← Тараджим

Тараджим · id 10798

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (4 683 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الياء، وهي أعجمية معرّبة، وقد تكلمت بها العرب قديما، وكانوا إذا أعجبهم عمل شيء نسبوه اليها. قال زهير: علون بأنطاكية فوق عقمة … وراد الحواشي لونها لون عندم (١) (٢٠ - و) قلت: والمشهور من شعر زهير: وعالين أنماطا عتاقا وكلة … وراد الحواشي البيت. وقد جاء في رواية، كما ذكره أبو منصور. أنبأنا زيد بن الحسن قال: أخبرنا أبو الفضل بن ناصر قال: أخبرنا أبو زكريا التبريزي قال: أخبرنا أبو محمد الدهان اللغوي قال: أخبرنا علي بن عيسى الرماني عن ابن مجاهد القارئ عن أبي العباس ثعلب، ح. وقال ابن ناصر: وأخبرنا الحميدي سماعا من لفظه قال: أخبرنا الشيخ أبو غالب أحمد بن محمد بن سهل النحوي الواسطي قال: قرأت على أبي الحسين بن دينار قال: أخبرنا أبو بكر بن مقسم قال: حدثنا أبو العباس ثعلب وأنشد بيت زهير. وعالين أنماطا عتاقا وكلة … وراد الحواشي لونه لون عندم وقال: ويروى: علون بأنطاكية فوق عقمة … وراد الحواشي لونه لون عندم وقال في تفسيره: أنطاكية أنماط توضع على الخدور، نسبها الى أنطاكية، قال: وكل شيء عندهم من قبل الشام فهو أنطاكي (٢). قلت: وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:

стр. 72

أهاجتك سعدى إذ أجد بكورها … وحفت بأنطاكي رقم خدورها (١) وذكر أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في اللامع العزيزي، قيل: انما سميت أنطاكية، لان الذي بناها يقال له أنطيخنوس الملك (٢٠ - ظ) ولا شك أن لفظها قد عرب بعض التعريب، فلو أنها عربية لوجب أن تكون من النطك، ولم يذكر ذلك أحد من الثقات. قال أبو العلاء: أنطاكية بلد قديم، وقد ذكرته العرب في أشعارها، وقيل انهم كانوا يقولون لمن جاء من الشام، ولما جلب من متاعه أنطاكي، ومنه قول امرئ القيس: علون بأنطاكية فوق عقمة … كجرمة نخل أو كجنة يترب (٢) أي بثياب أنطاكية. قال السكري: وهي قرية من قرى الشام، ويقال لكل ما يأتي من الشام أنطاكي وقرأت في كتاب أبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري، كتاب معجم ما استعجم في ذكر ما جاء في أشعار العرب من الاماكن، قال: أنطاكية بتخفيف الياء، مدينة من الثغور الشامية معروفة، قال اللغويون كل شيء عند العرب من قبل الشام، فهو أنطاكي، قال زهير: وعالين أنطاكية فوق عقمة … وراد الحواشي لونه لون عندم (٣) وقد وجدت بخط علي بن حمران في ديوان شعر زهير هذا البيت، وكتب بخطه نسبها الى أنطاكية، وكتب فوقها خف، وذكر أنه نقله من أصل أبي الحسين علي بن محمد بن دينار، وهي مقابلة بنسخة أبي الفتح جخحج، وذكر أنه

стр. 73

قابل بها كتاب أبي عمر القطربلي، وكتابا بخط أبي موسى الحامض، ونسخة بخط أبي الحسن محمد بن محمد الترمذي، ونقوله من أصل أبي بكر بن مجاهد، وذكر أبو الفتح أنه قابل (٢١ - و) نسخته بأصل ابن الخياط، وقابل أيضا بأصل أبي سعيد بخطه، قال ابن حمران: وقرأته على أبي أحمد عبد السلام البصري، وسمعته يقرأ على أبي الحسن علي بن عيسى صاحب أبي علي. وقال الحسن بن أبي الخصيب الكاتب في كتاب الكار متهر في علم أحكام النجوم: أقسام الأرض أربعة، أولها أنطاكية وناحية المشرق، لها من البروج السرطان والاسد والعذراء ومن السبعة الشمس والمشتري. وقرأت في تاريخ أبي الثناء حماد بن هبة الله بن حماد الحراني، بحران، قال: وقيل ان ابراهيم ﵇ قال: أخبرني ربي ان أول مدينة وضعت على وجه الارض حران، وهي العجوز، ثم بابل، ثم مدينة تيونه، ثم دمشق، ثم صنعاء اليمن، ثم أنطاكية، ثم رومية. وهذا خلاف ما يأتي من أن بنائها كان بعد موت الاسكندر. قرأت بخط محمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي الحافظ: أنطاكية تسميها النصارى مدينة الله، ومدينة الملك، وأم المدن، لانها أول بلد ظهرت فيه النصرانية، وبها كرسي باطره، وهو المقدم على التلاميذ، وهو سمعون (١)، وقيل انه هو الذي ابتدأ بنيان الكنيسة بأنطاكية، التي تسمى القسيان. وقرأت بخط الشريف ادريس بن حسن بن علي الادريسي المؤرخ ما ذكر أنه نقله من تاريخ أنطاكية لبعض النصاري، أقلو ذنوس ملك ثلاثة عشر (٢) سنة

