← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَادَةَ الْمُلُوكِ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ مُهِمٌّ، إِنَّمَا يَسْتَشِيرُونَ مَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ وُزَرَائِهِمْ وَنُدَمَائِهِمْ، لَا أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ لَهُمْ رَعِيَّةً يَأْتَمِرُونَ بِأَوَامِرِهِمْ ; فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَاذَا تَأْمُرُونَ؟ ، اسْتِشَارَةٌ لَا ائْتِمَارٌ، عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ بِقَوْلِ فِرْعَوْنَ، وَلَمْ يَدُلَّ النَّصُّ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ، وَهُوَ لَيْسَ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ ; فَجَازَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذَا الِاسْتِعْمَالِ، أَوْ وَرَدَ عَلَيْهِ وَارِدٌ عَظِيمٌ مِنْ أَمْرِ مُوسَى، صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَخَلَّ بِشَرْطِ الْأَمْرِ، وَقَلَبَ حَقِيقَتَهُ، خُصُوصًا وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، عَاتَبَهُ فِرْعَوْنُ بِمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، ثُمَّ قَالَ لِأَعْوَانِهِ: خُذُوهُ ; فَبَادَرَهُمْ مُوسَى بِإِلْقَاءِ عَصَاهُ ; فَصَارَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا ; فَانْهَزَمُوا مِنْهُ مُزْدَحِمِينَ، حَتَّى هَلَكَ مِنْهُمْ بِالزِّحَامِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَكَانَ فِرْعَوْنُ لَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا مَرَّةً ; فَتَرَدَّدَ إِلَى الْخَلَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً ; فَلَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى هَذَا الْهَوْلَ، اخْتَلَطَ عَقْلُهُ ; فَقَلَبَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَأَخَلَّ بِشَرْطِهِ وَهُوَ الِاسْتِعْلَاءُ. وَيَكُونُ هَذَا، كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْجُبَنَاءِ، أَنَّ الْعَدُوَّ أَرْهَقَهُ ; فَقَامَ لِيَلْجِمَ فَرَسَهُ فِي رَأْسِهِ ; فَأَلْجَمَهُ فِي ذَنَبِهِ، ثُمَّ لَمَّا رَكِبَ، وَرَاحَ مُنْهَزِمًا، أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ ; فَمَرَّ بِقَوْمٍ ; فَقَالَ: أَطْعِمُونِي مَاءً ; فَقَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ يَهْجُوهُ:

стр. 877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَلْجَمَ الطِّرْفَ بَعْدَ الرَّأْسِ فِي ذَنَبٍ ... وَاسْتَطْعَمَ الْمَاءَ لَمَّا جَدَّ فِي الْهَرَبِ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِعْلَاءِ فِي الْأَمْرِ ; أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ ، لَمَّا قَالَ لِبَرِيرَةَ: صَالِحِي مُغِيثًا - يَعْنِي زَوْجَهَا لَمَّا أَرَادَتْ فِرَاقَهُ - قَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، لَكِنِّي أَشْفَعُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِعْلَاءُ شَرْطًا فِي الْأَمْرِ، لَمَا افْتَرَقَ الْأَمْرُ وَالشَّفَاعَةُ. قَوْلُهُ: «وَلِلْأَمْرِ صِيغَةٌ تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَيْهِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: الْأَمْرُ لَهُ صِيغَةٌ، أَيْ: لَفْظٌ يَدُلُّ بِمُجَرَّدِهِ عَلَيْهِ، أَيْ: بِدُونِ الْقَرِينَةِ. وَالْمُرَادُ: أَنَّ لِلْأَمْرِ صِيغَةً مَوْضُوعَةً لَهُ، تَدُلُّ عَلَيْهِ حَقِيقَةً، كَدَلَالَةِ سَائِرِ

стр. 878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَلْفَاظِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَى مَوْضُوعَاتِهَا، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. «وَقِيلَ: لَا صِيغَةَ لِلْأَمْرِ، بِنَاءً عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ» ، أَيْ: الْقَائِلُ: إِنَّ الْأَمْرَ لَا صِيغَةَ لَهُ، بَنَى ذَلِكَ عَلَى إِثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ ; فَإِنَّهُ مَعْنًى لَا صِيغَةٌ، «وَقَدْ سَبَقَ مَنْعُهُ» ، أَيْ: مَنْعُ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ اللُّغَاتِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: هَلْ لِلْأَمْرِ النَّفْسَانِيِّ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ؟ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ نَفْيُهَا، وَعَنِ الْغَيْرِ إِثْبَاتُهَا، قَالَ: وَالْحَقُّ الْإِثْبَاتُ. قُلْتُ: قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ: لَيْسَ لِلْأَمْرِ النَّفْسِيِّ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ الْقُرْآنَ صِيَغٌ وَعِبَارَاتٌ مَخْلُوقَةٌ، تَدُلُّ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ ، الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، تَنَاقُضٌ. وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ: أَنَّ لِلْكَلَامِ وَالْأَمْرِ صِيَغًا تَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ ; فَلَعَلَّ مَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْهُ، قَوْلٌ مَرْجُوعٌ عَنْهُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ مَا ظَهَرَ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَهِيَ» ، أَيْ: صِيغَةُ الْأَمْرِ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ «حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ» إِلَى آخِرِهِ. مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ - وَهِيَ لَفْظُ افْعَلْ - نَحْوَ: اعْلَمْ،

стр. 879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاضْرِبْ، أُطْلِقَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ لِمَعَانٍ: أَحَدُهَا: الطَّلَبُ الْجَازِمُ، وَهُوَ الْإِيجَابُ، نَحْوَ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١٠] . وَثَانِيهَا: النَّدْبُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النُّورِ: ٣٣] ، وَالْكِتَابَةُ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَثَالِثُهَا: الْإِبَاحَةُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢] ، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٥] . وَرَابِعُهَا: التَّعْجِيزُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٠] ، أَيْ: فَلَنْ تُعْجِزَنِي إِعَادَتُكُمْ. وَخَامِسُهَا: التَّسْخِيرُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦٥] ، أَيْ: تَسَخَّرَتْ مَوَادُ أَجْسَامِهِمْ، لِانْقِلَابِهَا عَنِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى الْقِرْدِيَّةِ بِالْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ. وَسَادِسُهَا: التَّسْوِيَةُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطُّورِ: ١٦] ، أَيْ: الصَّبْرُ وَعَدَمُهُ. وَسَابِعُهَا: الْإِهَانَةُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٩] عَلَى جِهَةِ الْإِهَانَةِ لَهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٨] ، ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٥٠] ، وَ ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٤] . وَثَامِنُهَا: الْإِكْرَامُ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٦] .

стр. 880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَاسِعُهَا: التَّهْدِيدُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٠] ، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٦] ; فَهَذَا أَمْرٌ بِلَامِ الْأَمْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥٥] . وَعَاشِرُهَا: الدُّعَاءُ، نَحْوَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٦] . وَحَادِيَ عَشَرَهَا: الْخَبَرُ، كَقَوْلِهِ: إِذَا لَمْ تَسْتَحْ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ، قِيلَ: مَعْنَاهُ: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، صَنَعْتَ مَا شِئْتَ ; فَقَوْلُهُ: صَنَعْتَ، وَالْكَلَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهَا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، يَصِحُّ فِي جَوَابِهَا: صَدَقَ أَوْ كَذَبَ. وَثَانِيَ عَشَرَهَا: التَّمَنِّي، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ... بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ

стр. 881

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: انْجَلِي: تَمَنَّى انْجِلَاءَهُ عَنْهُ لِطُولِهِ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ ... عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الْهُمُومِ لِيَبْتَلِي فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَيْ: لِطُولِهِ عَلَيَّ، قُلْتُ لَهُ: أَنَا أَتَمَنَّى انْجِلَاءَكَ عَنِّي. وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِمَعَانٍ أُخَرَ: نَحْوَ الْإِرْشَادِ إِلَى مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا، نَحْوَ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] ، ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] ، يَعْنِي بِالتَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ. وَالِامْتِنَانِ، نَحْوَ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٥٧] ، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ [سَبَأٍ: ١٥] . وَالْإِنْذَارِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٧١] . وَإِذَا ثَبَتَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الصِّيغَةِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي ; فَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ

стр. 882

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْجَازِمِ مِنْهَا، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ. هَذَا الْمَذْكُورُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِيغَةَ: افْعَلْ مَجَازٌ فِيمَا سِوَى الطَّلَبِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، أَوْ حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ، مَجَازٌ فِيمَا سِوَاهَا، أَوْ فِي الطَّلَبِ، مَجَازٌ فِيمَا سِوَاهُ. قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ كَذَا مُجَرَّدًا عَنْ جَمِيعِ الْقَرَائِنِ، تَبَادَرَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ الطَّلَبُ، وَذَلِكَ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ. قُلْتُ: وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ، ثَبَتَ أَنَّهَا لِلْجَزْمِ، بِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قُلْتُ: وَقَوْلِي: «كَالنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَالتَّعْجِيزِ، وَالتَّسْخِيرِ، وَالتَّسْوِيَةِ، وَالْإِهَانَةِ، وَالْإِكْرَامِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَالدُّعَاءِ، وَالْخَبَرِ» ، هَذَا سَرْدٌ لِلْمَعَانِي الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ فِيهَا هَذِهِ الصِّيغَةُ. وَقَوْلِي: «نَحْوَ كَاتِبُوهُمْ، اصْطَادُوا، ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ ، ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ ، ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ ، ﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾ ، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ ، اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِذَا لَمْ تَسْتَحْ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» هَذَا سَرْدٌ لِأَمْثِلَةِ تِلْكَ الْمَعَانِي، عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ. وَالتَّمَنِّي ذِكْرُ مِثَالِهِ يَلِيهِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدْتُهُ ; لِأَنَّ مِثَالَهُ لَيْسَ مِنَ الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ أَمْثِلَةِ الْمَعَانِي.

