باب في بيان أن حلب مهاجر ابراهيم ﷺ
وأنها من جملة الأرض المبارك فيها
أخبرنا الفقيه العالم فخر الدين أبو منصور بن عساكر الشافعي قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم الدمشقي قال أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن أبي الحديد قال:
أخبرنا جدي قال: أخبرنا أبو الدحداح قال: حدثنا أحمد بن عبد الواحد قال:
حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي قال يهاجر الرعد والبرق الى مهاجر إبراهيم حتى لا تبقى قطرة إلا فيما بين العريش الى الفرات.
وأخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا علي بن الحسن الإمام قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحنّائي في كتابه قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي (٢ - ظ) قال: أخبرنا أبو الدحداح قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد بن موسى قال: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن كعب الأحبار قال: يوشك بالرعد والبرق أن يهاجر الى الشام حتى لا تكون رعدة ولا برقة إلا بين العريش والفرات.
قال علي بن الحسن وأنبأناه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي العلاء المصيصي قال: حدثنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: حدثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق قال: قرئ علي أبي بكر
стр. 37
محمد بن أحمد بن النّضر قال: حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي اسحاق عن الأوزاعي عن يحيى قال: قال كعب: يهاجر الرعد والبرق الى الشام حتى لا تبقى رعدة ولا برقة إلا فيما بين العريش والفرات. (١)
وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أبو القاسم بن الحسن قال أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن قال: أخبرنا جدي أبو عبد الله قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا محمد بن موسى بن الحسن بن السمسار الحافظ قال: أخبرنا محمد بن خريم قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا معاوية بن يحيى قال: حدثنا سليمان بن سليم عن يحيى بن جابر عن يزيد بن شريح عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات الى العريش. (٢)
***
стр. 38
باب في بيان أن أهل حلب في رباط وجهاد (٣ - و)
أخبرنا سليمان بن الفضل بن سليمان البانياسي فيما أذن لنا فيه، واجتمعت به بحلب، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي أبو عبد الله قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عوف أحمد المزكي قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن موسى بن الحسين السمسار قال: أخبرنا محمد بن خريم قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا معاوية بن يحيى قال: حدثنا أرطاة عن من حدثه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم الى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل منها مدينة فهو في رباط، ومن احتل منها ثغرا من الثغور فهو في جهاد».
وقال الحافظ أبو القاسم: وأنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي العلاء المصيّصي، وأبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني، وأبو القاسم الحسين بن أحمد التميمى وأبو اسحاق إبراهيم بن طاهر الخشوعي قالوا: حدثنا أبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن حريز بن أحمد بن خميس السلماسي قال: حدثنا أبو الحسن المظفر بن الحسن قال: حدثنا ابن حمير عن سعيد البجلي عن شهر بن حوشب عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «ستفتح على أمتي من بعدي الشام وشيكا، فإذا فتحها فاحتلها فأهل (٣ - ظ) الشام مرابطون الى منتهى الجزيرة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم
стр. 39
وعبيدهم، فمن احتل ساحلا من تلك السواحل فهو في جهاد، ومن احتل بيت المقدس وما حوله فهو في رباط».
أنبأنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال: أخبرنا أبو عبد الله بن أبي زيد الكراني قال: أخبرنا محمود بن إسماعيل قال: أخبرنا أبو الحسين بن فادشاه قال: حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا أبو مطيع معاوية ابن يحيى عن أرطاة بن المنذر عن من حدثه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم الى منتهى الجزيرة مرابطون فمن نزل مدينة من المدائن فهو في رباط، أو ثغرا من الثغور فهو في جهاد». (١)
أنبأنا أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب عن أبي بكر بن عبد الباقي قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري إذنا: أخبرنا أبو عمر بن حيّوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف إجازة قال: حدثنا الحسين بن فهم قال حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عامر قال: سمعت أبان بن صالح يقول:
سمعت عمر بن عبد العزيز يقول بدابق: نحن في رباط.
***
стр. 40
باب في بيان أن حلب كانت باب الغزو والجهاد
ومجمع الجيوش والأجناد
إعلم أن دابق كانت مجمعا العساكر الاسلام في كل صائفة من زمن معاوية ابن أبي سفيان، فكانوا يجتمعون بها فاذا تكامل العسكر وقبضوا عطاءهم دخلوا حينئذ من الثغور الى جهاد العدو، واستمر ذلك في أيام بني أمية، لا سيما في أيام سليمان بن عبد الملك، فإنه أقام بدابق سنين، وسيّر أخاه مسلمة لغزو (٤ - ٥) القسطنطينية، وكان يمده بالعساكر الى أن مات سليمان بدابق، وبعد زوال ملك بني أمية تتبع بنو العباس مدن الثغور وحصونها فعمروها وحصنوها، وغزوا غزوات مذكورة من نواحي حلب من العراق ودابق وغيرهما، لا سيما أمير المؤمنين الرشيد رحمة الله عليه فانه اجتهد في إقامة الجهاد، وأنفق الاموال الوافرة في الثغور وأهلها، وكان يقدم حلب ويرتب أمر الغزو منها، وكذلك فعل المأمون بعده، ومات غازيا بطرسوس، وجاء المعتصم كذلك وفتح عمورية.
أخبرنا أبو منصور بن محمد بن الحسن الشافعي قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: قرأت على أبي القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان عن عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي زروان الحافظ قال: حدثنا عبد الوهاب بن الحسن قال: أخبرنا أحمد بن عمير بن يوسف قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: وحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وغيره: أن جند حمص الجند المقدم، وأن قنسّرين كانت يومئذ ثغرا وأن الناس كانوا يجتمعون بالجابية لقبض العطاء، وإقامة
стр. 41
البعوث من أرض دمشق في زمن عمر وعثمان حتى نقلهم الى معسكر دابق معاوية ابن أبي سفيان لقربه من الثغور.
قال: وكان والي الصائفة، وإمام العامة في أهل دمشق، لأن من تقدمهم من أهل حمص وأهل قنسرين، وأهل الثغور مقدمة لهم، والى أهلها يؤولون إن كانت (٤ - ظ) لهم جولة من عدوهم (١).
وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الفقيه قال: أخبرنا علي بن أبي محمد الشافعي قال: أخبرنا أبو محمد هبة الله بن أحمد وعبد الكريم بن حمزة قالا:
حدثنا عبد العزيز قال: أخبرنا تمام وعبد الوهاب قالا: أخبرنا أحمد بن محمد قال:
حدثنا أحمد بن المعلى، ح.
قال تمام: وأخبرني أبو إسحاق إجازة قال: حدثنا ابن المعلى، ح.
قال تمام: وأخبرني يحيى بن عبد الله قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر قال:
حدثنا ابن المعلى قال: وأخبرني صفوان بن صالح، أملاه علي، قال: حدثنا الوليد ابن مسلم قال: حدثنا محمد بن مهاجر قال: سمعت أخي عمرو بن مهاجر قال:
سمعت عمر بن عبد العزيز، وذكر مسجد دمشق فذكر الحكاية ومقدم خالد بن عبد الله القسري إليه وقوله له حين هم برفع الزخرفة منه: ما ذلك لك، حتى قال: فما قولك «وما ذلك لي»؟ قال: لأنا كنا معشر أهل الشام وإخواننا من أهل مصر واخواننا من أهل العراق نغزو فيعرض على الرجل منا أن يحمل من أرض الروم قفيزا بالصغير من فسيفساء، وذراع في ذراع من رخام، فيحمله أهل العراق وأهل حلب الى حلب، ويستأجر على ما حملوا الى دمشق، ويحمله أهل حمص الى حمص
стр. 42
ويستأجر على ما حملوا الى دمشق، ويحمل أهل دمشق ومن وراءهم حصتهم الى دمشق.
وقرأت في كتاب البلدان وفتوحها وأحكامها تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: وحدثني محمد بن سهم الأنطاكي قال: حدثني معاوية (٥ - و) ابن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري قال: كانت بنو أمية تغزو الروم بأهل الشام والجزيرة صائفة وشاتية مما يلي ثغور الشام والجزيرة، وتقيم المراكب للغزو، وترتب الحفظة في السواحل، ويكون الإغفال والتفريط خلال الحزم والتيقظ، فلما ولي أبو جعفر المنصور تتبع حصون السواحل ومدنها فعمرها وحصنها وبنى ما احتاج الى البناء منها، وفعل ذلك بمدن الثغور، ثم لما استخلف المهدي استتم ما بقي من تلك المدن والحصون وزاد في شحنها.