стр. 74

وتسعة أشهر، وسمي المؤمنون بالمسيح-يعني في أيامه-بأنطاكية نصارى، ومنها كان ابتداء النسبة وانتشر هذا الاسم في سائر البلاد (١). وذكر في هذا التاريخ يوسطليانوس ملك تسعا وثلاثين سنة، وفي السنة (٢١ - ظ) الثالثة من ملكه خسف بأنطاكية. وأبصر رجل قديس في نومه قائلا يقول له: تكتب على أبواب المدينة، الله معنا. ومن ذلك اليوم دعيت مدينة الله. وقرأت في بعض تواريخ المسيحية ان مقام الروم بأنطاكية-وكانوا يدعونها مدينة الله، ومدينة الملك، وأم المدن، وانما قيل لها أم المدن، لانها أول بلد ظهر فيه دين النصرانية، وسميت مدينة الله، لانه خسف بها في السنة الثالثة من مملكة يوسطليانوس الرومي، وأبصر رجل صالح في نومه قائلا يقول: يكتب على أبواب المدينة، الله معنا، فدعيت من ذلك اليوم مدينة الله (٢). وأما معرفة من بناها (٣) فقرأت بخط يحيى بن جرير التكريتي في كتابه الذي ضمنه أوقات بناء المدن، وقد قدمنا ذكره قال: بعد دولة الاسكندر وموته باثنتي عشرة سنة بنى سلوقس اللاذقية، وسلوقية وأفامية، وباروا وهي حلب وإذا سا وهي الرها، (٤) وكمل بناء أنطاكية، وكان بناها قبله، أعني أنطاكية، أنطيغنوس في السنة السادسة من موت الاسكندر.

стр. 75

قال يحيى بن جرير: بني أنطيغنوس الملك على نهر أورنطس (١) مدينة سماها أنطوغنيا وهي التي كمل سلوقوس بناءها، وزخرفها وسماها على اسم ولده أنطيوخوس، وهي أنطاكية. وذكر أحمد بن محمد بن اسحاق الهمذاني المعروف بابن الفقيه، فيما قرأته في كتاب البلدان وأخبارها من تأليفه قال: وقال الهيثم بن عدي: (٢٢ - و) أنطاكية بناها أنطيخس الملك الثالث بعد الاسكندر (٢) وقد ذكرنا عن أبي العلاء أن الذي بناها يقال له أنطيخنوس الملك. وقرأت في تاريخ قديم وقع الي وعدد فيه ملوك سورية قال: وهي بالشام فذكر سلوقس، وهو الذي بنى حلب وقنسرين، ثم ملك بعده أنطياخوس بن سوطر تسعا وعشرين سنة، وبنى أنطاكية، وسمي الاله خمسة عشر سنة. وقرأت في تاريخ سعيد بن بطريق النصراني قال: وملك بطلميوس محب أمه عشرين سنة، وفي أيامه غلب على الشام وأرض يهوذا أنطياخوس ملك الروم، فأخرج اليهود من الشام، ونالهم منه كل شدة وعذاب. وملك بعده أخوه بطلميوس ويلقب أيضا الصائغ ثلاثا وعشرين سنة، وفي أيامه بنى أنطياخوس ملك الروم أنطاكية، وسماها باسمه فسميت مدينة أنطياخوس وهي أنطاكية (٣). وقرأت في بعض ما علقته من الفوائد قيل ان أول من سكن أنطاكية وعمرها أنطاكية بنت الروم بن اليفن بن سام بن نوح، وهي أخت أنطاكية باللام.