стр. 883

وَلَا يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ الْأَمْرِ أَمْرًا إِرَادَتُهُ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا: إِجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِرَادَةِ. قَالُوا: الصِّيغَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا سَبَقَ مِنَ الْمَعَانِي ; فَلَا تَتَعَيَّنُ لِلْأَمْرِ إِلَّا بِالْإِرَادَةِ، إِذْ لَيْسَتْ أَمْرًا لِذَاتِهَا، وَلَا لِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ، إِذْ تَبْطُلُ بِالسَّاهِي وَالنَّائِمِ. قُلْنَا: اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ الْأَمْرِ مَجَازٌ ; فَهِيَ بِإِطْلَاقِهَا لَهُ، وَلَا يَرِدُ لَفْظُ النَّائِمِ وَالنَّاسِي، إِذْ لَا اسْتِعْلَاءَ فِيهِ، ثُمَّ الْأَمْرُ وَالْإِرَادَةُ يَتَفَاكَّانِ كَمَنْ يَأْمُرُ وَلَا يُرِيدُ، أَوْ يُرِيدُ وَلَا يَأْمُرُ ; فَلَا يَتَلَازَمَانِ، وَإِلَّا اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ. ــ قَوْلُهُ: «وَلَا يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ الْأَمْرِ أَمْرًا إِرَادَتُهُ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ» . اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ قَالَ: الْأَمْرُ: هُوَ صِيغَةُ افْعَلْ بِشَرْطِ إِرَادَةِ إِحْدَاثِ الصِّيغَةِ، وَإِرَادَةِ الدَّلَالَةِ بِهَا عَلَى الْأَمْرِ، وَإِرَادَةِ الْآمِرِ الِامْتِثَالَ مِنَ الْمَأْمُورِ، بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَعِنْدَنَا هُوَ صِيغَةُ: افْعَلْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهِ أَمْرًا شَيْءٌ مِنَ الْإِرَادَاتِ الْمَذْكُورَةِ. قَوْلُهُ: «لَنَا» : أَيْ: عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ الصِّيغَةُ، مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْإِرَادَةِ، هُوَ «أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِرَادَةِ لِلْآمِرِ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ رَتَّبُوا ذَمَّ الْمَأْمُورِ أَوْ مَدْحَهُ، وَإِثْبَاتَهُ وَعُقُوبَتَهُ، عَلَى مُخَالَفَةِ مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ أَوْ مُوَافَقَتِهَا وَلَمْ يَسْأَلُوا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا هَلْ أَرَادَ الْآمِرُ الْأَمْرَ أَوِ امْتِثَالَ الْمَأْمُورِ أَوْ

стр. 884

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَا؟ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا عِنْدَهُمْ، لَمَا أَهْمَلُوا السُّؤَالَ عَنْهُ، وَلَا رَتَّبُوا أَحْكَامَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ، بِدُونِ تَحَقُّقِهِ، فَلَمَّا أَهْمَلُوا السُّؤَالَ عَنْهُ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا عِنْدَهُمْ، لَمْ يَكُنْ شَرْطًا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَعَنْهُمْ يُؤْخَذُ أَقْسَامُ الْكَلَامِ. فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّ الْإِرَادَةَ ظَهَرَتْ لَهُمْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ ; فَاسْتَغْنَوْا بِهَا عَنِ السُّؤَالِ. قُلْنَا: الْأَصْلُ عَدَمُ الْقَرَائِنِ، وَإِنْ سُلِّمَ وُجُودُهَا، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْأَمْرِ ; فَمَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهِ ; يَسْتَحِيلُ عَادَةً أَنْ لَا يَتَجَرَّدَ عَنِ الْقَرَائِنِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ; فَيَحْتَاجُونَ إِلَى السُّؤَالِ عَنْ شَرْطِهِ الْمَذْكُورِ ; فَيُنْقَلُ عَنْهُمْ، وَيُعْلَمُ اعْتِبَارُهُ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، دَلَّ عَلَى أَنْ لَا أَصْلَ لِهَذَا الشَّرْطِ. قَوْلُهُ: «قَالُوا: الصِّيغَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا سَبَقَ مِنَ الْمَعَانِي» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ مَنِ اشْتَرَطَ لِلْأَمْرِ الْإِرَادَةَ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ صِيغَةَ «افْعَلْ» لَوِ اسْتَغْنَتْ - فِي كَوْنِهَا أَمْرًا - عَنِ الْإِرَادَةِ ; لَكَانَتْ ; إِمَّا أَنْ تَكُونَ أَمْرًا لِذَاتِهَا، أَوْ لِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ ; فَالْقَوْلُ بِاسْتِغْنَائِهَا عَنِ الْإِرَادَةِ بَاطِلٌ. «وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهَا لَيْسَتْ أَمْرًا لِذَاتِهَا» ، أَيْ: لِكَوْنِهَا صِيغَةَ افْعَلْ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَمْرًا لِذَاتِهَا، لَمَا صَحَّ وُرُودُهَا لِلتَّهْدِيدِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا لَيْسَ الْمُرَادُ بِلَفْظِهَا

стр. 885

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِيهِ الْأَمْرَ، وَلَكِنْ قَدْ صَحَّ وُرُودُهَا لِلتَّهْدِيدِ، نَحْوَ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٠] ; فَلَا تَكُونُ أَمْرًا لِذَاتِهَا. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهَا لَيْسَتْ أَمْرًا، لِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ بِالسَّاهِي وَالنَّائِمِ، فَإِنَّ صِيغَةَ افْعَلْ تَصْدُرُ مِنْهُمَا مُجَرَّدَةً عَنِ الْقَرَائِنِ، وَلَيْسَتْ أَمْرًا. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَمْرًا لِذَاتِهَا، وَلَا لِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ، وَقَدْ وَرَدَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي الْمَعَانِي السَّابِقِ ذِكْرُهَا، عَلَى كَثْرَتِهَا ; فَحَمْلُهَا عَلَى الْأَمْرِ دُونَ بَقِيَّةِ تِلْكَ الْمَعَانِي، تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ ; فَوَجَبَ أَنْ تُشْتَرَطَ الْإِرَادَةُ فِي كَوْنِهَا أَمْرًا، لِتَتَعَيَّنَ لَهُ بِهَا. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ الْأَمْرِ مَجَازٌ ; فَهِيَ بِإِطْلَاقِهَا لَهُ» ، هَذَا جَوَابُ دَلِيلِهِمْ، وَهُوَ يَمْنَعُ الْحَصْرَ فِي قَوْلِهِمْ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ أَمْرًا لِذَاتِهَا، أَوْ لِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ ثَمَّ قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْأَمْرِ بِوَضْعِ الْوَاضِعِ، أَوْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ مِنْ مُبَادَرَةِ فَهْمِ الطَّلَبِ الْجَازِمِ مِنْهَا، وَإِذَا كَانَتْ حَقِيقَةً فِيهِ ; فَهِيَ بِإِطْلَاقِهَا لَهُ. فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْيِينِ بِالْإِرَادَةِ، وَهِيَ مَجَازٌ فِي غَيْرِ الْأَمْرِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ الِاشْتِرَاكُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِهَا لِلْأَمْرِ بِالْإِرَادَةِ، لَوْ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً فِي الْمَعَانِي الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا لَفْظُ النَّائِمِ وَالنَّاسِي بِصِيغَةِ افْعَلْ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا ; فَلَا يَرِدُ

стр. 886

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَيْنَا ; لِأَنَّ انْتِفَاءَ كَوْنِهِ أَمْرًا ; لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ الْإِرَادَةِ، بَلْ لِعَدَمِ الِاسْتِعْلَاءِ فِيهِ، إِذِ الِاسْتِعْلَاءُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنَ السَّاهِي وَالنَّائِمِ ; لِأَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ كَيْفِيَّةٌ تَصْدُرُ عَنْ تَصَوُّرِ الْآمِرِ، وَاسْتِشْعَارِهِ أَنَّهُ أَعْلَى مِنَ الْمَأْمُورِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ التَّصَوُّرِ وَالْقَصْدِ، وَهُمَا مُمْتَنِعَانِ فِي النَّائِمِ وَالسَّاهِي، وَلِذَلِكَ قُلْنَا: لَا يَتَوَجَّهُ الْخِطَابُ إِلَيْهِمَا حَالَ النَّوْمِ وَالسَّهْوِ. وَقَدْ يَرِدُ عَلَى هَذَا: أَنَّ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الِاسْتِعْلَاءَ أَيْضًا، يُصَحِّحُ الْأَمْرَ مِنْهُمَا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الِاسْتِعْلَاءِ مِنْهُمَا لَيْسَ هُوَ الْمَانِعَ، لَكِنْ يُجَابُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ الِاسْتِعْلَاءِ لَيْسَ هُوَ الْمَانِعَ، لَكِنَّ عَدَمَ الْإِرَادَةِ لَا يَتَعَيَّنُ مَانِعًا، إِذْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ غَيْرَهُ. قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْأَمْرُ وَالْإِرَادَةُ يَتَفَاكَّانِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى بُطْلَانِ اشْتِرَاطِ الْإِرَادَةِ لِلْآمِرِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِرَادَةَ لَوْ كَانَتْ شَرْطًا لِلْأَمْرِ، لَمَا انْفَكَّتْ عَنْهُ، لِاسْتِحَالَةِ انْفِكَاكِ الْمَشْرُوطِ عَنْ شَرْطِهِ، لَكِنَّهُمَا يَتَفَاكَّانِ جَمِيعًا، أَيْ: يَنْفَكُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ ; فَلَا تَكُونُ الْإِرَادَةُ شَرْطًا لِلْأَمْرِ. وَبَيَانُ انْفِكَاكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ هُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَأْمُرَ الْمُتَكَلِّمُ

стр. 887

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِمَا لَا يُرِيدُ، وَأَنْ يُرِيدَ مَا لَا يَأْمُرُ بِهِ. أَمَّا الْأَمْرُ بِمَا لَا يُرَادُ ; فَكَأَمْرِ اللَّهِ الْكُفَّارَ بِالْإِيمَانِ، مَعَ عَدَمِ إِرَادَتِهِ مِنْهُمْ، إِذْ لَوْ أَرَادَهُ مِنْهُمْ، لَكَانَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ إِيمَانِهِمْ مُرَادًا لَهُ : هُوَ تَعَلُّقُ إِرَادَتِهِ بِهِ، وَمَعْنَى تَعَلُّقِ إِرَادَتِهِ بِهِ هُوَ تَخْصِيصُهَا بِحُدُوثِهِ مِنْهُمْ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ، وَوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، إِذْ شَأْنُ الْإِرَادَةِ التَّخْصِيصُ، وَشَأْنُ الْقُدْرَةِ التَّأْثِيرُ، فَلَمَّا لَمْ يُوجَدِ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا لَهُ ، مَعَ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ ; فَثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ يَصِحُّ وُجُودُهُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ، وَكَذَلِكَ: لَوْ عُوتِبَ شَخْصٌ عَلَى مُعَاقَبَةِ عَبْدِهِ ; فَادَّعَى مُخَالَفَتَهُ لَهُ، وَأَرَادَ إِقَامَةَ عُذْرِهِ عِنْدَ مُعَاتِبِهِ ; فَقَالَ لِعَبْدِهِ: اذْهَبْ ; فَافْعَلْ كَذَا ; فَهَذَا أَمْرٌ لَهُ بِالْفِعْلِ، مَعَ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُرِيدُ مِنْهُ الِامْتِثَالَ قَطْعًا، لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى تَكْذِيبِهِ عِنْدَ مُعَاتِبِهِ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِقَامَةُ عُذْرِهِ عِنْدَهُ. وَكَذَلِكَ نُوحٌ ﵇، لَمَّا قِيلَ لَهُ: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هُودٍ: ٣٦] ، وَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ، لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّ كُفَّارَ قَوْمِهِمْ لَا يُؤْمِنُونَ، كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَدْعُونَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ، إِقَامَةً لِرَسْمِ الدَّعْوَةِ، وَلَا يُرِيدُونَهُ مِنْهُمْ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِفْضَاءُ إِيمَانِهِمْ إِلَى تَكْذِيبِ خَبَرِ اللَّهِ .

