← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَأَجْوَدُ مِنْهُ» ، أَيْ: أَجْوَدُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ لِلْعَامِّ، أَنْ يُقَالَ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ دَلَالَةً لَا تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ، وَهَذَا هُوَ الْحَدُّ الثَّانِي مِنَ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . فَقَوْلُنَا: «اللَّفْظُ الدَّالُّ» جِنْسٌ لَهُ يَتَنَاوَلُ مَا دَلَّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، كَزَيْدٍ، أَوْ مُسَمَّيَاتٍ، كَالرِّجَالِ ; فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: عَلَى مُسَمَّيَاتٍ، عَمَّا دَلَّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ. وَبِقَوْلِهِ: «دَلَالَةً لَا تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ» مِنْ أَسْمَاءِ مَقَادِيرِ الْأَعْدَادِ، نَحْوَ: عَشَرَةٍ، وَعِشْرِينَ، وَثَلَاثِينَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَمِنْ نَظَائِرِهَا لَفْظٌ وَاحِدٌ دَالٌّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ، لَكِنْ دَلَالَةً مَحْصُورَةً مَعْلُومَةَ الْمِقْدَارِ وَالنِّهَايَةِ، بِخِلَافِ: الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ دَلَالَتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الِانْحِصَارِ فِي عَدَدٍ مَعْلُومٍ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا هُوَ الْحَدُّ الثَّالِثُ لِلْعَامِّ، وَهُوَ «اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ» فَاللَّفْظُ جِنْسٌ، وَالْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ فَصْلٌ لَهُ عَمَّا لَيْسَ بِمُسْتَغْرِقٍ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، كَالرَّجُلِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ مُعَيَّنٌ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ مَا يَصْلُحُ لَهُ، وَهُوَ سَائِرُ الرِّجَالِ، إِذْ لَفْظُ الرَّجُلِ يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى جَمِيعِ الرِّجَالِ، إِذَا جُعِلَ جِنْسًا. وَعَلَى هَذَا اعْتِرَاضٌ ظَاهِرٌ، وَبِالْجُمْلَةِ ; فَاللَّفْظُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَصْلُحَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شَيْءٍ، فَإِنْ دَلَّ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ ; فَهُوَ الْعَامُّ، وَإِلَّا ; فَلَيْسَ بِعَامٍّ. وَاعْلَمْ أَنَّ عَلَى هَذَا إِشْكَالًا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: الْعَامُّ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ ; إِمَّا أَنْ يُرَادَ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ، أَيْ: يَصْلُحُ

стр. 982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِأَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، أَوْ يُرَادَ مَا يَصْلُحُ مِنْ جِهَةِ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ ; فَالْعَامُّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا لِمَا يَصْلُحُ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، إِذْ كَلُّ لَفْظٍ صَلُحَ لِمُسَمًّى دَلَّ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ لِتَقْيِيدِ اللَّفْظِ بِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقًا، وَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي وَهُوَ صَلَاحِيَتُهُ بِحَسَبِ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ ; فَنَقُولُ: إِنْ أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ بِلَفْظِ جَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ ; فَهُوَ الْعَامُّ كَمَا مَرَّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ بَعْضَ مَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ ; فَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ ; فَالْعُمُومُ فِي اللَّفْظِ لَازِمٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَإِنَّمَا الْخُصُوصُ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ عَلَى تَقْدِيرِ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ بَعْضَهُ. وَقَوْلُهُ: بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ، احْتِرَازٌ مِنَ الْمُشْتَرَكِ، كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ ; فَإِنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ مُسَمَّيَاتِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَضْعٍ وَاحِدٍ، بَلْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ; فَالْقُرْءُ الدَّالُّ عَلَى الْحَيْضِ إِنَّمَا وُضِعَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْقُرْءُ الدَّالُّ عَلَى الطُّهْرِ إِنَّمَا وُضِعَ لَهُ بِوَضْعٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ قَوْلِنَا: الرِّجَالُ، فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ بِوَضْعٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: اللَّفْظُ إِنْ دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا هُوَ الْحَدُّ الرَّابِعُ لِلْعَامِّ، وَبَيَانُهُ بِطَرِيقِ التَّقْسِيمِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّفْظَ إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، أَوْ لَا، فَإِنْ دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، أَيْ: مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ جَمِيعِ مَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ وَحْدَةٍ وَكَثْرَةٍ وَحُدُوثٍ وَقِدَمٍ وَطُولٍ وَقِصَرٍ وَسَوَادٍ وَبَيَاضٍ ; فَهَذَا هُوَ الْمُطْلَقُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَثَلًا مِنْ

стр. 983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَيْثُ هُوَ إِنْسَانٌ، إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى حَيَوَانٍ نَاطِقٍ، لَا عَلَى وَاحِدٍ، وَلَا حَادِثٍ، وَلَا طَوِيلٍ، وَلَا أَسْوَدَ، وَلَا عَلَى ضِدِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ بَعْضِ تِلْكَ. وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ ; فَإِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى وَحْدَةٍ أَوْ وَحَدَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. فَإِنْ دَلَّ عَلَى وَحْدَةٍ ; فَهِيَ إِمَّا مُعَيَّنَةٌ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَهُوَ الْعِلْمُ، أَوْ غَيْرُ مُعَيَّنَةٌ، كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ، وَهُوَ النَّكِرَةُ. وَإِنْ دَلَّ عَلَى وَحَدَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ الْكَثْرَةُ ; فَتِلْكَ الْكَثْرَةُ إِمَّا بَعْضُ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ أَوْ جَمِيعُهَا، فَإِنْ كَانَتْ بَعْضَهَا ; فَهُوَ اسْمُ الْعَدَدِ، كَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ كَانَتْ جَمِيعَ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ ; فَهُوَ الْعَامُّ. فَالْعَامُّ إِذَنْ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ، وَهُوَ أَجْوَدُهَا، أَيْ: أَجْوَدُ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا الْحَدَّ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ التَّقْسِيمَ الصَّحِيحَ يَرِدُ عَلَى جِنْسِ الْأَقْسَامِ، ثُمَّ يُمَيِّزُ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ بِذِكْرِ خَوَاصِّهَا الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا ; فَيَتَرَكَّبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِهِ مِنْ جِنْسِهِ الْمُشْتَرَكِ وَمُمَيِّزِهِ الْخَاصِّ وَهُوَ الْفَصْلُ، وَلَا مَعْنَى لِلْحَدِّ إِلَّا اللَّفْظُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْجِنْسِ وَالْفِعْلِ، وَعَلَى هَذَا ; فَقَدِ اسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ مَعْرِفَةَ حُدُودِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْحَقَائِقِ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ وَالْعَلَمُ وَالنَّكِرَةُ وَاسْمُ الْعَدَدِ. فَالْمُطْلَقُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ وَصْفٍ زَائِدٍ.

стр. 984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْعَلَمُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى وَحْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَالنَّكِرَةُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى وَحْدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ. وَاسْمُ الْعَدَدِ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى بَعْضِ وَحَدَاتِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ، وَالْعَامُّ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُكُمْ: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى جَمِيعِ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ، يَقْتَضِي أَنَّ الْخَاصَّ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى بَعْضِ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ ; لِأَنَّ الْخَاصَّ مُقَابِلُ الْعَامِّ، وَحِينَئِذٍ يَتَّحِدُ حَدُّ الْخَاصِّ وَاسْمُ الْعَدَدِ. قُلْتُ: هُوَ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ فِي الْخَاصِّ هُوَ وَحْدَةٌ وَاحِدَةٌ مُعَيَّنَةٌ أَوْ مَخْصُوصَةٌ، وَفِي اسْمِ الْعَدَدِ هُوَ وَحَدَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ غَيْرُ مُسْتَغْرِقَةٍ ; فَيُزَادُ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ، أَعْنِي حَقِيقَةَ الْخَاصِّ وَاسْمِ الْعَدَدِ، هَذَا الْفَصْلُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ حَدَّ الْعَامِّ الْمَذْكُورَ هُوَ أَجْوَدُ حُدُودِهِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّهُ أَضْبَطُ وَأَحَقُّ، إِذْ هُوَ نَاشِئٌ عَنْ تَقْسِيمٍ دَائِرٍ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَارِدٌ عَلَى جِنْسِ الْأَقْسَامِ، مُلْحَقٌ بِفُصُولِهَا كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ» ، أَيْ: قِيلَ فِي حَدِّ الْعَامِّ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ هُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ فَصَاعِدًا مُطْلَقًا مَعًا، وَاحْتِرَازَاتُهُ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهَا، إِلَّا قَوْلَهُ: مَعًا، وَأَحْسَبُ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ مِنَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، كَالْعَيْنِ وَنَحْوِهِ ; فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ فَصَاعِدًا إِذَا تَكَثَّرَتْ مَوْضُوعَاتُهُ لَكِنْ لَا مَعًا، أَيْ: لَا يُرَادُ جَمِيعُهَا عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، بَلْ بَعْضُهَا عَلَى الْبَدَلِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ الْقَوْلُ الْمُتَعَلِّقُ بِمَعْلُومَيْنِ، أَوِ الْقَوْلُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَصَاعِدًا، ذَكَرَهُ الْكِتَّانِيُّ فِي «الْمَطَالِعِ» وَهُوَ مَعْنَى مَا سَبَقَ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَامَّ هُوَ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ يُفِيدُ تَتَبُّعَهُ فِي مَحَالِّهِ. ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي «التَّنْقِيحِ» وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَدَّاهُ إِلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْغَرِيبَةِ سُؤَالٌ أَوْرَدَهُ هُوَ عَلَى حَدِّ الْعَامِّ الْمُتَدَاوَلِ، وَلَمْ يَرَ أَحَدًا أَجَابَ عَنْهُ، وَبِمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِّ يَنْدَفِعُ ذَلِكَ السُّؤَالُ، ثُمَّ ذَكَرَ السُّؤَالَ وَانْدِفَاعَهُ بِالْحَدِّ الْمَذْكُورِ. وَذِكْرُهُ يَطُولُ هُنَا ; فَلْيُنْظَرْ فِي شَرْحِهِ. قَوْلُهُ: «وَيَنْقَسِمُ اللَّفْظُ إِلَى مَا لَا أَعَمَّ مِنْهُ كَالْمَعْلُومِ، أَوِ الشَّيْءِ، وَيُسَمَّى الْعَامَّ الْمُطْلَقَ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَإِلَى مَا لَا أَخَصَّ مِنْهُ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَيُسَمَّى الْخَاصَّ الْمُطْلَقَ، وَإِلَى مَا بَيْنَهُمَا كَالْمَوْجُودِ وَالْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ النَّامِي وَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ ; فَيُسَمَّى عَامًّا وَخَاصًّا إِضَافِيًّا، أَيْ: هُوَ خَاصٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُ، عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا تَحْتَهُ» . قُلْتُ: هَذَا تَقْسِيمٌ لِلْعَامِّ وَالْخَاصِّ بِحَسَبِ مَرَاتِبِهِ عُلُوًّا وَنُزُولًا وَتَوَسُّطًا ; فَاللَّفْظُ إِمَّا عَامٌّ مُطْلَقٌ، وَهُوَ مَا لَيْسَ فَوْقَهُ أَعَمُّ مِنْهُ، أَوْ خَاصٌّ مُطْلَقٌ، وَهُوَ مَا لَيْسَ تَحْتَهُ أَخَصُّ مِنْهُ، أَوْ عَامٌّ وَخَاصٌّ إِضَافِيٌّ. مِثَالُ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ، الْمَعْلُومُ أَوِ الشَّيْءُ ; لِأَنَّ الْمَعْلُومَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ قَدِيمَهَا وَمُحْدَثَهَا وَمَعْدُومَهَا وَمَوْجُودَهَا لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَالشَّيْءُ يَتَنَاوَلُ الْقَدِيمَ وَالْمُحْدَثَ وَالْجَوْهَرَ وَالْعَرَضَ وَسَائِرَ الْمَوْجُودَاتِ، وَالشَّيْءُ أَخَصُّ مِنَ الْمَعْلُومِ ; لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعْلُومٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَعْلُومٍ شَيْئًا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا: الْمَعْدُومُ شَيْءٌ. وَلِهَذَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّيْءَ قَوْلًا فِي مِثَالِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ ; فَقَالَ: الْعَامُّ يَنْقَسِمُ إِلَى عَامٍّ لَا أَعَمَّ مِنْهُ يُسَمَّى عَامًّا مُطْلَقًا، كَالْمَعْلُومِ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ. وَقِيلَ: الشَّيْءُ، أَيِ: الْعَامُّ

