← Тараджим

Тараджим · id 10798

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (4 683 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم تقديم عرفت ابن العديم للمرة الاولى عام ١٩٦١، وكنت آنذاك طالبا في قسم التاريخ في جامعة دمشق، وقد عرفته آنئذ من خلال كتابه «زبدة الحلب من تاريخ حلب» ثم مرت الايام فأوفدت لتحضير الدكتوراه في جامعة لندن، وهناك جعلت موضوع أطروحتي البحث في تاريخ إمارة حلب خلال القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر للميلاد، ولدى شروعي بالعمل وجدت أن أهم مصادري المتوفرة هو كتاب «زبدة الحلب»، وعدت الى هذا الكتاب فتعرفت من جديد على محتوياته، وبدأت معرفتي بابن العديم تتأكد وتتأصل، ومن خلال البحث عرفت من مقدمة محققه المرحوم الدكتور سامي الدهان له، ان لابن العديم عددا من المؤلفات أهمها كتاب اسمه «بغية الطلب في تاريخ حلب»، وقد تحدث الدكتور الدهان عن هذا الكتاب ونسخه الخطية وجاء في ثنايا هذا الحديث قوله: «ولن نفيض في وصف هذه النسخ هنا، ولن نبسط طريقتنا في التعرف اليها وترتيبها، وإنما نحيل القارئ الى الجزء الأول من «بغية الطلب»، فنحن نطبعه في القاهرة المعزية، ونصدره بدراسة مطولة يدرك معها القارئ سبب سرورنا، ومبلغ سعادتنا في تسلمها جميعا في القرن الرابع عشر كما ذكرها السخاوي في القرن العاشر (ص:٥٥). وبحثت عن كتاب بغية الطلب في مكتبة المعهد فلم أجده، وعجبت للأمر،

стр. 2

خاصة أن هذا حدث معي عام ١٩٦٧، أي بعد مرور ما يزيد على ست عشرة سنة على نشر المجلدة الأولى من كتاب زبدة الحلب. وبعد بحث طويل تأكد لدي أن الكتاب لم ينشر، ولم يدفع قط لمطبعة، وهنا أخذت أبحث عنه فوجدت المرحوم الأستاذ الطباخ يذكره في كتابه «أعلام النبلاء» انما يبين بأمانة أنه لم يره انما سمع بوجوده في استانبول. وتبعا لهذا يممت وجهي شطر استانبول، وأخذت أبحث عن الكتاب وعن مصادر اضافية أعود اليها أثناء البحث في موضوع اطروحتي، وفي استانبول عرفت بوجود عشر مجلدات من هذا الكتاب جميعها بخط المؤلف، وهي موزعة على ثلاث مكتبات، وتمكنت من الحصول على مصورة لهذه المجلدات. وبعد عودتي الى لندن عرفت أن بين محتويات مكتبة المتحف البريطاني مجلدا من كتاب بغية الطلب، وان المكتبة الوطنية في باريس تحوي أيضا واحدا من أجزاء الكتاب كما أن مكتبة المرحوم داود جلبي في الموصل فيها أحد أجزاء الكتاب، ولدى البحث والمقارنة تبين لي بأن هذه الاجزاء ليست بخط المؤلف وان محتوياتها موجودة بين الاجزاء العشرة التي صورتها من مكتبات استانبول. وفي لندن قرأت أجزاء كتاب بغية الطلب وتعرفت الى محتوياتها، فأدركت مدى أهمية هذا الكتاب وأهمية محتوياته ليس كمصدر لتاريخ شمال بلاد الشام بل كمصدر أساسي لتاريخ بلاد الشام جنوبا وشمالا ثم تاريخ الاسلام بشكل عام، وانه تبعا لهذا ينبغي نشره. وبعد عودتي الى دمشق أخذت أخطط لنشر المجلدات العشرة الموجودة من كتاب البغية، وتأكد لدي أنه لا يوجد في العالم غيرها، ومعروف ان ابن العديم كان قد وضع خطة لكتابة مصنفه هذه في أربعين مجلدة، انما لا ندري هل تمكن

стр. 3

من كتابة مسودة هذه المجلدات جميعا، أم أن المنية حالت بينه وبين ذلك، ثم نحن لا ندري الآن ماذا تحتل المجلدات الموجودة من حجم الكتاب الاصلي، لانها في وضعها الحالي هي على غير الحال التي كانت عليه حين صنفها ابن العديم: «أوراقها مدشوته» وقد أخذ كل جزء من أجزائها مكانا غير مكانه، ويعني هذا انها كانت قبل تسفيرها الاخير عبارة عن مجموعة من الاجزاء والاوراق، وأن الذي تولى تسفيرها لم يكن من ذوي العلم والدراية ليس في نيتي القيام بوصف هذه المجلدات العشر بشكل مسهب في هذا البحث بل أنني سأدع ذلك كله الى بحث متكامل أصنعه عن ابن العديم وعن كتابه بغية الطلب، وسأقوم-بعونه تعالى-بالحاق هذا البحث بفهارس الكتاب العامة وذلك بعد ما أفرغ من نشره. ومن حسن الحظ أن الموجود من كتاب بغية الطلب فيه المجلدة الاولى مع المجلدة الاخيرة منه، وهذا سيمكننا من التعرف على الخطة العامة للكتاب، وهي خطة اقتبسها ابن العديم من كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر، فقد أوقف ابن العديم المجلدة الاولى من الكتاب على الحديث عن فضائل شمالي بلاد الشام مع وصفها الجغرافي وأخيرا أخبار فتوحها على أيدي المسلمين، وبعد ذلك أخذ يترجم لاعلام شمال بلاد الشام ممن ولد هناك أو مر أو سكن أو … ، على حروف المعجم ولم يقتصر على أعلام حقب تاريخ الاسلام بل تناول أعلام ما قبل الاسلام مثل الفيلسوف أرسطو وسواه. ويختلف عمل ابن العديم عن عمل «أستاذه» ابن عساكر، كاختلاف مهنتيهما مع سيرة حياتهما، فابن عساكر كان محدثا أولا وآخرا، وابن العديم كان سياسيا وريث أسرة عريقة جمعت بين العلم والقضاء والحكم والسياسة والتجارة والنشاط الزراعي.

стр. 4

بعد هذا كله أرى من الأحسن التعرف الى الملامح العامة لحياة ابن العديم ومن ثم نعود الى الحديث عن كتابه بغية الطلب. ان مصدرنا الاول والاساسي عن حياة ابن العديم مع تاريخ أسرته هو كتاب بغية الطلب، حيث ضمنه العديد من تراجم أفراد أسرته، كما تحدث هنا وهناك عن نشاطات رجال أسرته في مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للقسم الشمالي من بلاد الشام، وبالاضافة الى هذا المصدر الاساسي نجد ياقوتا الحموي صديق ابن العديم يذكر انه اعتمد في ترجمته له على كتاب اسمه «الاخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة»، وقال ياقوت: «أنا سألته جمعه فجمعه لي، وكتبه في نحو أسبوع، وهو عشرة كراريس». وابن العديم هو الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله … بن أبي جرادة، وقد ولد في مدينة حلب في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة للهجرة وعندما بلغ السابغة من عمره حمل الى المكتب للدراسة، وهناك ظهرت استعداداته مما بشر بنبوغه المبكر، وقد كان نحيف البنية لذلك عني به أبوه عناية كبيرة، فحدب على رعاية صحته، وسهر على تربيته وتعليمه، ونظرا لمنزلة والده ولما تمتعت به أسرته من مكانة نال ابن العديم حظه وافيا من معارف عصره الدينية والدنيوية، ويروى بأن أباه حضه على اتقان قواعد الخط، ذلك أنه-أي الاب- كان رديء الخط، فأراد أن يجنب ابنه هذه الخلة، ونجح في هذا المجال نجاحا كبيرا للغاية، وقد وصف ياقوت اتقان ابن العديم لقواعد الخط العربي بقوله: «وأما خطه في التجويد والتحرير والضبط والتقييد فسواد ابن مقلة، وبدر ذو كمال عند علي بن هلال»، ويؤكد شهادة ياقوت هذه المجلدات العشرة من كتاب بغية الطلب التي وصلتنا بخط ابن العديم، حيث نرى فيه واحدا من ألمع النساخ في تاريخ العربية وأكثرهم ضبطا وبراعة وأمانة ويقظة ودراية.