قال معاوية بن عمرو: وقد رأينا من اجتهاد هرون في الغزو، ونفاذ بصيرته في الجهاد أمرا عظيما، أقام من الصناعة ما لم يقم قبله، وقسم الأموال في الثغور والسواحل، وأشجر الروم وقمعهم، وأمر المتوكل بترتيب المراكب في جميع السواحل، وأن تشحن بالمقاتله وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين. (١)
***
стр. 43
باب في ذكر صفة مدينة حلب وعمارتها وأبوابها
وما كانت عليه أولا، وما تغير منها وما بقي
سور حلب: كان سورا مبنيا بالحجارة من بناء الروم، ولما وصل كسرى أنوشروان الى حلب واستولى عليها، شعث سورها عند الحصار، ثم رمّ ما هدم منه، فبني بالآجر الفارسي الكبار، وشاهدت مرمته بالآجر الكبار في الاسوار التي بين باب الجنان وباب النصر، وسترها (٥ - ظ) السور الثاني الذي ابتناه الملك الظاهر ﵀، فيما بين باب الجنان وباب النصر، فلا يبين الآن إلا لمن يمر بين السورين، وأظن أن كسرى أنوشروان فتح حلب من هذه الجهة، فإنها كانت أضعف مكان في البلد، فلهذا كانت المرمة فيه دون غيره، وكان ملكها وملك أنطاكية الذي أخذها أنوشروان من يده يوسطينيانوس ملك الروم (١).
وفي أسوار حلب أبرجة عديدة جددها ملوك الاسلام بعد الفتوح، وأسماؤهم مكتتبة عليها، وبنى نور الدين محمود بن زنكي فصيلا على مواضع من الباب الصغير الى باب العراق، ومن باب العراق الى قلعة الشريف، ومن باب اليهود- الذي يقال له الآن باب النصر-الى باب الجنان، ومن باب الاربعين الى باب اليهود، جعل ذلك سورا ثانيا قصيرا بين يدي السور الكبير وأمر الملك الظاهر بتجديد سور من باب الجنان الى برج الثعابين، وفتح الباب المستجد، فرفع
стр. 44
الفصيل وجدد السور والابرجة على علو السور الاول، وكان يباشر العمارة بنفسه، فصار ذلك المكان من أقوى الاماكن.
ثم إن أتابك طغرل ابتنى برجا عظيما فيما بين باب النصر وبرج الثعابين مقابل أتونات الكلس ومقابر اليهود.
ثم ان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد أعز الله سلطانه أمر بتجديد أبرجة من باب الاربعين الى البرج الذي جدده أتابك، فجددت أبرجة عظيمة كل برج منها حصن مفرد، وسفح من السور والابرجة في الميل الى الخندق فصار (٦ - و) ذلك كله كالقلعة العظيمة في الارتفاع والحصانة وأمر ببناء أبرجة كبار من باب الجنان الى باب قنسرين، فقويت المدينة بذلك قوة ظاهرة.
وأما قلعة حلب فلم يكن بناؤها بالمحكم، وكان سورها أولا منهدما على ما ذكره أرباب التواريخ ولم يكن مقام الملوك حينئذ فيها، بل كان لهم قصور بالمدينة يسكنونها، ولما فتح الروم حلب في سنة احدى وخمسين وثلاثمائة لجأ الى القلعة من لجأ، وستروها بالأكف والبراذع، فعصمتهم من العدو لعلوها، وزحف ابن أخت الملك فألقي عليه حجر فقتله، ورحل الدمستق عنها، فاهتم الملوك بعد ذلك بعمارة القلعة وتحصينها.
وعصى فيها فتح القلعي على مولاه مرتضى الدولة بن لؤلؤ، ثم سلمها الى نواب الحاكم، فعصى فيها عزيز الدولة فاتك على الحاكم، وقتل بالمركز، وكان قصره الذي ينسب اليه خانكاه القصر متصلا بالقلعة، والحمام المعروفة بحمام القصر الى جانبه، فخرب القصر بعد ذلك تحصينا للقلعة وصار الخندق موضعه. ودخلت أنا هذه الحمام وهي دائرة، فهدمها الملك الظاهر ﵀، وجعلها مطبخا له.
стр. 45
ولما قتل عزيز الدولة، صار الظاهر وولده المستنصر يوليان واليا بالقلعة، وواليا بالمدينة خوفا أن يجري ما جرى من عزيز الدولة. فلما ملك بنو مرداس سكنوا في القلعة، وكذلك من جاء بعدهم من الملوك (١) وحصنوها لا سيما الملك الظاهر غازي (٦ - ظ) فانه حصنها وحسنها وابتنى بها مصنعا كبيرا للماء، ومخازن للغلة، ورفع باب القلعة وكان قريبا من المدينة، ويصعد منه الى باشورة، هي موضع باب القلعة الآن.
ولها سور من موضع الباب الآن، يدور في وسط التل الى المنشار المتصل بباب الاربعين وكان في الباشورة مساكن لاجناد القلعة، ورأيت في وسطه برجا كبيرا، مبنيا فوق طريق الماء من القناة الى الساتورة التي للقلعة، وكان على ذلك البرج اسم الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي، فخرب الملك الظاهر ﵀ تلك الباشورة، وسفح القلعة من أسفل الخندق الى سورها الاعلى، وكان قد بنى بعض السفح بالحجر الهرقلي، وعزم على تسفيحها بذلك الحجر، فحالت المنية بينه وبين أمله، وصده عن مراده ما حضر من أجله (٢)، وكان قد وسع الخندق الذي للقلعة وعمقه، وبنى حائطه من جهة المدينة، ورفع باب القلعة الى مكانه الآن، وعمل له هذا الجسر الممتد، فجاء في غاية الحسن والحصانة، وعمل بابا آخر كان اذا ركب ينزل منه وحده ويصعد ويغلق فلا يفتح الا له، وهو باب الجبل الذي هو الى جانب دار العدل، وبنى الملك الظاهر سورا على دار العدل، وفتح له بابا من جهة القبلة تجاه باب العراق، وبابا من جهة الشرق والشمال على حافة الخندق، كان يخرج منهما اذا ركب، وبنى دار العدل لجلوسه العام فيها بين السورين، السور العتيق الذي فيه (٧ - و) الباب الصغير، وفيه الفصيل الذي بناه نور الدين، وبين السور الذي جدده الى جانب الميدان.
стр. 46
واهتم الملك الظاهر أيضا بتحرير خندق الروم، وهو من قلعة الشريف الى الباب الذي يخرج منه الى المقام، وبنى ذلك الباب ولم يتمه، فتم في أيام ولده الملك العزيز ﵀، ثم يستمر خندق الروم من ذلك المكان شرقا، ثم يعود شمالا الى الباب الذي جدد أيضا في أيام الملك العزيز لصيق الميدان، ويعرف بباب النيرب، ثم يأخذ شمالا الى أن يصل الى باب القناة الذي يخرج منه الى بانقوسا، وهو باب قديم، ثم يأخذ غربا من شمالي الجبل الى أن يتصل بخندق المدينة. وأمر الملك الظاهر برفع التراب والقائه على شفير هذا الخندق فيما يلي المدينة، فارتفع ذلك المكان وعلا، وسفح الى الخندق، وبني عليه سور من اللبن في أيام الملك العزيز محمد ﵀، وولاية الاتابك طغرل، وأمر الحجارون بقطع الاحجار من الحوارة من ذلك الخندق، فعمق واتسع وقويت به المدينة غاية القوة.
وأما قلعة الشريف فلم تكن قلعة بل كان السور محيطا بالمدينة، وهي مبنية على الجبل الملاصق للمدينة وسورها دائر مع سور المدينة على ما هي الآن.
وكان الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله الحتيتي الهاشمي مقدم الاحداث بحلب (١)، وهو رئيس المدينة فتمكن وقويت يده، وسلم المدينة الى أبي المكارم مسلم ابن قريش، فلما قتل مسلم انفرد بولاية (٧ - ظ) المدينة، وسالم بن مالك بالقلعة على ما نشرحه في ترجمته، فبنى الشريف عند ذلك قلعته هذه، ونسبت اليه،
стр. 47
في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، خوفا على نفسه من أهل حلب، واقتطعها عن المدينة، وبنى بينها وبين المدينة سورا، واحتفر خندقا آثاره باقية الى الآن، ثم خرب السور بعد ذلك في أيام ايلغازي بن أرتق حين ملكها، واستقل بملكها في سنة ست عشرة وخمسمائة، فعادت من المدينة كما كانت.