стр. 986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُطْلَقُ، كَالشَّيْءِ لَا كَالْمَعْلُومِ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْلُومِ الْمَعْدُومَ وَالْعَدَمَ، وَهُوَ لَا يَتَّصِفُ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ; لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُحْتَاجَانِ إِلَى مَا يَقُومَانِ بِهِ، وَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا ; لِأَنَّ الشَّيْءَ هُوَ الْمَوْجُودُ ; لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ أَثَّرَتْ فِيهِ، أَمَّا الْمَعْدُومُ ; فَلَا يَصِحُّ قِيَامُ الْمَعَانِي بِهِ، وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ مَعْنَيَانِ لَا يَقُومَانِ بِهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُمَا بِلَفْظِ أَوْ ; فَقُلْتُ: يَنْقَسِمُ اللَّفْظُ إِلَى مَا لَا أَعَمَّ مِنْهُ كَالْمَعْلُومِ أَوِ الشَّيْءِ، تَنْبِيهًا عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ أَوِ الَّتِي هِيَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَإِنْ كَانَ تَنْبِيهًا خَفِيًّا، وَلِأَنَّ الْخَطْبَ فِي هَذَا يَسِيرٌ، إِذْ لَا يَضُرُّنَا فِي ضَرْبِ الْمِثَالِ، أَيُّهُمَا كَانَ هُوَ الْأَعَمَّ مُطْلَقًا بَعْدَ تَقْرِيرِ الْقَاعِدَةِ فِي تَقْسِيمِهِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: لَيْسَ بِمَوْجُودٍ» فَإِشَارَةٌ إِلَى الْعَامِّ الْمُطْلَقِ. قِيلَ: هُوَ مَوْجُودٌ كَمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَلَيْسَ لَنَا عَامٌّ مُطْلَقٌ. وَهَذَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ بِاعْتِبَارٍ، وَتَابَعَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ; فَجَعَلَهُ قَوْلًا ثَانِيًا، وَلْنَحْكِ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ لِيَبِينَ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ إِمَّا خَاصٌّ فِي ذَاتِهِ مُطْلَقًا، نَحْوَ: زَيْدٍ، وَهَذَا الرَّجُلُ. وَإِمَّا عَامٌّ مُطْلَقٌ كَالْمَذْكُورِ وَالْمَعْلُومِ، إِذْ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ. وَإِمَّا عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ كَلَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ ; فَإِنَّهُ عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ، خَاصٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى جُمْلَتِهِمْ، إِذْ يَتَنَاوَلُهُمْ دُونَ الْمُشْرِكِينَ ; فَكَأَنَّهُ يُسَمَّى عَامًّا مِنْ حَيْثُ شُمُولِهِ لِلْآحَادِ، خاصًّا مِنْ حَيْثُ اقْتِصَارِهِ عَلَى مَا شَمِلَهُ،

стр. 987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقُصُورِهِ عَمَّا لَمْ يَشْمَلْهُ. وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ فِي الْأَلْفَاظِ عَامٌّ مُطْلَقٌ لِأَنَّ لَفْظَ الْمَعْلُومِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَجْهُولَ، وَالْمَذْكُورُ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ. قُلْتُ: فَحَاصِلُ قَوْلِهِ: أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ فَهُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى شُمُولِهِ أَفْرَادَ مَا تَحْتَهُ عَامٌّ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى اقْتِصَارِهِ عَلَى مَدْلُولِهِ خَاصٌّ، وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَبْقَى لَنَا عَامٌّ مُطْلَقٌ، لَكِنَّ هَذَا غَيْرُ تَفْسِيرِنَا الْعَامَّ الْمُطْلَقَ بِمَا لَا أَعَمَّ مِنْهُ ; لِأَنَّ مِنَ الْأَلْفَاظِ مَا يَكُونُ عَامًّا لَا أَعَمَّ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ مَقْصُورُ الدَّلَالَةِ عَلَى مَا تَحْتَهُ ; فَيَكُونُ حِينَئِذٍ عَامًّا مُطْلَقًا لَا عَامًّا مُطْلَقًا بِاعْتِبَارَيْنِ، كَمَا ذُكِرَ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ، لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَى قَوْلًا مُطْلَقًا كَمَا فَعَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ فِي وُجُودِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ بِتَفْسِيرٍ وَاحِدٍ قَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ نَذْكُرُ ذَلِكَ بِتَفْسِيرَيْنِ كَمَا فَعَلَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. وَمِثَالُ الْخَاصِّ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ مَا لَا أَخَصَّ مِنْهُ أَسْمَاءُ الْأَشْخَاصِ نَحْوَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، إِذْ لَا يُوجَدُ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِهِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْأَعْلَامُ أَعْرَفَ الْمَعَارِفِ عِنْدَ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ. وَمِثَالُ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ الْإِضَافِيِّ هُوَ مَا وَقَعَ بَيْنَ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ وَالْخَاصِّ الْمُطْلَقِ، كَالْمَوْجُودِ ; فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْلُومِ، عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَوْهَرِ. أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّكَ تَقُولُ: كُلُّ مَوْجُودٍ مَعْلُومٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَعْلُومٍ مَوْجُودًا، إِذِ الْمَعْدُومُ مَعْلُومٌ وَلَيْسَ مَوْجُودًا.

стр. 988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّكَ تَقُولُ: كُلُّ جَوْهَرٍ مَوْجُودٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَوْجُودٍ جَوْهَرًا ; لِأَنَّ الْعَرَضَ مَوْجُودٌ، وَلَيْسَ جَوْهَرًا ; فَالْمَوْجُودُ أَعَمُّ مِنَ الْجَوْهَرِ، وَالْجَوْهَرُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجِسْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْجِسْمَ يَسْتَلْزِمُ الْجَوْهَرَ ضَرُورَةَ تَرَكُّبِهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَالْجَوْهَرُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجِسْمَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا فَرْدًا، وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ ; فَالْجِسْمُ إِذَنْ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَوْهَرِ، عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّامِي، إِذْ كُلُّ نَامٍ جِسْمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ جِسْمٍ نَامِيًا، وَالنَّامِي عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيَوَانِ، إِذْ كُلُّ حَيَوَانٍ نَامٍ، وَلَيْسَ كُلُّ نَامٍ حَيَوَانًا، بِدَلِيلِ النَّبَاتِ، هُوَ نَامٍ وَلَيْسَ بِحَيَوَانٍ، وَالْحَيَوَانُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، إِذْ كُلُّ إِنْسَانٍ حَيَوَانٌ، وَلَيْسَ كُلُّ حَيَوَانٍ إِنْسَانًا، بِدَلِيلِ الْفَرَسِ، وَنَحْوِهِ. وَالضَّابِطُ فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ أَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ انْقَسَمَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ وَغَيْرِهِ ; فَالْمُنْقَسِمُ أَعَمُّ مِنَ الْمُنْقَسَمِ إِلَيْهِ ; فَالْمَوْجُودُ يَنْقَسِمُ إِلَى جَوْهَرٍ وَغَيْرِهِ، كَالْعَرَضِ، وَالْجَوْهَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى نَامٍ وَغَيْرِهِ، كَالْجَمَادِ، وَالنَّامِي يَنْقَسِمُ إِلَى حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ، كَالنَّبَاتِ، وَالْحَيَوَانُ يَنْقَسِمُ إِلَى إِنْسَانٍ وَغَيْرِهِ، كَالْفَرَسِ. وَقَوْلُنَا: هَذَا الشَّيْءُ عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، أَوْ عَامٌّ بِالْقِيَاسِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا تَحْتَهُ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ الْأَلْفَاظُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ عِنْدَ تَعْرِيفِ الْعِلْمِ بَحْثٌ طَوِيلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَيُنَاسِبُ هَذَا الْبَحْثَ.

