قال الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: حدثنا إبراهيم بن محمد ابن يحيى المزكي النيسابوري قال: حدثنا محمد بن اسحاق الثقفي السراج قال:
رأيت في كتاب أبي حسان الزيادي: الأشعث بن قيس، يكنى أبا محمد، مات بعد قتل ابن أبي طالب بأربعين ليلة فيما أخبر عن ولده وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.
أنبأنا أبو القاسم بن الحرستاني عن أبي محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي وأبي القاسم بن السمرقندي-قال أبو محمد: حدثنا أبو بكر الخطيب، وقال ابن السمرقندي: أخبرنا أبو بكر بن الطبري-قالا: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن الحسين قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يعقوب قال: سمعت موسى ابن عبد الرحمن بن مسروق الكندي قال: مات الأشعث بن قيس في زمن معاوية وفي آخر إمرة، وكان يكنى أبا محمد، وكانت ابنته تحت الحسن بن (٢٤٦ - و) علي. قال أبو يوسف زعموا أنها هي التي سمته.
هكذا وقع في النسخة: وفي آخر إمرة، وأظنه سقط من الكتاب «الحسن»، والصحيح: وفي آخر إمرة الحسن، وقد سبق القول بأنه مات في الوقت الذي صالح فيه الحسن بن علي معاوية.
قال أبو محمد السلمي: أنبأنا أبو محمد التميمي قال: أخبرنا مكي بن محمد بن الغمر قال: أخبرنا أبو سليمان بن زبر قال: قال الهيثم بن عدي، وأبو موسى محمد بن المثنى والمدائني: وفي سنة أربعين مات أبو رافع، وحسان بن ثابت، والأشعث بن قيس، وذكر غيرهم.
أنبأنا أبو البركات الحسن بن محمد قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: أخبرنا أبو غالب الماوردي قال: أخبرنا أبو الحسن السيرافي قال: أخبرنا أبو عبد الله النهاوندي قال: حدثنا أحمد بن عمران قال: حدثنا موسى بن زكريا قال: حدثنا خليفة بن خياط قال: وفيها-يعني سنة أربعين-مات الأشعث ابن قيس (١).
قال الحافظ: أخبرنا أبو الحسن بن البقشلان قال: أخبرنا أبو الحسن بن
стр. 1857
الآبنوسي قال: أخبرنا عيسى بن علي قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: سمعت هارون بن عبد الله يقول: الأشعث بن قيس الكندي، كنيته أبو محمد، توفي بالكوفة حيث صالح الحسن بن علي معاوية، وصلى عليه الحسن بن علي. قال عبد الله: بلغني عن بعض ولد الأشعث، أن الأشعث توفي بعد مقتل علي ﵇ بأربعين ليلة ودفن في داره (١).
أنبأنا ابن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو القاسم بن البشري قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص -إجازة- (٢٤٦ - ظ) قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن عبد الرحمن بن السكري قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة قال: أخبرني أبي قال:
حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام قال: سنة أربعين فيها مات الأشعث بن قيس الكندي (٢).
وقال أبو القاسم بن السمرقندي: أخبرنا عمر بن عبيد الله بن عمر قال: أخبرنا أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا عثمان بن أحمد قال: حدثنا حنبل بن اسحاق قال: وبلغني أنه مات الأشعث بن قيس في سنة أربعين بعد مقتل علي بن أبي طالب وكنيته أبو محمد وكان الحسن بن علي تزوج ابنته.
أشناس التركي:
قائد مذكور مشهور، قدم حلب صحبة المأمون حين قدمها للغزو، ووجهه المأمون الى حصن سندس (٣) غازيا، فأتاه برئيسه، وكان أيضا على مقدمة المعتصم حين فتح عمورية، واجتاز بحلب، وولاه الواثق الجزيرة والشام جميعه، ومصر والمغرب، فكانت حلب وعملها في ولايته، وتوجه الى ولايته في شهر رمضان سنة
стр. 1858
ثمان وعشرين ومائتين، وتوجه الواثق وألبسه وشاحين بالجوهر، ذكر ذلك ابن أبي الأزهر (١) في تاريخه وقال: ونظر في صلات المعتصم لأشناس فوجد مبلغها أربعين ألف ألف درهم.
وقرأت في الأخبار الطوال تأليف أبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري قال:
إن أحمد بن أبي دؤاد وجد على الأفشين لكلام بلغه عنه فأشار على المعتصم بالله أن يجعل الجيش نصفين نصفا مع الأفشين ونصفا مع أشناس، ففعل المعتصم ذلك فوجد الأفشين منه (٢٤٧ - و) وطال حزنه واشتد حقده (٢).
وقرأت في تاريخ ابن أبي الأزهر قال: وذكر الفضل بن مروان أن أشناس كان اذا سكر عربد، وكانت امرأته غالبة عليه، وكان يخافها خوفا شديدا، فإذا بلغها عربدته شدت عليها ثيابها وأخذت قوسها وسهامها، ووقفت بإزائه تشتمه وتهدده فينام، فشق ذلك على المعتصم، فبعثني إليها أنكر عليها فعلها، وأعرفها محل أشناس وجلالته، وأن هذا يغض منه، فقالت: ما أجيبك إلا بحضرته، فلما حضر قالت له: أتكره ما أفعله أم تحبه؟ قال: بل أحبه وأسربه، فقالت: ما عندي لك جواب غير هذا، قال، فرجعت الى المعتصم، فأخبرته فأمسك عنها.
قال ابن أبي الأزهر: ومات أشناس سنة ثلاثين ومائتين في شهر ربيع الاول.
كتب إلينا أبو روح عبد العزيز بن محمد بن أبي الفضل من هراة أن زاهر بن طاهر الشحامي أخبرهم-إذنا-قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن أحمد البندار عن أبي أحمد عبيد الله بن محمد بن أحمد بن أبي مسلم المقري قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي-إجازة-قال: سنة اثنتين وخمسين ومائتين مات أشناس، وخلف خمسمائة ألف دينار فأخذها المعتز (٣).
стр. 1859
أشهب النخعي:
شهد صفين مع علي ﵁، وقال شعرا يومئذ ذكره أبو مخنف لوط في كتابه (١) وقال: وحدثني الحارث بن حصير عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود أن عليا سار من النخيلة في أكثر من تسعين ألفا فكثر فيهم الكلام، وجعلوا يسألونه عما لا ينبغي أن يسألوه وظهر الاختلاف (٢٤٧ - ظ) فكانوا لا يرتحلون من منزل إلا نقصوا وكان جل القوم علي ما يحب علي فقال النجاشي (٢):
أرانا نخالف أمر الامام … وفي كل منزلة ننقص
وذكر أبياتا، وقال: فلما سمع علي قول النجاشي شق عليه، ولم يكن مع علي حي أجمع على ما يريد من النخع، فلما رأت النخع ثقل ما قاله النجاشي على على، وكانوا جماعة كثيرة غدا الأشهب النخعي على علي والناس مجتمعون فقال:
يا أمير المؤمنين إني لا أقول قول صاحبي ولكني أقول:
إذا جعل الناس أهل العراق … فإن رجال العراق النخع
هم هامة الحي من مدحج … وحاموا الظعائن عند الفزع
يضرون يوما كما ينفعون … ومن ضر في حال ضر نفع
دعانا علي فلم نأته غداة … دعانا لحب الطمع
ولكن أجبنا الى دعوة بها … نفع الله أهل البدع
أطعنا فلم نعصه جمّة … وكان متى يدع فينا نطع
فكم فئة قد فقا عينها … وعزّ أذل وعات قمع
وخطة حق دعا منهضا … إليها وخطة ضيم منع
وغاية حق جرى سابقا … إليها فلما أتاها نزع
وأمر يشاد بنا دونه … حواه وأنف أشم جدع
فلولا ولا ليت في أمره … لدين ودنيا وكلاّ جمع (٣)
стр. 1860
ذكر من اسمه أصبغ
أصبغ بن الاشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي:
وقد سبق تمام نسبه في ترجمة أبيه، قيل إنه قدم دابق أميرا على كندة وغسان في جيش مسلمة بن عبد الملك الذي جهزه عبد الملك بن مروان مع ابنه مسلمة الى القسطنطينية، وتوجه بهم مسلمة من دابق الى المصيصة، ثم دخل الى بلاد الروم.
روي ذلك عن عبد الله بن سعيد بن قيس الهمداني.
أنبأنا أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد القاضي قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: أنبأنا أبوا محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي وهبة الله بن أحمد الأكفاني قالا: أخبرنا أبو الحسين طاهر بن أحمد القائني-زاد الأكفاني: وأبو بكر الخطيب، ح.
قال أبو القاسم: وحدثنا أبو القاسم وهب بن سلمان السلمي قال: أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني قال: أخبرنا أبو الحسين طاهر القائني وأبو بكر الخطيب، قالا: أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه قال: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا أبو علي الحسن بن سلام السواق قال: حدثنا الصباح بن بيان البغدادي قال: حدثنا يزيد بن أوس الحمصي عن عامر بن شرحبيل عن عبد الله بن سعيد بن قيس الهمداني-في حديث طويل في جزء أخبرنا بإسناده أبو النجم بدر بن عبد الله، قال: أخبرنا-وأبو الحسن بن سعيد قال: حدثنا أبو بكر الخطيب قال:
أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه فذكره بإسناده ولم يسق الحديث بتمامه. (٢٤٨ - ظ)
قال: لما قدم الناس من جميع الآفاق، قام-يعني-عبد الملك فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن العدو قد كلب عليكم، وقد طمع
стр. 1861
فيكم وهنتم عليه لترككم الغزو لهم، واستخفافكم بحق الله، وتشغلكم عن الجهاد في سبيل الله، وقد علمتم ما وعد ربكم في الجهاد لعدوه، وقد أردت أن أغزيكم غزاة كريمة شريفة الى صاحب الروم أليون (١)، والله مهلكهم ومبدد شملهم، ولا قوة إلا بالله العظيم، وقد جمعتكم يا معشر المسلمين وأنتم ذوو البأس والنجدة والشجاعة، وإن من حق الله تعالى أن تقوموا لله سبحانه بحقه ولنبيه ﷺ بنصرته، وقد أمّرت عليكم مسلمة بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، ترشدوا وتوفقوا، فإن استشهد فالأمير من بعده محمد بن خالد بن الوليد المخزومي، فإن استشهد فالأمير من بعده محمد بن عبد العزيز، وقد وليت الغنائم رجاء بن حيوة وصيرته أمينا على مسلمة وعليكم، وقد وليت على تميم محمد بن الأحنف، وعلى همدان عبد الله بن قيس، فقلت: يا أمير المؤمنين ولّ غيري فإني قد آليت أن لا أكون أميرا أبدا، فولى همدان صدقة بن اليمان الهمداني، وعلى ربيعة عبد الرحمن بن صعصعة، وعلى طيء ولخم وجذام عبد الله بن عدي بن حاتم الطائي، وولى على قيس الضحاك بن مزاحم الأسدي، وولى على بني أمية وجماعة قريش محمد بن مروان بن الحكم وولى على كندة وغسان الأصبغ بن الأشعث (٢٤٩ - و) الكندي، وولى على رؤساء أهل الحجاز عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وولى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطال، وولى على رؤساء أهل مصر يزيد بن مرة القبطي، وولى على رؤساء أهل الكوفة الهيثم بن الأسود النخعي، وولى على أهل البصرة سليمان بن أبي موسى الأشعري، وولى على رؤساء أهل اليمن جابر بن قيس المذحجي، وولى على رؤساء أهل الجبال عبد الله بن جرير بن عبد الله البجلي.