وأما أبواب مدينة حلب فأولها باب العراق، سمي بذلك لأنه يسلك منه الى ناحية العراق.
ثم بعده الى جهة الغرب باب قنّسرين، سمي بذلك لأنه يخرج منه الى ناحية قنّسرين، وقد جدد في أيام السلطان الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز أعز الله أنصاره، وغير عن وضعه ووسع وعمل عليه أبرجة عظيمة، ومرافق للاجناد حتى صار بمنزلة قلعة عظيمة من القلاع المرجّلة.
ثم باب أنطاكية سمي بذلك لانه يسلك منه الى ناحية أنطاكية.
ثم باب الجنان، سمي بذلك لانه يخرج منه الى البساتين التي لحلب.
ثم بعده باب اليهود سمي بذلك لان محال اليهود من داخله، ومقابرهم من خارجه، وهذا الباب غيرّه السلطان الملك الظاهر ﵀، وكان عليه بابان، ويخرج منهما الى باشورة يخرج منها الى ظاهر المدينة، فهدمه وجعل عليه أربعة أبواب كل بابين بدركاة على حدة، يسلك من احدى الدركاتين الى الاخرى في قبو عظيم محكم البناء، وجعل (٨ - و) عليه أبراجا عالية محكمة البناء، ويخرج منه على جسر على الخندق، وكان على ظاهره تلول عالية من التراب والرماد وكنايس المدينة، فنسفها وأزالها وجعلها أرضا مستوية، وبني فيها خانات تباع فيها الغلة والحطب، وسمي الباب باب النصر، ومحي عنه اسم باب اليهود، فلا يعرف الآن إلا بباب النصر، وهجر اسمه الاول بالكلية.
ثم بعده باب الأربعين وكان قد سد هذا الباب مدة مديدة، ثم فتح واختلف في تسميته بباب الأربعين، فقيل إنه خرج منه مرة أربعون ألفا فلم يعودوا.
стр. 48
وأخبرني والدي ﵀ أنه بلغه أنه خرج منه أربعون ألفا فلم يعد منهم غير واحد، فرأته امرأة في طاق في علو وهو داخل منه، فقالت له: دبير جئت؟ فقال لها: دبير من لم يجيء.
وقيل انما سمي باب الاربعين لانه كان بالمسجد من داخله أربعون من العباد يتعبدون فيه، وكان الباب مسدودا.
وأخبرني عمي أبو غانم ﵀ أنه بلغه أنه كان به أربعون محدثا، وقيل كان به أربعون شريفا. والى جانبه أعلى المسجد مقبرة للشراف العلويين، قيل أنهم من بني الناصر.
والباب الصغير وهو الباب الذي يخرج منه من تحت القلعة من جانب الخندق وخانكاه القصر الى دار العدل، ومن خارجه البابان اللذان جددهما الملك الظاهر ﵀ في السور الذي جدده على دار العدل، أحدهما يفتح على شفير الخندق ويدعى باب الصغير أيضا، وهو (٨ - ظ) مسلوك فيه الى ناحية الميدان.
والآخر القبلي الذي يقابل باب العراق، وهو مغلق لا يخرج منه أحد بعد موت الملك الظاهر الا السلطان في بعض الاحيان، وكذلك باب الجبل الذي للقلعة أغلق بعده.
وجدد الملك الظاهر ﵀ الى جانب برج الثعابين فيما بين باب الجنان وباب النصر بابا سماه باب الفراديس، وبنى له جسر على الخندق، ومات الملك الظاهر ولم يفتحه، فسد وتطيروا به، وفتحه الملك الناصر بعد ذلك، ورتب فيه أجنادا.
وجدد الملك الناصر أيضا بابا إلى جانب برج الغنم، وعمل عليه برجان عظيمان وفتحة إلى جهة ميدان باب قنّسرين في سنة خمس وأربعين وستمائة وسمي (باب السعادة) (١).
стр. 49
وكان لحلب باب يقال له باب الفرج الى جانب حمام القصر، كان الى جانبه القصر المشهور الذي يلي قلعة حلب، فخربه الملك الظاهر ﵀.
وكان خارج باب أنطاكية على جسر باب أنطاكية على نهر قويق باب يقال له باب السّلامة، وهو الذي ذكره الواساني في قصيدته التي يهجو فيها ابن أبي أسامة، وأولها:
يا ساكني حلب العوا … صم جادها صوب الغمامه (١)
وسيأتي ذكره بعد هذا.
وعلى خندق الروم أبواب مجددة أولها باب الرّابية التي تباع فيها الغلّة والتبن، خارج باب قنّسرين، والسور اللبن المجدد على خندق الروم من حدّه.
والثاني الباب المعروف بباب المقام خارج باب العراق من القبلة يسلك فيه إلى مقام إبراهيم ﵇ وغيره.
والثالث باب النيرب خارج باب العراق، وقد ذكرنا أنه جدد في أيام الملك العزيز ﵀ ثم باب القناة، وقد ذكرناه أيضا.
وأما قناة حلب التي تدخل إلى المدينة فقيل هي عين إبراهيم ﵇، وهي تأتي من حيلان، قرية شمالي حلب (٢)، وفيها أعين، جمع ماؤها وسيق إلى المدينة، وقيل إن الملك الذي بنى حلب، وزن مائها إلى وسط (٩ - و) المدينة، وبنى المدينة عليها، وهي تأتي إلى مشهد العافية تحت بعاذين (٣)، وتركب بعد ذلك على بناء
стр. 50
محكم رفع لها لانخفاض الأرض في ذلك الموضع، ثم تمر الى أن تصل الى بابلى (١)، وهي ظاهرة في مواضع، ثم تمر في جباب قد حفرت لها إلى أن تنتهي إلى باب القناة، وتظهر في ذلك المكان، ثم تمر تحت الأرض إلى أن تدخل من باب الأربعين، وتنقسم في طرق متعددة إلى البلد.
ولأهل حلب صهاريج في دورهم يخزنون فيها الماء منها ويبردونه فيها، إلا ما كان من الأمكنة المرتفعة كالعقبة، وقلعة الشريف فإن صهاريجهم من المطر، وقد كانت هذه القناة فسد طريقها لطول المدة ونقص منابيع عيونها فكراها السلطان الملك الظاهر ﵀، وحرر طريقها إلى البلد وكلّسه وسد مخارج الماء فيه، فكثر ماؤها وقويت عيونها، وجدد القنوات في حلب والقساطل، وأجرى الماء فيها حتى عست أكثر دور البلد، واتخذت البرك في الدور، حتى قال أبو المظفر بن محمد بن محمد الواسطي المعروف بابن سنينير يمدحه، وسمعتها من لفظه:
روى ثرى حلب فعادت روضة … أنفا وكانت قبله تشكو الظما
(٩ - ظ)
أحيا رفات مواتها فكأنّه … عيسى بإذن الله أحيا الأعظما
لا غرو أن أجرى القناة جداولا … فلطالما بقناته أجرى الدّما
ووصل ماء القناة في أيامه إلى مواضع من البلد لم يسمع بوصوله إليها، حتى أنها سيقت الى الحاضر السليماني، ووقف عليها أوقافا لعمارتها وإصلاحها.
قرأت في كتاب المسالك والممالك الذي وضعه الحسن بن أحمد المهلبي للعزيز الفاطمي المستولي على مصر قال: فأما حلب فهي مدينة قنسّرين العظيمة وهي مستقر السلطان، وهي مدينة جليلة عامرة آهلة، حسنة المنازل، بسور عليها من حجر، وفي وسطها قلعة على جبل وسط المدينة لا ترام، ليس لها إلا طريق لا مقابلة
стр. 51
عليه، وعلى القلعة أيضا سور حصين؛ وشرب أهل حلب من نهر على باب المدينة يعرف بقويق، ويكنيه أهل الخلاعة أبا الحسن.
وأعمال قنسّرين كلها ومدينة حلب فتحت صلحا.
وقال: فأما الأقاليم التي هي منها، فإنّ من الإقليم الرابع حلب، وعرضها أربع وثلاثون درجة.
