← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٧] ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْقُرَّاءِ، أَيْ: أُظْهِرُهَا، وَإِذَا كَانَ مَعْنَى إِيجَادِ الْمَعْدُومِ عِنْدَهُمْ هُوَ إِظْهَارُ أَشْيَاءَ بَعْدَ خَفَائِهَا ; فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ الْأَزَلِيِّ إِلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، بِشَرْطِ ظُهُورِهَا وَتَأَهُّلِهَا لِلِامْتِثَالِ، هَذَا مِمَّا لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَهُوَ لَازِمٌ لِمَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، عَلَى مَا حَكَيْتُهُ عَنْهُمْ فِي كِتَابِ إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ. قَوْلُهُ: «وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عُرْفِيٌّ عَلَى الْجَوَازِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَ وَلَدًا يَتَوَقَّعُ وُجُودَهُ، مِثْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ، أَوْ غَيْبَةٌ طَوِيلَةٌ وَلَهُ حَمْلٌ ; فَيَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا يُخَاطِبُهُ بِهِ، بِتَقْدِيرِ وِلَادَتِهِ، يَقُولُ فِيهِ: يَا بُنَيَّ تَعَلَّمِ الْعِلْمَ ; فَإِنَّهُ يُزَيِّنُكَ، وَاحْذَرِ الْجَهْلَ ; فَإِنَّهُ يَشِينُكَ، وَحَافِظْ عَلَى التَّقْوَى ; فَإِنَّهَا تُنْجِيكَ مِمَّا تَحْذَرُ، وَلَا تَعْذُرْ نَفْسَكَ فِي مُوَاقَعَةِ الدَّنَاءَةِ ; فَإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا يَعِظُ بِهِ الْوَالِدُ وَلَدَهُ «وَلَا يُعَدُّ سَفِيهًا» بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: خَاطَبْتَ مَعْدُومًا ; فَكَذَلِكَ الْمُكَلَّفُ مَعَ الشَّرْعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 947

خَاتِمَةٌ: الْأَمْرُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْإِمَامِ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ إِلَى النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً كَمَا سَبَقَ. لَنَا: تَكْلِيفٌ مُفِيدٌ ; فَيَصِحُّ، كَمَا لَوْ وُجِدَ شَرْطُ وُقُوعِهِ. وَبَيَانُ فَائِدَتِهِ عَزْمُ الْمُكَلَّفِ عَلَى الِامْتِثَالِ فَيُطِيعُ، أَوِ الِامْتِنَاعِ فَيَعْصِي، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مُكَلَّفٌ بِصَوْمِ رَمَضَانَ مَعَ جَوَازِ مَوْتِهِ قَبْلَهُ. قَالُوا: اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ يَسْتَدْعِي صِحَّةَ وُقُوعِهِ فِيهِ، وَهُوَ بِدُونِ شَرْطِهِ مُحَالٌ. قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلْ إِنَّمَا يَسْتَدْعِي الْعَزْمَ عَلَى الِامْتِثَالِ. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ لَا مُطْلَقًا، بَلْ بِشَرْطِ وُجُودِ شَرْطِهِ. ــ قَوْلُهُ: «خَاتِمَةٌ» أَيْ: لِبَابِ الْأَوَامِرِ. قَوْلُهُ: «الْأَمْرُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَالْإِمَامِ» ، وَهُوَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْآمِرُ عَالِمًا بِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْوُقُوعِ، كَالْبَارِئِ مَعَ عَبْدِهِ ; فِيمَا إِذَا أَمَرَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ مَثَلًا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي شَعْبَانَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ جَاهِلَيْنِ بِذَلِكَ، كَالسَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ ; فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ. وَقِسْمَةُ الْمَسْأَلَةِ رُبَاعِيَّةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْآمِرَ وَالْمَأْمُورَ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِانْتِفَاءِ شَرْطِ التَّكْلِيفِ ; فَلَا يَصِحُّ، لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ، أَوْ جَاهِلَيْنِ بِانْتِفَائِهِ ; فَيَصِحُّ لِحُصُولِ فَائِدَتِهِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ، وَصِحَّةِ الطَّلَبِ مِنَ الْآمِرِ، إِذْ مَا يُعْلَمُ انْتِفَاءُ شَرْطِهِ، لَا يَصِحُّ طَلَبُهُ مِمَّنْ يَجُوزُ جَهْلُهُ بِهِ، أَوِ الْآمِرُ عَالِمٌ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ ; فَيَصِحُّ، إِذَا كَانَ هُوَ الْبَارِئَ ﷻ ، أَوِ الْمَأْمُورُ عَالِمٌ بِهِ دُونَ

стр. 948

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْآمِرِ ; فَلَا يَصِحُّ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُكَلَّفِ، وَعَدَمِ صِحَّةِ طَلَبِهِ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ. - قَوْلُهُ: «وَفِيهِ» : أَيْ: فِي هَذَا الْحُكْمِ «الْتِفَاتٌ إِلَى النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً كَمَا سَبَقَ» ، هُنَاكَ، أَيْ: هَذَا يُشْبِهُ ذَاكَ، بَلْ ذَلِكَ، أَعْنِي النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ، مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ ; لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ أَنَّهُ أَمْرٌ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْخَلِيلَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَبْحِهِ، وَالتَّمَكُّنُ مِنْ ذَبْحِهِ شَرْطٌ لَهُ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ انْتِفَاءَهُ. قَوْلُهُ: «لَنَا: تَكْلِيفٌ مُفِيدٌ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْجَوَازِ. وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّكْلِيفَ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ تَكْلِيفٌ مُفِيدٌ، وَكُلُّ تَكْلِيفٍ مُفِيدٍ ; فَهُوَ صَحِيحٌ ; فَهَذَا تَكْلِيفٌ صَحِيحٌ، كَمَا لَوْ وُجِدَ شَرْطُ وُقُوعِهِ. أَمَّا أَنَّهُ مُفِيدٌ ; فَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إِمَّا أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الِامْتِثَالِ ; فَيَكُونَ مُطِيعًا، أَوْ عَلَى الِامْتِنَاعِ ; فَيَكُونَ عَاصِيًا بِالْعَزْمِ. وَفَائِدَةُ التَّكْلِيفِ: إِظْهَارُ الْمُطِيعِ مِنَ الْعَاصِي، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الْمُلْكِ: ٢] ، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾

стр. 949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [مُحَمَّدٍ: ٣١] ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وَبِالْجُمْلَةِ فَفَائِدَةُ التَّكْلِيفِ الِامْتِحَانُ. وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ مُفِيدٍ ; فَهُوَ صَحِيحٌ ; فَلِوُجُودِ فَائِدَتِهِ الَّتِي جُعِلَ لِأَجْلِهَا، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ صِحَّةَ الشَّيْءِ تَرَتُّبُ آثَارِهِ عَلَيْهِ، وَحُصُولُ مَقَاصِدِهِ مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِذَا وُجِدَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ ; فَامْتَثَلَ هَذَا الْمُكَلَّفُ، أَوِ امْتَنَعَ وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ، لِوُجُودِ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ فِي الصُّورَتَيْنِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ كَثِيرًا، وَالْجَوَازُ مِنْ لَوَازِمِ الْوُقُوعِ. وَبَيَانُ وُقُوعِهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، مُكَلَّفٌ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْيَوْمِيَّةِ، وَغَيْرِهَا، مَعَ جَوَازِ مَوْتِهِ قَبْلَهُ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَمُوتُ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ ; فَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّتِهِ. - قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى امْتِنَاعِ هَذَا التَّكْلِيفِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، يَسْتَدْعِي صِحَّةَ وُقُوعِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكِنَّ وُقُوعَهُ فِيهِ بِدُونِ شَرْطٍ مُحَالٌ ; فَلَوْ صَحَّ هَذَا التَّكْلِيفُ، لَكَانَ تَكْلِيفًا بِالْفِعْلِ فِي وَقْتٍ بِدُونِ شَرْطِهِ ; فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِالْمُحَالِ، وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ سَلَّمْنَا جَوَازَهُ، لَا نُسَلِّمُ وُقُوعَهُ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَمْنُوعٌ» ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِفِعْلٍ فِي وَقْتٍ يَسْتَدْعِي وُقُوعَهُ، حَتَّى يَلْزَمَ مَا ذَكَرْتُمْ، «وَإِنَّمَا يَسْتَدْعِي الْعَزْمَ عَلَى الِامْتِثَالِ»

стр. 950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَحْصِيلًا لِفَائِدَةِ التَّكْلِيفِ، وَحِينَئِذٍ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْعَزْمِ عَلَى الِامْتِثَالِ، وَبَيْنَ انْتِفَاءِ شَرْطِ الْفِعْلِ قَبْلَ وَقْتِهِ «سَلَّمْنَاهُ» أَيْ: سَلَّمْنَا أَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ يَسْتَدْعِي وُقُوعَهُ فِيهِ، لَكِنْ «لَا مُطْلَقًا، بَلْ بِشَرْطِ وُجُودِ شَرْطِهِ» فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَمَّا أَنَّهُ يَسْتَدْعِي وُقُوعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ شَرْطِهِ، فَمَمْنُوعٌ، وَإِلَّا، لَزِمَ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِفِعْلٍ فِي وَقْتٍ يَسْتَدْعِي الْمُحَالَ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ: أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ جُنَّ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ عِصْيَانُهُ، بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْإِفْسَادِ ; فَحَصَلَتْ فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ ; فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ انْتِفَاءُ شَرْطِ صِحَّةِ صَوْمِ الْيَوْمِ، بِمَوْتِهِ قَبْلَ إِكْمَالِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ فِي يَوْمٍ قَدْ وَطِئَ فِيهِ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّ عِصْيَانَهُ اسْتَقَرَّ قَبْلَ وُجُودِ الْمُبِيحِ لِلْإِفْطَارِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ يَجِبُ عَلَيْهَا الشُّرُوعُ فِي صَوْمِ يَوْمٍ، عَلِمَ اللَّهُ أَنْ تَحِيضَ فِيهِ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الصَّوْمِ بِكَمَالِهِ، وَإِنْ فَاتَتْ بِطَرَآنِ الْحَيْضِ، لَكِنَّ طَاعَتَهَا بِالْعَزْمِ عَلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ، بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْحَيْضِ، أَوْ مَعْصِيَتَهَا بِعَدِمِ الْعَزْمِ، لَمْ تَفُتْ. وَمِنْهَا: قَالَ الْآمِدِيُّ: لَوْ عَلَّقَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَى شُرُوعِهِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَمَاتَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ. قُلْتُ: وَفِي كَوْنِ هَذَا مِنْ فُرُوعِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ، لِوُجُودِ شَرْطِهِ اللُّغَوِيِّ، فَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى الشُّرُوعِ، ثُمَّ

стр. 951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَرَعَ، فَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ ; فَوَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ فُرُوعِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، بِتَقْدِيرِ أَنْ يَقُولَ: إِنْ صُمْتُ يَوْمًا كَامِلًا مِنْ رَمَضَانَ ; فَأَنْتِ طَالِقٌ ; فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ; فَيَقَعُ الطَّلَاقُ، لَكِنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَقَعُ لِتَخَلُّفِ الشَّرْطِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَصُمْ يَوْمًا كَامِلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 952