стр. 989

وَ أَلْفَاظُ الْعُمُومِ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا: مَا عُرِّفَ بِاللَّامِ غَيْرِ الْعَهْدِيَّةِ، وَهُوَ إِمَّا لَفْظٌ وَاحِدٌ، نَحْوَ: السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، أَوْ جَمْعٌ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَالَّذِينَ، أَوْ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْهُ كَالنَّاسِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْمَاءِ، وَالتُّرَابِ. الثَّانِي: مَا أُضِيفَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَعْرِفَةٍ، كَعَبِيدِ زَيْدٍ، وَمَالِ عَمْرٍو. الثَّالِثُ: أَدَوَاتُ الشَّرْطِ، كَمَنْ: فِي مَنْ يَعْقِلُ، وَمَا: فِيمَا لَا يَعْقِلُ وَأَيٌّ فِيهِمَا. وَأَيْنَ فِي الْمَكَانِ، وَمَتَى وَأَيَّانَ فِي الزَّمَانِ. الرَّابِعُ: كُلٌّ وَجَمِيعٌ. الْخَامِس: النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ. أَوِ الْأَمْرِ، نَحْوَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً، عَلَى قَوْلٍ فِيهِ، وَإِلَّا لَمَا خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِعِتْقِ أَيِّ رَقَبَةٍ كَانَ. ثُمَّ قِيلَ: الْعَامُّ الْكَامِلُ: هُوَ الْجَمْعُ لِقِيَامُ الْعُمُومِ بِصِيغَتِهِ، وَمَعْنَاهُ وَبِمَعْنَى غَيْرِهِ فَقَطْ. فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وَضْعًا، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ أَوْ قَرِينَتُهُ عِنْدَنَا، وَقَالَتْ الْوَاقِفِيَّةُ: لَا صِيغَةَ لِلْعُمُومِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ بِالْوَضْعِ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ، وَمَا زَادَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِغْرَاقِ كَالنَّفَرِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ: لَا عُمُومَ فِيمَا فِيهِ اللَّامُ، وَقِيلَ: لَا عُمُومَ إِلَّا فِيهِ، وَقِيلَ: لَا عُمُومَ فِي النَّكِرَةِ إِلَّا مَعَ «مِنْ» ظَاهِرَةٍ أَوْ مُقَدَّرَةٍ، نَحْوَ: مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ــ قَوْلُهُ: «وَأَلْفَاظُ الْعُمُومِ أَقْسَامٌ» ، إِلَى آخِرِهِ. لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْرِيفِ الْعَامِّ، وَانْقِسَامِهِ إِلَى مُطْلَقٍ وَإِضَافِيٍّ، أَخَذَ فِي بَيَانِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ أَيِ الَّتِي يُسْتَفَادُ مِنْهَا الْعُمُومُ وَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ:

стр. 990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهَا: «مَا عُرِّفَ بِاللَّامِ غَيْرِ الْعَهْدِيَّةِ» ، أَيِ: الَّتِي لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ، وَهُوَ يَعْنِي هَذَا الْقِسْمَ - مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ إِمَّا لَفْظٌ وَاحِدٌ، نَحْوَ: السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، أَوْ جَمْعٌ، ثُمَّ الْجَمْعُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَالَّذِينَ جَمْعِ الَّذِي، نَحْوَ: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ، كَالنَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ، إِذْ لَا يُقَالُ فِيهِ: نَاسَةٌ، وَلَا حَيَوَانَةٌ، وَلَا مَاءَةٌ، وَلَا تُرَابَةٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ أَلْفَاظٌ وُضِعَتْ لِتَدُلَّ عَلَى جِنْسِ مَدْلُولِهَا لَا عَلَى آحَادِهِ مُنْفَرِدَةً. وَقَوْلُنَا: «مَا عُرِّفَ بِاللَّامِ غَيْرِ الْعَهْدِيَّةِ» احْتِرَازٌ مِمَّا عُرِّفَ بِلَامِ الْعَهْدِ ; فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَامًّا لِدَلَالَتِهِ عَلَى ذَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، نَحْوَ: لَقِيتُ رَجُلًا ; فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ، وَرُبَّمَا جَاءَ ذِكْرُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحَاصِلُ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ أَنَّهُ إِمَّا وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ، وَالْجَمْعُ إِمَّا لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ، أَوْ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: النِّسَاءُ، وَالْخَيْلُ، وَالنَّعَمُ، وَاحِدُهَا: امْرَأَةٌ، أَوْ نَاقَةٌ، أَوْ جَمَلٌ، أَوْ فَرَسٌ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [الْعَصْرِ: ٢] ، إِذِ اللَّامُ فِيهِ جِنْسِيَّةٌ لَا عَهْدِيَّةٌ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْآيَةَ [الْعَصْرِ: ٣] . الْقِسْمُ «الثَّانِي: مَا أُضِيفَ مِنْ ذَلِكَ» ، أَيْ: مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ الْمَذْكُورَةِ، إِلَى مَعْرِفَةٍ، كَعَبِيدِ زَيْدٍ، وَمَالِ عَمْرٍو ; فَالْأَوَّلُ لَفْظُ جَمْعٍ، وَالثَّانِي اسْمُ جِنْسٍ، أُضِيفَا إِلَى مَعْرِفَةٍ ; فَتَقْتَضِي عُمُومَ الْعَبِيدِ وَالْمَالِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ عَبِيدَ زَيْدٍ، وَشَاهَدْتُ مَالَ عَمْرٍو، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ وَالْمُشَاهَدَةَ كَانَتْ لِجَمِيعِ

стр. 991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْمِثَالُ هَاهُنَا وَفِي الْأَصْلِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْجِنْسِ الْمُضَافِ إِلَى مَعْرِفَةٍ، وَبَقِيَ اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ، نَحْوَ: السَّارِقِ، وَالزَّانِيَةِ، وَهُوَ إِذَا أُضِيفَ إِلَى مَعْرِفَةٍ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ ; لِأَنَّهُ لَا جَمْعَ فِي لَفْظِهِ، بِخِلَافِ عَبِيدٍ وَمَالٍ ; لِأَنَّ فِيهِمَا جَمْعًا حَقِيقِيًّا فِي نَحْوِ: عَبِيدِ زَيْدٍ، أَوْ مَعْنَوِيًّا فِي نَحْوِ: مَالِ زَيْدٍ، وَالْمَالُ جِنْسٌ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا، أَمَّا السَّارِقُ وَالزَّانِي وَنَحْوُهُمَا، فَلَمْ يُوضَعْ لَفْظُهُ لِيَدُلَّ عَلَى جَمْعٍ لَفْظِيٍّ وَلَا مَعْنَوِيٍّ، بَلْ لِيَدُلَّ عَلَى ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِفِعْلٍ صَدَرَ عَنْهَا، أَوْ قَامَ بِهَا، وَلَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ جَمْعٌ وَلَا إِفْرَادٌ إِلَّا بِطَرِيقِ الْفَرْضِ. الْقِسْمُ «الثَّالِثُ» : مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ «أَدَوَاتُ الشَّرْطِ» ، نَحْوَ: «مَنْ فِيمَنْ يَعْقِلُ، وَمَا فِيمَا لَا يَعْقِلُ، وَأَيٍّ فِيهِمَا» ، أَيْ: فِي الْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ، نَحْوَ: أَيَّ الرِّجَالِ لَقِيتَ، وَأَيَّ الدَّوَابِّ رَكِبْتَ، «وَأَيْنَ فِي الْمَكَانِ، وَمَتَى وَأَيَّانَ فِي الزَّمَانِ» . وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطَّلَاقِ: ٢] ، مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ; فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْعُقَلَاءِ. ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦]

стр. 992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٨] ، عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ. فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَا يَعْقِلُ مِنَ الْمَالِ وَالرِّزْقِ.

стр. 993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَيُقَالُ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] ، قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: خَصَمْتُ مُحَمَّدًا ; لِأَنَّهُ قَدْ عُبِدَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْمَسِيحُ، أَفَهُمْ حَصَبُ جَهَنَّمَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ، إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، وَلَمْ يَقُلْ: وَمَنْ تَعْبُدُونَ. إِشَارَةً إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَ تَخْصِيصُ

стр. 994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠١] ; إِمَّا تَأْكِيدًا لِمَا فُهِمَ مِنْ لَفْظِ مَا، أَوْ تَنَزُّلًا مَعَ الْخَصْمِ وَكَشْفًا لِلَّبْسِ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ: إِنَّ فِرْعَوْنَ سَأَلَ مُوسَى عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا بِلَفْظِ مَا لَا يَعْلَمُ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٣، ٢٤] ، الْآيَةَ، قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٧] ; فَقَدَحَ فِي فَهْمِ مُوسَى ﵇ لِكَوْنِهِ أَجَابَهُ بِمَنْ يَعْلَمُ عَنْ سُؤَالِهِ بِلَفْظِ مَا لَا يَعْلَمُ. وَمِثَالُ أَيٍّ: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الْكَهْفِ: ١٢] ، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الْمُلْكِ: ٢] ، ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] ، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [الْقِصَصِ: ٢٨] ، وَالْأَجْلُ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْقِلُ. وَمِثَالُ أَيْنَ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] ، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١٥] ، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا﴾ [الْحَدِيدِ: ٤] ،

стр. 995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٦] ، ﴿مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٧] . وَمِثَالُ مَتَى: قَوْلُ الشَّاعِرِ: مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ وَمِثَالُ أَيَّانَ: قَوْلُهُ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٧، وَالنَّازِعَاتِ: ٤٢] ، فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، أَيْ: أَيَّ وَقْتِ وُقُوعِهَا، وَجَعَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَيْنَ وَأَيَّانَ جَمِيعًا لِلْمَكَانِ، وَهُوَ سَهْوٌ، بَلْ أَيْنَ وَحْدَهَا لِلْمَكَانِ، وَأَيَّانَ لِلزَّمَانِ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا: أَيُّ أَوَانٍ يَكُونُ كَذَا، ثُمَّ رُكِّبَتِ الْكَلِمَتَانِ بَعْدَ الْحَذْفِ تَخْفِيفًا، وَجُعِلَا كَلِمَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالُوا: أَيْشٍ ; فِي: أَيِّ شَيْءٍ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ، ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٧] ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٦] ; فَأَجَابَ بِالزَّمَانِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٢١] ، أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ أَيَّ زَمَنٍ يُبْعَثُونَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ اعْتَبِرِ الْأَدَوَاتِ بِجَوَابِهَا ; فَمَا كَانَ ; فَأَضِفْهَا إِلَيْهَا.