فأما أهلها فهم أخلاط من الناس من العرب والموالي، وكانت بها خطط لولد صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وتأثلث لهم بها نعمة ضخمة، وملكوا بها نفيس (١٠ - و) الأملاك، وكان منهم من لحقت بقيتهم بنو القلندر فإنني شاهدت لهم نعما ضخمة، ورأيت لهم منازل في نهاية السّرو.
وكان بها أيضا قوم من العرب يعرفون ببني سنان، كانت لهم نعمة ضخمة.
وسكنها أحمد بن كيغلغ وبنى بها دارا معروفة الى الآن؛ وملّك بها بدر غلامه ضياعا نفيسة، فأتى على ذلك كله الزمان، وسوء معاملة من كان يلي أمورهم، لأنه لم يكن بالشام مدينة أهلها أحسن نعما من أهل حلب، فأتى على ذلك كلّه، وعلى البلد نفسه سوء معاملة علي بن حمدان لهم، وما كان يراه من التأول في المطالبة.
قلت إلى ذلك أشار أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان في قصيدته التي يقول فيها:
أودى علي بن حمدان بوفرهم … وقدرت لهم في ملكه المحن (١)
وكان سيف الدولة علي بن حمّدان قبض أملاك جده سعيد وهي مزرعة تعرف بكفر صفرا من كورة قورس، ورحى الديناري وأرضها السقي والعذي، وبستان البقعة بحلب.
стр. 52
عدنا إلى كلام العزيزي قال: وحلب من أجل المدن وأنفسها، ولها من الكور والضياع ما يجمع سائر الغلات النفسية، وكان بلد معرّة مصرين (١) إلى جبل السماق بلد التين والزبيب والفستق والسماق، وحبة الخضراء (١٠ - ظ) يخرج عن الحد في الرخص، ويحمل إلى مصر والعراق، ويجهز إلى كل بلد، وبلد الأثارب (٢) والأرتاح إلى نحو جبل السماق أيضا، مثل بلد فلسطين في كثرة الزيتون.
ولها ارتفاع جليل من الزيت، وهو زيت العراق، يحمل إلى الرقّة إلى الماء، ماء الفرات، إلى كل بلد، وقد اختل ذلك ونهكه الروم.
فأما خلق أهلها، فهم أحسن الناس وجوها وأجساما، والأغلب على ألوانهم الدرية والحمرة والسمرة، وعيونهم سود وشهل، وهم من أحسن الناس أخلاقا وأتمهم قامة وكانت اعتقاداتهم مثل ما كان عليه أهل الشام قديما، إلاّ من تخصص منهم، وقبلتهم موافقة لقبلة أهل الشام (٣).
يشير بقوله: وكانت اعتقاداتهم مثل ما كان عليه أهل الشام قديما؛ إلى مذهب أهل السنة وكذلك كان مذاهب أهل حلب، حتى هجمها الروم في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وقتلوا معظم أهلها، فنقل إليها سيف الدولة من حرّان جماعة من الشيعة مثل الشريف أبي إبراهيم العلوي وغيره، وكان سيف الدولة يتشيع، فغلب على أهل حلب التشيع لذلك.
وقوله: وفي وسطها قلعة على جبل وسط المدينة، ليس كذلك، بل القلعة في
стр. 53
طرف المدينة، وسور المدينة يختلط بسورها، والظاهر أنه شاهد القلعة من داخل المدينة فظنها في وسطها، ولم يشاهدها من خارج.
وقوله: وشرب أهل حلب من نهر قويق، ليس كذلك، إلاّ من كان بالفرب منه، أو أنه أراد ما يحمله السقاءون في الروايا، بل الغالب في شرب أهلها من قناة حيلان.
وقد أنبأنا أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف عن أبي الفتح بن البطّي قال:
أخبرنا الحميدي قال: أخبرنا محمد بن هلال بن المحسّن الصابئ (١١ - و) وقال:
كتب المختار بن الحسن بن بطلان المتطبب كتابا إلى والدي هلال بن المحسن في سنة أربعين وأربعمائة يذكر له فيها خروجه من بغداد وما دخل من البلاد، قال فيها: رحلنا من الرصافة (١) إلى حلب في أربع مراحل، وحلب بلد مسوّر بحجر أبيض، فيه ستة أبواب، وفي جانب السور قلعة في أعلاها مسجد وكنيستان، وفي إحداهما كان المذبح الذي قرب عليه ابراهيم ﵇. وفي البلد جامع، وست بيع، وبيمارستان صغير، والفقهاء يفتون على مذهب الإمامية، ويشرب أهل البلد من صهاريج فيه مملوءة بماء المطر، وعلى بابه نهر يعرف بالقويق، يمدّ في الشتاء وينضب في الصيف. وفي وسط البلد دار علوة صاحبة البحتري. وهو بلد قليل الفاكهة والبقول والنبيذ إلا ما يأتيه من بلاد الروم، وفيها من الشعراء جماعة، وذكر أبا الفتح بن أبى حصينة، وذكر كاتبا نصرانيا هو صاعد بن عيسى بن سمان، وذكر أبا محمد بن سنان، وأبا المشكور (٢).
стр. 54
ثم قال: ومن عجائب حلب أن في قيسارية البزّ عشرين دكانا للوكلاء، يبيعون فيها كل يوم متاعا قدره عشرون ألف دينار مستمر ذلك منذ عشرين سنة، وإلى الآن وما بحلب موضع خراب أصلا.
قلت: الكنيسة التي أشار إليها (١١ - ظ) في القلعة أن فيها مذبح إبراهيم ﵇، هي الآن مقام إبراهيم ﵇ الأسفل، والكنيسة الأخرى دثرت، والمسجد الذي في أعلى القلعة هو مقام إبراهيم ﵇ الأعلى، وأما البيع الست، فاثنتان باقيتان إحداهما بالقرب من الزجاجين إلى جانب مسجد ابن زريق، والأخرى بالقرب من الرحبة، والبواقي جعلت مساجد في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، حين حصر الفرنج حلب، وبعثروا الضريح الذي بمشهد الدّكّة، ويقال إن به سقطا للحسين بن علي ﵁، وكان يدبر أمر البلدة أبو الفضل ابن الخشاب، لأن صاحبها تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق كان بماردين، فجعل ابن الخشاب كنائس حلب هذه مساجد، إحداهما الكنيسة العظمى التي يقال إن هيلانة ملكة القسطنطينية بنتها، فجعل فيها محراب، وعرفت بمسجد السراجين، وهي غربي المسجد الجامع وجعلها نور الدين محمود بن زنكي مدرسة لأصحاب أبي حنيفة ﵁، والأخرى جعلت مسجدا بالحدادين، فوقفت مدرسة للحنيفة أيضا، وقفها حسام الدين لاجين وهي مدرسة الحدادين، والأخرى كانت بدرب الخزاف فهدمها عبد الملك بن المقدم، وبناها مدرسة للحنفية أيضا، وأما الرابعة (١٢ - و) فلا أعلم بها. (١)
قرأت بخط الحسين بن كوجك العبسي الحلبي في كتاب سيرة المعتضد
стр. 55
بالله تأليف سنان بن ثابت (١) بن قرّة، كتب بها إلى أبي الحسين محمد بن عبد الرحمن الروذباري الكاتب، قال ثابت بن سنان في أول الجزء السادس منها:
لما انتهيت إلى هذا الموضع، أمرني أمير المؤمنين أن أميّز معه وبحضرته ما في الخزائن القديمة للسلطان من الدفاتر والآلات النجومية وغيرها مما يجري مجراها فما كان يصلح للأميرين أبي جعفر وأبي الفضل أيدهما الله عزلته لهما على ما رسمه لي فيما رغب في اختياري إياه لهما مما يشاكل سنهما من كتب الفقه، وكتب اللغة، وكتب السير القديمة والقريبة العهد وأخبار الملوك وأيام الناس، وأخبار الدولة العباسية وأشباه ذلك.