ثم أقبل على مسلمة بن عبد الملك فقال: يا بني إني قد وليتك على هذا الجيش فسر بهم، وأقدم على عدو الله أليون كلب الروم، وكن للمسلمين أبا رحيما، ارفق بهم وتعاهدهم وإياك أن تكون جبارا عنيدا مختالا فخورا، ثم عرض الناس فانتخب منهم ثلاثين ألفا من أهل البأس والنجدة، واتخذ من الخيل والفرسان ثلاثين ألفا، وقال: يا بني صيّر على مقدمتك محمد بن الأحنف بن قيس، وعلى
стр. 1862
ميمنتك محمد بن مروان، وصيّر على ميسرتك عبد الرحمن بن صعصعة، وصيّر على ساقتك محمد بن عبد العزيز، وكن أنت في القلب، وصيّر على طلائعك البطال، وأمره فليعس في الليل العسكر فإنه أمين ثقة مقدام شجاع.
وذكر بقية وصيته، قال: فخرج مسلمة يوم الجمعة بعد صلاة الظهر وذلك أول يوم من رجب، وخرجنا معه، وخرج عبد الملك معنا يشيعنا حتى بلغ باب دمشق، ثم خرج معنا مسلمة وعسكرنا على رأس أربع فراسخ من دمشق وذكر القصة بطولها. (٢٤٩ - ظ)
أصبغ بن ذؤالة الكلبي،
أبو ذؤالة كان في صحبة مروان بن الحكم بعد ما بويع له بالخلافة حين قدم الرصافة متوجها الى الرقة، وكان الأصبغ بتدمر منابذا لمروان مع أهل تدمر، فسار إليهم الأبرش بن الوليد الكلبي، حتى توجه مروان إليهم، فأجابه منهم جماعة فيهم الأصبغ بن ذؤالة، وابنه حمزة، وهرب الباقون الى برية كلب، فانصرف الأبرش بمن تابعه الى مروان وفيهم الأصبغ، فساروا في صحبته الى الرصافة حين توجه الى الرقة لتوجيه ابن هبيرة الى العراق، ولمحاربة الضحاك ابن قيس (١).
أنبأنا القاضي أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد قال: أخبرنا علي بن الحسن الحافظ قال: أصبغ بن ذؤالة، أبو ذؤالة الكلبي، له ذكر في أهل دمشق.
قرأت على أبي الوفاء حفاظ بن الحسن عن عبد العزيز بن أحمد قال: أخبرنا عبد الوهاب الميداني قال: أخبرنا أبو سليمان زبر قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا محمد بن جرير قال: حدثني أحمد بن زهير قال: حدثنا علي بن محمد عن يزيد بن مصاد الكلابي عن عمرو بن شراحيل قال:
أجمع على قتل الوليد-يعني-ابن يزيد قوم من قضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصة، فأتى حريث (٢٥٠ - و) وشبيب بن أبي مالك الغساني، ومنصور بن
стр. 1863
جمهور، ويعقوب بن عبد الرحمن وحبال بن عمرو ابن عم منصور، وحميد بن نصر اللخمي والأصبغ بن ذؤالة وطفيل بن حارثة، والسري بن زياد بن علاقة خالد بن عبد الله فدعوه الى أمرهم، فلم يجبهم، فسألوه أن يكتم عليهم، قال:
لا أسمي أحدا منكم، وأراد الوليد الحج فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق فأتاه فقال يا أمير المؤمنين أخر الحج العام، قال: ولم؟ فلم يخبره، فأمر بحبسه، وأن يستأدي ما عليه من أموال العراق (١).
أصبغ بن ضرار:
شهد صفين مع معاوية بن أبي سفيان، وأسره الأشتر بن الحارث النخعي ثم أطلقه بإذن علي ﵁ وكان شاعرا.
قرأت في كتاب الفتوح لأبي محمد بن أعثم في خبر صفين قال: وجاء الليل فحجز بين الفريقين، وكان رجل من أهل الشام يقال له الأصبغ بن ضرار يخرج من الليل من عسكر معاوية فيكون حارسا وطليعة لمعاوية، قال فبدر له علي رضوان الله عليه الأشتر، وقال: إن قدرت عليه فخذه ولا تقتله وجئني به، قال: فاحتال عليه الأشتر فأخذه أسيرا من غير أن يقاتله ثم جاء به الى رحله ليلا فشد وثاقه ينتظر به الصباح قال: وأيقن الرجل بالقتل، وكان مفوها شاعرا فأنشأ يقول:
ألا ليت هذا الليل أطبق سرمدا … على الناس لا يأتيهم نهار
(٢٥٠ - ظ)
يكون كذا حتى القيامة إنني … أحاذر في الاصباح ضرمة نار
فيا ليل طل لي ان لي فيك راحة … وفي الصبح قتل أو فكاك أساري
ولو كنت تحت الارض تسعين واديا … لما رد عني ما أخاف حذاري
فيا نفس مهلا ان للموت غاية … فصبرا على ما ناب يا بن ضرار
أأخشى ولي في القوم رحم قريبة … من الأمر ما أخشى والأشتر جاري
ولو أنه كان الاسير ببلدة … أطاع بها شمرت ذيل إزاري
ولو كنت جار الأشعث الخير … فكني وفرّ من الأمر المخوف فراري
стр. 1864
وجار المرادي العظيم وهانئ … وزحر بن قيس ما كرهت نهاري
ولو أنني كنت الأسير لبعضهم … دعوت عميد القوم عند عثاري
فإلاّ يغثني في الصباح بنعمة … يفك بها عني فقبري داري
قال: فلما سمع الاشتر هذه الابيات كأنها حركته، ثم غدا به الاشتر على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فقال: يأمير المؤمنين هذا رجل أخذته البارحة أسيرا بلا قتال، والله لو عملت أن قتله الحق لقتلته وقد بات عندي البارحة، وحركني بأبيات قالها، فإن أحببت قتله فأقتله، وإن كنت فيه بالخيار فهبه لي، فقال علي بن أبي طالب ﵁: هو لك يا مالك، فإذا أصبت أسيرا فلا تقتله، فإن أسير أهل القبلة لا يقتل ولا يقاد قال: فرده الأشتر الى رحله، فأحسن إليه ورد عليه ما كان (٢٥١ - و) أخذ منه وأطلقه (١).
أصبغ بن عمر بن عبد العزيز:
ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي كان بخناصره مع أبيه، وشهد وفاته بدير سمعان، وقد ذكرنا في ترجمة أخيه ابراهيم بن عمر أنه لما احتضر عمر دعا بنيه وهم بضعة عشر ذكرا، فنظر إليهم فذرفت عيناه، ثم قال: بنفسي الفتية الذين تركتهم عيلا، لا شيء لهم بل بحمد الله تركتهم بخير، الى آخر القصة، وكان أصبغ أحدهم.
أنبأنا أبو البركات الحسن بن محمد قال أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال:
أصبغ بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي له ذكر وأعقب عقبا (٢) (٢٥١ - ظ).
***
стр. 1865
أصبغ بن نباته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أبو القاسم التميمي المجاشعي الحنظلي الدارمي الكوفي، شهد صفين مع علي ابن أبي طالب ﵁، وروى عنه وعن الحسن بن علي ﵁ وأبي أيوب الأنصاري.
روى عنه سعد بن طريف الاسكاف، وعلي بن حزور، وثابت بن أبي صفية الثمالي، ويحيى بن أبي الهيثم الكوفي وفطر، والأجلح.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحصين قال: أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان قال: حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الشافعي قال: حدثنا الحسين بن عمر الثقفي الكوفي قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا عمرو بن بزيع قال حدثنا علي بن حزور عن الأصبغ بن نباتة عن علي في حديث ذكره قال: إن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب مع الملائكة، لم ينحل (١) أحد ممن مضى من الامم غيره شيء أكرم الله به محمدا ﷺ .
أخبرنا أبو محمد عبد البر بن الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد العطار الهمذاني في كتابه إلينا منها قال: أخبرنا أبو المحاسن نصر بن المظفر البرمكي قال:
أخبرنا أبو القاسم الاسماعيلي قال: أخبرنا حمزة السهمي قال: أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ قال: أصبغ بن نباتة صاحب علي بن أبي طالب رضي الله، يروى عنه أحاديث غير محفوظة.
стр. 1866
أخبرنا حسن بن أحمد بن يوسف إذنا قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر السلفي -إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا ثابت بندار قال أخبرنا الحسين بن جعفر قال: أخبرنا الوليد بن بكر قال: حدثنا علي بن أحمد بن زكريا قال: حدثنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي قال: حدثني أبي أحمد إملاء من حفظه قال: أصبغ بن نباتة، كوفي تابعي ثقة.