стр. 996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ عِنْدَكَ؟ قُلْتَ: زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، وَلَا تَقُولُ: فَرَسٌ أَوْ جَمَلٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْقِلُ. وَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا عِنْدَكَ؟ قُلْتَ: فَرَسٌ أَوْ بَغْلٌ، وَلَا تَقُلْ: زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو ; فَمَا لِمَا لَا يَعْقِلُ. وَقَدْ سَبَقَ مِثَالُ أَيٍّ فِي إِضَافَتِهَا إِلَى الْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَإِذَا قِيلَ لَكَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قُلْتَ: فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا تَقُلْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْأَزْمِنَةِ ; فَأَيْنَ لِلْمَكَانِ. وَإِذَا قِيلَ لَكَ مَتَى أَوْ أَيَّانَ قُمْتَ؟ قُلْتَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوِ السَّبْتِ، وَلَا تَقُلْ: فِي الْمَسْجِدِ أَوِ السُّوقِ ; فَمَتَى وَأَيَّانَ مِنْ أَدَوَاتِ الزَّمَانِ. وَوَاحِدَةُ الْأَدَوَاتِ أَدَاةٌ، وَهِيَ الْآلَةُ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ ": مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ: كُلُّ وَجَمِيعُ ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا، نَحْوُ قَوْلِهِ : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٥] ، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٨] ، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢] ، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٤] ، ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤] ، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص: ٧٣] . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَفَادَ بِقَوْلِهِ: أَجْمَعُونَ فِي الْآيَةِ، اتِّحَادَ زَمَانِ سُجُودِهِمْ، وَلَمْ يُسْتَفَدْ ذَلِكَ مِنْ كُلُّ، إِنَّمَا أَفَادَتْ أَنَّ السُّجُودَ يُوجَدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ; فَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْ أَجْمَعُونَ، وَكَذَلِكَ فَرَّقَ ثَعْلَبُ فِي " أَمَالِيهِ " بَيْنَ جَمِيعًا وَمَعًا ; فَالْأَوَّلُ يُفِيدُ

стр. 997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الِاجْتِمَاعَ الْمُطْلَقَ، وَالثَّانِي يُفِيدُ الْمَعِيَّةَ وَالِاقْتِرَانِ، نَحْوَ: قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو جَمِيعًا، أَيْ: اجْتَمَعَا فِي وُجُودِ الْقِيَامِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو مَعًا، أَيِ: اجْتَمَعَا فِي الْقِيَامِ مُصْطَحَبَيْنِ فِيهِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ اقْتَرَنَ قِيَامُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِقِيَامِ الْآخَرِ. الْقِسْمُ «الْخَامِسُ» : مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ «النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوِ الْأَمْرِ» ، مِثَالُ النَّفْيِ: قَوْلُهُ : ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠١] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١١] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الْإِخْلَاصِ: ٤] ، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] . وَمِثَالُ الْأَمْرِ: قَوْلُهُ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً عَلَى قَوْلٍ فِيهِ» ، أَيْ: فِي هَذَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَعُمُّ ; لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ كَمَا ذُكِرَ فِي بَابِهِ، وَالْمُطْلَقُ لَيْسَ بِعَامٍّ لِمَا سَبَقَ فِي حَدِّ الْعَامِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَعُمُّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَعْتِقْ رَقَبَةً لَوْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا، لَمَا خَرَجَ الْمَأْمُورُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِعِتْقِ أَيِّ رَقَبَةٍ كَانَتْ، لَكِنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِرَقَبَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَالْمُطْلَقُ يَكْفِي فِي امْتِثَالِهِ إِيجَادُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ تَحْصِيلُ الْمَاهِيَّةِ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِفَرْدٍ مَا مِنْ أَفْرَادِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: صَلِّ صَلَاةً، أَوْ: صُمْ يَوْمًا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ قِيلَ: الْعَامُّ الْكَامِلُ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا قَوْلُ الْبُسْتِيِّ فِيمَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ ; كَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، أَكْمَلُ فِي بَابِ الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ كَالْمُفْرَدِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ، نَحْوَ: الزَّانِي، وَالسَّارِقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعُمُومَ قَامَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَمَعْنَاهُ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَهُ يُفِيدُ التَّعَدُّدَ كَمَا أَنَّ مَعْنَاهُ مُتَعَدِّدٌ، بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ، فَإِنَّ التَّعَدُّدَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَدْلُولِهِ لَا فِي لَفْظِهِ ; فَإِنَّا إِذَا قُلْنَا: الرِّجَالُ، دَلَّ هَذَا اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ عَلَى جَمَاعَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ ذُكُورِ بَنِي آدَمَ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ وَالسَّارِقِ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ بِوَضْعِهِ عَلَى وَاحِدٍ وَهُوَ ذَاتٌ اتَّصَفَتْ بِالسَّرِقَةِ، وَعُمُومُ مَدْلُولِهِ إِنَّمَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنْ دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَهُوَ كَوْنُ هَذَا اللَّفْظِ أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا: الْجَمْعُ الَّذِي لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْمُؤْمِنِينَ، وَالَّذِي لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالنَّاسِ، وَالْجَمْعُ الْمُضَافُ، كَعَبِيدِ زَيْدٍ، وَكُلٌّ وَجَمِيعٌ أَكْمَلُ عُمُومًا مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ، وَمِنَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ نَحْوَ: لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ ; لِأَنَّ أَلْفَاظَهَا لَيْسَتْ جَمْعًا بِالْوَضْعِ عَلَى حَدِّ الرِّجَالِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ وَالنَّكِرَةِ الْمَذْكُورَةِ أَكْمَلُ مِنَ الْمُفْرَدِ الْمُعَرَّفِ ; لِأَنَّ أَلْفَاظَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَرَائِحَ فِي الْجَمْعِ كَمَا ذَكَرْنَا ; فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ وَتُفِيدُهُ بِالْجُمْلَةِ.

стр. 999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَهَذَا شَرْحُ قَوْلِهِ: «الْعَامِّ الْكَامِلِ هُوَ الْجَمْعُ لِقِيَامِ الْعُمُومِ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا وَبِمَعْنَى غَيْرِهِ فَقَطْ» . قَوْلُهُ: «فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: هَذِهِ أَقْسَامُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ الْمَذْكُورَةُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ عِنْدَنَا بِالْوَضْعِ، أَيْ: بِقَصْدِ وَاضِعِ اللُّغَةِ، إِفَادَتَهَا لِلْعُمُومِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ أَوْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِهِ كَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْخُصُوصُ ; فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ. «وَقَالَتِ الْوَاقِفِيَّةُ: لَا صِيغَةَ لِلْعُمُومِ، تَدُلُّ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ» . وَأَمَّا الْأَقْسَامُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ ; فَهِيَ بِالْوَضْعِ تَدُلُّ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ بَعْدُ، وَمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ، أَيْ: بَيْنَ أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَبَيْنَ الِاسْتِغْرَاقِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ هِيَ مَعْنَى عِبَارَةِ «الرَّوْضَةِ» ، وَكِلْتَاهُمَا لَا تُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ، وَلَا يَتَحَصَّلُ مِنْهَا تَحْقِيقُ الْمُرَادِ، وَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ عِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَتِ الْوَاقِفِيَّةُ: لَمْ تُوضَعْ، يَعْنِي الْأَلْفَاظَ الْمَذْكُورَةَ، لِعُمُومٍ وَلَا لِخُصُوصٍ، بَلْ أَقَلُّ الْجَمْعِ دَاخِلٌ فِيهِ بِحُكْمِ الْوَضْعِ، وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى اسْتِغْرَاقِ الْجَمِيعِ. أَوِ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ، أَوْ تَنَاوُلِ صِنْفٍ

стр. 1000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَعَدَدٍ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالِاسْتِغْرَاقِ مُشْتَرَكٌ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قُلْتُ: وَصُورَةُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ قَوْلَنَا: الْمُسْلِمِينَ أَوِ الرِّجَالَ مَثَلًا يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ الْجَمْعِ بِحُكْمِ الْوَضْعِ، ثُمَّ هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الرِّجَالِ وَثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ ; فَيُقَالُ لِجِنْسِ الذُّكُورِ مِنْ بَنِي آدَمَ: رِجَالٌ، وَلِلثَّلَاثَةِ مِنْهُمْ رِجَالٌ، وَلِمَا فَوْقَ ذَلِكَ رِجَالٌ بِالِاشْتِرَاكِ. وَحَاصِلُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ أَقَلُّ الْجَمْعِ وَالِاسْتِغْرَاقِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَقَادِيرِ، وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَرَ لَفْظُ الْعُمُومِ عَلَى مَا دُونِ أَقَلِّ الْجَمْعِ ; لِأَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ لَهُ بِحُكْمِ الْوَضْعِ، وَاشْتِرَاكُ لَفْظِ الْعُمُومِ بَيْنَ الْمَقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ كَاشْتِرَاكِ النَّفَرِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، إِذِ الثَّلَاثَةُ تُسَمَّى نَفَرًا، وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعَةُ وَالْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ، إِلَى الْعَشَرَةِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُسَمَّى نَفَرًا ; فَلَفْظُ النَّفَرِ يُطْلَقُ عَلَى سَائِرِ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ بِالِاشْتِرَاكِ، أَيْ: هُوَ مَوْضُوعٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ; فَكَذَلِكَ لَفَظُ الرِّجَالِ مَوْضُوعٌ لِصِنْفِهِمُ الْمُسْتَغْرِقِ لَهُمْ وَلِلثَّلَاثَةِ مِنْهُمْ، وَلِمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ مَقَادِيرِ أَعْدَادِهِمْ. «وَقِيلَ: لَا عُمُومَ فِيمَا فِيهِ اللَّامُ» ، كَالرَّجُلِ وَالسَّارِقِ. وَقِيلَ: لَا عُمُومَ إِلَّا فِيمَا فِيهِ اللَّامُ. «وَقِيلَ: لَا عُمُومَ فِي النَّكِرَةِ إِلَّا مَعَ مِنْ ظَاهِرَةً أَوْ مُقَدَّرَةً، نَحْوَ: مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ» ، وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدٍ «وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ، وَنَحْوَهُ ; لِأَنَّ مِنْ فِيهِ مُقَدَّرَةٌ، هَذِهِ الْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .

стр. 1001

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَصْلُهُ فِي مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَهِيَ خَمْسَةٌ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: ذَهَبَتِ الْمُرْجِئَةُ إِلَى أَنَّ الْعُمُومَ لَا صِيغَةَ لَهُ فِي اللُّغَةِ تَخُصُّهُ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الصِّيَغَ الْمَذْكُورَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْعُمُومِ مَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ الْحَالَ، يَعْنِي أَنَّهَا مَجَازٌ فِي الْعُمُومِ حَقِيقَةٌ فِي غَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ خَالَفَ فِي عُمُومِ اسْمِ الْجَمْعِ وَاسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ دُونَ غَيْرِهِ كَأَبِي هَاشِمٍ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ فِي الِاشْتِرَاكِ وَالْوَقْفِ، وَوَافَقَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الْوَقْفِ. وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ فِي الْأَخْبَارِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ دُونَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الصِّيَغَ الْمَذْكُورَةَ حُجَّةٌ فِي الْخُصُوصِ لِتَيَقُّنِهِ وَالْوَقْفُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ. عُدْنَا إِلَى الْكَلَامِ عَلَى مَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» .

стр. 1002

لَنَا وُجُوهٌ: الْأَوَّلَ: إِجْمَاعُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى التَّمَسُّكِ بِعُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ مَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ. وَكَانُوا يَطْلُبُونَ دَلِيلَ الْخُصُوصِ، لَا الْعُمُومِ، وَهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ. الثَّانِي: أَنَّ صِيَغَ الْعُمُومِ تَعُمُّ حَاجَةَ كُلِّ لُغَةٍ إِلَيْهَا ; فَيَمْتَنِعُ عَادَةً إِخْلَالُ الْوَاضِعِ الْحَكِيمِ بِهَا مَعَ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ قَالَ: اقْطَعِ السَّارِقَ، وَاجْلِدِ الزَّانِيَ، وَاقْتُلْ الْمُشْرِكِينَ، وَارْحَمِ النَّاسَ، وَالْحَيَوَانَ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَمَا لِي صَدَقَةٌ، وَمَنْ جَاءَكَ فَأَكْرِمْهُ، وَأَيَّ رَجُلٍ لَقِيتَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، وَأَيْنَ وَأَيَّانَ وَمَتَى وَجَدْتَ زَيْدًا فَاقْتُلْهُ، وَكُلُّ أَوْ جَمِيعُ مَنْ دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَلَا رَجُلَ فِي الدَّارِ، يُفْهَمُ الْعُمُومُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللِّسَانِ. الْوَاقِفِيَّةُ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ يَحْتَمِلُ إِرَادَتَهُ وَعَدَمَهَا ; فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى وَضْعِ هَذِهِ الصِّيَغِ لِلْعُمُومِ لَيْسَ عَقْلِيًّا، إِذْ لَا أَثَرَ لِلْعَقْلِ فِي اللُّغَاتِ، وَلَا نَقْلِيًّا، إِذْ تَوَاتُرُهُ مَفْقُودٌ، وَآحَادُهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَلِأَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهَا فِي الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ ; فَأَفَادَ الِاشْتِرَاكَ، وَإِلَّا كَانَ جَعْلُهَا مَوْضُوعَةً لِأَحَدِهِمَا تَحَكُّمًا. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ دَعْوَى الشَّكِّ وَعَدَمِ الدَّلِيلِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ لَا يُسْمَعُ، وَاسْتِعْمَالُهُمْ لَهَا فِي الْخُصُوصِ مَجَازٌ بِقَرَائِنَ. الْآخَرُ: اللَّامُ تُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَلِبَعْضِ الْجِنْسِ، وَلِلْمَعْهُودِ فَبِمَ تَخْتَصُّ بِالْعُمُومِ. قُلْنَا: بِالْقَرِينَةِ، إِذْ وُجُودُ الْمَعْهُودِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهَا إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَإِلَى الْجِنْسِ. ثُمَّ هِيَ تَسْتَغْرِقُ الْمَعْهُودَ إِذَا صُرِفَتْ إِلَيْهِ. فَكَذَا الْجِنْسُ إِذَا صُرِفَتْ إِلَيْهِ، ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1003

وَحِينَئِذٍ اسْتِعْمَالُهَا فِي بَعْضِ الْجِنْسِ مَجَازٌ كَاسْتِعْمَالِهَا فِي بَعْضِ الْمَعْهُودِ مُجَازٌ لِقَرِينَةٍ، وَجَوَابُ الْآخَرِ حَصَلَ بِمَا سَبَقَ. الْآخَرُ: يَحْسُنُ مَا عِنْدِي رَجُلٌ بَلْ رَجُلَانِ، بِخِلَافِ: مَا عِنْدِي مِنْ رَجُلٍ. قُلْنَا: النَّفْيُ إِذَا وَقَعَ عَلَى النَّكِرَةِ، اقْتَضَى نَفْيَ مَاهِيَّتِهَا وَهِيَ لَا تَنْتَفِي إِلَّا بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا، وَهَذَا قَاطِعٌ ; فَوَجَبَ تَأْوِيلُ مَا ذَكَرْتُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: بَلْ رَجُلَانِ قَرِينَةُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْمَاهِيَّةِ، بَلْ إِثْبَاتَ مَا أَثْبَتَ مِنْهَا. ــ قَوْلُهُ: «لَنَا» ، أَيْ: عَلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَذْكُورَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ أَجْمَعُوا عَلَى التَّمَسُّكِ بِعُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مُخَصِّصٌ ; فَيَخُصُّونَ بِهِ الْعُمُومَ، وَكَانُوا فِي اجْتِهَادِهِمْ وَاسْتِدْلَالِهِمْ إِنَّمَا يَطْلُبُونَ دَلِيلَ الْخُصُوصِ لِيَخُصُّوا بِهِ الْعُمُومَ، لَا دَلِيلَ الْعُمُومِ مَعَ وُجُودِ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ ; فَكَانُوا يَجْعَلُونَ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ الْمَذْكُورَةَ أُسًّا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُمْ مُخَصِّصٌ، أَعْمَلُوهُ بِحَسَبِهِ، وَهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْهَا الْعُمُومَ لُغَةً بِالْوَضْعِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْقَرَائِنِ الْمُنْضَمَّةِ إِلَيْهِ لِتُفِيدَهُ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلَى إِرْثِ فَاطِمَةَ ﵂ مِنْ أَبِيهَا ﷺ ، بِعُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] ، حَتَّى رَوَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ حَدِيثَ: نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، فَخَصُّوا بِهِ الْعُمُومَ.

стр. 1004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ﴾ ، قَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: إِنِّي ضَرِيرُ الْبَصَرِ ; فَنَزَلَ قَوْلُهُ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٥] ; فَخَصَّهُ وَغَيْرَهُ مِنْ أُولِي الضَّرَرِ مِنَ الْعُمُومِ. وَقَدْ سَبَقَتْ حِكَايَةُ ابْنِ الزِّبَعْرَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] ، الْآيَةَ، فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ غَيْرِ ذَلِكَ. فَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الصِّيَغَ الْمَذْكُورَةَ لِلْعُمُومِ. الْوَجْهُ «الثَّانِي: أَنَّ صِيَغَ الْعُمُومِ تَعُمُّ حَاجَةَ كُلِّ لُغَةٍ إِلَيْهَا» ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، امْتَنَعَ فِي الْعَادَةِ إِخْلَالُ الْوَاضِعِ الْحَكِيمِ بِهَا مَعَ عُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا. أَمَّا أَنَّ الْحَاجَةَ تَعُمُّ إِلَيْهَا فِي كُلِّ لُغَةٍ ; فَلِأَنَّ اللُّغَةَ إِنَّمَا جُعِلَتْ لِلْإِبَانَةِ عَمَّا فِي نُفُوسِ الْعُقَلَاءِ، وَكَمَا يَحْتَاجُ الْعَاقِلُ إِلَى الْبَيَانِ عَنِ الْمُسَمَّى الْخَاصِّ، كَالرَّجُلِ وَنَحْوِهِ، كَذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ عَنِ الْمُسَمَّى الْعَامِّ، كَالرِّجَالِ وَنَحْوِهِمْ ; لِأَنَّ الْكُلَّ يَخْطُرُ فِي النُّفُوسِ وَيَتَعَلَّقُ بِبَيَانِهِ الْغَرَضُ. وَأَمَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ إِخْلَالُ

стр. 1005

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَاضِعِ بِوَضْعِ صِيَغِ الْعُمُومِ ; فَلِأَنَّا فَرَضْنَاهُ حَكِيمًا ; فَلَوْ أَخَلَّ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، لَمْ يَكُنْ حَكِيمًا هَذَا خُلْفٌ. فَإِنْ قِيلَ: عِنْدَكُمْ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى رِعَايَةُ الْمَصَالِحِ ; فَلَعَلَّهُ أَخَلَّ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، لِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ. قُلْتُ: إِنْ مَنَعْنَا أَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ هُوَ اللَّهُ ، لَمْ يَلْزَمْنَا هَذَا السُّؤَالُ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ; فَهُوَ مُعَارَضٌ بِأَنَّ اللُّغَةَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ التَّكْلِيفِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِهِ ; فَلَوْ كَلَّفَهُمْ بِدُونِهِ، لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّكْلِيفُ بِدُونِ اللُّغَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَخْلُقَ فِي قُلُوبِ الْمُكَلَّفِينَ عُلُومًا يُدْرِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهَا مَا فِي قَلْبِ صَاحِبِهِ. قُلْنَا: فَذَلِكَ أَيْضًا غَيْرُ وَاجِبٍ ; فَجَازَ أَنْ يَتْرُكَهُ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ كَمَا قُلْتُمْ فِي اللُّغَةِ، وَحِينَئِذٍ يَدُورُ الْأَمْرُ بَيْنَ وَضْعِ لُغَةٍ يَتَفَاهَمُونَ بِهَا، وَبَيْنَ خَلْقِ عُلُومٍ يُدْرِكُونَ بِهَا مَا فِي نُفُوسِهِمْ ; فَتَرَجَّحَ وَضْعُ اللُّغَةِ بِإِرَادَةِ اللَّهِ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ إِطْلَاقَ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ يُفْهَمُ مِنْهَا الْعُمُومُ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللِّسَانِ ; فَتَكُونُ لِلْعُمُومِ. أَمَّا أَنَّهَا يُفْهَمُ مِنْهَا الْعُمُومُ ; فَلِأَنَّ «مَنْ قَالَ: اقْطَعِ السَّارِقَ، وَاجْلِدِ الزَّانِيَ، وَاقْتُلِ الْمُشْرِكِينَ، وَارْحَمِ النَّاسَ وَالْحَيَوَانَ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَمَالِي صَدَقَةٌ، وَمَنْ جَاءَكَ فَأَكْرِمْهُ، وَأَيَّ رَجُلٍ لَقِيتَ