стр. 888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّانِي: اسْتِحَالَةُ إِيمَانِهِمْ، لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِهِ، وَالْمُحَالُ غَيْرُ مُرَادٍ. وَأَمَّا إِرَادَةُ مَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ ; فَهُوَ كَثِيرُ الْوُقُوعِ، إِذِ الْإِنْسَانُ كَثِيرًا مَا يُرِيدُ شَيْئًا، وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، خَوْفًا، أَوْ حَيَاءً، أَوْ تَدَيُّنًا، كَمَا لَوْ حَرَّمَ السُّلْطَانُ عَصْرَ الْعِنَبِ خَمْرًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ عَصْرَهُ، وَلَا يَأْمُرُ بِهِ عَبْدَهُ، وَلَا وَلَدَهُ، وَنَحْوَهُمَا مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، خَوْفًا أَنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِ ; فَيُعَاقَبُ، وَالصَّائِمُ قَدْ يُرِيدُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَلَا يَأْمُرُ عَبْدَهُ بِإِحْضَارِهِ، لِيَتَنَاوَلَ مِنْهُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ وَمُحَافَظَةً عَلَى الدِّينِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ وَالْإِرَادَةَ يَتَفَاكَّانِ، «فَلَا يَتَلَازَمَانِ» . أَيْ: لَا يَلْزَمُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا، «وَإِلَّا اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ» . أَيْ: لَوْ تَلَازَمَا مَعَ صِحَّةِ تَفَاكِّهِمَا، لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ تَفَاكُّهُمَا، وَعَدَمُ تَفَاكِّهِمَا، أَوْ تَلَازُمُهُمَا وَعَدَمُ تَلَازُمِهِمَا، وَهُوَ مُحَالٌ.

стр. 889

ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْأَمْرُ الْمُجَرَّدُ عَنْ قَرِينَةٍ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ ; وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ النَّدْبَ حَمْلًا لَهُ عَلَى مُطْلَقِ الرُّجْحَانِ، وَنَفْيًا لِلْعِقَابِ بِالِاسْتِصْحَابِ، وَقِيلَ: الْإِبَاحَةَ لِتَيَقُّنِهَا. وَقِيلَ: الْوَقْفَ لِاحْتِمَالِهِ كُلَّ مَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ وَلَا مُرَجِّحَ. لَنَا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النُّورِ: ٦٣] ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٤٨] ، ذَمَّهُمْ وَذَمَّ إِبْلِيسَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ، وَدَعْوَى قَرِينَةِ الْوُجُوبِ، وَاقْتِضَاءُ تِلْكَ اللُّغَةِ لَهُ دُونَ هَذِهِ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ ; وَإِنَّ السَّيِّدَ لَا يُلَامُ عَلَى عِقَابِ عَبْدِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ مُجَرَّدِ أَمْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. ــ «ثُمَّ هُنَا» ، أَيْ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ «مَسَائِلُ» : الْأُولَى: الْأَمْرُ الْمُجَرَّدُ عَنْ قَرِينَةٍ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ «، إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَرِنًا أَوْ مُجَرَّدًا، فَإِنْ كَانَ مُقْتَرِنًا بِقَرِينَةٍ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوُجُوبُ، أَوِ النَّدْبُ، أَوِ الْإِبَاحَةُ، حُمِلَ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ، وَإِنْ كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ قَرِينَةٍ ; فَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْجِبَائِيِّ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ يَقْتَضِي النَّدْبَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ» حَمْلًا لَهُ «، أَيْ: لِلْأَمْرِ» عَلَى مُطْلَقِ الرُّجْحَانِ، وَنَفْيًا لِلْعِقَابِ بِالِاسْتِصْحَابِ «، هَذَا تَوْجِيهُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ.

стр. 890

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ تَارَةً لِلْوُجُوبِ كَمَا فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَتَارَةً لِلنَّدْبِ كَمَا فِي صَلَاةِ الضُّحَى، وَالْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ ; فَوَجَبَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهُوَ مُطْلَقُ رُجْحَانِ الْفِعْلِ. وَأَمَّا الْعِقَابُ عَلَى التَّرْكِ ; فَيَنْتَفِي بِالِاسْتِصْحَابِ، أَيْ: اسْتِصْحَابِ حَالِ عَدَمِهِ، وَهُوَ كَوْنُ الْأَصْلِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْهُ. هَكَذَا وَقَعَ فِي» الْمُخْتَصَرِ «، وَالْأَوْلَى أَنَّ مَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، يَجْعَلُ نَفْيَ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ، مُسْتَفَادًا مِنْ لَفْظِ النَّدْبِ ; لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ رُجْحَانِ الْفِعْلِ، وَجَوَازِ التَّرْكِ. وَإِذَا جُعِلَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، كَانَ نَفْيُ الْعِقَابِ مُسْتَفَادًا مِنِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَهَذَانِ مَذْهَبَانِ، وَتَوْجِيهُهُمَا مَا ذُكِرَ، إِلَّا مِنْ جِهَةِ هَذَا الْفَرْقِ. قَوْلُهُ:» وَقِيلَ: الْإِبَاحَةُ «، أَيْ: وَقِيلَ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ الْإِبَاحَةُ» لِتَيَقُّنِهَا «، أَيْ: أَنَّ الْأَمْرَ قَدِ اسْتُعْمِلَ فِي الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَهِيَ الْمُتَيَقَّنَةُ ; فَلْيَكُنِ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِيهَا، وَيَقِفُ حَمْلُهُ عَلَى خُصُوصِيَّةِ النَّدْبِ، أَوِ الْوُجُوبِ عَلَى الدَّلِيلِ ; لِأَنَّهُمَا مَشْكُوكٌ فِيهِمَا ; فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّ جَوَازَ الْإِقْدَامِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ; فَلْيَكُنِ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِيهِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، دَفْعًا لِلْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ. - قَوْلُهُ:» وَقِيلَ: الْوَقْفَ «، أَيْ: وَقِيلَ: الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوَقْفَ، أَوْ حُكْمُهُ الْوَقْفُ،» لِاحْتِمَالِهِ كُلَّ مَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنْ إِبَاحَةٍ، وَنَدْبٍ، وَوُجُوبٍ، وَلَا مُرَجِّحَ «لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ; فَيَجِبُ الْوَقْفُ عَلَى الْمُرَجِّحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ،

стр. 891

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ هَاهُنَا، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَعُمْدَتُهُ فِي ذَلِكَ بَيَانُ شُبَهِ الْمُخَالِفِينَ، وَاتِّجَاهُ الْقَدْحِ فِيهَا ; فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ عَلَى حُجَّةِ الْقَادِحِ فِيهَا. قُلْتُ: وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ جَيِّدَةٌ فِي الْمُطَالَبَةِ الْقَطْعِيَّةِ، أَمَّا الظَّنِّيَّةُ ; فَيَكْفِي فِيهَا ظُهُورُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ قَادِحٌ مَا. هَذِهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ فِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ: الْوُجُوبُ، وَالنَّدْبُ، وَالْإِبَاحَةُ، وَالْوَقْفُ. وَقَدْ ذُكِرَ تَوْجِيهُ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي تَوْجِيهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْوُجُوبُ. قَوْلُهُ:» لَنَا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: لَنَا عَلَى اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ الْوُجُوبَ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّورِ: ٦٣] ; فَتَوَعَّدَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ الرَّسُولِ بِالْعَذَابِ، وَالْوَعِيدُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ امْتِثَالَ أَمْرِهِ وَاجِبٌ، وَلَا يَعْنِي بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ إِلَّا هَذَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ عَنِ الْكُفَّارِ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الْمُرْسَلَاتِ: ٤٨، ٤٩] ، وَلَمَّا أَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ ; فَأَبَى، قَالَ لَهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:

стр. 892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢ - ١٨] ; فَذَمَّ الْكُفَّارَ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ عِبَادَةً، وَذَمَّ إِبْلِيسَ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ لِآدَمَ تَحِيَّةً، وَذَلِكَ ذَمٌّ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، إِذْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْوَاجِبَ مَا ذُمَّ تَارِكُهُ شَرْعًا. قَوْلُهُ: «وَدَعْوَى قَرِينَةِ الْوُجُوبِ، وَاقْتِضَاءِ تِلْكَ اللُّغَةِ لَهُ، دُونَ هَذِهِ، غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ» . هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ، يُورِدُهُ الْخَصْمُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ، بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَنَحْوِهَا، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الذَّمَّ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ، بَلِ اقْتَرَنَ بِالْأَمْرِ فِيهَا قَرِينَةٌ أَفَادَتِ الْوُجُوبَ، وَلَوْلَا تِلْكَ الْقَرِينَةُ، لَمْ يَقْتَضِ الْوُجُوبَ، وَلَا الْوَعِيدَ وَالذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ. فَتَقْدِيرُ الْآيَةِ الْأُولَى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، الْمُفِيدِ لِلْوُجُوبِ، بِقَرِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَتَقْدِيرُ الثَّانِيَةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ ، وَاسْتَفَادُوا الْوُجُوبَ بِقَرِينَةٍ، أَوْ تَصْرِيحٍ بِهِ. وَذَلِكَ أَمْرُ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ، اقْتَرَنَ بِهِ قَرِينَةٌ أَفَادَتِ الْوُجُوبَ ; فَكَانَ ذَمُّهُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، لَا عَلَى مُطْلَقِ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: مُخْتَصٌّ بِقِصَّةِ إِبْلِيسَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي اللُّغَةِ الَّتِي خَاطَبَ اللَّهُ بِهَا الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ كَانَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ; فَلِذَلِكَ ذَمَّ