стр. 5

وفي باب العناية في انشاء ابنه وتثقيفه صحب أحمد بن هبة الله ولده عمر في رحلاته وأسفاره، حيث زار دمشق أكثر من مرة كما زار بيت المقدس ورحل الى العراق والحجاز. وعندما بلغ سن الشباب وجد ابن العديم السبل أمامه كلها مفتوحة لمستقبل لامع، وكان لمواهبه وثقافته وأسرته الفضل الأكبر في تحقيق نجاحاته، وهنا يحسن التوقف قليلا للتعرف الى أسرة ابن العديم، وذلك قبل متابعة الحديث عن مراحل حياته: يعرف الجد الأعلى للصاحب كمال الدين باسم ابن أبي جرادة، وكان صاحبا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ينتسب الى ربيعة من عقيل احدى كبريات قبائل عامر بن صعصعة العدنانية، وكان يقطن مدينة البصرة، وفي هذه المدينة عاش أولاد آل أبي جرادة وأحفادهم، وفي مطلع القرن الثالث للهجرة قدم أحد أفراد أسرة أبي جرادة الى الشام في تجارة وكان اسمه موسى بن عيسى وحدث آنئذ أن ألم بالبصرة طاعون، لهذا قرر موسى البقاء في الشام، واستوطن مدينة حلب، وفي هذه المدينة التي كانت عاصمة شمال بلاد الشام، ومفتاح الطريق الى العراق وبلاد المشرق الاسلامي مع آسية الصغرى والأراضي البيزنطية، فيها خلف موسى بن عيسى أسرة نمت مع الأيام عددا ومكانة وثروة وشهرة، وتملكت هذه الأسرة الأملاك، كما ساهمت في جميع ميادين الحياة في حلب من سياسة وعلم وقضاء وادارة وتجارة وغير ذلك، وبهذا غدت أسرة آل أبي جرادة من أبرز أسر حلب، وظلت هكذا حتى حل بحلب الدمار على أيدي جيوش هولاكو، كما ظلت محتفظة باسمها ذاته طوال تاريخها، انما في القرن الأخير من حياتها كسبت اسما اضافيا، أخذ رويدا يعم في الاستعمال أكثر من الاسم الأصيل، لكنه لم يلغه، وكان الاسم الجديد هو «العديم»، ونحن لا نملك تعليلا لسبب هذه التسمية، فقد قال ياقوت: «سألته

стр. 6

أولا لم لم سميتم ببني العديم؟ فقال: سألت جماعة من أهلي عن ذلك فلم يعرفوه وقال: هو اسم محدث لم يكن آبائي القدماء يعرفون بهذا». ودانت أسرة ابن أبي جرادة بالتشيع حسب مذهب الإمامية، وظلت هكذا حتى بدأ التشيع بالانحسار في حلب، وذلك منذ النصف الثاني للقرن الخامس/الحادي عشر، وهذا وان كنا نعرف بالتحديد تاريخ أخذ هذه الأسرة بمذاهب السنة أمكننا أن نقدر ذلك، بحكم سقوط سلطة الشيعة في حلب مع عصر السلطان السلجوقي ألب أرسلان (وهو أمر بحثته بالتفصيل في كتابي مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية) ونظرا لعلاقات أسرة آل أبي جرادة الخاصة مع سلطات حلب، لابد أن الحال اقتضى المسايرة والتحول الى السنة، ولربما حسب المذهب الحنفي. وفي عودة نحو سيرة الصاحب كمال الدين نجدة يحدثنا بأن والده خطب له وزوجه مرتين، فقد أخفق في الزواج الأول، لذلك طلق زوجته وتزوج ثانية بابنة الشيخ الأجل بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله-المعروف بالعجمي، وكان شيخ أصحاب الشافعي ومن أعظم أهل حلب منزلة وقدرا وثروة ومكانة سياسية ودينية واجتماعية، ومن زواجه الثاني رزق الصاحب كمال الدين أولاده، ولم يمت والده حتى كان ابنه أحمد طفلا يدب على الأرض، ويمكننا التعرف الى هذا الابن من خلال استعراضنا لكتاب بغية الطلب حيث سمع الكتاب على أبيه وقام بعد وفاة والده باستدراك بعض المواد التي حالت المنية بين والده وبين تدوينها في كتابه، فمن المقرر أن ابن العديم مات دون أن يقوم باعادة النظر في مؤلفه «بغية الطلب»، ولم يقم بتبييضه، والذي وصلنا هو مسودة الكتاب، انما نظرا لبراعة المؤلف وحسن طريقته وجودة خطه، نرى أن مكانة الكتاب وأهميته هي هي، ذلك أن أهمية الكتاب نابعة مما حواه من مواد تاريخية نهلها ابن العديم من وثائق ومصنفات غيبها الزمن عنا، فابن العديم كان مصنفا ممتازا ولم يكن «مؤرخا»

стр. 7

حسب مصطلحات أيامنا هذه، فهو قد جمع في كتابه المواد الاخبارية ونسقها، لكنه لم يحاول تعليلها ومعالجتها كما يفعل الباحث في التاريخ في جامعات أيامنا هذه ومنذ أن بلغ الصاحب كمال الدين سن الشباب أخذ يشارك في الحياة السياسية والعلمية لمدينة حلب، فقد كان يحضر مجلس الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب-فيكرمه ويقربه ويقبل عليه أكثر من اقباله على غيره على الرغم من صغر سنه، وفي ذي الحجة سنة ست عشرة وستمائة ولي ابن العديم أول عمل رسمي لقد ولي التدريس في مدرسة شاذبخت وكانت من أجل مدارس حلب وأرقاها، كل «هذا وحلب أعمر ما كانت بالعلماء والمشايخ، والفضلاء الرواسخ، الا أنه رؤي أهلا لذلك دون غيره، وتصدر، وألقى الدرس بجنان قوي، ولسان لوذعي، فأبهر العالم وأعجب الناس» (ياقوت:١٦/ ٤٤)، ويبدو أنه تولى بعد هذه المدرسة التدريس بالمدرسة الحلاوية، التي كانت أجل مدارس حلب، وهي مدرسة ما زالت قائمة حتى الآن، تعلو واحدا من جدارنها لوحة حجرية كتبها ابن العديم بخطه. ومع مرور الأيام علت مكانة ابن العديم، فسفر عن ملوك حلب الى ملوك الدول المجاورة في بلاد الشام والجزيرة وآسية الصغرى، والى سلاطين القاهرة وخلفاء بغداد، وكانت خزائن كتب ووثائق كل بلد زارها تحت تصرفه، فنهل منها ما لم ينهله سواه، وأودع جل ذلك في كتابه بغية الطلب، ومن هذه الزاوية يمكن أن نرى أهمية هذا الكتاب، ومن ناحية أخرى يمكننا أن نرى المدن الذي وصلت اليه خزائن المشرق العربي قبيل وقوع الطامة الكبرى على يد المغول بسنوات. وفي كل مكان زاره ابن العديم كان يلقى الحفاوة من رجال السلطة، وكان في الوقت نفسه يلتقي بالعلماء وشيوخ العصر فيأخذ عنهم، ولقد أودع ما أخذه عن علماء عصره، وما رآه من أحداث أو شارك به، أودعه في كتابه بغية الطلب، حتى غدا هذا الكتاب أشبه بمنجم للمعلومات لا ينضب معينه.