قال: أبو أحمد بن (٢٥٢ - و) عدي قال: حدثنا محمد بن علي المروزي قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال: قلت ليحيى بن معين: الأصبغ بن نباتة؟ قال:
ليس بشيء.
قال أبو أحمد: حدثنا ابن حماد قال: حدثنا عباس قال: سمعت يحيى يقول:
أصبغ بن نباتة ليس بثقة.
وقال حدثنا ابن حماد قال: حدثنا معاوية عن يحيى قال: أصبغ بن نباتة ليس بشيء.
وقال: حدثنا أحمد بن علي المظفري قال: حدثنا عبد الله بن أحمد الدورقي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: الأصبغ بن نباتة ليس حديثه بشيء.
وقال كتب إلي محمد بن الحسن البصري: حدثنا عمرو بن علي قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عن الاصبغ بن نباتة بشيء قط.
وقال كتب إلي محمد بن أيوب حدثنا يحيى بن معين قال: قال: جرير كان المغيرة لا يعبأ بحديث الأصبغ بن نباتة (١).
أخبرنا أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر الاسكندراني، بمنظرة سيف الاسلام بين مصر والقاهرة، قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال: أخبرنا أبو صادق مرشد بن يحيى المديني قال: أنبأنا أبو الحسن علي بن منير بن الحلال قال:
أخبرنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري قال: حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان قال: الأصبغ بن نباتة متروك الحديث (٢).
стр. 1867
أنبأنا أبو الحسن بن أبي عبد الله النجار عن الفضل بن سهل الحلبي قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا أبو بكر البرقاني قال: أخبرنا ابن خميرويه قال:
أخبرنا الحسين بن إدريس قال: سمعت (٢٥٢ - ظ) ابن عمار يقول: وأصبغ بن نباتة ضعيف (١).
أخبرنا أبو الفضل جعفر بن أبي البركات الهمذاني في كتابه قال: أخبرنا أبو طاهر السلفي قال: أخبرنا محمد بن الأكفاني قال: أخبرنا عبد العزيز الكتاني قال:
أخبرنا عبد الوهاب الميداني قال: حدثنا أبو هاشم السلمي قال: حدثنا القاسم بن عيسى العصار قال: حدثنا أبو اسحاق ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال: كان أصبغ بن نباتة زائفا.
ذكر أبو محمد بن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل قال: الأصبغ بن نباتة أبو القاسم الحنظلي التميمي روى عن علي، روى عنه فطر والأجلح، وسعد بن طريف. سمعت أبي يقول ذلك. قرئ على العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: الأصبغ بن نباتة ليس بشيء. قال: سألت أبي عن أصبغ بن نباتة فقال: لين الحديث، قلت وعقيصا؟ قال: ما منهم غير أن أصبغ أشبه (٢).
أخبرنا أبو محمد بن أبي العلاء في كتابه قال: أخبرنا أبو المحاسن البرمكي قال: أخبرنا أبو القاسم الاسماعيلي قال: أخبرنا حمزة السهمي قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي قال: أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين بن زياد الكوفي قال: حدثني يحيى بن زكريا اللؤلؤي قال: حدثنا محمد بن سنان عن أبي الجارود قال: قلت للأصبغ بن نباتة: ما كان منزلة هذا الرجل فيكم-يعني عليا ﵁؟ قال:
ما أدري ما يقولون إلا أن سيوفنا كانت على عواتقنا فمن أومأ إليه ضربناه.
قال ابن عدي: وأصبغ بن نباتة لم أخرج له هاهنا شيئا، لأن عامة ما يرويه عن علي لا يتابعه أحد عليه، وهو بين الضعف، وله عن علي أخبار وروايات، وإذا
стр. 1868
حدث عن الأصبغ ثقة فهو البأس بروايته، وإنما أتي من الانكار من جهة من روى عنه لأن الراوي عنه لعله يكون ضعيفا (١).
أصبغ صاحب أبي مسهر الدمشقي:
حكى عن أبي مسهر وكان خرج في صحبته من دمشق الى الرقة حين امتحنه المأمون، واجتاز في طريقه معه بحلب (٢٥٣ - و) أو ببعض عملها إن لم يكن دخلها. حكى عنه أبو محمد التميمي.
الاصيلح المعلم الكفرطابي:
كان معلما بكفر طاب وله شعر.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد القرطبي عن مؤيد الدولة أبي المظفر أسامة ابن مرشد بن علي بن منقذ قال: كان الأصيلح معلما في كفر طاب، وكان يوسف بن المنيرة أبو أستاذي حائكا ثم تأدب، وصار معلما فقال فيه الأصيلح:
أي عقل لحائك في الأنام … لا ولو قيد نحوه بزمام
نصفه نازل مع الجن في البئر … وباقيه قاعد في قيام
***
стр. 1869
من اسمه الاعز
الاعز بن فضائل بن العليق:
أبو نصر، حدث عن شهدة بنت الآبري، ولاحق بن كاوه، وأبي الحسين بن يوسف.
أخبرني بعض أهل الحديث أنه سأله عن دخوله حلب، فأخبره أنه دخلها.
الاعز بن كرم بن محمد بن علي أبو محمد الحربي:
التاجر المعروف بابن الاسكاف ويعرف أيضا بابن كداياه من أهل الحربية (١) سمع الحديث من أبي المعالي عمر بن بنيمان المستعمل وأبي القاسم يحيى بن ثابت ابن بندار البقال، وأبي العز عبد المغيث بن زهير بن زهير الحافظ الحربي وغيرهم.
وأجازت له الكاتبة شهدة بنت الآبري وغيرها وحدث بالكثير، وروى لي عنه صاحبنا أبو حفص عمر بن علي بن هجان البصري حديثا، وذكر لي انه دخل حلب، وسافر في التجارة الى كثير من البلاد شرقا وغربا. قال لي: وكان شيخا صالحا مهيبا، سهلا حسن الوجه مليح الشيبة سخيا كريما، ذا مروءه، وقف الوقوف وسبل السوابل، وكان كثير الصدقة والمعروف، (٢٥٣ - ظ) كان يطوف بالليل على المساكين والارامل بنفسه، فيعطيهم سرا ولا يعلمون من هو. قال لي:
وكان مولده في سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
حدثنا عز الدين أبو حفص عمر بن علي بن دهجان البصري بالجانب الغربي من بغداد، وكتبه لي بخطه، قال: أخبرنا الأعز بن كرم-بقراءتي عليه وهو يسمع بالحربية-قال: أخبرنا أبو القاسم يحيى بن ثابت بن بندار-قراءة عليه في شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة-قال: أخبرنا أبي ابو المعالي ثابت-قراءة عليه-
стр. 1870
قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن بكير البزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن سلم الختلي قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الابار قال:
حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا ابن مهدي قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا يقولن احدكم اللهم اغفر لي إن شئت فإنه لا مكره له ولكن ليعزم المسألة (١).
أخبرني ابن دهجان البصري أن الأعز بن كرم توفي في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من صفر سنة إحدى وأربعين وستمائة، ودفن في يوم الاربعاء بباب حرب ﵀.
الاعسر بن مهارش الكلابي:
فارس شاعر أعرابي من بني كلاب، قدم حلب على سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان، وحكى له حكاية عشقه الصيقل بنت طراد بن خشرم الأسدي، فاستحسن سيف الدولة خبره وزوجه إياها (٢٥٤ - و) وأحسن اليهما.
قرأت الحكاية في مجموع عتيق مكتوب في أيام سيف الدولة، أو قريب من عصره، وشاهدتها في المجموع على الصورة التي أذكرها بخط بعض الاخباريين في جزء وقفت عليه في وقف الامام الناصر أبي العباس أحمد بالخلاطة في الجانب الغربي ببغداد.