النَّهْيُ النَّهْيُ: اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَقَدِ اتَّضَحَ فِي الْأَوَامِرِ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ، إِذْ لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْهُ وَازِنٌ مِنَ الْأَمْرِ عَلَى الْعَكْسِ، وَهُوَ عَنِ السَّبَبِ الْمُفِيدِ حُكْمًا يَقْتَضِي فَسَادَهُ مُطْلَقًا إِلَّا لِدَلِيلٍ، وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنْهُ لِعَيْنِهِ، لَا لِغَيْرِهِ، لِجَوَازِ الْجِهَتَيْنِ، وَقِيلَ: فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا، لِجَوَازِ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنْ فَعَلْتَ، تَرَتَّبَ الْحُكْمُ، نَحْوَ: لَا تَطَأْ جَارِيَةَ وَلَدِكَ، فَإِنْ فَعَلْتَ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَكَ، وَلَا تُطَلِّقْ فِي الْحَيْضِ فَإِنْ فَعَلْتَ وَقَعَ، وَلَا تَغْسِلِ الثَّوْبَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ وَيَطْهُرُ إِنْ فَعَلْتَ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِبَادَةَ قُرْبَةٌ، وَارْتِكَابُ النَّهْيِ مَعْصِيَةٌ ; فَيَتَنَاقَضَانِ بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ. الثَّانِي: أَنَّ فَسَادَ الْمُعَامَلَاتِ بِالنَّهْيِ يَضُرُّ بِالنَّاسِ لِقَطْعِ مَعَايِشِهِمْ أَوْ تَقْلِيلِهَا ; فَصَحَّتْ رِعَايَةً لِمَصْلَحَتِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ إِثْمُ ارْتِكَابِ النَّهْيِ، بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ ; فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ; فَتَعْطِيلُهَا لَا يَضُرُّ بِهِ، بَلْ مَنْ أَوْقَعَهَا بِسَبَبٍ صَحِيحٍ، أَطَاعَ، وَمَنْ لَا، عَصَى، وَأَمْرُ الْجَمِيعِ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي آخَرِينَ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَصَوُّرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَإِنْ أَرَادَ الصِّحَّةَ الْعَقْلِيَّةَ، أَيْ: الْإِمْكَانَ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْوُجُودِ ; فَنَعَمْ، وَإِنْ أَرَادَ الشَّرْعِيَّةَ ; فَتَنَاقُضٌ: إِذْ مَعْنَاهُ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ، يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا وَهُوَ مُحَالٌ. وَقِيلَ: لَا يَقْتَضِي فَسَادًا، وَلَا صِحَّةً، إِذِ النَّهْيُ خِطَابٌ تَكْلِيفِيٌّ، وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ إِخْبَارِيٌّ وَضْعِيٌّ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا رَابِطٌ عَقْلِيٌّ، وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْإِثْمِ بِهِ. وَلَنَا: عَلَى فَسَادِهِ مُطْلَقًا قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 953

، أَيْ: مَرْدُودُ الذَّاتِ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى اسْتِفَادَةِ فَسَادِ الْأَحْكَامِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَسْبَابِهَا، وَلِأَنَّ النَّهْيَ دَلِيلُ تَعَلُّقِ الْمَفْسَدَةِ بِهِ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، إِذْ هُوَ حَكِيمٌ لَا يَنْهَى عَنْ مَصْلَحَةٍ وَإِعْدَامُ الْمُفْسَدَةِ مُنَاسِبٌ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي اجْتِنَابَهُ، وَتَصْحِيحَ حُكْمِهِ يَقْتَضِي قُرْبَانَهُ ; فَيَتَنَاقَضَانِ، وَالشَّارِعُ بَرِيءٌ مِنَ التَّنَاقُضِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِذَاتِهِ، أَوْ وَصْفٍ لَازِمٍ لَهُ مُبْطَلٌ، وَلِخَارِجٍ عَنْهُ غَيْرُ مُبْطَلٍ، وَفِيهِ لِوَصْفٍ غَيْرِ لَازِمٍ تَرَدُّدٌ، وَالْأَوْلَى الصِّحَّةُ. ــ قَوْلُهُ: «النَّهْيُ: اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ» ، لَمَّا فَرَغَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَمْرِ ; شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ النَّهْيِ. فَقَوْلُهُ: «النَّهْيُ: اقْتِضَاءٌ» ، أَيْ: طَلَبٌ، وَهُوَ جِنْسٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ يَعُمُّ طَلَبَ الْفِعْلِ، وَطَلَبَ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْلِ. فَبِقَوْلِهِ: «اقْتِضَاءُ كَفٍّ» ، خَرَجَ عَنْهُ الْأَمْرُ ; لِأَنَّهُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ.

стр. 954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَوْلُهُ: «عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ» ; فَائِدَتُهُ مَا سَبَقَ فِي الْأَمْرِ، وَهُوَ الِاحْتِرَازُ مِنَ السُّؤَالِ، نَحْوَ: لَا تُعَذِّبْنَا، ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٦] ، وَمِنَ الِالْتِمَاسِ، نَحْوَ قَوْلِ الْمُسَاوِي لِمُسَاوِيهِ: لَا تَضْرِبْ فُلَانًا، لَا تُؤْذِهِ، عَلَى جِهَةِ الشَّفَاعَةِ ; فَطَلَبُ الْفِعْلِ أَوِ الْكَفِّ عَنْهُ، بِصِيغَةِ افْعَلْ أَوْ لَا تَفْعَلْ إِنْ كَانَا مِنْ أَدْنَى ; فَهُوَ دُعَاءٌ، أَوْ مِنْ مُسَاوٍ ; فَهُوَ شَفَاعَةٌ وَالْتِمَاسٌ، أَوْ مِنْ أَعْلَى عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ ; فَهُوَ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا. قَوْلُهُ: «وَقَدِ اتَّضَحَ فِي الْأَوَامِرِ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ» ، أَيْ: أَكْثَرُ أَحْكَامِ النَّهْيِ «إِذْ لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْهُ» ، أَيْ: مِنَ النَّهْيِ، «وَزَانٌ مِنَ الْأَمْرِ» ، أَيْ: حُكْمُ مُوَازَنَةٍ «عَلَى الْعَكْسِ» . مِثَالُهُ: فِي حَدِّهِمَا: أَنَّ الْأَمْرَ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ، وَالنَّهْيَ اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ، مَعَ احْتِمَالِ النَّدْبِ. وَالنَّهْيُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، مَعَ احْتِمَالِ الْكَرَاهَةِ، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ: افْعَلْ، وَصِيغَةُ النَّهْيِ: لَا تَفْعَلْ، وَالنَّهْيُ يَلْزَمُهُ التَّكْرَارُ، وَالْفَوْرُ وَالْأَمْرُ يَلْزَمَانِهِ، عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَكَمَا يَخْرُجُ الْمُكَلَّفُ عَنْ عُهْدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِفِعْلِهِ، كَذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِتَرْكِهِ ; فَهَذَا مَعْنَى الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، يَعْنِي النَّهْيَ «عَنِ السَّبَبِ الْمُفِيدِ حُكْمًا يَقْتَضِي فَسَادَهُ مُطْلَقًا» ، أَيْ: إِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي يُفِيدُ حُكْمًا، اقْتَضَى فَسَادَهُ مُطْلَقًا، يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ لِعَيْنِهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ، فِي الْعِبَادَاتِ، أَوْ فِي

стр. 955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُعَامَلَاتِ، وَذَلِكَ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَعَنِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، وَفِي الْمَسْجِدِ، وَكَبَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، وَكَالنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَالشِّغَارِ، وَنِكَاحِ الْإِمَاءِ لِمَنْ لَا يُبَحْنَ لَهُ ; فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، عَلَى خِلَافٍ فِي بَعْضِهِ، «إِلَّا لِدَلِيلٍ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ، بَلِ الْإِثْمُ بِفِعْلٍ لِسَبَبٍ أَوْ كَرَاهَتِهِ، وَذَلِكَ كَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ، أَوِ النَّجَشِ، وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْهَا، لَكِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ لَا

стр. 956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَقْتَضِي فَسَادَهَا عَلَى الْأَظْهَرِ. نَعَمْ يَحْرُمُ تَعَاطِيهَا، أَوْ يُكْرَهُ لِأَجْلِ النَّهْيِ. - قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنْهُ لِعَيْنِهِ، لَا لِغَيْرِهِ، لِجَوَازِ الْجِهَتَيْنِ» ، أَيْ: وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ يَقْتَضِي فَسَادَهُ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ لَا يَقْتَضِي فَسَادَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ جِهَتَانِ، هُوَ مَقْصُودٌ مِنْ إِحْدَاهُمَا، مَكْرُوهٌ مِنَ الْأُخْرَى، كَمَا قِيلَ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ; فَلَوْ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ لِعَيْنِهَا، أَيْ: لِكَوْنِهَا صَلَاةً، اقْتَضَى فَسَادَهَا مُطْلَقًا، وَإِذَا نَهَى عَنْهَا لِمَا لَابَسَهَا مِنْ مَعْصِيَةِ الْغَصْبِ، لَمْ يَقْتَضِ فَسَادَهَا، وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ، لَمَّا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِكَوْنِهِ كُفْرًا، اقْتَضَى النَّهْيُ فَسَادَهُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهِ، بَلْ آثَارُهُ وَأَحْكَامُهُ الْوَاقِعَةُ فِيهِ مِمَّا يُنَافِي حُكْمَ الْإِسْلَامِ، بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا يُقَرُّ أَهْلُهَا عَلَى بَعْضِهَا، حَيْثُ يُقَرُّونَ عَلَيْهَا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، كَأَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ وَعُقُودِهِمْ، لَا لِكَوْنِهَا صَحِيحَةً، بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ النَّجَشِ وَالتَّلَقِّي، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لَا لِكَوْنِهِ بَيْعًا، بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ النَّهْيَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِالْجُمْلَةِ، لَكِنْ إِذَا تَعَلَّقَ بِالشَّيْءِ لِعَيْنِهِ، كَانَ أَمَسَّ بِهِ وَأَخَصَّ ; فَقَوِيَ عَلَى التَّأْثِيرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا نُهِيَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ ضَعِيفٌ، وَالْأَصْلُ يَقْتَضِي صِحَّةَ أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ ; فَلَا يَقْوَى هَذَا السَّبَبُ الضَّعِيفُ عَلَى رَفْعِ هَذَا الْأَصْلِ الْقَوِيِّ، وَأَيْضًا النَّهْيُ عَنْهُ لِعَيْنِهِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَاتَهُ مَنْشَأُ