стр. 8

وظل نجم ابن العديم يصعد في سماء السياسة في حلب وسواها حتى وصل الى مرتبة الوزير، ولكن مشاغل السياسة والحياة العامة لم توقف العمل الفكري ولم تعطله، وهكذا صنف ابن العديم عددا كبيرا من الكتب، غلب على معظمها سمة التاريخ، ولعل أشهر كتبه «كتاب زبدة الحلب من تاريخ حلب» و «كتاب الانصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري»، وكتابنا الذي نتحدث عنه اليوم، وقد طبع كتاب الزبدة في أجزاء ثلاثة في دمشق، أما كتاب «الانصاف» فقد طبعت قطعة منه للمرة الأولى بحلب ثم أعيد طبعها في القاهرة، وأقول قطعة ذلك أن الكتاب لم يصلنا كاملا بشكل مباشر. وعند ما قلت بشكل مباشر أردت أن أقول بأن الكتاب وصلنا بشكل غير مباشر، فواحد من أحفاد ابن العديم ممن عاش بعد جده في القاهرة، صنف كتابا حول القاضي الفاضل دعاه باسم «سوق الفاضل في ترجمة القاضي الفاضل»، وتوجد من هذا الكتاب نسخة خطية في مكتبة شيخ الاسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وفي ثنايا الكتاب ورد في احدى رسائل القاضي الفاضل بيت من شعر المعري، وأراد حفيد ابن العديم أن يعرف بالمعري، فقال: قال جدي في كتابه الانصاف والتحري، وأثبت نص الكتاب بكماله، ويوجد هذا الكتاب مصورا على شرايط في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة سابقا. ويعود سبب انتقال ابن العديم الى القاهرة، الى تعرض مدينة حلب الى الدمار سنة ٦٥٧ هـ على يد جيوش هولاكو، وكان ابن العديم غادر مدينته الى دمشق، ثم منها الى غزة فالقاهرة، ويبدو أنه عاد بعد عين جالوت الى دمشق، وربما أراد التوجه الى حلب، أو توجه اليها فعلا ليعاين الدمار الذي لحقها، وفي أثناء ذلك عرض عليه هولاكو منصب قاضي حلب، فرفض، وعاد الى القاهرة، حيث أمضى بقية حياته، وقد وافته منيته في مصر في العشرين من جمادى الأولى سنة ستمائة وستين للهجرة.

стр. 9

ان التشتت الذي لحق بابن العديم في سنوات حياته الأخيرة، ثم ما آلت اليه الحال في بلاد الشام، قد ترك أبعد الآثار على مكتبة ابن العديم مع مؤلفاته، وخاصة كتابه «بغية الطلب»، فاذا قبلنا فرضا بأن ابن العديم قد أنجز تسويد مؤلفه، من المؤكد أنه لم يتمكن من تبييضه وبالتالي لم تقم أمام الكتاب الفرصة لنسخه وتداوله. ان من يقرأ بعض المتبقي من كتاب «بغية الطلب» يدرك عظمة ابن العديم، فيرى فيه أعظم مؤرخ أنجبته بلاد الشام بلا منازع، وبلا شك علما بارزا للغاية بين أعلام فن التأريخ الاسلامي، ومن هذا المنطلق رأيت من المتوجب العمل في سبيل تحقيق الكتاب ونشره، وبالفعل فرغت عام ١٩٧٢ من تحقيق المجلدة الأولى من الكتاب وتوزيعه ضمن شروط تصون الكتاب وتبعده عن طرائق الوراقين في النشر، فلم أوفق، وكانت القضية بحاجة الى مساعدة من جهة حكومية أو غير حكومية، ولقد رأيت في المبادرات التي تمت تجاه تاريخ ابن عساكر ما يشجع، انما بعد اطلاعي على التجربة، ملت نحو عدم طلب المساعدة الحكومية، فأنا شخصيا أرى في التراث شيئا مقدسا، انه يحوي النتاج الفكري لأمتي خلال أجيال وهذا النتاج جزء من الماضي، ولا يجوز أن نطلب من الماضي أكثر من الماضي، وانه لإثم عظيم أن يبعث بتراثنا، وانه لكفر ما بعده كفر أن يلقي التراث المعاملة التي يلقاها الآن من الوراقين ومن أنصاف المتعلمين فالذي يحل بالتراث الآن على أيديهم أعظم شناعة من جريمة هولاكو وجنده. ومرت الايام وشغلت بالأعمال الجامعية وباخراج عدد من الكتب لكن بقي كتاب البغية ماثلا أمامي يطالبني بنشره، وسافرت الى المغرب وحملت الكتاب معي الى فاس حيث تابعت العمل في نسخه، وبعد عودتي من المغرب شغلت مجددا في اخراج عدد من الكتب، ومع حلول عيد الاضحى الماضي عقدت العزم مجددا على

стр. 10

تحريك محاولات نشره فتوجهت نحو الرئيس المناضل حافظ الاسد بالتمني عليه رعاية مشروع احياء هذا الكتاب، وتحققت الأمنية، ولا عجب في ذلك فالرئيس الاسد هو باعث أمجاد هذه الأمه والمحامي عن هويتها وتراثها وأصالتها والساعي بإيمان راسخ في سبيل وحدتها وتحرير أراضيها المغتصبة. فله شكري وعظيم امتناني وليكتب له الخلود خلود أمتنا العظيمة وتراثها ورسالتها التي هو راعيها وأمينها. توجد مخطوطة المجلدة الأولى من كتاب «بغية الطلب» في خزانة جامع أيا صوفيا باستانبول وهي نسخة فريدة بالعالم، لا نعرف بوجود نسخة أخرى عنها، وجاءت هذه النسخة-كما سلفت الاشارة-بخط المؤلف، وتحوي مائتين واحدى وعشرين ورقة من الكتاب، ألحق بها بضع أوراق عليها ملاحظات وتمليكات كتبت بشكل أخص من قبل متملك النسخة الأخير في القرن التاسع للهجرة واسمه محمد بن محمد بن السابق الحموي الحنفي، وسألحق نصوص هذه الملاحظات والتمليكات بهذه المقدمة. ان النسخة التي بين أيدينا هي بلا شك تشكل المجلدة الأولى من كتاب بغية الطلب حسب خطة المؤلف، وحسب الموجود بين أيدينا الآن، وهذا أمر لا نستطيع تقريره بالنسبة للمجلدات الأخرى من الكتاب اللهم الا بالنسبة للمجلدة الثامنة من مجلدات مكتبة أحمد الثالث باستانبول، حيث أعتقد أنها تحوي نص المجلد الأخير من الكتاب، أي المجلدة الأربعين اذا صح خبر تصنيف ابن العديم لكتابه في أربعين مجلدة. وقد وصلتنا نسخة المجلدة الأولى ناقصة الأول والآخر، فقد من أولها جزء واحد فيه ما لا يقل عن عشر أوراق، ولا بد أنه حوى خطبة الكتاب مع بداياته، هذا