стр. 76

وقرأت في بعض تواريخ القدماء قال أونيناوس (١): في السنة الثالثة عشر من تاريخ الاسكندر بنى سولوقس أنطاكية (٢). قرأت بخط غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسن في كتاب الربيع، وأنبأنا به جماعة عن ابن البطي عن محمد بن فتوح الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة أنه نقل من خط ابن بطلان الطبيب رسالة، كتبها الى والده هلال بن المحسن، بعد خروجه من بغداد يخبره فيها بأحوال البلاد التي مر بها في سفره، وذلك في سنة أربعين وأربعمائة قال فيها: وخرجنا من حلب طالبين أنطاكية، وبين حلب وبينها يوم وليلة، فوجدنا المسافة التي بين حلب وأنطاكية أرضا عامرة لا خراب فيها أصلا، لكنها أرض زرع للحنطة والشعير تحت شجر الزيتون، قراها متصلة ورياضها مزهرة، ومياهها متفجرة، يقطعها السفر في بال رخي وأمن، وسكون. وأنطاكية بلد عظيم ذو سور وفصيل، ولسوره ثلاثمائة وستون برجا (٢٢ - ظ) يطوف عليها بالنوبة أربعة آلاف حارس، ينفذون من القسطنطينية من حضرة الملك يضمنون حراسة البلد سنة، ويستبدل بهم في السنة الثانية. وسكك البلد كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل، والسور يصعد مع الجبل الى قلته، فيتم دائرة، وفي رأس الجبل داخل السور قلعة تبين لبعدها عن البلد صغيرة وهذا الجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية، وللسور المحيط بها دون الجبل خمسة أبواب، وفي وسطها بيعه القسيّان، وكانت دار قسيّان الملك الذي أحيا ولده فطرس رئيس الحواريّين ﵇، وهو هيكل طوله مائة خطوة، وعرضه ثمانون، وعليه كنيسة على أساطين، وكان بدور

стр. 77

الهيكل أروقة يجلس عليها القضاة للحكومة، ومعلموا النحو واللغة، وعلى أبواب هذه الكنيسة بنجام للساعات يعمل ليلا ونهارا دائما، اثنتي عشر ساعة، وهو من عجائب الدنيا، وفي أعلاه خمس طبقات في الخامسة منها حمامات وبساتين، ومعاصر حسنة نخرقها المياه، وعلة ذلك أن الماء ينزل إليهم من الجبل المطل عليهم، وهناك من الكنائس مالا تحد كثرة، كلها معمولة بالفص المذهب، والزجاج الملون والبلاط المجزّع. قال: وظاهر البلد نهر يعرف بالمقلوب، أخذ من الجنوب إلى الشمال، وهو مثل نهر عيسى، وعليه رحىّ، يسقي البساتين والأراضي (١) (٢٣ - و). وقال أبو العباس أحمد بن ابراهيم الفارسي الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم: أنطاكية، وهي بعد دمشق أنزه بلد بالشام، عليها سور صخر يحيط بها، وبجبل مشرف عليها، فيه مزارع ومياه وأشجار، ومراعي وأرحبة، وما يشتغل به أهلها من مرافقها، يقال إن دور السور للراكب يومين، وتجري مياههم في دورهم، وسككهم، وبها مسجد جامع، وبها ضياع وقرى ونواحي خصبة جدا (٢). وقرأت في كتاب ابن حوقل النصيبي قال: والعواصم اسم الناحية، وليس بمدينة تسمى بذلك، وقصبتها أنطاكية، وهي بعد دمشق أنزه بلد بالشام، وعليها إلى هذه الغاية سور من صخر يحيط بها، وجبل مشرف عليها، فيه لهم مزارع ومراعي وأشجار وأرحية، وما يستغل بها أهلها من مرافقها. ويقال إن دور السور للراكب يوم واحد، وتجري مياههم في أسواقهم

