← Тараджим

Тараджим · id 10798

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (4 683 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

ولايته (٢٦٦ - و) بعد موت الملك الظاهر، ولم يمكنه من الصعود الى قلعة حلب، فمضى الى دمشق، واستقل الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر بمملكة حلب، فأعادته سيدته والدة الملك العزيز ضيفه خاتون الى خدمتها بقلعة حلب، ولما مات ولدها الملك العزيز وصار تدبير مملكة ولده الملك الناصر الى جدته المذكورة، قدمت إقبال المذكورة، وتمكن في الدولة، وحكم على الأمراء والرعية، وتولى أمور المملكة، وحكم في حلب حكم الملوك، وكان عنده اقدام وجرأة وظلم وسماحة، وحمق وجهل، فدام أمره كذلك الى أن توفيت مولاته، فازداد تمكنه واستقل بالتصرف في الملك، وأهان أكابر الأمراء، وانقادوا له الى أن قدم التتار الى ظاهر حلب في سنة احدى وأربعين وستمائة، فمرض لشدة خوفه في صفر من السنة المذكورة وتوفي في الشهر المذكور (١) ودفن في التربة التي أنشأها لنفسه ظاهر مدينة حلب ووقفها مدرسة على أصحاب الامام أبي حنيفة ﵁. ومما بلغ من جنونه وجهلة أنه قال يوما من الأيام، وقد أطغاه ما هو فيه: أنا خير من رسول الله ﷺ ، وكان في خدمته فراش أعرفه، فقال له: تكذب يا عبد السوء، ومن أنت؟ فأمر به فضرب ضربا مبرحا وهو يشتمه الى أن تركه، نعوذ بالله من الخذلان. وذكر لي يوما أن أباه كان ملك الحبشة، والله أعلم بحاله (٢٦٦ - ظ). اقبال بن عبد الله الخادم: كان خادما لسالم بن مالك العقيلي، حسن الصورة، له في الفروسية اليد الطولى، ويكتب الخط البديع على طريقة علي بن هلال المعروف بابن البواب، وكان دكيا فطنا كان مع مولاه سالم بحلب، فأهداه الى نظام الملك حين توسط له مع ملك شاه بقلعة جعبر، وقد ذكرنا قصته في ترجمة سالم بن مالك في حرف السين من هذا الكتاب (٢).

стр. 1892

الاقرع بن فارع الطائي قيل إنه شهد فتح حلب مع أبي عبيدة بن الجراح ﵁، وله ذكر في الفتوح. ذكر من اسمه آق سنقر آق سنقر بن عبد الله: المعروف بقسيم الدولة، مملوك السلطان أبي الفتح ملك شاه، وقيل أنه لصيق له، وقيل اسم أبيه إل ترغان، من قبيلة ساب يو، نقلت ذلك من خط أبي عبد الله محمد بن علي العظيمي (١)، وأنبأنا به أبو اليمن الكندي وغيره عنه. وتزوج آق سنقر داية السلطان ادريس بن طغان شاه، وحظي عند السلطان ملك شاه، وقدم معه حلب في سنة تسع وسبعين وأربعمائة حين قصد تاج الدولة تتش أخاه، فانهزم عن حلب، وكان قصدها وملكها السلطان ملك شاه في شهر رمضان من سنة تسع وسبعين، وخرج عنها الى أنطاكية وملكها، وخيم على ساحل البحر أياما، وعاد الى حلب، وعيد بها عيد الفطر، ورحل عنها، وقرر ولاية حلب لقسيم الدولة آق سنقر في أول سنة ثمانين وأربعمائة، فأحسن فيها السياسة والسيرة، وأقام الهيبة، وجمع الذعار، وأفنى قطاع الطرق، ومخيفي السبل، وتتبع اللصوص والحرامية في كل موضع، فاستأصل شأفتهم، وكتب إلي الأطراف ان يفعلوا مثل فعله لتأمن الطرق وتسلك السبل، فشكر بذلك الفعل وأمنت الطرق والمسالك (٢٦٧ - و) وسار الناس في كل وجه بعد امتناعهم لخوفهم من القطاع والأشرار، وعمرت حلب في أيامه بسبب ذلك بورود التجار إليها والجلا بين من جميع الجهات، ورغب الناس في المقام بها للعدل الذي اظهره فيهم ﵀.

стр. 1893

وفي أيامه جدد عمارة منارة حلب بالجامع في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة واسمه منقوش عليها الى اليوم؛ وهو الذي أمر ببناء مشهد قرنبيا ووقف عليه الوقف وأمر بتجديد مشهد الدكة (١). أخبرني عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجزري قال: كان قسيم الدولة آق سنقر أحسن الأمراء سياسة لرعيته، وحفظا لهم، وكانت بلاده بين عدل عام، ورخص شامل، وأمن واسع، وكان قد شرط على أهل كل قرية في بلاده متى أخذ عند أحدهم قفل، أو أحد من الناس، غرم أهلها جميع ما يؤخذ من الأموال من قليل أو كثير، فكانت السيارة إذا بلغوا قرية من بلاده ألقوا رحالهم وناموا، وقام أهل القرية يحرسونهم الى أن يرحلوا، فأمنت الطرق، وتحدث الركبان بحسن سيرته (٢). سمعت والدي القاضي أبا الحسن-﵀-يقول لي فيما يأثره عن أسلافه: إن قسيم الدولة آق سنقر كان قد نادى في بلد حلب بأن لا يرفع أحد متاعه ولا يحفظه في طريق، لما حصل من الأمن في بلده. قال: فخرج يوما يتصيد، فمر على قرية من قرى حلب، فوجد بعض الفلاحين (٢٦٧ - ظ) قد فرغ من عمل الفدان وطرح عن البقر النير ورفعه على دابة ليحمله الى القرية، فقال له: ألم تسمع مناداة قسيم الدولة بأن لا يرفع أحد متاعا ولا شيئا من موضعه؟! فقال له: حفظ الله قسيم الدولة قد أمنا في أيامه، وما نرفع هذه الآلة خوفا عليها أن تسرق، لكن هنا دابة يقال لها ابن آوى تأتي الى هذا النير فتأكل الجلد الذي عليه، فنحن نحفظه منها، ونرفعه لذلك. قال: فعاد قسيم الدولة من الصيد، وأمر الصيادين فتتبعوا بنات آوى في بلد حلب فصادوها حتى أفنوها من بلد حلب. قلت: وهي الى الآن لا يوجد في بلد حلب منها شيء إلا في النادر دون غيرها من البلاد.

стр. 1894

قرأت في كتاب «عنوان السير» (١) تأليف محمد بن عبد الملك الهمذاني قال: وأقطع السلطان حلب وقلعتها مملوكه آق سنقر، ولقبه قسيم الدولة، وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، فأحسن السيرة، وظهر منه عدل لم يعرف بمثله، واستغلها في كل يوم ألف وخمسمائة دينار، ولم يزل بها حتى قتله تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان في سنة سبع وثمانين وأربعمائة. قلت وكان تاج الدولة تتش قتله صبرا بين يديه بسبعين (٢)، قرية من قرى حلب من نقرة بني أسد على نهر الذهب، وقيل بكارس الى جنبها وذلك أن تتش كان قد حصل في نفسه شيء من قسيم الدولة، وكان (٢٦٨ - و) قسيم الدولة يستصغر أمر تتش، حتى أنني قرأت بخط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن منقذ في تاريخه؛ سنة أربع وثمانين وأربعمائة وفيها: نزل تاج الدولة الى السلطان، يعني نزل تتش الى ملك شاه، فلما رآه ترجل له، وكان في الصيد، خيفة أن يتخيل منه، وحضر هو وقسيم الدولة في حضرته، فقال تاج الدولة تتش: كان من الأمر كذا وكذا، فقال له قسيم الدولة: تكذب؛ فقال له السلطان: تقول لأخي كذا! قال: نعم، يطلع الله في عينيه ما يريده لك، ويطلع في عيني ما أريده لك. قلت: وعاد تتش من خدمة أخيه الى دمشق، فلما توفي السلطان ملكشاه برز تاج الدولة تتش في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين، وخرج معه خلق من العرب، ولقيه عسكر أنطاكية بالقرب من حماه مع يغي سغان (٣)، وسار تاج الدولة، وقطع العاصي في شهر ربيع الآخر من السنة، ورعى عسكره الزراعات، ونهب المواشي وغيرها، واتصل الخبر بآقسنقر وهو بحلب، وكاتبه السلطان بركيارق وخطب له بحلب، فجمع وحشد، واستنجد بمن جاوره، فوصل إليه كربوقا صاحب

стр. 1895

الموصل، وبزان صاحب الرّها، ويوسف بن آبق صاحب الرحبة في ألفي فارس وخمسمائة فارس، منجدين قسيم الدولة على تتش، وحصل الجميع بحلب، ووصل تاج الدولة تتش الى الحانوته، ورحل منها الى الناعورة، واغارت خيله على المواشي بالنقرة، وأحرقوا بعض زرعها، ورحل من الناعورة قاصدا نحر الوادي (٢٦٨ - ظ) وادي بزاعا، فتهيأ آق سنقر للقائه، والخروج إليه، واستدعى منجما ليأخذ له الطالع فحضر عنده واختار له وقتا، وقال: تخرج الساعة، فركب ومعه النجدة التي وصلته، وجماعة كثيرة من بني كلاب مع شبل بن جامع ومبارك بن شبل، وكان اطلقهما من الاعتقال، ومحمد بن زائدة، وجماعة من احداث حلب، والديلم والخراسانية، في أحسن زي، وأكمل عدة، وقيل إنه قدر عسكره بعشرين ألف فارس، وقيل كان يزيد عن سنة آلاف، وقصد تاج الدولة يوم السبت التاسع من جمادى الاولى من السنة، وقطع آق سنقر سواقي نهر سبعين قاصدا عسكر تتش (١)، فاقاموا على حالهم، وكان أول من برز للحرب آق سنقر، فالتقى الفريقان. ولم يثق آق سنقر بمن كان معه من العرب، فنقلهم من الميمنة الى الميسرة في وقت المصاف، ثم نقلهم الى القلب، فلم يغنوا شيئا، وحمل عسكر تتش على عسكر آق سنقر، فلم يثبت، وانهزمت العرب وعسكر كربوفا وبزان، وكربوقا وبزان معهم الى حلب، ووقع فيهم القتل، وثبت قسيم الدولة، فأسر وأكثر أصحابه، وحمل الى تاج الدولة تتش، فلما مثل بين يديه أمر بضرب عنقه وأعناق بعض خواصه ودخل تتش الى حلب وملكها على ما نذكره في ترجمته إن شاء الله (٢). وبلغني أن تاج الدولة تتش قال لقسيم الدولة آق سنقر لما حضر بين يديه: لو ظفرت بي ما كنت صنعت؟ (٢٦٩ - و) قال: كنت أقتلك، فقال له تتش: فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي، فقتله صبرا.