قال: وبلغني أن سيف الدولة-﵀، وفد عليه الأعسر بن مهارش الكلابي في ثلاثين رجلا من بني كلاب، بعد ما صالح سيف الدولة بني كلاب، فدخلوا عليه فخطبوا خطبا حسنة، فأجازهم، وأعطاهم، وكانوا أتوا في رسائل، فأقاموا ينتظرون الجواب لرسائهم، وكان الأعسر يحضر مجلس الامير سيف الدولة في كل يوم، فإنه ذات يوم في مجلسه اذ أخذوا في حديث العشق والتتيم، فقال أبو فراس الحارث بن حمدان: أيها الأمير بلغني أن مع الأعسر طرفا من ذلك فاسأله يخبرك، فقال سيف الدولة: حدثنا حياك الله فإنا نحب حديثك، فقال: أيها الامير أما إذ سألتني قبل إعلامي لك فإني سأحدثك: إعلم أيها الأمير أطال الله بقاءك،
стр. 1871
إنا كنا نسكن بسنجار، وخيامنا هناك، وكان على فرسخين من حلتنا حلة بني أسد، وكان لي فيها ودّ كان لوالدي وصديق يقال له طراد بن خشرم، وكنت كثيرا أطرقه وأسلم عليه وعلى جماعة أودهم من الحلة، وإني طرقته أيها الأمير في بعض الأوقات فلما قربت من الحلة، وإذا أنا بعطعطة (١) وزعقات، فأجريت فرسي فإذا أنا بأهل (٢٥٤ - ظ) الحلة في حرب عظيم وأمر مهول، فتقدمت الى أول بيت لقيني فقلت:
يا أهل البيت أنعموا صباحا، فخرجت وليدة سوداء فقالت: وأنت نعم لك الصباح، قلت: ما أوقع الحرب بين هذين الفيلقين؟ فقالت: إعلم أن طراد بن خشرم له ابنة يقال لها صيقل من أحسن النسوان، لم ير أحد مثلها، وأن خفاف بن ندبة كان ودا لوالدها وصديقا، وكان يطرقة كثيرا، ويقيم عنده، فرأته ابنته ورآها فتحاببا وتعاشقا، وزاد ذلك حتى فشا في الحي، فلما كان قريبا وجه يتهدده، ويقول له:
والله لئن لم تزوجني لأكبسن الحلة ولأدوسنها ببني قشير، فقال له: ما أنت إلا أهل لذلك، ولكن قد فشا الحديث بين أهل الحي، وأنا أكره القالة القبيحة، فعاوده فسبه وخرج خفاف مغضبا يزأر، ولم نشعر به حتى طرقنا البارحة بسحرة، في بني أبيه من بني قشير وأحلافهم من عجلان وطئ، وقد طحنوا الحلة طحنا، فلما سمعت ذلك تهلزت (٢) للحرب، وأردت أري أهل الحلة شجاعتي وفروسيتي وتنكرت، واختلطت ببني أسد، ثم خرجت بين الصفين والقوم زردقا (٣) زردقا، فضربت ميمنة وميسرة وقلبا وارتجزت وقلت:
من منكم ينشط للنزول … الى شجاع بطل بهلول
يفرق الجمع ولا يزول … يرديكم من فوق ذي الخيول
حتى يغادي جيشكم مفلول (٢٥٥ - و)
فانتدب لي شاب من بني عجلان يقال له حنظلة بن دارم فخرج وجال بين الصفين وقال:
стр. 1872
أنا الشجاع البطل البهلول … لتعلمن غب ما تقول
سوف أعممك على الفلول … بصارم ليس يرى مفلول
وتدانى إلي وتدانيت إليه، وكف العسكران، وأحجموا ينظرون إلينا، فطال بيننا الضرب الى أن ضربته ضربة على حبل عاتقه حلت كتفه وأرديته عن فرسه وجريته الى أصحابي، وجلت بين الصفين وأنشأت وأنا أقول:
من شيمتي الكر على القبائل … والخوض في دم الفتى المقاتل
إني أنا الفارس والحلاحل (١) … قبيلتي تسمو على القبائل
معروفة بالكر في الجحافل
فبرز لي رجل من طيء يعرف بهمدان بن عكرمة فجال بين الصفين وارتجز وهو يقول:
الحرب تارات أبا مقاتل … لا تحسبني مثل ذاك الفاشل
لتعلمن أينا حلاحل … وأينا يفلل الجحافل
ويقتل السادات في القبائل
ودنا مني ودنوت منه، وجرى بيننا أمر عظيم، وبدرني بضربة في قمتي كشطت من رأسي قطعة، وضربته ضربة في هامته قطعتها، وحمل أصحابه عليه فأخذوه واشتملت وجعلت أجول بين الصفين، فتغيظ مني أمير الجيش وهو خفاف بن ندبة، فقال: من هذا الذي قد فلّل جموعكم وقتل أبطالكم؟ قالوا: ما نعلم غير أنه (٢٥٥ - ظ) بطل، فقال: دونكم فرسي الغضبان، فأتي بفرسه، فركبه وتدرع وخرج وهو غائص في الحديد وبارزني فتجاولنا ومضت بيننا عركات ورأيته ثبتا جريّ الجنان، قوي القلب لا رعديد ولا فشل، فلما لم يكن لي معه شيء خاتلته وأخذت من طريق الخديعة وقلت: أخذتك ورب الكعبة، وأريته أني أضرب رجليه فاشتغل بها فضربت يده أطرتها، ونفرت به فرسه فأردته، وحمل أصحابي فأخذوه
стр. 1873
وهو حي إلاّ أن يده قد ذهبت ونصف ساعده، فلما علموا أن رئيسهم قد مضى وقع الصراخ والبكاء وانطفأ الحرب، وكفّ الناس وعملوا المواتيم، وأتيت طرادا فقلت له: ما هذه الحروب؟ فأخذ يحدثني وقال لي: لولا أن الله من علينا برجل لا أعلم من هو، غير أني رأيت دابته حنفاء (١)، وكانت فرسي حنفاء غير انه لم يكن مثلها في السباق والركض، فقلت له: إن رأيت الفرس (٢) حاسرا تعرفه قال: نعم فحدرت لثامي فقال: الله أكبر الأعسر ورب الكعبة مرحبا، وقام فقبل رأسي ورأس بني عمي، وكان صحبني من الحلة خمس من بني عمي كانوا معي في الحرب، وبقي خفاف تلك الليلة الى الصباح ينزف دمه، ولم تأت الظهيرة حتى قضى نحبه، ووقع في الحي البكاء والنحيب وفرغوا من أمره، وأخذ أهبته ودفن، وكثر البكاء والنحيب في بني قشير، وأقمت عند طراد ثلاثا، ثم ودعته في اليوم الرابع وقلت: المضي، قال والله (٢٥٦ - و) لا أقمت عندي إلاّ عشرا لأكرمك وأقضى بعض واجب حقك، فسأله بنو عمي الانصراف فأذن لهم بعد شدة، فأقمت أنا عنده يومين بعد ذلك، وكنت لا أصبر عن الشراب، إنما هو قوام حياتي، فقلت لطراد: اني أريد الشراب قال: وكرامة، وأنقذ فأتاني من بعض الحانات بشراب، فسمطت (٣) طعاما وشرابا على فرسي وخرجت ومعي عشرة من شباب بني أسد نتنزه ونشرب وأمعنا في السير الى أن وقعنا على موضع خضر نضر فيه شجر قد عرش، وزهر قد انفرش، وماء جار، وموضع طيب فشربنا على الغدير إلى قرب العصر، ثم فني شرابنا فكررنا راجعين فقال لي بنو عمي: ترغب في السباق إلى الحي؟ قلت: نعم، وطمعوا فيّ لأنهم رأوا دابتي حنفاء فأطلقنا أعنة خيولنا ومررنا سباقا الى الحلة، فسبقتهم أنا بأجمعهم بنحو الميل ووقفت على كثيب أحمر على ظهر الحلة على نشز منها أنتظر أصحابي، فأنا واقف إذ سمعت بكاء وشجى وحنينا وعويلا، فالتفت فأنا (٤) بجارية جالسة على قبر مبيض جديد، وهي تبكي بكاء شجي حرق وتندبه وهي تقول:
стр. 1874
يا واحدا لست بناسيه … نعى إليّ العيش ناعيه
والله ما كنت أرى أنني … أقوم في الباكين أبكيه
والله لو لم يتقبل فدية … لكنت بالمهجة أفديه
بيضت منك القبر يا سيدي … لأنني لست بناسيه
عاذلتي في جزعي أقصري … قد غلق الرهن بما فيه
(٢٥٦ - ظ) فبهت أنظر إليها والى حسن وجهها، ورأيت ما لم أر مثله قط فحاذيتها، وأنشأت أقول:
جرى الدمع من عينيك كالسلك إذ … وهى من العقد أو كالطل (١) في ورق الورد
فخلت البكاء من رقة الخدّ أنه … يؤثر من حر على صفحة الخد
فلو أنت أقصرت البكاء ودعيته … لناداك بالحسنى وقام من اللحد
فلما علمت بي ردت البرقع على وجهها، فكأن الشمس كانت تحجبها بالغيم، وقالت اعدل عني يا عبد الله فما أنا لك بصاحبة فلا تكن طامعا، أما تستحي من ربك أن تنظر ما ليس لك بمحرم، ولحقني أصحابي وأنا في النار فقالوا: سبقت والله بالحنفاء أعيذك بالله، فقلت يا قوم دعوني فإني في حالة، قالوا من أيش؟ قلت:
رأيت هذه الجارية فوقعت والله في نفسي، وقد شغلتني عن سائر أهلي، فقالوا:
تدري هذه من؟ قلت: لا، قالوا هذه ابنة الأمير طراد، وهي التي وقع الحرب من جهتها، وهذا قبر خفاف، قلت: هذه صيقل؟ قالوا: نعم، وكان طراد سيدا في قومه يركب وحده ويرجع في خمسمائة عنان، وسرنا حتى دخلنا الحلة، وأنا كالمريض من جهتها، فأقمت عنده عشرة أيام، فلما كان اليوم الحادي عشر قلت:
قد فعلت ما أمرت، وقد أحببت أن تضيف الى أياديك المخلوفة، وأفاعيلك المألوفة أن تشرفني، قال: بماذا؟ قلت: توصل حبلي بحبلك وتزوجني من الصيقل ابنتك، قال: (٢٥٧ - و) حبذا والله أنت، ولكن ليس نجيب أحدا بعد الماضي، وإنما الحرب جرى من جهتها وفي سبيلها، ولكني أخاطبها ويكون بمحضر منك.
стр. 1875
ثم أخذ بيدي أيها الأمير وأتى بي مضربها، فأجلسني برّا منه حيث أسمع ما يدور بينهما، ودخل اليها فقال لها: يا بنية، الأعسر ممن تعلمين فضله وكرمه وسؤدده، وقد أتانا خاطبا لك فلا تلجين وأنعمي، فبكت وقالت: والله لئن لم تتركني لأقتلن نفسي فعاودها دفعات وهي تأبى، فخرج وهو يشتمها ويلعنها، وخبرني فجزيته خيرا، وودعته وسرت وأنا قلبي عند الصيقل حتى أتيت أهلي ففرحوا بي وتباشروا، واجتمع أهلي وبنو عمي فقلت لهم:
مضيت من عندكم بقلبي … وعدت مضنى بغير قلب
وكنت حيا فصرت ميتا … من حسرة بي تشد كربي
كدت وحق الإله حقا … والبيت والقاصدين سغب (١)
أقضي من حرقة ووجد … ولوعة في الفؤاد نحبي
حسبي يا صيقل بهذا لا … تكثري في الجفا فحسبي
فبهت أهلي وأصحابي، وقالوا: ما الذي دهاك؟ قلت لا تنطق (٢)، وأسرع فأحمل الى طراد جميع ما يطلبه وأطرح عليه جميع من قدرت عليه حتى يزوجني من ابنته، وحدثته الحديث فاغتنم وبكى، وأنفذ الى طراد يرغبه وأكثر له (٣) وهي تأبى أن تتزوج بأحد.