стр. 1006

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، وَأَيْنَ وَأَيَّانَ وَمَتَى وَجَدْتَ زَيْدًا ; فَاقْتُلْهُ، وَكُلُّ أَوْ جَمِيعُ مَنْ دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَلَا رَجُلَ فِي الدَّارِ» فَإِنَّ أَهْلَ اللِّسَانِ يَفْهَمُونَ الْعُمُومَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَقَاوِيلُهُمْ وَوَقَائِعُهُمْ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِالنَّقْلِ الْمُفِيدِ لِلْعِلْمِ لِمَنِ اسْتَقْرَأَ ذَلِكَ. وَأَمَّا أَنَّهُمْ إِذَا فَهِمُوا الْعُمُومَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَكُونُ لِلْعُمُومِ ; فَلَمَّا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَقَدْ فَهِمُوا ذَلِكَ مِنْهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْقَرَائِنِ ; فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ دَالَّةً عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الصِّيَغَ الْمَذْكُورَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلْعُمُومِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَةً مَوْضُوعَةً مَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَشَهُّدِهِمْ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٍ ; فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُولُوا هَكَذَا، وَلَكِنْ قُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ; فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ ; فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ. وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ أَنَّ مُقْتَضَى لَفْظِ

стр. 1007

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصَّالِحِينَ فِي اللُّغَةِ الْعُمُومُ وَالِاسْتِغْرَاقُ، وَحَسْبُكَ بِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالصِّدْقِ. قَوْلُهُ: «الْوَاقِفِيَّةُ» ، أَيِ: احْتَجَّ الْوَاقِفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الصِّيَغَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ، بَلْ لِمَا ذَكَرُوهُ قَبْلُ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ مُتَحَقِّقُ الْإِرَادَةِ مِنَ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ، نَحْوَ الرِّجَالِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا وَأَنْ لَا يَكُونُ، وَإِذَا احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ ; فَلَا تَثْبُتُ إِرَادَتُهُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إِرَادَتِهِ ; فَيُسْتَصْحَبُ حَالُهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى وَضْعِ هَذِهِ الصِّيَغِ لِلْعُمُومِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا أَوْ نَقْلِيًّا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، إِذْ لَا أَثَرَ وَلَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِي اللُّغَاتِ ; لِأَنَّ طَرِيقَهَا التَّوْقِيفُ، أَوِ الِاصْطِلَاحُ. وَالثَّانِي بَاطِلٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ النَّقْلَ إِمَّا تَوَاتُرٌ أَوْ آحَادٌ، وَالتَّوَاتُرُ مَفْقُودٌ، إِذْ لَوْ نُقِلَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لِلْعُمُومِ بِالتَّوَاتُرِ، لَاشْتَرَكْنَا فِيهِ جَمِيعًا، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ كَسَائِرِ الْقَضَايَا الْمُتَوَاتِرَةِ، وَأَمَّا نَقْلُهُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ ; فَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْعِلْمِ، بَلْ لِلظَّنِّ ; فَلَا يَثْبُتُ بِهِ هَذَا الْأَصْلُ الْعَامُّ الْعَظِيمُ الْخَطَرِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْ هَذِهِ الصِّيَغَ فِي الْخُصُوصِ تَارَةً، وَفِي الْعُمُومِ أُخْرَى عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ كَلَامِهِمُ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ كُلِّ مَا اسْتَعْمَلُوهَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ وَأَقَلِّ الْجَمْعِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَلَوْ لَمْ تُجْعَلْ لِلِاشْتِرَاكِ، لَكَانَ جَعْلُهَا مَوْضُوعَةً لِأَحَدِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ تَحَكُّمًا وَتَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ الْعُمُومَ لَا صِيغَةَ لَهُ بِالْوَضْعِ.

стр. 1008

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - قَوْلُهُ: «وَأُجِيبُ» ، أَيْ: عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْوَاقِفِيَّةُ. أَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَقَوْلُهُمْ: مَا زَادَ عَنْ أَقَلِّ الْجَمْعِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ; فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهَا لِلْعُمُومِ إِمَّا الْعَقْلُ، أَوِ النَّقْلُ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ. قُلْنَا: هَذَا لَا يُسْمَعُ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى التَّمَسُّكِ فِي الْعُمُومِ بِالصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ مُصَادِمٌ لِلْإِجْمَاعِ. ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ يَحْتَمْلُ أَنَّهُ مُرَادٌ مِنَ الصِّيغَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، لَكِنْ لَيْسَ الِاحْتِمَالَانِ عَلَى السَّوَاءِ، بَلِ احْتِمَالُ إِرَادَتِهِ أَظَهَرُ وَهَكَذَا نَقُولُ: إِنَّ دَلَالَةَ صِيَغِ الْعُمُومِ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ لَا قَاطِعَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ إِمَّا عَقْلِيٌّ أَوْ نَقْلِيٌّ. قُلْنَا: نَقْلِيٌ. قَوْلُهُمْ: تَوَاتُرُهُ مَفْقُودٌ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ لِمَنِ اسْتَقْرَأَ كَلَامَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَنَظَرَ فِي وَقَائِعِهِمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْصُلْ لَكُمُ الْعِلْمُ بِأَنَّهَا لِلْعُمُومِ ; لِأَنَّكُمْ لَمْ تَسْتَقْرِئُوا مَوَاقِعَهَا فِي اللُّغَةِ وَمُخَاطَبَاتِ أَهْلِهَا، وَالتَّوَاتُرُ إِنَّمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ مَنْ شَارَكَ فِي سَبَبِهِ، وَإِلَّا لَاشْتَرَكَ أَهْلُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ تَوَاتُرِيَّةٍ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّ قَوْلَكُمْ آحَادُهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إِفَادَةِ الْعِلْمِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَأُجِيبَ» عَنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ «بِأَنَّ دَعْوَى الشَّكِّ، وَعَدَمِ الدَّلِيلِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ لَا يُسْمَعُ» .

стр. 1009

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتِ الصِّيَغَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ; فَبِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُمْ لَهَا فِي الْخُصُوصِ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ بِقَرَائِنَ أَفَادَتِ التَّجَوُّزَ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا لِلْعُمُومِ بِالْوَضْعِ. قَوْلُهُ: «الْآخَرُ» ، أَيِ: احْتَجَّ الْآخَرُ وَهُوَ الَّذِي قَالَ: لَا عُمُومَ فِيمَا فِيهِ اللَّامُ، فَإِنَّ اللَّامَ تُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِغْرَاقِ تَارَةً. نَحْوَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] ، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٤] ، وَلِبَعْضِ الْجِنْسِ تَارَةً، نَحْوَ: شَرِبْتُ الْمَاءَ، وَأَكَلْتُ الْخُبْزَ، وَالْمُرَادُ بَعْضُهُ بِالضَّرُورَةِ. وَلِلْمَعْهُودِ تَارَةً نَحْوَ: لَقِيتُ الدَّابَّةَ ; فَرَكِبْتُ الدَّابَّةَ، وَقَوْلِهِ : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٦] ، أَيِ: الرَّسُولَ الْمَعْهُودَ فِي الْخِطَابِ، وَإِذَا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَخْتَصُّ بِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا بِالْقَرِينَةِ» ، أَيْ: قُلْنَا: إِنَّمَا اسْتُعْمِلَتْ فِي بَعْضِ الْجِنْسِ وَفِي الْمَعْهُودِ بِالْقَرِينَةِ. أَمَّا فِي بَعْضِ الْجِنْسِ ; فَلِأَنَّ مَنْ قَالَ: شَرِبْتُ الْمَاءَ، عَلِمْنَا بِقَرِينَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ بَعْضَ الْمَاءِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يُذْهِبُ عَطَشَهُ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَشْرَبَ كُلَّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ بَلْ فِي الْوُجُودِ. وَأَمَّا فِي الْمَعْهُودِ ; فَلِأَنَّ وُجُودَ الْمَعْهُودِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ اللَّامَ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَعْهُودٌ، وَجَبَ صَرْفُهَا إِلَى الْجِنْسِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ ; فَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَعْهُودِ وَبَعْضِ الْجِنْسِ بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْوَضْعِ حَتَّى يَكُونَ صَرْفُهَا إِلَى الْعُمُومِ تَحَكُّمًا. قَوْلُهُ: «ثُمَّ هِيَ تَسْتَغْرِقُ الْمَعْهُودَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا إِلْزَامٌ قِيَاسِيٌّ لِلْخَصْمِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمَعْهُودَ بَعْضُ مَوَارِدِ اللَّامِ كَمَا ذَكَرْتُ، ثُمَّ هِيَ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ لِلْمَعْهُودِ، اسْتَغْرَقَتْهُ، وَتَنَاوَلَتْ جَمِيعَهُ ; فَكَذَا يَنْبَغِي فِي الْجِنْسِ إِذَا