стр. 1896

وقرأت بخط بعض الحلبيين أن السلطان ملك شاه بن العادل وصل؛ يعني الى حلب، في شعبان سنة تسع وسبعين، فتسلم البلد والقلعة وسلمها الى قسيم الدولة آق سنقر، فأقام بحلب ثمان سنين فقتل بكارس من أرض النقرة، نقرة بني أسد، في صفر سنة سبع وثمانين وأربعمائة، قتله تاج الدولة بن العادل. وقرأت بخط أبي غالب عبد الواحد بن مسعود بن الحصين الشيباني في تاريخه: في جمادى الاولى، يعني سنة سبع وثمانين، كان المصاف بين تاج الدولة تتش وبين الأميرين آق سنقر وبوزان ومن أمدهما به بركيا روق قريبا من حلب، فلما التقى الصفان استأمن ابن آبق الى تتش وانهزم الباقون، وأسر آق سنقر، فجيء به الى تتش، فقال له تتش: لو ظفرت بي ما كنت صانعا في؟ قال: أقتلك، قال: فاني أحكم عليك بحكمك في، وقتله. قال: وكان آق سنقر من أحسن الناس سياسة، وآمنهم رعية وسابلة. وقرأت بخط أبي منصور هبة الله بن سعد الله بن الجبراني الحلبي: الصحيح أن قسيم الدولة قتل يوم السبت عاشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمان وأربعمائة. ونقلت من خط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن منقذ في تاريخه سنة سبع وثمانين وأربعمائة؛ فيها: كانت وقعة قسيم الدولة (آق) سنقر وتاج الدولة يوم السبت تاسع جمادى الأولى (٢٦٩ - ظ) وذلك ان تاج الدولة لما أراد العبور مختفيا ليمضي الى خراسان، فبلغ خبره قسيم الدولة، فخرج اليه، فقال لأصحابه الحقوني بحبال لكتاف الاسرى استصغارا لهم، فقال له سكمان بن أرتق: حركش هم -أي أرانب هم-؟ ولم يتمهل الى حين تصله خيله، فمضى واستعجل، فكسره تاج الدولة بأرض نبل، وأسره ورحل من موضع الكسرة الى حلب فملكها، واستولى على المواضع التي كانت لقسيم الدولة وجلس في قلعة حلب وشرب فيها، وأحضر قسيم الدولة، كما حدثنا رومي بن وهب، قال: حضرته وقد أحضر قسيم الدولة، فدخل وفي رقبته بند قبائه يسحب، فلا والله ان انكرت من عزّة نفسه شيئا مما كنت أعرفه، فما زال يمشي حتى وقعت عينه على تاج الدولة، فجلس وأدار ظهره إليه، فسحبوه وكلموه. فما رد جوابا ولا تحرك، فقام اليه تاج الدولة فكلمه، فلم

стр. 1897

يرد له جوابا مرتين أو ثلاثة، فضرب رقبته بيده، وقطع رأسه فطيف به البلاد وحملت جثته فدفنت عند مشهد قرنبيا. وبقي ليلتين، وسار تاج الدولة الى خراسان، وبقي قسيم الدولة في قبره، وقد طوف برأسه اقليم الارض من الشام، من سنة خمس وثمانين الى سنة ست وعشرين، الى حين ولىّ السلطان، والخليفة المسترشد بالله، ولده زنكي بن آق سنقر وهو عماد الدين، ملك الامراء. بهلوان جيهان، عمر له مدرسة تولى أمرها الشيخ الأجل الفقيه الإمام أبو طالب بن العجمي ووقف عليها ضيعتين (٢٧٠ - و) يساوي معلهما ألف دينار كل سنة، وعمر بها عمارة معجزة، ونقل رمته اليها رأيتها في سنة سبع وعشرين ولم تكن كملت، وهي تزيد عن الوصف، وجعل قبره قبالة البيت المسجد من الشمال، وأجرى اليها قناة ماء. وغرس وسطها، وجعل القبر مثل قبر أبي حنيفة ﵁. هكذا نقلت من خط ابن منقذ وفيه أوهام من جملتها انه قال: «فكسره تاج الدولة بأرض نبل» وليس كذلك، بل بأرض سبعين أو كارس من نقرة بني أسد، ونبل ليست من هذه الكورة وبينهما مسافة يوم. ومن جملة أوهامه أنه قال: «جلس في قلعة حلب، وضرب رقبة آق سنقر فيها» وليس الامر كذلك، بل ضرب رقبته عقيب الكسرة بسبعين، أو كارس، ورومي بن وهب حكى له صورة قتله، لا انه كان بحلب والذي قتله تاج الدولة صبرا بحلب هو بزان صاحب الرها، وكان انهزم في هذه الوقعة الى حلب. فلما دخلها تاج الدولة أحضره وقتله، وقيل بل أسره، وحمله الى حلب فقتله على ما نذكره في ترجمته ان شاء الله تعالى؛ وقال: «بقي قسيم الدولة في قبره من سنة خمس وثمانين الى سنة ست وعشرين»، وهذا طغيان من القلم، فان قسيم الدولة قتل سنة سبع وثمانين، وقد ذكره كذلك. وقال: «عمّر -يعني ولده زنكي له-مدرسة، ووقف عليها ضيعتين. والمدرسة لم يعمرها زنكي بل عمرها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وابتدأ في عمارتها في سنة سبع عشرة، واسمه وتاريخ عمارتها على جدارها، لكن قسيم الدولة آق سنقر (٢٧٠ - ظ) لما قتل دفن الى جانب مشهد قرنبيا بالقبة الصغيرة المبنية بالحجارة من غربي المشهد، وكان قسيم الدولة بنى مشهد قرنبيا لمنام رآه بعض أهل زمانه، ووقف عليه وقفا،

стр. 1898

فدفن الى جنبه، وعمر على قبره تلك القبة، فلما ملك زنكي حلب آثر أن يبني لأبيه مكانا ينقله اليه، وكانت المدرسة بالزجاجين لم تتم، وكان شرف الدين أبو طالب بن العجمي هو الذي يتولى عمارة هذه المدرسة، فأشار على زنكي أن ينقل أباه اليها فنقله، وأتم عمارة المدرسة، ووقف على من يقرأ على قبره القرية المعروفة بشامر، وهي جارية الى الآن، وأما كارس التي هي وقف على المدرسة، فأظنها وقف سليمان بن عبد الجبار. وأخبرني أبو حامد عبد الله بن عبد الرحمن بن العجمي قال: أراد أتابك زنكي أن ينقل أباه الى موضع يجدده عليه، ويليق به، فقال له أبي: أنا قد عمرت هذه المدرسة بالزجاجين، وسأله أن ينقل أباه اليها ففعل، واتخذ الجانب الشمالي تربة لأبيه، ولمن يموت من ولده وغيرهم. وحكى لي والدي ﵀ أن أتابك زنكي لما نقل أباه من قرنبيا، وأدخله الى مدرسة الزجاجين لم يدخل به من باب من أبواب مدينة حلب، وانهم رفعوه من بعض الأسوار ودلوه الى المدينة، لانهم يتطيرون بدخول الميت الى البلدة. قال لي أبي: ووقف زنكي القرية المعروفة بشامر على تربة أبيه آق سنقر ﵀. قرأت بخط أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد العظيمي، وأنبأنا به عنه المؤيد ابن محمد (٢٧١ - و) الطوسي وغيره، قال: سنة ثمانين وأربعمائة دولة قسيم الدولة وزيره أبو العز بن صدقة. فيها استقرت الرتبة بحلب للأمير قسيم الدولة آق سنقر من قبل السلطان العادل أبي الفتح، وتوطدت له الامور بها، وأقام الهيبة العظيمة التي لا يقدر عليها أحد من السلاطين، وأظهر فيها من العدل والانصاف مع تلك الهيبة ما يطول شرحه. ورخصت الاسعار في أيامه الرخص الزائد عن الحد، وقرب الحلبيين وأحبهم الحب المفرط. وأحبوه أضعاف ذلك، وأقام الحدود. وأحبا

стр. 1899

أحكام الاسلام وعمر الاطراف، وآمن السبل، وقتل قطاع الطرقات، وطلبهم في كل فج. وشنق منهم خلقا. وكلما سمع بقاطع طريق في موضع قد قصده، وأخذه وصلبه على أبواب المدينة. وكثرت في أيامه الامطار، وتفجرت العيون والانهار، وعامل أهل حلب من الجميل بما أحوجهم أن يتوارثوا الرحمة عليه الى آخر الدهر. قال: وفيها، يعني سنة احدى وثمان وأربعمائة، خرج الامير قسيم الدولة آق سنقر ﵀ يودع تابوت زوجته داية السلطان أبي الفتح، ماتت بحلب، وقيل انه جلس وفي يده سكين، فأومأ بها اليها، فوقعت في مقتل وهو غير متعمد لها، فماتت في الحال، فوضعها في تابوت. وحملت الى الشرق. وخرج لوداعها يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة. وقال: سنة أربع وثمانين وأربعمائة، فيها تسلم الأمير قسيم الدولة قلعة أفامية من يد ابن ملاعب (١) يوم الخميس ثالث رجب. وشحن بها بعض بنى منقذ (٢٧١ - ظ). وقال: سنة ست وثمانين وأربعمائة. فيها فتح الامير قسيم الدولة آق سنقر ومعه تاج الدولة مدينة نصيبين يوم الاثنين ثامن ربيع الاول، وقيل في صفر. حدثني بهذا والدي الرئيس أبو الحسن علي بن محمد العظيمي قال: كنت مع الامير قسيم الدولة في هذا الفتح. قال: وفيها شرق قسيم الدولة ﵀ الى بغداد الى عند السلطان بكيارق ابن (٢) أبي الفتح. وعاد الى حلب في شوال سنة ست وثمانين. قال: سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وكان قسيم الدولة عاد الى حلب والتقى هو

стр. 1900

وتاج الدولة، فكسر تاج الدولة قسيم الدولة وقتله على نهر سبعين شرقي حلب سابع جمادي الاولى. وقيل يوم السبت تاسع جمادي الاولى، وأصبح تاج الدولة يوم الاحد على حلب ومعه رأس الامير قسيم الدولة ﵀، فتسلم تاج الدولة مدينة حلب العصر من يوم الاحد عاشر جمادي الاولى وتسلم القلعة يوم الاثنين وقتل مع قسيم الدولة ﵀ أربعة عشر مقدما منهم نختكين شحنة بغداد، وقجقر شحنة حلب، وطغان، واسرائيل، وقتل بحلب غلامه طغريل، وله حكاية معروفة، وعلي بن السليماني، وأخوه، ومحمد البخاري الذي قفز على أنطاكية، وأخواجه أبو القاسم، والطندكيني مع سليمان، والطرنطاس خاص ملك شاه. وانهزم الى حلب بزان وكربوقا، ويوسف بن آبق. فأما بزان فانه قتل (١) (٢٧٢ - و). ***

