رباح بن الجراح قال: حدثنا سابق بن عبد الله-وكان من البكائين-عن أبي خلف عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مدح الفاسق غضب الله (١٣٤ - ظ).
أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن عمر بن باز قال: أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق قال: أخبرنا أبو الغنائم بن النرسي قال: أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن أحمد الغندجاني قال: أخبرنا أحمد بن عبدان قال: أخبرنا محمد بن سهل قال: أخبرنا محمد بن اسماعيل البخاري قال: سابق البربري روى عنه الأوزاعي مرسل، يعد في الشاميين (١).
أنبأنا عمر بن طبرزد عن أبي الفضل بن ناصر عن جعفر بن يحيى قال: أخبرنا أبو نصر الوائلي قال: أخبرنا الخصيب بن عبد الله قال: أخبرني عبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النسوي قال: أخبرني أبي قال أبو سعيد: سابق البربري، وقال في موضع آخر: أبو عبد الله سابق البربري.
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحيم بن يوسف بن الطفيل-بالقاهرة-قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسين بن الطيوري قال: أخبرنا الحسين بن جعفر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الدهان قال: أخبرنا الحافظ أبو علي القشيري قال: سمعت ابراهيم بن أحمد بن عبد الكريم الحراني بن أبي حميد يقول: سألت محمد بن سليمان عن سابق البربري فقال: هذا كان قاضيا بالرقة.
وقال: أخبرنا الحافظ القشيري قال: سابق بن عبد الله الرقي يكنى أبا سعيد، حدث عنه من أهل حران عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي قال: حدثنا سابق البربري، وحدّث عنه محمد بن سليمان بن أبي داوود، وحدث عنه عبيد الله بن يزيد بن ابراهيم أبو ابن القرداواني، وحدث عنه محمد بن يزيد (١٣٥ - و) بن يزيد بن سنان الرهاوي نسخه عن أبي حنيفة، وحدث عنه شجاع بن الوليد فقال: حدثنا أبو سعيد الجزري (٢).
стр. 3992
أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا أبو البركات بن المبارك-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا ثابت بن بندار قال: أخبرنا محمد بن علي بن يعقوب قال:
حدثنا محمد بن أحمد بن محمد قال: حدثنا الأحوص بن المفضل بن غسان قال:
أبو زكريا، سابق البربري، مولى عمر بن عبد العزيز.
أنبأنا أبو الفضل عبد الواحد بن هاشم قال: أخبرنا أبو الفرج مسعود بن الحسن الثقفي-في كتابه-عن أبي عمرو بن مندة قال: أخبرنا حمد بن عبد الله قال: أخبرنا أبو محمد بن أبي حاتم قال: سابق البربري، روى عن مكحول، روى عنه الأوزاعي، سمعت أبي يقول ذلك.
قال أبو محمد بن أبي حاتم بعده: سابق الرقي، روى عن العلاء بن عبد الرحمن، وخصيف وأبي خلف، روى عنه موسى بن أعين والمعافى بن عمران الموصلي، وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، سمعت أبي يقول ذلك (١).
هكذا فرق أبو محمد بينهما وهما واحد، وقد صرح عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، فيما حكاه الحافظ أبو علي القشيري عنه فقال: حدثنا سابق البربري، وأبو محمد جعل الذي يروي عنه الطرائفي غير البربري وهو وهم، وقد تابعه أبو أحمد بن عدي فأشار الى الفرق بينهما بطريق الظن.
أنبأنا أبو محمد عبد البر بن الحسن العطار قال (١٣٥ - ظ) أخبرنا أبو المحاسن البرمكي قال: أخبرنا اسماعيل بن مسعدة قال: أخبرنا أبو القاسم السهمي قال: أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي قال: سابق بن عبد الله الرقي يكنى أبا عبد الله، ويقال أبو سعيد، ويقال أبو المهاجر أخبرنا أبو يعلى ومحمد بن الحسن بن بديناء وجعفر بن محمد بن دبيس ومحمد بن أحمد البوراني قالوا: حدثنا رباح ابن الجراح بن عباد أبو الوليد الموصلي قال: حدثنا أبو عبد الله سابق بن عبد الله عن أبي خلف خادم أنس عن أنس قال: قال النبي ﷺ : إذا مدح الفاسق اهتز العرش وغضب منه الرب .
وقال ابن عدي: حدثنا عبد العزيز بن سفيان الموصلي قال: حدثنا أحمد بن
стр. 3993
شيبان الموصلي قال: حدثنا سابق عبد الله الحجام عن أبي خلف عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مدح الفاسق اهتز العرش وغضب منه الرب.
وقال: أخبرناه ابن بديناء قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عماّر قال: حدثنا معافى عن سابق عن أبي خلف عن أنس عن النبي ﷺ نحوه.
وقال ابن عدي: وهذا يعرف بسابق، هذا عن أبي خلف عن أنس.
وقال: حدثنا علي بن الحسن بن سليمان قال: حدثنا أبو حميد محمد بن يوسف قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا سابق أبو سعيد عن ربيعة عن أنس وأبي سلمة أنهما سما أنسا (١) يقول: بعث رسول الله ﷺ على رأس أربعين الحديث.
قال: وحدثنا محمد بن سعيد الحراني عن محمد بن عبيد الله القردواني عن أبيه عن (١٣٦ - و) سابق بنسخه مقدار ثلاثين حديثا.
وقال: حدثنا عبد الله بن محمد الحراني قال: حدثنا ابن القردواني قال:
حدثني أبي قال: حدثنا سابق بن عبد الله الرقي وكنيته أبو المهاجر.
قال ابن عدي: أظن أن سابق صاحب حديث «إذا مدح الفاسق» ليس هو الرقي، لأن للرقي أحاديث مستقيمة عن مطرف وأبي حنيفة، وكان يروي عن غيرهما، فلا أدري سابق هذا الذي ذكر في هذه النسخة هو الذي روى حديث إذا مدح الفاسق أو غيره، والله أعلم، وسابق الذي يذكر هو غير ما ذكرت، وهو سابق البربري إنما له كلام في الحكمة والزهد وغيره. (٢)
أنبأنا أبو نصر بن الشيرازي قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي قال بعد ذكر كلام ابن عدي هذا قلت: هما واحد (٣).
قلت: وقول ابن عدي: إنما له كلام في الحكمة والزهد، يعني سابق البربري
стр. 3994
ليس كما زعم بل له رواية، فإن الحديث الذي افتتحنا به هذه الترجمة قال فيه الراوي عنه، وهو محمد بن سليمان بن أبي داوود القرشي: حدثنا سابق البربري، وقال الحافظ أبو علي القشيري-فيما حكاه عن عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي- قال: حدثنا سابق البربري، وفيما أوردناه من كلامه وكلام غيره كفاية في الدلالة على أنهما واحد.
أنبأنا ابن طبرزد عن ابن السمرقندي قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد قال: أخبرنا هبة الله بن ابراهيم بن عمر قال: حدثنا أحمد بن محمد بن اسماعيل قال: حدثنا محمد بن أحمد بن حماد قال: أبو سعيد سابق (١٣٦ - ظ) البربري. (١)
أخبرنا أبو حفص عمر بن علي بن قشام-فيما أذن لنا في روايته عنه-قال:
أخبرنا الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد-في كتابه-قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أبي علي الهمذاني قال: أخبرنا أبو علي الصفار قال: أخبرنا أبو بكر بن منجويه قال: أخبرنا الحاكم أبو أحمد الحافظ: أبو سعيد سابق بن عبد الله البربري، إمام مسجد الرقة وقاضي أهلها.
سمع أبا عثمان ربيعه بن أبي عبد الرحمن التيمي، وأبا شبل العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي.
روى عنه أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وأبو عبد الله محمد بن سليمان بن أبي داوود الحراني، يعد في الشاميين.
هكذا قال: يعد في الشاميين، وتابع في هذا القول أبا عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري، وإنما قالا ذلك لأنه أقام بالشام كثيرا، وكان انقطع الى عمر بن عبد العزيز، وله معه أخبار، وغزا في أيام سليمان بن عبد الملك، وكان يكون بدابق.
قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: سابق بن عبد الله الرقي المعروف بالبربري يكنى أبا سعيد.
حدث عن عمرو بن أبي عمرو، والعلاء بن عبد الرحمن، ومطرف بن طريف، وعاصم بن كليب، ويزيد بن خصفه، واسماعيل بن أمية، واسماعيل بن أبي خالد،
стр. 3995
وعمرو بن يحيى المازني، وعلي بن بذيمة، وخصيف بن عبد الرحمن، وأبي حنيفة الفقيه.
روى عنه موسى بن أعين وابو بدر شجاع بن الوليد وعثمان (١٣٧ - و) بن عبد الرحمن الطرائفي وغيرهم.
وقال أبو بكر الخطيب: أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال: أخبرنا محمد ابن عبد الله بن محمد الشيباني قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن يحيى القاضي الكريزي قال: حدثنا الفتح بن سلومة قال: حدثنا فهر بن بشر الداماني قال: حدثني سابق أبو سعيد البربري، إمامنا بالرقة، قال: حدثنا عمرو أبو يحيى بن عمارة المازني (١)، بحديث ذكره. (١٣٧ - ظ)
стр. 3996
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد-فيما أذن لنا في روايته عنه-عن أبي محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي عن أبي نصر بن هبة الله بن ماكولا قال:
سابق بن عبد الله، أبو سعيد المعروف بالبربري حدث عن عمرو بن أبي عمرو، والعلاء ابن عبد الرحمن، ومطرف بن طريف، وعاصم بن كليب، ويزيد بن خصفة، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، واسماعيل بن أمية، واسماعيل بن أبي خالد. روى عنه موسى بن أعين، وشجاع بن الوليد وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي وغيره (١).
أخبرنا تاج الأمناء أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن-في كتابه-قال:
أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: سابق بن عبد الله، أبو سعيد، ويقال أبو أمية، ويقال أبو المهاجر، الرقي المعروف بالبربري، الشاعر، قدم على عمر بن عبد العزيز، وأنشده أشعارا في الزهد.