стр. 78

ودورهم وسككهم ومسجد جامعهم، وكان لها ضياع وقرى ونواحي خصبة حسنة، استولى عليها الروم، وكانت قد اختلت قبل افتتاحها، في أيدي المسلمين، وهي أيضا في أيدي الروم أشد اختلالا، وفتحها الروم في سنة نسبع وخمسين وثلاثمائة (١). قلت: وبعد استيلاء الروم عليها في هذه السنة فتحها المسلمون، وذلك أن سليمان قطلمش بن قاؤر بن سلجوق، وجده قاؤر أخو ألب أرسلان، أسرى من نيقيه، وكتم خبره وجد في السير (٢٣ - ظ) فوصل إلى أنطاكية في مائتي فارس وثمانية فوارس ليلا، فتسوروا الأسوار، وفتحوها ليلا، وذلك في أول شعبان سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ثم قتل سليمان بن قطلمش واستولى يغي سيان على أنطاكية، وأخذها الفرنج خذلهم الله منه في سنة تسعين وأربعمائة، وبقيت في أيديهم إلى الآن. والمسجد الجامع الذي كان بأنطاكية للمسلمين، هو إلى جانب القسيّان، ودخلت أنطاكية في سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة وستمائة، ودخلت بيعة القسيان فوجدت بجانبها محراب المسلمين على حاله، وفي سقوفه آيات القرآن مكتوبة في النقش، وهي على ما ذكره ابن بطلان من الصورة، وبيعة القسيان مزخرفة بالرخام والفسيفساء. وقرأت في كتاب الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والنجوم في آفاقها، تأليف أبي الحسين ابن المنادي، يقال: ما من بناء بالحجارة أبهأ من كنيسة الرها، ولا بناء بالخشب أبهأ من كنيسة منبج ولا بناء بالرخام أبهأ من قسيّان أنطاكية. قال لي الشيخ علي بن أبي بكر الهروي في ذكر أنطاكية: وهي من المدن التي كانت يتسلى بها الغريب عن وطنه، وأما اليوم فلا يعنى لكربها صائم (٢).

стр. 79

ونقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب: ولجند قنسّرين والعواصم من الكور، كورة أنطاكية، وهي مدينة قديمة، يقال إنه ليس في أرض الإسلام، ولا أرض الروم مثلها، أجلّ ولا أعجب سورا، عليها سور حجارة في داخل السور منازل تسير فيها الركبان. وبلغني أن مساحة دور السور، وهو يحيط بالمدينة وبالجبل الذي المدينة في سفحه اثنا عشر ميلا، وافتتحت مدينة أنطاكية صلحا، صالحهم أبو عبيدة بن الجراح، وعندهم كتاب الصلح إلى هذه الغاية، وبها الكف التي يقال أنها كف يحيى بن زكريا ﵇ في كنيسة يقال لها كنيسة القسيان (١). ولها نهر يقال له الأرنط، عليه العمارات والأجنة، ولها عيون كثيرة تأتي من الجبل، ثم تجري في منازل المدينة، ويصرف الماء فيها كيف أحب أهلها، وأهلها الغالبون عليها قوم من العجم، وبها قوم من ولد صالح بن علي الهاشمي وقوم من العرب من يمن. قرأت في كتاب أبي إسحاق إبراهيم بن الحسن بن أبي الحسن الزيّات الفيلسوف، المسمى نزهة النفوس وأنس الجليس في ذكر المدن والأقاليم، فقال: ذكر مدينة أنطاكية، وهي في الإقليم الرابع، وبعدها من خط الاستواء ستة وثلاثون درجة، وهي مدينة قديمة، وليس في أرض الإسلام ولا في أرض الروم مثلها، ولها سور من حجارة، ودورها اثنا عشر ميلا وبعدها (٢٤ - و) عن خط المغرب اثنتان وستون درجة افتتحها أبو عبيدة بن الجراح صلحا، وعندهم الآن كتاب الصلح، وبها قبر يحيى بن زكريا ﵇، وكنيسة يقال لها القسيّان، وبها نهر الأرنط، عليه العمارات والضياع والبساتين، وبها عيون كثيرة تأتي من قنوات من الجبال، فتدخل منازلهم، فيضرب الماء لكل جهة، وأهلها قوم من العجم، وبها قوم من العرب. وقرأت في كتاب المسالك والممالك للحسن بن أحمد المهلبي العزيزي، وضعه