стр. 1901

آق سنقر بن عبد الله البرسقي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي وقيل اسمه سنقر وكان مملوك الأمير برسق مملوك السلطان، فترقت به الحال الى أن ولاه السلطان محمود بن محمد الموصل وولاه شحنكية بغداد، وتقدمة عسكرها في أيام المسترشد ثم عزل عن شحنكية بغداد في سنة ثمان عشرة وخمسمائة فوصل الى الموصل، واستدعاه الحلبيون الى حلب وقد حصرهم الفرنج وضاق بهم الامر فوصل اليهم في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، ورحّل الفرنج عنها وملك حلب وأحسن الى أهلها، وعدل فيهم، وأزال المكوس والمظالم، ووقع إليّ نسخة التوقيع الذي كتبه لاهل حلب بازالة المكوس والضرائب وتعفية أثار الظلم والجور وكان ﵀ على ما يحكى حسن الأحوال، كثير الخير، جميل النية، كثير الصلاة والتهجد والعبادة والصوم، وكان لا يستعين في وضوءه بأحد، وقتل ﵀ شهيدا وهو صائم. وكان من حديثه في ملك حلب واستيلائه عليها: أن بلك بن بهرام بن أرتق لما قتل بمنبج (١) ملك ابن عمه تمرتاش بن ايلغازي بن أرتق حلب، فباع تمرتاش بغدوين ملك الفرنج وكان أسيرا في يد بلك، فباعه نفسه، وهادنه وأطلقه ومات شمس الدولة بن ايلغازي صاحب ماردين، فتوجه تمرتاش اليها واشتغل بملك ماردين وبلاد أخيه، فلما علم بغدوين بذلك غدر بالهدنة (٢٧٣ - و) واتفق هو ودبيس بن صدقه، وابراهيم بن الملك رضوان بن تتش على أن نازلوا حلب، واتفقوا على أن تكون البلاد للمسلمين وأن حلب لابراهيم بن الملك رضوان لانها

стр. 1902

كانت لأبيه، وأن تكون الأموال للفرنج، وطال حصار حلب واشرفت على الاستيلاء عليها، وبلغ بهم الضر الى حالة عظيمة حتى أكلوا الميتات والجيف، ووقع فيهم المرض، فحكى لي والدي أنهم كانوا في وقت الحصار مطرحين من المرض في أزقة البلد، فاذا زحف الفرنج، وضرب بوق الفزع قاموا كأنما نشطوا من عقال وقاتلوا حتى يردوا الفرنج، ثم يعود كل واحد من المرضى الى فراشه، وما زالوا في هذه الشدة الى أن أعانهم الله بقسيم الدولة آق سنقر البرسقي، فأخلص النية لله في نصرتهم، ووصل الى حلب في ذي الحجة من سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وأغاث أهلها ورحل العدو عنها، وكانت رغبات الملوك فيها اذ ذاك قليلة، لمجاورة الفرنج لها وخراب بلدها وقلة ريعه، واحتياج من يكون مستوليا عليها الى الخزائن والاموال والنفقة في الجند. فاخبرني والدي أبو الحسن أحمد وعمي أبو غانم محمد، وحديث أحدهما ربما يزيد على الآخر، قالا: سمعنا جدك-يعنيان-أباهما أبا الفضل هبة الله يقول: لما اشتد الحصار على حلب، وقلت الأقوات بها وضاق الأمر بهم، اتفق رأيهم على أن يسيروا أبي القاضي أبا غانم قاضي حلب والشريف زهرة وابن الجلى الى حسام الدين (٢٧٣ - ظ) تمرتاش الى ماردين وكان هو المتولي حلب، وهي في أيدي نوابه وقد تركها ومضى الى ماردين واشتغل بملك تلك البلاد عن حلب، قال: فاتفقوا على ذلك وأخرجوا أبي والشريف وابن الجلى ليلا من البلد، فلما أصبح الصباح صاح الفرنج الى أهل البلد: أين قاضيكم وأين شريفكم؟ قال: فانقطعت ظهورنا وتشوشت قلوبنا، وأيقنا بأنهم ظفروا بهم، فوصلنا منهم كتاب يخبر أنهم قد وصلوا الى مكان أمن عليهم بالوصول، فطابت قلوب أهل حلب لذلك. قال عمي ووالدي: فسمعنا والدنا يقول: سمعت أبي أبا غانم يقول: لما وصلنا الى ماردين ودخلنا على حسام الدين تمرتاش وذكرنا له ما حل بأهل حلب وما هم فيه من ضيق الحصار والصبر، وعدنا بالنصر وأنه يتوجه اليها ويرحل الفرنج عنها، وانزلنا في مكان بماردين، وجعلنا نطالبه بما وعد وهو يدافعنا من يوم الى يوم وكان آخر كلامه أن قال: خلوهم اذا أخذوا حلب عدت وأخذتها فقلنا في أنفسنا

стр. 1903

ما هذا الا فرصة، وقلنا له: لا تفعل ولا تسلم المسلمين الى عدو الدين، فقال: وكيف أقدر على لقائهم في هذا الوقت؟ فقال له القاضي أبو غانم: وأيش هم حتى لا تقدر عليهم ونحن أهل البلد اذا وصلت الينا نكفيك أمرهم. قال القاضي أبو الفضل: فكتبت كتابا من حلب الى والدي أبي غانم أخبره فيه بما حل بأهل حلب من الضر، وأنه قد آل الامر بهم الى أكل القطاط (٢٧٤ - و) والكلاب والميتة، فوقع الكتاب في يد تمرتاش وشق عليه وغضب وقال: انظروا الى جلد هؤلاء الفعلة الصنعة قد بلغ بهم الامر الى هذه الحالة، وهم يكتمون ذلك ويتجلدون ويغرونني ويقولون: اذا وصلت الينا نكفك أمرهم. قال القاضي أبو غانم: فأمر تمرتاش بأن يوكل (١) علينا، فوكل بنا من يحفظنا خوفا أن ننفصل عنه الى غيره، فأعملنا الحيلة في الهرب الى الموصل، وأن نمضي الى البرسقي ونستصرخ به ونستنجده، فتحدثنا مع من يهربنا وكان للمنزل الذي كنا فيه باب يصر صريرا عظيما اذا فتح أو أغلق، فأمرنا بعض أصحابنا أن يطرح في صائر الباب زيتا ويعالجه لنفتحه عند الحاجة ولا يعلم الجماعة الموكلون بنا اذا فتحناه بما نحن فيه، وواعدنا الغلمان اذا جن الليل أن يسرجوا الدواب ويأتونا بها، ونخرج خفية في جوف الليل ونركب ونمضي. قال: وكان الزمان شتاء، والثلج كثير على الأرض؛ قال القاضي أبو غانم: فلما نام الموكلون بنا جاء الغلمان بأسرهم إلا غلامي ياقوت وأخبر غلمان رفاقي أن قيد الدابة تعسر عليه فتحه وامتنع كسره، فضاقت صدورنا لذلك، وقلت لأصحابي: قوموا أنتم وانتهزوا الفرصة ولا تنتظروني، فقاموا وركبوا والدليل معهم يدلهم على الطريق، ولم يعلم الموكلون بنا بشيء مما نحن فيه، وبقيت وحدي من بينهم مفكرا لا يأخذني نوم حتى كان وقت السحر فجاءني ياقوت غلامي بالدابة، وقال (٢٧٤ - ظ) الساعة انكسر القيد، قال: فقمت وركبت لا أعرف الطريق ومشيت في الثلج أطلب الجهة التي أقصدها، قال: فما طلع الصبح إلا وأنا وأصحابي الذين سبقوني في مكان واحد وقد ساروا من أول الليل وسرت من آخره، وكانوا قد ضلوا عن الطريق،

стр. 1904

فنزلنا جميعا وصلينا الصبح وركبنا وحثثنا دوابنا وأعملنا السير حتى وصلنا الموصل، فوجدنا البرسقي مريضا قد أشفي وهو يسقى أمراق الفراريج المدقوقة، فأعلم بمجيئنا، فأذن لنا، فدخلنا عليه ووجدناه مريضا مدنفا، فشكونا اليه وطلبنا منه أن يغث المسلمين، وذكرنا له ما حل بهم من الحصار والضيق وقلة الأقوات، وما آل اليه أمرهم، فقال: كيف لي بالوصول الى ذلك، وأنا على ما ترون؟ فقلنا له: يجعل المولى في نيته وعزمه ان خلّصه الله من هذا المرض أن ينصر المسلمين، فقال: أي والله، ثم رفع رأسه الى السماء وقال: اللهم اني أشهدك على أنني ان عوفيت من مرضي هذا لأنصرنّهم، قال: فما استتم ثلاثة أيام حتى فارقته الحمى واغتدى، ونادى في عسكره للغزاة، وبرز خيمته وخرجت عساكره وعملوا أشغالهم، وتوجه بهم حتى أتى حلب، فلما قاربها، وأشرفت عساكره من المرتب رحل الفرنج، ونزلوا على جبل جوشن وتأخروا عن المدينة، وساق الى أن قارب المدينة وخرج أهلها الى لقائه، فقصد نحو الفرنج وأهل البلد مع عسكره، فانهزم الفرنج من يديه، وهو يسير وراءهم على مهل حتى (٢٧٥ - و) أبعدوا عن البلد، فأرسل الشاليشية (١) وأمرهم برد العسكر. قال: فجعل القاضي أبو الفضل بن الخشاب (٢) يقول له: يا مولانا، لو ساق المولى خلفهم أخذناهم بأسرهم فإنهم منهزمون، فقال له: يا قاضي كن عاقلا أتعلم أن في بلدكم ما يقوم بكم وبعسكري، لو قدر والعياذ بالله علينا كسرة من العدو؟ فقال لا، فقال: فما يؤمنا أن يكسرونا وندخل البلد ويقووا علينا ولا ننفع أنفسنا، والله تعالى قد دفع شرهم فنرجع الى البلد ونقويه، ونرتب أحواله وبعد ذلك نستعد لهم ويكون ما يقدره الله تعالى، ونرجو إن شاء الله تعالى أننا نلقاهم ونكسرهم، قال: ودخل البلد ورتب الأحوال وجلب إليه الغلال وأمن الناس واستقروا. قال: وكان ذلك في آذار فجعل الناس يأخذون الحنطة والشعير ويبلونها بالماء ويزرعونها فاستغل الناس في تلك السنة مغلا صالحا. هذا معنى ما حدثني به والدي وعمي.