стр. 11

ومن الصعب تحديد كمية الأوراق الناقصة من آخر المجلدة، انما يخيل لي أنها ليست كثيرة، ربما تماثل ما نقص من المطلع تقريبا. هذا ولم تكن مشكلة النقص هي المشكلة الوحيدة التي أصابت هذه المجلدة، بل-كما سبق وأشرت-اضطربت أجزاء الكتاب وتداخلت الأوراق، ولقد قمت باعادة ترتيب أوراق هذه المجلدة بشكل متيقن من صحته، انما باستثناء ورقة واحدة لم أهتد الى مكانها لذلك ألحقتها بآخر الكتاب، والذي مكنني من اعادة ترتيب الكتاب هو الترابط بين الموضوعات، علما بأن ابن العديم لا يستخدم «الرقاص» في نهاية الصفحات، يضاف الى ذلك أن ابن العديم سمع الكتاب من أولاده، وتم السماع عبر عدة مجالس، وكان من حسن الحظ أن قام المؤلف بتدوين تاريخ كل مجلس سماع، ولقد مكن وجود التواريخ المتلاحقة من اعادة ترتيب الكتاب، ويكفي هنا أن نضرب بعض الأمثلة على حالة الاضطراب التي كانت مسيطرة على الكتاب، فالورقة رقم/١/الآن كانت من قبل تحمل رقم/٤٧/ورقم/٢٧/الآن كانت من قبل تحمل رقم/٧٣/والورقة رقم/١٥٧/كانت من قبل تحمل رقم/١٠/ وهكذا وعلى العموم وصلنا كتاب بغية الطلب بحالة لا بأس بها، انما لا بد من أن نشير الى مسألة هامة، وهي أنه برغم جودة خط ابن العديم وضبطه، فقد كان من عادته الاقلال من استخدام التنقيط، وهذا الحال عبارة عن مزلقة كبيرة تقود الى التصحيف، ان لم يتم العمل بحذر شديد مع الاستعانة بالمصادر اللازمة. لقد أنجزت تحقيق القسم الأعظم من مجلدات بغية الطلب، وقمت أثناء عملي باعادة ترتيب أوراق كل جزء منها لأنها كانت «مدشوتة» وها أنا ذا أدفع بالمجلدة الأولى الى النشر وكلي أمل وعزم بأن ينجز العمل في أقل من عامين ان شاء الله تعالى وأعان، فقد زالت الآن جميع العوائق في وجه النشر.

стр. 12

ان المنهج الذي اتبعته في تحقيق كتاب بغية الطلب، استهدف أولا ضبط نصه، واخراجه بالصورة التي ابتغاها مؤلفه، مع الاقلال الى أكبر الحدود من الحواشي، وفقط اثبات الضروري منها، هذا ومن الملاحظ أن ابن العديم نهل جل مواد كتابه من مصادر متوفر بعضها وبعضها الآخر هو في حكم المفقود، أو من المتعذر الوصول اليه، ولقد قمت بتخريج النصوص التي تمكنت من الوقوف على أصولها، ونبهت الى الفوارق ان وجدت، ولقد تجلى لدي أثناء عمليات التخريج مدى دقة ابن العديم، وعلو أمانته، وخلصت الى نتيجة هامة مفادها أن «نقول ابن العديم» يمكن اتخاذها مرجعا للضبط والتصحيح، ولا شك أن هذا يزيد من قيمة كتاب بغية الطلب وقيمة محتوياته. ولقد ارتأيت في البداية القيام بالتعريف بأصحاب المصادر التي نقل منها ابن العديم ولكنني أقلعت عن ذلك، كيما لا أثقل الحواشي وأتجنب عمليات التكرار، ورأيت الاستعاضة عن ذلك أثناء وضع الفهارس العامة للكتاب، بوضع فهرس على قاعدة-الببلوغرافيا-أوضح فيه مصادر ابن العديم بذكر اسم المؤلف وسنة وفاته، مع اسم كتابه أو كتبه المنقول عنها مع موضوعات النصوص المنقولة، وأخيرا أرقام الصفحات والمجلدات التي جاءت فيها بعد طباعة كتابة البغية، وأملي كبير بأن يأتي هذا الفهرس كمفتاح عام للكتاب، وأن يكون فيه بعض التجديد بالنسبة لأعمال تحقيق النصوص خاصة الطويلة منها (١). _________ (١) -لقد الحق بالمجلدة الاولى من الكتاب بضع أوراق فيها ملاحظات وتمليكات، ومعظم الملاحظات كتبت من قبل الجمال بن السابق الحموي، الذي كان من أصحاب السخاوي، وقد أتى على ذكره في كتابه الاعلان بالتوبيخ (ص:١٤٤. من طبعة القدسي) ونظرا لاهمية هذه الملاحظات لانها ارتبطت بترجمة لابن العديم ثم لتعلقها بفن التاريخ ولانها حوت ترجمة قصيرة للشريف الادريسي صاحب نزهة المشتاق الذي زار حلب فترجم له الصاحب كمال الدين ابن العديم، وقام ابن السابق بدوره بالاقتباس من هذه الترجمة كما هو مرجح، يضاف الى هذا ان ابن السابق ذكر في

стр. 13

كتب ابن السابق الحموي بخطه على الصفحة الأولى: ١ - نوبة جمال غفرانه تعالى محمد بن محمد بن السابق الحنفي عفا الله عنهم أجمعين، بالقاهرة المحروسة في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الآخر في سنة ست وخمسين وثمانمائة، أحسن الله عاقبتها في خير آمين. ٢ - يقول كاتب هذه الأحرف فقير عفو الله تعالى محمد بن محمد بن محمد بن الحموي الحنفي عامله الله بلطفه الخفي: انه يروي تاريخ حلب للصاحب كمال الدين عمر بن أحمد المعروف بابن أبي جرادة وبابن العديم عن الشيخ تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي، مؤرخ الديار المصرية، عن ناصر الدين محمد الهواري الطبردار عن الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي عن مصنفه الصاحب كمال الدين بن العديم تغمدهم الله تعالى برحمته ورضوانه. ٣ - وجاء أيضا على الصفحة الثانية بخط ابن السابق: ١ - عمر بن أحمد بن أبي الفضل هبة الله بن أبي غانم محمد بن هبة الله بن قاضي حلب أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن هرون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل. _________ (١) احدى الملاحظات تلقيه الكتاب من المقريزي مؤرخ مصر الاسلامية. والمقريزي نهل من كتاب ابن العديم ما شاء له القدر، لكن كما هي عادته لم يشر الى الكتاب، فهو نادرا ما يشير الى مصادره، وما يرد احيانا في نصوصه من ذكر لبعض المصادر، ينبغي الا يلتبس على القارئ، فالمصادر ليست مصادره، بل مصادر صاحب النص المنقول عنه، ووضح هذا الامر لدي أثناء عملي في كتاب «المقفى» للمقريزي الذي شرع في تصنيفه اواخر حياته، وأراد ان يجعله مشابها لتاريخ دمشق وبحجمه، لكن المنية لم تسعفه، وعندي الان نسخة مصورة من هذا الكتاب فيها خمس مجلدات، أربع منها بخط المقريزي وقد عملت في هذا الكتاب، ونشرت بعض مواده، وفي نيتي أن أنشر مزيدا من مواده قريبا فأعالج هذه المسألة بشكل أوفى. لهذا كله رأيت مفيدا الحاق مقدمتي هذه بما دونه ابن السابق.