روى عنه ربيعة بن عبد الرحمن، وداوود بن أبي هند، ومكحول، وشعبة، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، ومطرف بن طريف، والعلاء بن عبد الرحمن، وعمرو ابن أبي عمرو وعاصم بن كليب، ويزيد بن خصفة، واسماعيل بن أمية، واسماعيل ابن أبي خالد، وعلي بن بذيمة، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند.
روى عنه الأوزاعي، ومحمد بن يزيد بن سنان الرهاوي، وعبيد الله بن يزيد القردواني، ومحمد بن سليمان بن أبي داوود، وأبو بدر شجاع بن الوليد السكوني، وموسى بن أعين، وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، وفهر بن بشر (١٣٩ - و) الداماني والمعافى بن عمران، ورباح بن الجراح الموصليان (٢).
стр. 3997
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن عن أبي محمد الجوهري قال: أجاز لنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني قال: سابق البربري، مولى الوليد، يكنى أبا عبد الله، ويقال أبو أمية، أحد الزهاد المشهورين، وله مع عمر بن عبد العزيز أخبار وهو القائل:
وللموت تغذو الوالدات سخالها … كما لخراب الدهر تبنى المنازل
وله:
أموالنا لذوي الميراث نجمعها … ودورنا لخراب الدهر نبنيها
والنفس تكلف بالدنيا وقد علمت … أن السلامة فيها ترك ما فيها
وله:
وكائن ترى من صامت لك معجب … زيادته أو نقصه في التكلم
وله:
يخادع ريب الدهر عن نفسه الفتى … سفاها وريب الدهر عنها يخادعه
ويطمع في سوف ويهلك دونها … وكم من حريص أهلكته مطامعه (١)
أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد عن أبي غالب بن البناء قال: أخبرنا أبو الحسين بن الأبنوسي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا محمد بن سفيان قال: حدثنا سعيد بن رحمة قال: سمعت ابن المبارك عن الأوزاعي عن سابق البربري قال: كتب مكحول إلى حسن البصري فجاءنا كتابه، ونحن بدابق: في الرجل يطلب (١٣٩ - ظ) عدوّه وهم منهزمون، فحضرت الصلاة أيصلي على ظهر فرسه؟ قال: بل ينزل فيستقبل القبلة، وان كان عدوهم يطلبهم فليصل على ظهر فرسه إيماء.
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحيم بن يوسف بن هبة الله بن الطفيل-قراءة عليه- قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني قال: أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر بن السلماسي قال:
стр. 3998
أخبرنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن أحمد الدهان قال: أخبرنا أبو علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمن قال: حدثنا علي بن عثمان النفيلي قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا أبو كامل مولى الغاز بن ربيعة قال: سمعت سابقا البربري ينشد مكحولا وهو في الغزو:
يا نفس كل قابر مقبور
ويهلك الزائر والمزور
ويقبض العارية المعير
ليس على صرف الدّوا عمور
كم من غنيّ مكثر فقير
حتى انتهى إلى قوله:
والصدق برّ والتقى نظير
والبرّ معروف به المبرور
وذو الهوى يسوقه المقدور
فقال مكحول: لا.
أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي-قراءة عليه وأنا أسمع بحلب-قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخطيب، ح.
وأخبرنا علي بن عبد المنعم بن علي المنبجي، ثم الحلبي بها، قال: أخبرنا يوسف بن آدم المراغي قالا: أنبأنا أبو بكر محمد بن منصور بن محمد (١٤٠ - و) السمعاني قال: أخبرنا الشيخ أبو محمد جعفر بن أبي طالب قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو جعفر بن بريه قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا حماد بن الوليد الحنظلي قال: سمعت عمر بن ذر يذكر أنه بلغه عن ميمون بن مهران أنه قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز يوما وعنده سابق البربري الشاعر وهو ينشده شعرا فانتهي في شعره إلى هذه الأبيات:
стр. 3999
وكم من صحيح بات للموت آمنا … أتته المنايا بغتة بعدما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة … فرارا ولا منه بقوّته امتنع
فأصبح تبكيه النساء مقنّعا … ولا يسمع الداعي وإن صوته رفع
وقرب من لحد فصار مقيله … وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع
فلا يترك الموت الغني لماله … ولا معدما في المال ذا حاجة يدع
فلم يزل يبكي ويضطرب حتى غشي عليه.
أخبرنا أبو بكر عتيق بن أبي الفضل السلماني-قراءة عليه وأنا أسمع-قال:
أخبرنا أبو القاسم علي الحسن، ح.
وحدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي-من لفظه-قال: أنبأنا أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن قالا: أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم العلوي قال: أخبرنا رشاء بن نظيف قال: أخبرنا الحسن بن اسماعيل بن محمد، ح.
وأخبرنا أبو القاسم عبد الغني بن سليمان بن بنين قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الفراء-إجازة- قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن اسماعيل الضراب قال: أخبرنا أبي قال (١٤٠ - ظ) أخبرنا أحمد بن مروان قال: أنشدنا اسماعيل بن اسحاق السراج قال: أنشدني أبو زيد النميري لسابق:
وكم من صحيح بات للموت آمنا … أتته المنايا بغتة بعدما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة … فرارا ولا منه بقوته امتنع
وأصبح تبكيه النساء مقنّعا … ولا يسمع الداعي وإن صوته رفع
وقرب من لحد فصار مقيله … وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع
ولا يترك الموت الغني لماله … ولا معدما في المال ذا حاجة يدع
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي-قراءة عليه وأنا أسمع- قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور قال: أخبرنا خليفة بن محفوظ المؤدب بالأنبار، في الرحلة الأولى إليها، قال: حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر العدل-إملاء من لفظه-قال: أخبرنا محمد بن المغلس البزاز، ح.
стр. 4000
وأخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن يوسف الأوقي قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السّلفي قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ابراهيم الرازي عن أبيه أبي العباس الفقيه أن أبا الحسن محمد بن الغلس بن جعفر البزاز أخبرهم بمصر قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن رشيق المعدّل العسكري. وقال ابن أبي الصقر: الحسن بن رشيق المصري قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن محمد السامري بالرملة قال: حدثنا العباس بن محتاج قال: قال سابق البربري: (١٤١ - و)
العلم زين وتشريف لصاحبه … فاطلب هديت فنون العلم والأدبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه … لا تعدلن به درّا ولا ذهبا
قد يجمع المرء مالا ثم يتلفه … عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوط به بهج … ما إن يحاذر فوتا لا ولا سلبا
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن محمد-في كتابه-قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم عمي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن شجاع قال: أخبرنا أبو عمرو بن مندة قال:
أخبرنا الحسن بن محمد بن أحمد بن يوه قال: أخبرنا أبو الحسن اللبناني قال:
حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا اسحاق بن يحيى العبدي قال: حدثنا عثمان بن عبد الحميد قال: دخل سابق البربري على عمر ابن عبد العزيز فقال له عمر: عظني يا سابق وأوجز، قال: نعم يا أمير المؤمنين وأبلغ إن شاء الله، قال: هات، فقال: هات، فأنشده:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى … ووافيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون شركته … وأرصدت قبل الموت ما كان أرصد
فبكى عمر حتى سقط مغشيا عليه.
وقال: أخبرنا الحافظ عمي قال: أخبرنا أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا أبو علي بن صفوان قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن أيوب قال: حدثني عبد الله بن حماد-وكان ثقة-أن عمر بن عبد العزيز كتب الى سابق البربري أن عظني، فكتب إليه بهذه: (١٤١ - ظ)
стр. 4001
بسم الذي أنزلت من عنده السور … والحمد لله أما بعد يا عمر:
إن كنت تعلم ما تأتي وما تذر … فكن على حذر قد ينفع الحذر
واصبر على القدر المحتوم وارض به … وإن أتاك بما لا يشتهي القدر
فما صفا لامرئ عيش يسرّ به … إلا سيتبع يوما صفوه كدر (١)
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي قال: أخبرنا أبو الفتح أحمد ابن محمد بن أحمد الخلمي قال: أنشدنا أبو المعين ميمون بن محمد بن محمد بن معتمد المكحولي النسفي-إملاء-قال: أنشدوا لسابق البربري:
ألم تر أن الحلم زين مسوّد … لصاحبه والجهل للمرء شائن
ومن لا يزال يوما مع الجهل مذعنا … يقده إلى حين وذو الجهل حائن
ومن هذه الأبيات ما أنبأنا به أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو الحسين ابن النقور، وأبو القاسم بن البسري وأبو محمد بن أبي عثمان قالوا: أخبرنا أحمد ابن محمد بن موسى بن القاسم بن الصلت المجبر قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم قال: حدثنا أحمد بن محمد الأسدي قال: أنشدنا الرياشي لسابق البربري ﵀:
ألا ربما صار البغيض مصافيا … وحال عن العهد الصديق المتاقن
فلا تغترر ما عشت من متجمل … بظاهر ود قد تغطى البطائن
قال الرياشي: المتاقن المؤانس المعاشر، وأنشد لابن مقبل: (١٤٢ - و)
يقول الذي أمسى إلى الحزن أهله … بأي الحشى أمسى الخليط المتاقن
أخبرنا أبو بكر عتيق بن أبي الفضل السلماني قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي، ح.
وحدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي-من لفظه-قال: أنبأنا أبو المعالي
стр. 4002
عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر قالا: أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن ابراهيم العلوي قال: أخبرنا أبو الحسن رشاء بن نظيف، ح.
وأخبرنا أبو القاسم عبد الغني بن سليمان بن بنين قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الفراء-إجازة- قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن اسماعيل بن محمد الضراب قال: أخبرنا أحمد بن مروان قال: أنشدنا عمرو بن محمد البصري قال: أنشدنا أبو الفضل الرياشي قال: أنشدني بعض أصحابنا لسابق البربري:
إن كنت متخذا خليلا … فتنق وانتقد الخليلا
من لم يكن لك منصفا … في الود فابغ به بديلا
وعليك نفسك فارعها … واكسب لها عملا جميلا
ومن استخف بنفسه … زرعت له قالا وقيلا
وأقل ما تجد اللئي … م عليك إلا مستطيلا
وقال ابن بنين: ولقلّ (معا).