стр. 1905

ونقلت من خط عبد المنعم بن الحسن بن اللّعيبة الحلبي: دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة ووصلت العساكر من الشرق، ومقدّمها آق سنقر البرسقي، وكان الأفرنج نزلوا على حلب في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وخمسمائة وحاصروها وضيقوا على أهلها ومضى القاضي ابن العديم والأشراف، وقوم من مقدمي أهلها مستصرخين لأنه ما كان بقي من أخذها شيء، فوصل البرسقي (٢٧٥ - ظ) معهم في محرم سنة تسع عشرة وخمسمائة، ونزل بالس وكانت رسله مذ وصل الرحبة متواترة الى حمص ودمشق يستدعي مالكها، وسار الأمير صمصام الدين عن حمص في أول ربيع الأول، فلقي الأمير قسيم الدولة البرسقي بتل سلطان بعد انفصاله عن حلب، وانهزام الأفرنج عنها، وكان سرى إليهم من بالس، ووصل الى حلب وخرج أهل حلب ونهبوا من خيام الأفرنج مقدار المائة خيمة، من على جبل جوشن، وما بقي من هلاكهم شيء، لكن الله أمسك أيدي الترك عنهم بمشيئته. قرأت بخط أبي غالب عبد الواحد بن الحصين في تاريخه في حوادث سنة ثمان عشرة وستمائة (١): وفي ثاني عشري ذي حجتها دخل البرسقي الى حلب، وفي عده رحل الفرنج عن حلب. قلت: وبعد أن أقام البرسقي بحلب ورتب أحوالها ترك ولده بها وعاد الى الموصل فقتله الاسماعيلية بها على ما نذكره. قال لي شيخنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري: كان آق سنقر البرسقي خيرا، عادلا، لين الأخلاق حسن العشرة مع أصحابه. قال لي: أخبرني أبي محمد بن عبد الكريم: حكى بعض الغلمان الذين يخدمون البرسقي، قال: كان يصلي البرسقي كل ليلة صلاة كثيرة وكان يتوضأ هو بنفسه ولا يستعين بأحد، قال: فرأيته في بعض ليالي الشتاء بالموصل وقد قام من فراشه وعليه فرجية وبر صغيرة، وبيده (٢٧٦ - و) ابريق نحاس، وقد قصد دجلة ليأخذ ماء يتوضأ به، قال: فلما رأيته قمت إليه لآخذ الإبريق من يده فمنعني، وقال: يا مسكين ارجع الى مكانك فإنه برد، فاجتهدت به لآخذ الإبريق من يده، فلم يفعل،

стр. 1906

ولم يزل حتى ردني الى مكاني، ثم توضأ ووقف يصلي؛ قال: وذكر لي من أحواله الحسنة أشياء يطول ذكرها (١). سمعت شيخنا الصاحب قاضي القضاة بهاء الدين أبا المحاسن يوسف بن رافع ابن تميم، يقول: كان البرسقي دينا عادلا قال: ومما يؤثر عنه أنه قال يوما لقاضي الموصل، أظنه المرتضى بن الشهرزوري، أريد أن تساوي بين الرفيع والوضيع في مجلس الحكم، وأن لا يختص أولو الهيئات والمراتب بزيادة احترام في مجلس الحكم، فقال له القاضي: وكيف لي بذلك؟ فقال: ما لهذا طريق إلا أن ترتاد خصما يخاصمني في قضية ويدعوني الى مجلس الحكم، وأحضر إليك وتلتزم معي ما تلتزمه مع خصمي، وسوف أرسل إليك خصما لا تشك في أنه خصم لي، ويدعي علي بدعوى، فادعني حينئذ الى مجلس الحكم لأحضر إليك، وجاء الى زوجته الخاتون ابنة السلطان محمود-فيما أظن-وقال لها وكلي وكيلا يطالبني بصداقك، فوكلت وكيلا، ومضى الوكيل الى مجلس الحكم، وقال: لي خصومة مع قسيم الدولة البرسقي وأطلب حضوره الى مجلس الحكم، فسير القاضي إليه ودعاه فأجاب وحضر مجلس (٢٧٦ - ظ) الحكم، فلم يقم له القاضي، وساوى بينه وبين خصمه في ترك القيام والاحترام، وأدعى عليه الوكيل وأثبت الوكالة، واعترف البرسقي بالصداق، فأمره القاضي بدفعه إليه فأخذه، وقام الى خزانته ودفع إليه الصداق، ثم انه أمر القاضي أن يتخذ مسمارا على باب داره يختم عليه بشمعه، وعلى المسمار منقوش أجب داعي الله، وأنه من كان له خصم حضر، وختم بشمعه على ذلك المسمار ويمضي بالشمعة المختومة الى خصمه كائنا من كان ولا يجسر أحد على التخلف عن مجلس الحكم. قرأت بخط الحافظ أبي الطاهر السلفي: وسنقر البرسقي ولي العراق سنين، وبلغ مبلغا عظيما، ثم وني ديار مضر ودار ملكه الموصل، ثم حلب، وكثيرا من مدن الشام، وجاهد الأفرنج، ثم قتله بعض الملاحدة (٢)، لعنهم الله، وكان سيفا

стр. 1907

عليهم، قلما يرى في جيشه مثله، ﵀ ورضي عنه، رأيته بالعراق في حال ولايته وبالشام قبل أن وليها. قال لي عز الدين أبو الحسن بن الأثير في سنة عشرين وخمسمائة: وقتل آق سنقر البرسقي بالجامع العتيق بالموصل بعد الصلاة يوم الجمعة، قتله باطنية، وكان رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثاروا به، فقتل بعضها ونال منه الباقون أذى شديدا، فقص رؤياه على أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام، فقال: لا أترك الجمعة لشيء أبدا وكان يشهدها في الجامع مع العامة فحضر الجامع على عادته، فثار به من الباطنية ما يزيد على عشرة أنفس فقتل بيده منهم ثلاثة وقتل ﵀ (١). قرأت بخط أبي الفوارس حمدان بن عبد الرحيم في تاريخه الذي جمعه (٢)، ووقع إلي منه أوراق نقلت منها في حوادث سنة عشرين وخمسمائة أن البرسقي سلّم حلب وتدبيرها الى ولده الأمير عز الدين مسعود فدخل (٢٧٧ - و) حلب، وأجمل السيرة وتحلى بفعل الخير، وسار أبوه الى الموصل والجزيرتين، وما هو جار في مملكته حتى دخل شهر ذي القعدة من السنة، فلما كان يوم الجمعة تاسع الشهر قصد الجامع بالموصل ليصلي جماعة، ويسمع الخاطب كما جرت عادته في أكثر الجمع، فدخل الجامع وقصد المنبر فلما قرب منه وثب عليه ثمانية نفر في زي الزهاد فاخترطوا خناجر وقصدوه، وسبقوا الحفظة الذين حوله فضربوه حتى أثخنوه، وجرحوا قوما من حفظته، وقتل الحفظة منهم قوما، وقبضوا قوما، وحمل البرسقي بآخر رمقه الى بيته، وهرب كل من في الجامع، وبطلت صلاة

стр. 1908

الجمعة، ومات الرجل من يومه وقتل أصحابه من بقي في أيديهم من الباطنية، ولم يفلت منهم سوى شاب كان من كفر ناصح، ضيعة من عمل عزاز من شمالي حلب. قال حمدان فيما نقلته من خطه: وحدثني رجل منها: أنه كان له والدة عجوز لما سمعت بفتكة البرسقي، وكانت تعرف أن ولدها من جملة من ندب لقتله فرحت واكتحلت، وجلست مسرورة كأنه عندها يوم عيد، وبعد أيام وصلها سالما، فأحزنها ذلك، وقامت جزّت شعرها وسودت وجهها. الاكوع بن عباد المزني: قيل إنه شهد فتح حلب مع أبي عبيدة بن الجراح ﵁، وله ذكر في الفتوح (٢٧٧ - ظ). ***

стр. 1909

ذكر من اسمه ألب رسلان ألب أرسلان بن جغري بك بن سلجوق بن تقاق بن سلجوق، وقيل سلجق، وله ولكل واحد من آبائه اسم آخر بالعربية، اسمه بالعربية محمد بن داود بن ميكائيل بن سليمان، أبو شجاع بن أبي سليمان الملقب بالعادل النوري، وأصلهم من قرية يقال لها النور. وتقاق أول من دخل منهم في الاسلام، وتقاق بالتركية القوس من الحديد، وقيل في نسب سلجق الأعلى: هو سلجق بن داود بن أيوب بن دقاق بن الياس بن بهرام بن يوسف بن عزيز. ملك ألب أرسلان خراسان بعد أبيه جغري بك، وفتح العراق من يد ابن عم أبيه قطلمش بن اسرائيل سنة ست وخمسين وأربعمائة، واستقر في السلطنة حين توفي عمه السلطان طغرلبك في الثامن من شهر رمضان سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وكان ولي عهد عمه، لأن عمه لم يكن له نسل، فملك ألب رسلان بعده، وهو أول من ذكر على منابر بغداد بالسلطان. وقدم حلب مخاصرا لها وفيها محمود بن نصر بن صالح بن مرداس سنة ثلاث وستين وأربعمائة، فدام على حصارها الى أن خرج إليه محمود مع والدته السيدة، فأنعم عليه بحلب، وسار الى الملك ديوجانس (١). وقد خرج من القسطنطينية، فالتقاه وأسره، ثم منّ عليه وأطلقه، وغزا الخزر والأبخاز، وبلغ ما لم يبلغ أحد من الملوك. وكان ملكا عادلا مهيبا مطاعا (٢٧٨ - و).

стр. 1910

حدثني والدي ﵀ يأثره عن سلفه قال: قدم السلطان، يعني ألب أرسلان، وحاصر حلب، وكان نازلا بميدان قنسرين، ونصب على برج الغنم منجنيقا وتواتر ضرب المنجنيق عليه، فأخذ عوام حلب شقة أطلس وربطوها على ذلك البرج استهزاء به، يعنون أن البرج قد صدعه رأسه من ضرب المنجنيق، فسأل السلطان عن ذلك، فقالوا: إنهم قد عصبوا البرج، يعنون أن البرج قد صدعه رأسه من ضرب المنجنيق، وقد عصبوه على رأسه ليستريح من الصداع الذي يلحقه من ضرب المنجنيق. قال: فاستشاط السلطان غضبا وفرق تلك الليلة في عسكره كذا وكذا ألف فردة نشاب من الخلنج (١) غير ما كان من غيرها، وباكر البلد بالزحف حتى أشرف على الأخذ، فخرجت إليه السيدة أم محمود ومعها ابنها محمود، وحملا مفاتيح البلد والقلعة ودخلا تحت طاعته، ووطئا بساطه، والناس في خدمته بالميدان صفان، فدخلت وابنها بين الصفين، وجعلا يقبلان الارض خدمة له حتى انتهيا إليه، فأكرمهما وقال للسيدة: أنت السيدة؟ فقالت: سيدة قومي، فاستحسن ذلك منها، ورد البلد على ابنها وأكرمه، وعاد الى المدينة مكرما مسرورا. قال: وقصد بتطويل الحصار تعظيم البلدة لكونها مجاورة للروم، فيقع عندهم أن هذا السلطان مع عظم قدره، وكثرة عساكره نزل عليها هذه المدة، ولم ينل منها ما أراد، فلا يطمع فيها العدو (٢٧٨ - ظ). وقيل إن السيدة أقامت في البلد، وخرج محمود إليه، وأن دخولها عليه كان بالرّها. توجهت اليه وهو متوجه الى حلب، فسألها: أنت السيدة؟ فأجابته بما ذكرناه. وقرأت بخط أبي الفوارس حمدان بن عبد الرحيم: إن محمود ووالدته خرجا إليه، فعفا لهما عن حلب بعد أحد وثلاثين يوما من مقامه. وسمع أن ملك الروم ديوجانس قد خرج من القسطنطينية على طريق الثغور