стр. 957

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَفْسَدَةِ الْمَطْلُوبِ إِعْدَامُهَا ; فَتَكُونُ مَفْسَدَتُهُ ذَاتِيَّةً ; فَيَقْوَى مُقْتَضَى إِعْدَامِهَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لِغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَفْسَدَتَهُ عَرَضِيَّةٌ، مَنْشَؤُهَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْهُ ; فَيَضْعُفُ الْمُقْتَضِي لِإِعْدَامِهَا. - قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: فِي الْعِبَادَاتِ، دُونَ الْمُعَامَلَاتِ، وَنَحْوِهَا» مِنَ الْعُقُودِ. هَذَا قَوْلٌ آخَرُ، بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنْ فَعَلْتَ، تَرَتَّبَ الْحُكْمُ نَحْوَ: لَا تَطَأْ جَارِيَةَ وَلَدِكَ، فَإِنْ فَعَلْتَ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَكَ، وَلَا تُطَلِّقْ فِي الْحَيْضِ، فَإِنْ فَعَلْتَ، وَقَعَ، وَلَا تَغْسِلِ الثَّوْبَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ، فَإِنْ فَعَلْتَ، طَهُرَ، بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: «أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِبَادَةَ قُرْبَةٌ، وَارْتِكَابُ النَّهْيِ مَعْصِيَةٌ ; فَيَتَنَاقَضَانِ» ، إِذِ الْمَعَاصِي لَا يُتَقَرَّبُ بِهَا كَمَا سَبَقَ «بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ» ; فَإِنَّهَا لَيْسَتْ قُرَبًا ; فَلَا يُنَاقِضُهَا ارْتِكَابُ النَّهْيِ، كَقَوْلِهِ: لَا تَبِعْ وَقْتَ النِّدَاءِ، وَلَا تَنْجُشْ، وَلَا تَتَلَقَّ الرُّكْبَانَ، فَإِنْ فَعَلْتَ، أَثِمْتَ وَأَفَدْتَ الْمِلْكَ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْمَنْهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ ; فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وَهُوَ إِنَّمَا أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ، فَلَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ ; فَيَبْقَى فِي عُهْدَةِ الْأَمْرِ، وَلَا يَعْنِي بِالْفَسَادِ إِلَّا هَذَا، وَهُوَ أَنَّ فِعْلَهُ لِلْعِبَادَةِ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فَسَادَ الْمُعَامَلَاتِ بِالنَّهْيِ، يَضُرُّ بِالنَّاسِ، وَفَسَادَ الْعِبَادَاتِ لَا يَضُرُّ بِهِمْ. بَيَانُ الْأَوَّلِ: أَنَّ فَسَادَ الْمُعَامَلَاتِ، يُفْضِي إِلَى «قَطْعِ مَعَايِشِ النَّاسِ أَوْ

стр. 958

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَقْلِيلِهَا» فَرَاعَى الشَّرْعُ مَصْلَحَتَهُمْ بِتَصْحِيحِهَا، وَعَلَيْهِمْ إِثْمُ ارْتِكَابِ النَّهْيِ، وَالصِّحَّةُ مَعَ الْإِثْمِ لَا يَتَنَافَيَانِ. وَبَيَانُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ حَقُّ اللَّهِ ; فَتَعْطِيلُهَا بِإِفْسَادِهَا بِالنَّهْيِ عَنْهَا لَا يَضُرُّ بِهِ، بَلْ مَنْ أَوْقَعَهَا بِسَبَبٍ صَحِيحٍ، أَطَاعَ، وَمَنْ لَمْ يُوقِعْهَا بِسَبَبٍ صَحِيحٍ، عَصَى، وَأَمْرُ الْجَمِيعِ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، أَعْنِي الْمُطِيعَ وَالْعَاصِيَ، أَيْ: لَهُ أَنْ يُعَاقِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَيُثِيبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، بِحَسَبِ سَوَابِقِهِمْ عِنْدَهُ، إِذْ ذَلِكَ وَقْتَ ظُهُورِ سِرِّ اللَّهِ فِيهِمْ، وَنَحْنُ كَلَامُنَا فِي ظَاهِرِ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ مَا قُلْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي آخَرِينَ» ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: «أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَصَوُّرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ» ، يَعْنِي أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمَّا اسْتَحَالَ أَنْ يُقَالَ لِلْأَعْمَى: لَا تُبْصِرْ، وَلِلزَّمِنِ: لَا تَطِرْ، وَالْأَخْرَسِ: لَا تَنْطِقْ، عَلِمْنَا أَنَّ اسْتِحَالَةَ النَّهْيِ عَنْهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صِحَّةَ النَّهْيِ تَعْتَمِدُ تَصَوُّرَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ; فَحَيْثُ وَرَدَ النَّهْيُ، دَلَّ عَلَى وُجُودِ مَا يَعْتَمِدُهُ، وَهُوَ تَصَوُّرُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ; فَيَكُونُ صَحِيحًا ; فَلِذَلِكَ صَحَّحُوا التَّصَرُّفَ بِالْوَطْءِ وَغَيْرِهِ ; فِيمَا اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا، وَصَحَّحُوا بَيْعَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي أَحَدِهِمَا، وَيَجِبُ رَدُّ الْآخَرِ ; لِأَنَّ النَّهْيَ دَلَّ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالصِّحَّةُ تَرَتُّبُ الْآثَارِ وَالتَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.

стр. 959

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «فَإِنْ أَرَادَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا اسْتِفْسَارٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي «الصِّحَّةَ الْعَقْلِيَّةَ» وَهِيَ «الْإِمْكَانُ، الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْوُجُودِ» ، أَيْ: كَوْنُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ لَا مُمْتَنِعَهُ ; فَنَعَمْ يَصِحُّ مَا قُلْتُمُوهُ، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الصِّحَّةَ الشَّرْعِيَّةَ، أَيْ: الْمُسْتَفَادَ مِنَ الشَّرْعِ، وَهِيَ تَرَتُّبُ آثَارِ الشَّيْءِ شَرْعًا عَلَيْهِ ; فَذَلِكَ تَنَاقُضٌ، إِذْ يَصِيرُ مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: النَّهْيُ شَرْعًا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، وَهُوَ مُحَالٌ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ صِحَّةُ كُلِّ مَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ، وَقَدْ أَبْطَلُوا هُمْ مِنْهُ أَشْيَاءَ، كَبَيْعِ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ وَنَحْوِهِ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي - فِي وَضْعِ اللُّغَةِ، وَعُرْفِ الشَّرْعِ - إِعْدَامَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ; لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ، بَلْ وَغَيْرَ عَاقِلٍ، إِذَا أَرَادَ عَدَمَ فِعْلٍ مَا، قَالَ لِمَنْ خَشِيَ صُدُورَهُ مِنْهُ: لَا تَفْعَلْهُ، وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ إِيجَادَ ذَلِكَ الْفِعْلِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى النَّهْيِ إِعْدَامُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ تَرَتُّبُ آثَارِهِ مَعَ إِعْدَامِهِ تَنَاقُضٌ مُحَالٌ. وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ: أَنَّ الصِّحَّةَ إِمَّا عَقْلِيَّةٌ، وَهِيَ إِمْكَانُ الشَّيْءِ، وَقَبُولُهُ لِلْعَدَمِ وَالْوُجُودِ، كَمَا سَبَقَ، أَوْ عَادِيَّةٌ، كَالْمَشْيِ أَمَامًا، وَيَمِينًا، وَشِمَالًا، دُونَ الصُّعُودِ فِي الْهَوَاءِ، أَوْ شَرْعِيَّةٌ، وَهِيَ الْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ ; فَيَتَنَاوَلُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ إِلَّا التَّحْرِيمَ، إِذْ لَا إِذْنَ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ دَلِيلُ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الصِّحَّةَ الْعَقْلِيَّةَ أَوِ الْعَادِيَّةَ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَمَّا الشَّرْعِيَّةُ ; فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ النَّاسِ، أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ دَلِيلُهُمْ

стр. 960

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَا يَمَسُّ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَيَرْجِعُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وَإِنْ كَانُوا هُمْ تَجَاوَزُوا اللَّفْظَ إِلَى الْمَعْنَى بِغَيْرِ حُجَّةٍ، إِذْ يَصِيرُ تَقْدِيرُ قَوْلِهِمْ: النَّهْيُ يَقْتَضِي إِمْكَانَ وُجُودِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَتَقْدِيرُ قَوْلِنَا: النَّهْيُ لَا يَقْتَضِي إِذْنَ الشَّرْعِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِذْنِ فِيهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِمَا بَرْهَنَّا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: لَا يَقْتَضِي» ، يَعْنِي النَّهْيَ ; «فَسَادًا وَلَا صِحَّةً» ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ ; «لِأَنَّ النَّهْيَ خِطَابٌ تَكْلِيفِيٌّ» ، أَيْ: مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ اللَّفْظِيِّ، «وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ» مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَالْإِخْبَارِ كَمَا سَبَقَ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَبِيلَيْنِ، أَعْنِي الْخِطَابَ التَّكْلِيفِيَّ وَالْوَضْعِيَّ، رَابِطٌ عَقْلِيٌّ حَتَّى يَقْتَضِيَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، «وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْإِثْمِ بِهِ» لَا فِي صِحَّتِهِ، كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا فِي فَسَادِهِ كَمَا يَقُولُ غَيْرُهُ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِالْإِثْمِ بِفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ صِحَّةٌ أَوْ فَسَادٌ ; فَذَلِكَ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ. قَوْلُهُ: «وَلَنَا عَلَى فَسَادِهِ» ، أَيْ: عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ، أَيْ: مَرْدُودُ الذَّاتِ، هَذَا مُقْتَضَاهُ، وَمَا كَانَ

стр. 961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَرْدُودَ الذَّاتِ، كَانَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، لَكِنَّ رَدَّ ذَاتِهِ بَعْدَ وُجُودِهَا فِي الْوُجُودِ بِالْفِعْلِ مُحَالٌ ; فَيَبْقَى مَرْدُودًا فِيمَا عَدَاهَا مِنْ آثَارِهِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، لِيَصِحَّ كَوْنُ عَدَمِهِ وَوُجُودِهِ سَوَاءً، وَذَلِكَ مَعْنَى كَوْنِهِ فَاسِدًا. - الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا «عَلَى اسْتِفَادَةِ فَسَادِ الْأَحْكَامِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَسْبَابِهَا» ، كَاسْتِفَادَتِهِمْ فَسَادَ الرِّبَا مِنْ قَوْلِهِ ﵇: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى فَسَادِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ بِقَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢١] ، وَعَلَى فَسَادِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِقَوْلِهِ ﵇: الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ. وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقَضَايَا الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَإِجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِجْمَاعٌ هُوَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْمَذْكُورَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَدَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ ; فَهُوَ إِجْمَاعٌ نُطْقِيٌّ فِعْلِيٌّ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ ; فَالنَّكِيرُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ لَمْ يُنْقَلْ، وَالْعَادَةُ تَقْتَضِي نَقْلَ مِثْلِهِ ; فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ تَثْبُتُ بِمِثْلِهِ وَبِدُونِهِ.

стр. 962

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِ الْمَفْسَدَةِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، وَإِعْدَامُ الْمَفْسَدَةِ مُنَاسِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ لَا يَنْهَى عَنْ مَصْلَحَةٍ، وَإِذَا انْتَفَى نَهْيُهُ عَنِ الْمَصْلَحَةِ، لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ مَفْسَدَةٍ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَشَيْنٌ يَجِبُ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْهُ الْعِبَادَاتُ، وَإِعْدَامُ الضَّرَرِ مُنَاسِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇: لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ. - الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي اجْتِنَابَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِوَضْعِ اللُّغَةِ، وَعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَتَصْحِيحُ حُكْمِهِ يَقْتَضِي مُلَابَسَتَهُ وَقُرْبَانَهُ، وَاجْتِنَابُهُ وَقُرْبَانُهُ مُتَنَاقِضَانِ، وَالشَّرْعُ بَرِيءٌ مِنَ التَّنَاقُضِ وَمِمَّا يُفْضِي إِلَيْهِ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.