والمرء إن عرف الجمي … ل وجدته يأتي الجميلا
(١٤٢ - ظ)
ولربما سئل البخيل الشيء … لا يسوي فتيلا
فيقول لا أجد السبيل … إليه يكره أن ينيلا
فكذا لا جعل الإله له … إلى خير سبيلا
يا مبتني الدار الذي هو … مسرع عنها الرّحيلا
إن لم تنل خيرا أخاك … فكن له عبدا ذليلا
وتجنّب الشهوات … واحذر أن تكون لها قتيلا
فلرب شهوة ساعة قد … أورثت حزنا طويلا (١)
стр. 4003
سابق (١) بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس:
ابن ادريس بن نصر أبو الفضائل الكلابي، وتمام نسبه نذكره في ترجمة جد أبيه صالح بن مرداس إن شاء لله تعالى، وأمه بنت الملك أبي طاهر بن فناخسرو بن بويه.
ملك حلب في الليلة الثانية من شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة، وكان أخوه (٢) قد قتل يوم عيد الفطر بعد العصر على ما ذكرناه في ترجمته، وكان قد فوض نصر أموره الى سديد الملك أبي الحسن علي بن منقذ بعد عوده من طرابلس، وفوض إليه أموره، وكان الوزير ابن النحاس بقلعة حلب، وفي القلعة وال يقال له ورد، وعندهما جماعة من الخواص، فلما علموا بقتل نصر استدعوا أخاه سابق بن محمود، وكان ساكنا في العقبة في الدار التي تنسب الى عزيز الدولة فاتك، وكان قد شرب فيها وسكر، فحمل من العقبة وهو سكران، ورفع من السور (١٤٣ - و) بحبل الى القلعة وهو سكران، ونادوا بشعاره وأطاعه الأجناد، وأشاروا عليه باطلاق أحمد شاه من الاعتقال، وكان نصر اعتقله، فأطلقه، وخلع عليه، فنزل أحمد شاه إلى العسكر بالحاضر فسكن الفتنة.
واستقرت قاعدة سابق، ولقب عز الملك أبو الفضائل، ودخل عليه أبو الفتيان ابن حيوس، فمدحه بقصيدته التي أولها:
عليّ لها أن احفظ العهد والودّا … وإن لم تفد إلا القطيعة والصدا (٣)
فأطلق له سابق ألف دينار، وجعل له كل شهر ثلاثين دينارا.
وكان سابق من متخلفي بني مرداس، كان ينظم الشعر، فإنني وقفت في ديوان شعر ابن النحاس على أبيات يخاطب لها سابق بن محمود، وقد أنشده شعرا لنفسه فيه:
كنت أنشدتني من الشعر نظما … بحتريا يفوق لفظا ومعنى
стр. 4004
ولما مات سابق وعرف بنو كلاب تخلفه اجتمعوا الى أخيه وثاب، وحسنوا له أخذ حلب، وانضاف إليه أخوه شبيب بن محمود، ومبارك بن شبل ابن خالهما؛ فسير سابق واستدعى أحمد شاه أمير الأتراك، وكان في ألف فارس، واستعان به، فأنفذ الى رجل من الأتراك يعرف بمحمد بن دملاج كان نازلا في طريق بلد الروم في خمسمائة فارس، وضمن له مالا، فوصل ابن دملاج في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة من سنة ثمان (١٤٣ - ظ) وستين وأربعمائة، وتحالفوا، وخرجوا الى وثاب وبني كلاب في يوم الخميس مستهل ذي الحجة، وكان بنو كلاب في جمع يقارب سبعين ألف فارس وراجل، وكانوا بقنسرين فعندما عاينوا الأتراك، انهزموا من غير قتال، وخلفوا حللهم، وأموالهم، ونسائهم وأموالهم، فغنم أحمد شاه وابن دملاج وأصحابهما جميع ذلك، فيقال إنهم أخذوا لهم مائة ألف جمل، وأربعمائة ألف شاة، وسبوا من حرمهم الحرائر، وإمائهم وعبيدهم مالا يحصى كثرة، وعادوا بالأسرى الى حلب، فأطلقهم سابق، وأنزل أخته زوجة مبارك بن شبل في دار وأكرمها.
فسار وثّاب ومبارك بن شبل الى السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان، وشكوا حالهم، وسألوا منه أن يعينهم على سابق، فوعدهم وأقطعهم في الشام، وأقطع الشام أخاه تتش، فسار ومعه جموع الترك ووثّاب ومبارك بن شبل، وصل إليه بنو كلاب، فنزل على حلب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، ووصل إليه أبو المكارم مسلم بن قريش، ونزل معه عليها، وكان هواه مع سابق، فكان يسيّر إليه بما يقوي نفسه، وينكر على بني كلاب خلطنهم، ودام الحصار ثلاثة أشهر. وأحس أبو المكارم بتغير النية فيه، وتحقيق التهمة به من مراسلة سابق وأهل حنب، فاستأذن تاج الدولة في الرحيل، ورحل وجعل رحيله وعبوره وبعسكره على باب حلب، وباع (١٤٤ - و) أصحابه أهل حلب كلما كان في عسكره عصبية وتقوية لهم، وقوى نفوسهم ونفس سابق، وسار بعد أن قوي أهل حلب بما ابتاعوه من عكسره بعد الضعف الشديد الى بلاده، ورحل معظم بني كلاب، وبقي مع تاج الدولة تتش من بني كلاب وثّاب وشبيب أخو سابق ومبارك بن شبل في عدد يسير، فأشار عليهم أبو المكارم بن قريش بالاحتياط على أنفسهم أو الهرب الى حلب، وكاتبهم سابق،
стр. 4005
وتألقهم، وقال لهم: إنما أذب وأحامي عن بلادكم وعزكم، ولو صار هذا البلد الى تتش، أزال ملك العرب وذلوا، واستوحشوا من الأتراك، فهربوا الى حلب، وصاروا الى سابق، وكتب سابق الى الأمير أبي زائدة محمد بن زائدة قصيدة من شعر وزيره أبي نصر النحاس يعرفه ما هو فيه من الضيق، ويسأله الاقبال عليه، والقيام بمعونته، ويحذره من التخلف عنه فيكون ذلك سببا لزوال ملك العرب، ويعيب عليه في التوقف عنه، والقصيدة:
دعوت لكشف الخطب والخطب معضل … فلبيّتني لما دعوت مجاوبا
ووفّيت بالعهد الذي كان بيننا … وفاء كريم لم يخن قط صاحبا
وما زلت فرّاجا لكل ملمة … إذا المحرب الصنديد ضجّع هايبا
فشمر لها وانهض نهوض مشيّع … له غمرات تستقل النوائبا
وقل لكلاب بدد الله شملكم … أو يحكم ما تتقون المعائبا (١٤٤ - ظ)
أتستبدلون الذل بالعز ملبسا … وتسون أذنابا وكنم ذوائبا
وما زلتم الآساد تفترس العدى … فما بالكم مع هؤلاء ثعالبا
ثبوا وثبة تشفي الصدور من الصدا … ولا تخجلوا أحسابنا والمناقبا
ولا بد من يوم نحكم بيننا … وبين العدى فيه القنا والقواضبا
أرى الثغر روحا أنتم جسد له … إذا الروح زالت أصبح الجسم عاطبا
وقد ذدت عنه طالبا حفظ عزكم … إباء ولافيت المنايا الشواغبا
وها أنا لا أنفك أبذل في حمى … حماكم مجدا مهجتي والرغائبا
أاذخر مالي عنكم وذخائري … إذا بتَّ عن طرق المكارم عازبا
شكرت صنيع ابن المسيب إذ أتى … يجر مغاوير تسد السباسبا
منها:
أيا راكبا يطوي الفلاة بحسرة … هملعة (١) لقيت رشدك راكبا
ألا أبلغ أبا الريان عني أوكه (٢) … تربح من الإيلاف ما كان واجبا
стр. 4006
أخا شخصه لا يبرح الدهر حاضرا … تمثله عيني وإن كان غائبا
متى تجمع الأيام بيني وبينه … أشد عليه ما حييت الرواجبا (١)
وأهد انى شبل سلامي وقل له: … لك الخير دع ما قد تقدم جانبا
فتلك حقود لو تكلم صامت … لجاء إليها الدهر منهن تائبا
وقد أمكنتكم فرصة فانهضوا لها … عجالا وإلا أعوز الدر جالبا (١٤٥ - و)
فإني رأيت الموت أجمل بالفتى … وأهون أن يلقى المنايا مجاوبا
وكان قد بلغ سابقا أن أميرا من أمراء خراسان يقال له تركمان التركي، قد توجه منجدا تاج الدولة تنش ومعه عسكر، فأخرج سابق منصور بن كامل الكلابي، أحد أمراء بني كلاب، من حلب ليلا، وأعطاه كتابه الى أبي زائدة، وفيه هذه الأبيات، ومعه بعض أصحاب سابق، ومعهم مال، فاتفق مع منصور ونائب سابق، وجمعوا ما يزيد على ألف فارس وخمسمائة راجل من بني نمير وقشير، وكلاب، وعقيل، بتدبير أبي المكارم بن قريش، والتقوا تركما التركي في أرض الفايا (٢)، فكبسوا عسكره، وقتلوه.
وبلغ ذلك تاج الدولة تتش فرحل عن حلب الى الفرات، وشتى بديار بكر، ثم عاد الى حلب، وافتتح منبج في طريقه وبزاعا وعزاز، وصبح حلب صباحا، فخرج عسكر حلب، فالتقوا على الخناقية، وانهزم عسكر تتش بغير قتال.