стр. 1911

والدروب، فرحل عن حلب بعد خروج محمود إليه بخمسة أيام، وقصده حتى لحقه على منازكرد، فحاربه حتى هزمه، وأسر ملك الروم، وغنم معسكره، وكانت عدة الترك ستمائة ألف رجل. وقرأت في بعض التواريخ التي لم يسم جامعها أن ألب أرسلان العادل نزل على حلب محاصرا لها في سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وبها محمود بن نصر بن صالح، ثم ملكها بالأمان، خرج إليه محمود بن نصر في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة من السنة، فأنعم عليه وآمنه، وولاه حلب من قبله. ثم رحل عنها في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة قاصدا بلد الروم في طلب ملكهم وقد توجه الى منازجرد، فلحقه في عساكره وأوقع به، فهزمه، وقيل ان ملك الروم كان في ستمائة ألف. وألب أرسلان في أربعمائة ألف من الأتراك، وحصل ملك الروم أسيرا في أيدي المسلمين، وصار الى ألب أرسلان، فلم تزل المراسلات بينه وبينه الى أن تقرر إطلاقه (٢٧٩ - و) على مهادنة منها: أن لا يعرض لبلاد المسلمين، ثم سيره الى بلاده، فيقال إن أهل مملكته قتلوه لأمور نقموها عليه. قرأت بخط الحافظ أبي الخطاب عمر بن محمد العليمي، وأنبأنا به أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد النسابة عنه قال: وجدت بخط ابي الحسن يحيى بن علي بن محمد بن زريق: ذكر أخبار السلطان الشهيد المعظم ألب أرسلان، أبي شجاع محمد بن داود، برهان أمير المؤمنين، نضّر الله وجهه، والسبب في وصوله الى الشام: كان هذا السلطان ﵀ ولي الأمر بعد وفاة عمه السلطان الأعظم أبي طالب طغرلبك بن ميكائيل في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وعمر السلطان طغرلبك على ما ذكر قد أناف على ثمانين سنة، ونازع السلطان المذكور في المملكة قتلمش ابن عمه، ولم يثبت لمقاومته، وذكر أنه لقيه في تسعين ألفا، ومع السلطان يومئذ اثنا عشر ألفا، فكسره، وانهزم قتلمش على وجهه، وسقط عن دابته في هزيمته، فوجد ميتا، وحمل ودفن بالري. وكانت الدامغان دار مملكته، وقيل ان اللقاء بقرب ضيعة تعرف بده نمك، وكان أخو السلطان قاورت متملك كرمان، وكان بينهما منازعات، وآلت الحال بينهما الى الصلح والاتفاق.

стр. 1912

وفي أيامه أغمدت سيوف الفتنة بخراسان، وبطل ما كان عليه الترك من الفساد والعبث قبل استقرار المملكة، وفتح البلاد، وعظمت هيبته (٢٧٩ - ظ) واستقامت مملكته، وانتشر عدله ودعوته. وكان سبب ظهوره الى الشام ما حدثني به الفقيه أبو جعفر محمد بن أحمد ابن البخاري رسول ناصر الدولة بن حمدان، المتغلب على مصر إليه، يستدعي عساكره ليسلم ديار مصر، ويغير الدعوة، وذلك لما كان بينه وبين جماعة من الأمراء بمصر، منهم يلدكوز العجمي وغيره بمصر، وأمير الجيوش بدر الجمالي بالشام، وكانت المراسلة في سنة اثنتين وستين على يد الفقيه المذكور، فحين ورد عليه الى خراسان، جهز العساكر التي تملأ الفضاء وتضيق بها الدهناء، عدّة وعدة، ووصل من بلاده على طريق ديار بكر، ونزل الرّها في أول سنة ثلاث وستين، وأقام عليها نيفا وثلاثين يوما، وسير الفقيه المذكور رسولا الى محمود بن نصر بن صالح صاحب حلب يستدعيه الى وط ء بساطه وخدمته أسوة بمن وفد عليه من الملوك، مثل شرف الدولة مسلم بن قريش، وابن مروان، وابن وثاب، وابن مزيد (١)، وأمراء الترك والديلم، فلم يفعل، وخاف منه. فسار عن الرّها الى الشام قاصدا له، وقطع الفرات في النصف من شهر ربيع الآخر من السنة، وهو اليوم التاسع عشر من كانون الثاني، وكان قد راسله السلطان في سنة اثنتين وستين يأمره باقامة الدعوة العباسية، والمسارعة الى الخدمة، وأنفذ له خلعا وتشريفا، فامتثل أمره من إقامة الدعوة للامام القائم بأمر الله أمير المؤمنين، والسلطان المعظم بعده، ولبس الخطيب السواد، وبطلت الدعوة (٢٨٠ - و) المصرية من الشام في شوال من سنة اثنتين وستين. ولما قطع السلطان المعظم الفرات من نهر الجوز نزل بعض المروج على الفرات، فرآه حسنا، فأعجب به، فقال له الفقيه أبو جعفر: يا مولانا احمد الله تعالى على ما أنعم به عليك، فقال: وما هذه النعمة؟ فقال: هذا النهر لم يقطعه قط تركي إلا مملوك وأنتم اليوم قد قطعتموه ملوك، قال: فلعهدي به وقد أحضر جماعة من

стр. 1913

الأمراء والملوك، وأمرني بإعادة الحديث، فأعدته، فحمد الله هو وجماعة من حضر عنده حمدا كثيرا. ونزل السلطان المعظم نقرة بني أسد الى أرض قنسرين الى الفنيدق، والرسل مترددة الى محمود ليخرج الى الخدمة، وهو خائف منه ممتنع عليه، وتمادى الأمر نحو شهرين، وحصن محمود حلب، وجفل الناس من سائر الشام إليها، ودخل الرعب في قلوب الناس لعظم هيبته وبأسه ونجدته وما اجتمع إليه من العساكر الجمة والجيوش الكثيفة الضخمة، وكان الأمر بخلاف ما ظن الناس من ذلك الخوف، وأنه ﵀ لما يئس من خروج محمود إليه عاد منكفئا من منزل يعرف بالفنيدق، ونزل حلب في آخر جمادى الآخرة من السنة، وكانت الخيام والعساكر من حلب، الى نقرة بني أسد الى عزاز، الى الأثارب، متقاربة بعضها من بعض، وبعض العساكر ببلد لروم وسائر مروج الشام. وسار بعض (٢٨٠ - ظ) عساكره مع ابن جابر بن سقلاب الموصلي أحد الكتاب الى طرابلس لتقرير أمرها. وأقام محاصرا لحلب شهرا واحدا ويومين، ولم يقاتلها غير يوم واحد، فحدثني من كان مع محمود صاحب حلب وهو يطوف داخل السور لتحريض الناس على القتال في وقت الزحف، انه لم يعبر محلة من محال حلب إلا وأهلها قد أشرفوا على الهجم عليهم، ونقب البرج المعروف ببرج الغنم، وهو أحصن برج بها، وعلق (١) فظفر أهل حلب بمن دخل ذلك النقب، فأخذوا بعضهم ووقع الردم على الباقين، وحمل السلطان في ذلك اليوم، فوقعت يد فرسه في خسف كان هناك، وأصاب في الحال رأس فرسه حجر المنجنيق فركب غيرها وعاد وصرف الناس عن الحرب بعد أن أشرف البلد على الأخذ. وذكر عن هذا السلطان أنه قال: أخشى أن أفتح هذا الثغر بالسيف فيصير

стр. 1914

الى الروم، وراسل السلطان أمراء بني كلاب وأحضرهم من البرية، فوصلوا إليه، وعزم على تقليد بعضهم وتركه في مقابلة محمود، وعوده لأجل ما بلغه من ظهور متملك الروم ووصوله في الخلق العظيم الى بلاد أرمينية طالبا لبلاد خراسان، فشعر محمود بوصول أمراء العرب، وأنه إن تم ذلك خرج الشام من يده، فراسل السليماني (١) المتردد اليه، كان في المراسلة، يعلمه أنه قد عزم على وط ء بساطه وخدمته خوفا مما أشرف (٢٨١ - و) عليه، وخرج الى السلطان على غفلة منه في أول شعبان من السنة، فرأى منه من الاكرام والتشريف والخلع ما زاد على أمنيته، وفي الحال رده الى حلب، وقال: ارجع الى والدتك، وكانت والدته المعروفة بالسيدة علوية بنت وثاب قد خرجت إليه برسالة ابنها عند كونه بالرّها وتردد خروج محمود دفعة بعد أخرى، وقرر معه السلطان أن يخرج بعساكره ويضيف إليه السليماني، وأن يتوجها الى بلاد دمشق والاعمال المصرية ليفتحها، ففعل ما أمر به. وحكى الأمير أبو الحسن علي بن منقذ أن خواجا بزرك (٢) الوزير سأله عند حضوره عند وقت خروج محمود إليه عمن قتل بحلب يوم الحرب، فقال: إنهم نفر يسير، فتعجب من ذلك، وقال: في ذلك اليوم رمي من الخزانة بثمانين ألف نشاب، سوى ما رماه بقية العسكر، ودفع الله عن أهل الشام، ولم يقاتل فيه مدينة ولا حصن ولا سبيت حرمة، ولا اعترض لأحد من المسلمين وذلك من حسن سيرة هذا السلطان، وعظم هيبته، تغمده الله بالغفران. وعاد السلطان منكفئا الى بلاده على طريق العراق، معرجا منه نحو بلاد أرمينية قاصدا لمتملك الروم، وأسرع في سيره بمن خف معه، ووصل فالتقى متملك الروم بالقرب من خلاط (٣) وتلك البلاد، فاعتبر من وصل معه من عسكره، فكانت (٢٨١ - ظ) عدتهم ثلاثة عشر ألفا، وتصاف العسكران في يوم الجمعة،

стр. 1915

ووقف السلطان عن قتاله انتظارا لوقت الصلاة والدعاء على منابر الاسلام، وترقبا للاجابة في نصرة المسلمين، فلما صلى الظهر ناجزهم الحرب فأظفره الله تعالى بعسكر الروم، وأجراه على جميل العادة في الظفر، ومكنه ممن بغى وكفر، ونهب العسكر بأسره، وأسر متملك الروم، وأقامه بين يديه ومعه باز وكلب صيد، ثم أنعم عليه، وخلع وأكرمه، واصطنعه وسيره مع قطعة من عسكره ليعده الى بلاده ومملكته، فاختلت الأمور عليه، ولم يتم له ما أراد، وذكر أنه كحل ومات بعد مدة. ولم يجر في الاسلام منذ ظهر مثل هذا الظفر، ولا أسر للروم متملك قبل هذا في الاسلام، وكان السلطان سأل متملك الروم عند حضوره بين يديه ما سبب خروجه وتعريضه نفسه وعسكره لهذا السبب، فذكر أنه لم يرد إلا حلب، إذ كان كلما جرى على الروم كان محمود هو السبب فيه، والباعث عليه لمن قصدها من الترك. وغنم من هذا العسكر ما يفوت الاحصاء والعد، وتجاوز الامد والحد، وبيع من غنائمه ما يساوي مائة دينار بدينار واحد، فلله الحمد على ذلك كثيرا. قلت: ومن ذلك اليوم عرف تل السلطان بتل السلطان لنزول ألب أرسلان على التل (٢٨٢ - و) وكان يعرف المكان أولا بالفيدق، وكان فيه فندق صغير يأوي اليه الناس، شاهدته قبل أن يجدد الامير سيف الدين علي بن سلمان بن جندر هذا الخان الذي هو الآن موجود. قرأت بخط أبي الحسن بن مرشد بن علي بن منقذ في تاريخه: في سنة ثلاث وستين وأربعمائة، في ذكر العادل ألب أرسلان وحصاره حلب قال: حدث الامير طغتكين صاحب دمشق أبي قال: كنت حامل وراء السلطان حين ضربه حجر المنجنيق، ولو سلم ساعة لأخذها، وكان قد وصل الشام يريد الطلوع الى مصر ليفتحها، ولو طلع لاخذ البلاد جميعها، وأخذ مصر. قال: وحدثني مولاي أبي قال: كانت خيامه من شمالي مسجد مرج دابق