стр. 963

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِذَاتِهِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا تَفْصِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْرَبُ إِلَى التَّحْقِيقِ مِنَ الْإِطْلَاقَاتِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا، وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْفِعْلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِوَصْفٍ لَازِمٍ لَهُ، لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، أَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَصْلًا، أَوْ لِوَصْفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ، لَكِنَّهُ عَارِضٌ فِيهِ، غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ. - فَإِنْ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لِذَاتِهِ كَالْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُسْتَقْبَحِ لِذَاتِهِ عَقْلًا، عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، أَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الشَّرْعَ قَالَ: نَهَيْتُ عَنْ عَقْدِ الرِّبَا، أَوْ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَالْمُتْعَةِ لِذَاتِهِ ; كَانَ هَذَا النَّهْيُ مُبْطِلًا، أَيْ: دَالًا عَلَى بُطْلَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْفِعْلِ لِوَصْفٍ لَازِمٍ لَهُ، كَالنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَةَ، وَعَنْ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَافِرٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ إِثْبَاتُ الْقِيَامِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَالسَّبِيلِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ ; فَيَبْطُلُ لِهَذَا الْوَصْفِ اللَّازِمِ لَهُ. وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْفِعْلِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ عَقْلًا، كَمَا لَوْ نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي دَارٍ ; لِأَنَّ فِيهَا صَنَمًا مَدْفُونًا أَوْ كَافِرًا مَسْجُونًا، أَوْ شَرْعًا كَمَا لَوْ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْجَوْزِ وَالْبَيْضِ خَشْيَةَ أَنْ يُقَامَرَ بِهِ، أَوْ عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَشْيَةَ أَنْ يَقْطَعُوا بِهِ الطَّرِيقَ، أَوْ عَنْ بَيْعِ الرَّقِيقِ مُطْلَقًا خَشْيَةَ الْفُجُورِ بِهِ، أَوْ عَنْ غَرْسِ الْعِنَبِ أَوْ بَيْعِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُعْصَرَ خَمْرًا وَنَحْوِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ النَّهْيُ مُبْطِلًا وَلَا مَانِعًا ; لِأَنَّ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ تَعَلُّقًا عَقْلِيًّا، بِمَعْنَى أَنَّ تِلْكَ الْأَفْعَالَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِتِلْكَ الْمَفَاسِدِ، لَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِهَا شَرْعًا لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُعْهَدْ مِنْهُ الِالْتِفَاتُ فِي الْمَنْعِ إِلَى هَذَا التَّعَلُّقِ الْعَقْلِيِّ الْبَعِيدِ.

стр. 964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْفِعْلِ لِوَصْفٍ لَهُ، لَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ ; فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، إِذْ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهِ وَصْفًا لِلْفِعْلِ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ، كَمَا لَوْ نُهِيَ عَنْهُ لِذَاتِهِ، أَوْ لِوَصْفٍ لَازِمٍ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهِ غَيْرَ لَازِمٍ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ، كَمَا لَوْ نُهِيَ عَنْهُ لَأَمْرٍ خَارِجٍ، وَهُوَ أَوْلَى تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْعَرَضِيَّةِ عَلَى جَانِبِ الْوَصْفِيَّةِ، إِذْ بِكَوْنِهِ عَارِضًا يَضْعُفُ كَوْنُهُ وَصْفًا ; فَلَا يُلْحَقُ بِالْوَصْفِ اللَّازِمِ ; لِأَنَّ لُزُومَهُ يُؤَكِّدُ وَصْفِيَّتَهُ وَيُقَوِّيهَا، كَمَا قَالَ النُّحَاةُ فِي التَّأْنِيثِ اللَّازِمِ حَيْثُ أَقَامُوهُ مَقَامَ شَيْئَيْنِ فِي مَنْعِ الصَّرْفِ نَظَرًا إِلَى التَّأْنِيثِ وَلُزُومِ التَّأْنِيثِ. وَمِمَّا يَصْلُحُ مِثَالًا لِهَذَا الْقِسْمِ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْعُقُودِ وَقْتَ النِّدَاءِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ، لِكَوْنِهِ بِالْجُمْلَةِ مُتَّصِفًا بِكَوْنِهِ مُفَوِّتًا لِلْجُمُعَةِ، أَوْ مُفْضِيًا إِلَى التَّفْوِيتِ بِالتَّشَاغُلِ بِالْبَيْعِ، لَكِنَّ هَذَا الْوَصْفَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْبَيْعِ لِجَوَازِ أَنْ يَعْقِدَ مِائَةَ عَقْدٍ مَا بَيْنَ النِّدَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْرِكُهَا ; فَلَا تَفُوتُ ; فَالْأَوْلَى فِي هَذَا الْعَقْدِ الصِّحَّةُ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: ضَعْفُ الْمَانِعِ لِصِحَّتِهِ، وَهُوَ هَذَا الْوَصْفُ الضَّعِيفُ الْعَرَضِيُّ. الثَّانِي: مُعَارَضَتُهُ بِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ تَصَرُّفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ، خُصُوصًا فِي مُعَامَلَاتِهِمُ الَّتِي رَاعَى الشَّرْعُ مَصَالِحَهُمْ فِيهَا ; فَلَا يُتْرَكُ هَذَا الْأَصْلُ إِلَّا لِدَلِيلٍ قَوِيٍّ سَالِمٍ عَنْ مَعَارِضٍ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ فِي وَصْفِ التَّفْوِيتِ الْمَذْكُورِ، إِذْ هُوَ

стр. 965

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضَعِيفٌ لِعَرَضِيَّتِهِ، وَعَدَمُ لُزُومِهِ مُعَارِضٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. الثَّالِثُ: أَنَّ ضَعْفَ الْمَانِعِ، وَقُوَّةَ الْمُعَارِضِ الْمَذْكُورَيْنِ، تَعَاضَدَا عَلَى تَخْصِيصِ النَّصِّ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الْجُمْعَةِ: ٩] ، إِذْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بَيْعٌ خَاصٌّ، وَهُوَ الْمُفَوِّتُ لِلصَّلَاةِ، مِثْلُ أَنْ يَشْرَعَ فِي مُسَاوَمَةِ بَيْعٍ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ عِنْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ لِلْجُمُعَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَصِحَّةُ الْبَيْعِ عِنْدَ النِّدَاءِ تُكْرَهُ وَلَا تَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ مُخَرَّجٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوِيٌّ لِمَا ذَكَرْنَا. وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِظَاهِرِ النَّهْيِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَضْعِيفِ اقْتِضَائِهِ الْبُطَلَانَ وَارِدٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. تَكْمِلَةٌ لِمَسْأَلَةِ النَّهْيِ: قَالَ الْآمِدِيُّ: مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ عَيْنِ التَّصَرُّفِ الْمُفِيدِ لِحُكْمِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَوِ الشَّرْعِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَمَذْهَبُ الْقَفَّالِ، وَالْغَزَّالِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيَّيْنِ، وَأَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ: أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ بَلْ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى. - أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: نَهَيْتُكَ عَنْ ذَبْحِ شَاةِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. لِعَيْنِهِ أَوْ لِعَيْنِ الذَّبْحِ، لَكِنْ إِنْ فَعَلْتَ، حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ، لَمْ يَكُنْ مُتَنَاقِضًا لُغَةً.

стр. 966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ النَّهْيَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِمَقْصُودٍ، سَوَاءٌ ظَهَرَتِ الْحِكْمَةُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَتْ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى امْتِنَاعِ خُلُوِّ أَحْكَامِ الشَّرْعِ عَنْ حِكْمَةٍ. ثُمَّ مَقْصُودُ النَّهْيِ إِمَّا رَاجِحٌ عَلَى مَقْصُودِ الصِّحَّةِ، أَوْ مُسَاوٍ لَهُ، أَوْ مَرْجُوحٌ، لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا ; لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبٌ، وَالطَّلَبُ يَعْتَمِدُ الرُّجْحَانَ ; فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مَرْجُوحًا، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِذَلِكَ بِعَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ ; فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ مَقْصُودَ النَّهْيِ رَاجِحٌ ; فَيَكُونُ مَقْصُودُ الصِّحَّةِ مَرْجُوحًا، وَالْمَرْجُوحُ مَعَ الرَّاجِحِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ; فَمَقْصُودُ الصِّحَّةِ مَعَ مَقْصُودِ النَّهْيِ غَيْرُ مُعْتَبِرٍ ; فَيَكُونُ مَقْصُودُ النَّهْيِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِاقْتِضَائِهِ الْفَسَادَ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ ذَكَرْتُ بَعْضَهُ بِلَفْظِهِ، وَبَعْضَهُ بِمَعْنَاهُ، تَحْصِيلًا لِلْإِيضَاحِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. فَائِدَةٌ: ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» فِي مُقْتَضَى النَّهْيِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: الْفَسَادُ مُطْلَقًا إِلَّا لِدَلِيلٍ. الثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا إِذَا نُهِيَ عَنْهُ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ. الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. الْخَامِسُ: لَا يَقْتَضِي صِحَّةً وَلَا فَسَادًا. السَّادِسُ: التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. السَّابِعُ: التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ. وَقَدْ سَبَقَ تَوْجِيهُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ. فَوَائِدُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ: - إِحْدَاهُنَّ: قَدْ سَبَقَ فِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: الْوُجُوبُ. وَثَانِيهَا: النَّدْبُ.

стр. 967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَثَالِثُهَا: الْإِبَاحَةُ. وَرَابِعُهَا: الْوَقْفُ. وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أُخَرَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. وَقَدْ سَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَبَيْنَ كَوْنِ الْأَمْرِ لِلنَّدْبِ. الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ ; لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِيهِمَا، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَعَدَمُ الْمَجَازِ لِمَا سَبَقَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، أَيْ: لَا يُعْلَمُ هَلْ هُوَ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ ; لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِيهِمَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ أَخَصُّ بِأَحَدِهِمَا فَيُتَوَقَّفُ فِيهِ، وَيُجْعَلُ مِنْ بَابِ الْمُجْمَلِ. فَصَارَتِ الْأَقْوَالُ فِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ سَبْعَةً. - وَقَدْ ذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ فِي مُقْتَضَى النَّهْيِ نَظَائِرَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي الْأَمْرِ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لِلْوَقْفِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ، وَهُوَ مُطْلَقُ التَّرْكِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ أَنَّ جَوَازَ الْفِعْلِ هَاهُنَا مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَصْلِ، وَفِيمَا إِذَا جُعِلَ لِلْكَرَاهَةِ، يَكُونُ جَوَازُ الْفِعْلِ مُسْتَفَادًا مِنَ اللَّفْظِ، كَمَا سَبَقَ فِي نَظِيرِهِ فِي الْأَمْرِ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ لَفْظَ النَّهْيِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ.

