إِمَّا نَصًّا، أَوْ إِجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا، فَإِنْ كَانَ نَصًّا ; فَالْإِجْمَاعُ النَّاسِخُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ، وَإِلَّا كَانَ خَطَأً، وَذَلِكَ الْمُسْتَنَدُ هُوَ النَّاسِخُ، لَا نَفْسُ الْإِجْمَاعِ، لَكِنْ دَلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ ; فَالْإِجْمَاعُ دَلِيلُ النَّاسِخِ، لَا نَفْسُ النَّاسِخِ. وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ إِجْمَاعًا ; فَلَوْ نُسِخَ بِالْإِجْمَاعِ، لَزِمَ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ ; فَأَحَدُهُمَا بَاطِلٌ ; فَلَا نَسْخَ. وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ قِيَاسًا ; فَهُوَ إِمَّا غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَلَا عِبْرَةَ بِهِ ; فَلَا نَسْخَ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا ; فَالْإِجْمَاعُ النَّاسِخُ، إِنِ اسْتَنَدَ إِلَى نَصٍّ ; فَالنَّصُّ هُوَ النَّاسِخُ، وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا، فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْقِيَاسِ الْأَوَّلِ، أَعْنِي الَّذِي هُوَ دَلِيلُ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ، أَوْ رَاجِحًا عَلَيْهِ ; فَالْقِيَاسُ الْأَوَّلُ لَيْسَ قِيَاسًا صَحِيحًا، لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِهِ، وَلِرُجْحَانِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا ; فَالْإِجْمَاعُ عَلَى حُكْمِهِ خَطَأٌ ; فَلَا نَسْخَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَالْحُكْمُ الْقِيَاسِيُّ الْمَنْصُوصُ الْعِلَّةِ يَكُونُ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، كَالنَّصِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ» . مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْحُكْمَ الْقِيَاسِيَّ، أَيِ: الثَّابِتَ بِالْقِيَاسِ ; إِمَّا أَنْ

стр. 858

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَكُونَ مَنْصُوصَ الْعِلَّةِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ مَنْصُوصَ الْعِلَّةِ، أَيْ: قَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى عِلَّتِهِ، كَانَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ كَالنَّصِّ يُنْسَخُ، وَيُنْسَخُ بِهِ، أَيْ: يَكُونُ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، كَمَا أَنَّ النَّصَّ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى نَصٍّ، فَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسِ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ النَّصِّ، صَارَ حُكْمُ الْقِيَاسِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ ; فَيَكُونُ نَصًّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ الْمُتَّخَذَ مِنَ الْعِنَبِ، لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا، فَإِذَا قِسْنَا عَلَيْهِ نَبِيذَ التَّمْرِ الْمُسْكِرِ، فِي التَّحْرِيمِ، كَانَ تَحْرِيمُ هَذَا النَّبِيذِ حُكْمًا مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: حَرَّمْتُ نَبِيذَ التَّمْرِ الْمُسْكِرِ ; فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الشَّرْعَ قَالَ: أَبَحْتُ نَبِيذَ الذُّرَةِ الْمُسْكِرِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ نَبِيذِ التَّمْرِ الْمُسْكِرِ ; الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْقِيَاسِ نَاسِخًا لِذَلِكَ، إِذَا ثَبَتَ تَأَخُّرُهُ عَنْ إِبَاحَةِ نَبِيذِ الذُّرَةِ، وَمَنْسُوخًا بِإِبَاحَةِ نَبِيذِ الذُّرَةِ إِذَا ثَبَتَ تَقَدُّمُ تَحْرِيمِ نَبِيذِ التَّمْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَحْرِيمَ نَبِيذِ التَّمْرِ، وَإِبَاحَةَ نَبِيذِ الذُّرَةِ حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ مَعَ اتِّحَادِ عِلَّتِهِمَا، وَهِيَ الْإِسْكَارُ ; فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَبَحْتُ الْخَمْرَ، ثُمَّ قَالَ: حَرَّمْتُهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ. وَأَمَّا إِنَّ لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَلَا مَنْسُوخًا ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَنْصُوصَةً ; فَهِيَ مُسْتَنْبَطَةٌ، وَاسْتِنْبَاطُهَا هُوَ بِاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ، وَاجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ عُرْضَةُ الْخَطَأِ ; فَلَا يَقْوَى عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، بِخِلَافِ النَّصِّ عَلَى الْعِلَّةِ ; فَإِنَّهُ حُكْمَ الشَّارِعِ الْمَعْصُومِ مِنَ الْخَطَأِ ; فَهُوَ