وكان أبو زائدة وابن عمه شبل بن جامع بن زائدة في قدر خمسين فارسا مقابلهم فحملوا عليه، واتفقت هزيمتهم فقتلوا من الغزّ جماعة وغنموا، وتقدم محمد بن زائدة الى الشيخ أبي نصر منصور بن تميم السرميني المعروف بابن زنكل أن يجيب أبا الفضائل سابق بن محمود عن القصيدة التي أنفذها إليه، ويعرفه ما لبني كلاب من الأيام المعروفة، ويذكر هذه الوقائع، فعمل:
стр. 4007
دعوت مجيبا ناصحا لك مخلصا … يرى ذاك فرضا لا محالة واجبا
فلبيت لا مستنكفا جزعا ولا … هدانا اذا خاض الكريهة هائبا
قال فيها في ذكر هذه الوقائع:
ولما دعاني المدركي ابن صالح … شققت ولم أرهب اليه الكرائبا
أسابق صرف الدهر في نصر سابق … الى تركمان الترك أزجي النجائبا
فلما التقيناهم غدا البعض سالبا … لانفسهم والبعض للمال ناهبا
فيا لك من يوم سعيد بيمنه … عن الثغر أضحى عسكر الضد هاربا
وكان يرى في كفه الشام حاصلا … ويوم بزاعا رد ما ظن خائبا
وفي يوم خناقيه قد خنقتهم … بعثير ذل رد ذا الشرخ شائبا
عطفت لهم اذ خام من خام منهم … بفتيان كالعقبان شامت توالبا (١)
فلله قومي الصادرون لو انثنوا … معي أو فريق كنت للجمع ناكبا
فولوا وقضبان المخافة فيهم … مسابقة أرماحنا والقواضبا
فكم فارسا منهم تركنا مجدلا … يباشر ترب القاع منه الترائبا
وإذ ايقنوا أن ليس للكسر جابر … تولو وعن جبرين حثوا الركائبا
وخلنوا بها كسبا حووه وأبصروا … سلامتهم منا أجل مكاسبا
ورحل تاج الدولة تتش من جبرين، وكان نازلا بعسكره عليها الى دمشق.
ولما جرى هذا الحادث طمع شرف الدولة، أبو المكارم، مسلم بن قريش في الشام، وكاتبه سابق بن محمود يبذل له تسليم حلب اليه، ووفدت (١٤٦ - و) عليه بنو كلاب بأسرها، فتوجه الى حلب، ونزل عليها في السادس عشر من ذي الحجة من سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، فغلقت أبوابها في وجهه، وكان عند سابق أخواه شبيب ووثاب بحلب، فلم يمكناه من التسليم، فلم يقاتلها، وأهلها يحرصون على التسليم اليه لما هم فيه من الجوع، وعدم القوت، وسلم البلد اليه ولد الشريف الحتيتي، على ما نذكره في ترجمة أبي المكارم مسلم بن قريش فانحاز سابق الى القلعة. وأخواه شبيب ووثاب في القصر لضيق القلعة، وحصر أبو المكارم القلعة
стр. 4008
الى أن دبر شبيب ووثاب وهما في القصر على سابق، وقفرا في القلعة وصاح الاجناد بها شبيب يا منصور، وقبض سابق وحبس، وتسلم شبيب ما كان بها من المال، وسفر سديد الملك أبن منقذ بين مسلم بن قريش وبين شبيب الى أن تسلم القلعة في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، وانقضى أمر سابق بعد حصار للقلعة أربعة أشهر، وانقضت دولة آل مرداس.
دفع إلى القاضي أبو محمد بن الخشاب جزءا بخطه وذكر لي أنه نقله من خط أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي جراده في ذكر ملوك حلب. وكتب إلينا المؤيد ابن محمد بن علي الطوسي عن أبي الحسن قال بعد ذكر نصر بن محمود وقتله بظاهر حلب ثاني عيد الفطر من سنة ثمان وستين: بعد أخوه سابق بن محمود أقام أربع سنين، وسلم البلد إلى شرف الدولة أبي المكارم مسلم (١٤٦ - ظ) بن قريش العقيلي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة-يريد البلد دون القلعة.
قرأت بخط أبي عبد الله العظيمي، وأنبأنا به أبو اليمن الكندي وغيره عنه؛ سنة ثماني وستين وأربعمائة فيها: قتل نصر بن محمود صاحب حلب يوم الأحد، يوم عيد الفطر. وجلس سابق بن محمود مكانه.
قال: وفي هذه السنة، يعني سنة اثنين وسبعين وأربعمائة. وصل شرف الدولة إلى حلب وتسلمها من سابق بن محمود، وامتنعت القلعة عليه، وكان بالقلعة سابق وأخوه شبيب، فقبض شبيب على سابق يوم السبت ثاني عشر صفر، وتولى الأمر بنفسه يوما واحدا، ثم عاد سابق فقبض على أخيه شبيب وتولى الأمر كما كان أولا، وبقي الحصار أربعة أشهر، ثم سلم القلعة سابق إلى شرف الدولة يوم الأحد عاشر ربيع الآخر، وقيل جمادى الآخر، وهو الأصح، يعني من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة (١).
نقلت من خط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن منقذ في تاريخه قال:
وأقام نصر مالكا إلى سنة ثمان وستين، فلما كان يوم عيد الأضحى عيّد وخرج العصر لنهب الأتراك ابن خان وأصحابه، ويأخذ نساءهم فإنه قال: «نريد الوجوه
стр. 4009
الملاح» فضربه واحد فقتله، واختبطت حلب، وقفلت أبوابها، وقفل باب القلعة، فجاء الأمير أبو الحسن سديد الملك، وكان قد نزل لما مات محمود، وقال له نصر:
«ما يرّب هذه الدولة غيرك»؛ فلما قتل نصر لم يجسر أن يذكر للوزير ابن النحاس-وكان صديقه-ذلك ظاهرا، فقال له وهو في القلعة من تحت السور:
الأمير نصر (١٤٧ - و) سالم كما تحب، ولكن سألتني عن شيء قبل خروجي وهو:
القيل فاد، معناه: القيل الملك، وفاد مات.
فاحتفظ ابن النحاس بن القلعة، وأجلسوا بعده أخاه سابقا، وكان سابق كما قيل لي من أحسن الناس محاضرة، وأصبحهم وجها، وأسوأهم فعلا في نفسه وأفعاله.
حدثني مولاي ﵀ قال: من طريف عمله أنه مدحه الشريف أبو المجد بثلاث قصائد، فتأخرت الجائزة، فكتب إليه، وقد ضاع له دنانير ثم وجدها.
قل للأمير أبي الفضائل سابق … قولا يفوه به لسان الناطق
فبحق من رد الدنانير التي … ضاعت بتقدير الإله الخالق
أردد علي مدائحا أنشدتها … ذهبت لديك ذهاب خلّب بارق
قال: فأنفذ له قصيدة وكتب إليه على ظهرها: نحن نسأل عن الباقي وننفذه إليك.
وأقام بحلب مستضعفا بغير بنو كلاب على باب حلب، تأخذ منه الغسالات والقوافل، ولا يخرج أحد إلاّ بخفارة، ولا يدخل إلا كذلك.
والأمير سديد الملك مقيم بالجسر لعلمه أن الداء قد أعضل؛ قال: فاشتغل عنهم بحصنه وبلده كفر طاب، يشتو بالجسر، ويصيف بكفر طاب، إلى أن
стр. 4010
غلب سابق، واستحكم يأسه، أنفذ إليه وقال: أشتهى أن تحضر، تفصل بيني وبين أخوتي، وما قد دهمنا من شرف الدولة، فمضى حينئذ وقد أمن غائلتهم.
وقال: سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة؛ فيها تسلم شرف الدولة (١٤٧ - ظ) قلعة حلب، شهر ربيع الآخر ولم يكن فيها ما يؤكل.
قلت انقطع ذكر سابق بعد أخذ حلب منه، فلم نقع له على ذكر ولا خبر والظاهر أنه تطل مدته، وأنه توفي بعد ذلك بقليل.
السابق بن أبي مهزول المعري:
واسمه محمد بن الخضر، السابق لقب اشتهر به، وربما يلتبس بأنه اسمه، وسنذكره في المحمدين فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 4011
ذكر من اسمه سابور
سابور بن أزدشير:
بابكان الملك بن ساسان بن بابك بن ساسان بن بابك بن ساسان بن بهمن الملك، وهو سابور الجنود، ملك بعد أبيه أزدشير، ملك احدى وثلاثين سنة ونصف، وثمانية عشر يوما، هكذا نقلت نسبه من خط عبد السلام بن الحسين البصري المعروف بالواجكا في كتاب ذكر فيه فضائل الفرس وملوكهم وأنسابهم وأخبارهم.
ونقلت من خط المذكور في هذا الكتاب، قال سابور بن أزدشير الملك يوم ملك: لا يتعقبن أحد أمرنا ونهينا ما لم يعرف أسبابهما.
قال: وبنى سابور الجنود الملك: جندي سابور، وبنى بفارس مدينة سابور، وقد كان في موضع مدينة سابور مدينة بناها طهمورث الملك، وبنى سابور أيضا بميسان مدينة سماها شاذ سابور وبالنبطية تسمى ويها.
قيل إن سابور بن أزدشير افتتح الرقة، ودخل إلى بلاد الروم فقتل منهم وسبى وانتهى إلى القسطنطينية، ففي دخوله من الرقة إلى بلاد الروم اجتاز بحلب أو عملها.
وكان له كلام حكمة.
قرأت في كتاب وقع إليّ يتضمن أخبار ملوك الفرس: ثم ملك من بعده (١٤٨ - و) يعني أزدشير بن سابور بن أزدشير فعقد التاج على رأسه وهو ابن عشرين سنة، وقد كان الناس آنسوا منه في حياة أبيه فضلا في إصابة رأيه وصحة عقله وعمورة حلمه وشدة بطشه، وبلاغة منطقه مع حزمه ورأيه ويمن نقيبته، وعظم رأفته ورحمته وأمر بما في الخزائن من الأموال والجوهر والأمتعة، ففرق
стр. 4012
أكثر ذلك فيمن قبله من الجنود والرعية، ووصل إلى كل منهم بقدر ما هو أهله ومستحقه وقدر حاجته إليه، حتى وصل ذلك إلى الخاص والعام ونالت منفعته القريب والبعيد، والشريف والوضيع، وساس ملكه بأحسن السياسة، ووصل إلى رعيته من اللين والرفاهية في ولايته ما اشتدت مودته لهم ورغبتهم فيه، وحسن سماعه في الناس، فلما مضى من ملكه إحدى عشرة سنة سار بجنوده إلى الجزيرة فنزل على نصيبين فافتتحها، ثم افتتح الرقة وأوغل في بلاد الروم، فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى سبايا كثيرة، ثم انصرف إلى مملكته بغنائم كثيرة، وقد كان انتهى في مسيره إلى القسطنطينية، وبنى ثلاث مدائن منهن جندي سابور، وسابور التي بفارس وتستر بالأهواز، واستقبل السيرة في مملكته ورعيته بأحسن ما كان عليه من الجود بالأموال، والتخفيف عن الخراج والرحمة للضعفاء، والرقة عليهم والشدة على أهل الريب والتحري للعدل (١٤٨ - ظ) وكان جميع ما ملك ثلاثين سنة وشهرا إلاّ يومين.