قال: فكان فيما أخرج إلينا صناديق كثيرة فيها كتب أحمد بن الطّيّب التي كان المعتضد قبضها لما نكبه، وكنت بها عارفا، وقد كنت ميزتها للمعتضد في ذلك العصر وعملت لها فهرستا، فمر فيها كتاب بخط أحمد بن الطّيّب بأخبار مسير المعتضد بالله من مدينة السلام الى وقعة الطواحين وأخبار انصرافه عنها (٢)، فتتبعته نفسي تتبعا شديدا لصحته، وأنه أصل لرجل محصل وبخطه، وكان وقوع هذا الكتاب في يده قبل وقوعه في يدي، فبدأني بما كان في نفسي، فرمى به إلي (١٢ - ظ) لأتأمله، ثم قال لي: أحسب هذا مما سبيله أن تقتصه في الكتاب الذي عملته لمحمد بن عبد الرحمن الروذباري، فقلت: بل أنسخه فيه حرفا حرفا، فقال:
إفعل، ثم اردده، فنسخه ثابت من خط أحمد بن الطّيّب كما قال، وذكر فيه المنازل الى أن ذكر وقال: ورحلنا عن بالس (٣) ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت منه، فنزلنا على ميلين من بالس على صهريج في أول برية خساف، ثم رحلنا عن الموضع سحرا فقطعنا برية خساف الى انقضائها، وبين بالس وبين انقضاء برية
стр. 56
خساف خمسة عشر ميلا بأميال العراق، وفيها قرى خراب، ثم يوجد بعد هذه الخمسة عشر ميلا ماء نزر قليل ينصب من قني من حد حلب، حتى ينتهي الى هذا الموضع قليلا يسيرا، وفي هذا الموضع يجري إليه الماء من قرية لمحمد بن العبّاس الكلابي، تعرف بقرية الثلج، كانت المنزل ذلك اليوم، والقني في هذه القرية غزيرة كثيرة الماء، قد سيقت من نهر حلب من نهر قويق من موضع الى موضع حتى انتهى إليها، ثم الى الموضع الذي ذكرناه على رأس برية خساف، وبين بالس وبين قرية محمد بن العبّاس الكلابي ثلاثة وعشرون ميلا، تكون سبعة فراسخ وميلين.
قلت هكذا ذكر أحمد بن الطّيّب، وقد أخطأ في موضعين أحدهما قوله:
ينصب من قني من حد حلب، والآخر في قوله: والقني في هذه القرية (١٣ - و) غزيرة كثيرة الماء، قد سيقت من نهر حلب، من نهر حلب، من قويق، فإن حدّ حلب ونهر قويق بعيد من هذا المكان، يكون مقدار ستة فراسخ من جهة الغرب، وهذه القني تأتي من جهة الشمال، لكن الماء في هذه المواضع التي ذكرها وفي قرى تأتي بعد ذلك فيما بين هذه المواضع وبين الناعورة، قد حفر له جباب الى منبع الماء، ومنبع الماء قريب في تلك الارض كلها، ثم خرق بعض الجباب إلى بعض إلى أن ينتهي الماء إلى أرض يتسلط عليها، فيسقي أرض تلك القرية، وهذه القرية التي أشار إليها أظنها تعرف الآن بالكلابية.
قال ابن الطّيّب: ورحلنا عن هذا الموضع يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، فنزلنا منزلا يعرف بالناعوره، بينه وبين المنزل الذي كنا نزلناه ثمانية أميال، تكون فرسخين وميلين وفيه قصر لمسلمة بن عبد الملك من حجارة صلدة ليس بالكبير، وماؤه من العيون التي ذكرناها.
قلت: هذا القصر كان مبنيا من الحجارة السود الكبار المنحوتة، وأدركت أنا قطعة منه، وهو برج من أبرجة القصر، وقد انهدم الآن، وتقسمت حجارته إلاّ القليل منه.
стр. 57
قال ابن الطّيّب: ورحلنا غداة يوم الاثنين لإثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر، فنزلنا مدينة حلب في وقت ارتفاع النهار من هذا اليوم، وبين المنزلين ثمانية أميال (١٣ - ظ) تكون فرسخين وميلين، وأقمنا بحلب إلى انقضاء يوم الأربعاء لليلة خلت من رجب.
قال: وعلى حلب سور محيط بها وبقلعتها، كانت الروم بنته، وبنت الفرس بعضه أيام أنوشروان، والقلعة على جبل مشرف على المدينة، وعليها سور، وعليها بابا حديد واحد دون الآخر، وفي وسطها قد حفر إلى الماء ينزل إليه على مائة وعشرين مرقاة، قد خرقت تحت الأرض خروقا، وصيرت آزاجا، ينفذ بعضها الى بعض الى ذلك الماء، وفيها دير للنصارى، وفيه امرأة قد سدّت الباب عليها في وجهها منذ سبع عشرة سنة. ثم ينحدر السور إلى المدينة من جانبي القلعة. ولها ستة أبواب، تعرف: بباب العراق، وباب قنسرين، وباب أنطاكية، وباب الجنان وباب اليهود، وباب أربعين، وهو مما يلي القلعة، ومن جانبها الآخر باب العراق.
وشرب أكثر أهل حلب من ماء قويق، لأنه يجري إلى أبواب الجنان وأنطاكية وقنّسرين، وقدّام باب أنطاكية ربض يعرف بربض الدارين في وسطه قنطرة على قويق، كان محمد بن عبد الملك بن صالح بناه، أعني الربض، ولم يستتمه، واستتمه سيما الطويل، ورم ما كان استهدم منه وصيّر عليه باب حديد حذاء باب أنطاكية، أخذه من قصر لبعض الهاشميين بحلب، يسمى قصر البنات (١٤ - و):
ويسمى الباب باب السلامة.
قلت والقصر قد كان في الدرب المعروف بدرب البنات بحلب، بالقرب من الصناديقيين، وشرقي الدارين بستان، يعرف ببستان الدار من شمالي ميدان باب قنّسرين، وهو الآن وقف على المدرسة النورية الشافعية المعروفة ببني أبي
стр. 58
غصرون (١)، وهو منسوب الى إحدى الدارين اللتين ذكرهما أحمد بن الطّيّب.
قال ابن الطّيّب: وشرب أهل باب أربعين، وأهل باب اليهود، وأهل الأسواق من عيون تجري على وجه الأرض مقدار أربعة فراسخ في موضع هو أعلى من حلب، ثم تجري على باب اليهود على وجه الأرض، وتسقي بساتين الدور هناك سيحا، ثم يكون ما وراء هذا الموضع من حلب أسفل منه فقد عدل بعبّارة بنتها الروم في الطريق، يجري الماء عليها، فهو في السوق، وإنما بينه وبين باب أربعين ربع ميل على عشرة أذرع من الأرض.
قلت: يريد بالعيون المذكورة قناة حلب الآتية من حيلان، وهي تسقي داخل باب الأربعين بستانا بطل، وبني دورا، وتسقي بستان اليهود بباب اليهود الذي هو وقف على الكنيسة.
قال: وقويق نهر يأخذ من واد على أربعة فراسخ من حلب مما يلي جبلا يتصل بوادي العسل.
قلت: وادي العسل غربي مدينة حلب، ونهر قويق يأتي إلى حيلان، ثم يجري في الوادي بين جبلين، لا يتصل بوادي العسل. (١٤ - ظ).
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن أبي الحسن الزيّات الفيلسوف في كتاب نزهة النفوس وأنس الجليس: ذكر مدينة حلب، وهي في الإقليم الرابع قريبا من أنطاكية، وبها ينزل الولاة العزام (٢)، وهي عامرة، أهلها كثير، وبعدها عن خط المغرب ثلاثة وسبعون درجة، وعن خط الاستواء خمسة (٣) وثلاثون درجة.
وقرأت في كتاب جغرافيا تأليف ابن حوقل النصيبي، وهو كتاب حسن في
стр. 59
بابه، قال: حلب وهي مدينة جند قنسّرين، وكانت عامرة جدا غاصة بأهلها، كثيرة الخيرات على مدرج طريق العراق إلى الثغور وسائر الشامات، افتتحها الروم، وكان لها سور من حجارة لم يغن عنهم من العدو شيئا، بسوء تدبير سيف الدولة وما كان به من العلّة، فأخرب جامعها، وسبى ذراري أهلها، وأحرقوها، وكان لها قلعة غير طائلة ولا حسنة العمارة، لجأ إليها قوم من أهلها فنجوا، ونقل ما بها من المتاع والجهات (١) للسلطان وأهل البلد وسبى بها، وقتل من أهل سوادها ما في إعادته إرماض لمن سمعه ووهن على الإسلام وأهله.
وكانت لها أسواق حسنة وحمامات وفنادق ومحال وعراص فسيحة، ومشايخ وأهل جلّة، وهي الآن كالمتماسكة.
ولها واد يعرف بأبي الحسن قويق، وشرب أهلها منه، وفيه قليل طفس (٢) ولم تزل أسعارها في الأغذية وجميع المآكل قديما واسعة رخيصة.