стр. 859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا قِسْنَا الذُّرَةَ عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، بِجَامِعِ الْكَيْلِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْعِلَّةَ فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ الشَّارِعُ: أَبَحْتُ التَّفَاضُلَ فِي السِّمْسِمِ، لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نَجْعَلَ الْإِبَاحَةَ فِي السِّمْسِمِ نَاسِخَةً لِلتَّحْرِيمِ فِي الذُّرَةِ، وَلَا التَّحْرِيمَ فِي الذُّرَةِ نَاسِخًا لِلْإِبَاحَةِ فِي السِّمْسِمِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَضَادِّ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ إِبَاحَةَ التَّفَاضُلِ فِي السِّمْسِمِ، وَتَحْرِيمَهَا فِي الذُّرَةِ مُتَضَادَّانِ، لِجَوَازِ عَدَمِ اخْتِلَافِ الْعِلَّةِ فِيهِمَا، أَوْ كَوْنِ الْحُكْمِ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ غَيْرَ مُعَلَّلٍ ; فَيَنْتَفِي التَّضَادُّ ; فَيَنْتَفِي النَّسْخُ. تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ الْآمِدِيُّ نَسْخَ حُكْمِ الْقِيَاسِ، أَيْ: كَوْنَهُ مَنْسُوخًا. وَقَالَ: مَنَعَ مِنْهُ الْحَنَابِلَةُ مُطْلَقًا، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي قَوْلٍ، وَأَجَازَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْقِيَاسِ الْمَوْجُودِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، دُونَ مَا وُجِدَ بَعْدَهُ. ثُمَّ اخْتَارَ الْآمِدِيُّ نَحْوَ مَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَحِكَايَتُهُ مَنْعَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ نَسْخِ حُكْمِ الْقِيَاسِ مُطْلَقًا، يَرُدُّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِنَا ; فَلَعَلَّهُ رَأَى قَوْلًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا شَاذًّا، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقِ النَّقْلَ. وَحَكَى فِي النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ أَقْوَالًا، ثَالِثُهَا: جَوَازُهُ بِالْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَارَ هُوَ فِيهِ تَفْصِيلًا طَوِيلًا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: مَا خَصَّ نَسَخَ» ، أَيْ: مَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ، جَازَ النَّسْخُ بِهِ، وَلَا يَقْتَصِرُ فِي النَّاسِخِ عَلَى النَّصِّ وَالْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ شَاذَّةٍ.

стр. 860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَهُوَ بَاطِلٌ» ، أَيْ: هَذَا الْقَوْلُ مَنْقُوضٌ بِأَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: دَلِيلُ الْعَقْلِ، يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ، دُونَ النَّسْخِ. الثَّانِي: الْإِجْمَاعُ، يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ، دُونَ النَّسْخِ. الثَّالِثُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ، يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ، دُونَ النَّسْخِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، إِذْ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يَنْسَخُ مِثْلَهُ، وَهَلْ يَنْسَخُ أَقْوَى مِنْهُ، كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْقَاطِعُ، عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَوَجَّهْنَا خِلَافَهُ. وَقَوْلُهُ: «يَخُصُّ وَلَا يَنْسَخُ» ، يَعْنِي: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الثَّلَاثَةُ تَكُونُ مُخَصَّصَةً، لَا نَاسِخَةً. وَقَوْلُهُ: «وَالنَّسْخُ وَالتَّخْصِيصُ مُتَنَاقِضَانِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا تَقْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ، بِبَيَانِ تَنَاقُضِهِمَا ; فَكَيْفَ يَسْتَوِيَانِ، حَتَّى يَصِحَّ أَنَّ مَا جَازَ بِأَحَدِهِمَا، جَازَ بِالْآخَرِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ النَّسْخَ إِبْطَالٌ لِلْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ رَفْعٌ لَهُ، وَالتَّخْصِيصُ تَقْرِيرٌ وَبَيَانٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنَ اللَّفْظِ، فَإِذَا بَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ، اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَرَفْعُ الْحُكْمِ وَتَقْرِيرُهُ مُتَنَاقِضَانِ ; فَيَمْتَنِعُ اسْتِوَاؤُهُمَا، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ مَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ، جَازَ النَّسْخُ بِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ كَقَوْلِنَا: مَا جَازَ أَنْ يُبَيِّنَ الْحُكْمَ وَيُقَرِّرَهُ، جَازَ أَنْ يَرْفَعَهُ، وَيُبْطِلَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ لِحُكْمَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ عَلَى عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِتَنْبِيهِ اللَّفْظِ كَمَنْطُوقِهِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ» . مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ تَنْبِيهَ اللَّفْظِ - وَهُوَ الْمَفْهُومُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، مِنْ غَيْرِ مَنْطُوقِهِ - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا، كَمَا أَنَّ الْمَنْطُوقَ - وَهُوَ اللَّفْظُ نَفْسُهُ - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا دَلِيلٌ، لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ فَحَوَى الْخِطَابِ. وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ حَكَى الْخِلَافَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ تَبَعًا، وَالْآمِدِيُّ حَكَى جَوَازَ النَّسْخِ بِفَحْوَى الْخِطَابِ، وَنَسْخِ حُكْمِهِ اتِّفَاقًا. وَالْمُرَادُ بِالْفَحْوَى: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَنْبِيهِ اللَّفْظِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، فَإِنْ صَحَّ الْخِلَافُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِيهِ ; فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ أَوْ لَا، أَوْ عَلَى أَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ أَوْ عَقْلِيَّةٌ الْتِزَامِيَّةٌ. فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ لَفْظِيَّةٌ، جَازَ نَسْخُهَا، وَالنَّسْخُ بِهَا كَالْمَنْطُوقِ، وَهُوَ لَفْظُهَا الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهَا. وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ عَقْلِيَّةٌ، كَانَتْ قِيَاسًا جَلِيًّا، وَالْقِيَاسُ لَا يُنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ عَارَضَ نَصًّا، أَوْ إِجْمَاعًا، لَمْ يُعْتَبَرْ مَعَهُمَا، وَإِنْ عَارَضَ قِيَاسًا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا، تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنِ اسْتَوَيَا، وَجَبَ التَّرْجِيحُ، وَلَا نَسْخَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ يَثْبُتُ حُكْمًا طَارِئًا مُنَاقِضًا لِحُكْمٍ قَبْلَهُ ; فَجَازَ النَّسْخُ بِهِ، وَنَسْخُهُ كَسَائِرِ مَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ. قُلْتُ: وَهَذَا يَظْهَرُ فِيمَا إِذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسَيْنِ، أَوْ عِلَّةُ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُمَا

стр. 862

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَنْصُوصَةً، أَمَّا إِنْ كَانَتَا مُسْتَنْبَطَتَيْنِ، أَوْ عِلَّةُ الْمُتَأَخِّرِ مُسْتَنْبَطَةً ; فَحُكْمُهَا التَّرْجِيحُ كَمَا سَبَقَ، وَيَضْعُفُ النَّسْخُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ قِيَاسٌ أَمْ لَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ قَوْلَهُ : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] ، نَبَّهَ عَلَى تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ ضَرْبَهُمَا كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ هَذَا التَّنْبِيهِ، كَانَ هُوَ نَاسِخًا لِإِبَاحَةِ الضَّرْبِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ إِبَاحَةَ ضَرْبِهِمَا شُرِعَتْ بَعْدَ التَّنْبِيهِ الْمَذْكُورِ، كَانَتْ نَاسِخَةً لَهُ ; فَهُوَ - أَعْنِي التَّنْبِيهَ - نَاسِخٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، مَنْسُوخٌ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَنَسْخُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ يُبْطِلُ حُكْمَ الْمَفْهُومِ، وَمَا ثَبَتَ بِعِلَّتِهِ، أَوْ دَلِيلِ خِطَابِهِ ; لِأَنَّهَا تَوَابِعُ ; فَسَقَطَتْ بِسُقُوطِ مَتْبُوعِهَا، خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ» . مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ الْمَنْطُوقَ - وَهُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ بِالْمُطَابَقَةِ أَوِ التَّضَمُّنِ - إِذَا نُسِخَ ; بَطَلَ حُكْمُ مَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِنْ مَفْهُومِهِ، وَمَعْلُولِهِ، وَدَلِيلِ خِطَابِهِ ; لِأَنَّهَا تَوَابِعُ لَهُ، وَإِذَا بَطَلَ الْمَتْبُوعُ، بَطَلَ التَّابِعُ، وَإِذَا انْتَفَى الْأَصْلُ، انْتَفَى فَرْعُهُ. وَخَالَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ; فَقَالُوا: لَا يَبْطُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يَخْتَصُّ النَّسْخُ بِالْمَنْطُوقِ وَحْدَهُ، وَمَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ النُّطْقِ ; فَهُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ ; فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِهِ نَسْخُهُ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ غَيْرَهُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرُوهُ: أَنَّ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ الْمَنْسُوخِ، لَيْسَ فَرْعًا عَلَيْهِ وَتَبَعًا لَهُ ; فَلِذَلِكَ

стр. 863

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسْتَقَلَّ، بِخِلَافِ فُرُوعِ الْمَنْطُوقِ ; فَإِنَّهَا تَزُولُ بِزَوَالِهِ، لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ فَرْعٍ بِلَا أَصْلٍ. وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ نُسِخَ تَحْرِيمُ التَّأْفِيفِ - الَّذِي هُوَ الْمَنْطُوقُ - لَبَطَلَ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ - الَّذِي هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ - تَبَعًا لِأَصْلِهِ. وَلَوْ نُسِخَ النَّهْيُ عَنْ قَضَاءِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ ; لَبَطَلَ تَحْرِيمُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُزْعِجَةِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا. وَلَوْ نُسِخَ قَوْلُهُ: «مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» ; لَبَطَلَ مَفْهُومُ عِلَّتِهِ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَمْ يُسْكِرْ ; فَلَيْسَ بِحَرَامٍ. وَلَوْ نُسِخَ قَوْلُهُ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» ; لَبَطَلَ مَفْهُومُ دَلِيلِ خِطَابِهِ ; وَهُوَ أَنَّ غَيْرَ السَّائِمَةِ لَا زَكَاةَ فِيهَا. كُلُّ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا فُرُوعٌ تَبِعَتْ أَصْلَهَا فِي السُّقُوطِ، فَإِنْ أُرِيدَ إِثْبَاتُهَا، احْتَاجَتْ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ مُثْبِتٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ هِيَ ثَابِتَةٌ بَعْدَ زَوَالِ أَصْلِهَا ; فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُثْبِتٍ. وَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ الْحُكْمَ الْقِيَاسِيَّ يَبْقَى بَعْدَ نَسْخِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِمْ. وَمِثَالُهُ: لَوْ نُسِخَ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ مَثَلًا، لَبَقِيَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي الْأُرْزِ وَالذُّرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْتَفَى تَبَعًا لِأَصْلِهِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ. وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْحُكْمَ هَلْ يَفْتَقِرُ فِي دَوَامِهِ إِلَى دَوَامِ عِلَّتِهِ أَمْ لَا؟ إِنْ قِيلَ: يَفْتَقِرُ إِلَى دَوَامِ عِلَّتِهِ، تَبِعَ حُكْمُ الْفَرْعِ حُكْمَ أَصْلِهِ فِي النَّسْخِ، وَإِلَّا ; فَلَا. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْبَاقِيَ هَلْ يَفْتَقِرُ فِي بَقَائِهِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ أَمْ لَا؟ فَرْعٌ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ نَسْخِ اللَّفْظِ وَمَفْهُومِهِ مَعًا، وَمَنَعَ الْأَكْثَرُونَ نَسْخَ حُكْمِ