стр. 80

للعزيز الفاطمي المستولي على مصر، قال: فأما مدينة أنطاكية فهي مدينة العواصم، وهي مدينة جليلة فتحها أبو عبيدة بن الجراح، وأسكنها المسلمين، وهي من الإقليم الرابع، وعرضها خمس وثلاثون درجة، وهي مدينة عظيمة ليس في الإسلام، ولا في بلد الروم مثلها، لأنها في لحف جبل، هو من شرقها مطل عليها، لا تقع عليها الشمس إلاّ بعد ساعتين من النهار، وعليها سور من حجارة يدور بسهلها، ثم يطلع إلى نصف الجبل، ثم إلى أعلاه، ثم ينزل حتى يستدير عليها من السهل أيضا، وفي داخل السور عراص «كثيرة في الجبل ومزارع وأجنّة» وبساتين، ويتخرق الماء من عيون له في الجبل مقنّاة إلى المدينة والأسواق والمنازل، كما يتخرق مدينة دمشق، وأبنيتها كلها بالحجر، والفواكه والزهر بها كالمجان، ومساحة دور السور اثنا عشر ميلا، وبها كنيسة القسيّان، وهي كنيسة جليلة (٢٤ - ظ) عظيمة البناء والقدر عند النصارى، ويقال أن بها كفّ يحيى بن زكريا ﵇، وبرسمها بطريق، وتجل النصارى قدّره، لها أعمال واسعة من المشرق إلى المغرب، وأهلها الغالبون عليها قوم من الفرس، وقوم من ولد صالح بن علي ومواليه، وأهلها أحسن خلق الله تعالى وجوها، وأكرمهم أخلاقا، وأرقهم طباعا، وأسمحهم نفوسا، والأغلب على خلقهم البياض والحمرة، ومذاهبهم على ما كان عليه أهل الشام إلاّ من تخصّص ولها من الكور، كورة تيزين، وهي ضياع جليلة القدر، وكورة الجومة وبها العيون الكبريتية التي تجري إلى الحمّة، وكورة جندارس (١) مدينة عجيبة البناء، مبنية بالحجارة والعمد، وكورة أرتاح، وهي مدينة جليلة القدر، وكورة الدقس، وهي كورة جليلة، وكورة قرصيلي، وهي ضياع جليلة، وكورة السويديّة وهي مدينة على ضفة البحر المالح، وكورة الفارسية والعربية، وهي جليلة القدر، وكورة يدابيا والقرشيّة.

стр. 81

قلت وأهلها الآن هم من أبناء الروم والأفرنج، وخلقهم في الحسن والجمال على ما ذكر. وكورة تيزين وكورة الجومة، وكورة جندارس، وكورة أرتاح في يد المسلمين الآن مضافة إلى ولاة حلب. وحارم (١) من هذه الناحية لها قلعة عظيمة حصينة، وهي عامرة، ولها ربض وأسواق ومسجد جامع، وهي كثيرة البساتين والفواكه نزهة، كانت من أعمال أنطاكية، وهي الآن مستقلة (٢٥ - و) بنفسها، مستتبعة لغيرها من أعمال حلب حرسها الله. نقلت من خط بنوسة في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري مما حكاه عمن حدثه من أهل الشام، قالوا: ونقل معاوية بن أبي سفيان إلى أنطاكية في سنة اثنتين وأربعين جماعة من الفرس من أهل بعلبك وحمص، ومن المصرين، فكان فيهم مسلم بن عبد الله، جد عبد الله بن حبيب بن النعمان بن مسلم الأنطاكي، وكان مسلم قتل على باب من أبواب أنطاكية يعرف اليوم بباب مسلمة، وذلك أن الروم خرجت من الساحل، فأناخت على أنطاكية، وكان مسلم على السور، فرماه علج بحجر فقتله. وقال البلاذري: وحدثني جماعة من مشايخ أهل أنطاكية منهم ابن برد الفقيه أن الوليد بن عبد الملك أقطع جند أنطاكية أرض سلوقية عند الساحل، وصير الفلثر، وهو الجريب، عليهم بدينار ومدي قمح، فعمروها، وجرى ذلك لهم، وبنى حصن سلوقية. قال: وحدثني أبو حفص الشامي عن محمد بن راشد عن مكحول قال: نقل