стр. 1010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ أَنْ تَسْتَغْرِقَهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ. وَهَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي الْمَعْهُودِ وَبَعْضِ الْجِنْسِ بِالْقَرِينَةِ يُفِيدُ أَنَّهَا لِلْعُمُومِ بِحَقِّ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: «وَحِينَئِذٍ اسْتِعْمَالُهَا فِي بَعْضِ الْجِنْسِ مَجَازٌ كَاسْتِعْمَالِهَا فِي بَعْضِ الْمَعْهُودِ» . هَذَا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ اسْتِعْمَالِ اللَّامِ فِي بَعْضِ الْجِنْسِ مَجَازًا. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ حَيْثُ ثَبَتَ بِمَا سَبَقَ أَنَّ اللَّامَ تَسْتَغْرِقُ الْمَعْهُودَ وَالْجِنْسَ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِيهِمَا، دَلَّ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي بَعْضِ الْجِنْسِ مُجَازٌ، كَمَا أَنَّهَا إِذَا دَلَّتْ عَلَى بَعْضِ الْمَعْهُودِ لِقَرِينَةٍ، كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا، كَمَا إِذَا قَالَ: لَقِيتُ جَمْعًا مِنَ الرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ ; فَأَمَرْتُ الْجَمْعَ بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ اللَّامَ إِنَّمَا تَنْصَرِفُ إِلَى بَعْضِ الْجَمْعِ وَهُمُ الْمُكَلَّفُونَ دُونَ الصِّبْيَانِ بِقَرِينَةِ وَضْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمْ. قَوْلُهُ: «وَجَوَابُ الْآخَرِ» ، يَعْنِي الَّذِي قَالَ: لَا عُمُومَ إِلَّا فِيمَا فِيهِ اللَّامُ، «حَصَلَ بِمَا سَبَقَ» مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ غَيْرَ اللَّامِ مِنَ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ تَقْتَضِي الْعُمُومَ أَيْضًا، وَهِيَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى التَّمَسُّكِ فِي الْعُمُومِ بِهَا، وَاقْتِضَاءُ حِكْمَةِ الْوَاضِعِ وَضْعَهَا لِلْعُمُومِ، وَفَهْمُ الْعُمُومِ مِنْ إِطْلَاقِهَا فِي عُرْفِ اللِّسَانِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ كُلُّهُ. قَوْلُهُ: «الْآخَرُ» ، أَيِ: احْتَجَّ الْآخَرُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: لَا عُمُومَ فِي النَّكِرَةِ إِلَّا مَعَ مِنْ ظَاهِرَةً أَوْ مُقَدَّرَةً، وَتَقْرِيرُ حُجَّتِهِ أَنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: مَا عِنْدِي رَجُلٌ، بَلْ رَجُلَانِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: مَا عِنْدِي مِنْ رَجُلٍ بَلْ رَجُلَانِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ: مَا عِنْدِي مِنْ رَجُلٍ يَعُمُّ لِامْتِنَاعِ إِثْبَاتِ

стр. 1011

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنَاقُضِ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ، وَأَنَّ مَا عِنْدِي رَجُلٌ، لَا يَعُمُّ لِجَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ إِفْضَائِهِ إِلَى التَّنَاقُضِ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ إِلَّا إِثْبَاتُ مِنْ وَعَدِمُهَا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي الْعُمُومِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَيَلْحَقُ بِثُبُوتِهَا تَحْقِيقًا ثُبُوتُهَا تَقْدِيرًا، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَسِرُّ هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ مِنْ مَوْضُوعَةٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْجِنْسِ، فَإِذَا دَخَلَ النَّفْيُ عَلَيْهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا، كَمَا سَبَقَ مِثَالُهُ، أَفَادَ نَفْيَ الْجِنْسِ وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ وَالْعُمُومِ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، لَمْ يُفِدْ نَفْيَ الْجِنْسِ، بَلْ نَفْيَ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ مُبْهَمًا. مِثَالُهُ: مَا فِي الدَّارِ مِنْ رَجُلٍ، يَقْتَضِي نَفْيَ جِنْسِ الرِّجَالِ مِنَ الدَّارِ، وَمَا فِي الدَّارِ رَجُلٌ، يَقْتَضِي نَفْيَ رَجُلٍ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ جِنْسِ الرِّجَالِ، وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُخْبَرَ بِإِثْبَاتِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ، نَحْوَ بَلْ عِنْدِي رَجُلَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ بِنَاءُ لَا مَعَ النَّكِرَةِ بَعْدَهَا، نَحْوَ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ، قَالُوا: لِأَنَّ هَذَا جَوَابُ سَائِلٍ سَأَلَ ; فَقَالَ: هَلْ مِنْ رَجُلٍ فِي الدَّارِ؟ وَالْجَوَابُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ طِبْقَ السُّؤَالِ ; فَتَقْدِيرُ الْجَوَابِ لَا مِنْ رَجُلٍ فِي الدَّارِ لَكِنْ حُذِفَتْ «مِنْ» مِنَ الْجَوَابِ لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ. ثُمَّ ضُمِّنَ الْكَلَامُ مَعْنَاهَا،

стр. 1012

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَبُنِيَ، كَمَا أَنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ لَمَّا تَضَمَّنَتْ مَعْنَى وَاوِ الْعَطْفِ فِي خَمْسَةٍ وَعَشَرَةٍ، بُنِيَتْ لِأَنَّ الِاسْمَ إِذَا تَضَمَّنَ مَعْنَى الْحَرْفِ أَشْبَهَ الْحَرْفَ مِنْ جِهَةِ إِفَادَتِهِ مَعْنَاهُ ; فَبُنِيَ كَمَا يُبْنَى الْحَرْفُ. قَوْلُنَا: «قُلْنَا: النَّفْيُ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ دَلِيلِ هَذَا الْقَائِلِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ النَّفْيَ إِذَا وَقَعَ عَلَى النَّكِرَةِ، اقْتَضَى نَفْيَ مَاهِيَّتِهَا، وَمَاهِيَّتُهَا لَا تَنْتَفِي إِلَّا بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا، كَمَا إِذَا قَالَ: لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ ; فَإِنَّهُ نَفْيٌ لِمَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طُهُورٍ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ. وَهَذَا الدَّلِيلُ قَاطِعٌ فِي الْعُمُومِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَأْوِيلُ مَا ذَكَرْتَ أَيُّهَا الْخَصْمُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ الْعُمُومِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاطِعٍ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ قَاطِعٌ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْقَاطِعُ وَغَيْرُهُ، كَانَ تَقْدِيمُ الْقَاطِعِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ أَوْلَى. وَوَجْهُ تَأْوِيلِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الدَّلِيلِ هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: مَا عِنْدِي رَجُلٌ، لَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، لَاقْتَضَى الْعُمُومَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: بَلْ رَجُلَانِ، قَرِينَةٌ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ مَاهِيَّةِ الرَّجُلِ، بَلْ نَفْيَ وَاحِدٍ مِنَ الْجِنْسِ، وَإِثْبَاتَ مَا أُثْبِتَ مِنْهُ، وَهُوَ اثْنَانِ ; فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً مُتَّصِلَةً صَارِفَةً عَنْ إِرَادَةِ الْعُمُومِ، كَمَا لَوْ قَالَ: كُلُّ الرِّجَالِ رَأَيْتُ إِلَّا جَعْفَرًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1013

ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ: الْأُولَى: أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَحُكِيَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ، وَابْنِ دَاوُدَ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالنُّحَاةِ أَنَّهُ اثْنَانِ. لَنَا: إِجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالتَّثْنِيَةِ فِي التَّكَلُّمِ وَالتَّصْنِيفِ، وَعَدَمِ نَعْتِ أَحَدِهِمَا وَتَأْكِيدِهِ بِالْآخَرِ ; نَحْوَ: رِجَالٌ اثْنَانِ، أَوْ رَجُلَانِ ثَلَاثَةٌ، أَوِ الرِّجَالُ كِلَاهُمَا، أَوِ الرَّجُلَانِ كُلُّهُمْ، وَصِحَّةِ: لَيْسَ الرَّجُلَانِ رِجَالًا، وَبِالْعَكْسِ. قَالُوا: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الْحَجِّ: ١٩] ، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٩] ، ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ [ص: ٢١] ، وَكَانَ اثْنَيْنِ ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] وَحَجَبَ الْأُمَّ إِلَى السُّدُسِ بِأَخَوَيْنِ، وَهُمَا فِي الْآيَةِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ، وَمَعْنَى الْجَمْعِ حَاصِلٌ فِي التَّثْنِيَةِ، وَهُوَ الضَّمُّ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْخَصْمَ وَالطَّائِفَةَ يَقَعَانِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَوْ جَمَعَ ضَمِيرَ الطَّائِفَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِهِمَا، وَ (قُلُوبُكُمَا) تَثْنِيَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ فِرَارًا مِنِ اجْتِمَاعِ تَثْنِيَتَيْنِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ لَاعْتُبِرَ فِي حَجْبِ الْأُمِّ ثَلَاثَةٌ، كَمَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; وَلَمَّا قَالَ لِعُثْمَانَ: لَيْسَ الْأَخَوَانِ إِخْوَةً فِي لِسَانِ قَوْمِكَ، احْتَجَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا مَنَعَ وَالِاثْنَانِ جَمَاعَةٌ فِي حُصُولِ الْفَضِيلَةِ حُكْمًا لَا لَفْظًا، إِذِ الشَّارِعُ يُبَيِّنُ الْأَحْكَامَ لَا اللُّغَاتِ، وَالْآخَرُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ أَوْ طَرْدٌ لِلِاشْتِقَاقِ، وَهُمَا مَمْنُوعَانِ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ» ، أَيْ: بَعْدَ أَنِ انْتَهَى الْكَلَامُ فِي حَدِّ الْعَامِّ، وَمَرَاتِبِهِ، وَإِثْبَاتِهِ بِالْحُجَّةِ، وَدَفْعِ شُبَهِ النُّفَاةِ لَهُ عَلَى مَا مَرَّ، وَذَلِكَ كَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ لِلْبَابِ ; فَهَاهُنَا مَسَائِلُ كَالْجُزْئِيَّاتِ لَهُ: «الْأُولَى: أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ» ، عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا مَالِكًا، «وَحُكِيَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنِ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالنُّحَاةِ أَنَّهُ اثْنَانِ» ، وَحَكَاهُ أَيْضًا فِي «الْمَحْصُولِ» عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَجَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَحَكَى الْآمِدِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَمَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالثَّانِي عَنْ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتِ وَمَالِكٍ وَدَاوُدَ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْغَزَّالِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. «لَنَا» عَلَى الْأَوَّلِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا «عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ فِي التَّكَلُّمِ وَالتَّصْنِيفِ» . أَمَّا فِي التَّكَلُّمِ ; فَلِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: رَجُلَانِ وَرِجَالٌ، وَأَمَّا فِي التَّصْنِيفِ ; فَلِأَنَّهُ مَا مِنْ كِتَابٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا وَيُوجَدُ فِيهِ بَابُ التَّثْنِيَةِ وَبَابُ الْجَمْعِ، وَأَنَّ رَفْعَ التَّثْنِيَةِ بِالْأَلِفِ وَالنُّونِ، نَحْوَ: الزَّيْدَانِ، وَرَفْعَ الْجَمْعِ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ، نَحْوَ: الزَّيْدُونَ، وَحَيْثُ أَجْمَعُوا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ

стр. 1015

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، نَحْوَ: ضَرَبَا وَضَرَبُوا، وَيَضْرِبَانِ وَيَضْرِبُونَ، وَضَارِبَانِ، وَضَارِبُونَ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا جَمْعًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فَرْقًا نَوْعِيًّا بِمَعْنَى أَنَّ التَّثْنِيَةَ نَوْعُ جَمْعٍ، لَكِنَّهُ اخْتَصَّ بِمَا أَوْجَبَ إِفْرَادَهُ بِالذِّكْرِ فِي التَّكَلُّمِ وَالتَّصْنِيفِ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ نَوْعٌ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَيُفْرَدُ عَنْهُ بِحَدِّهِ وَخَوَاصِّهِ، وَهَذَا سُؤَالٌ قَوِيٌّ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ الْعَامِّ، هُوَ أَنَّ الْجَوَازَ لَا يَكْفِي فِي الثُّبُوتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ لَا نُنَازِعُ فِي جَوَازِ أَنَّ أَقَلَّ الْجُمَعِ اثْنَانِ، لَكِنْ فِي ثُبُوتِهِ وَوُقُوعِهِ ; فَأَيْنَ دَلِيلُهُ؟ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ مُعَارَضٌ بِجَوَابِهِ وَبِأَدِلَّتِنَا ; فَيَسْقُطُ، وَيَبْقَى الْأَصْلُ، وَهُوَ عَدَمُ دَعْوَاكُمْ. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ كَانَ الِاثْنَانِ أَقَلَّ الْجَمْعِ، لَجَازَ لَفْتُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ; فَلَا يَكُونُ الِاثْنَانِ أَقَلَّ الْجَمْعِ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ أَقَلَّ الشَّيْءِ يَصْدَقُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتُهُ، كَمَا أَنَّ أَقَلَّ الْمَاءِ مَاءٌ، وَأَنَّ أَقَلَّ الْعَدَدِ عَدَدٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَعْنَى أَقَلِّ الشَّيْءِ أَنَّهُ شَيْءٌ فِي نِهَايَةِ الْقِلَّةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ فِي نِهَايَةِ الْقِلَّةِ ; فَيَكُونُ مُشَارِكًا لِأَكْثَرِ الْجَمْعِ فِي مَاهِيَّةِ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي جَوَازَ نَعْتِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ بِاعْتِبَارِ الْمَاهِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ، أَوْ يُخْبَرُ عَنْهُ بِهِ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ ; فَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَؤُلَاءِ رِجَالٌ اثْنَانِ، وَلَا هَذَانِ رَجُلَانِ ثَلَاثَةٌ، وَلَا يُقَالُ: الرِّجَالُ رَجُلَانِ، وَلَا الرَّجُلَانِ رِجَالٌ، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ،

стр. 1016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا أَقَلَّ الْجَمْعِ ; فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الِاثْنَانِ أَقَلَّ الْجَمْعِ، لَجَازَ تَأْكِيدُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ; فَلَا يَكُونُ الِاثْنَانِ أَقَلَّ الْجَمْعِ. وَتَقْرِيرُ الْمُلَازَمَةِ مَا سَبَقَ فِي الْوَجْهِ قَبْلَهُ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ ; فَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: قَامَ الرِّجَالُ كِلَاهُمَا، وَلَا قَامَ الرَّجُلَانِ كُلُّهُمْ ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّا قَدَّمْنَا فِي اللُّغَاتِ أَنَّ صِحَّةَ النَّفْيِ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ، وَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ قَوْلِنَا: لَيْسَ الرَّجُلَانِ رِجَالًا، وَبِالْعَكْسِ، لَيْسَ الرِّجَالُ رَجُلَيْنِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا جَمْعًا حَقِيقَةً، كَمَا أَنَّ الرِّجَالَ لَيْسَ تَثْنِيَةً حَقِيقِيَّةً ; فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا جَمْعًا بِالْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا جَمْعًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ عِنْدَ مَنْ يُطْلِقُهُ. قَوْلُهُ: «قَالُوا: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ » ، أَيْ: قَالَ الْمُخَالِفُونَ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الْحَجِّ: ١٩] ، وَخَصْمَانِ مُثَنًّى، وَالضَّمِيرُ فِي اخْتَصَمُوا ضَمِيرُ جَمْعٍ، وَقَدْ رَدَّهُ إِلَى خَصْمَانِ، وَالضَّمِيرُ يَجِبُ أَنْ يُطَابِقَ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خَصْمَانِ مُطَابِقٌ لِضَمِيرِ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ جَمْعًا ; فَإِذَنْ خَصْمَانِ جَمْعٌ، وَهُوَ مُثَنًّى ; فَالْمُثَنَّى أَقَلُّ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ إِلَّا الْوَاحِدُ، وَلَيْسَ بِجَمْعٍ بِالْإِجْمَاعِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾

стр. 1017

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الْحُجُرَاتِ: ٩] ; فَرَدَّ إِلَى الْمُثَنَّى ضَمِيرَ الْجَمْعِ، وَالتَّقْرِيرُ مَا سَبَقَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ، وَكَانَ الْخَصْمُ الْمَذْكُورُ اثْنَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٢، ٢٣] وَقَدْ رَدَّ ضَمِيرَ الْجَمْعِ إِلَى الِاثْنَيْنِ كَمَا سَبَقَ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] ; فَجَمَعَ الْقَلْبَ، وَالْخِطَابُ لِاثْنَيْنِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا جَمْعٌ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ : ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] ; فَأَثْبَتَ لِأُمِّهِ السُّدُسَ مَعَ الْأُخُوَّةِ وَهُمْ جَمْعٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا تُحْجَبُ مِنَ الثُّلْثِ إِلَى السُّدُسِ بِأَخَوَيْنِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا جَمْعٌ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ ﵇: الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ.

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَقْرِيرُهُ: الِاثْنَانِ جَمَاعَةٌ فَمَا فَوْقَهُمَا فَأَخْبَرَ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِأَنَّهُمَا جَمَاعَةٌ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَقْصُودِ، وَهُوَ ﷺ ، مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الضَّمُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي التَّثْنِيَةِ، إِذِ التَّثْنِيَةُ ضَمُّ اسْمٍ إِلَى مِثْلِهِ، وَالْجَمْعُ ضَمُّ اسْمٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ نَوْعُ جَمْعٍ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الضَّمُّ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ نَوْعُ حَيَوَانٍ بِاعْتِبَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْحَيَوَانِيَّةُ ; فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ التَّثْنِيَةَ أَقَلُّ الْجَمْعِ. قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ» أَيْ: عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ. أَمَّا عَنِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ; فَبِأَنَّ «الْخَصْمَ وَالطَّائِفَةَ يَقَعَانِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ» .

стр. 1019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُقَالُ: هَذَا رَجُلٌ خَصْمٌ، وَرَجُلَانِ خَصْمٌ، وَرِجَالٌ خَصْمٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ، نَحْوَ: رَجُلٌ ضَيْفٌ، وَرِجَالٌ ضَيْفٌ، وَقَالَ اللَّهُ : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ خَبَرَهُ مَقْبُولٌ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّحْذِيرِ. وَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّورِ: ٢] ، وَالْمُرَادُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْخَصْمُ وَالطَّائِفَةُ يَقَعَانِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، لَمْ يَبْقَ فِي الْآيَاتِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَقَلُّ الْجَمْعِ، لِجَوَازِ أَنَّهُمْ فِي جَمِيعِ الْآيَاتِ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْنِ، أَوْ يُقَالُ فِي الطَّائِفَتَيْنِ: إِنَّهُ جَمَعَ ضَمِيرَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِهِمَا ; لِأَنَّ الطَّائِفَةَ غَالِبًا تُطْلَقُ عَلَى أَفْرَادٍ مُتَعَدِّدَةٍ ; فَجَمَعَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَثَنَّاهُمَا بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الْحَجِّ: ١٩] ; لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَمِّهِ حَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ حِينَ بَارَزُوا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأَخَاهُ وَابْنَهُ الْوَلِيدَ يَوْمَ بَدْرٍ ; فَكُلُّ خَصْمٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْآيَةِ ثَلَاثَةٌ ; فَهُمَا جَمِيعًا سِتَّةٌ ; فَجَمَعَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ، وَهِيَ سِتَّةٌ، وَتَثْنِيَةُ الْخَصْمِ بِاعْتِبَارِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمُوا فِيهِمَا. وَأَمَّا عَنِ الرَّابِعِ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] فَمِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الَّذِي فِي «الْمُخْتَصَرِ» -: أَنَّ هَذِهِ تَثْنِيَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، أَيْ: هِيَ تَثْنِيَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَتْ جَمْعًا فِي اللَّفْظِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: لَفْظِيَّةٌ: وَهِيَ إِلْحَاقُ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ أَلِفًا وَنُونًا لِيَدُلَّا عَلَى أَنَّ مَعَهُ مِثْلَهُ، نَحْوَ: زَيْدَانِ وَهِنْدَانِ وَمُسْلِمَانِ وَمُسْلِمَتَانِ، وَمَعْنَوِيَّةٌ: وَهُوَ مَا أُضِيفَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى اثْنَيْنِ ; فَيَجْتَمِعُ فِيهِ تَثْنِيَتَانِ ; فَيُسْتَثْقَلُ ; فَيُرَدُّ إِلَى الْجَمْعِ تَخْفِيفًا مِثْلُ: قُلُوبِهِمَا، وَرُؤُوسِهِمَا وَظُهُورِهِمَا، وَبُطُونِهِمَا، إِذْ تَثْنِيَتُهُ اللَّفْظِيَّةُ: قَلْبَاهُمَا وَرَأْسَاهُمَا، وَظَهْرَاهُمَا وَبَطْنَاهُمَا، وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَى أَصْلِهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: ظَهَرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ. فَجَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: ذِكْرُهُ فِي الْمَعَالِمِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى
следующие страницы →