فأقمت مدة بأسوإ حال، ثم إني اشتقت اليها ذات يوم (٢٥٧ - ظ) وطرقني خيالها ليلا، فغدوت أريدها فسرت على فرسي حتى أتيت الحلة، فشممت على قدر ميل نتن روائح وجيفة، فلما وصلت الى الحلة اذا بقتلى كثيرة بعضهم فوق بعض، وأهل الحي زردق زردق، ومحفل محفل في المواتيم والبكاء والنحيب، فتقدمت الى بيت لقيني فناديت يا أهل البيت أنعموا صباحا، فخرجت جارية كالمهاة، وقالت
стр. 1876
وأنت نعم لك الصباح ما تريع؟ (١) قلت: ما طرق الحي، من بني أسد؟ قالت وهي تعصر عينيها من البكاء: طرقهم أسد أخو خفاف بن ندبة فسبى حريمهم وقتلهم وشردهم، وفعل بهم ما ترى قلت: فما فعل طراد وابنته صيقل؟ قالت أسرهما جميعا أسد وهما عنده، فبكيت لذلك، وأتيت أصدقائي في الحي فعزيتهم وهم يبكون فهمت نفسي أن أصير الى حي بني أسد لما أصابني من الحب والوجد، وأن أتحيل في تخليصها، فقلت لهم: وعلى كم فرسخ نحن من حي بني قشير؟ قالوا:
ثلاثة فراسخ، فودعتهم وكان مغيب الشمس وسرت على العيوق (٢) والنسرين أطلب قاع الريح، وكانوا بها نازلين، فلم يمض الثلث من الليل حتى أشرفت على الحي واذا الخيام والقباب والأحمال كالكواكب، ولم أصل الى الحي حتى أطفئت المصابيح وهدأ النبيح، وكانت ليلة مقمرة، فنظرت والحي هاد الأخبية مطنبة الى جوانب الجدرانات، فحملت في واد كثير العوسج والمدر فاختفيت فيه، ثم اني فكرت وحسبت من الأسد، فارتقيت في أعلى شجرة دوم (٣) أتنظر راعي غنم، راعي إبل، بعض عجائز (٢٥٨ - و) الحي ممن يخرج يلتقط الحنظل، فاني لكذلك، وإذا بجويرية سمراء قد أقبلت ومعها عباء فبسطتها وأقبل معها شاب فبركا جميعا يتحادثان ويتشاكيان أطيب من قضم السكر، ومن الشهد المصفى، فأقاما على ذلك ساعة من الليل، ثم قال يا بصيرة ارقدي حتى نرقد ساعة، قالت: والله يا محبوب ما الى ذلك من سبيل لأني مع النسوان الذين قد وكلوا بحفظ الصيقل، فأصغيت حينئذ اليها، فقال لها: والله ما بد لي من ذلك، ثم أكرهها، ورقدا جميعا فمكثا هويا من الليل، ثم قاما، وعاد الرجل الى نومه، وقامت الجارية فنزلت فاعترضتها في سنم الوادي، فقلت لها: ممن أنت؟ قالت من هذا الحي، قلت اجلسي أتعرفيني، قالت: لا، قلت: أنا الأعسر وقد رأيتك وما صنعت مع محبوب. فاكتمي عليّ
стр. 1877
أكتم عليك، قالت: قل يا انسان فو الله لا تقول شيئا بعد ما رأيتنا الا ويكون عندي كقول الشاعر:
جعلت فؤادي مقرا لسرارة … فما أن له طول الزمان ظهور
كذا الميت لا يرجو الخروج ولا … اللقاء ولا النشر إلاّ أن يكون نشور
قلت: جزاك الله خيرا، إعلمي أن هذه الصيقل حبتي، وقد أتيت الليلة أريد أخنسها (١) فأريد أن تتوصلي اليها وتقولين لها: ان الأعسر بوادي الاراك ومعه دابته الحنفاء، وموعدك الشجرات فاخرجي، قالت: وكرامة ومضت وأتيت أنا الوادي فعقلت فرسي وأنفقت (٢) بالرجل فقال: ممن أنت؟ فأعلمته (٢٥٨ - ظ) أني قد رأيتهما وقلت: حدثني حديثك، قال: أعلم أن هذه ابنة عمي وان أسد -لعنه الله-أغار علينا، ونحن من بني كنانة فأخذ نسوان جماعة استعبدهم منهن ابنة عمي، وكنت أجد بها وجدا عظيما، فلما فقدتها ضاقت علي الأرض بما رحبت، ولم أزل أتوصل حتى خدمت أخاه خفافا في غنمه، فكنا نجتمع في كل ليلة، فلما قتل خفاف صرت معه وقد رضيت منها بهذا، ولا أقدر أخنسها لئلا يتبعنا ويأخذ وله عيون ومراصد، فقد قنعت بهذا، وبكى فرحمته، وأنا أحدثه اذ زعق أفزعني فنظرت فاذا أفعى عظيم أسود سالخ قد لدغه، فاضطرب ساعة وخمد فأصابني والله أمر عظيم، ووقفت بصف الطريق أتنظر النصيرة، واذا بها قد أقبلت فقالت: سوف أخرج، وهي والله فرحانة بذلك، فعرفتها أمر حبيبها المسكين، فبكت بكاء عظيما، وغشي عليها دفعات وأفاقت فتركتني ومضت الى الحي، ثم ركبت فرسي وقد مضت الكواكب، وبدت كواكب السحر تتحدر، واذا بصوت الحديد وخشخشته، واذا بها قد أقبلت في نسوان جماعة فلما وقفت بي، علمت موضعي فقالت: بالله يا أخوات قفن غير صاغرات حتى أقضي حاجة، قلن والله لئن جاء وعلم باخراجك ليقتلنا، قالت لهن: وأين خرج؟ قلن خرج الى ابن عم له عليه مال يريد قبضه ولعله يغيب يومه أو يوما وليلة، فقالت لهن: فلست أتأخر، قلن: فامضي فدخلت إليّ فقالت:
стр. 1878
فك قيدي، فتمطيت في قيودها فقطعتها وأركبتها الحنفاء (٢٥٩ - و) وأنا أسير خلفها عريان إلاّ سراويل عليّ شاهرا سيفي وأبطت عن النسوان فنذروا بنا فتزاعقوا وتصارخوا، وقام أهل الحي فركبوا خيولهم، فبين مسرج وملجم ومزعج ومرهج فامتد خلفنا ثلاثمائة عنان بين أيديهم العبيد بالحجارة يرمونا، وأنا أعدو فكلما علمت أنهم قد قاربوني أتقدم اليهم فأقتل واحدا واثنين وأعطي رجلي الريح، فقطعتهم على ذلك فرسخين، ثم صحت بها خذي عرضا فانك على غلط، فأخذت عرضا وسرنا وهم خلفنا فصرنا قريبا من الحلة، واذا صوت حوافر، فلم نشعر إلاّ وقد طلع أسد في مائتي رجل من قومه شاكين في السلاح، عليهم السكينة والوقار، فلما سمعوا الزعقات أمسكوا أعنتهم وحبسوها، وأحجموا ساعة حتى عرفوا أصحابهم، وفطنت أنا بذلك فصحت بها الحقي بأهلك فأنت قريبة منهم، فأطلقت للفرس عنانه فمر كالريح الهبوب، أو كالماء السكوب حتى دخلت الحلة، واجتمع عليّ الفيلقان وداروا بي كالإكليل، ولما دخلت الصيقل الحي أنذرت أهلها فركبوا على كل صعب وذلول، واستنجدوا ببني تميم أحلافهم، وساروا نحوي فلحقوا بي، فقاتلوا عني حتى خلصوني وفيّ ضربة مثخنة في كتفي، وأنا أقاتل فساعدني القوم فقتلنا منهم مقتلة عظيمة، وأسرنا أسدا وانهزم الباقون، وأخذته أقوده الى الحي، فلما أدخل وقعت البشارة وفرحوا فرحا تاما، فأقام (٢٥٩ - ظ) محبوسا ثلاثة أيام ونفذ بنو قشير يسألوني أن أخلص أسد فقلت: لا أفعل أو يدفعون الى طرادا ومائة ناقة حمرا بحلالها قالوا: لا ولكن ندفع اليك طرادا، قلت: لا إلاّ ومائة ناقة، فلما رأوا مني التصعب أنفذوا الي طرادا ومائة ناقة فسرحت أسدا، ووقع الفرح في الحي وتشكر لي سائر أهل الحي وأقمت عشرة أيام وأنفذت الى طراد أسأله التزويج فكلمها، فأبت فعاودها دفعات فأبت فكتبت إليها بشعر هذا وأومأ الى أبي الطيب المتنبي (١).
أرى ذلك القرب صار إزورارا … وصار طويل السلام اختصارا
تركتني اليوم في حيرة أموت … مرارا وأحيى مرارا
أسارقك اللحظ في خفية … وازجر في الخيل مهري سرارا
стр. 1879
فلما قرأت ذلك ووقفت عليه لم تجبني عليه، وأبت وقد رحلت بها وبأبيها اليك أيها الامير-أطال الله بقاءك، وأدام نعماءك، وكثر في العلو ارتقاءك-وأنا وأبوها نسألك أن تنفذ اليها فتسألها أن تجيب أو تحتم عليها، فاستحسن حديثه سيف الدولة ورحمه وكل من حضر، وأنفذ الى الصيقل فأمرها بالطاعة والتزويج فقبلت، فزفت في دار سيف الدولة الى الأعسر، وأقاما في كنك سيف الدولة في رفاهية من العيش حتى أتاهما اليقين.
أعين بن ضبيعة المجاشعي:
شهد صفين مع علي ﵁، وجعله أميرا (٢٦٠ - و) على بني عمرو وحنظلة البصرة، وقيل على رجالة البصرة.
أنبأنا أبو الفتوح بن الحصري قال: أخبرنا أبو محمد الأشيري قال: أخبرنا أبو الوليد بن الدباغ قال: أخبرنا أبو محمد بن عبد العزيز قال: أخبرنا أبو عمر ابن عبد البر قال: وكان معاوية بعث الحضرمي-يعني عبد الله بن الحضرمي- ليأخذ البصره، وبها زياد خليفة لابن عباس، فنزل عبد الله بن الحضرمي في بني تميم، وتحول زياد الى الأزد، وكتب إلى عليّ، فوجه اليه أعين بن المجاشعي فقتل (١).
قلت: وأظن قتل أعين كان سنة تسع وثلاثين.
الاغر بن أحمد بن عبد المنعم بن سنان:
أبو الفضل القاضي الحلبي، شاعر حسن الشعر، كان بعد الاربعمائة.
وكان أحد قواد ناصر الدولة الحسين بن الحسن بن حمدان (٢)، وكان معه بمصر، ويغلب على ظني أنه من بني القاضي الأسود (٣) عبد المنعم بن عبد الكريم ابن أحمد بن سنان الخفاجي.