وعليهم الآن للروم في كل سنة قانون يؤدونه وضريبة تستخرج من كل دار وضيعة معلومة، وكأنهم (١٥ - و) معهم في هدنة، وليست وإن كانت أحوالها متماسكة وأمورها راجية بحال جزء من عشرين جزءا مما كانت عليه في قديم أوانها وسالف أزمانها.
أشار ابن حوقل إلى فتح الروم لها وتخريبها في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وفي ذكر الضريبة التي تؤدّى إلى الروم في كل سنة إلى ما قرره قرعويه السيفي
стр. 60
مع الروم من الأتاوة التي تؤدى في كل سنة عن حلب إلى الروم، وليس هذا موضع ذكرها (١).
وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الفارسي الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم:
وأما جند قنسّرين، فإن مدينتها قنسرين، غير أن دار الإمارة والأسواق ومجامع الناس والعمارات بحلب.
قال: وهي عامرة بالأهل جدّا، على مدرجة طريق العراق إلى الثغور، وسائر الشامات (٢).
سمعت أبا عبد الله محمد بن يوسف بن الخضر يقول: بلغني أن حلب كانت من أكثر المدن شجرا، فأفنى شجرها وقوع الخلف بين سيف الدولة والإخشيد على ما نذكره، فإن كل واحد منهما كان ينزل عليها ويقطع شجرها، فإذا أخذها جاء الآخر وفعل مثله.
وأخبرني مكي بن هرون بن صالح الكفر بلاطي وكان من كفر بلاط من نقرة بني أسد قال: أخبرني هرون عن أبيه صالح يأثره عن سلفه أن الناس كانوا يمشون من مقام إبراهيم ﵇ الذي على سطح جبل نوائل إلى زبيدة، وهي قرية على طرف جبل الأحص، وهي مشرفة على النقرة، في ظلال شجر الزيتون، والدليل على صحة ما ذكره أنه ما من قرية في نقرة بني أسد إلا وفيها أثر معصرة للزيت والحجر الذي كان يعصر بها.
***
стр. 61
باب في ذكر قنسرين وتسميتها بهذا الاسم
ومعرفة من بناها
قد ذكرنا فيما تقدم أن اسم قنسّرين كان أولا صوبا (١)، فسميت بعد ذلك قنسرين، وصوبا بالعبرانية، قيل إن اسمها في التوراة كذلك، ويقال فيها قنّسرون أيضا، ويقال بفتح النون بعد القاف وكسرها.
وقرأت بخط محمد بن يوسف بن المنيرة في حرفية اشتقاق أسماء البلدان:
قنسّرين من قولهم للشيخ قنسّري، وقيل نزل بها رجل يقال له ميسرة، فقال:
ما أشبه هذه بقن نسرين، فبني منه اسما للمكان.
وقال محمد بن سهل الأحول في كتاب الخراج: قنسّرين سميت برجل من قيس يقال له ميسرة، وذلك أنه مرّ به رجل فقال له: ما أشبه هذا الموضع بقن نسرين، فسميت بذلك.
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد الأوقي بالبيت المقدّس قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر (١٥ - ظ) أحمد بن محمد بن إبراهيم السّلفي الأصفهاني قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن المسبح قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال قال: أخبرنا أبو العباس منير بن أحمد بن الحسن بن منير الخشّاب قال: أخبرنا علي ابن أحمد بن إسحاق البغدادي قال: أخبرنا الوليد بن حماد الرملي قال: أخبرنا الحسين بن زياد عن أبي إسماعيل محمد بن عبد الله البصري قال: وحدثني الحسين
стр. 62
ابن عبد الله قال: ثم إن أبا عبيدة دعا ميسرة بن مسروق فسرحه في ألفي فارس، فمر على قنسّرين فأخذ ينظر إليها في الجبل، فقال: ما هذه؟ فسميت له بالرومية، فقال: إنها لكذلك، والله لكأنها قن نسر.
وقال أبو بكر الأنباري: قنسّرون أخذت من قول العرب رجل قنسّري، أي مسن، وأنشد للعجّاج:
أطربا وأنت قنسّريّ (١) … والدهر بالانسان دواريّ
وأنشد غيره:
وقنسرته أمور فاقسأن لها … وقد حنى ظهره دهر وقد كبر
وقال أبو بكر بن الأنباري: وفي إعرابه وجهان يجوزان تجريها مجرى قولك الزيدون، فتجعلها في الرفع بالواو فتقول: هذه قنسّرون، وفي النصب والخفض بالياء، فتقول مررت بقنّسرين ودخلت قنسرين، والوجه الآخر أن تجعلها بالياء على كل حال، وتجعل الإعراب في النون، فلا تصرفها.
وقال أبو القاسم الزجاجي: هذا الذي ذكره ابن الأنباري من طريق اللغة، ولم يسم البلد كما ذكر، ولكنه روى أنها سميت برجل من عبس يقال له ميسرة وذلك أنه نزلها فمر به رجل فقال: ما أشبه هذا الموضع بقن نسرين فبني منه اسم لمكان، فقيل قنّسرين بفتح النون من قنسرين.
وذكر عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي اللخمي ثم الرّشاطي في كتاب اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار قال: قال آخرون:
دعا أبو عبيدة ميسرة بن مسروق القيسي فوجهه في ألف فارس، في أثر العدو
стр. 63
فمر على قنسّرين، فجعل ينظر إليها، فقال: ما هذه؟ فسميت له بالرومية، فقال:
والله لكأنها قنسرين فسميت قنسرين بذلك (١).
قال الرّشاطي: فهذا الخبر يدل على أن قنسّرين اسم مكان آخر عرفه ميسرة القيسي، فشبه به هذا، فسمي به.
قلت: وهذا وهم من الرّشاطي، وقد تصحف عليه قن نسرين، أو قن نسر، على ما ذكرناه بقنّسرين، فقال ما قال، ولعله بلغة أن حيار بني القعقاع يقال لها قنسّرين أيضا، فوقع في هذا الوهم، ولا يمكن الاعتداد بذلك، فإن من ذهب إلى ذلك جعل مدينة قنسّرين هي قنسرين الأولى، وحيار بني القعقاع هي قنسرين الثانية، فلا يمكن تشبيه الأولى بالثانية.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن علوان قال: أخبرنا القاضي أبو البركات محمد بن (١٦ - و) حمزة العرقي إجازة قال: وأخبرنا أبو محمد عبد الدائم بن عمر بن حسين سماعا منه قال: أخبرنا أبو البركات بن العرقي قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن جعفر المعروف بابن القطاع قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن البر اللغوي قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن محمد النيسابوري قال: أخبرنا أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قال: وقنسّرون بلد بالشام، بكسر القاف والنون مشددة تكسر وتفتح، وأنشد ثعلب بالفتح هذا البيت لعكرشة العبسي:
سقى الله فتيانا ورائي تركتهم … بحاضر قنسّرين من سبل القطر
قال: والنسبة إليه قنسّري، وإن شئت قنسّريني (٢).
وقع إلي كتاب ألّفه أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي سماه الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والنجوم في آفاقها والأقاليم وأسماء
стр. 64
بلدانها في سياقها، وهو مسموع عليه، وأحسبه بخطه، فقرأت فيه: حدثنا جدي ﵀ قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا أشعث وسعيد جميعا عن الحسن أنه قال: الأمصار: المدينة، والشام، ومصر، والجزيرة، والكوفة، والبصرة، والبحرين.
قال ابن المنادي: وحدثني جدي قال: حدثنا روح قال: حدثنا سعيد عن قتادة أنه كان يجعلها عشرة: المدينة، ومصر، والكوفة، والبصرة، ودمشق، والجزيرة، وحمص، والأردن، وفلسطين، وقنسّرين.
وقال ابن المنادي: الشامات خمس كور: الأولى قنسّرين، ومدينتها العظمى حلب، وقنّسرين أقدم منها، وبينهما أربع فراسخ، وبها آثار الخليل ﵇ (١٦ - ظ) ومقامه، وقد نزلها أكابر الملوك كبني حمدان وغيرهم.
قال: ومن رسداقها (١) منبج، وهي مدينة قديمة.