стр. 14

الصاحب العلامة، رئيس الشام كمال الدين أبو القاسم الهواري العقيلي الحلبي، المعروف بابن العديم. ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة وتوفي سنة ستين وستمائة، وسمع من أبيه ومن عمه أبي غانم محمد، وابن طبرزد، والافتخار، والكندي، وابن الحرستاني، وسمع جماعة كثيرة بدمشق، وحلب، والقدس، والحجاز، والعراق، وكان محدثا حافظا، مؤرخا صادقا، فقيها، حنيفا، مفتيا، منشيا بليغا، كاتبا مجودا، درس وأفتى، وصنف وترسل عن الملوك، وكان رأسا في الخط المنسوب اليه بالنسخ والحواشي. أطنب الحافظ شرف الدين الدمياطي في وصفه، وقال: ولّي قضاء حلب خمسة من آبائه متتالية، وله الخط البديع، والخط الرفيع، والتصانيف الرائقة، منها تاريخ حلب، أدركته المنية قبل إكمال تبييضه، وروى عنه الدواداري وغيره، ودفن بسفح المقطم بالقاهرة. قال ياقوت: سألته لم سميتم ببني العديم؟ فقال: سألت جماعة من أهلي عن ذلك فلم يعرفوه، وقال: هو اسم محدث لم يكن آبائي القدماء يعرفون به، ولم يكن في نساء أهلي من يعرف بهذا، ولا أحسب الا أن جدّ جدي القاضي أبا الفضل هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة-مع ثروة واسعة، ونعمة شاملة-كان يكثر في شعره من ذكر العدم، وشكوى الزمان، فان لم يكن هذا سببه، فلا أدري ما سببه. قال: ختمت القرآن ولي تسع سنين، وقرأت بالعشر ولي عشر سنين، ولم أكتب على أحد مشهور، الا أن تاج الدين محمد بن أحمد بن البورنطي البغدادي ورد الينا الى حلب، فكتبت عليه أياما قلائل، لم يحصل منه فيها طائل، وله كتاب «الدراري في ذكر الذراري» جمعه للملك الظاهر، وقدمه اليه يوم ولد ولده

стр. 15

الملك العزيز، وكتاب «ضوء الصباح في البحث على السماح» صنفه للملك الأشرف، وكتاب «الأخبار المستفادة في ذكر بني أبن جرادة» وكتاب «في الخط وعلومه ووصف آدابه وطروسه وأقلامه» وكتاب «دفع التجري على أبي العلاء المعري» وكتاب «الإشعار بما للملوك من النوادر والأشعار». وممن كتب اليه يسترفده سعد الدين منوجهر الموصلي، وأمين الدين ياقوت المعروف بالعالم ومنوجهر ياقوت الكاتب الذي يضرب به المثل. وكان في بعض سفراته يركب في محفة تشد له بين بغلين، ويجلس فيها ويكتب، وقدم الى مصر رسولا، والى بغداد، وكان اذا قدم مصر يلازمه أبو الحسين الجزار، وله فيه مدائح. ٤ - وجاء على الصفحة الثالثة بخط ابن السابق أيضا: ١ - للادريسي: اذا عرف الانسان أخبار من مضى … توهمته قد عاش من أول الدهر وتحسبه قد عاش آخر دهره … الى الحشر إن أبقى الجميل مع الذكر فقد عاش كل الدهر من كان عالما … كريما حليما فاغتنم أطول العمر ٢ - محمد بن محمد بن عبد الله بن ادريس بن يحيى بن علي بن حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن ادريس (بن ادريس) بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الشريف الادريسي، مؤلف كتاب رجّار، الفرنجي صاحب صقلية، وكان أديبا، ظريفا، شاعرا، مغوى بعلم جغرافيا، صنف لرجّار الكتاب المذكور، ومن شعر الادريسي المذكور: ليت شعري أين قبري … ضاع في الغربة عمري لم أدع للعين ما تشتاق … في برّ وبحر

стр. 16

وخبرت الناس والأر … ض لدى خير وشر لم أجد جارا ولا دارا … كما في طيّ صدري فكأني لم أسر … ألا بميت أو بقفر ٣ - لأبي الخطاب محمد بن محمد بن أحمد البطائحي-روى شعره ابن النجار عن ثلاثة عنه: يا راقد العين عيني فيك ساهرة … وفارغ القلب منك منك ملآن إني أرى منك عذب الثغر عذبني … وأيقظ الجفن جفن منك وسنان أخذ هذا المعنى شهاب الدين أحمد بن عبد الملك العزازي أحد من روى عنه الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، فقال في قصيدته التي أولها: دمي بالحلال ذات الخال مطلول … وجيش صبري مهزول ومغلول منها: يا راقد العين عيني فيك ساهرة … وفارغ القلب قلبي منك مشغول فغير القافية لا غير. ٥ - وجاء على الصفحة الرابعة بخط ابن السابق أيضا: ١ - فصل في فوائد التاريخ منها واقعة رئيس الرؤساء مع اليهودي الذي أظهر كتابا، زعم أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خبير، وفيه شهادة جماعة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب ﵁، فحمل الكتاب الى رئيس الرؤساء، ووقع الناس في حيرة، فعرضه على الحافظ أبي بكر خطيب بغداد، فتأمله ثم ألقاه، وقال: هذا مزوّر، فقيل له: من أين لك كل ذلك؟ فقال: فيه

стр. 17

شهادة معاوية، وهو أسلم عام الفتح، وفتوح خيبر قبل ذلك سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو مات يوم بني قريظة قبل خيبر بسنتين، ففرج ذلك عن المسلمين غما. وروي عن اسماعيل بن عياش أنه قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: ها هنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فأتيته فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة ثلاث عشرة-يعني ومائة-فقلت: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين لأن خالدا مات سنة ست ومائة. وروي عن الحاكم أبي عبد الله أنه قال: لما قدم علينا أبو جعفر محمد بن حاتم الكشي-بالشين والسين معا-وحدّث عن عبد بن حميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا هذا يزعم أنه سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة. وذكر قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان، قال: وجدت في كتاب الشامل في أصول الدين لإمام الحرمين، وذكر طائفة من الثقات الأثبات: إن هؤلاء الثلاثة تواصوا على قلب الدول، والتعرض لإفساد المملكة، واستعطاف القلوب واستمالتها، وارتاد كل واحد منهم قطرا. أما الجنابي فأكناف الأحساء، وابن المقفع توغل في أطراف بلاد الترك، وارتاد الحلاج بغداد، فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن درك الأمنية لبعد أهل العراق عن الانخداع، هذا آخر كلام إمام الحرمين. ثم قال شمس الدين بن خلكان: وهذا لا يستقيم عند أرباب التواريخ، لعدم اجتماع الثلاثة المذكورين في وقت واحد. أما الحلاج والجنّابي فيمكن اجتماعهما، ولكن لا أعلم هل اجتمعا أم لا، وذكر وفاة الحلاج في سنة تسع وثلاثمائة، وذكر

стр. 18

وفاة الجنابي في سنة احدى وثلاثمائة، وذكر ابن المقفع فقال: كان مجوسيا، وأسلم على يد عيسى بن علي عم السفّاح والمنصور، وكتب له، واختص به، وذكر أنه قتل في سنة خمس وأربعين ومائة. ثم ان ابن خلكان قال: لعل إمام الحرمين أراد المقنع الخراساني، وانما الناسخ حرّف عليه، ثم فكرت في أن ذلك أيضا لا يصح، لأن المقنع الخراساني قتل نفسه بالسم في سنة ثلاث وستين ومائة، ثم قال: واذا أردنا تصحيح ما ذهب اليه إمام الحرمين فلا يكون الا ابن الشلمغاني لأنه أحدث مذهبا عاليا في التشيع والتناسخ، وأحرق بالنار سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. ٢ - فائدة: رأيت مشايخ الكتابة لا يشكلون الكاف اذا وقعت آخرا، ولا يكتبونها مجلسة، أما اذا وقعت أولا وفي بعض الكلمة حشوا فانهم يجلسونها ويشكلونها بردة الكاف، ورأيتهم لا يجوزون في السطر الواحد أكثر من ثلاث مدّات، فأما الكلمة نفسها فلا يمدون فيها الا بعد حرفين، ويعدون ذلك كله من لحن الوضع في الكتابة. ٣ - فائدة اخرى: لا تنقط القاف ولا النون ولا الياء اذا وقعت أواخر الكلم. برهانه أن الإعجام إنما أتي به للفارق، فان صورة الباء والتاء والثاء، والحاء والخاء، والدال والذال، متشابهة، والقاف والنون والياء آخر الكلمة لا تشبهها صورة أخرى، أما اذا وقعن في بعض الكلمات وجب نقطهن لأن الفارق بطل. ٤ - فائدة اخرى: لا يكتب المضاف في آخر السطر الأول، ويبتدأ بالمضاف إليه في السطر الثاني