стр. 1880
أنشدني أبو السعادات المبارك بن حمدان الموصلي قال: قرأت في مجموع عتيق هذه الأبيات للأغر بن سنان الحلبي وهي:
سهرت وأجفاني صحاح ولم أنم … ونامت ولم تسهر وأجفانها مرضى
ومن أجل ذاك السقم في جفن عينها … سهرت فلم أعرف رقادا ولا غمضا
فياليت هذا العرف لم يك بيننا … فأصبح لا حبا عرفت ولا بغضا
قرأت بخط أبي البيان محمد بن عبد الرزاق بن أبي حصين المعري قاضي حمص في أشعار والده أبي غانم عبد الرزاق بن عبد الله أبي حصين في القاضي الأغر أبي الفضل بن سنان الحلبي قال: وكان جرى منه كلام في حقه عند ناصر الدولة-يعني-ابن حمدان أوجب ذلك وكان ينسب الى الأبنة، وأخبرنا بذلك أبو اليمن الكندي وغيره اجازة عن أبي البيان القاضي عنه:
اذا كان سر في فؤادي كتمته … وإن أبده يوما فاني كان
قلبتم لنا ظهر المجن ولم نكن … لنبدأ كم بالغدر آل سنان
فثالثة العشرين من سورة النساء … فراش لما في النحل بعد ثمان
يريد بثالثة العشرين ما ذكر في الآية أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم (١) وسائر من ذكر في الآية ويريد بقوله ما في النحل بعد ثمان ما ذكر في الآية (٢٦٠ - ظ) والخيل والبغال والحمير (٢).
***
стр. 1881
الاغيبر مولى هشام بن عبد الملك بن مروان:
كان معه برصافة هشام وحكى عن ابن شهاب الزهري، روى عنه رشدين.
أنبأنا زين الامناء الحسن بن محمد قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: أنبأنا أبوا محمد هبة الله بن الأكفاني وعبد الله بن السمرقندي قالا:
حدثنا عبد العزيز الكتاني قال: أخبرنا العلاء بن أبي المغيرة قال: أخبرنا علي بن بقاء الوراق قال: أخبرنا أبو محمد عبد الغني بن سعيد قال: حدثني الحسين بن عبد الله أبو القاسم قال: حدثنا محمد بن محمد الباهلي قال: حدثنا محمد بن الوزير قال: حدثنا مروان قال حدثني رشدين بن سعد قال: حدثني أغيبر مولى هشام ابن عبد الملك قال: سمعت ابن شهاب الزهري يقول: ثلاثة ليس من أمه محمد ﷺ الجعدي والمناني والقدري (١)، قال بعض أصحابنا: هم أصحاب ماني الزنديق: كذا قيده عبد العزيز (٢).
قلت: قوله: هم أصحاب ماني، يعني المنانية.
***
стр. 1882
ذكر من أسمه أفلح
أفلح أبو كثير:
وقيل أبو عبد الرحمن مولى أبي أيوب الانصاري، وكان يكنى بولديه: كثير وعبد الرحمن، كان مع مولاه بصفين وفي غزاة الروم وكان لا يفارقه، وأدرك زمان عمر بن الخطاب وقيل سمع منه ورأى عثمان بن عفان، وعبد الله بن سلام وروى عن مولاه أبي (٢٦١ - و) أيوب وحكى عن معاذ بن عفراء، روى عنه محمد بن سيرين، وأبو الوليد عبد الله بن الحارث، وأبو الورد بن أبي بردة، وأبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، وأبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، ووافد بن عمرو ابن سعد بن معاذ.
قال: أخبرنا أبو القاسم بن الحصين قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب قال:
أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال:
حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا ثابت يعني-ابن زيد قال: حدثنا عاصم عن عبد الله بن الحارث عن أفلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ نزل عليه، فنزل رسول الله ﷺ أسفل، وأبو أيوب في العلو، فكان يصنع طعام النبي ﷺ فيبعث اليه، فاذا رد اليه سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ ، فيتبع أثر أصابع النبي ﷺ ، فيأكل من حيث أثر أصابعه، فصنع ذات يوم طعاما فيه ثوم، فأرسل به اليه فسأل عن موضع أثر أصابع النبي ﷺ ، فقيل لم يأكل، فصعد اليه فقال: أحرام؟ فقال النبي ﷺ : أكرهه، قال: فاني أكره ما تكره، أو قال: ما كرهته. وكان النبي ﷺ يؤتى (١).
стр. 1883
أنبأنا أبو القاسم بن الحرستاني قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي، وأبو القاسم بن السمرقندي-إذنا منهما (٢٦١ - ظ) قال أبو محمد:
حدثنا أبو بكر الخطيب، وقال أبو القاسم: أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري قالا:
أخبرنا محمد بن الحسين قال: حدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يعقوب قال:
حدثنا عمار بن الحسن عن سلمة بن الفضل عن ابن اسحاق قال: ثم سار خالد حتى نزل على عين التمر (١)، وأغار على أهلها فأصاب منهم، ورابط حصنا بها فيه مقاتلة كان كسرى وضعهم فيه، وسبى من عين التمر فكان من تلك السبايا أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، ثم أحد بني مالك بن النجار (٢).
أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد عن أبي غالب بن البناء قال: أخبرنا أبو الحسين ابن الآبنوسي قال: أخبرنا أبو بكر بن بيري-إجازة-قال: حدثنا أبو عبد الله الزعفراني قال: حدثنا ابن أبي خيثمة قال: أخبرنا مصعب بن عبد الله قال: أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، يكنى أبا كثير، وهو من سبي عين التمر، وابنة كثير ابن أفلح وأخوه عبد الله بن أفلح، وأخوه محمد بن أفلح، روي عنهم.
قال أبو حفص: أخبرنا محمد بن ناصر-إجازة إن لم يكن سماعا-قال أخبرنا أبو الفضل بن خيرون وأبو الحسين بن الطيوري، وأبو الغنائم بن النرسي -واللفظ له-قالوا: أخبرنا أحمد بن عبدان قال أخبرنا محمد بن سهل، قال:
أخبرنا محمد بن اسماعيل قال: أفلح أبو كثير مولى أبي أيوب الأنصاري يعد في أهل المدينة.
رأى عثمان وعبد الله بن سلام وأبا أيوب. سمع منه محمد بن سيرين وأبو بكر بن عمرو بن حزم وعبد الله بن الحارث أبو الوليد. (٢٦٢ - و) وقال موسى عن جرير سمعت محمدا: أخبرني أفلح مولى أبي أيوب، قال لي معاذ بن عفراء في زمن عمر: بع هذه الحلة، كناه يزيد بن هارون (٣).
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي عن أبي البركات الأنماطي قال: أخبرنا
стр. 1884
ثابت بن بندار قال: أخبرنا محمد بن علي الواسطي قال: أخبرنا محمد بن أحمد البابسيري قال: أخبرنا الأحوص بن المفضل الغلابي قال: حدثنا أبي قال: قال أبو زكريا: أفلح مولى أبي أيوب كان يكنى أبا كثير.
وقال أبو البركات الأنماطي: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن الحسن قال: أخبرنا يوسف بن رباح بن علي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن اسماعيل قال: حدثنا أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: سمعت يحيي يقول في تسمية تابعي أهل المدينة ومحدثيهم: أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري.
أنبأنا ابن طبرزد عن أبي غالب بن البناء قال: أنبأنا أبو محمد الجوهري قال:
أخبرنا ابو عمر بن حيويه قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: حدثنا الحسين بن الفهم قال: أخبرنا محمد بن سعد قال في الطبقة الاولى من تابعي أهل المدينة:
أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، ويكنى أبا كثير، قال محمد بن عمر: وكان أفلح من سبي عين التمر الذي سبا خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر الصديق وبعث بهم الى المدينة، وقد سمعت من يذكر أن أفلح كان يكنى أبا عبد الرحمن، وسمع من عمر، وله دار بالمدينة وقتل يوم الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث (٢٦٢ - ظ) وستين في خلافة يزيد بن معاوية، وكان ثقة قليل الحديث (١).
أنبأنا الكندي عن أبي البركات الأنماطي قال: أخبرنا أحمد بن الحسن الكرخي وأحمد بن الحسن بن خيرون قالا: أخبرنا محمد بن الحسن الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا عمر بن أحمد الأهوازي قال:
حدثنا خليفة بن خياط قال في الطبقة الثانية من أهل المدينة: أفلح مولى أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب، يكنى أبا عبد الرحمن، قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين (٢).
أخبرنا أبو نصر محمد بن هبة الله القاضي، فيما أذن لنا في روايته، قال:
стр. 1885
أخبرنا علي بن أبي محمد قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن شجاع قال: أخبرنا أبو عمرو بن مندة قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال أخبرنا محمد بن سعد قال في الطبقة الاولى من تابعي أهل المدينة: أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، ويكنى أبا عبد الرحمن، وهو من سبي عين التمر، الذين سبى خالد بن الوليد، وله دار بالمدينة وقتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين (١).
أنبأنا الكندي عن أبي البركات الأنماطي قال: أخبرنا أبو الحسين بن الطيوري قال: أخبرنا أبو الحسن العتيقي قال: أخبرنا الوليد بن بكر قال: أخبرنا علي بن أحمد قال: حدثنا صالح بن أحمد قال: حدثني أبي قال: أفلح مولى أبي أيوب مدني تابعي ثقة من كبار التابعين.
أنبأنا عبد الرحمن بن عبد الله الأسدي عن مسعود الثقفي قال: أنبأنا أحمد ابن علي قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران (٢٦٣ - و) قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا محمد بن أحمد بن النضر قال: حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي اسحاق الفزاري عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال حلف مسلمة (٢) ابن مخلد لا يركب معه في البحر أعجمي، فقال له رجل ما أراك إلاّ قد حرمت خير الجند، قال: من هو؟ قال: أبو أيوب، قال: لا أركب مركبا ليس معي فيه أفلح، قال: ما كنت أرى يميني بلغت أفلح وذوي أفلح فلقي أبا أيوب فقال: اني كنت حلفت ألا يركب معي في البحر أعجمي، فهذه مراكب الجند فاختر أيها شئت، فاحمل فيه أفلح، واركب أنت معي، فقال: لا حسد عليك ولا على سفينتك، ما كنت لأركب مركبا ليس معي فيه أفلح، فلما رأى ذلك أعتق رقبة، وقال لأفلح:
اركب معنا.