стр. 864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَنْطُوقِ دُونَ فَحْوَاهُ، كَنَسْخِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ دُونَ الضَّرْبِ، نَحْوَ: قُلْ لَهُ: أُفٍّ وَلَا تَضْرِبْهُ. وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ كَمَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَتَرَدَّدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي عَكْسِ ذَلِكَ، وَهُوَ نَسْخُ الْفَحْوَى دُونَ مَنْطُوقِهِ، نَحْوَ: اضْرِبْهُ، وَلَا تَقُلْ لَهُ: أُفٍّ ; فَمَنَعَهُ مَرَّةً لِتَنَاقُضِهِ، إِذِ الْغَرَضُ مِنْ مَنْعِ التَّأْفِيفِ الْإِكْرَامُ، وَإِبَاحَةُ الضَّرْبِ تُنَافِيهِ، وَأَجَازَهُ مَرَّةً، وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ ; لِأَنَّهُ نَهَى عَنِ الْأَمْرَيْنِ، ثُمَّ خَصَّ أَحَدَهُمَا بِالْجَوَازِ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ; فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ عِلَّةُ الْمَنْطُوقِ مِمَّا لَا تَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ ; كَإِكْرَامِ الْوَالِدِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَأْفِيفِهِ، امْتَنَعَ نَسْخُ الْفَحْوَى دُونَهُ، لِتَنَاقُضِ الْمَقْصُودِ كَمَا قُلْنَا، وَإِنِ احْتَمَلَتِ التَّغَيُّرَ ; جَازَ ; لِاحْتِمَالِ الِانْتِقَالِ مِنْ عِلَّةٍ إِلَى أُخْرَى، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ: لَا تُعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا، يَقْصِدُ بِذَلِكَ حِرْمَانَهُ، لِغَضَبِهِ عَلَيْهِ ; فَفَحْوَاهُ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِذَا نَسَخَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَعْطِهِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَلَا تُعْطِهِ دِرْهَمًا، جَازَ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ عِلَّةِ حِرْمَانِ زِيدٍ، إِلَى عِلَّةِ إِعْطَائِهِ، وَمُوَاسَاتِهِ، وَالتَّوْقِيرِ لَهُ، لِزَوَالِ غَضَبِهِ عَلَيْهِ، وَبَرَاءَةِ سَاحَتِهِ عِنْدَهُ مِمَّا رُمِيَ بِهِ. وَبِهَذَا يَتَّجِهُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْ عَبْدِ الْجَبَّارِ - أَعْنِي: مُجْمَلَهُمَا عَلَى حَالَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 865

خَاتِمَةٌ لَا يُعْرَفُ النَّسْخُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وَلَا قِيَاسِيٍّ، بَلْ بِالنَّقْلِ الْمُجَرَّدِ، أَوِ الْمَشُوبِ بِاسْتِدْلَالٍ عَقْلِيٍّ، كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ، أَوْ بِنَقْلِ الرَّاوِي، نَحْوَ: «رُخِّصَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ، ثُمَّ نُهِينَا عَنْهَا» . أَوْ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ، نَحْوَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ; فَزُورُوهَا» . وَبِالتَّارِيخِ، نَحْوَ: قَالَ سَنَةَ خَمْسٍ كَذَا، وَعَامَ الْفَتْحِ كَذَا. أَوْ يَكُونُ رَاوِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مَاتَ قَبْلَ إِسْلَامِ الثَّانِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ تَلْحَقُهُمَا أَحْكَامٌ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، كَالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، وَالْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ وَنَحْوِهَا، عَقَّبْنَاهُمَا بِذِكْرِهَا. ــ خَاتِمَةٌ، يَعْنِي لِبَابِ النَّسْخِ، وَهِيَ فِي مَا يُعْرَفُ بِهِ النَّسْخُ: «لَا يُعْرَفُ النَّسْخُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، وَلَا قِيَاسِيٍّ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّسْخَ إِمَّا رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ بَيَانُ مُدَّةِ انْتِهَائِهِ، وَكِلَاهُمَا لَا طَرِيقَ لِلْعَقْلِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ. وَلَوْ كَانَ لِلْعَقْلِ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّسْخِ بِدُونِ النَّقْلِ ; لَكَانَ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِدُونِ النَّقْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: «بَلْ بِالنَّقْلِ الْمُجَرَّدِ» ، أَيْ: لَا يُعْرَفُ النَّسْخُ بِالْعَقْلِ، بَلْ بِالنَّقْلِ الْمُجَرَّدِ، أَوِ الْمَشُوبِ بِاسْتِدْلَالٍ عَقْلِيٍّ، كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ، كَإِبَاحَةِ الْخَمْرِ، فَإِنَّ نَسْخَهَا عُرِفَ بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ بِنَقْلِ الرَّاوِي، نَحْوَ قَوْلِهِ: رُخِّصَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ - يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ - ثُمَّ نُهِينَا عَنْهَا. كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 866

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، كَانَ الرَّجُلُ يَقْدُمُ الْبَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ ; فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ ; فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ، وَتُصْلِحُ شَيْأَهُ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٦] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكُلُّ فَرْجٍ سِوَى هَذَيْنِ حَرَامٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَوْلُهُ: أَوْ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ، أَيْ: يُعْرَفُ النَّسْخُ بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ بِنَقْلِ الرَّاوِي، أَوْ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ، أَيْ: لَفْظِ الْحَدِيثِ عَلَى النَّسْخِ، كَمَا رَوَى بُرَيْدَةُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ; فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ

стр. 867

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَبْرِ أُمِّهِ ; فَزُورُوهَا ; فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ; فَهَذَا نَصٌّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى نَسْخِ الْمَنْعِ، وَتَصْرِيحٌ بِهِ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ: كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا ; فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْهَا بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ.