стр. 19

كعبد الله، وأبي بكر، والمغاربة يفعلون ذلك، وليس بحسن، وأبلغ من هذا أن يكتبوا الكلمة الواحدة مفصولة الحروف في السطرين، كالزاي، والياء، والدال، والواو، في السطر الأول آخرا، والنون من تتمة زيدون في أول السطر الثاني، وهو أقبح من الأول. ٦ - وجاء على الصفة الخامسة بخط ابن السابق أيضا: ١ - فائدة ينبغي للمؤرخ حفظها والعمل بها ينبغي للمؤرخ أن يقدم اللقب على الكنية، والكنية على العلم، ثم النسبة الى البلد، ثم الى الأصل، ثم الى المذهب في الفروع، ثم الى المذهب في الاعتقاد، ثم الى العلم، أو الصناعة، والخلافة أو السلطنة، أو الوزارة، أو القضاء، أو الإمرة، أو المشيخة، أو الحج، أو الحرفة، كلها تقدم على الجميع، فتقول في الخلافة: أمير المؤمنين الناصر لدين الله، أبو العباس السامري، إن كان ولد بسر من رأى، البغدادي، فرقا بينه وبين الناصر الأموي صاحب الأندلس، الحنفي الماتريدي، إن كان يتمذهب في الفروع بفقه أبي حنيفة، ويميل في الاعتقاد الى أبي منصور الماتريدي، ثم يقول القرشي الهاشمي. ويقول في السلطنة: السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس الصالحي-نسبة الى أستاذه الملك الصالح-التركي، الحنفي، البندقدار، أو السلاح دار. وتقول في الوزراء: الوزير فلان الدين أبو كذا فلان، وتسرد الجميع كما تقدم، ثم تقول: وزير فلان. وتقول في القضاة كذلك: القاضي فلان الدين، وتسرد الباقي كما تقدم.

стр. 20

وتقول في الأمراء كذلك: الأمير فلان الدين وتسرد الباقي الى أن تجعل الآخر وظيفته التي كان يعرف بها قبل الإمرة، مثل الجاشنكير، أو الساقي، أو غيرهما. وتقول في أشياخ العلم: العلامة، أو الحافظ، أو المسند، فيمن عمّر وأكثر الرواية، أو الإمام، أو الشيخ، أو الفقيه، وتسرد الباقي الى أن تختم الجميع: بالأصولي أو النحوي أو المنطقي. وتقول في أصحاب الحرف: فلان الدين، وتسرد الجميع الى أن تقول الحرفة، إما البزاز أو العطار، أو الخياط. فان كان النسب الى أبي بكر الصديق ﵁، قلت: القرشي، التيمي، البكري، لأن قرشيا أعم من أن يكون تيميا، والتيمي أعم من أن يكون من ولد أبي بكر ﵁. وإن كان النسب الى عمر بن الخطاب ﵁، قلت: القرشي، العدوي، الأموي، العثماني، وان كان النسب الى علي بن أبي طالب ﵁، قلت: القرشي، الهاشمي، العلوي، وان كان النسب الى طلحة ﵁، قلت: القرشي، التيمي، الطلحي، وان كان النسب الى الزبير ﵁، قلت: القرشي، الأسدي، الزبيري، وان كان النسب الى سعد بن أبي وقاص ﵁، قلت: القرشي، الزهري، السعيدي، وان كان النسب الى سعيد ﵁، قلت: القرشي، العدوي، السعيدي، إلا أنه ما نسب اليه فيما أعلم. وإن كان النسب الى عبد الرحمن بن عوف ﵁، قلت: القرشي، الزهري، العوفي من ولد عبد الرحمن بن عوف ﵁، وان كان النسب الى أبي عبيدة بن الجراح ﵁، قلت: القرشي، من ولد أبي عبيدة، على أنه ما أعقب. هذا والذي ذكر هو القاعدة المعروفة، والجادة المسلوكة المألوفة عند أهل العلم،

стр. 21

وان جاء في بعض التراجم ما يخالف ذلك من تقديم وتأخير، فانما هو سبق قلم، وذهول من الفكر، وانما قررت هذه القاعدة ليرد ما خالف الأصل اليها، وبالله التوفيق. ٢ - فائدة أخرى: كلما رفع المؤرخ في أسماء الآباء والنسب، وزاد في ذلك، انتفع به، وحصل له الفرق بين المترجمين، فقد حكم أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني، قال: حججت في سنة، وكنت بمنى أيام التشريق، فسمعت مناديا ينادي: يا أبا الفرج، فقلت: لعله يريدني، ثم قلت: في الناس كثير ممن يكنى أبا الفرج، فلم أجبه، ثم نادى: يا أبا الفرج المعافى، فهممت بإجابته، ثم قلت: قد يكون اسمه المعافى وكنيته أبا الفرج، فلم أجبه، فنادى: يا أبا الفرج المعافى بن زكريا، فلم أجبه، فنادى: يا أبا الفرج المعافى بن زكريا النهرواني، فقلت: لم يبق شك في مناداته إياي، إذ ذكر كنيتي، واسمي، واسم أبي، وبلدي، فقلت: ها أناذا، فما تريد؟ فقال: لعلك من نهروان الشرق؟ فقلت: نعم، فقال: نحن نريد نهروان الغرب، فعجبت من اتفاق ذلك. انتهى. وكذلك الحسن بن عبد الله العسكري أبو أحمد اللغوي صاحب كتاب التصحيف، والحسن بن عبد الله العسكري، أبو هلال صاحب كتاب الأوائل، كلاهما الحسن بن عبد الله العسكري، الأول توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، والثاني كان موجودا في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، فاتفقا في الاسم واسم الأب والنسبة والعلم، وتقاربا في الزمان، ولم يفرق بينهما إلا بالكنية لأن الأول أبو أحمد، والثاني أبو هلال، والأول ابن عبد الله بن سعيد بن اسماعيل، والثاني ابن عبد الله بن سهل بن سعيد، ولهذا كثير من أهل العلم بالتاريخ لا يفرقون بينهما، ويظنون أنهما واحد.

стр. 22

وكذلك أبو بكر محمد بن علي الشاشي الشافعي، هذه الكنية، والاسم، واسم الأب، والنسبة الى البلد، والى المذهب، الجميع مشترك بين الإمامين المشهورين: أحدهما الفقيه المحدث الاصولي اللغوي الشاعر، المعروف بالقفال الكبير، والاخر الفقيه صاحب الطريقة المشهورة، والاول وفاته سنة خمس وستين وثلاثمائة، والثاني وفاته سنة خمس وثمانين وأربعمائة، الاول محمد بن علي بن اسماعيل، والثاني محمد بن علي بن حامد: وكذلك محمد بن علي، كلاهما شرح المقامات الحريرية، أحدهما محمد بن علي بن أحمد أبو عبد الله، يعرف بابن حميدة الحلي، توفي سنة خمسين وخمسمائة، والاخر محمد بن علي بن عبد الله أبو سعيد الجاواني الحلوي، توفي سنة إحدى وستين وخمسمائة. ٧ - وجاء على الصفحة السادسة بخط ابن السابق أيضا: ١ - فائدة: كانت العرب تؤرخ في بني كنانة من موت كعب بن لؤي، فلما كان عام الفيل أرخت منه وكانت المدة بينهما مائة وعشرين سنة. قال أبو الفرج صاحب الاغاني: انه لما مات الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أرخت قريش بوفاته مدة لاعظامها اياه، حتى اذا كان عام الفيل جعلوه تاريخا، هكذا ذكر ابن داب. وأما الزبير بن بكار فذكر انها كانت تؤرخ بوفاة هشام بن المغيرة تسع سنين الى ان كانت السنة التي بنوا فيها الكعبة، فأرخوا بها، انتهى. وأرخ بنو اسماعيل ﵇ من نار ابراهيم ﵇ الى بنائه البيت، ومن بنائه البيت الى تفرق معد، ومن تفرق معد الى موت كعب بن لؤي. ومن عادة الناس أن يؤرخوا بالواقع المشهور والامر العظيم، فأرخ بعض العرب بعام الختان لشهرته، وكانت العرب قديما تؤرخ بالنجوم، وهو أصل قولك نجمت على فلان كذا حتى يؤديه في نجوم.