стр. 968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ ; فَيَكُونُ مُجْمَلًا فِيهِمَا. وَحَكَى الْقَرَافِيُّ عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ; فَحَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ، وَالنَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّ مُعْتَمَدَ الْأَمْرِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ، وَمُعْتَمَدَ النَّهْيِ نَفْيُ الْمَفْسَدَةِ، وَعِنَايَةُ الْحُكَمَاءِ بِنَفْيِ الْمَفَاسِدِ أَشَدُّ مِنْ عِنَايَتِهِمْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ. - قُلْتُ: الْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِطَبْعِهِ وَعَقْلِهِ يُؤْثِرُ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى تَحْصِيلِ النَّفْعِ لَهَا إِذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَحَدِهِمَا ; لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ كَرَأْسِ الْمَالِ، وَتَحْصِيلَ النَّفْعِ كَالرِّبْحِ، وَالْأَوَّلُ أَهَمُّ مِنَ الثَّانِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ جَمِيعًا، هَلْ يَقْتَضِيَانِ التَّكْرَارَ أَمْ لَا، وَقَدْ سَبَقَ تَوْجِيهُ الْخِلَافِ فِي الْأَمْرِ ; فَمَنْ يَرَاهُ لِلتَّكْرَارِ، جَعَلَ الْأَوَامِرَ الْمُصَرِّحَةَ أَوِ الْقَاطِعَةَ بِالتَّكْرَارِ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٨] ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٣٤] ، وَقَوْلِهِ ﵇: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. الْحَدِيثَ، وَنَحْوِهِ مِنَ النُّصُوصِ الْقَاطِعَةِ بِتَكْرَارِ

стр. 969

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١٠] ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٣] ; لِأَنَّ هَذَا وَحْدَهُ اسْتَقَلَّ بِإِفَادَةِ التَّكْرَارِ، فَلَمْ تَبْقَ لِغَيْرِهِ إِلَّا فَائِدَةُ التَّأْكِيدَ. وَمَنْ لَا يَرَى الْأَمْرَ لِلتَّكْرَارِ، يَقُولُ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَأْمُورَاتِ وَغَيْرِهَا الْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَتِهَا بِفِعْلِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا ثَبَتَ تَكْرَارُ مَا وَجَبَ تَكْرَارُهُ مِنْهَا بِأَدِلَّةٍ تَفْصِيلِيَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ أَفَادَتِ التَّكْرَارَ زِيَادَةً عَلَى مُقْتَضَى الْأَمْرِ. وَعَلَى هَذَا يَتَرَجَّحُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّكْرَارِ ; لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمَذْكُورَةَ بِتَقْدِيرِهِ تَكُونُ مُؤَسِّسَةً، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ. وَيَتَّجِهُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ: النُّصُوصُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَتْ لِلتَّأْسِيسِ وَلَا لِلتَّأْكِيدِ، بَلْ هِيَ لِلتَّبْيِينِ فَإِنَّ الْكِتَابَ يُبَيِّنُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَالسُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ ; فَالنُّصُوصُ الْمُفِيدَةُ لِلتَّكْرَارِ مُبَيِّنَةٌ لِلنُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَدْلُولَ الْبَيَانِ بِالْفِعْلِ مَوْجُودٌ فِي الْمُبَيَّنِ بِالْقُوَّةِ ; فَقَوْلُ الشَّارِعِ: صَلُّوا فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَزَكُّوا، وَصُومُوا فِي كُلِّ سَنَةٍ، مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ; فَتَكُونُ هَذِهِ النُّصُوصُ مُشْتَمِلَةً عَلَى اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ، لَكِنَّ اشْتِمَالًا خَفِيًّا ظَهَرَ بِالْبَيَانِ. وَعَلَى هَذَا يَتَّجِهُ الْقَوْلُ بِاقْتِضَاءِ الْأَمْرِ التَّكْرَارَ. وَأَمَّا النَّهْيُ ; فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، لِاقْتِضَائِهِ

стр. 970

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْكَفَّ أَبَدًا عَلَى تَكَرُّرِ الْأَزْمِنَةِ، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَيَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ لَا يُوجَدَ عَاصٍ أَصْلًا ; لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْ فِعْلٍ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ بِتَرْكِهِ مَرَّةً فِي زَمَنٍ مَا، كَمَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ مَرَّةً فِي زَمَنٍ مَا عِنْدَ مَنْ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ فِيهِ، وَتَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَرَّةً فِي زَمَنٍ مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ أَحَدٌ فِي الْعَادَةِ ; إِمَّا اضْطِرَارًا فِي حَالِ النَّوْمِ وَالْمَرَضِ وَالتَّشَاغُلِ بِالْمُبَاحَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ، أَوِ اخْتِيَارًا، إِذْ يَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ أَنَّ أَحَدًا يُلَازِمُ فِعْلَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِحَيْثُ لَا يَفْتُرُ مِنْهُ زَمَنًا مِنَ الْأَزْمَانِ حَتَّى يَمُوتَ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الزِّنَى مَرَّةً وَاحِدَةً بِنَوْمٍ، أَوْ صَلَاةٍ، أَوْ أَكْلٍ، أَوْ مَلَلٍ، أَوْ عَجْزٍ، أَوِ اسْتِحْيَاءٍ، أَوِ اخْتِيَارًا مَحْضًا، وَفَعَلَهُ فِي بَقِيَّةِ أَزْمَانِهِ أَنْ يَكُونَ مُطِيعًا خَارِجًا عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ. قُلْتُ: وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: هَذَا هُوَ مُقْتَضَى النَّهْيِ وَلَازِمُهُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ، لَكِنِ انْتَفَى ذَلِكَ وَثَبَتَ تَكْرَارُ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ كَالْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهِ، وَنَحْنُ كَلَامُنَا فِيمَا يَقْتَضِيهِ النَّهْيُ لُغَةً، لَا فِيمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ شَرْعًا. قُلْتُ: وَهَذَا جَوَابٌ سَدِيدٌ صَحِيحٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَاعِدَةٍ ; وَهُوَ أَنَّ الِاقْتِضَاءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي عَامٍّ نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ، أَوْ مُطْلَقًا فِي مُطْلَقٍ، نَحْوَ: أَكْرِمْ رَجُلًا فِي يَوْمٍ مَا، أَوْ عَامًّا فِي مُطْلَقٍ، نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي يَوْمٍ مَا، أَوْ مُطْلَقًا فِي عَامٍّ، نَحْوَ: أَكْرِمْ رَجُلًا فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ.

стр. 971

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ; فَالْقَائِلُ: إِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ يَقُولُ: هُوَ مِنْ بَابِ اقْتِضَاءِ الْعَامِّ فِي الْعَامِّ، وَهُوَ اقْتِضَاءُ جَمِيعِ التُّرُوكِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ يَقُولُ: هُوَ مِنْ بَابِ اقْتِضَاءِ الْمُطْلَقِ فِي الْعَامِّ، وَالْمَطْلُوبُ تَرْكُ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ ; فَمَتَى لَابَسَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي زَمَنٍ مِنَ الْأَزْمَانِ، تَحَقَّقَ الْعِصْيَانُ، وَهَذَا مَعْنَى جَوَابِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. قُلْتُ: فَمَأْخَذُ الْخِلَافِ إِذَنْ أَنَّ الْكَفَّ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْأَزْمَانِ، هَلْ هُوَ تَرْكُ وَاحِدٍ نَظَرًا إِلَى جِنْسِ الْكَفِّ وَاتِّحَادِهِ، أَوْ تُرُوكٌ كَثِيرَةٌ نَظَرًا إِلَى أَشْخَاصِ الْأَزْمَانِ وَتَعَدُّدِهَا، وَعَلَى هَذَا ; فَالنَّافِي لِاقْتِضَاءِ النَّهْيِ التَّكْرَارَ قَدْ قَالَ بِهِ فِي الْمَعْنَى، إِذْ لَا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ إِلَّا التَّرْكُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ سَوَاءٌ جَعَلَهُ تَرْكًا وَاحِدًا بِاعْتِبَارِ مَاهِيَّتِهِ الْبَسِيطَةِ، أَوْ تُرُوكًا بِاعْتِبَارِ أَزْمِنَتِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا، أَوْ صِفَةٍ، كَقَوْلِهِ : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النُّورِ: ٢] ، إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ ; فَلَا خِلَافَ فِي تَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً، فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلتَّكْرَارِ ; فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ، اخْتَلَفُوا هَاهُنَا. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ عَدَمَهُ. وَأَمَّا النَّهْيُ الْمُعَلَّقُ بِمَا يَتَكَرَّرُ ; فَمَنْ قَالَ: مُطْلَقُ النَّهْيِ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، أَثْبَتَ التَّكْرَارَ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَمَنْ قَالَ: لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، اخْتَلَفُوا: هَلْ يَقْتَضِيهِ أَمْ لَا؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَقْتَضِيهِ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا عُرِفَ قَبْلُ.

стр. 972

الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ: الْعُمُومُ: قِيلَ: هُوَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً، لِدَلَالَتِهَا عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا بِاعْتِبَارِ وُجُودَيْهَا: اللِّسَانِيِّ، وَالذِّهْنِيِّ، بِخِلَافِ الْمَعَانِي، لِتَمَايُزِهَا ; فَلَا يَدُلُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ، إِذِ الْعُمُومُ لُغَةً: الشُّمُولُ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَامِلٍ وَمَشْمُولٍ، كَالْكِلَّةِ وَالْعَبَاءَةِ لِمَا تَحْتَهُمَا. وَالْعَامُّ: قِيلَ: هُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا مُطْلَقًا، وَاحْتَرَزَ بِالْوَاحِدِ عَنْ مِثْلِ: ضَرَبَ زَيْدٌ عُمْرًا، إِذْ هُمَا لَفْظَانِ، وَبِمُطْلَقًا عَنْ مِثْلِ عَشَرَةِ رِجَالٍ، فَإِنْ دَلَّ عَلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ لَا مُطْلَقًا، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَأَجْوَدُ مِنْهُ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ دَلَالَةً لَا تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ. وَقِيلَ: اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرَقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: اللَّفْظُ إِنْ دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ فَقَطْ ; فَهُوَ الْمُطْلَقُ أَوْ عَلَى وَحْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو ; فَهُوَ الْعِلْمُ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، كَرَجُلٍ ; فَهُوَ النَّكِرَةُ، أَوْ عَلَى وَحَدَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ; فَهِيَ إِمَّا بَعْضُ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ ; فَهُوَ اسْمُ الْعَدَدِ كَعِشْرِينَ رَجُلًا، أَوْ جَمِيعُهَا ; فَهُوَ الْعَامُّ ; فَإِذَنْ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ، وَهُوَ أَجْوَدُهَا، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَيَنْقَسِمُ اللَّفْظُ إِلَى لَا أَعَمَّ مِنْهُ، كَالْمَعْلُومِ، أَوِ الشَّيْءِ، وَيُسَمَّى الْعَامَّ الْمُطْلَقَ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَإِلَى مَا لَا أَخُصَّ مِنْهُ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَيُسَمَّى الْخَاصَّ الْمُطْلَقَ، وَإِلَى مَا بَيْنَهُمَا كَالْمَوْجُودِ وَالْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ النَّامِي وَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ ; فَيُسَمَّى عَامًّا وَخَاصًّا إِضَافِيًّا، أَيْ: هُوَ خَاصٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُ، عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا تَحْتَهُ. ــ قَوْلُهُ: «الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ» .