стр. 893

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، بِخِلَافِ لُغَتِنَا هَذِهِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ ; لِأَنَّهَا مُجَرَّدَةٌ عَنْ حُجَّةٍ: أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ اقْتِرَانُ الْأَمْرِ بِمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ ; فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْقَرِينَةِ، وَمُجَرَّدُ احْتِمَالِهَا لَا يَكْفِي، وَلَا يُتْرَكُ لَهُ ظَاهِرُ الْخِطَابِ. وَأَمَّا اقْتِضَاءُ الْأَمْرِ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ الْوُجُوبَ، دُونَ هَذِهِ ; فَخِلَافُ الظَّاهِرِ أَيْضًا ; لِأَنَّ اللَّهَ ، حَكَى لَنَا الْحِكَايَةَ بِلُغَةٍ، وَالْأَصْلُ مُطَابَقَةُ الْحِكَايَةِ لِلْمَحْكِيِّ، وَمُوَافَقَتُهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ، بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ: إِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ حَكَى الْقِصَّةَ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَكِنَّ اللَّهَ صَادِقٌ فِي إِخْبَارِهِ، وَالصِّدْقُ يَقْتَضِي مُطَابَقَةَ الْمُخْبَرِ بِهِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مُطَابَقَةً مَعْنَوِيَّةً، وَهُوَ إِيرَادُ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَاللَّهُ لَيْسَ يَعْزُبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ; فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ: فَهَذِهِ الدَّعْوَى إِذَا قُوبِلَتْ بِظَاهِرِ الْحَالِ، كَانَتْ هَبَاءً مَنْثُورًا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا خَالَفَ مُجَرَّدَ أَمْرِ سَيِّدِهِ ; فَعَاقَبَهُ، لَمْ يُلَمْ عَلَى عِقَابِهِ، بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَلَوْلَا إِفَادَةُ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ الْوُجُوبَ، لَاتَّجَهَ لَوْمُ السَّيِّدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، لَكِنَّهُ لَا يَتَّجِهُ ; فَدَلَّ عَلَى إِفَادَةِ أَنَّ الْأَمْرَ لِمُجَرَّدِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَمُبَادَرَةِ الذِّهْنِ، أَنَّ الْأَمْرَ الْمُجَرَّدَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، ثَبَتَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ ; فَيَضْعُفُ قَوْلُ مَنْ جَعَلَهُ لِلنَّدْبِ، أَوِ الْإِبَاحَةِ ; حَمْلًا لَهُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، وَقَوْلُ مَنْ تَوَقَّفَ لِظُهُورِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ.

стр. 894

الثَّانِيَةُ: صِيغَةُ الْأَمْرِ الْوَارِدَةُ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَلِمَا هِيَ لَهُ قَبْلَ الْحَظْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَقِيلَ: إِنْ وَرَدَ بِصِيغَةِ افْعَلْ فَكَالْأَوَّلِ لِلْعُرْفِ، وَإِلَّا فَكَالثَّانِي، نَحْوَ: أَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِكَذَا، لِعَدَمِهِ فِيهِ، وَالْحَقُّ اقْتِضَاؤُهَا الْإِبَاحَةَ عُرْفًا لَا لُغَةً. لَنَا: فَهْمُ الْإِبَاحَةِ مِنْ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: كُلْ هَذَا الطَّعَامَ بَعْدَ مَنْعِهِ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ غَالِبًا كَذَلِكَ، نَحْوَ: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [الْمَائِدَةِ: ٢] ، (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا) [الْجُمُعَةِ: ١٠] ، (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢] ، وَنَحْوِهَا، وَاسْتِفَادَةُ وُجُوبِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [التَّوْبَةِ: ١٢] وَنَحْوِهَا، لَا مِنْ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التَّوْبَةِ: ٥] . وَفِي اقْتِضَاءِ النَّهْيِ بَعْدَ الْأَمْرِ التَّحْرِيمَ أَوِ الْكَرَاهَةَ خِلَافٌ، وَيَحْتَمِلُ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ أَيْضًا، وَالْأَشْبَهُ التَّحْرِيمُ إِذْ هَذَا رَفْعٌ لِلْإِذْنِ بِكُلِّيَّتِهِ، وَمَا قَبْلَهُ رَفْعٌ لِلْمَنْعِ ; فَيَبْقَى الْإِذْنُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. ــ الْمَسْأَلَةُ " الثَّانِيَةُ: صِيغَةُ الْأَمْرِ الْوَارِدَةُ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَلِمَا هِيَ لَهُ قَبْلَ الْحَظْرِ "، يَعْنِي مِنْ إِيجَابٍ أَوْ إِبَاحَةٍ " عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ "، أَيْ: إِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْحَظْرِ لِلْوُجُوبِ ; فَهِيَ لَهُ بَعْدَ الْحَظْرِ وَإِنْ كَانَتْ لِلْإِبَاحَةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ. " وَقِيلَ: إِنْ وَرَدَ "، يَعْنِي الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ، " بِصِيغَةِ افْعَلْ فَكَالْأَوَّلِ "، أَيْ: يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ " لِلْعُرْفِ "، أَيْ: لِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ . " وَإِلَّا "، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بَعْدَ الْحَظْرِ بِصِيغَةِ افْعَلْ " فَكَالثَّانِي "،

стр. 895

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَيْ: فَهُوَ كَالثَّانِي، أَيْ: يَكُونُ لِمَا كَانَ لَهُ قَبْلَ الْحَظْرِ، مِنْ وُجُوبٍ، أَوْ إِبَاحَةٍ " نَحْوَ: أَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِكَذَا "، إِذْ هَذَا لَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ، لَا الْأَمْرِ، " لِعَدَمِهِ " أَيْ: لِعَدَمِ الْعُرْفِ فِيهِ بِخِلَافِ الْوَارِدِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. هَذَا نَقْلُ " الْمُخْتَصَرِ " وَأَصْلُهُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ، اقْتَضَى الْوُجُوبَ عِنْدَ الْبَاجِيِّ، وَمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، وَهُوَ لِلْإِبَاحَةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَحَكَى الْآمِدِيُّ الْوُجُوبَ، وَالْإِبَاحَةَ، وَالْوَقْفَ، وَاخْتَارَهُ. قَوْلُهُ: " وَالْحَقُّ اقْتِضَاؤُهَا الْإِبَاحَةَ عُرْفًا، لَا لُغَةً ". هَذَا تَفْصِيلٌ اخْتَرْتُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ، مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ، لَا اللُّغَةُ، إِذْ هُوَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، كَمَا سَبَقَ. وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. قَوْلُهُ: " لَنَا: فَهْمُ الْإِبَاحَةِ مِنْ قَوْلِ السَّيِّدِ ". هَذَا دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا مَنَعَ عَبْدَهُ مِنْ طَعَامٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُلْهُ ; فَإِنَّهُ يَفْهَمُ مِنْهُ الْإِبَاحَةَ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ لُغَةً، أَوْ عُرْفًا، أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، حَصَلَ الْمَقْصُودُ. قَوْلُهُ: " وَهُوَ فِي الشَّرْعِ غَالِبًا كَذَلِكَ ": هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْوُقُوعِ، أَيْ: وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ فِي الشَّرْعِ بَعْدَ الْحَظْرِ غَالِبًا، أَيْ: فِي غَالِبِ مَوَارِدِهِ كَذَلِكَ، أَيْ: لِلْإِبَاحَةِ ; فَقَدْ تَطَابَقَ الدَّلِيلُ وَالْوُقُوعُ، وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ بَعْدَ

стр. 896

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١] ; فَفُهِمَ مِنْهُ إِبَاحَةُ الصَّيْدِ، وَقَوْلُهُ : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الْجُمُعَةِ: ١٠] ، اقْتَضَى إِبَاحَةَ الِانْتِشَارِ بَعْدَ الْمَنْعِ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢] ، اقْتَضَى إِبَاحَةَ الْوَطْءِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مَوَارِدِ هَذِهِ الصِّيغَةِ بَعْدَ الْحَظْرِ، هُوَ لِلْإِبَاحَةِ ; فَلْتَكُنْ هِيَ مُقْتَضَاهُ. - قَوْلُهُ: " وَاسْتِفَادَةُ وُجُوبِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ، وَنَحْوِهَا، لَا مِنْ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: اسْتَفَدْنَا مِنْ قَوْلِهِ : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] ، وُجُوبَ قَتْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ، بِحُكْمِ الْعَهْدِ ; فَلْيَكُنْ ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ، وَيَتَرَجَّحُ هَذَا بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ فِي الْأَمْرِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ كَمَا سَبَقَ. وَالْجَوَابُ مَا ذُكِرَ، وَهُوَ أَنَّ وُجُوبَ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ مَنْعِهِ، لَمْ نَسْتَفِدْهُ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ، بَلْ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢] ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ، الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَالْقَتْلِ، نَحْوَ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩١] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٩] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٣] ، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَلَوْ تُرِكْنَا وَظَاهِرَ قَوْلِهِ : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ، لَمَا فَهِمْنَا إِلَّا إِبَاحَةَ قِتَالِهِمْ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْوُجُوبُ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ. وَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ ; فَتَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبٍ، كَوُجُوبِ قِتَالِ