стр. 23

وقال بعضهم: قالت اليهود: ان الماضي من خلق آدم ﵇ الى تاريخ الاسكندر ثلاثة ألاف سنة وأربعمائة سنة وثمانية وأربعون سنة، وقالت النصارى: انها خمسة آلاف سنة ومائة وثمانون سنة. وأما المدة المحررة من هبوط آدم ﵇ من الجنة الى الارض لتاريخ الليلة المسفرة عن صباح يوم الجمعة الذي كان فيه الطوفان عند اليهود، ألف سنة وستمائة وخمسون سنة، وعند النصارى ألفا سنة ومائتان واثنتان وأربعون سنة وعند السامرة ألف وثلاثمائة سنة وسبع سنين. وقال آخر: المدة التي بين خلق آدم ويوم الطوفان ألفا سنة ومائتان وعشرون سنة وثلاثة وعشرون يوما. وأما تاريخ الاسكندر المذكور في القرآن العظيم (كذا؟) وتاريخ بخت نصر فمعلومان وتاريخ الطوفان مجهول، فأردنا تصحيح ذلك وتحريره، فصححناه بحركات الكواكب وأوساطها، من وقت كون الطوفان الذي وضع فيه بطليموس من أوساط الكواكب في المجسطي، فبمقارنة هذين الاصلين صححنا تاريخ الطوفان بحركات الكواكب، كما تصحح حركات الكواكب بالتاريخ طردا فعكسنا ذلك الى خلف، وجمعنا أزمنته وحررناه، فوجدنا بين الطوفان وبخت نصر من السنين الشمسية على أبلغ ما يمكن من التحرير الفي سنة وأربعمائة سنة وثلثي سنة وربع سنة، ومنه الى تاريخ السريان أربعمائة سنة وست وثلاثون سنة، وجمعنا ذلك فكان ما بين الطوفان وذي القرنين بعد جبر الكسور الفين وتسعمائة واثنتين وثلاثين سنة، ثم زدنا على ذلك ما بيننا وبين ذي القرنين الى عامنا هذا وهو سنة إحدى وسبعين وستمائة للهجرة، فبلغ من آدم ﵇ الى الآن ستة آلاف سنة وسبعمائة وتسعا وسبعين سنة على أبلغ ما يمكن من التحرير.

стр. 24

وقال وهب: عاش آدم ألف سنة، وفي التوراة تسعمائة وثلاثين سنة، وكان بين آدم وطوفان نوح ألفا سنة ومائتان وأربعون سنة، وبين الطوفان وابراهيم ﵇ تسعمائة وسبعة وأربعون سنة، وبين ابراهيم وموسى ﵉ سبعمائة سنة، وبين موسى وداود ﵉ خمسمائة سنة، وبين داود وعيسى ﵉ ألف سنة ومائة سنة، وبين عيسى ومحمد نبينا (صلوات الله وسلامة عليهما) ستمائة وعشرون سنة، والله أعلم بالصواب. وأقدم التواريخ التي بأيدي الناس: زعم بعضهم أن أقدم التواريخ تاريخ القبط، لأنه بعد انقضاء الطوفان، وأقرب التواريخ المعروفة تاريخ يزدجرد بن شهريار الملك الفارسي، وهذا هو تاريخ أرخه المسلمون عند افتتاحهم بلاد الاكاسرة، وهي البلاد التي تسمى بلاد ايران شهرة. وأما التاريخ المعتضدي فما أظنه تجاوز بلاد العراق، وفيما بين هذه التواريخ تواريخ القبط والروم والفرس، وبني اسرائيل، وتاريخ عام الفيل، وأرخ الناس بعد ذلك من عام الهجرة. وأول من أرخ الكتب من الهجرة عمر بن الخطاب ﵁ في شهر ربيع الاول سنة ست عشرة، وكان سبب ذلك أن أبا موسى الاشعري، كتب الى عمر ﵄: انه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيها نعمل، قد قرأنا صكا منها محله شعبان، فما ندري أي الشعبانين، الماضي أو الآتي فعمل عمر ﵁ على كتب التاريخ، فأراد أن يجعل أوله رمضان، فرأى أن الاشهر الحرم تقع حينئذ في سنتين، فجعله من المحرم. ٨ - وجاء على الصفحة السابعة، بغير خط ابن السابق: ١ - الحمد لله. من تاريخ ابن العديم، بخطه، رحمة الله عليه، واسمه زبدة الحلب في تاريخ حلب.

стр. 25

٢ - وجاء بخط ابن السابق: نوبة فقير عفو الله تعالى محمد بن محمد بن محمد بن السابق الحنفي عفا الله عنهم أجمعين، بالقاهرة المحروسة في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، أحسن الله عاقبتها في خير، آمين. الكتاب سيغدو الآن ملكا للقارئ العربي وسواه ولا شك أن كل مهتم بالتاريخ العربي سيجد فيه فوائد كبيرة جدا. الامل كبير في أن أكون قد وفقت في عملي ولله الحمد أولا وآخرا والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. دمشق في ٢٢ جمادي الاولى ١٤٠٨ ١١ - كانون الثاني ١٩٨٨ سهيل زكار

стр. 26

الورقة الاولى بخط المؤلف

стр. 27

الورقة الثانية

стр. 28

كان رقم هذه الصفحة/٣٢٩/وهي الآن/١٢٠/

стр. 29

الورقة قبل الأخيرة

стр. 30

الورقة قبل الأخيرة

стр. 31

صفحة بخط ابن السابق

стр. 32

صفحة بخط ابن السابق

стр. 33

باب في ذكر فضل حلب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي. أخبرنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن ياسر الجياني بالموصل، ح. وأخبرنا المؤيد بن محمد بن علي الطوسي، ومنصور بن عبد المنعم بن عبد الله ابن محمد الفراوي في كتابيهما إلي من نيسابور قالوا كلهم: أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن الفضل الفراوي قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد ابن سفيان قال: أخبرنا مسلم بن الحجاج القشيري قال: حدثني زهير بن حرب قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا سليمان بن بلال عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، تقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا ينثنون أبدا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان إن (١ - و) المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل

стр. 34

عيسى بن مريم، فأمّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته. (١) وجه الاستدلال بهذا الحديث على فضل حلب قوله ﷺ : «ينزل الروم بالأعماق وبدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض»، ذكره بحرف الفاء وإنها للتعقيب، والمدينة المذكورة التي يخرج منها الجيش هي حلب لأنها أقرب المدن الى دابق، وفي تلك الناحية إنما ينطلق اسم المدينة على حلب عند الإطلاق، لا على يثرب كما في قوله تعالى: «وجاء رجل من أقصى المدينة» (٢)، وفي قوله تعالى «وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة» (٣). حيث انصرف الإطلاق الى المدينة التي يفهم إرادتها عند الاطلاق، وقد أخبر ﷺ أنهم من خيار أهل الأرض، وما زالت عساكر حلب في كل عصر موصوفة بالمصابرة والغناء، والثبات عند المقاتلة واللقاء. ويؤيد ذلك ما يأتي في فضل أنطاكية من قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى باب دمشق وما حولها (١ - ظ) ظاهرين على الحق لا يبالون من من خذلهم ولا من نصرهم». الحديث، لأن الطائفة-والله أعلم-هي جيش حلب لأنه ﵊ قال: «لا تزال طائفة من أمتي» وأنطاكية استولى عليها الروم سنين عدة، ثم فتحها سليمان بن قطلمش، ثم استولى عليها الفرنج الى زمننا هذا، فلولا أن يكون المراد بالطائفة المذكورة جيش حلب، وأنه يقاتل حول أنطاكية لتطرق الخلف الى كلامه ﷺ ، وما زالت عساكر حلب ظاهرة على من مجاورها بأنطاكية في قديم الزمان وحديثه إلا ما ندر وقوعه.