стр. 1916

الى قناطر قنسرين، أي موضع عبرت فيه ورأيت السرادق والخيام قلت في هذه السلطان. وقال: قال أبي: وحدثني وزير تاج الدولة أبو النجم (١) قال: شرب السلطان على حلب وسكر، وضل رشده بالسكر، فقال: هاتو الأمير البدوي، يعني محمود، لأضرب رقبته، فجاء الغلمان الى خواجا بزرك وقالوا: قد قال السلطان كذا وكذا، فمضى اليه خواجا بزرك، وقال له: يا سلطان العالم يظهر عنك مثل هذا وكان السلطان قد بلغ منه السكر، فضربه بالمغسل الذي في دست الشراب، وقال: أريده، ففتح أثرا في وجهه (٢٨٢ - ظ) فمضى خواجا الى جانب السرادق الى خاتون فقال، بادرينا يا خاتون والا الساعة يتلف العسكر وينهب بعضه بعضا، كان كذا وكذا، فقامت تمشي اليه. فقال لها: خاتون ما جاء بك؟ فقالت: نم أنت سكران. وتفرقوا، فلما أصبحت قالت له: ما تحتشم تفتح عليك باب غدر! قال: لا إن شاء الله! قالت: البارحة أردت تحضر الامير البدوي وتضرب رقبته، وأنت قد أعطيته أمانك، هذا وأنت تريد تفتح مصر وما دونها، وفعلت كذا وكذا بخواجا بزرك! قال: والله ما معي علم من هذا جميعه، ولما حضر عنده خواجا قال له: يا حسن ما هذا الاثر في وجهك؟ فقال: يا سلطان العالم هذا أثر، وقعت البارحة وأنا خارج من خيمتي ضربني عمود الخيمة، ولم يعلمه بذلك، فاستحسن الناس منه ذلك، ثم رحل السلطان من حلب يريد مصر، فرحل مرحلة واحدة فجاءه الخبر بأن ملك الروم ذيو خانس قد خرج لما رأى البلاد خالية من العساكر، فرحل على أدراجه يريد ملك الروم. قرأت بخط أبي غالب عبد الواحد بن مسعود بن الحصين: سار السلطان ألب أرسلان يعني في سنة ثلاث وستين وأربعمائة الى ديار بكر، فخرج اليه نصر بن مروان وخدمه بمائة ألف دينار، وقصد حلب وحاصرها، فخرج اليه محمود بن نصر ليلا، ومعه والدته، فدخلا على السلطان، فقالت له: هذا ولدي فافعل به ما تحب، ففعل معه الجميل وخلع عليه، وغزا السلطان ألب أرسلان بلاد الروم، وخرج أمر (٢٨٣ - و) الخليفة القائم الى الخطباء على المنابر بالدعاء له بما صيغته:

стр. 1917

اللهم أعلي راية الاسلام وناصره، وادحض الشرك بجب غاربه، وقطع أواصره، وامداد المجاهدين في سبيلك الذين في طاعتك بنفوسهم سمحوا، وعلى متابعتك بمهجهم فازوا وربحوا، بالعون الذي تطيل به باعهم، وتملأ بالامن والظفر رباعهم، واحب شاهنشاه الاعظم برهان أمير المؤمنين بالنصر الذي تنشر به أعلامه، وتستبشر بمكانه من اختلاف الظلال أيامه، وأوله من التأييد الضاحكة مباسمة، القائمة أسواقه ومواسمه ما تقوي به في إعزاز دينك يده، ويقضي بأن يشفع يومه في الكفار غده، واجعل جنوده بملائكتك معضودة، وعزائمه على اليمن والتوفيق معقودة، فانه قد هجر في كريم مرضاتك الدعة، وتاجرك من بذل المال والنفس ما انتهج فيه مسالك أوامرك الممثلة المتبعة، فانك تقول، وقولك الحق: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ» (١). اللهم فكما أجاب نداءك ولباه، واجتنب التثاقل عن السعي في حياطة الشريعة وأباه، ولاقى أعداءك بنفسه وواصل في الانتصار لدينك يومه بأمسه، أنت أخصصه بالظفر، وأعنه في مقاصده بحسن مجاري القضاء والقدر، وحطه بحرز يدرأ عنه من الأعداء كل كيد، ويشمله من جميل صنعك بأقوى أيد، ويسر له كل (٢٨٣ - ظ) مطلب يرومه ويزاوله حتى تكون نهضته الميمونة عن النصر مسفرة، ومقلة أحزاب الشرك مع اصرارهم على الضلال غير مبصرة، فابتهلوا معاشر المسلمين الى الله تعالى في الدعاء له بنية صافية، وعزيمة صادقة، وقلوب خاشعة، وعقائد في رياض الاخلاص راتعة، وواصلوا الرغبة إلى الله في اعزاز جانبه، وفل غرب مجانبه، واعلاء رايته، وإنالته من الظفر أقصى حده وغايته. وأنفذ السلطان في مقدمته أحد الحجاب، فصادف عند خلاط صليبا (٢) تحته متقدم الروسية في عشرة آلاف من الروم، فحاربوهم، وأعطى الله المسلمين النصر عليهم، فأخذ الصليب، وأسر المقدم، وتقارب السلطان، وعظيم الروم في مكان

стр. 1918

يعرف بالزهرة بين خلاط ومنازكرد في يوم الاربعاء خامس ذي القعدة، وكان السلطان في خمسة عشر ألفا، وصاحب الروم في مائتين ألوف. وراسل السلطان ملك الروم في الهدنة، فقال ملك الروم: لا هدنة إلاّ بالري، فعزم الله على السلطان على الرشد، ولقيه يوم الجمعة وقت الزوال، وهو سابع ذي القعدة، وأعطى الله المسلمين النصر فقتلوا منهم قتلا ذريعا، وأسر ملك الروم، وضربه ألب أرسلان، ثلاث مقارع، وقطع عليه ألف ألف وخمسمائة ألف دينار، وأي وقت طلب السلطان عساكر الروم نفذها ملكهم إليه، وأن يسلم كل أسير من المسلمين عنده (٢٨٤ - و). ذكر صاحب ملك نامه (١) الذي صنفه لألب أرسلان محمد بن داود أنه استفاد انسابهم واحسابهم من الأمير اينانج بك، إذ كان أسن القوم وأعرفهم بأنسابهم وأحسابهم، قال: كان الأمير سلجوق بن دقاق من أعيان ترك خزر، وكان دقاق يلقب بتمر بالغ أي شديد القوس. قال اينانج بك: لما مر زمان على الأمير دقاق، ولد له مولود مبارك سماه سلجوقا، وكان يلقبه بسباشي، يعني مقدم الجيش، وكان لسلجوق أربعة أولاد: ميكائيل، وموسى، وأرسلان الملقب بيبغو (٢) اكلان، وآخر توفي زمن شبابه. وكان للأمير ميكائيل بن سلجوق ولدان: طغرلبك، وداود جغري بك، فعلى هذا يكون ألب أرسلان محمد بن جغري داود بن ميكائيل بن سلجوق ابن دقاق. وقرأت في بعض التواريخ أن أباه جغري بك عهد إليه في سنة احدى وخمسين وأربعمائة حين مرض باليرقان، وضعف مزاجه، وجهز اليه السلطان مودود (٣) جيشا الى خراسان، ففوض ولاية عهده الى ابنه ألب أرسلان، فأقام ألب أرسلان ببلخ

стр. 1919

مدة حتى انكشفت عنه وعثاء السفر. ولما سمع مودود بذلك جمع الجنود، ولزموا مكانهم، فحمل عليهم السلطان ألب أرسلان حملة ساق التقدير منها الى جيوش غزنة قتلا ذريعا، وانهزاما سريعا، وأسر ألب أرسلان ألف رجل من القواد، وغنم من الخيل والسلاح ما لا يدخل في الحساب، فلما دخل على أبيه جغري بك سر بذلك وزال (٢٨٥ - و) مرضه، ثم سار بعد ذلك جغري بك وألب أرسلان الى ترمذ ووالي القلعة بها الكاتب البيهقي (١)، فخرج منها، وتوجه الى غزنة، وسلمها الى جغري بك، ففوض جغري بك ولاية بلخ وطخيرستان وترمذ وخش وولوالج الى ألب أرسلان، وشد أزره بوزارة أبي علي بن شاذان، فعمر بلاده بحسن كفايته، ولما قرب موته سأل ألب أرسلان أن يفوض الوزارة بعده الى نظام الملك. ثم ورد خاقان الترك ترمذ وخربها ونهبها، فطرده ألب أرسلان عنها، فمضى الخاقان وخيم على جيحون من جانب بخارى، وطلب المصالحة، مصالحة جغري بك، واجتمع به، ثم افترقا، وأثر المرض في جغري بك، وزاد ضعفه، وكان عمره سبعين سنة، فقضى نحبه في صفر سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة في سرخس، وقام مقامه في الملك السلطان ألب أرسلان، وكان ملكشاه حينئذ ابن ست سنين، وعاش طغرلبك السلطان بعد جغري بك ثلاث سنين. قرأت في كتاب الربيع (٢) تأليف غرس النعمة أبي الحسن محمد بن هلال بن الحسن بن ابراهيم بن هلال الصابئ، وأخبرنا به أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف ابن علي البغدادي وغيره اجازة عن أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة أبو الحسن قال: حدثني بعض الخراسانية، قال: خرج ألب أرسلان بن داود، الملقب عضد الدولة، وهو صبي الى الصيد فرأي شيخا ضعيفا على رأسه شوك قد قطعه وتعب به، وهو ذا يقاسي (٢٨٥ - ظ) من حمله شدة وصعوبة، فقال له: يا شيخ، قال: لبيك، قال: أتحب