سابور بن علي بن هلال بن حبيش بن عبد العزيز:
أبو طاهر بن أبي الحسين بن أبي البدر الحلبي المؤدب المعروف بابن الجبري شاعر بن شاعر بن شاعر بن شاعر بن شاعر، وقد ذكرنا لكل واحد منهم في ترجمته شعرا.
وأصلهم من جبرين قورسطايا من ناحية اعزاز، وسكنوا حلب.
روي عنه شيئا من شعره أبو عبد الله بن الملحيّ، وأبو نضر أحمد بن محمد الطوسي.
أخبرنا أبو الفضل تاج الامناء أحمد بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: سابور بن الجبري المعلم، شاعر قدم دمشق ذكره لي أبو عبد الله بن الملحي فيمن لقيه بدمشق من أهل الأدب.
فحدثنا أبو عبد الله محمد بن المحسن بن أحمد بن الملحي من لفظه، وكتبه لي بخطه قال: سابور بن الجبري المعلم، شاعر مجيد وأبوه كذلك، مترسل له مقامات
стр. 4013
ورسائل يشبه بعضها بعضا في الجودة، وهو القائل في مقلد بن قريش وأسامة بن مبارك:
كنا نعدّ مقلدا في … بخله ربّ الملامه
وإذا مقلد حين جا … ء أسامة كعب بن مامه
رأيته في رواية أخرى:
وإذا به كعب بن مامه … حين عاينا أسامة (١)
أخبرنا أبو المظفر حامد بن أميري القزويني-فيما أجاز لنا روايته عنه-قال:
(١٤٩ - و) أجاز لنا خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي قال: أخبرنا والدي قال: أنشدنا أبو طاهر سابور لنفسه في الكذب:
المين يجمع كل شيء طالح … من خصلة مبغوضة لا تحسن
فتوقه إن كنت مرءا صالحا … قد يتقيه على الصلاح المؤمن
وقال: أنشدنا أبو طاهر، يعني لنفسه:
من كان يكذب ما يقول فلا تكن … منه قريبا انه لك مفسد
هي خصلة لا ترتضى فتوقّها … إن كنت مرءا في الديانة تحمد
وقال: أنشدنا أبو طاهر:
وقد كنت حرا غير أن مطامعي … تركن إبائي عند عزته عبدا
ومن تابع الاطماع ضلّ برأيه … وحلّ مريرا كان أحكمه عقدا
نقلت من بعض تعاليقي مما نقلته من خط بعض الحلبيين لأبي طاهر الجبري الحلبي:
مدحناكم ظنا بأن مديحنا … يقربنا منكم فنظفر بالبذل
стр. 4014
ولم ندر أن الجود لم يلق عندكم … عصاه ولم تثبت لكم قدم الفضل
لنا من قاصدي غير أهله … رواها لكم لما عكفتم عن البخل
نقلت من خط محمد بن علي العظيمي في تاريخه-وأنبأنا عنه أبو اليمن زيد ابن الحسن الكندي، والمؤيد بن محمد بن علي الطوسي-قال: سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فيها مات سابور بن علي الجبري الشاعر وعمره ثمانون سنة ثم ذكر (١٤٩ - ظ) في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة مات سابور أول ربيع الأول في يوم مطير، وقد ذكر في السنة الحالية موته وهذا هو الصحيح (١).
سابور بن هرمز:
الملك بن نرسي الملك بن بهرام الملك، ويقال له الملك شاهنشاه بن بهرام الملك بن هرمز البطل الملك بن سابور الجنود الملك بن أزدشير بن بابك بن ساسان بن بابك ابن ساسان بن بابك بن ساسان بن بهمن الملك، وهو سابور ذو الأكتاف، هكذا نقلت نسبه من خط عبد السلام بن الحسين بن محمد البصري في الكتاب المتضمن ذكر فضائل الفرس وذكر طبقات ملوكهم.
وذكر غيره أنه سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن سابور وأن بهرام شاهنشاه أخو نرسي بن بهرام، قيل انه دخل الشام وقصد ملك الروم أبو الياس الى أنطاكية فقبض عليه وحبسه بأنطاكية.
قرأت بخط عبد السلام البصري: وكان سابور حملا يوم مات أبوه هرمز الملك، فعقد التاج على بطن أمه، وكان الملك يوم يملك يتكلم بكلام يرغب الناس ويرهبهم، ويعدهم العدل وحسن السيرة، فاذا قعد على سرير الملك ووضع التاج على رأسه، يحمد الله ثم يتكلم بذلك، فإن كان الملك صغيرا لا يحتمل أن يعلق التاج على رأسه، وضع التاج على كرسي ويتكلم عنه وزيره والموابذة والهرابذة (٢)
فإذا كان صبيحة اليوم الذي يدرك فيه وضع التاج على رأسه، وجلس مجلس الملوك ثم تكلم هو (١٥٠ - و) وإنما سمي سابور ذو الأكتاف لأنه كان يخلع أكتاف العدو، وهو الذي قتل ايادا، وانما كان جرم اياد عنده ان شاة لرجل من أهل
стр. 4015
السواد سرقت فاتهم بها رجلا من اياد، كان دخل السواد في حاجة له فقتل سابور ايادا، وهربت بقية منهم فدخلت بلاد الروم، فخلع سابور أكتاف من بقي منهم.
ومن خط عبد السلام: وبلغنا أن معاوية بن أبي سفيان كتب الى بني تميم يأمرهم بالوثوب على علي بن أبي طالب ﵇، فأجابه الى ذلك قوم منهم وعلي ﵇ يومئذ بالبصرة فبلغه ذلك فصعد المنبر فخطب الناس ثم قال:
إن حيا يرى الصلاح فسادا … ويرى الغي للشقاء رشادا
لقريب من الهلاك كما أهلك … سابور بالسواد ايادا (١)
قال: وبلغنا أن سابور ذا الأكتاف الملك أقام بجندي سابور ثلاثين سنة من ملكه، ثم تحول الى المدائن وهي دار الملك في القديم فتحول عن جانب المدائن التي كانت الملوك تنزله وبنى الإيوان الذي بالمدائن اليوم والقصر في الجانب الآخر.
فلم تزل الملوك بعد سابور ذي الأكتاف الى أن خرج الملك من أيديهم ينزلون الإيوان الذي بالمدائن والقصر الذي الإيوان فيه، وملك سابور اثنتين وسبعين سنة فحين حضرته الوفاة كان ابنه سابور بن سابور ذي الاكتاف صغيرا، فأوصى بالملك لأخيه أزدشير بن هرمز الملك.
ومن خط عبد السلام: وبنى سابور ذو الأكتاف الإيوان الذي بالمدائن والقصر (١٥٠ - ظ) الذي فيه الإيوان، وبنى بالأنبار وسماها فيروز سابور وبنى مدينة السوس بالأهواز، وبنى مدائن بسجستان، وبنى مدينة الكرج، وبنى مدينة بآجر وسماها جندي سابور أسكن فيها سبيا سباهم من الروم وبنى مدينة نيسابور بأرض خراسان وبنى مدائنا بالسند.
هذا ما نقلته من خط عبد السلام البصري المعروف بالواجكا.
وذكر في غير هذا الكتاب أن أبو الياس (٢) ملك الروم، وكان ينزل أنطاكية قصده
стр. 4016
سابور ذو الأكتاف فظفر به أبو الياس إما في حربه، واما لان سابور-كما يقال-.
مضى الى أرض الروم ليقتص أمرها. ففطن له وقبض عليه، فكيف ما كان فقد دخل أنطاكية.
وقيل أن أبو الياس سار الى أرض العجم حتى بلغ جندي سابور فحصرها فاستصعب عليه فتحها، وكان سابور محبوسا في قصر أبو الياس فعشقته ابنة الملك، فخلصته فطوى البلد متخفيا الى أن وصل جنديسابور، فدخلها وقويت نفوس من بها من أصحابه وخرجوا من فورهم فأوقعوا بالروم تفاؤلا بخلاص سابور، فأسروا أبو الياس فقتله سابور ذو الاكتاف، واختلفت الروم فيمن يولونه وضعفوا عن مقاومته وكان لسابور عناية بقسطنطين فولاه على الروم، ومنّ عليهم بسببه وجعل لهم طريقا الى الخروج من بلاده، بعد أن شرط على قسطنطين بأن يغرس إزاء كل نخلة قطعت من أرض السواد وبلاده شجرة زيتون، وأن ينفذ إليه من ببلاد الروم فوفى له (١٥١ - و).
وقع إليّ كتاب يتضمن أخبار الفرس لم يذكر اسم مؤلفه، فنقلت منه: فلما بلغ سابور ست عشرة سنة واشتد عظمه، وقوي على حمل السلاح، جمع اليه عظماء أهل مملكته، ثم قام وخطبهم وحمد الله ووعظهم، ثم أمرهم أن يختاروا نجدائهم وأهل البأس منهم ألف أسوار، ففعلوا، وعرضوا عليه بأسلحتهم وكراعهم، فأقام لهم ما يكفيهم وأولادهم من الارزاق والاطعمة، ثم جمع الألف إليه وحثهم على القيام بحفظ البلاد، وكانت الاحوال بسبب صغر سنه قد اختلت فأجابوه بما يؤثره، ثم سار الى النواحي التي كانت العرب فيها فقتل من قدر عليه منهم وهرب بقيتهم حتى لحقوا ببلادهم فقطع البحر حتى أتى الخط (١)، ثم غزا بلاد البحرين فجعل لا يبقي على شيء قتلا واخرابا، غير أنه لم يكن يأخذ لهم سلبا ولا مالا، ثم مضى الى هجر فأعظم المقتلة فيهم، ثم أتى عبد القيس ففعل بهم مثل ذلك حتى أبادهم، وفعل ذلك باليمامة وما يليها، وقتل بالمدينة وخيبر ثم هبط الى ما يلي الشام من بلادهم ففعل مثل ذلك بهم وقال: هذا جزاؤكم بما كان من بغيكم علينا وافسادكم في بلادنا
стр. 4017
بعد ما شرطتم لدارا بن دارا الملك من الكف عن بلاده والتشبه بالنساء في اطالة الشعر واتخاذ الأزر، وكان دارا بن دارا الملك ابن عم بابك بن ساسان والد أزدشير.