стр. 868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَبِالتَّارِيخِ» ، أَيْ: وَيُعْرَفُ النَّسْخُ بِالتَّارِيخِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، سَنَةَ خَمْسٍ كَذَا، أَوْ عَامَ الْفَتْحِ - وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ - كَذَا، أَوْ يَكُونَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ، كَحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي مَسِّ الذَّكَرِ: هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: جِئْتُ وَهُمْ يُؤَسِّسُونَ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبُسْرَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ،

стр. 869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَبِنَاءُ الْمَسْجِدِ كَانَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ. وَكَذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي قَطْعِ الْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ ; كَانَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي الْمَدِينَةِ. وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمَكَّةَ فِي وَقْتِ الْحَجِّ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَطْعَ الْخُفَّيْنِ ; فَكَانَ تَرْكُهُ لِبَيَانِ وُجُودِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ دَلِيلًا عَلَى نَسْخِهِ. قَوْلُهُ: «أَوْ يَكُونُ رَاوِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مَاتَ قَبْلَ إِسْلَامِ الثَّانِي» . هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ النَّسْخُ، كَمَا لَوْ رَوَى مَثَلًا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁، أَوْ مُصْعَبُ بْنُ

стр. 870

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عُمَيْرٍ، أَوْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَتْ وَفَاتُهُمْ ﵃، الْمَنْعَ مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، ثُمَّ رَأَيْنَا جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ يَرْوِي جَوَازَهُنَّ عَلِمْنَا أَنَّ حَدِيثَهُ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَهَذَا مِثَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إِلَّا رِوَايَةُ جَرِيرٍ لِلْمَسْحِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ رَاوِيَ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ لَمْ يَمُتْ قَبْلَ إِسْلَامِ رَاوِي الثَّانِي، بَلْ بَعْدَهُ ; فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَبَرَيْنِ قِيلَ قَبْلَ الْآخَرِ ; فَلَا يَتَحَقَّقُ أَيُّهُمَا النَّاسِخُ، وَلِمَعْرِفَةِ النَّاسِخِ طُرُقٌ أُخَرُ، لَمْ تُذْكَرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» تَبَعًا لِأَصْلِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ تَلْحَقُهُمَا أَحْكَامٌ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَنَحْوِهَا» يَعْنِي كَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ «عَقَّبْنَاهُمَا» ، أَيْ: عَقَّبْنَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِذِكْرِهَا، أَيْ: بِذِكْرِ مَا يَلْحَقُهُمَا مِنَ الْعَوَارِضِ الْمَذْكُورَةِ، أَيْ: ذَكَرْنَاهَا عَقِيبَهَا. وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْبَيَانِ لِمُنَاسَبَةِ تَعْقِيبِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ، كَمَا بَيَّنَّا مُنَاسَبَةَ تَعْقِيبِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالنَّسْخِ فِي أَوَّلِهِ، وَكَانَ تَقْدِيمُ النَّسْخِ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ إِنَّمَا يُنْظَرُ فِي أَحْكَامِ عَوَارِضِهِ إِذَا كَانَ مَعْمُولًا بِهِ، وَالْمَنْسُوخُ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ بِمَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، مَا اللَّفْظُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، نُظِرَ حِينَئِذٍ فِي أَحْكَامِ عَوَارِضِهِ، لِئَلَّا يَضِيعَ النَّظَرُ فِي لَفْظٍ قَدْ بَطَلَ بِالنَّسْخِ.