كتب إلينا أحمد بن أزهر من بغداد أن أبا بكر محمد بن عبد الباقي أنبأهم
стр. 1886
عن أبي محمد الجوهري: قال أخبرنا أبو عمر بن حيويه قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: حدثنا الحسن بن الفهم الفقيه قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال:
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين أن أبا أيوب كاتب أفلح على أربعين ألفا، فجعل الناس يهنؤونه ويقولون: ليهنك العتق أبا كثير، فلما رجع أبو أيوب الى أهله ندم على مكاتبته، فأرسل إليه فقال: إني أحب أن ترد الكتاب إليّ، وأن ترجع كما كنت، فقال له ولده وأهله: لم ترجع رقيقا وقد أعتقك الله؟ فقال أفلح: والله لا يسألني شيئا إلاّ أعطيته (٢٦٣ - ظ) إياه فجاءه بمكاتبته فكسرها، ثم مكثت ما شاء الله، ثم أرسل إليه أبو أيوب فقال: أنت حر وما كان لك من مال فهو لك (١).
أخبرنا أبو حفص الدارقزي فيما أذن لنا أن نرويه عنه عن أبي غالب بن البناء قال: أخبرنا أبو الحسن بن الآبنوسي عن أحمد بن عبيد بن بيري قال: حدثنا محمد ابن الحسين قال: حدثنا ابن أبي خيثمة قال: حدثنا عبيد الله بن عمر قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد أن أبا أيوب أعتق أفلح وقال: مالك لك.
قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا سلام بن أبي مطيع قال: حدثنا عبد العزيز بن فربر أن محمد بن سيرين حدثه قال: كان لأفلح مولى أبي أيوب برذون فباعه، فقال له أبو أيوب: يا أفلح ما جعل فلانا أحق بحمالة منك؟
أخبرنا أبو نصر القاضي إذنا قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن قال:
أفلح، أبو كثير، ويقال أبو عبد الرحمن مولى أبي أيوب الأنصاري، أدرك زمان عمر، ورأى عثمان وعبد الله بن سلام، وحدث عن مولاه أبي أيوب، روى عنه محمد بن سيرين وأبو بكر بن محمد عمرو بن حزم، وأبو الوليد عبد الله بن الحارث، نسيب ابن سيرين، ووافد بن عمرو بن سعد بن معاذ، وأبو الورد بن أبي بردة، وأبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، وكان مع مولاه أبي أيوب في مغازيه (٢).
стр. 1887
أنبأنا عمر بن محمد بن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي -إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو محمد بن هبة الله بن الحسن، وعلي بن أحمد بن محمد بن حميد قالا: (٢٦٤ - و) أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا عثمان بن أحمد بن السماك قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن البراء قال: أخبرنا علي بن المديني قال: ومات أفلح مولى أبي أيوب سنة ثلاث وستين قبل يوم الحرة.
قلت وقد ذكرنا فيما نقلناه أنه قتل يوم الحرة وهو أصح.
أخبرنا ابن طبرزد-إذنا-قال: أخبرنا أبو الفضل بن ناصر-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو الفضل بن خيرون وأبو الحسين بن الطيوري، وأبو الغنائم بن النرسي واللفظ له قالوا: أخبرنا أبو أحمد الغندجاني-زاد ابن خيرون:
وأبو الحسين الأصبهاني-قالا: أخبرنا أحمد بن عبدان قال: أخبرنا محمد بن سهل قال: أخبرنا محمد بن اسماعيل البخاري قال: قال لي ابراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن معمر قال: ابن سيرين: قتل كثير بن أفلح وأبوه، وكانا موليين لأبي أيوب الأنصاري يوم الحرة، فلقيته في المنام فقلت: أشهداء أنتم؟ قال: لا (١).
أنبأنا الحسن بن محمد قال: أخبرنا عمي أبو القاسم قال: أخبرنا أبو محمد ابن طاووس قال: أخبرنا أبو الغنائم بن أبي عثمان قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا الحسين بن صفوان قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا سعيد بن عامر قال: حدثنا هشام بن حسان قال:
قال محمد بن سيرين: بينا أنا ذات ليلة نائم إذ رأيت أفلح-أو كثير بن أفلح، شك أبو محمد، يعني سعيدا-وكان قتل يوم الحرة، فعرفت أنه ميت، وإني نائم وإنما هي رؤيا رأيتها، فقلت: ألست قد قتلت؟ قال: بلى، قلت: فما صنعت؟ قال: خيرا، قلت: أشهداء (٢٦٤ - ظ) أنتم؟ قال: لا، إن المسلمين إذا اقتتلوا
стр. 1888
فقتل بينهم قتلى فليسوا بشهداء، قال سعيد: قال هشام: كلمة خفيت علي، فقلت لبعض جلسائه: ماذا قال؟ قال: ولكنا بدنا (١).
أفلح العتقي الاندلسي:
مولى العتقيين، قدم حلب في سنة سبع وعشرين، أو ثمان وعشرين وثلاثمائة، وسمع بها من أبي بكر محمد بن شهمرد الفارسي وسليمان بن محمد بن إدريس ابن رويط الحلبي، وسمع بقنسرين من أبي البهاء محمد بن عبد الصمد القرشي، وببالس من أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن بكر المعروف بابن حمدون.
ذكره القاضي أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الفرضي الأندلسي في كتاب «تاريخ الأندلسيين» فقال: أفلح مولى محمد بن هارون العتقي، رأيت له كتبا (٢) من أسمعه بالمشرق سنة سبع وعشرين، وثمان وعشرين وثلاثمائة ببغداد:
من المحاملي ومن أبي الحسن علي بن الحسن بن العبد، وبالرقة: من أبي علي محمد ابن سعيد بن عبد الرحمن الحراني، وبحلب: من أبي بكر بن شهمرد الفارسي وابن رويط العدل، وبدمشق من أبي الطيب أحمد بن ابراهيم بن عبد الوهاب-يعرف بابن عبادل-وأبي يحيى زكريا بن يحيى بن موسى القاضي البلخي، وأبي علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك، وبالرملة: من أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن بكر المعروف بابن حمدون، ولم أقف لأفلح هذا على خبر إلا ما حكتيه عن كتبه (٢٦٥ - و).
افولاختن طربانوش الملك
مر معه بأنطاكية حتى انتهى الى بيت المقدس وهو خراب، فأمره المالك
стр. 1889
طريانوش (١) بعمارة البلدة، وولاه إياها وأمره أن يسميها إيلياء، ومكنه من الاموال وكان أفولا حكيما عالما بالنجوم، فلما رأى أفولا الآيات والعجائب التي كان تلاميذ الحواريين يعملونها رغب في النصرانيه واعتمد وتنصر، ولم يكن مع ذلك يترك عمل النجوم والسحر الذي كان قديما يعمل به، فلما رأى ذلك تلاميذ الحواريين نهوه عنه نهيا شديدا، فلم ينته فحرموه وأقصوه فحمله الغضب والأنفه والحمية الى أن بعث المصاحف التي انتسخها بطليموس فانتسخ جميعها، ثم نزع الى اليهودية فتهود ونسخ مصاحف بالعبرانية والسريانية من الكلام الرومي من تلقاء نفسه، والحجج الباطنة ما قدر أن يبطل به أمر المسيح ومجيئه وظهوره، فتلك الكتب التي كتبها في أيدي اليهود الى يومهم هذا، وتفسير الاثنين وسبعين مصحفا التي فسرت لبطليموس في أيدي اليونانيين الى هذه الغاية.
ذكر هذا سعيد بن بطريق في تاريخه، ونقلته من خط يحيى بن علي بن عبد اللطيف المؤرخ المعري (٢).
***
стр. 1890
ذكر من اسمه اقبال
اقبال بن منصور بن أبي الخير بن بالغ:
أبو العز التاجر، كتب عنه بمنبج (٢٦٥ - ظ) عمر بن محمد العليمي المعروف بابن حوائج كش.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن الدمشقي النسابة بدمشق قال:
أخبرنا أبو الخطاب عمر بن محمد العليمي-إجازة، ونقلته أنا من خط العليمي- قال: أنشدني أبو العز إقبال بن منصور بن أبي الخير بن بالغ بمنبج لمحمد بن نصر ابن بسام.
يا ثقيلا على القلوب إذا … عن لها أيقنت بطول البعاد
يا قذى في العيون يا غلة … بين التراقي حرارة في الفؤاد
يا طلوع العذول ما بين ألف … يا غريما أتى على ميعاد
يا ركودا في غيم وصيف … يا رجوة التجار يوم الكساد
خل عنا فإنما أنت فينا … واو عمرو وكالحديث المعاد
وامض في غير صحبة الله … ما عشت ملقى من كل فج وواد
يتخطى بك المهامة والبيد … دليل أعمى كثير الرقاد
خلفك الثائر المصمم بالسيف … ورجلاك فوق شوك القتاد
اقبال بن عبد الله الحبشي:
الخادم الملقب جمال الدولة عتيق ضيفه خاتون بنت الملك العادل أبي بكر بن أيوب، كان أحد خدمها المختصين بها، فسخط عليه الملك الظاهر غازي بن يوسف ابن أيوب وقيده وحبسه في قلعة عزاز، فأخرجه الاتابك طغرل بن عبد الله الظاهري في
стр. 1891
ولايته (٢٦٦ - و) بعد موت الملك الظاهر، ولم يمكنه من الصعود الى قلعة حلب، فمضى الى دمشق، واستقل الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر بمملكة حلب، فأعادته سيدته والدة الملك العزيز ضيفه خاتون الى خدمتها بقلعة حلب، ولما مات ولدها الملك العزيز وصار تدبير مملكة ولده الملك الناصر الى جدته المذكورة، قدمت إقبال المذكورة، وتمكن في الدولة، وحكم على الأمراء والرعية، وتولى أمور المملكة، وحكم في حلب حكم الملوك، وكان عنده اقدام وجرأة وظلم وسماحة، وحمق وجهل، فدام أمره كذلك الى أن توفيت مولاته، فازداد تمكنه واستقل بالتصرف في الملك، وأهان أكابر الأمراء، وانقادوا له الى أن قدم التتار الى ظاهر حلب في سنة احدى وأربعين وستمائة، فمرض لشدة خوفه في صفر من السنة المذكورة وتوفي في الشهر المذكور (١) ودفن في التربة التي أنشأها لنفسه ظاهر مدينة حلب ووقفها مدرسة على أصحاب الامام أبي حنيفة ﵁.