стр. 1920

ان اريحك مما أنت فيه من هذا الكدّ والتعب والنصب مع الشيخوخة وكبر السن؟ فظن الشوكي أنه يعطيه ما يكفه به عن ذاك ويعينه، فقال: أي والله يا مولاي، فرماه بنشابة قتلته مكانه. وهذا صدر من ألب أرسلان في حال الصبوة والجهل، وحمله عليه سكر الشباب، أما في حالة اكتهاله واستقراره في الملك، فكان من أعدل الملوك وأحسنهم سيرة وأرغبهم في الجهاد ونصرة الدين. قرأت في منتخب من كتاب زبدة التواريخ للامير أبي الحسن علي بن الشهيد أبي الفوارس ناصر بن الحسيني قال: لما استبد السلطان ألب أرسلان بالامر، واستوى على سرير الملك بسط على الرعايا جناح العدل ومدّ عليهم ظل الرأفة والبذل، وقنع من الرعايا بالخراج الأصلي في نوبتين من كل سنة، وكان يتصدق في كل سنة في شهر رمضان بأربعة آلاف دينار ببلخ، وألف بمرو، وألف بهراة، وألف بنيسابور، ويتصدق بعشرة آلاف في حضرته. وكتب السعاة اليه سعاية بنظام الملك، وتعرفا بمكاسبه، ووضعوه على طرف مصلاه، فدعا السلطان نظام الملك وقال له: خذ هذا الكتاب فان صدقوا فيما كتبوه فهذب أخلاقك، وأصلح أحوالك، وان كذبوا فاغفر للجارم، وأشغل الساعي بمهم من مهمات الديوان حتى يعرض عن الكذب والبهتان (١). قرأت بخط أبي غالب (٢٨٦ - و) بن الحصين: في شهر رمضان-يعني من سنة ست وخمسين وأربعمائة-وصل ركابي من تبريز بكتاب من نظام الملك يخبر ان السلطان ألب أرسلان أوغل في الغزاة ببلاد الخزر، وبلغ حيث لم يبلغ أحد من الملوك وافتتح بلدا عظيما يسمى أسد شهر، وقتل نحو ثلاثين ألف رجل، وسبى ما يوفى على خمسين ألف مملوك، وهادن ملك الأبخاز، وعاد من ذلك الثغر، ونزل على مدينة آني من بلاد الروم ففتحها عنوة وهي مدينة عظيمة تشتمل على سبعمائة ألف دار، واسر منه خمسمائة ألف إنسان.

стр. 1921

قال: وهو أول من ذكر على منابر مدينة السلام بالسلطان عضد الدين ألب أرسلان. وقرأت بخط أبي غالب أيضا، سنة خمس وستين وأربعمائة: في أولها غزا السلطان ألب أرسلان جيحون، وكان معه زيادة على مائتي الف فارس، وعبر عسكره اليهم في نيف وعشرين يوما من صفر، وكان قد قصده شمس الملوك تكين بن طمغاج، وأتاه وأصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي، وحمل الى قرب سريره، وهو مع غلامين، فتقدم بأن يضرب له أربعة أوتاد، وتشد أطرافه اليها، فقال: يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة! فاحتد السلطان ألب أرسلان، واخذ القوس والنشابة، وحرص على قتله، وقال للغلامين: خلياه فخلياه ورماه، فأخطأه، ولم تخطئ له قط نشابة غير هذه، فعدا يوسف اليه وكان السلطان جالسا على سدّة، فنهض ونزل فعثر ووقع على وجهه، وقد وصله يوسف فبرك عليه وضربه (٢٨٦ - ظ) بسكين كانت معه في خاصرته، ودخل السلطان الى خيمته وهو مثقل، ولحق بعض الفراشين يوسف فقتله بمروة (١) كانت في يده، وقضى ألب أرسلان نحبه، وجلس للعزاء به ببغداد ثامن جمادي الآخرة، ومولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وبلغ من العمر أربعين سنة وشهرين. ودفن السلطان ألب أرسلان عند قبر أبيه بمرو. أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني قال: ملك البلاد ألب أرسلان وهو محمد ابن داود، كسر قتلمش بديه نمك (٢) في ذي الحجة سنة خمس وخمسين، واستخلص الملك، وغزا الروم في شعبان سنة ثلاث وستين، وكسر الروم، وأسر ملكهم، ونودي عليه في السوق، ثم منّ عليه وخلاه، ورده الى ملكه، وقتل ببليدة يقال لها نرزم على طرف جيحون، سلخ صفر، أو غرة شهر ربيع الاول سنة خمس وستين واربعمائة، وحمل الى مرو، ودفن بجنب أبيه. أنبأنا عمر بن طبرزد عن أبي القاسم بن السمرقندي عن محمد بن هلال قال:

стр. 1922

حدثني أبو الحسن البصروي الشاعر قال: رأيت أبا طاهر بن أبي قراط العلوي في المنام وأنا أقول له: ما فعل الله تعالى بك، وكنت أعلم فساد اعتقاده، فلم يجبني، فلما كررت عليه القول وهو على حاله في ترك الاجابة قال لي: دع عنك هذا فقد ضرب الله نيسابور اثنين وسبعين عصا، وانتبهت، ففسرته على بعض من يدخل إليّ ممن له بذلك معرفة. فقال: عد يا سيدنا اثنين وسبعين يوما وانظر ما يتجدد بنيسابور. فكان قتل عضد الدولة ألب أرسلان بن داود سلطانها على جيحون في الجانب الشرقي، وقد عبر لقتال شمس الملك بن بوريخان صاحب سمرقند وبخارى وتلك الاعمال في اليوم الثالث والسبعين من المنام، وكان ذلك عجيبا، ويقال إن أهل بخارى وسمرقند وما يتاخمها من الاعمال اجتمعوا بسمرقند لما أظلتهم من عساكر ألب أرسلان، وكانت عظيمة، والاكثر يقول: انها قاربت مائتي ألف فارس، وأن لم يكن لسلطانهم ولهم به قوة، وبدأ الاجتياح والنهب في الاعمال، وبات صلحاء الناس بسمرقند في الجامع مدة اسبوع يصومون ويفطرون على الرماد والملح، ويدعون الله كفايتهم ما قد أظلهم وامر من قد قصدهم، فلم تنسلخ أيام الاسبوع حتى ورد اليهم خبر قتله، وأن يوسف أحد أصحاب شمس الملك لما أخذ من قلعة هناك أحضر بين يديه، فتهدده وتوعده، ثم ضرب اليه نشابة، وقال لغلامين اتراكا كانا يمسكانه: خلياه ورماه فلم يصبه، وعدا اليه يوسف فبرك عليه وجرحه بسكين كانت في خفه جراحة عاش منها ثلاثة أيام ومات (١). ألب أرسلان، ويسمى محمدا أيضا، بن رضوان بن تتش بن ألب أرسلان بن جغري بك ابن سلجون بن تقاق، أبو شجاع، الملقب تاج الدولة، الأخرس، وألب أرسلان الذي قدمنا ذكره جد أبيه. ملك حلب حين مات أبوه رضوان وهو صبي، وتولى تدبير أمره خادم أبيض كان من خدم أبيه اسمه لؤلؤ (٢٨٨ - ظ) ويعرف باليايا، فلم تتم له سنة حتى قتله غلمانه بالمركز من قلعة حلب، ووافقهم على ذلك لؤلؤ اليايا. وكان الثغ لا يحسن الكلام فدعي بالأخرس لذلك. وكان مهوّرا قليل العقل، سفاكا للدم منهمكا في المعاصي.

стр. 1923

سمعت والدي ﵀ يقول: جمع تاج الدولة الأخرس بن رضوان جماعة من الأمراء والأجناد وادخلهم إلى موضع بالقلعة شبيه بالسرداب أو المصنع لينظروه، فلما حصلوا كلهم فيه قال لهم: ايش تقولون فيمن يضرب رقابكم هاهنا، فتضرعوا إليه، وأيقنوا بالقتل، وقالوا: يا مولانا نحن مماليك وبحكمك، وخضعوا له حتى اخرجهم، ثم إنهم خافوا على أنفسهم منه فاجمعوا على قتله فقتلوه. وقال لي الأمير بدران بن جناح الدولة حسين بن مالك بن سالم: كان جدي مالك من جملة الأمراء الذين فعل بهم ذلك، فلما نزل من القلعة سار عن حلب الى قلعة جعبر، وترك المقام بحلب خوفا على نفسه. قال: ومضى أكثر الأمراء من حلب من خدمته إلى أن قتل، عمل عليه لؤلؤ الخادم مملوك أبيه مع جماعة من الامراء، فقتلوه. قال: ثم إن لؤلؤ خاف فأخذ الاموال من قلعة حلب، وسار طالبا بلاد الشرق، فلما وصل الى دير حافر قال سنقر الجكرمشي: تتركونه يقتل تاج الدولة، ويأخذ الاموال، ويمضي! فصاح بالتركية-يعني-الأرنب الأرنب، فضربوه بالسهام فقتلوه. قال: ولما هرب لؤلؤ (٢٨٧ - ظ) اقامت القلعة في يد آمنة خاتون بنت رضوان يومين فلما قتل لؤلؤ، ملكوا سلطان شاه بن رضوان. هكذا قال لي، ولؤلؤ، هو الذي نصب سلطان شاه بعد قتل أخيه، وبقي سنة وثمانية أشهر يدير دولته. وقرأت في كتاب عنوان السير تأليف محمد بن عبد الملك الهمذاني قال: وولي بعده-يعني رضوان-أبو شجاع محمد بن رضوان، وكان لا يحسن أن يتكلم واستولى على حلب وله من العمر تسع عشرة سنة، وقتل خلقا من أصحاب أبيه. فاغتاله خادم كان خصيصا به اسمه لؤلؤ في رجب سنة ثمان وخمسمائة، وكان ملكه بحلب سنة واحدة. قال لي بدران بن حسين بن مالك: بلغني أن تاج الدولة الاخرس خرج يوما الى عين المباركة، ونصب بها خيمه، وأخذ معه أربعين جارية، ووطئهن كلهن في ذلك اليوم.