стр. 897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ عَلَى نَدْبٍ، كَقَوْلِهِ : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٣] ، فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَنْدُوبٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ; فَذَلِكَ دَلِيلٌ آخَرُ. - قَوْلُهُ: " وَفِي اقْتِضَاءِ النَّهْيِ بَعْدَ الْأَمْرِ ، التَّحْرِيمُ أَوِ الْكَرَاهَةُ، خِلَافٌ ". هَذِهِ عَكْسُ الَّتِي قَبْلَهَا ; لِأَنَّ تِلْكَ فِي وُرُودِ صِيغَةِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ، وَهَذِهِ فِي وُرُودِ النَّهْيِ بَعْدَ الْأَمْرِ، كَمَا إِذَا قَالَ: صَلِّ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُصَلِّ، هَلْ يَقْتَضِي التَّحْرِيمُ عَمَلًا بِمُقْتَضَى النَّهْيِ، أَوِ الْكَرَاهَةِ، كَمَا اقْتَضَى الْأَمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ الْإِبَاحَةَ؟ فِيهِ خِلَافٌ. قَوْلُهُ: " وَيُحْتَمَلُ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ أَيْضًا "، أَيْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَصَّلَ هُنَا، كَمَا فُصِّلَ فِي الْأَمْرِ الْوَارِدِ بَعْدَ الْحَظْرِ ; فَيُقَالُ هَاهُنَا: إِنَّ النَّهْيَ بَعْدَ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ عُرْفًا، وَالتَّحْرِيمَ لُغَةً، كَمَا قُلْنَا هُنَاكَ: إِنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ عُرْفًا وَالْوُجُوبَ لُغَةً ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَظْرَ هُنَاكَ لَمَّا كَانَ قَرِينَةً فِي حَمْلِ الْأَمْرِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، كَذَلِكَ الْأَمْرُ هُنَا قَرِينَةٌ فِي حَمْلِ النَّهْيِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ. - قَوْلُهُ: " وَالْأَشْبَهُ التَّحْرِيمُ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: الْأَشْبَهُ فِي النَّظَرِ، أَنَّ النَّهْيَ بَعْدَ الْأَمْرِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ، حَيْثُ لَمْ يَقْتَضِ الْوُجُوبَ عُرْفًا. وَتَقْرِيرُ الْفَرْقِ: أَنَّهُ مَثَلًا إِذَا قَالَ لَهُ: صُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَا تَصُمْ ; فَقَدْ رَفَعَ بِهَذَا النَّهْيِ الْإِذْنَ لَهُ أَوَّلًا فِي الصَّوْمِ بِكُلِّيَّتِهِ. وَإِذَا قَالَ لَهُ: لَا تَصِدْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: صِدْ ; فَهَاهُنَا لَمْ يَرْفَعِ الْإِذْنَ فِي الصَّيْدِ بِكُلِّيَّتِهِ، بَلْ رَفَعَ الْمَنْعَ مِنْهُ ; فَبَقِيَ الْإِذْنُ فِيهِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

стр. 898

الثَّالِثَةُ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ تَكَرُّرَ لَفْظِ الْأَمْرِ نَحْوَ: صَلِّ غَدًا، صَلِّ غَدًا اقْتَضَاهُ تَحْصِيلًا لِفَائِدَةِ الْأَمْرِ الثَّانِي، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: إِنْ عُلِّقَ الْأَمْرُ عَلَى شَرْطٍ، اقْتَضَى التَّكْرَارَ كَالْمُعَلَّقِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ، إِذْ هِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ، وَالْمُقْتَرِنُ بِالشَّرْطِ لَيْسَ مُطْلَقًا، وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ لُغَةً، لَا التَّكْرَارَ. لَنَا: لَا دَلَالَةَ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ إِدْخَالِ مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ فِي الْوُجُودِ، لَا عَلَى كَمِّيَّةِ الْفِعْلِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: صَلِّ مَرَّةً، أَوْ مِرَارًا، لَمْ يَكُنِ الْأَوَّلُ نَقْضًا، وَلَا الثَّانِي تَكْرَارًا. قَالُوا: النَّهْيُ يَقْتَضِي تَكْرَارَ التَّرْكِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِيهِ ; فَيَقْتَضِي تَكْرَارَ الْفِعْلِ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ ; فَيَقْتَضِي تَكْرَارَ تَرْكِ الضِّدِّ. وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَاهِيَّةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِفِعْلِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا فِي زَمَنٍ مَا، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَرْكَهَا، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَرْكِ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا فِي كُلِّ زَمَنٍ ; فَافْتَرَقَا. وَعَنِ الثَّانِي: بِمَنْعِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَإِنْ سُلِّمَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الضِّدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِعْلُ الضِّدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَضْدَادٌ فَيَتَلَبَّسَ بِغَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْهَا ; وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ لَا يَتَمَشَّى. ــ الْمَسْأَلَةُ " الثَّالِثَةُ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ "، مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ " مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي " أَبِي يَعْلَى، " وَبَعْضِ

стр. 899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّافِعِيَّةِ "، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، قَالُوا: هُوَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ مِنِ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ، وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ نَفَى احْتِمَالَ التَّكْرَارِ، قَالَ: لَا يَحْتَمِلُهُ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ، وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ ; لِأَنَّهَا مَقْطُوعٌ بِإِرَادَتِهَا، مَعَ احْتِمَالِ التَّكْرَارِ. " وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ تَكَرَّرَ لَفْظُ الْأَمْرِ، نَحْوَ: صَلِّ غَدًا، صَلِّ غَدًا ". اقْتَضَى التَّكْرَارَ " تَحْصِيلًا لِفَائِدَةِ الْأَمْرِ الثَّانِي "، إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ، لَكَانَ ذِكْرُ الْأَمْرِ مُكَرَّرًا كَذِكْرِهِ غَيْرَ مُكَرَّرٍ ; فَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّهُ كُرِّرَ تَأْكِيدًا، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، إِذْ فَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ " وَإِلَّا فَلَا "، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ لَفْظُ الْأَمْرِ، نَحْوَ: صَلِّ غَدًا، لَمْ يَقْتَضِ التَّكْرَارَ. " وَقِيلَ: إِنْ عُلِّقَ الْأَمْرُ عَلَى شَرْطٍ "، نَحْوَ: إِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَوْ زَالَتْ، أَوْ غَرَبَتْ فَصَلِّ ; " اقْتَضَى التَّكْرَارَ " بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، " كَالْمُعَلَّقِ عَلَى الْعِلَّةِ " يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِتَكَرُّرِهَا، وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: " وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ "، أَيْ: لَيْسَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي يَصْلُحُ دُخُولُهَا تَحْتَ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ، هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا؟ " وَالْمُقْتَرِنُ بِالشَّرْطِ لَيْسَ مُطْلَقًا " فَالتَّكْرَارُ فِيهِ لِقَرِينَةِ الشَّرْطِ، لَا لِكَوْنِهِ أَمْرًا. وَكَذَلِكَ لَوِ اقْتَرَنَ بِالْأَمْرِ قَرِينَةُ تَكْرَارٍ غَيْرِ الشَّرْطِ، أَوْ قَرِينَةُ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ; وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْقَرِينَةِ.

стр. 900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إِذَا تَكَرَّرَ لَفْظُ الْأَمْرِ ; فَيَقْتَضِي التَّكْرَارَ، أَوْ لَا ; فَلَا ; فَغَيْرُ مُؤَثِّرٌ ; لِأَنَّ تَكْرَارَ لَفْظِ الْأَمْرِ، إِنَّمَا يُفِيدُ التَّأْكِيدَ لُغَةً لَا التَّكْرَارَ. قُلْتُ: وَقَدْ سَبَقَ أَنْ فَائِدَةَ التَّأْسِيسِ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ ; فَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. قَوْلُهُ: " لَنَا ": إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ عَدَمِ التَّكْرَارِ وَهِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَا دَلَالَةَ لَهَا " إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ إِدْخَالِ مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ فِي الْوُجُودِ " وَلَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى كَمِّيَّتِهِ، أَيْ: عَلَى مِقْدَارِهِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ: صَلِّ ; فَإِنَّمَا اقْتَضَى ذَلِكَ إِيقَاعَ حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ، لَا عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا مُطْلَقٍ، حَتَّى يَجِبَ لِأَجْلِهِ التَّكْرَارُ. وَحَقِيقَةُ الصَّلَاةِ تَحْصُلُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَيَخْرُجُ بِهَا عَنِ الْعُهْدَةِ ; فَلَا يَجِبُ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ الْمُرَادُ بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ لَوِ اقْتَضَى التَّكْرَارَ، لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: صَلِّ مَرَّةً، تَنَاقُضًا ; لِأَنَّ صَلِّ بِوَضْعِهِ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَبِقَوْلِهِ: مَرَّةً، قَدْ نَقَضَ مُقْتَضَاهُ فِي التَّكْرَارِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: صَلِّ مِرَارًا، لَكَانَ تَكْرَارًا ; لِأَنَّ صَلِّ بِوَضْعِهِ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ; فَقَوْلُهُ: " مِرَارًا " ; لَمْ يُفِدْ فَائِدَةً زَائِدَةً ; فَكَانَ تَكْرَارًا، لَكِنَّ قَوْلَهُ: صَلِّ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا ; لَيْسَ نَقْضًا وَلَا تَكْرَارًا ; فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ لِلتَّكْرَارِ. قَوْلُهُ: " قَالُوا "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالتَّكْرَارِ، وَهِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّهْيَ نَقِيضُ الْأَمْرِ، ثُمَّ إِنَّ " النَّهْيَ يَقْتَضِي تَكْرَارَ التَّرْكِ "

стр. 901

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِاتِّفَاقٍ ; فَالْأَمْرُ الَّذِي هُوَ نَقِيضُهُ يَجِبُ أَنْ يَقْتَضِيَ تَكْرَارَ الْأَمْرِ. الثَّانِي: أَنْ " الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ "، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; فَوَجَبَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْأَمْرُ تَكْرَارَ تَرْكِ ذَلِكَ الضِّدِّ، وَذَلِكَ بِتَكْرَارِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ. مِثَالُهُ: إِذَا قَالَ لَهُ: صُمْ ; فَقَدْ نَهَاهُ عَنِ الْفِطْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصَّوْمِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْفِطْرِ يَقْتَضِي تَكْرَارَ تَرْكِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَكْرَارِ الصَّوْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ. قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ "، أَيْ: عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ دَلِيلِهِمْ - وَهُوَ قِيَاسُ الْأَمْرِ عَلَى النَّهْيِ، فِي اقْتِضَائِهِ التَّكْرَارَ - بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي فِعْلَ مَاهِيَّةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ " بِفِعْلِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا، فِي زَمَنٍ مَا مِنَ الْأَزْمَانِ "، أَيَّ زَمَنٍ كَانَ، كَمَا إِذَا أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ، حَصَلَ مُصَلِّيًا بِفِعْلِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَالنَّهْيُ عَنِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي تَرْكَ مَاهِيَّتِهِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ " لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَرْكِهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ "، كَمَا إِذَا نَهَاهُ عَنِ الزِّنَى ; فَالْمَقْصُودُ تَرْكُ مَاهِيَّتِهِ، بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى عَدَمِهَا مَا عَاشَ، حَتَّى لَوْ عُمِّرَ أَلْفَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَزَنَى فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ عُمُرِهِ لَعُدَّ مُخَالِفًا عَاصِيًا. وَإِذَا كَانَ مُقْتَضَى النَّهْيِ إِعْدَامَ الْمَاهِيَّةِ مُطْلَقًا ; وَمُقْتَضَى الْأَمْرِ إِيجَادَهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ يَحْصُلُ بِفِعْلِهَا مَرَّةً، لَمْ يَلْزَمْ مِنِ اقْتِضَاءِ النَّهْيِ التَّكْرَارَ، اقْتِضَاءُ الْأَمْرِ لَهُ ; فَافْتَرَقَا. وَأُجِيبَ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَيَقْتَضِي تَكْرَارَ تَرْكِ الضِّدِّ بِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ ; فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ تَكْرَارِ تَرْكِ الضِّدِّ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ لِكَوْنِنَا قَدْ قُلْنَا بِهِ فِيمَا بَعْدُ، لَكِنْ " لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الضِّدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ " ; فِعْلُ الضِّدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَضْدَادٌ فَيَتَلَبَّسُ بِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْهَا "، مِثَالُهُ: أَنَّ الْقِيَامَ