ومما بلغ من جنونه وجهلة أنه قال يوما من الأيام، وقد أطغاه ما هو فيه: أنا خير من رسول الله ﷺ ، وكان في خدمته فراش أعرفه، فقال له:
تكذب يا عبد السوء، ومن أنت؟ فأمر به فضرب ضربا مبرحا وهو يشتمه الى أن تركه، نعوذ بالله من الخذلان. وذكر لي يوما أن أباه كان ملك الحبشة، والله أعلم بحاله (٢٦٦ - ظ).
اقبال بن عبد الله الخادم:
كان خادما لسالم بن مالك العقيلي، حسن الصورة، له في الفروسية اليد الطولى، ويكتب الخط البديع على طريقة علي بن هلال المعروف بابن البواب، وكان دكيا فطنا كان مع مولاه سالم بحلب، فأهداه الى نظام الملك حين توسط له مع ملك شاه بقلعة جعبر، وقد ذكرنا قصته في ترجمة سالم بن مالك في حرف السين من هذا الكتاب (٢).
стр. 1892
الاقرع بن فارع الطائي
قيل إنه شهد فتح حلب مع أبي عبيدة بن الجراح ﵁، وله ذكر في الفتوح.
ذكر من اسمه آق سنقر
آق سنقر بن عبد الله:
المعروف بقسيم الدولة، مملوك السلطان أبي الفتح ملك شاه، وقيل أنه لصيق له، وقيل اسم أبيه إل ترغان، من قبيلة ساب يو، نقلت ذلك من خط أبي عبد الله محمد بن علي العظيمي (١)، وأنبأنا به أبو اليمن الكندي وغيره عنه.
وتزوج آق سنقر داية السلطان ادريس بن طغان شاه، وحظي عند السلطان ملك شاه، وقدم معه حلب في سنة تسع وسبعين وأربعمائة حين قصد تاج الدولة تتش أخاه، فانهزم عن حلب، وكان قصدها وملكها السلطان ملك شاه في شهر رمضان من سنة تسع وسبعين، وخرج عنها الى أنطاكية وملكها، وخيم على ساحل البحر أياما، وعاد الى حلب، وعيد بها عيد الفطر، ورحل عنها، وقرر ولاية حلب لقسيم الدولة آق سنقر في أول سنة ثمانين وأربعمائة، فأحسن فيها السياسة والسيرة، وأقام الهيبة، وجمع الذعار، وأفنى قطاع الطرق، ومخيفي السبل، وتتبع اللصوص والحرامية في كل موضع، فاستأصل شأفتهم، وكتب إلي الأطراف ان يفعلوا مثل فعله لتأمن الطرق وتسلك السبل، فشكر بذلك الفعل وأمنت الطرق والمسالك (٢٦٧ - و) وسار الناس في كل وجه بعد امتناعهم لخوفهم من القطاع والأشرار، وعمرت حلب في أيامه بسبب ذلك بورود التجار إليها والجلا بين من جميع الجهات، ورغب الناس في المقام بها للعدل الذي اظهره فيهم ﵀.
стр. 1893
وفي أيامه جدد عمارة منارة حلب بالجامع في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة واسمه منقوش عليها الى اليوم؛ وهو الذي أمر ببناء مشهد قرنبيا ووقف عليه الوقف وأمر بتجديد مشهد الدكة (١).
أخبرني عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجزري قال: كان قسيم الدولة آق سنقر أحسن الأمراء سياسة لرعيته، وحفظا لهم، وكانت بلاده بين عدل عام، ورخص شامل، وأمن واسع، وكان قد شرط على أهل كل قرية في بلاده متى أخذ عند أحدهم قفل، أو أحد من الناس، غرم أهلها جميع ما يؤخذ من الأموال من قليل أو كثير، فكانت السيارة إذا بلغوا قرية من بلاده ألقوا رحالهم وناموا، وقام أهل القرية يحرسونهم الى أن يرحلوا، فأمنت الطرق، وتحدث الركبان بحسن سيرته (٢).
سمعت والدي القاضي أبا الحسن-﵀-يقول لي فيما يأثره عن أسلافه: إن قسيم الدولة آق سنقر كان قد نادى في بلد حلب بأن لا يرفع أحد متاعه ولا يحفظه في طريق، لما حصل من الأمن في بلده.
قال: فخرج يوما يتصيد، فمر على قرية من قرى حلب، فوجد بعض الفلاحين (٢٦٧ - ظ) قد فرغ من عمل الفدان وطرح عن البقر النير ورفعه على دابة ليحمله الى القرية، فقال له: ألم تسمع مناداة قسيم الدولة بأن لا يرفع أحد متاعا ولا شيئا من موضعه؟! فقال له: حفظ الله قسيم الدولة قد أمنا في أيامه، وما نرفع هذه الآلة خوفا عليها أن تسرق، لكن هنا دابة يقال لها ابن آوى تأتي الى هذا النير فتأكل الجلد الذي عليه، فنحن نحفظه منها، ونرفعه لذلك.
قال: فعاد قسيم الدولة من الصيد، وأمر الصيادين فتتبعوا بنات آوى في بلد حلب فصادوها حتى أفنوها من بلد حلب.
قلت: وهي الى الآن لا يوجد في بلد حلب منها شيء إلا في النادر دون غيرها من البلاد.
стр. 1894
قرأت في كتاب «عنوان السير» (١) تأليف محمد بن عبد الملك الهمذاني قال:
وأقطع السلطان حلب وقلعتها مملوكه آق سنقر، ولقبه قسيم الدولة، وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، فأحسن السيرة، وظهر منه عدل لم يعرف بمثله، واستغلها في كل يوم ألف وخمسمائة دينار، ولم يزل بها حتى قتله تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان في سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
قلت وكان تاج الدولة تتش قتله صبرا بين يديه بسبعين (٢)، قرية من قرى حلب من نقرة بني أسد على نهر الذهب، وقيل بكارس الى جنبها وذلك أن تتش كان قد حصل في نفسه شيء من قسيم الدولة، وكان (٢٦٨ - و) قسيم الدولة يستصغر أمر تتش، حتى أنني قرأت بخط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن منقذ في تاريخه؛ سنة أربع وثمانين وأربعمائة وفيها:
نزل تاج الدولة الى السلطان، يعني نزل تتش الى ملك شاه، فلما رآه ترجل له، وكان في الصيد، خيفة أن يتخيل منه، وحضر هو وقسيم الدولة في حضرته، فقال تاج الدولة تتش: كان من الأمر كذا وكذا، فقال له قسيم الدولة: تكذب؛ فقال له السلطان: تقول لأخي كذا! قال: نعم، يطلع الله في عينيه ما يريده لك، ويطلع في عيني ما أريده لك.
قلت: وعاد تتش من خدمة أخيه الى دمشق، فلما توفي السلطان ملكشاه برز تاج الدولة تتش في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين، وخرج معه خلق من العرب، ولقيه عسكر أنطاكية بالقرب من حماه مع يغي سغان (٣)، وسار تاج الدولة، وقطع العاصي في شهر ربيع الآخر من السنة، ورعى عسكره الزراعات، ونهب المواشي وغيرها، واتصل الخبر بآقسنقر وهو بحلب، وكاتبه السلطان بركيارق وخطب له بحلب، فجمع وحشد، واستنجد بمن جاوره، فوصل إليه كربوقا صاحب
стр. 1895
الموصل، وبزان صاحب الرّها، ويوسف بن آبق صاحب الرحبة في ألفي فارس وخمسمائة فارس، منجدين قسيم الدولة على تتش، وحصل الجميع بحلب، ووصل تاج الدولة تتش الى الحانوته، ورحل منها الى الناعورة، واغارت خيله على المواشي بالنقرة، وأحرقوا بعض زرعها، ورحل من الناعورة قاصدا نحر الوادي (٢٦٨ - ظ) وادي بزاعا، فتهيأ آق سنقر للقائه، والخروج إليه، واستدعى منجما ليأخذ له الطالع فحضر عنده واختار له وقتا، وقال: تخرج الساعة، فركب ومعه النجدة التي وصلته، وجماعة كثيرة من بني كلاب مع شبل بن جامع ومبارك بن شبل، وكان اطلقهما من الاعتقال، ومحمد بن زائدة، وجماعة من احداث حلب، والديلم والخراسانية، في أحسن زي، وأكمل عدة، وقيل إنه قدر عسكره بعشرين ألف فارس، وقيل كان يزيد عن سنة آلاف، وقصد تاج الدولة يوم السبت التاسع من جمادى الاولى من السنة، وقطع آق سنقر سواقي نهر سبعين قاصدا عسكر تتش (١)، فاقاموا على حالهم، وكان أول من برز للحرب آق سنقر، فالتقى الفريقان.
ولم يثق آق سنقر بمن كان معه من العرب، فنقلهم من الميمنة الى الميسرة في وقت المصاف، ثم نقلهم الى القلب، فلم يغنوا شيئا، وحمل عسكر تتش على عسكر آق سنقر، فلم يثبت، وانهزمت العرب وعسكر كربوفا وبزان، وكربوقا وبزان معهم الى حلب، ووقع فيهم القتل، وثبت قسيم الدولة، فأسر وأكثر أصحابه، وحمل الى تاج الدولة تتش، فلما مثل بين يديه أمر بضرب عنقه وأعناق بعض خواصه ودخل تتش الى حلب وملكها على ما نذكره في ترجمته إن شاء الله (٢).
وبلغني أن تاج الدولة تتش قال لقسيم الدولة آق سنقر لما حضر بين يديه: لو ظفرت بي ما كنت صنعت؟ (٢٦٩ - و) قال: كنت أقتلك، فقال له تتش: فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي، فقتله صبرا.