стр. 1924

أنبأنا أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد القاضي قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي قال: ألب أرسلان بن رضوان بن تتش بن ألب أرسلان التركي ولي امرة حلب بعد موت أبيه رضوان في جمادي الآخرة سنة سبع وخمسمائة وهو صبي عمره ست عشر سنة، وتولى تدبير أمره خادم لأبيه اسمه لؤلؤ، ورفع عن أهل حلب بعض ما كان جدد عليهم من الكلف، وقتل أخويه ملك شاه وميريجا (١)، وقتل جماعة من الباطنية، وكانت دعوتهم قد ظهرت في حلب في أيام أبيه، ثم كاتب (٢٨٨ - هـ) طغتكين أمير دمشق، ورغب في استعطافه، فأجابه طغتكين الى ذلك، ودعا له على منبر دمشق في شهر رمضان من هذه السنة، ثم قدم الب أرسلان في هذا الشهر دمشق، وتلقاه طغتكين وأهل دمشق في أحسن زي وأنزله في قلعة دمشق، وبالغ في اكرامه، فأقام بها أياما، ثم عاد الى حلب في أول شوال، وصحبه طغتكين، فلما وصل حلب لم ير طغتكين ما يحب ففارقه وعاد الى دمشق. وساءت سيرة ألب أرسلان بحلب وانهمك في المعاصي واغتصاب الحرم، وخافه لؤلؤ اليايا، فقتله بقلعة حلب في الثامن من شهر ربيع الآخرة من سنة ثمان وخمسمائة ونصب أخا له طفلا عمره ست سنين، وبقي لؤلؤ بحلب الى أن قتل في آخر سنة عشر وخمسمائة (٢). قرأت في مدرج وقع الي بخط العضد مرهف بن أسامة بن منقذ فيه تعاليق من الحوادث في السنين قال: وفيها-يعني سنة ثمان وخمسمائة، قتل الاخرس ابن الملك رضوان في يوم الاثنين خامس شهر ربيع الآخر. قلت: ومن العجب العجيب الذي فيه عبرة لكل أريب أن رضوان لما ملك

стр. 1925

حلب قتل أخوين كانا له، فقوبل في عقبة، فلما ولي ألب أرسلان قتل أخويه ابني رضوان. نقلت من خط أبي عبد الله محمد بن علي العظيمي، وأنبأنا به أبو اليمن الكندي عنه قال: سنة سبع وخمسمائة، فيها: مات الملك رضوان بحلب، وجلس موضعه ولده تاج الملوك ألب أرسلان، وصار أتابكه لؤلؤ الخادم، وقتلوا من الخدم والخواص جمعا حتى استقام أمرهم، وقبض على أخوته وفيها قتل تاج الدولة بن الملك رضوان أخوته ملك شاه وابراهيم صبيين أحسن الناس صورا، وقتل خادم أبيه التونتاش المجني، وقتل الفتكين الحاجب وخافه الناس، فألب عليه خادمه أتابكة لؤلؤ من قتله. ثم قال: سنة ثمان وخمسمائة، فيها: قتل تاج الدولة ألب أرسلان بن رضوان صاحب حلب بداره في قلعة حلب بتدبير أتابكه لؤلؤ، وأجلسوا موضعه أخاه الملك سلطان شاه بن رضوان (١). كذا قال العظيمي: «ملك شاه وابراهيم» وهو وهم وانما هو وميريجا، وأما ابراهيم فانه آخر من بقي من ولد رضوان، ولم يبق من ذرية رضوان الا عقبة الى يومنا هذا. ذكر من أسمه الياس الياس بن محمد بن الياس بن ابراهيم التميمي البالسي: حدث عن أبيه محمد بن الياس بن ابراهيم البالسي روى عنه ابنه أبو الأسد محمد بن الياس الخطيب البالسي. أخبرنا أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف بن علي البغدادي، فيما أذن لنا (٢٨٨ - ظ) في روايته عنه، قال: أخبرنا عمر بن علي بن الخضر القرشي-اجازة ان لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علوان الحلبي قال: أخبرنا

стр. 1926

الفقيه معدان بن كثير بن الحسن بن المعمر البالسي بحلب قال: حدثنا القاضي الاجل أبو التمام عبد العزيز بن محمد بن الياس قال حدثنا والدي محمد بن الياس قال: حدثنا والدي الياس بن محمد قال: حدثنا والدي محمد بن الياس قال: حدثنا أبو يوسف محمد بن سفيان بن موسى الصفار بالمصيصة قال حدثنا محمد ابن قدامة قال حدثنا جرير عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يشكر الله من لا يشكر للناس» (١). الياس بن عبد الله: أبو الخير، عتيق أبي منصور المظفر بن عبد القاهر بن الحسن السهروردي، قاضي الموصل سمع بالموصل خطيبها أبا الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي، وروى لنا بالموصل، وذكر لي أنه قدم حلب مع مولاه حين اجتاز بها رسولا، قال لي: وقدمتها مرارا كثيرة في تجارة، وكان شيخا حسنا صحيح السماع أمينا. أخبرنا الياس بن عبد الله مولى ابن السهروردي بالموصل قال: أخبرنا الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي الخطيب بالموصل قال: أخبرنا أبو المظفر ميمون بن محمد بن أحمد في داره المعمورة بترمذ قال: حدثنا ابراهيم بن اسحاق المرغيناني قال: أخبرنا الشيخ أبو القاسم الحكيم الاشبارياني قال: أخبرنا نسطور الرومي (٢٨٩ و) بقرية من قرى بارات (٢) يقال لها تكركان، قال: قال رسول الله ﷺ : من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيئة ورفع له في الجنة ألف درجة، ويطعمه الله تعالى من ثلاث جنان: من العدن، والفردوس، والخلد. (٣). الياس بن .... الفقيه الملقب بناصح الدين، فقيه كان بسيواس يدرس الفقه على مذهب أبي حنيفة ﵁، فأرسله صاحب سيواس الملك ياغي يسن بن الدانشمند

стр. 1927

الى حلب ليأخذ الفتاوى من أئمتها على الملك فخر الدين بسبب يمين جرت بين ابن الدانشمند وبين فخر الدين، وأدعى أنه قد نقض العهد وخالف اليمين حين نزل يحاصر آمد، والغالب عليها يومئذ الملاحدة، وكانوا يومئذ معاهدين لمن حالف الملك ابن الدانشمند، فدخل بلاد الملك فخر الدين ونهبها، ونفذ الفقيه الياس لأخذ خطوط الأئمة بها، وكانا قد تحالفا على أن يكون كل واحد منهما صديق الآخر، وعدو عدوه كائنا من كان، وكان بحلب يومئذ علاء الدين عبد الرحمن الغزنوي، وتاج الدين عبد الغفور الكردي الحنفيان، وشرف الدين عبد الله بن عصرون ﵏ أجمعين. اليون المرعشي: كان روميا من أهل مرعش، وكان قد مضى مع مسلمة بن عبد الملك في أيام أخيه سليمان بن عبد الملك، فملكه الروم عليهم بالقسطنطينية. قال البلخي في تاريخه: وجهز سليمان مسلمة حتى بلغ القسطنطينية في مائة ألف وعشرين ألفا، وكان استصحب البون المرعشي ليدله على الطريق والعورات، وأخذ عهوده ومواثيقه على الوفاء والمناصحة، فعبروا الخليج وحاصروا القسطنطينية فلما برح بهم الحصار عرضوا الفدية على مسلمة فأبى أن يفتحها إلاّ عنوة، قالوا: فابعث الينا اليون فانه رجل منا، ويفهم كلامنا مشافهة، فبعثه اليهم فسألوه عن وجه الحيلة فقد ضاق بهم الامر، فقال: يا أهل قسطينطينية إن ملكتموني عليكم لم أفتتحها لمسلمة، فبايعوه على الملك والامرة، فخرج اليون وقال لمسلمة: قد أجابوني انهم يفتحونها، غير أنهم لا يفتحون ما لم تتنح عنهم، قال مسلمة: أخشى والله ان هذا منك غدر، فحلف له أليون أن يدفع اليه كل ما في قسطنطينية من ذهب وفضة وديباج وسبي، ورحل مسلمة وتنحى الى بعض الرساتيق ودخل اليون، فلبس التاج، وقعد على سرير الملك، (٢٨٩ ظ) وأمر بنقل الطعام والعلوفات من خارج فملأوا الاهراء وشحنوا المطامير، وبلغ الخبر مسلمة فعلم أنه كان غدرا، فأقبل راجعا فأدرك شيئا من الطعام، وغلقوا الابواب دونه، وبعث الى اليون يناشده الوفاء الى العهد، فأرسل اليه اليون: ملك الروم لا يبايع بالوفاء، ونزل بفنائهم

стр. 1928

مسلمة ثلاثين شهرا، حتى أكل أهل عسكرة الميتة والعظم، وقتل منهم خلق عظيم ثم رحل وانصرف (١). أمجد بن عبد الملك: أبو المجد الوركاني القاضي قاضي بلاد الروم، ووركان قرية من قرى قاشان، وكان فاضلا أديبا شاعرا واعظا متفننا في علوم شتى، ودخل حلب أو عملها في طريقة الى بلاد الروم، ووقع الي من شعره قوله: يؤرقني ذكر عهودي ومشهدي … متى لاح برق ببرقة ثهمد (٢) وتذري غروبي كلما هبت الصبا … دموعا كمن فض الجمان المبدد اذا نشرت أيدي الظلام فروعه … طويت على جمر الغضا المتوقد ***

стр. 1929

ذكر من اسمه امرؤ القيس امرؤ القيس بن حجر الملك بن الحارث الملك بن عمرو المقصور الملك بن حجر آكل المرار الملك بن عمرو الملك بن معاوية الملك بن الحارث بن يعرب وقيل معاوية الملك بن ثور الملك بن مرتع وهو عمرو أول ملوك كندة بن معاوية بن ثور، وهو كندة، أبو وهب، وقيل أبو عمرو وقيل أبو يزيد، وقيل أبو الحارث وقيل أبو كبشة الكندي، أحد ملوك كندة وابن ملوكهم. وقال الوزير أبو القاسم بن المغربي في كتاب النسب الذي جمعه ووسمه بالايناس: امرؤ القيس بن حجر حندج (١). وقال في كتاب «فائت كتاب المكائرة عند المذاكرة (٢)»: وأما امرؤ القيس ابن حجر فاستغني باشتهاره عن ذكر شيء من أخباره وأشعاره فأحببت أن أثبت اسمه فهو، صح لي حندج والحندج الرملة العظيمة، والجمل العظيم، والقيس الشدة. وامرؤ القيس من شعراء الجاهلية، وهو أول من فتح (٢٩٠ و) باب الشعر، وذكر بعض الرواة، أن امرأ القيس كان مليح الوجه، حسن الاخلاق، غير أنه كان مبغضا الى النساء. وقرأت بخط أبي عبد الله بن خالويه: كان امرؤ القيس مفركا (٣) أي تبغضه النساء.

стр. 1930

وقرأت بخط غيره: ويقال ان بعض من كان يلوذ به من النساء فركته، وقالت أشم منك رائحة كلب، فيقال أنه أرضع من لبن كلبة. وأمه فاطمة بنت ربيعة أخت كلب ومهلهل ابني ربيعة التغلبيين، وكانت بنو أسد قتلوا أباه حجرا، وامرؤ القيس غائب، فانتدب لطلب ثأر أبيه، فلما علم أنه لا طاقة له بذلك سار الى قيصر ملك الروم، مستنجدا به على الاخذ بثأر أبيه، واجتاز في طريقه بظاهر مدينة حلب وبحماة وشيزر، وقد ذكر مواضع من قرى حلب وأعمالها في قصيدته الرائية التي يذكر فيها مسيره الى بلد الروم، وقصده قيصر وأولها: سما لك شوق بعد ما كان أقصرا … وحلت سليمى قرن ظبي فعرعرا (١) كنانية بانت وفي الصدر ودها … مجاورة نعمان (٢) والحي يعمرا بعنيك (٣) … ظعن الحي لما تحملوا على (٤) جانب الافلاج (٥) من جنب تميرا (٦) قال فيها: ولما بدت حوران والآل دونها … نظرت فلم تنظر بعينك منظرا تقطع أسباب اللبانة والهوى … عشية جاوزنا حماة وشيزرا (٢٩٠ ظ) عشيه جاوزنا حماة وشيزر (٧) … أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه … وأيقن أنا لا حقان بقيصرا فقلت له: لا تبك عينيك إنما … نحاول ملكا أو نموت فنعدرا (٨)
следующие страницы →