стр. 871

الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي: الْأَمْرُ: قِيلَ: هُوَ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ دَوْرٌ، وَقِيلَ: اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ. وَقَدْ يُسْتَدْعَى الْفِعْلُ بِغَيْرِ قَوْلٍ فَلَوْ أُسْقِطَ، أَوْ قِيلَ: بِالْقَوْلِ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ، لَاسْتَقَامَ، وَلَمْ تَشْتَرِطِ الْمُعْتَزِلَةُ الِاسْتِعْلَاءَ، لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ لِمَنْ دُونَهُ: مَاذَا تَأْمُرُونَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِشَارَةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى تَحْمِيقِ الْعَبْدِ الْآمِرِ سَيِّدَهُ. وَلِلْأَمْرِ صِيغَةٌ تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا صِيغَةَ لِلْأَمْرِ بِنَاءً عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَقَدْ سَبَقَ مَنْعُهُ. وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ مِمَّا وَرَدَتْ بِهِ كَالنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَالتَّعْجِيزِ، وَالتَّسْخِيرِ، وَالتَّسْوِيَةِ، وَالْإِهَانَةِ، وَالْإِكْرَامِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَالدُّعَاءِ، وَالْخَبَرِ، نَحْوَ: كَاتِبُوهُمْ، اصْطَادُوا، ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ ، ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ ، ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ ، ﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾ ، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ ، ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» ، وَالتَّمَنِّي: أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي» . أَيْ: هَذَا بَيَانُ الْقَوْلِ فِيهَا: وَ «الْأَوَامِرُ» : جَمْعُ أَمْرٍ. وَقَدْ سَبَقَ فِي بَيَانِ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ ; أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ. وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْقَوْلُ فِي الْأَوَامِرِ ; لِأَنَّهَا طَلَبُ إِيجَادِ الْفِعْلِ، وَالنَّوَاهِي طَلَبُ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ ; فَقُدِّمَتِ الْأَوَامِرُ تَقْدِيمَ الْمَوْجُودِ عَلَى الْمَعْدُومِ، وَهُوَ التَّقْدِيمُ بِحَسَبِ الشَّرَفِ، وَلَوْ لُحِظَ التَّقْدِيمُ الزَّمَانِيُّ، لَقُدِّمَتِ النَّوَاهِي تَقْدِيمَ الْعَدَمِ عَلَى الْمَوْجُودِ ; لِأَنَّ الْعَدَمَ أَقْدَمُ. قَوْلُهُ: «الْأَمْرُ: قِيلَ: الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ، بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ» ; فَقَوْلُهُ: «الْقَوْلُ» : جِنْسٌ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ، وَالنَّهْيَ، وَغَيْرَهُمَا، مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ. وَقَوْلُهُ: «الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ» : فَصْلٌ، خَرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، كَالْخَبَرِ، وَالتَّمَنِّي، وَالتَّرَجِّي، وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ بَقِيَ النَّهْيُ دَاخِلًا فِي حَدِّ الْأَمْرِ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ ; فَأُخْرِجَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ: بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ ; لِأَنَّ النَّهْيَ، وَإِنْ كَانَ قَوْلًا يَقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ، لَكِنْ لَا بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، بَلْ بِالْكَفِّ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ; فَمُتَعَلِّقُ الطَّاعَةِ فِي الْأَمْرِ الْفِعْلُ، وَفِي النَّهْيِ الْكَفُّ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ دَوْرٌ» ، أَيْ: هَذَا التَّعْرِيفُ، دَوْرِيٌّ يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ ; لِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ

стр. 873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِلْأَمْرِ بِالْمَأْمُورِ، وَالْمَأْمُورِ بِهِ ; الْمُتَوَقِّفِ مَعْرِفَتُهُمَا عَلَى الْأَمْرِ ; فَصَارَ تَعْرِيفًا لِلْأَمْرِ بِنَفْسِهِ، بِوَاسِطَةِ الْمَأْمُورِ وَالْمَأْمُورِ بِهِ. وَهَذَا كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ بِمَعْرِفَةِ الْمَعْلُومِ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ» ، أَيْ: وَقِيلَ: الْأَمْرُ هُوَ اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا تَعْرِيفٌ آخَرُ لِلْأَمْرِ ; فَاسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ: طَلَبُهُ، وَهُوَ جِنْسٌ ; لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ، وَالشَّفَاعَةَ، وَالِالْتِمَاسَ ; لِأَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَدْنَى، وَهُوَ سُؤَالٌ، أَوْ مِنَ الْمُسَاوِي، وَهُوَ شَفَاعَةٌ وَالْتِمَاسٌ، أَوْ مِنَ الْأَعْلَى، وَهُوَ الْأَمْرُ. وَيَدْخُلُ فِيهِ، أَيْ: فِي الِاسْتِدْعَاءِ النَّهْيُ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ اسْتِدْعَاءُ التَّرْكِ ; فَبِقَوْلِهِ: «اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ» خَرَجَ النَّهْيُ. وَقَوْلُهُ: «عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ» ، أَيْ: يَكُونُ الْأَمْرُ مُتَكَيِّفًا بِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِعْلَاءِ وَالتَّرَفُّعِ عَلَى الْمَأْمُورِ، كَالسَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ، وَالسُّلْطَانِ مَعَ رَعِيَّتِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَقَدْ يُسْتَدْعَى الْفِعْلُ بِغَيْرِ قَوْلٍ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا بَيَانٌ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي قَوْلِهِمْ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ: «اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ» لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يُسْتَدْعَى بِغَيْرِ قَوْلٍ، كَالْإِشَارَةِ وَالرَّمْزِ ; فَيَخْرُجُ الْأَمْرُ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ ; فَلَا يَكُونُ جَامِعًا ; فَلَوْ أُسْقِطَ لَفْظُ الْقَوْلِ مِنْهُ، بِأَنْ قِيلَ: الْأَمْرُ اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ، لَاسْتَقَامَ الْحَدُّ ; لِأَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْفِعْلِ

стр. 874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بُقُولٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قِيلَ: الْأَمْرُ: اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ، لَاسْتَقَامَ أَيْضًا لِأَنَّ مَا قَامَ مَقَامَ الْقَوْلِ، يَتَنَاوَلُ الْإِشَارَةَ وَالرَّمْزَ، وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَكُونُ بِهِ الْأَمْرُ. قُلْتُ: وَقَدْ يُعْتَذَرُ عَنْ هَذَا ; بِأَنَّ التَّعْرِيفَ هَاهُنَا لِلْأَمْرِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ، بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ. فَأَمَّا الِاسْتِدْعَاءُ الْحَاصِلُ بِغَيْرِ الْقَوْلِ الصَّرِيحِ ; فَهُوَ أَمْرٌ مَجَازِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ ; لِأَنَّ الطَّلَبَ مِنْ لَوَازِمِ الْأَمْرِ الْحَقِيقِيِّ، وَالصِّيغَةُ مِنْ لَوَازِمِ الطَّلَبِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ فِي الْعِبَادَاتِ اللِّسَانِيَّةِ، لَا فِي الْمَعَانِي النَّفْسَانِيَّةِ. قَوْلُهُ: «وَلَمْ تَشْتَرِطِ الْمُعْتَزِلَةُ الِاسْتِعْلَاءَ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ شَرْطٌ فِي كَوْنِ اسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ أَمْرًا، كَمَا سَبَقَ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٣٤، ٣٥] ; فَجَعَلَ الْقَوْلَ الصَّادِرَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ أَمْرًا، مَعَ كَوْنِهِ هُوَ أَعْلَى مِنْهُمْ ; فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونُوا هُمْ أَعْلَى مِنْهُ، وَلَمْ يَكُونُوا لِيُخَاطِبُوهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ إِلَهًا وَرَبًّا، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِعْلَاءُ شَرْطًا فِي الْأَمْرِ، لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ لَهُمْ: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ.

стр. 875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِشَارَةِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: (مَاذَا تَأْمُرُونَ) مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى: مَاذَا تُشِيرُونَ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ. وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَذْكُورُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَحْمِيقِ الْعَبْدِ الْآمِرِ سَيِّدَهُ، أَيْ: أَنَّ الْعُقَلَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَمَرَ سَيِّدَهُ بِأَنْ قَالَ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَفْعَلَ، أَوْ أَخْرَجَ لَفْظَةً لِسَيِّدِهِ مَخْرَجَ الِاسْتِعْلَاءِ، عُدَّ أَحْمَقَ، نَاقِصَ الْعَقْلِ، سَيِّئَ الْأَدَبِ، مَذْمُومًا. وَلَوْلَا اشْتِرَاطُ الِاسْتِعْلَاءِ فِي الْأَمْرِ، لَاسْتَوَى فِيهِ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ، وَالْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ، وَلَمْ يَتَّجِهْ عَلَيْهِ التَّحْمِيقُ فِيمَا إِذَا أَمَرَهُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ طَالِبًا لِلْفِعْلِ مِنْهُ طَلَبًا مُجَرَّدًا، كَالسَّائِلِ الْمُلْتَمِسِ. فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ تَحْمِيقُ الْعَبْدِ الْآمِرِ سَيِّدَهُ مِنْ جِهَةِ اسْتِعْلَائِهِ عَلَيْهِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْجَزْمَ، أَوْ يُشْعِرُ بِهِ ; فَيَكُونُ بِذَلِكَ كَالْمُتَحَكِّمِ عَلَى سَيِّدِهِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْجَزْمَ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ; فَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ، بَلْ هُوَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمُ النَّدْبَ ; فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ الْجَزْمَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْمِيقِ الْعَبْدِ الْمَذْكُورِ ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَحْمِيقَهُ لَيْسَ لِتَحَكُّمِهِ بِالْجَزْمِ، بَلْ لِادِّعَائِهِ مَنْصِبَ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى سَيِّدِهِ.

стр. 876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَادَةَ الْمُلُوكِ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ مُهِمٌّ، إِنَّمَا يَسْتَشِيرُونَ مَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ وُزَرَائِهِمْ وَنُدَمَائِهِمْ، لَا أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ لَهُمْ رَعِيَّةً يَأْتَمِرُونَ بِأَوَامِرِهِمْ ; فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَاذَا تَأْمُرُونَ؟ ، اسْتِشَارَةٌ لَا ائْتِمَارٌ، عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ بِقَوْلِ فِرْعَوْنَ، وَلَمْ يَدُلَّ النَّصُّ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ، وَهُوَ لَيْسَ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ ; فَجَازَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذَا الِاسْتِعْمَالِ، أَوْ وَرَدَ عَلَيْهِ وَارِدٌ عَظِيمٌ مِنْ أَمْرِ مُوسَى، صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَخَلَّ بِشَرْطِ الْأَمْرِ، وَقَلَبَ حَقِيقَتَهُ، خُصُوصًا وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، عَاتَبَهُ فِرْعَوْنُ بِمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، ثُمَّ قَالَ لِأَعْوَانِهِ: خُذُوهُ ; فَبَادَرَهُمْ مُوسَى بِإِلْقَاءِ عَصَاهُ ; فَصَارَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا ; فَانْهَزَمُوا مِنْهُ مُزْدَحِمِينَ، حَتَّى هَلَكَ مِنْهُمْ بِالزِّحَامِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَكَانَ فِرْعَوْنُ لَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا مَرَّةً ; فَتَرَدَّدَ إِلَى الْخَلَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً ; فَلَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى هَذَا الْهَوْلَ، اخْتَلَطَ عَقْلُهُ ; فَقَلَبَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَأَخَلَّ بِشَرْطِهِ وَهُوَ الِاسْتِعْلَاءُ. وَيَكُونُ هَذَا، كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْجُبَنَاءِ، أَنَّ الْعَدُوَّ أَرْهَقَهُ ; فَقَامَ لِيَلْجِمَ فَرَسَهُ فِي رَأْسِهِ ; فَأَلْجَمَهُ فِي ذَنَبِهِ، ثُمَّ لَمَّا رَكِبَ، وَرَاحَ مُنْهَزِمًا، أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ ; فَمَرَّ بِقَوْمٍ ; فَقَالَ: أَطْعِمُونِي مَاءً ; فَقَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ يَهْجُوهُ:

стр. 877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَلْجَمَ الطِّرْفَ بَعْدَ الرَّأْسِ فِي ذَنَبٍ ... وَاسْتَطْعَمَ الْمَاءَ لَمَّا جَدَّ فِي الْهَرَبِ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِعْلَاءِ فِي الْأَمْرِ ; أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ ، لَمَّا قَالَ لِبَرِيرَةَ: صَالِحِي مُغِيثًا - يَعْنِي زَوْجَهَا لَمَّا أَرَادَتْ فِرَاقَهُ - قَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، لَكِنِّي أَشْفَعُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِعْلَاءُ شَرْطًا فِي الْأَمْرِ، لَمَا افْتَرَقَ الْأَمْرُ وَالشَّفَاعَةُ. قَوْلُهُ: «وَلِلْأَمْرِ صِيغَةٌ تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَيْهِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: الْأَمْرُ لَهُ صِيغَةٌ، أَيْ: لَفْظٌ يَدُلُّ بِمُجَرَّدِهِ عَلَيْهِ، أَيْ: بِدُونِ الْقَرِينَةِ. وَالْمُرَادُ: أَنَّ لِلْأَمْرِ صِيغَةً مَوْضُوعَةً لَهُ، تَدُلُّ عَلَيْهِ حَقِيقَةً، كَدَلَالَةِ سَائِرِ

стр. 878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَلْفَاظِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَى مَوْضُوعَاتِهَا، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. «وَقِيلَ: لَا صِيغَةَ لِلْأَمْرِ، بِنَاءً عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ» ، أَيْ: الْقَائِلُ: إِنَّ الْأَمْرَ لَا صِيغَةَ لَهُ، بَنَى ذَلِكَ عَلَى إِثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ ; فَإِنَّهُ مَعْنًى لَا صِيغَةٌ، «وَقَدْ سَبَقَ مَنْعُهُ» ، أَيْ: مَنْعُ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ اللُّغَاتِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: هَلْ لِلْأَمْرِ النَّفْسَانِيِّ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ؟ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ نَفْيُهَا، وَعَنِ الْغَيْرِ إِثْبَاتُهَا، قَالَ: وَالْحَقُّ الْإِثْبَاتُ. قُلْتُ: قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ: لَيْسَ لِلْأَمْرِ النَّفْسِيِّ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ الْقُرْآنَ صِيَغٌ وَعِبَارَاتٌ مَخْلُوقَةٌ، تَدُلُّ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ ، الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، تَنَاقُضٌ. وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ: أَنَّ لِلْكَلَامِ وَالْأَمْرِ صِيَغًا تَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ ; فَلَعَلَّ مَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْهُ، قَوْلٌ مَرْجُوعٌ عَنْهُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ مَا ظَهَرَ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَهِيَ» ، أَيْ: صِيغَةُ الْأَمْرِ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ «حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ» إِلَى آخِرِهِ. مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ - وَهِيَ لَفْظُ افْعَلْ - نَحْوَ: اعْلَمْ،

стр. 879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاضْرِبْ، أُطْلِقَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ لِمَعَانٍ: أَحَدُهَا: الطَّلَبُ الْجَازِمُ، وَهُوَ الْإِيجَابُ، نَحْوَ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١٠] . وَثَانِيهَا: النَّدْبُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النُّورِ: ٣٣] ، وَالْكِتَابَةُ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَثَالِثُهَا: الْإِبَاحَةُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢] ، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٥] . وَرَابِعُهَا: التَّعْجِيزُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٠] ، أَيْ: فَلَنْ تُعْجِزَنِي إِعَادَتُكُمْ. وَخَامِسُهَا: التَّسْخِيرُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦٥] ، أَيْ: تَسَخَّرَتْ مَوَادُ أَجْسَامِهِمْ، لِانْقِلَابِهَا عَنِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى الْقِرْدِيَّةِ بِالْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ. وَسَادِسُهَا: التَّسْوِيَةُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطُّورِ: ١٦] ، أَيْ: الصَّبْرُ وَعَدَمُهُ. وَسَابِعُهَا: الْإِهَانَةُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٩] عَلَى جِهَةِ الْإِهَانَةِ لَهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٨] ، ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٥٠] ، وَ ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٤] . وَثَامِنُهَا: الْإِكْرَامُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٦] .

стр. 880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَاسِعُهَا: التَّهْدِيدُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٠] ، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٦] ; فَهَذَا أَمْرٌ بِلَامِ الْأَمْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥٥] . وَعَاشِرُهَا: الدُّعَاءُ، نَحْوَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٦] . وَحَادِيَ عَشَرَهَا: الْخَبَرُ، كَقَوْلِهِ: إِذَا لَمْ تَسْتَحْ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ، قِيلَ: مَعْنَاهُ: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، صَنَعْتَ مَا شِئْتَ ; فَقَوْلُهُ: صَنَعْتَ، وَالْكَلَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهَا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، يَصِحُّ فِي جَوَابِهَا: صَدَقَ أَوْ كَذَبَ. وَثَانِيَ عَشَرَهَا: التَّمَنِّي، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ... بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ
следующие страницы →