فلما بلغ سابور ما في نفسه، وأدرك منهم ثأره، قال لمن معه من الجنود: اني أريد دخول أرض الروم ومستخف فيها (١٥١ - ظ) حتى أبحث عن أسرارهم وأعرف عدة جنودهم ومسالك بلادهم حتى إذا بلغت نهمتي من ذلك، وحاجتي انصرفت الى مملكتي، فسرت إليهم بمن احتاج إليه من الجنود فحذره الجنود التغرير بنفسه فلم يقبل، وانصرف متنكرا حتى دخل أرضهم فمكث فيها حينا يجول فيها، فبينما هو كذلك إذ بلغه ان ابن قيصر أعرس فأولم وليمة لسفلة الناس ومساكينهم، وأمر أن يجمعوا له ويحضروا طعامه بعد فراغه من طعام الأشراف، فانطلق سابور متهيئا بهيئة السؤّال حتى شهد ذلك الجمع، لينظر الى قيصر ويعرف هيئته في مجلسه وطعامه فبينما هو كذلك إذ أتي قيصر باناء يشرب فيه من آنية سابور منقوش فيه تمثال سابور فجعلوا يسقون به قيصر ومن حوله، حتى انتهى الاناء الى حكيم من حكمائهم الذين ينظرون في النجوم، ويعرفون الفراسة فنظر في التمثال الذي فيه، وقبل ذلك ما قد كان أبصر وجه سابور وهو جالس في رفقة المساكين، فأمسك الاناء وقال: اني لارى أمرا معجبا قال قيصر: وما ذلك؟ قال الحكيم: أرى في الجلساء رجلا شبيه الصورة بهذا التمثال، فان لم يكن ذلك سابور فما في الأرض أحد أشبه منه به، فأمر قيصر فدعا سابور اليه فسأله عن أمره، فقال:
أنا رجل مسكين من أهل فارس، وكان سابور جميل الوجه حسن الصورة، معتدل القامة، تام الخلق، فازداد قيصر لما رأى من حاله في ذلك ارتيابا (١٥٢ - و) في أمره وأحس بأنه لم يصدقه عن نفسه، فألح عليه في السؤال وقال ما صدقتنا عن خبرك، فقال سابور: أما إذا أبيتم إلاّ التقصي عن أمري فاني لا أجد من صدقكم بدا، أنا من أساورة فارس، وكان والذي قد أجرم الى ملكنا جرما عظيما فقتله واستصفى ماله فتخوفته على نفسي، فلحقت بكم وقد أصابني فقر ومسكنة، فأتيت هذا الموضع لما بي من الجوع والجهد والفاقة، فرقوا له وظنوا أن قد صدقهم عن نفسه، فهموا بتخلية سبيله، فأبى ذلك العالم عليهم أن يخلوه، ونظر في حسابه فأتاه في ذلك ما وافق ظنه، وقال: اعلموا ان هذا سابور نفسه فاستوثقوا منه واشتدوا
стр. 4018
عليه حتى يعلمكم أمره، فاشتد عليه قيصر عند ذلك وتوعده بالقتل وجعل له الامان على أن يحقق له الخبر عن أمره، فقال لهم سابور: عجبا لكم ومن طمعكم بي أن يؤثر سابور الجهد والحاجة والجوع في بلادكم على المقام في ملكه ونعمته، فلم يقبلوا ذلك منه ولم يخلوا عنه حتى اعترف لهم سابور، فاشتد فرح قيصر وجنوده وقالوا: قد أعظم الله علينا النعمة فساق الينا عدونا وأمكننا منه فنحن منتقمون منه ومنزلون به وبأرضه ما أجرم الينا سابور الاول، فأمر قيصر بسابور فجعل في نقرة جوفاء من جلود البقر، ثم أطبق عليه وألزمه الرقباء والحفظة (١٥٢ - ظ).
وسار بجنوده الى أرض فارس، ثم أرسل اليهم: اني قد أخذت ملككم فاما أن تفتدوه واما ان أقتله، وأمر سابور أن كتب الى أهل أرضه، فيرسل أهل كل مدينة بما يسألهم، فجعل لا ينزل بأرض الا أخربها، وجعلت الاعاجم تتقيه بكل ما قدرت عليه، فكثر منه القتل والاخراب في مدائنهم وقراهم والعقر في نخلهم وشجرهم وسابور معه يسير به حيث ما توجه، حتى انتهى الى جنديسابور، وكان قد تحصن جنود فارس وعظماؤهم، فنصب عليهم المجانيق حتى هدم نصفها، ولم يستطع دخولها فبينا هو كذلك إذ غفل حراس سابور من الروم ذات ليلة فلم يغلقوا الباب الذي كان يلقى اليه الطعام في النقرة، وكانت ليلة مقمرة، وكان حول النقرة ممن غنمت الروم من سبي الأهواز أناس كثير، فرفع سابور رأسه وقبل ذلك ما سمع كلامهم وعرف لغتهم، وكان عندهم زقاق زيت فدعا سابور بعضهم فقال: خذوا من هذه الزقاق فأفرغوه على رأسي ففعل ذلك فابتل القد ولأن، وكان قد نحل جسمه فلم يلبث أن أسبل يديه ورجليه من الوثاق وخرج من النقرة يدب على قوائمه شبه الدابة حتى اذا جاء من باب المدينة رآه الحراس فصاحوا به، فأشار اليهم ان اصمتوا وأخبرهم باسمه، فعرفوا صوته ففتحوا له باب المدينة، فلما دخل (١٥٣ - و) على أهلها اشتد سرورهم به ورفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه.
فاستنبه قيصر وأصحابه بأصواتهم، وظنوا أنه أتاهم مدد من ورائهم، ثم قال لهم سابور: استعدوا وثعبوا فاذا سمعتم صوت ناقوس الروم فاركبوا خيولكم، فإذا ضرب به الثانية فواقفوهم فإني أرجو أن يفتح الله لكم عليهم، ويفل حدهم ففعلوا ذلك بهم، فقتلوا الروم أبرح القتل، وأمرهم سابور أن يأخذوا قيصرا أسيرا ولا
стр. 4019
يقتلوه، فأسروا قيصر واستباحوا ما كان معه من أمواله وأمتعته ونسائه، فأمر بكل ما كان معه من السبي فرد الى بلادهم وأرضهم، وبما كانوا أصابوا أن يدفع الى من كان له.
وأوثق قيصر حديدا وقال: إني مكافئك بما أوليتني كما أحببتني، وآخذك باصلاح ما أفسدت وعمارة ما أخربت من أرضي، فلست ببارح حتى تغرس مكان كل نخلة اقتلعتها أو شجرة عقرتها زيتونة، وحتى تبني كل مدينة أخربتها أو بناء هدمته بنفقتك وعمالك.
وكتب قيصر الى الروم يسألهم أن يفدوه بذلك، فحملوا التراب من أرض الشام حتى عمروا به المدائن، فبنوا له المدينة العتيقة، وبنوا ما هدموا من جنديسابور بالآجر والجص، فصار سور تلك المدينة نصفا آجر ونصفا لبن، وغرسوا الزيتون بأرض فارس والاهواز والسواد، ولم يكن قبل ذلك بها زيتون، فلما قضى سابور حاجته من قيصر سأله أن (١٥٣ - ظ) يخلي سبيله، ورغب اليه في ذلك، فقطع عقيبه وكفه، وقال: هذا جزاؤك بما ابتدأت به من الظلم والعدوان والبغي، ثم حمله على حمار وبعثه الى الروم فلذلك ما تركت الروم اتخاذ الاعقاب للخفاف وركوب الدواب.
ثم أقام سابور في ملكه، وأقبل على عمارة بلاده واصلاحه مملكته ومكث بذلك حينا، ثم سار الى أرض الروم فقتل فيهم مقتلة عظيمة، وسبى منهم سبايا كثيرة، وبنى بالسوس مدينة وسماها أبر أبحره سابور، وعمد الى السبي الذين جاء بهم من الروم فأسكنهم تلك المدينة، ثم عفا عن العرب واستصلحهم وأسكن ما أصاب من سبايا العرب من بني تغلب براري وسماهيج (١) والخط، ومن سبى من عبد القيس وأفخاذ من تميم بهجر (٢)، ومن سبى من بكر بن وائل بكرمان، ومن سبى من بني حنظلة وتنوخ بالاهواز، وانما كان يسكن كل قوم ممن يسبي فيما يوافق بلادهم من الارضين، وبنى مدينة أخرى بنيسابور ومدائن أخر بالسند
стр. 4020
وسجستان وذلك سوى أنهار كثيرة احتفرها، وقناطر وجسور عقدها وقرى أسسها وعمرها.
قلت: الذي أظنه أن هذه الحكاية عن سابور مصنوعة والله أعلم، والى سابور هذا أو الى سابور الجنود جد جد جده الذي قدمنا ذكره أشار عدي بن زيد العبادي بقوله: (١٥٤ - و).
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر … وان أم أين قبله سابور (١)
سارية بن محمد:
وقيل سارية بن عبد بن سارية أبو الحسن البغدادي ثم الطرسوسي الحافظ، بغدادي سكن طرسوس وحدث بها عن أبي سعيد الاشج، والحسن بن الصباح الواسطي، وسلمان بن توبة النهرواني روى عنه سعيد بن الفتح وأبو حفص عمر ابن جعفر الطبري، وأبو بكر محمد بن أحمد بن اسماعيل المصيصي.