стр. 902

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالْقُعُودَ وَالِاضْطِجَاعَ ; أَضْدَادٌ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهَا، فَإِذَا أُمِرَ بِالْقِيَامِ ; فَالْقُعُودُ ضِدٌّ لَهُ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ ضَرُورَةً، صَحَّ إِتْيَانُهُ بِالْقِيَامِ. فَإِذَا تَرَكَ الْقُعُودَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِالْقِيَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَسْجُدَ أَوْ يَرْكَعَ أَوْ يَضْطَجِعَ، وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنَا: " فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الضِّدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ "، وَهُوَ الْقُعُودُ هَاهُنَا، " فِعْلُ الضِّدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ " وَهُوَ الْقِيَامُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُهُمْ قَوْلُهُمْ: " الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ ; فَيَقْتَضِي تَكْرَارُ تَرْكِ الضِّدِّ " ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَنْفَعُهُمْ لَوْ كَانَ تَكْرَارُ تَرْكِ الضِّدِّ، وَهُوَ الْقُعُودُ مَثَلًا، يَسْتَلْزِمُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ الْقِيَامُ، لِيَكُونَ فِعْلُهُ مُتَكَرِّرًا. لَكِنْ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ لِجَوَازِ التَّلَبُّسِ بِالْوَاسِطَةِ كَمَا ذَكَرْنَا. قَوْلُهُ: " وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ لَا يَتَمَشَّى "، هَذَا تَضْعِيفٌ لِهَذَا الْجَوَابِ الثَّانِي عَلَى تَقْرِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ هَذَا الَّذِي قَدْ أَطَلْنَا فِيهِ آنِفًا. وَبَيَانُ ضَعْفِهِ أَنَّ قَوْلَنَا: " لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الضِّدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِعْلُ الضِّدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ " ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ، إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدٍّ وَاحِدٍ مِنْ أَضْدَادِهِ بِحَيْثُ إِذَا كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ يَكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَاحِدًا مِنْهَا، وَتَبْقَى بَقِيَّةُ أَضْدَادِهِ يَجُوزُ التَّلَبُّسُ بِهَا فَتَكُونُ وَاسِطَةً بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ; الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَمَا قَرَّرْنَا. لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلِ الصَّحِيحُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ كَالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ نَهْيٌ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ جَمِيعًا. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ هَذِهِ الْأَضْدَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، التَّلَبُّسُ بِالضِّدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ ; فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَكْرَارُ فِعْلِهِ بِوَاسِطَةِ وُجُوبِ تَكْرَارِ تَرْكِ أَضْدَادِهِ، وَحِينَئِذٍ يَسْلَمُ لَهُمْ دَلِيلُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: " الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَيَقْتَضِي تَكْرَارَ تَرْكِ الضِّدِّ "، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَكْرَارُ الْمَأْمُورِ بِهِ. قُلْتُ: فَيُشْبِهُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ ذَوَاتِ الْجِهَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ الْكَعْبِيِّ

стр. 903

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي أَنَّ الْمُبَاحَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْأَمْرُ لِذَاتِهِ بِوَضْعِهِ لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا، وَبِاسْتِلْزَامِ تَكْرَارِ تَرْكِ أَضْدَادِهِ تَكْرَارُهُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ; فَهُوَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَعَدَمَهُ، بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ. فَإِنْ صَحَّ لَنَا هَذَا رَجَعَ النِّزَاعُ فِي الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيًا، إِذْ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إِلَى أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: الْأَمْرُ بِوَضْعِهِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. وَآخَرِينَ قَالُوا: الْأَمْرُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِالِالْتِزَامِ كَمَا تَقَرَّرَ.

стр. 904

الرَّابِعَةُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ أَمْرٍ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا الصِّيغَةُ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا: الْآمِرُ بِالسُّكُونِ نَاهٍ عَنِ الْحَرَكَةِ، وَبِالْعَكْسِ ضَرُورَةٌ. قَالُوا: قَدْ يَأْمُرُ بِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ أَوْ يَنْهَى عَنْهُ مَنْ يَغْفُلُ عَنْ ضِدِّهِ، وَالْأَمْرُ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا يُتَصَوَّرُ. وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ ضَرُورِيٌّ، لَا اقْتِضَائِيٌّ طَلَبِيٌّ، حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ تَرْكُ الْحَرَكَةِ بِدُونِ السُّكُونِ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ. قُلْنَا: فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ. ــ الْمَسْأَلَةُ " الرَّابِعَةُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا الصِّيغَةُ "، أَيْ مِنْ جِهَةِ الِالْتِزَامِ عَقْلًا " خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ "، هَذَا نَقْلُ " الْمُخْتَصَرِ " - وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ هَلْ ذَلِكَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ، وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْهِ. قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا: لَيْسَ الْأَمْرُ بِعَيْنِهِ نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ، وَهَلْ يَكُونُ نَهْيًا عَنْهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى؟ مَنَعَهُ قُدَمَاؤُهُمْ، وَأَثْبَتَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ، كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الْإِيجَابِ، دُونَ النَّدْبِ. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ: أَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ ; لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ، وَإِلَّا كَانَ نَهْيًا عَنْهَا مُطْلَقًا، فِي أَمْرِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ، بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ. قُلْتُ: وَهُوَ تَحْقِيقٌ جَيِّدٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ مِنْ حَيْثُ

стр. 905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَعْنَى، لَا الصِّيغَةُ، أَوْ نَهْيٌ عَنْهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ الْتِزَامِيٌّ، لَا لَفْظِيٌّ، كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: قُمْ، غَيْرُ قَوْلِهِ: لَا تَقْعُدْ، وَقَوْلُهُ: تَحَرَّكْ، غَيْرُ قَوْلِهِ: لَا تَسْكُنْ، لَفْظًا وَمَعْنًى، وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ قِيَامِهِ أَنْ لَا يَقْعُدَ، وَمِنْ حَرَكَتِهِ أَنْ لَا يَسْكُنَ، لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ. وَمَنْ يَقُولُ: هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَحَدِ أَضْدَادِهِ بِعَيْنِهِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ، يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ: قُمْ، يُسْتَفَادُ مِنْهُ اسْتِفَادَةُ لَفْظِيَّةِ عَدَمِ الْقُعُودِ، لَا اسْتِفَادَةٌ الْتِزَامِيَّةٌ، أَيْ أَنَّ طَلَبَ عَدَمِ الْقِيَامِ بِعَيْنِهِ هُوَ طَلَبُ الْقُعُودِ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ يَرْجِعُ هَؤُلَاءِ إِلَى الْأَوَّلِ. وَقَالَ قَوْمٌ: فِعْلُ الضِّدِّ هُوَ عَيْنُ تَرْكِ ضِدِّهِ الْآخَرِ ; فَالسُّكُونُ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ، وَالْبُعْدُ مِنَ الْمَغْرِبِ هُوَ الْقُرْبُ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الْقُرْبَ وَالْبُعْدَ مَعْنَيَانِ إِضَافِيَّانِ، وَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ مَعْنَيَانِ حَقِيقِيَّانِ ; فَلَا يَصِحُّ التَّنْظِيرُ وَالْقِيَاسُ. عُدْنَا إِلَى تَوْجِيهِ كَلَامِ " الْمُخْتَصَرِ ". قَوْلُهُ: " لَنَا ": أَيْ: عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ: أَنَّ " الْآمِرَ بِالسُّكُونِ نَاهٍ عَنِ الْحَرَكَةِ. وَبِالْعَكْسِ، أَيْ: وَالْآمِرُ بِالْحَرَكَةِ نَاهٍ عَنِ السُّكُونِ " ضَرُورَةَ " أَنَّ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْأَضْدَادِ لَا يَجْتَمِعَانِ ; فَالْأَمْرُ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْآخَرِ، كَمَا تَسْتَلْزِمُ الْحَرَكَةُ تَرْكَ السُّكُونِ، وَالسُّكُونُ تَرْكَ الْحَرَكَةِ. وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ، إِذَا كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ، ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ فِعْلِهِ عَلَى تَرْكِ