стр. 35

باب في بيان أن حلب من الأرض المقدسه أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الشافعي قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي، إن لم يكن سماعا فإجازة قال: أخبرنا أبو الحسن بركات بن عبد العزيز بن الحسين النجاد قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن رزقويه قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سندي بن الحسن الحداد قال: حدثنا الحسن بن علي القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار قال: أخبرنا أبو حذيفة إسحاق بن بشر القرشي قال: أخبرنا خارجة -يعني-ابن مصعب السرخسي عن ثور-هو ابن يزيد الكلاعي الحمصي-عن خالد بن معدان عن معاذ ﵁ قال: الأرض المقدسة (٢ - و) ما بين العريش الى الفرات. (١) وقد حكينا عن أبي العلاء بن سليمان المعري أنه قال في بعض رسائله: والشام خمسة أجناد، جند العواصم منه حلب وقنسّرون، وجند حمص، وجند جلق، والأردن، وفلسطين، وهذه الأجناد الخمسة بلاد مقبلة يزعم الأنبياء أنها ذرّت فيها البركة، ويذكرون أن جميعها أرض مقدسة. ***

стр. 36

باب في بيان أن حلب مهاجر ابراهيم ﷺ وأنها من جملة الأرض المبارك فيها أخبرنا الفقيه العالم فخر الدين أبو منصور بن عساكر الشافعي قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم الدمشقي قال أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا أبو الدحداح قال: حدثنا أحمد بن عبد الواحد قال: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي قال يهاجر الرعد والبرق الى مهاجر إبراهيم حتى لا تبقى قطرة إلا فيما بين العريش الى الفرات. وأخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا علي بن الحسن الإمام قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحنّائي في كتابه قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي (٢ - ظ) قال: أخبرنا أبو الدحداح قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد بن موسى قال: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن كعب الأحبار قال: يوشك بالرعد والبرق أن يهاجر الى الشام حتى لا تكون رعدة ولا برقة إلا بين العريش والفرات. قال علي بن الحسن وأنبأناه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي العلاء المصيصي قال: حدثنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: حدثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق قال: قرئ علي أبي بكر

стр. 37

محمد بن أحمد بن النّضر قال: حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي اسحاق عن الأوزاعي عن يحيى قال: قال كعب: يهاجر الرعد والبرق الى الشام حتى لا تبقى رعدة ولا برقة إلا فيما بين العريش والفرات. (١) وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أبو القاسم بن الحسن قال أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن قال: أخبرنا جدي أبو عبد الله قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا محمد بن موسى بن الحسن بن السمسار الحافظ قال: أخبرنا محمد بن خريم قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا معاوية بن يحيى قال: حدثنا سليمان بن سليم عن يحيى بن جابر عن يزيد بن شريح عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات الى العريش. (٢) ***

стр. 38

باب في بيان أن أهل حلب في رباط وجهاد (٣ - و) أخبرنا سليمان بن الفضل بن سليمان البانياسي فيما أذن لنا فيه، واجتمعت به بحلب، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي أبو عبد الله قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عوف أحمد المزكي قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن موسى بن الحسين السمسار قال: أخبرنا محمد بن خريم قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا معاوية بن يحيى قال: حدثنا أرطاة عن من حدثه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم الى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل منها مدينة فهو في رباط، ومن احتل منها ثغرا من الثغور فهو في جهاد». وقال الحافظ أبو القاسم: وأنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي العلاء المصيّصي، وأبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني، وأبو القاسم الحسين بن أحمد التميمى وأبو اسحاق إبراهيم بن طاهر الخشوعي قالوا: حدثنا أبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن حريز بن أحمد بن خميس السلماسي قال: حدثنا أبو الحسن المظفر بن الحسن قال: حدثنا ابن حمير عن سعيد البجلي عن شهر بن حوشب عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «ستفتح على أمتي من بعدي الشام وشيكا، فإذا فتحها فاحتلها فأهل (٣ - ظ) الشام مرابطون الى منتهى الجزيرة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم

стр. 39

وعبيدهم، فمن احتل ساحلا من تلك السواحل فهو في جهاد، ومن احتل بيت المقدس وما حوله فهو في رباط». أنبأنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال: أخبرنا أبو عبد الله بن أبي زيد الكراني قال: أخبرنا محمود بن إسماعيل قال: أخبرنا أبو الحسين بن فادشاه قال: حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا أبو مطيع معاوية ابن يحيى عن أرطاة بن المنذر عن من حدثه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم الى منتهى الجزيرة مرابطون فمن نزل مدينة من المدائن فهو في رباط، أو ثغرا من الثغور فهو في جهاد». (١) أنبأنا أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب عن أبي بكر بن عبد الباقي قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري إذنا: أخبرنا أبو عمر بن حيّوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف إجازة قال: حدثنا الحسين بن فهم قال حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عامر قال: سمعت أبان بن صالح يقول: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول بدابق: نحن في رباط. ***

стр. 40

باب في بيان أن حلب كانت باب الغزو والجهاد ومجمع الجيوش والأجناد إعلم أن دابق كانت مجمعا العساكر الاسلام في كل صائفة من زمن معاوية ابن أبي سفيان، فكانوا يجتمعون بها فاذا تكامل العسكر وقبضوا عطاءهم دخلوا حينئذ من الثغور الى جهاد العدو، واستمر ذلك في أيام بني أمية، لا سيما في أيام سليمان بن عبد الملك، فإنه أقام بدابق سنين، وسيّر أخاه مسلمة لغزو (٤ - ٥) القسطنطينية، وكان يمده بالعساكر الى أن مات سليمان بدابق، وبعد زوال ملك بني أمية تتبع بنو العباس مدن الثغور وحصونها فعمروها وحصنوها، وغزوا غزوات مذكورة من نواحي حلب من العراق ودابق وغيرهما، لا سيما أمير المؤمنين الرشيد رحمة الله عليه فانه اجتهد في إقامة الجهاد، وأنفق الاموال الوافرة في الثغور وأهلها، وكان يقدم حلب ويرتب أمر الغزو منها، وكذلك فعل المأمون بعده، ومات غازيا بطرسوس، وجاء المعتصم كذلك وفتح عمورية. أخبرنا أبو منصور بن محمد بن الحسن الشافعي قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: قرأت على أبي القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان عن عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي زروان الحافظ قال: حدثنا عبد الوهاب بن الحسن قال: أخبرنا أحمد بن عمير بن يوسف قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: وحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وغيره: أن جند حمص الجند المقدم، وأن قنسّرين كانت يومئذ ثغرا وأن الناس كانوا يجتمعون بالجابية لقبض العطاء، وإقامة
следующие страницы →