قرأت بخط الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي: أبو الحسن سارية ابن محمد بن سارية البغدادي الحافظ، روى عن أبي علي الحسن بن الصباح البزاز الواسطي، وأبي سعيد عبد الله بن سعيد الاشج الكوفي وغيرهما. روى عنه أبو بكر محمد بن أحمد بن اسماعيل المعيطي المصيصي بمصر، وأبو حفص عمر بن جعفر ابن محمد الطبري بمكة، في حرف السين المهملة من معجم شيوخه، وذكر أنه كتب عنه سنة خمس وتسعين ومائتين.
أخبرني أبو بكر محمد بن عبد العظيم بن عبد القوي المنذري-من لفظه- قال: نقلت من خط الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي بالاسكندرية، ونقله من خط الحافظ أبي طاهر السلفي ﵄: أبو الحسن سارية بن عبد ابن سارية الطرسوسي روى عن سلمان بن توبة بن زياد النهرواني سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وعن غيره، حدث عنه سعيد بن الفتح مولى محمد بن العلاء بأنطاكية، وكتب عن سعيد هذا محمد بن المحسن بن الحسين الأذني بأنطاكية، وروى عنه بمصر (٢). (١٥٤ - ظ).
стр. 4021
ساطع بن عبد الباقي:
ابن المحسن بن عبد الباقي بن عبد الله بن المحسن بن عبد الله بن محمد بن عمرو بن سعيد بن أحمد بن داوود أبو .... (١) التنوخي المعري شاعر مجيد من بني أبي حصين، بيت القضاء والفضل والعلم، وكان ساطع هذا من أعيان أهل المعرة، وكان يتردد الى حلب، واجتمعت به مرارا متعددة بمعرة النعمان وبحلب، وسمعت منه مقاطيع من شعره، وقصائد مدح بها الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب، وكان قد نفق عليه ومال اليه، فمما سمعته من لفظه قصيدة أنشدها بقلعة حلب بين يديه، وذلك في بعض ليالي شهر رمضان من سنة اثنتي عشرة وستمائة، وذكر فيها ولده الملك العزيز محمد بعد أن ولد، فاستحسنها الملك الظاهر، واستعاد منه أبياتا منها، وذلك بمحضر رسول الملك الاشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب وهو المجد البهنسي، وأثبت هاهنا القصيدة بكمالها:
سمعت القاضي ساطع بن أبي حصين ينشد الملك الظاهر لنفسه:
أما لحج تلاقي الحيّ … ولا لرمي جمار الهجر أوقات
لعل في عرفات من عوارفكم … وصلا لصب له بالخبت أخبات (٢)
وليت يجمعنا جمع ويشعرنا … سعيا بمشعر تلك الدار ساعات
كيما أقوم مقاما لا أخاف به … نوى وتشرح من حالي مقامات
فهمتي في أسار الهم موثقة … ما سرت عنكم سرت عني المسرات
(١٥٥ - و)
ولي اليكم ومن ظمئاكم ظمأ … مبرح والى لبنى لبانات
أحنوا اليكم حنينا كلما نسمت … صبا ويعتادني منكم صبابات
يا راحلين وقلبي في رحالهم … تجدوه وان غفل الحادون روعات
عودوا والا عدوا حسنا بقربكم … فللجميل وللاحسان عودات
عسى يبين لعيني بعد ما بنيت … عليه أنماطكم (٣) للبين بانات
стр. 4022
حفظتكم وأضعتم ما أمنتكم … له ومن مثلكم ترعى الامانات
فيا عذولي أقل اللوم وابق فما … يفيد عذلي ولا تغني الملامات
عهدي بنا قبل وشل (١) … البين يجمعنا
ظل ظليل وروضات أريضات
في سرحة سرحت أنهارها وزهت … أزهارها وبها للهو لدات
سماؤها الدوح تبدي الزهر من زهر … وأرضها كيف سار الطرف روضات
تدير فيها شموس الراح في فلك … من الزجاجة أقمار منيرات
ياقوتة تجتلى من درة ولها … لآلئ من حباب مستديرات
رقت وقد سفك الراووق من دمها … الحرام ما حللت منه الاراقات
من حيث حلت عقال العقل قيدها … التحريم وانطلقت عنها الاباحات
دارت عليها رحا الادوار جاهلة … منها بما عملت منها الديارات
كرميه كرمت صوتا متى فقدت … حشا الاباريق صانتها الحشاشات
لو أنها كنيت من حيث ما اعتصرت … أم العناصر لم تخط الكنايات
(١٥٥ - ظ)
هوى وماء ونار والاناء لها … من جوهر الترب فهي الاستقصات
متى أغار عليها الماء غار لها … من سخطها زرد تحكيه ميمات
تجلا على الشرب في شرب تمزقه … الأفواه وهو بأعلى الجام جامات
يحنى عليها فنحبى من لذاذتها … موتا ونشرا فاحياء وأموات
ونحن في جنة ما فات ساكنها … فيها نعيم ولا تعروه آفات
قد أبدع الله فيها كل رائقة … تناوحت فنواحيها بديعات
نمارق وزرابي مفوفة … نسج الربيع لرائيها أنيقات
حبا يطيب وورد يانع شبم … وجنة أمنت فيها الجنايات
للعين من عينها مستوقف بهج … وللمسامع ألحان وأصوات
ما أعربت قينة إلاّ شدا طربا … من أعجم الورق في الأوراق قينات
وللنفوس لما تختار أنفسه … من صالح لا تدانيه الدنيات
كأنها دولة الغازي التي كملت … وصفا وعمت رعاياه الرعايات
стр. 4023
الظاهر الملك المخلوق من ملك … ومن أياديه أنواء مطيرات
تخافه الأسد في الأخياس (١) … مشبلة
وتستحي من حياة المستهلات
تاهت بدولته الدنيا وجمّلها … اثاره ومساعيه الأبيات
يمحو ويثبت أرزاق الورى بيد … لا زال فينا لها محو واثبات
عدل وحلم ورأي ثاقب وسطا … تغنى بتدبيرها في الروع رايات
(١٥٦ - و)
وهمة هامة الجوزاء تحسدها … وعزمة تتوقاها المنيات
مناقب لوحوتها الشهب ما خفيت … وأظهرت ما أجنته الظهيرات
وطيب نشر به الأقطار في قطر … تراوح الريح طيبا منه فوحات
لا غرو يأسف عصر قد خلا أسفا … عصرا بنوه الخلال اليوسفيات
اذ بدا الليل نقعا والرعود صهيل … الجرد والبرق بيض مشرفيات
والسمهرية كالأشطان واردة … خرصاتها (٢) شرع والسحب هامات
أبدا محياه بدرا والملوك له … أهلة تجتلى واللثم هالات
من أخوة يتوخى أن يعود لهم … إشراق ملك له في الغرب عادات
هم الملوك وأبناء المليك واخو … ان المليك وحسبي والتحيات
يتلوهم أمراء كالليوث لها … في موقف الروع وقفات ووثبات
أسد لها السرد لبد والظبى عوض … من البراثن والأرماح غابات
علام لا يعجز الوصاف وصفهم … وهم بملكك في الدنيا علامات
ما يممت بلواء منك دار عدى … إلاّ وسام لها التدبير شيمات
وما الشآم الذي جملت بل لك من … حسن المساعي بوجه الأرض شامات
يا أيها الملك السلطان لا برحت … تهدى اليك التهاني والمسرات
стр. 4024
هنيت بالناصر (١) … ودمت له
ما دامت الأرض تسمو بالسموات
ملك أبى الله إلاّ أن يكون له … جد كجديه تتلوه السيادات (١٥٦ - ظ)
تاهت بمولده التيجان وابتهجت … أسرة الملك والجرد الصفيات
ماذا يقول الذي يتلو مآثرها … في مشهد الحمد ما تبنى المقالات
جدوده أم أبوه أم عمومته … أم الخؤولة إن لم تسم حالات
استعادة الملك الظاهر هذا البيت تنبيها للبهنسي على ذكر جده لأمه الملك العادل، وذكر أخواله الذين الملك الأشرف أحدهم:
لا زلت في دولة بالسعد دائلة … جديد عمر تواليك السعادات
ما أسفر الصبح عن لألاء داجية … وأظلمت وتلت ضوءا دجنات
وسمعت ساطع بن عبد الباقي ينشد الملك الظاهر لنفسه، أول يوم من شهر رمضان من سنة اثنتي عشرة وستمائة بدار العدل قصيدة منها:
تحية ممنوع لذيذ حياته … مشوق إلى حي الحيا وحياته
سليم أسى قد أسلمته أساته … فمن لعليل داؤه من أساته
أسأتم به ظنا وأحسن ظنه … باحسانكم والعفو عن سيئاته
لئن حسرت أيدي الملاك قناعه … فقد نشر المطويّ من حسراته
يواصل بالشكر الجزيل صلاتكم … ويدعو لكم في صومه وصلاته
وفي فيه من ذكراكم ما تعمرت … فيافي الفلا طيبا لطيب شذاته
هو الدهر أصماه بسهم بعاده … وأخنى عليه عامدا بهناته
فحيوه من انعامكم لا عدمتم … حيا منبت للحمد طول حياته
(١٥٧ - و)
فقد فاء اذ كادت تفوت حياته … الى ملك يحييه بعد وفاته
стр. 4025
أنشدنا ساطع بن عبد الرزاق بن أبي حصين لنفسه في الحاضر السليماني بظاهر حلب:
دعاها فبرق الأبرقين دعاها … أيا حادييها والغرام دعاها
ذراها تباري الريح نحو مرامها … فجذب البرا عما تروم براها
ولا تلوياها أن تحاول باللّوى … ديونا لها بعد المزار لواها
ألم ترياها كالحنايا وفي السّرى … سهاما ورام بالجنين رماها
مرض ساطع بن أبي حصين بحلب في بعض شهور سنة احدى وعشرين وستمائة وحمل الى معرة النعمان فمات في الطريق بين معرة النعمان وحلب في السنة المذكورة ﵀.