وذكر ابن حوقل النصيبي في كتابه قال في ذكر جند قنسّرين: هي مدينة تنسب الكور إليها من أضيق النواحي بناء وإن كانت نزهة الظاهر، معونة في موضعها لما كان بها من الرخص والسعة في الأسعار والخيرات (٢) والمياه، اكتسحها الروم، فكأنها لم تكن إلا بقاياد من، وجميع جند قنسّرين أعذاء، وشربهم من السماء، وهي مدينة كثيرة الخير والسعة، وبها الفستق والتين وما شاكل ذلك.
قوله: وشربهم من السماء، يعني ضواحي قنسّرين وقراها، أما المدينة نفسها فقويق يمر بجانبها وكانت القناة من بركة عين المباركة بقرب حلب يأتي ماؤها إلى مدينة قنسّرين، وكانت القناة قد سيقت في لحف الجبل عند الوضيحي إلى
стр. 65
صلدي، ثم سيقت تحت الأرض إلى أن انتهت الى القناطر، وهي قرية من عملها، فعقدت لها قناطر رفيعة، ورفع ماء القناة فوقها الى أن انتهى الى مكان مرتفع، فسيقت تحت الأرض إلى مدينة قنسّرين، فكان شرب أهل قنسرين منها، وأدركت أنا معظم أسوارها، وبعض أسوار قلعتها، وأبواب مدينتها قائمة.
وكان سليمان بن قطلمش بعد قتله مسلم بن قريش قد استولى على قنسرين وعمر قلعتها وتحصن فيها، وحصر حلب، فاتفق ما اتفق من قتله على ما نذكره في ترجمته (١)، فخربت قلعة قنسرين مع المدينة؛ وأخذ الناس حجارتها لعمائرهم، وسكورة الأرحاء.
وبنى محمود بن زنكي أولا خان قنسرين منها، وزاده أتابك طغرل الظاهري ثانيا.
ونقل من عمد المدينة إلى حلب شيء وافر، ونقل أيضا من حجارتها إلى الجسر الذي جدده (١٧ - و) سيف الدين علي بن سليمان بن خدر في الوطاة، ورصفه بالحجارة، وفي الخان الذي جدده بتل السلطان، فتداعت أقطارها، وأمحت أثارها، ولم يبق منها اليوم غير قرية قنسرين يسكنها الفلاحون والأكره، ويرى من شاهد آثارها فيها معتبره.
وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم:
وقنسرين مدينة تنسب إليها الكور، وهي من أصغر المدن بها (٢).
وقرأت في بعض كتبي من تواريخ القدماء، ولم يسم القائل أن سلوقوس، وهو الملك الأول بعد الاسكندر بني فامية، وحلب، وقنسّرين، وقد ذكرت ذلك، والله أعلم.
стр. 66
قلت: ويقال لقنسرين هذه قنسرين الأولى، كذا ذكره ابن الطّيّب وابن واضح وقال ابن واضح: وقنسرين الثانية، هي حيار بني القعقاع.
وقال ابن الطيب السرخسي في رحلة المعتضد: ورحل الأمير نحو قنسرين الأولى وقنسرين مدينة صغيرة لأخي الفصيص التنوخي، وعليها سور، ولها قلعة، وسورها متصل بسور سائر المدينة.
وقال ابن واضح: وكورة قنسرين الأولى، وهي مدينة على جادة الطريق الأعظم، وبها قوم من تنوخ.
وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض والمدن: وقنسرين مدينة تنسب الكورة إليها، وهي من أخصب المدن.
وقال أيضا: وأما جند قنسرين، فإن مدينتها قنسرين، غير أن دار الإمارة والأسواق ومجامع الناس والعمارات بحلب (١). (١٧ - ظ).
***
стр. 67
باب في فضل قنسرين
واعلم أن لحلب من هذه الفضيلة الحظ الأوفر والنصيب الأكثر، لان ذكر قنسّرين في الغالب عند الإطلاق ينصرف إلى جند قنسرين، فيتناول ناحيتها، وقد بينا فيما تقدم أن قصبتها حلب، وأنها المدينة العظمى، فشاركتها في هذه الفضيلة المذكورة.
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي فيما أذن لنا فيه قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي زيد بن حمد الكراني، وأبو جعفر محمد بن إسماعيل الطرسوسي قالا: أخبرنا محمود بن إسماعيل الصيرفي قال: أخبرنا أبو الحسين بن فاذشاه، قال الطرسوسي: وأخبرنا أبو نهشل العنبري قال: أخبرنا أبو بكر بن ريذة قالا: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا الحسين بن حريث قال: حدثنا الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير عن النبي ﷺ قال: «إن الله أوحى إلي أيّ هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسّرين» (١).
وأخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إذنا، وأبو محمد عبد العزيز (١٨ - و) ابن الأخضر مكاتبة قالا: أخبرنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي قال: أخبرنا أبو عامر محمود بن القاسم الأزدي قال: أخبرنا عبد الجبار ابن محمد الجراحي قال: أخبرنا محمد بن أحمد المحبوبي قال: أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي الحافظ قال: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث قال:
стр. 68
حدثنا الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ قال: «إن الله أوحى إلي أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين».
قال أبو عيسى الترمذي: غريب لا نعرفه إلاّ من حديث الفضل بن موسى، تفرّد به أبو عمار (١). وقد تابع أبا عمار الحسين بن حريث جعفر بن محمد الخراساني، فرواه عن الفضل بن موسى السّيناني.
أخبرناه شيخنا الزاهد الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي الحلبي مشافهة قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي قال: أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل قال: أخبرنا جدي أبو محمد قال:
حدثنا أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم قال: حدثنا أبو القاسم حمزة بن عبد الله ابن الحسن الأديب بأطرابلس قال: حدثنا القاضي أبو نصر محمد بن محمد بن عمرو (١٨ - ظ) النيسابوري قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن نيروز الأنماطي قال جعفر ابن محمد الخراساني قال: حدثنا الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان ابن عبد الله العامري عن أبي زرعة عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «إن الله أوحى إليّ أيّ هؤلاء نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسّرين».
وقد تابع الفضل بن موسى السّيناني علي بن الحسن بن شقيق فرواه عن عيسى بن عبيد الكندي عن غيلان بن عبد الله العامري.
أخبرناه زين الأمناء أبو البركان الحسن بن محمد بن الحسن بدمشق قال:
стр. 69
أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي إجازة، إن لم يكن سماعا، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي، ح.
وأخبرنا المؤيد بن محمد الطوسي، وزينب بنت الشعري في كتابيهما إلي من نيسابور عن أبي عبد الله الفراوي، ح.
قالت زينب: وأنبأنا أبو المظفر القشيري قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي قال:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إملاء قال: أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السيّاري بمرو قال: أخبرنا إبراهيم بن هلال قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: حدثنا عيسى بن عبيد الكندي عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير أن النبي ﷺ قال: «إن الله (١٩ - و) ﵎ أوحى إليّ أيّ هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسّرين».
قال أبو عبد الله الحاكم في المستدرك على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (١). (١٩ - ظ). (٢)
***
стр. 70
باب في ذكر أنطاكية وتسميتها بهذا الاسم
ولقبها ومعرفة من بناها وما قيل فيها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
وهي من الإقليم الرابع أيضا، وكانت دار الملك للروم، إلى أن كانت وقعة اليرموك، ونصر الله المسلمين فلم تقم للروم راية بعدها، فانتقل الملك عن أنطاكية الى القسطنطينية، ولما انفصل هرقل عنها، وخرج طالبا القسطنطينية، التفت نحو الشام عندما جاوز الدرب وقال: عليك يا سورية السلام، وسورية هي الشام الخامسة، وأنطاكية منها، وقد ذكرنا أن في طرف الأحص مدينة خربة يقال لها سورية.
وأنطاكية أعجمية معرّبة، قيل إنها بتشديد الياء، وقيل بالتخفيف، واسمها بالرومية أنطوخيا (١).
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسين الكندي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي قال: في كتابه: فيما تلحن فيه العامة، ومما يشدد، والعوام تخففه، قال: وأنطاكية بتشديد الياء.
وقال أبو منصور في كتابه المعرّب: وأنطاكية اسم مدينة معروفة، مشدّدة
стр. 71
الياء، وهي أعجمية معرّبة، وقد تكلمت بها العرب قديما، وكانوا إذا أعجبهم عمل شيء نسبوه اليها. قال زهير:
علون بأنطاكية فوق عقمة … وراد الحواشي لونها لون عندم (١)
(٢٠ - و) قلت: والمشهور من شعر زهير:
وعالين أنماطا عتاقا وكلة … وراد الحواشي
البيت. وقد جاء في رواية، كما ذكره أبو منصور.