стр. 906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَمِيعِهَا، كَمَا قُلْنَا فِي الْقِيَامِ مَعَ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقُعُودِ، وَالِاضْطِجَاعِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْأَمْرِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَعَ أَضْدَادِهِ الْبَاقِيَةِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ، كَالْحَرَكَةِ مَعَ السُّكُونِ ; فَالْأَمْرُ بِهِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ عَيْنِ ذَلِكَ الضِّدِّ. أَمَّا النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ ; فَإِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِضِدٍّ وَاحِدٍ مِنْ أَضْدَادِهِ، إِذَا كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ، لِاسْتِحَالَةِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، بِدُونِ التَّلَبُّسِ بِمَا يُنَافِيهِ، لِيَشْتَغِلَ بِهِ عَنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَذَلِكَ التَّلَبُّسُ ضَرُورِيٌّ، يَنْدَفِعُ بِفِعْلِ ضِدٍّ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إِيجَادَ بَقِيَّةِ الْأَضْدَادِ، كَمَا فِي الْأَمْرِ ; فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ أَوْ أَضْدَادٌ، تَعَيَّنَ النَّهْيُ عَنِ الْجَمِيعِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ، تَعَيَّنَ الْأَمْرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ ; فَالْمَأْمُورُ بِهِ مِنْهَا وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ، ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَلَى فِعْلِ الضِّدِّ، الْمُعَيَّنِ أَوِ الْمُبْهَمِ. قَوْلُهُ: " قَالُوا "، يَعْنِي الْمَانِعِينَ فِي الْمَسْأَلَةِ: " قَدْ يَأْمُرُ بِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ " مَنْ يَغْفُلُ عَنِ الْآخَرِ، وَيَنْهَى عَنْ أَحَدِهِمَا مَنْ يَغْفُلُ عَنِ الْآخَرِ ; فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِأَحَدِهِمَا نَهْيًا عَنِ الْآخَرِ، أَوِ النَّهْيُ عَنْ أَحَدِهِمَا أَمْرًا بِالْآخَرِ، لَمَا صَحَّتِ الْغَفْلَةُ عَنْ أَحَدِهِمَا، إِذِ الْأَمْرُ بِهِ، أَوِ النَّهْيُ عَنْهُ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ لَا يُتَصَوَّرُ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ يَسْتَدْعِيَانِ تَصَوُّرَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، لِيَصِحَّ تَوَجُّهُ الْقَصْدِ إِلَيْهِمَا، لِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِهِمَا. قَالُوا: وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ تَوَقُّفِ فِعْلِ

стр. 907

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ، عَلَى تَرْكِ الْآخَرِ، " هُوَ ضَرُورِيٌّ، لَا اقْتِضَائِيٌّ طَلَبِيٌّ "، أَيْ: هُوَ مِنْ حَيْثُ ضَرُورَةُ التَّوَقُّفِ الْمَذْكُورِ، لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنِ اقْتِضَاءِ اللَّفْظِ، وَطَلَبِ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ، يَعْنِي أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَطْلُبُ بِقَوْلِهِ: تَحَرَّكْ، تَرْكَ السُّكُونِ، بَلْ تَرْكُ السُّكُونِ وَجَبَ ضَرُورَةَ أَنَّ الْحَرَكَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِهِ، حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ تَرْكُ الْحَرَكَةِ مَثَلًا، بِدُونِ السُّكُونِ، أَوِ التَّحَرُّكِ، بِدُونِ تَرْكِ السُّكُونِ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ. قَوْلُهُ: " قُلْنَا: فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ "، أَيْ: هَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا الصِّيغَةُ، أَيْ: أَنَّ تَرْكَ أَضْدَادِهِ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِمُقْتَضَى لَفْظِ الْأَمْرِ، بَلْ لِضَرُورَةِ تَوَقُّفِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ عَلَيْهِ، وَاسْتِحَالَةِ فِعْلِ الشَّيْءِ بِدُونِ تَرْكِ أَضْدَادِهِ. أَقْسَامُ الْمَعْلُومَاتِ: فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَعْلُومَاتُ كُلُّهَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: نَقِيضَانِ: وَهُمَا اللَّذَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلَا يَرْتَفِعَانِ، كَوُجُودِ زَيْدٍ وَعَدَمِهِ، وَضِدَّانِ: وَهُمَا اللَّذَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَيُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُمَا، مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْحَقِيقَةِ، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَخِلَافَانِ: وَهُمَا اللَّذَانِ يَجْتَمِعَانِ وَيَرْتَفِعَانِ كَالْحَرَكَةِ وَالْبَيَاضِ. وَمِثْلَانِ: وَهُمَا اللَّذَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَيُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُمَا مَعَ تَسَاوِي الْحَقِيقَةِ، كَالْبَيْضِ وَالْبَيَاضِ. قُلْتُ: فَالْجَامِعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَالضِّدَّيْنِ، وَالْمِثْلَيْنِ: عَدَمُ إِمْكَانِ

стр. 908

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الِاجْتِمَاعِ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَالضِّدَّيْنِ: جَوَازُ الِارْتِفَاعِ فِيهِمَا، دُونَ النَّقِيضَيْنِ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَالْمِثْلَيْنِ: اخْتِلَافُ الْحَقِيقَةِ فِي الضِّدَّيْنِ، وَتَسَاوِيهِمَا فِي الْمِثْلَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِلَافَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ الْأُخَرِ جَوَازُ الِاجْتِمَاعِ فِيهِمَا دُونَهَا. وَدَلِيلُ حَصْرِ الْمَعْلُومَاتِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ: أَنَّ الْمَعْلُومَيْنِ إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ اجْتِمَاعُهُمَا أَوْ لَا، فَإِنْ أَمْكَنَ ; فَهُمَا الْخِلَافَانِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ اجْتِمَاعُهُمَا ; فَإِمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ ارْتِفَاعُهُمَا، وَهُمَا النَّقِيضَانِ، أَوْ يُمْكِنَ ارْتِفَاعُهُمَا، فَإِنْ كَانَ مَعَ اخْتِلَافِ الْحَقِيقَةِ ; فَهُمَا الضِّدَّانِ، وَإِلَّا ; فَهُمَا الْمِثْلَانِ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُكُمْ فِي الضِّدَّيْنِ: إِنَّهُمَا يُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُمَا مُشْكِلٌ بِالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، لَا يَرْتَفِعَانِ عَنِ الْجِسْمِ، وَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ، وَالْعِلْمُ وَالْجَهْلُ، لَا يَرْتَفِعَانِ عَنِ الْحَيِّ، وَهِيَ مِنْ بَابِ الْأَضْدَادِ. قُلْنَا: إِمْكَانُ الِارْتِفَاعِ أَعَمُّ مِنْهُ، مَعَ بَقَاءِ الْمَحَلِّ أَوْ عَدَمِهِ، وَنَحْنُ نُرِيدُ إِمْكَانَ ارْتِفَاعِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، إِذْ قَبْلَ وُجُودِ الْعَالَمِ، لَمْ يَكُنْ جِسْمٌ مُتَحَرِّكٌ وَلَا سَاكِنٌ، وَلَا حَيَوَانٌ حَيٌّ وَلَا مَيِّتٌ، وَلَا عَالِمٌ وَلَا جَاهِلٌ ; فَقَدْ صَحَّ ارْتِفَاعُهُمَا لِارْتِفَاعِ مَحَالِّهَا، بِخِلَافِ الْعَدَمِ وَالْوُجُودِ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَرْتَفِعَا قَبْلَ الْعَالَمِ، بَلْ كَانَ الْعَدَمُ ثَابِتًا. الْفَرْعُ الثَّانِي: زَعَمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ النِّزَاعَ فِي وُجُوبِ النِّكَاحِ وَعَدِمِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، قَالَ: لِأَنَّا إِذَا

стр. 909

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْنَا بِذَلِكَ ; فَالْمُكَلَّفُ مَنْهِيٌّ عَنِ الزِّنَى ; فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِضِدِّهِ، وَهُوَ النِّكَاحُ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ; فَيَكُونُ النِّكَاحُ وَاجِبًا. قُلْتُ: وَهَذَا تَخْرِيجٌ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ: أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ ; فَالنَّهْيُ عَنْ أَمْرٍ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ، وَالزِّنَى لَمْ يَنْحَصِرْ ضِدُّهُ فِي النِّكَاحِ، بَلْ لَيْسَ ضِدًّا لَهُ أَصْلًا، إِنَّمَا ضِدُّ الزِّنَى تَرْكُهُ، لَكِنَّ تَرْكَهُ قَدْ يَكُونُ بِالنِّكَاحِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّسَرِّي، وَقَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِعْفَافِ مَعَ التَّعَزُّبِ ; فَلَا يَتَعَيَّنُ النِّكَاحُ لِلتَّلَبُّسِ بِهِ، بَلْ يَلْزَمُ قَائِلُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ، الْمَنْهِيُّ عَنِ الزِّنَى، مَأْمُورًا بِالنِّكَاحِ، أَوِ التَّسَرِّي عَلَى التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّ تَرْكَ الزِّنَى يَحْصُلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ; فَيَصِيرُ مِنْ بَابِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. فَإِنْ قَالَ بِذَلِكَ، صَحَّ لَهُ التَّخْرِيجُ الْمَذْكُورُ، لَكِنَّ التَّسَرِّيَ لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ، تَعْيِينًا وَلَا تَخْيِيرًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 910

الْخَامِسَةُ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ الْفَوْرُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ. وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ فِي الْفَوْرِ وَالتَّكْرَارِ وَضِدِّهِمَا، لِلتَّعَارُضِ. لَنَا: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢١] ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَلَوْ أَخَّرَ الْعَبْدُ أَمْرَ سَيِّدِهِ الْمُجَرَّدِ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، وَأَوْلَى الْأَزْمِنَةِ بِالِامْتِثَالِ عَقِيبَ الْأَمْرِ احْتِيَاطًا وَتَحْصِيلًا لَهُ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ إِمَّا لَا إِلَى غَايَةٍ ; فَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ إِمَّا لَا إِلَى بَدَلٍ ; فَيُلْحَقُ بِالْمَنْدُوبَاتِ. أَوْ إِلَى بَدَلٍ ; فَهُوَ إِمَّا الْوَصِيَّةُ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ، لِعَدَمِ دُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهَا، أَوِ الْعَزْمِ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ لِوُجُوبِهِ قَبْلَ وَقْتِ الْمُبْدَلِ، وَعَدَمِ جَوَازِ الْبَدَلِ حِينَئِذٍ. أَوْ إِلَى غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ ; فَهُوَ جَهَالَةٌ، أَوْ مَعْلُومَةٌ ; فَتَحَكُّمٌ وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. أَوْ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ إِدْرَاكُهُ ; فَبَاطِلٌ، لِإِتْيَانِ الْمَوْتِ بَغْتَةً. قَالُوا: الْأَمْرُ يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَاهِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ نِسْبَةَ الْفِعْلِ إِلَى جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ سَوَاءٌ ; فَالتَّخْصِيصُ بِالْفَوْرِ تَحَكُّمٌ، وَتَعَلُّقُ الزَّمَانِ بِالْفِعْلِ ضَرُورِيٌّ، وَالضَّرُورَةُ تُدْفَعُ بِأَيِّ زَمَنٍ كَانَ ; وَلِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْفِعْلِ ; فَلَا يَقْتَضِي تَعْيِينَهُ كَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ وَالْمَحَلِّ، وَالْأَدِلَّةُ مُتَقَارِبَةٌ، وَقَوْلُ الْوَاقِفِيَّةِ ضَعِيفٌ. ــ الْمَسْأَلَةُ " الْخَامِسَةُ: الْأَمْرُ إِنِ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ فَوْرٍ أَوْ تَرَاخٍ ; عُمِلَ بِمُقْتَضَاهَا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا، أَيْ: مُجَرَّدًا عَنْ قَرِينَةٍ ; فَهُوَ