стр. 973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - أَيْ: هَذَا بَيَانُ الْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ. قَوْلُهُ: «الْعُمُومُ، قِيلَ: هُوَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً لِدَلَاتِهَا عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا بِاعْتِبَارِ وُجُودَيْهَا: اللِّسَانِيِّ وَالذِّهْنِيِّ، بِخِلَافِ الْمَعَانِي لِتَمَايُزِهَا ; فَلَا يَدُلُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ.» إِنَّمَا قُلْتُ: قِيلَ ; لِأَنِّي قَدْ رَجَّحْتُ خِلَافَ هَذَا بَعْدُ، وَهَذَا الْبَحْثُ يُوجَدُ فِي أَكْثَرِ كُتُبِ الْأُصُولِيِّينَ غَيْرَ مُحَقَّقٍ. وَوَجْهُ الْكَشْفِ عَنْهُ أَنَّا إِذَا قُلْنَا: هَذَا الشَّيْءُ مِنْ عَوَارِضِ هَذَا الشَّيْءِ، أَيْ: مِمَّا يَعْرِضُ لَهُ وَيَلْحَقُهُ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعَرَضِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَذْهَبُ وَيَجِيءُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الْمَالُ وَالْمَرَضُ عَرَضًا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَذْهَبُ وَيَجِيءُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الْأَنْفَالِ: ٦٧] ، وَفِي الْحَدِيثِ: هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذِهِ الْأَعْرَاضُ إِلَى جَنْبِهِ، إِنْ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ نَهَشَتْهُ هَذِهِ. يُرِيدُ بِهِ الْآفَاتِ الَّتِي هُوَ مُعَرَّضٌ لَهَا وَهِيَ تَعْرِضُ لَهُ.

стр. 974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْعَرَضُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ، هُوَ مَا لَا يَدْخُلُ فِي حَقِيقَةِ الْجِسْمِ وَمَفْهُومِهِ، سَوَاءٌ كَانَ لَازِمًا لَا يُفَارِقُ، كَسَوَادِ الْغُرَابِ وَالْقَارِ، أَوْ مُفَارِقًا يَذْهَبُ وَيَجِيءُ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَصُفْرَةِ الْوَجَلِ، وَحُمْرَةِ الْخَجَلِ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُنَا: الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضَ الْأَلْفَاظِ، أَيْ: أَنَّهُ يَلْحَقُهَا، وَلَيْسَ هُوَ دَاخِلًا فِي حَقِيقَتِهَا، وَهُوَ عَرَضٌ لَازِمٌ لِمَا لَحِقَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَهُوَ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَهِيَ الَّتِي وَضَعَهَا الْوَاضِعُ لِتَدُلَّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ مَا وُضِعَتْ لَهُ. وَمَعْنَى قَوْلِنَا: الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً، أَيْ: أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَعْرِضُ إِلَّا لِصِيغَةٍ لَفْظِيَّةٍ، كَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِهِ، كَمَا أَنَّ الصِّحَّةَ وَالسَّقَمَ لَا يَعْرِضَانِ بِالْحَقِيقَةِ إِلَّا لِلْحَيَوَانِ، وَالِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ لَا يَعْرِضَانِ بِالْحَقِيقَةِ إِلَّا لِلْجِسْمِ، فَإِذَا قُلْنَا: هَذَا اللَّفْظُ عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ وَالْحُكْمُ ثَابِتٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ ; فَإِضَافَةُ الْعُمُومِ إِلَى اللَّفْظِ وَوَصْفُهُ بِهِ حَقِيقَةً، كَمَا أَنَّا إِذَا قُلْنَا: هَذَا حَيَوَانٌ صَحِيحٌ أَوْ سَقِيمٌ، وَهَذَا جِسْمٌ مُتَّصِلٌ أَوْ مُنْفَصِلٌ، كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً. وَإِذَا أَضَفْنَا الْعُمُومَ إِلَى الْمَعَانِي، كَقَوْلِنَا: هَذَا حُكْمٌ عَامٌّ، وَخِصْبٌ أَوْ جَدْبٌ عَامٌّ، أَوْ بَلَاءٌ أَوْ رَخَاءٌ عَامٌّ، وَهَذِهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا، أَيْ: لَا يَسْتَحِقُّ الْمَعْنَى بِحَسَبِ الْأَصْلِ أَنْ يُوصَفَ بِالْعُمُومِ، إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الِاسْتِعَارَةِ ; إِمَّا مِنَ اللَّفْظِ أَوْ نَظَرًا إِلَى شُمُولِ مَجْمُوعِ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لِمَجْمُوعِ مَحَالِّهِ، كَمَا إِذَا قُلْنَا: هَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ أَوْ سَقِيمٌ، أَوْ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ أَوْ مُنْفَصِلٌ، كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا ; لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ فِي الْجِسْمِ، وَسَيَتَّضِحُ هَذَا بِمَا بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - وَقَوْلُهُ: «لِدَلَالَتِهَا عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا بِاعْتِبَارِ وُجُودَيْهَا اللِّسَانِيِّ وَالذِّهْنِيِّ» ، أَيْ: إِنَّمَا كَانَ الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ بِالْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَعَانِي لِدَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا بِاعْتِبَارِ وَجُودِهَا فِي اللِّسَانِ وَوُجُودِهَا فِي الذِّهْنِ. وَتَقْرِيرُ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَعْلُومٍ ; فَلَهُ ثَلَاثُ وُجُودَاتٍ: وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ، كَعَيْنِ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ الْمَفْهُومِ مِنْ لَفْظِ الرَّجُلِ، أَوِ الْإِنْسَانِ. وَوُجُودٌ فِي اللِّسَانِ، وَهُوَ لَفْظُ اسْمِهِ الدَّالُّ عَلَيْهِ كَلَفْظِ الرَّجُلِ أَوِ الْإِنْسَانِ الدَّالِّ عَلَى مُسَمَّاهُ ; فَهَذَا اللَّفْظُ وُجُودُهُ فِي اللِّسَانِ. وَوُجُودُهُ فِي الذِّهْنِ: وَهُوَ صُورَةُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ الْحَاصِلَةُ فِي الذِّهْنِ، كَصُورَةِ الرَّجُلِ وَالْإِنْسَانِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ، هُوَ أَنَّ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَلَا اللُّغَاتِ، فَإِنَّ صُورَةَ الرَّجُلِ وَالْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَجُلٌ وَإِنْسَانٌ وَاحِدَةٌ لَا يَقَعُ فِي الذِّهْنِ تَفَاوُتٌ بَيْنَهُمَا بِالْخَوَاصِّ الْعَارِضَةِ، بَلْ هُوَ بِأْخْذِ الْمَاهِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ أَشْخَاصِ الرَّجُلِ وَالْإِنْسَانِ ; فَالْوَلِيدُ وَالرَّضِيعُ وَالْعَظِيمُ وَالْمُرَاهِقُ وَالْفَتَى وَالْكَهْلُ وَالشَّيْخُ الْهِمُّ، كُلٌّ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَإِنْسَانٌ فِي الذِّهْنِ عَلَى السَّوَاءِ، وَهُوَ سَوَاءٌ فِي ذِهْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْعَجَمِيِّ بِخِلَافِ الْوُجُودَيْنِ: الْعَيْنِيِّ، وَاللِّسَانِيِّ ; فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ، لَكِنَّ الْعَيْنِيَّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْخَوَاصِّ، فَإِنَّ زَيْدًا الطَّوِيلَ غَيْرُ زَيْدٍ الْقَصِيرِ، وَعَمْرٌو الْعَالِمُ غَيْرُ عَمْروٍ الْجَاهِلِ، وَالْفَطِيمُ أَكْبَرُ مِنَ الْوَلِيدِ، وَالْبَالِغُ أَقْوَى مِنَ الصَّبِيِّ، وَهَذَا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ غَيْرُ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ ; فَالِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.

стр. 976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاللَّفْظِيُّ يَخْتَلِفُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَلْفَاظِ وَاللُّغَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ ; فَقَوْلُنَا لِلْبَعِيرِ مَثَلًا: جَمَلٌ، دُوَا، أَشْتَرْ. هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ الْعَرَبِيِّ وَالتُّرْكِيِّ وَالْعَجَمِيِّ، وَالْمَدْلُولُ وَاحِدٌ. وَالْفَرْقُ أَيْضًا بَيْنَ الْوُجُودِ اللِّسَانِيِّ والْوُجُودَيْنِ الْآخَرَيْنِ هُوَ أَنَّ الْوُجُودَ اللِّسَانِيَّ دَلِيلٌ، وَالْآخَرَانِ مَدْلُولٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَةَ زَيْدٍ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْإِنْسَانِ الْخَاصِّ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ الْمُطَابِقِ لِصُورَتِهِ الْمَوْجُودَةِ فِي الذِّهْنِ ; فَهُمَا مَدْلُولَانِ لِلَّفْظِ وَهُوَ دَلِيلٌ لَهُمَا. إِذَا ثَبَتَ هَذَا ; فَمَعْنَى دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا بِاعْتِبَارِ وُجُودَيْهَا: اللِّسَانِيِّ، وَالذِّهْنِيِّ، هُوَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: الرِّجَالُ، دَلَّ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى مُسَمَّاهُ بِاعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُفِيدُ بِالْوَضْعِ أَوْ بِالِاسْتِعْمَالِ جَمَاعَةَ أَشْخَاصٍ مِنْ ذُكُورِ بَنِي آدَمَ، وَهُوَ الْوُجُودُ اللِّسَانِيُّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الصُّورَةِ الْمُطَابِقَةِ لِتِلْكَ الْأَشْخَاصِ فِي الذِّهْنِ وَهُوَ الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَعَانِي ; فَإِنَّهَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِتَمَايُزِ مِحَالِّهَا ; فَلَا يَدُلُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ; فَلَا يَكُونُ الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِهَا حَقِيقَةً. وَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي مِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَدُلُّ عَلَى مَا تَحْتَهُ مِنَ الْمُسَمَّيَاتِ دَلَالَةً وَاحِدَةً مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَصَّ بَعْضُ مُسَمَّيَاتِهِ بِبَعْضِهِ، كَلَفْظِ الْكُفَّارِ، الدَّالِّ عَلَى آحَادٍ كَثِيرَةٍ كَفَّارٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَصَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِبَعْضِ لَفْظِ الْكُفَّارِ، بِخِلَافِ الْمَعَانِي، فَإِنَّ مَحَالَّهَا

стр. 977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَخْتَصُّ بِبَعْضِهَا، كَقَوْلِنَا رُخْصٌ عَامٌّ وَبَلَاءٌ عَامٌّ، فَإِنَّ الْخِصْبَ وَالْبَلَاءَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرُهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ ; فَرُخْصُ مِصْرَ غَيْرُ رُخْصِ دِمَشْقَ، وَرَخَاءُ بَغْدَادَ غَيْرُ رَخَاءِ الصِّينِ، وَأَبْيَنُ مِنْ ذَلِكَ الْمَطَرُ، إِذَا قُلْنَا: هَذَا مَطَرٌ عَامٌّ، أَيْ: شَامِلٌ لِلْأَمْكِنَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ يَخْتَصُّ مِنَ الْمَطَرِ بِغَيْرِ مَا اخْتَصَّ الْمَكَانُ الْآخَرُ ; فَمَطَرُ الْمَسْجِدِ غَيْرُ مَطَرِ السُّوقِ، وَالْوَاقِعُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ غَيْرُ الْوَاقِعِ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ لَفْظِ الْكُفَّارِ ; فَإِنَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمْ بِلَفْظِ الْكُفَّارِ وَلَا بِبَعْضِهِ، كَمَا اخْتَصَّ السُّوقُ وَالْمَسْجِدُ بِبَعْضِ الْمَطَرِ، وَإِذَا كَانَ الْعُمُومُ فِي اللُّغَةِ الشُّمُولُ، وَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ دُونَ الْمَعَانِي، كَانَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِهَا بِالْحَقِيقَةِ مِنَ الْمَعَانِي. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَارَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» مُخْتَطَفَةٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَلَيْسَتْ وَافِيَةً بِهِ ; فَلِذَلِكَ وَقَعَ فِيهَا غُمُوضٌ، وَفِي تَفْسِيرِهَا إِشْكَالٌ، وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مُلَخَّصَةٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَاهُ فِي مَعْنَى قَوْلِنَا: بِاعْتِبَارِ وُجُودَيْهَا: اللِّسَانِيِّ، وَالذِّهْنِيِّ، هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ مَثَلًا لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ، وَفِي اللِّسَانِ، وَفِي الْأَذْهَانِ، أَمَّا وُجُودُهُ فِي الْأَعْيَانِ ; فَلَا عُمُومَ لَهُ، إِذْ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ رَجُلٌ مُطْلَقٌ، يَعْنِي كُلِّيًّا، بَلْ إِمَّا زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، أَوْ غَيْرُهُمَا ; فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِقَيْدِ التَّشَخُّصِ وَالْعَلَمِيَّةِ. وَأَمَّا وُجُودُهُ فِي اللِّسَانِ ; فَلَفْظُ الرَّجُلِ وُضِعَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ

стр. 978

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَغَيْرِهِمْ، وَنِسْبَتُهُ إِلَيْهِمْ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا مَعْنَى الْعُمُومِ. وَأَمَّا وُجُودُهُ فِي الذِّهْنِ، فَإِنَّ لِلرَّجُلِ فِي الذِّهْنِ صُورَةً كُلِّيَّةً مُطَابِقَةً لَهُ تَتَنَاوَلُ زَيْدًا وَعَمْرًا وَبَكْرًا وَغَيْرَهُمْ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِمْ دَلَالَةً وَاحِدَةً، كَدَلَالَةِ لَفْظِ الرَّجُلِ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ بِالْوَضْعِ، وَالذِّهْنُ يُدْرِكُ بِالتَّصَوُّرِ. فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَعْنَى الْعُمُومِ وَالشُّمُولِ مَوْجُودٌ فِي اللِّسَانِيِّ وَالذِّهْنِيِّ دُونَ الْعَيْنِيِّ الْخَارِجِيِّ، وَهَذَا هُوَ مُرَادِي بِقَوْلِي: «لِدَلَالَتِهَا عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا بِاعْتِبَارِ وُجُودَيْهَا: اللِّسَانِيِّ، وَالذِّهْنِيِّ» ، غَيْرَ أَنَّ فِي مُطَابَقَتِهَا لَهُ نَظَرًا. قَوْلُهُ: «وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ» يَعْنِي الْعُمُومَ «حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ، إِذِ الْعُمُومُ لُغَةً الشُّمُولُ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَامِلٍ وَمَشْمُولٍ كَالْكِلَّةِ وَالْعَبَاءَةِ لِمَا تَحْتَهُمَا» . أَيْ: وَالتَّحْقِيقُ مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ أَنَّ الْعُمُومَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ، لَا فِي الْأَلْفَاظِ، وَلَا فِي الْمَعَانِي ; لِأَنَّ الْعُمُومَ فِي اللُّغَةِ الشُّمُولُ. يُقَالُ: هَذَا الْكِسَاءُ يَعُمُّ مَنْ تَحْتَهُ، أَيْ: يَشْمَلُهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْعُمُومُ هُوَ الشُّمُولُ ; فَالشُّمُولُ مَعْنًى إِضَافِيٌّ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَامِلٍ وَمَشْمُولٍ ; فَالشَّامِلُ كَالْكِلَّةِ وَالْعَبَاءَةِ، وَالْمَشْمُولُ مَنْ تَحْتَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا شَمَلَتَاهُ ; فَإِذَنِ الْعُمُومُ حَقِيقَةٌ لَيْسَ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ الشَّامِلَةِ، وَهُوَ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي مَجَازٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مُشَارَكَتِهِمَا الْأَجْسَامَ فِي مَعْنَى الشُّمُولِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الشُّمُولَ فِي الْأَلْفَاظِ لَيْسَ مَحْسُوسًا، بَلْ مَعْقُولًا، وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا فِي قُوَّةِ شُمُولِ الْأَجْسَامِ لِمَا تَحْتَهَا، وَالشُّمُولُ فِي الْمَعَانِي، نَحْوَ: عَمَّهُمُ الْعَطَاءُ وَالْإِنْعَامُ وَالْخِصْبُ أَضْعَفُ مِنْ شُمُولِ الْأَلْفَاظِ لِمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ قَبْلُ مِنِ اخْتِصَاصِ بَعْضِ مَحَالِّ الْمَعْنَى بِبَعْضِهِ، وَتَمَايُزِ أَجْزَائِهِ بِتَمَايُزِ مَحَالِّهِ.

стр. 979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْكِلَّةُ: بِكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ: سِتْرٌ رَقِيقٌ يُخَاطُ كَالْبَيْتِ يُتَوَقَّى فِيهِ مِنَ الْبَقِّ. ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَالْعَبَاءَةُ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ وَمَدِّ الْأَلِفِ لُغَةً فِي الْعَبَايَةِ، وَهِيَ ضَرْبٌ مِنَ الْأَكْسِيَةِ. - وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضَ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً اتِّفَاقًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعَانِي، هَلْ هُوَ مِنْ عَوَارِضِهَا حَقِيقَةً؟ فَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ، وَأَثْبَتَهُ الْأَقَلُّونَ. - وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً، وَفِي الْمَعَانِي أَقْوَالٌ: أَصَحُّهَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهَا أَيْضًا، وَالثَّانِي لَيْسَ مِنْ عَوَارِضِهَا. - وَقَالَ النِّيلِيُّ فِي «شَرْحِ جَدَلِ الشَّرِيفِ» مَا مَعْنَاهُ: إِنَّهُ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْعُمُومَ مِنْ لَوَاحِقِ اللَّفْظِ، وَاللَّفْظُ لَمَّا كَانَ ثَابِتًا بِالْوَضْعِ أَوِ الِاصْطِلَاحِ، أَمْكَنَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ بِحُكْمِ الْوَضْعِ ; فَدَلَالَتُهُ عَلَيْهِ وَضْعِيَّةٌ لَا ذَاتِيَّةٌ، بِخِلَافِ الْمَعَانِي، فَإِنَّ ثُبُوتَهَا لِمَا لَمْ يَكُنْ وَضْعِيًّا، بَلْ هُوَ حَقِيقِيٌّ، لِذَلِكَ لَا يُمْكِنُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِتَعْمِيمٍ، وَلَا تَخْصِيصٍ بِوَضْعٍ وَلَا اصْطِلَاحٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ أَوِ الْمَعَانِي هُوَ مِنْ رِيَاضِيَّاتِ هَذَا الْعِلْمِ، لَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ حَتَّى لَوْ تُرِكَ، لَمْ يُخِلَّ بِفَائِدَةٍ. وَلِهَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ لَا يَذْكُرُهُ، وَإِنَّمَا تَابَعْتُ فِي ذِكْرِهِ أَصْلَ «الْمُخْتَصَرِ» وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَ الْعَامُّ ، قِيلَ: هُوَ اللَّفْظُ» ، إِلَى آخِرِهِ. لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الرِّيَاضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ

стр. 980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَلْفَاظِ أَوِ الْمَعَانِي، أَخَذَ فِي الْكَشْفِ عَنْ حَدِّ الْعَامِّ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِيهِ حُدُودٌ كَثِيرَةٌ فِي الْكُتُبِ اتَّفَقَ مِنْهَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَامَّ: «هُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا مُطْلَقًا» . فَقَوْلُهُ: «اللَّفْظُ» جِنْسٌ يَتَنَاوَلُ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ وَالْمُشْتَرَكَ وَالْمُطْلَقَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ اللَّفْظِ لِأَنَّهَا أَلْفَاظٌ. وَقَوْلُهُ: «الْوَاحِدُ» احْتَرَزَ بِهِ عَنْ مِثْلِ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا ; فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى شَيْئَيْنِ، لَكِنْ لَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، بَلْ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَهَذَا أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِنَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» : «إِذْ هُمَا لَفْظَانِ» ; لِأَنَّ قَوْلَنَا: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا لَيْسَ هُوَ لَفْظَيْنِ فَقَطْ، بَلْ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ ; فِعْلٌ وَفَاعِلٌ وَمَفْعُولٌ، وَلَعَلَّ الْإِشَارَةَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَقَعَتْ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَهُمَا زَيْدٌ وَعَمْرٌو، لِكَوْنِهِمَا اسْمَيْنِ. وَضَرَبَ فِعْلٌ، لَكِنْ لَا وَجْهَ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي اللَّفْظِ الدَّالِّ، وَالْفِعْلُ لَفْظٌ دَالٌّ. فَالصَّوَابُ إِذَنْ أَنْ يُقَالَ: احْتِرَازٌ مِنْ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، إِذْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ، أَوْ لِأَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ. قَوْلُهُ: «وَبِمُطْلَقًا» ، أَيْ: وَاحْتَرِزْ بِقَوْلِهِ: مُطْلَقًا عَنْ مِثْلِ عَشَرَةِ رِجَالٍ ; فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، لَكِنْ لَا مُطْلَقًا، بَلْ إِلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ دَلَالَتُهُ. قَوْلُهُ: «وَفِيهِ نَظَرٌ» ، أَيْ: فِي الِاحْتِرَازِ بِمُطْلَقًا عَنْ مِثْلِ عَشَرَةِ رِجَالٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ مِثْلِ عَشَرَةِ رِجَالٍ حَصَلَ بِقَوْلِهِ: «فَصَاعِدًا» ، إِذْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ، أَعْنِي صَاعِدًا لَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ تَقِفُ عِنْدَهَا، وَلَكَ مَا كَانَ مِنَ الْأَعْدَادِ فَوْقَ الْوَاحِدِ انْتَظَمَهُ قَوْلُهُ: فَصَاعِدًا، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى «مُطْلَقًا» .