أنبأنا زيد بن الحسن قال: أخبرنا أبو الفضل بن ناصر قال: أخبرنا أبو زكريا التبريزي قال: أخبرنا أبو محمد الدهان اللغوي قال: أخبرنا علي بن عيسى الرماني عن ابن مجاهد القارئ عن أبي العباس ثعلب، ح.
وقال ابن ناصر: وأخبرنا الحميدي سماعا من لفظه قال: أخبرنا الشيخ أبو غالب أحمد بن محمد بن سهل النحوي الواسطي قال: قرأت على أبي الحسين بن دينار قال: أخبرنا أبو بكر بن مقسم قال: حدثنا أبو العباس ثعلب وأنشد بيت زهير.
وعالين أنماطا عتاقا وكلة … وراد الحواشي لونه لون عندم
وقال: ويروى:
علون بأنطاكية فوق عقمة … وراد الحواشي لونه لون عندم
وقال في تفسيره: أنطاكية أنماط توضع على الخدور، نسبها الى أنطاكية، قال: وكل شيء عندهم من قبل الشام فهو أنطاكي (٢).
قلت: وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
стр. 72
أهاجتك سعدى إذ أجد بكورها … وحفت بأنطاكي رقم خدورها (١)
وذكر أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في اللامع العزيزي، قيل:
انما سميت أنطاكية، لان الذي بناها يقال له أنطيخنوس الملك (٢٠ - ظ) ولا شك أن لفظها قد عرب بعض التعريب، فلو أنها عربية لوجب أن تكون من النطك، ولم يذكر ذلك أحد من الثقات.
قال أبو العلاء: أنطاكية بلد قديم، وقد ذكرته العرب في أشعارها، وقيل انهم كانوا يقولون لمن جاء من الشام، ولما جلب من متاعه أنطاكي، ومنه قول امرئ القيس:
علون بأنطاكية فوق عقمة … كجرمة نخل أو كجنة يترب (٢)
أي بثياب أنطاكية.
قال السكري: وهي قرية من قرى الشام، ويقال لكل ما يأتي من الشام أنطاكي وقرأت في كتاب أبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري، كتاب معجم ما استعجم في ذكر ما جاء في أشعار العرب من الاماكن، قال: أنطاكية بتخفيف الياء، مدينة من الثغور الشامية معروفة، قال اللغويون كل شيء عند العرب من قبل الشام، فهو أنطاكي، قال زهير:
وعالين أنطاكية فوق عقمة … وراد الحواشي لونه لون عندم (٣)
وقد وجدت بخط علي بن حمران في ديوان شعر زهير هذا البيت، وكتب بخطه نسبها الى أنطاكية، وكتب فوقها خف، وذكر أنه نقله من أصل أبي الحسين علي بن محمد بن دينار، وهي مقابلة بنسخة أبي الفتح جخحج، وذكر أنه
стр. 73
قابل بها كتاب أبي عمر القطربلي، وكتابا بخط أبي موسى الحامض، ونسخة بخط أبي الحسن محمد بن محمد الترمذي، ونقوله من أصل أبي بكر بن مجاهد، وذكر أبو الفتح أنه قابل (٢١ - و) نسخته بأصل ابن الخياط، وقابل أيضا بأصل أبي سعيد بخطه، قال ابن حمران: وقرأته على أبي أحمد عبد السلام البصري، وسمعته يقرأ على أبي الحسن علي بن عيسى صاحب أبي علي.
وقال الحسن بن أبي الخصيب الكاتب في كتاب الكار متهر في علم أحكام النجوم: أقسام الأرض أربعة، أولها أنطاكية وناحية المشرق، لها من البروج السرطان والاسد والعذراء ومن السبعة الشمس والمشتري.
وقرأت في تاريخ أبي الثناء حماد بن هبة الله بن حماد الحراني، بحران، قال:
وقيل ان ابراهيم ﵇ قال: أخبرني ربي ان أول مدينة وضعت على وجه الارض حران، وهي العجوز، ثم بابل، ثم مدينة تيونه، ثم دمشق، ثم صنعاء اليمن، ثم أنطاكية، ثم رومية.
وهذا خلاف ما يأتي من أن بنائها كان بعد موت الاسكندر.
قرأت بخط محمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي الحافظ: أنطاكية تسميها النصارى مدينة الله، ومدينة الملك، وأم المدن، لانها أول بلد ظهرت فيه النصرانية، وبها كرسي باطره، وهو المقدم على التلاميذ، وهو سمعون (١)، وقيل انه هو الذي ابتدأ بنيان الكنيسة بأنطاكية، التي تسمى القسيان.
وقرأت بخط الشريف ادريس بن حسن بن علي الادريسي المؤرخ ما ذكر أنه نقله من تاريخ أنطاكية لبعض النصاري، أقلو ذنوس ملك ثلاثة عشر (٢) سنة
стр. 74
وتسعة أشهر، وسمي المؤمنون بالمسيح-يعني في أيامه-بأنطاكية نصارى، ومنها كان ابتداء النسبة وانتشر هذا الاسم في سائر البلاد (١).
وذكر في هذا التاريخ يوسطليانوس ملك تسعا وثلاثين سنة، وفي السنة (٢١ - ظ) الثالثة من ملكه خسف بأنطاكية. وأبصر رجل قديس في نومه قائلا يقول له: تكتب على أبواب المدينة، الله معنا. ومن ذلك اليوم دعيت مدينة الله.
وقرأت في بعض تواريخ المسيحية ان مقام الروم بأنطاكية-وكانوا يدعونها مدينة الله، ومدينة الملك، وأم المدن، وانما قيل لها أم المدن، لانها أول بلد ظهر فيه دين النصرانية، وسميت مدينة الله، لانه خسف بها في السنة الثالثة من مملكة يوسطليانوس الرومي، وأبصر رجل صالح في نومه قائلا يقول: يكتب على أبواب المدينة، الله معنا، فدعيت من ذلك اليوم مدينة الله (٢).
وأما معرفة من بناها
(٣) فقرأت بخط يحيى بن جرير التكريتي في كتابه الذي ضمنه أوقات بناء المدن، وقد قدمنا ذكره قال: بعد دولة الاسكندر وموته باثنتي عشرة سنة بنى سلوقس اللاذقية، وسلوقية وأفامية، وباروا وهي حلب وإذا سا وهي الرها، (٤) وكمل بناء أنطاكية، وكان بناها قبله، أعني أنطاكية، أنطيغنوس في السنة السادسة من موت الاسكندر.
стр. 75
قال يحيى بن جرير: بني أنطيغنوس الملك على نهر أورنطس (١) مدينة سماها أنطوغنيا وهي التي كمل سلوقوس بناءها، وزخرفها وسماها على اسم ولده أنطيوخوس، وهي أنطاكية.
وذكر أحمد بن محمد بن اسحاق الهمذاني المعروف بابن الفقيه، فيما قرأته في كتاب البلدان وأخبارها من تأليفه قال: وقال الهيثم بن عدي: (٢٢ - و) أنطاكية بناها أنطيخس الملك الثالث بعد الاسكندر (٢) وقد ذكرنا عن أبي العلاء أن الذي بناها يقال له أنطيخنوس الملك.
وقرأت في تاريخ قديم وقع الي وعدد فيه ملوك سورية قال: وهي بالشام فذكر سلوقس، وهو الذي بنى حلب وقنسرين، ثم ملك بعده أنطياخوس بن سوطر تسعا وعشرين سنة، وبنى أنطاكية، وسمي الاله خمسة عشر سنة.
وقرأت في تاريخ سعيد بن بطريق النصراني قال: وملك بطلميوس محب أمه عشرين سنة، وفي أيامه غلب على الشام وأرض يهوذا أنطياخوس ملك الروم، فأخرج اليهود من الشام، ونالهم منه كل شدة وعذاب. وملك بعده أخوه بطلميوس ويلقب أيضا الصائغ ثلاثا وعشرين سنة، وفي أيامه بنى أنطياخوس ملك الروم أنطاكية، وسماها باسمه فسميت مدينة أنطياخوس وهي أنطاكية (٣).
وقرأت في بعض ما علقته من الفوائد قيل ان أول من سكن أنطاكية وعمرها أنطاكية بنت الروم بن اليفن بن سام بن نوح، وهي أخت أنطاكية باللام.