стр. 82

معاوية في سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين إلى السواحل قوما من زط البصرة والسيابجه، وأنزل بعضهم أنطاكية. قال أبو حفص: بأنطاكية محلة تعرف بالزط، وببوقا من عمل أنطاكية قوم من أولادهم يعرفون بالزط، وقد كان الوليد بن عبد الملك نقل إلى أنطاكية قوما من زط السند ممن حمله محمد بن القاسم إلى الحجاج، فبعث بهم الحجاج إلى الشام (١). أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي مشافهة عن أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني قال: أنطاكية هي من احسن البلاد في تلك الناحية وأكثرها خيرا، استولى عليها الفرنج، وهي في أيديهم الساعة، وهي دار مملكتهم، والدواء المستقل الذي يقال له الأنطاكي منسوب إلى هذه البلدة، المعروف بالسقمونيا، ولا يكون ببلد إلا بهذه البلدة، وقيل إن هذه الآية في أنطاكية: «واضرب لهم مثلا أصحاب القرية، إذ جاءها المرسلون» (٢). وبها قبر حبيب النجار في السوق كان بها، ومنها جماعة من العلماء المشهورين قديما (٣) وحديثا. قرأت في كتاب أحمد بن محمد بن إسحاق الهمذاني الفقيه في البلدان وأخبارها: لما أن افتتح أنوشروان قنسّرين ومنبج وحلب وحمص ودمشق وإيليا وأنطاكية استحسن أنطاكية، فلما انصرف إلى العراق، بنى بها مدينة على مثال أنطاكية بأسواقها وشوارعها ودورها، وسماها رندخسره، وهي التي يسميها العرب الرومية، وأمر أن يدخل إليها سبي أنطاكية، فلما دخلوها لم ينكروا من منازلهم شيئا، فانطلق كل رجل منهم إلى منزله، إلاّ رجل أسكاف، كان على باب داره بأنطاكية شجرة فرصاد فلم يرها على بابه ذلك، فتحير ساعة، ثم دخل الدار فوجدها مثل داره (٤).

стр. 83

وقرأت في بعض ما علقته (٢٥ - ظ) من الفوائد أن كسرى بنى الرومية بالمدائن وهي باذبجان خسره، وتفسيرها خير من أنطاكية. وهذا الذي ذكره ابن الفقيه أحمد بن محمد بن إسحاق الهمذاني من أنهم لم ينكروا من منازلهم، وأن الرجل الإسكاف لم ير شجرة الفرصاد على بابه فتحير ساعة ثم دخل، بعيد جدا، بل هو من المستحيلات، لأن أبنية أنطاكية بالحجر، وبناء هذه المدينة بالآجر، بل يحتمل أنه شبهها بها في المنازل والشوارع، فدخل كل واحد إلى ما يشبه منزله، لا أن الإسكاف أنكر الموضع لأنه لم ير شجرة الفرصاد (١). وذكر أبو عبد الله حمزه بن الحسن الأصبهاني في كتاب تواريخ الأمم: كسرى أنوشروان بن قباذ، قال: وبنى عدة مدن، منها مدينة دخلت في عداد مدن المدائن السبع، وسماها به أربذيو خسره ومعنى به أربذيو خسره، أي خير من أنطاكية وقال: أربذيو اسم (٢) لمدينة أنطاكية، وبه اسم للخير. وقع إلي قصيدة من نظم أبي عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي مزدوجة وسمها بقصيدة الأعلام يذكر فيها خروجه من طرسوس سنة ثمان وثلاثمائة، ويصف فيها المنازل التي نزلها فذكر أنطاكية وفضلها، وفسر الأبيات، والنسخة نسخة عتيقة جدا. قال فيها: ثم وردنا غدوة أنطاكية … وأهلها في خيرها مواسيه أهل عفاف وأمور عالية … أخلاقهم قدما عليها جارية مدينة ميمونة مذ لم تزل … النصف في السهل ونصف في الجبل والبق لا يدخلها ويتّصل … لكن بها فأر عظيم كالورل

стр. 84

كثيرة الخيرات والثمار … وتينها القلار في الأشجار مثل النجوم في دجى الأسحار … حصينة كثيرة الآثار صاحب ياسين حبيب فيها … وكان عند ربّه وجيها في الخلد والثمار يجتنيها … أكرم به مفتخرا نبيها وقال في تفسير الأبيات: أما أنطاكية فإن لها حصنا نصف في السهل، ونصف في الجبل ولا يدخلها البق، ومن خرج منها آذاه البق، وهي كثيرة الفأر، والتين القلاّري لا يكون إلا بها، ويعرف بالعراق بالشامي، وصاحب ياسين حبيب النجار قبره بها، وهو الذي قال: «يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين» (١). ***