стр. 911

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِلْفَوْرِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ الْفَوْرُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ " وَمَالِكٍ، " وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ " وَعِنْدَ مَغَارِبَةِ الْمَالِكِيَّةِ. " وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ فِي الْفَوْرِ وَالتَّكْرَارِ، وَضِدِّهِمَا "، مَعَ التَّرَاخِي وَالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْوَاقِفِيَّةَ، تَوَقَّفُوا فِي اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ، فَلَمْ يَجْزِمُوا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَكَذَلِكَ تَوَقَّفُوا فِي اقْتِضَائِهِ التَّكْرَارَ وَالْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ. وَقَدْ سَبَقَتْ مَسْأَلَةُ التَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: كُلُّ مَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ عَلَى التَّكْرَارِ، حَمَلَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ إِلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُبَادِرُ مُمْتَثِلٌ قَطْعًا ; لَكِنْ هَلْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالتَّوَقُّفُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُؤَخِّرِ ; هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُبَادِرُ أَيْضًا مُتَوَقَّفٌ فِيهِ ; هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَوْ لَا؟ وَخَالَفَ بِذَلِكَ إِجْمَاعَ السَّلَفِ. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ بِفِعْلِهِ مُمْتَثِلٌ ; قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَمَعْنَى الْفَوْرِ: هُوَ الشُّرُوعُ فِي الِامْتِثَالِ عَقِيبَ الْأَمْرِ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَارَتِ الْقِدْرُ، إِذَا غَلَتْ، وَذَهَبْتُ مَكَانَ كَذَا، ثُمَّ أَتَيْتُ فُلَانًا مِنْ فَوْرِي، أَيْ: قَبْلَ أَنْ أَسْكُنَ. وَالتَّرَاخِي تَأْخِيرُ الِامْتِثَالِ عَنِ انْقِضَاءِ الْأَمْرِ، زَمَنًا يُمْكِنُ إِيقَاعُ الْفِعْلِ فِيهِ ; فَصَاعِدًا. - قَوْلُهُ: الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا عَنْ أَحْمَدَ ; فَإِنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي، مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهُوَ

стр. 912

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي هَذَا الْأَصْلِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي هَذَا الْأَصْلِ ; اسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْحَجِّ ; فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْقَوَاعِدَ وَالْأُصُولَ يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهَا عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وُجِدَ عَنْهُ نَصٌّ، بِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى التَّرَاخِي ; فَذَاكَ. قَوْلُهُ: " لَنَا: سَارِعُوا، سَابِقُوا "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَوْلُهُ : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢١] . وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمُسَارَعَةِ، وَالْمُسَابَقَةِ إِلَى الْمَغْفِرَةِ، وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ عَلَى الْفَوْرِ مُسَارَعَةً إِلَى الْمَغْفِرَةِ، أَيْ: إِلَى سَبَبِهَا، وَهِيَ مَأْمُورٌ بِهَا، " وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ "، كَمَا سَبَقَ ; فَيَكُونُ الْفَوْرُ وَاجِبًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخَّرَ أَمْرَ سَيِّدِهِ الْمُطْلَقِ، زَمَنًا يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ

стр. 913

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِيهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ ; اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، وَلَوْلَا أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْفَوْرِ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ أَمْكَنَ امْتِثَالُهُ، فِي أَيِّ زَمَنٍ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ، لَكِنَّ أَوْلَى الْأَزْمِنَةِ بِأَنْ يُمْتَثَلَ الْأَمْرُ فِيهِ، الزَّمَنُ الَّذِي هُوَ عَقِيبُ الْأَمْرِ، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَحْوَطُ، لِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى التَّأْخِيرِ. الثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ عَقِيبَ الْأَمْرِ، يُعَدُّ بِهِ مُمْتَثِلًا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِذَا أَخَّرَ، كَانَ مُخْتَلَفًا فِي امْتِثَالِهِ، لَكِنْ هَذَانِ الْوَجْهَانِ، إِنَّمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْمُبَادَرَةَ أَوْلَى، لَا أَنَّهُ وَاجِبٌ، لَكِنْ قَدْ يُوَجَّهُ الْوُجُوبُ، بِأَنَّ فِي الْمُبَادَرَةِ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ ; فَيَكُونُ وَاجِبًا، لِمَا تَقَرَّرَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّأْخِيرَ لَوْ جَازَ، لَكَانَ إِمَّا لَا إِلَى غَايَةٍ، أَوْ إِلَى غَايَةٍ. وَالْأَوَّلُ: وَهُوَ التَّأْخِيرُ لَا إِلَى غَايَةٍ، مُفَوِّتٌ لِلْمَقْصُودِ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ لَا إِلَى بَدَلٍ ; فَيُلْحَقُ بِالْمَنْدُوبَاتِ، أَيْ: يَصِيرُ مَنْدُوبًا، إِذِ الْمَنْدُوبُ هُوَ الَّذِي يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، وَتَرْكُهُ لَا إِلَى بَدَلٍ، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ، لَا يُؤَخَّرُ إِلَّا إِلَى بَدَلٍ، كَمَا فِي الْمُوَسَّعِ، أَوْ يُؤَخِّرُهُ إِلَى بَدَلٍ ; فَذَلِكَ الْبَدَلُ إِمَّا الْوَصِيَّةُ بِفِعْلِهِ، أَوِ الْعَزْمُ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَصِحُّ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، لِعَدَمِ دُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا، وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْعَزْمَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْمُبْدَلِ، كَالْعَزْمِ عَلَى الظُّهْرِ

стр. 914

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَبْلَ الزَّوَالِ هُوَ وَاجِبٌ، وَالظُّهْرُ الَّتِي يُقَدَّرُ أَنَّهَا مُبْدَلٌ ; لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا قَبْلَ الزَّوَالِ ; فَثَبَتَ أَنَّ الْعَزْمَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنِ الْفِعْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ، إِذْ شَأْنُ الْبَدَلِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُبْدَلِ، وَالْعَزْمُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، إِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنِ التَّعْجِيلِ، لَا عَنْ نَفْسِ الْوَاجِبِ كَمَا سَبَقَ، وَإِذَا بَطَلَ تَأْخِيرُ الِامْتِثَالِ إِلَى بَدَلٍ، أَوْ لَا إِلَى بَدَلٍ، بَطَلَ تَأْخِيرُهُ لَا إِلَى غَايَةٍ. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ التَّأْخِيرُ إِلَى غَايَةٍ ; فَبَاطِلٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ تِلْكَ الْغَايَةَ ; إِمَّا مَجْهُولَةٌ، أَوْ مَعْلُومَةٌ، أَوْ مُغَلَّبَةٌ عَلَى الظَّنِّ، وَالْكُلُّ بَاطِلٌ ; فَالْقَوْلُ بِتَأْخِيرِ الِامْتِثَالِ إِلَى غَايَةٍ بَاطِلٌ: أَمَّا التَّأْخِيرُ إِلَى غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ ; فَهُوَ جَهَالَةٌ لَا تُنَاطُ بِهَا الْأَحْكَامُ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَضْيِيعِهَا، وَغَرَضُ الشَّرْعِ حِفْظُهَا. وَأَمَّا التَّأْخِيرُ إِلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ ; فَبَاطِلٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ الْغَايَاتِ الزَّمَانِيَّةِ، بِالتَّأْخِيرِ إِلَيْهِ، دُونَ بَعْضٍ، تَحَكُّمٌ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، إِذِ الْأَزْمِنَةُ كُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِيقَاعِ الْفِعْلِ مُتَسَاوِيَةٌ، عَدَا الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، الَّذِي هُوَ عَقِيبُ الْأَمْرِ، وَلِذَلِكَ تَرَجَّحَ بِقُرْبِهِ مِنْ زَمَنِ الْأَمْرِ ; فَلَوْ قِيلَ لِلْمُكَلَّفِ: صُمْ أَوْ صَلِّ، أَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: سَافِرْ إِلَى بِلَادِي ; فَانْظُرْ فِي مَصَالِحِهَا ; فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ الْآنَ عَلَى الْفَوْرِ، لَكِنِّي أَفْعَلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ لَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْلَى بِالِامْتِثَالِ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ أَوِ السَّبْتِ؟ فَإِنْ طَلَبَ الْمُرَجِّحَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: الْمُرَجِّحُ اخْتِيَارِي لِذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ، لَا اخْتِيَارَ لَكَ. وَأَمَّا التَّأْخِيرُ إِلَى غَايَةٍ مُغَلَّبَةٍ عَلَى الظَّنِّ، أَيْ: تَأْخِيرُ الْفِعْلِ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ

стр. 915

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى ظَنِّهِ إِدْرَاكُهُ ; فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً ; فَلَا يُمْكِنُهُ الْجَزْمُ بِظَنٍّ مِنَ الظُّنُونِ، إِذِ الْمَوْتُ رُبَّمَا أَسْرَعَ إِلَى الشَّابِّ الْجَذَعِ، وَتَأَخَّرَ عَنِ الشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَلَيْسَ لِوَقْتِ مَجِيئِهِ ضَابِطٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَوَّزْتُمْ تَأْخِيرَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، مَعَ الْعَزْمِ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ الْبَقَاءُ إِلَيْهِ، فَلِمَ لَا يُجَوَّزُ هَاهُنَا كَذَلِكَ؟ . وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ: بِأَنَّ الْمُوَسَّعَ وَقَعَتْ فِيهِ الْمُسَامَحَةُ الزَّمَانِيَّةُ، مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، بِالتَّوَسُّعِ، بِخِلَافِ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ، وَلَسْنَا عَلَى يَقِينٍ، وَالظَّنُّ مِنَ الْمُتَسَامَحِ فِيهِ ; فَظَهَرَ الْفَرْقُ. - قَوْلُهُ: " قَالُوا: " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِالتَّرَاخِي، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ " الْأَمْرَ يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَاهِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهَا " مِنْ زَمَانٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: صَلِّ، إِنَّمَا يَقْتَضِي إِيقَاعَ حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَوْرٍ وَلَا تَرَاخٍ ; فَوَجَبَ أَنْ يُجَوَّزَا
следующие страницы →