стр. 981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَأَجْوَدُ مِنْهُ» ، أَيْ: أَجْوَدُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ لِلْعَامِّ، أَنْ يُقَالَ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ دَلَالَةً لَا تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ، وَهَذَا هُوَ الْحَدُّ الثَّانِي مِنَ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . فَقَوْلُنَا: «اللَّفْظُ الدَّالُّ» جِنْسٌ لَهُ يَتَنَاوَلُ مَا دَلَّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، كَزَيْدٍ، أَوْ مُسَمَّيَاتٍ، كَالرِّجَالِ ; فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: عَلَى مُسَمَّيَاتٍ، عَمَّا دَلَّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ. وَبِقَوْلِهِ: «دَلَالَةً لَا تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ» مِنْ أَسْمَاءِ مَقَادِيرِ الْأَعْدَادِ، نَحْوَ: عَشَرَةٍ، وَعِشْرِينَ، وَثَلَاثِينَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَمِنْ نَظَائِرِهَا لَفْظٌ وَاحِدٌ دَالٌّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ، لَكِنْ دَلَالَةً مَحْصُورَةً مَعْلُومَةَ الْمِقْدَارِ وَالنِّهَايَةِ، بِخِلَافِ: الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ دَلَالَتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الِانْحِصَارِ فِي عَدَدٍ مَعْلُومٍ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا هُوَ الْحَدُّ الثَّالِثُ لِلْعَامِّ، وَهُوَ «اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ» فَاللَّفْظُ جِنْسٌ، وَالْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ فَصْلٌ لَهُ عَمَّا لَيْسَ بِمُسْتَغْرِقٍ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، كَالرَّجُلِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ مُعَيَّنٌ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ مَا يَصْلُحُ لَهُ، وَهُوَ سَائِرُ الرِّجَالِ، إِذْ لَفْظُ الرَّجُلِ يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى جَمِيعِ الرِّجَالِ، إِذَا جُعِلَ جِنْسًا. وَعَلَى هَذَا اعْتِرَاضٌ ظَاهِرٌ، وَبِالْجُمْلَةِ ; فَاللَّفْظُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَصْلُحَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شَيْءٍ، فَإِنْ دَلَّ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ ; فَهُوَ الْعَامُّ، وَإِلَّا ; فَلَيْسَ بِعَامٍّ. وَاعْلَمْ أَنَّ عَلَى هَذَا إِشْكَالًا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: الْعَامُّ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ ; إِمَّا أَنْ يُرَادَ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ، أَيْ: يَصْلُحُ

стр. 982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِأَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، أَوْ يُرَادَ مَا يَصْلُحُ مِنْ جِهَةِ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ ; فَالْعَامُّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا لِمَا يَصْلُحُ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، إِذْ كَلُّ لَفْظٍ صَلُحَ لِمُسَمًّى دَلَّ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ لِتَقْيِيدِ اللَّفْظِ بِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقًا، وَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي وَهُوَ صَلَاحِيَتُهُ بِحَسَبِ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ ; فَنَقُولُ: إِنْ أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ بِلَفْظِ جَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ ; فَهُوَ الْعَامُّ كَمَا مَرَّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ بَعْضَ مَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ ; فَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ ; فَالْعُمُومُ فِي اللَّفْظِ لَازِمٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَإِنَّمَا الْخُصُوصُ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ عَلَى تَقْدِيرِ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ بَعْضَهُ. وَقَوْلُهُ: بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ، احْتِرَازٌ مِنَ الْمُشْتَرَكِ، كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ ; فَإِنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ مُسَمَّيَاتِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَضْعٍ وَاحِدٍ، بَلْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ; فَالْقُرْءُ الدَّالُّ عَلَى الْحَيْضِ إِنَّمَا وُضِعَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْقُرْءُ الدَّالُّ عَلَى الطُّهْرِ إِنَّمَا وُضِعَ لَهُ بِوَضْعٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ قَوْلِنَا: الرِّجَالُ، فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ بِوَضْعٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: اللَّفْظُ إِنْ دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا هُوَ الْحَدُّ الرَّابِعُ لِلْعَامِّ، وَبَيَانُهُ بِطَرِيقِ التَّقْسِيمِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّفْظَ إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، أَوْ لَا، فَإِنْ دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، أَيْ: مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ جَمِيعِ مَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ وَحْدَةٍ وَكَثْرَةٍ وَحُدُوثٍ وَقِدَمٍ وَطُولٍ وَقِصَرٍ وَسَوَادٍ وَبَيَاضٍ ; فَهَذَا هُوَ الْمُطْلَقُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَثَلًا مِنْ

стр. 983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَيْثُ هُوَ إِنْسَانٌ، إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى حَيَوَانٍ نَاطِقٍ، لَا عَلَى وَاحِدٍ، وَلَا حَادِثٍ، وَلَا طَوِيلٍ، وَلَا أَسْوَدَ، وَلَا عَلَى ضِدِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ بَعْضِ تِلْكَ. وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ ; فَإِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى وَحْدَةٍ أَوْ وَحَدَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. فَإِنْ دَلَّ عَلَى وَحْدَةٍ ; فَهِيَ إِمَّا مُعَيَّنَةٌ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَهُوَ الْعِلْمُ، أَوْ غَيْرُ مُعَيَّنَةٌ، كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ، وَهُوَ النَّكِرَةُ. وَإِنْ دَلَّ عَلَى وَحَدَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ الْكَثْرَةُ ; فَتِلْكَ الْكَثْرَةُ إِمَّا بَعْضُ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ أَوْ جَمِيعُهَا، فَإِنْ كَانَتْ بَعْضَهَا ; فَهُوَ اسْمُ الْعَدَدِ، كَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ كَانَتْ جَمِيعَ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ ; فَهُوَ الْعَامُّ. فَالْعَامُّ إِذَنْ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ، وَهُوَ أَجْوَدُهَا، أَيْ: أَجْوَدُ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا الْحَدَّ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ التَّقْسِيمَ الصَّحِيحَ يَرِدُ عَلَى جِنْسِ الْأَقْسَامِ، ثُمَّ يُمَيِّزُ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ بِذِكْرِ خَوَاصِّهَا الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا ; فَيَتَرَكَّبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِهِ مِنْ جِنْسِهِ الْمُشْتَرَكِ وَمُمَيِّزِهِ الْخَاصِّ وَهُوَ الْفَصْلُ، وَلَا مَعْنَى لِلْحَدِّ إِلَّا اللَّفْظُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْجِنْسِ وَالْفِعْلِ، وَعَلَى هَذَا ; فَقَدِ اسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ مَعْرِفَةَ حُدُودِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْحَقَائِقِ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ وَالْعَلَمُ وَالنَّكِرَةُ وَاسْمُ الْعَدَدِ. فَالْمُطْلَقُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ وَصْفٍ زَائِدٍ.

стр. 984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْعَلَمُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى وَحْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَالنَّكِرَةُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى وَحْدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ. وَاسْمُ الْعَدَدِ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى بَعْضِ وَحَدَاتِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ، وَالْعَامُّ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُكُمْ: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى جَمِيعِ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ، يَقْتَضِي أَنَّ الْخَاصَّ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى بَعْضِ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ ; لِأَنَّ الْخَاصَّ مُقَابِلُ الْعَامِّ، وَحِينَئِذٍ يَتَّحِدُ حَدُّ الْخَاصِّ وَاسْمُ الْعَدَدِ. قُلْتُ: هُوَ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ فِي الْخَاصِّ هُوَ وَحْدَةٌ وَاحِدَةٌ مُعَيَّنَةٌ أَوْ مَخْصُوصَةٌ، وَفِي اسْمِ الْعَدَدِ هُوَ وَحَدَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ غَيْرُ مُسْتَغْرِقَةٍ ; فَيُزَادُ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ، أَعْنِي حَقِيقَةَ الْخَاصِّ وَاسْمِ الْعَدَدِ، هَذَا الْفَصْلُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ حَدَّ الْعَامِّ الْمَذْكُورَ هُوَ أَجْوَدُ حُدُودِهِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّهُ أَضْبَطُ وَأَحَقُّ، إِذْ هُوَ نَاشِئٌ عَنْ تَقْسِيمٍ دَائِرٍ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَارِدٌ عَلَى جِنْسِ الْأَقْسَامِ، مُلْحَقٌ بِفُصُولِهَا كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ» ، أَيْ: قِيلَ فِي حَدِّ الْعَامِّ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ هُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ فَصَاعِدًا مُطْلَقًا مَعًا، وَاحْتِرَازَاتُهُ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهَا، إِلَّا قَوْلَهُ: مَعًا، وَأَحْسَبُ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ مِنَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، كَالْعَيْنِ وَنَحْوِهِ ; فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ فَصَاعِدًا إِذَا تَكَثَّرَتْ مَوْضُوعَاتُهُ لَكِنْ لَا مَعًا، أَيْ: لَا يُرَادُ جَمِيعُهَا عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، بَلْ بَعْضُهَا عَلَى الْبَدَلِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ الْقَوْلُ الْمُتَعَلِّقُ بِمَعْلُومَيْنِ، أَوِ الْقَوْلُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَصَاعِدًا، ذَكَرَهُ الْكِتَّانِيُّ فِي «الْمَطَالِعِ» وَهُوَ مَعْنَى مَا سَبَقَ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَامَّ هُوَ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ يُفِيدُ تَتَبُّعَهُ فِي مَحَالِّهِ. ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي «التَّنْقِيحِ» وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَدَّاهُ إِلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْغَرِيبَةِ سُؤَالٌ أَوْرَدَهُ هُوَ عَلَى حَدِّ الْعَامِّ الْمُتَدَاوَلِ، وَلَمْ يَرَ أَحَدًا أَجَابَ عَنْهُ، وَبِمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِّ يَنْدَفِعُ ذَلِكَ السُّؤَالُ، ثُمَّ ذَكَرَ السُّؤَالَ وَانْدِفَاعَهُ بِالْحَدِّ الْمَذْكُورِ. وَذِكْرُهُ يَطُولُ هُنَا ; فَلْيُنْظَرْ فِي شَرْحِهِ. قَوْلُهُ: «وَيَنْقَسِمُ اللَّفْظُ إِلَى مَا لَا أَعَمَّ مِنْهُ كَالْمَعْلُومِ، أَوِ الشَّيْءِ، وَيُسَمَّى الْعَامَّ الْمُطْلَقَ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَإِلَى مَا لَا أَخَصَّ مِنْهُ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَيُسَمَّى الْخَاصَّ الْمُطْلَقَ، وَإِلَى مَا بَيْنَهُمَا كَالْمَوْجُودِ وَالْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ النَّامِي وَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ ; فَيُسَمَّى عَامًّا وَخَاصًّا إِضَافِيًّا، أَيْ: هُوَ خَاصٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُ، عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا تَحْتَهُ» . قُلْتُ: هَذَا تَقْسِيمٌ لِلْعَامِّ وَالْخَاصِّ بِحَسَبِ مَرَاتِبِهِ عُلُوًّا وَنُزُولًا وَتَوَسُّطًا ; فَاللَّفْظُ إِمَّا عَامٌّ مُطْلَقٌ، وَهُوَ مَا لَيْسَ فَوْقَهُ أَعَمُّ مِنْهُ، أَوْ خَاصٌّ مُطْلَقٌ، وَهُوَ مَا لَيْسَ تَحْتَهُ أَخَصُّ مِنْهُ، أَوْ عَامٌّ وَخَاصٌّ إِضَافِيٌّ. مِثَالُ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ، الْمَعْلُومُ أَوِ الشَّيْءُ ; لِأَنَّ الْمَعْلُومَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ قَدِيمَهَا وَمُحْدَثَهَا وَمَعْدُومَهَا وَمَوْجُودَهَا لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَالشَّيْءُ يَتَنَاوَلُ الْقَدِيمَ وَالْمُحْدَثَ وَالْجَوْهَرَ وَالْعَرَضَ وَسَائِرَ الْمَوْجُودَاتِ، وَالشَّيْءُ أَخَصُّ مِنَ الْمَعْلُومِ ; لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعْلُومٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَعْلُومٍ شَيْئًا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا: الْمَعْدُومُ شَيْءٌ. وَلِهَذَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّيْءَ قَوْلًا فِي مِثَالِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ ; فَقَالَ: الْعَامُّ يَنْقَسِمُ إِلَى عَامٍّ لَا أَعَمَّ مِنْهُ يُسَمَّى عَامًّا مُطْلَقًا، كَالْمَعْلُومِ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ. وَقِيلَ: الشَّيْءُ، أَيِ: الْعَامُّ
следующие страницы →