стр. 4026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
ساعد بن فضائل بن ساعد:
أبو محمد المنبجي من بيت معروف بمنبج، روى عن أبي الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد الحصكفي، والقاضي أبي أحمد بن الشهرزوري ورئيس بن عبد الله النميري. وسمع من أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي وأبي المعالي محمد بن نصر بن منصور المديني. روى عنه أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني.
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني قال: أنشدني ساعد بن فضائل التاجر-إملاء بسمرقند-قال: أنشدني القاضي أبو أحمد بن الشهرزوري بالموصل قال: أنشدني والدي لنفسه:
حسبي ذلي وعزكم يكفيكم … ربي ببلائي قط لا يبليكم
من يعرفكم يبسط عذري فيكم … أنتم ثمري فكيف لا أجنيكم
أخبرنا الشريف أبو هاشم قال: أخبرنا أبو سعد السمعاني قال: ساعد بن فضائل بن ساعد المنبجي أبو محمد من أهل منبج، بلدة بالشام، أحد التجار المعروفين، كان يسافر الى العراق وخراسان والبلاد البعيدة، سمع بنيسابور أبا عبد الله محمد ابن الفضل الفراوي، وبسمرقند أبا لمعالي محمد بنصر بن نصر بن منصور المديني وغيرهما، لقيته أولا بنيسابور سنة ثلاثين، ثم لقيته بسمرقند في سنة تسع وأربعين (١٥٩ - و) وكتبت عنه قطاعا من الشعر بنيسابور وسمرقند، وكانت ولادته تقديرا قبل سنة خمسمائة بمنبج وقال لي بنيسابور بيني وبين الامام أبي علي الحسن بن ساعد المنبجي قرابة قريبة.
نقلت ذلك من خط الامام أبي سعد السمعاني من المذيل.
стр. 4027
ذكر من اسمه سالم
سالم بن اسحاق بن الحسين البزاز
أبو الغنائم المعري ثم الدمشقي ثم البغدادي، من معرة النعمان، وسكن دمشق وبغداد فنسب اليهما. روى عن أنوشتكين بن عبد الله الرضواني، روى عنه أبو المواهب الحسن بن هبة الله بن صصرى الحافظ وخرج عنه إنشادا في معجم شيوخه.
قرأت في معجم شيوخ أبي المواهب بن صصرى وشاهدته بخطه: سالم بن اسحاق بن الحسين المعري البزاز، ثم الدمشقي، ثم البغدادي، أنشدنا أبو الغنائم ﵀-وكتبه لي بخطه-قال: أنشدنا أبو منصور أنوشتكين بن عبد الله الرضواني-وأذن لنا فيه الرضواني-قال: أنشدنا الامام أبو اسحاق ابراهيم ابن علي الشيرازي الفيروزباذي لنفسه.
سألت الناس عن خل وفي … فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمتع ما استطعت بودّ حر … فإن الحر في الدنيا قليل
قال أبو المواهب: توفي ﵀ في شهور من سنة ست وسبعين وخمسمائة (١٥٩ - ظ) بدمشق وقد جاز الخمسين وكان قد سمع قبل الخمسين وبعدها بالعراق
سالم بن تميم الحلبي
وهو سالم بن علي بن تميم اشتهر بالنسبة الى جده، وسنذكره فيما يأتي فيمن اسم أبيه على حرف العين ان شاء الله تعالى.
سالم بن الحسن بن علي
أبو الرضا المعدل الحلبي، وهو ابن أخت الوزير أبي نصر محمد بن الحسن بن النحاس الحلبي، روى عنه أبو عبد الله محمد بن المحسن بن الملحي وعلي بن أحمد
стр. 4028
ابن علي الأسدي، وكان أديبا فاضلا من أعيان الحلبيين المعدلين بها، وذكره أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في مقدمة شرح خطبة أدب الكاتب (١) وله شعر جيد وقد ذكرناه في الكنى لشهرته بالكنية.
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني قال: أخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد بن السمرقندي بقراءتي عليه بجامع القصر قال: أخبرنا علي بن أحمد بن علي الأسدي-اجازة-قال: أنشدني أبو الرضا سالم بن الحسن بن علي الحلبي بها:
أيا مقبل والدهر عني معرض … تقسّم لحمي بين ناب وأظفار
ويا مرسل النعمى على كل حالة … إليّ قريبا كنت أو نازح الدار
ويا من يراني حيث كنت بقلبه … وكم من أناس لا يروني بإبصار
(١٦٠ - و) أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي-اذنا-وسمعت منه اسناده قال: أخبرنا أبو محمد القاسم بن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن-إجازة إن لم يكن سماعا-ح.
وأخبرنا أبو محمد القاسم في الإجازة العامة قال: حدثنا أبو عبد الله محمد ابن المحسّن بن أحمد بن الملحي السلمي-بلفظه وكتبه لأبي بخطه وسمعته منه معه-قال: أبو الرضا بن النحاس شيخ حلبي هو ابن اخت أبي نصر الوزير العالم المفيد الكاتب الشاعر المجيد، وكان أبو الرضا وصل الى دمشق عند القبض على خاله لأخذ ماله فاجتمعت به، وتحدثت معه، وأنشدني أبو الرضا لخاله:
يا قلب أنت أذنت لي في هجرة … وزعمت أنك قاصر عن ذكره
وضمنت إنجادي عليه بسلوة … لا أتقي فيها عواقب غدره
ورجعت تطلبه وأنت أضعته … هيهات فان الحزم فارط أمره
فاستحسنت هذه الأبيات حتى غنّى بها القيان، وهام بها الشيوخ والشبان، فعمل أبو الرضا:
стр. 4029
يا طرف أنت طرحتني في حبه … وزعمت قلبك في هواه كقلبه
حتى إذا لفحتك نيران الجوى … فحرمت ما أمّلته من قربه
أنشات تنكر ما جنيت وقلت خذ … قلبي المعنى في هواه بذنبه
ذق مرّ ما استحليته وجنيته … لا ينكر المغرور صرعة عجبه
واغرف بدمعك في البكاء فربما … قتل المتيم نفسه من كربه (١٦٠ - ظ)
وذكر ابن الملحي له أبياتا أخر أثبتناها في الكنى فيمن كنيته أبا الرضا، ولم يعرف ابن الملحي ولا الحافظ أبو القاسم ولا ابنه اسمه.
قرأت في مقدمة شرح خطبة أدب الكاتب لابن قتيبة تأليف أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري قال: ذكر لي بعض الشبان أنه تستعجم عليه مواضع في الكتاب المعروف بأدب الكاتب، فلم ألتفت الى كلامه، وبلغني أن مولاي الشيخ الجليل أبا الرضا سالم بن الحسن بن علي جمل الله الأدب ببقائه رسم لي إجابة تلك الطبقة، وعلمت أنه غني بأدبه لا يرغب فيه لنفسه، وإنما غرضه أن ينتفع به سواه، فأجبته الى ما سأل.
وتكفيه شهادة هذا الفاضل بما شهد له به.
سالم بن الحسن بن هبة الله
ابن محفوظ بن الحسن بن محمد بن الحسن بن صصرى التغلبي الدمشقي أبو المرّجا، وأبو الغنائم بن الحافظ أبي المواهب بن أبي الغنائم من بيت الحديث والعدالة بدمشق، شيخ حسن من المعدلين وأمناء القضاء بدمشق، اجتمعت به بدمشق، وسمعت منه شيئا من الحديث وقال لي: دخلت حلب مع والدي في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وسمعت بها من جماعة، ورحلت معه إلى بغداد، وكان مولده بدمشق في أواخر جمادى الآخرة من شهور سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
سمّعه أبوه بدمشق من أبي المجد الفضل بن الحسين بن إبراهيم البانياسي، وأبي محمد عبد الرزاق بن نصر النجار وأبي الحسين أحمد بن حمزة بن (١٦١ - ) على السلمي وأبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي ومن نفسه-أعني أباه، أبا المواهب-ورحل به الى حلب وبغداد، فسمع بحلب من القاضي أبي الحسن أحمد بن محمد
стр. 4030
ابن الطرسوسي والشريف أبي طالب النقيب أحمد بن محمد الحسيني، وشيخنا أبي محمد عبد الرحمن، وأخيه أبي بكر محمد ابني عبد الله بن علوان الأسدي، وببغداد من أبي الفتح عبيد الله بن عبد الله بن نجا بن شاتيل وغيرهم، وحدّث بدمشق عن جماعة من شيوخه، سمعت منه في سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وأجاز لي رواية ما يجوز له روايته، وكان حسن الأخلاق جميل المنظر ﵀.
أخبرنا أبو المرّجا سالم بن الحسن بن هبة الله صصرى-قراءة عليه بدمشق بحانوت الأيتام بالسوق-قال: أخبرنا جدي أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين السلمي قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم ابن أبي نصر قال: أخبرنا القاضي أبو بكر يوسف بن فارس الميانجي قال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن علي بن الميني الموصلي قال: حدثنا عبيد بن جناد الحلبي قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسه عن زيد بن رفيع عن حزام بن حكيم بن حزام عن حكيم بن حزام قال: خطب النبي ﷺ ذات يوم النساء فوعظهن وأمرهن بتقوى الله والطاعة لأزواجهن وأن يتصدقن، قال: وإن منكن من يدخل الجنة، وجمع بين أصابعه فكلكن حطب جهنم وفرق بين أصابعه، فقالت الماردة (١٦١ - ظ) -أو الماردية-شك أبو يعلى: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: تكفرن العشير وتكثرن اللعن وتسوفن الخير.
أخبرنا سالم بن الحسن بن صصري قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد ابن الطرسوسي الحلبي-بحلب-قال: أخبرنا أبو طالب عبد الكريم بن عبد المنعم الفقيه قال: أخبرنا أبي عبد المنعم قال: حدثنا أبو صالح محمد بن المهذب بن علي، ح.
وأخبرناه عاليا أبو اسحاق إبراهيم بن شاكر بن عبد الله بن سليمان وغيره قالوا: أخبرنا أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ قال: أخبرني علي بن سالم بن الأغر، ح.
وقال لنا أبو اسحاق: حدثنا أبي شاكر بن عبد الله قال: حدثني جدي أبو المجد محمد بن عبد الله بن سليمان قالا: أخبرنا أبو صالح محمد بن المهذب بن علي