стр. 85

باب ما جاء في ذم أنطاكية قيل إن أمير المؤمنين هرون الرشيد رحمة الله عليه كان ورد أنطاكية، فاستطابها جدا، وهمّ بالمقام فيها، وكره ذلك أهلها، فقال له شيخ منهم، وصدفه عن الصورة: يا أمير المؤمنين ليست هذه من بلدانك، قال: وكيف؟ قال: لأن الطيب الفاخر يتغير فيها حتى لا ينتفع به، والسلاح يصدأ فيها، ولو كان من قلع الهند، فتركها ورحل عنها. ويقال إن أنطاكية كثيرة الفأر، وقد ذكر ذلك أبو عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي في أرجوزة له، فقال في ذكر أنطاكية: والبق لا يدخلها ويتصل … لكن بها فأر عظيم كالورل أنبأنا عبد المحسن بن عبد الله الخطيب عن أبي عبد الله الحسين بن نصر بن (٢٦ - و) خميس قال: أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن الحسين بن دوما النعالي قال: أخبرنا أبو علي محمد بن جعفر بن مخلد الباقر حي قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن علوية القطان قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار قال: حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة عن ابن سمعان قال: بلغني عمن له علم بالعلم الأول أن كل رجل بعثه سمعون بعد عيسى إلى أناس أو بلدة أقام عندهم حتى مات في بلادهم، واتبعوه ما خلا يحنى وتومان بعثا إلى أنطاكية فلم يجيبوهما، وقتلوا من آمن بهما واتبعهما، وعدوا عليهما، وأرادوا قتلهما، وقتلوا حبيب النجار، فأخذهم الله بالصيحة، وكانت أول مدينة أهلكها الله بعد عيسى أنطاكية.

стр. 86

قال أبو حذيفة إسحاق بن بشر: وقال الحسن: إن مدينة أنطاكية من مدائن جهنم. قلت ظن أبو حذيفة أن الحسن أراد بقوله ان مدينة أنطاكية من مدائن جهنم، أنطاكية الشام، فذكر ذلك عقيب ذكر حبيب النجّار وأخذ أهل أنطاكية بالصيحة، وليس الأمر كذلك، بل المراد من أنطاكية التي ذكرها الحسن أنطاكية المحترقه، وهي أنطاكية الروم، لما نذكره ونبينه، وأخذ أهل أنطاكية بالصيحة لعتوهم وتكذيبهم، لا يدلّ على عدم الفضيلة، فإن مكة أشرف البقاع وقد كذب أهلها رسول الله ﷺ ، فانتقم الله منهم، ونصره عليهم، بل عقوبة الجاني في الموضع الشريف أليق بحال الجاني، ألا ترى إلى أصحاب الفيل كيف انتهكوا (٢٦ - ظ) حرمة الحرم، فأهلكهم الله تعالى كما أخبر في كتابه بقوله تعالى: «وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول» (١)، فكان ذلك زيادة في شرف الحرم، فهكذا فيما نحن فيه. ألا ترى إلى ما حكيناه فيما تقدم من تسميتها مدينة الله، أنه لما خسف بها رأى رجل صالح في نومه قائلا يقول: تكتب على أبواب المدينة الله معنا، فسميت مدينة الله. والدليل على أن المراد بقول الحسن أنطاكية الروم، ما أخبرنا الشيخ الإمام أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال أخبرنا عمي أبو القاسم علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أبي الحديد قال أخبرنا جدي أبو عبد الله قال: أخبرنا أبو المعمّر المسدّد بن علي بن عبد الله بن العباس بن أبي السّحيس الحمصي، قدم علينا، قال: حدثنا أبو بكر محمد ابن سليمان بن يوسف الربعي قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الكوفي قال: حدثنا ادريس بن سليمان بالرملة قال: حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن حازم قال: حدثنا الوليد بن محمد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي

стр. 87

أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أربع مدائن في الدنيا من الجنة مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق، وأربع مدائن من النار روميه وقسطنطينية وأنطاكية وصنعاء، قال إدريس: يعني أنطاكية المحترقة. وقد جاء في رواية أخرى مصرحا في الحديث (٢٧ - و) بأنها أنطاكية المحترقة. أخبرنا بذلك الفقيه العالم شرف الدين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد ابن الحسن الدمشقي قال أخبرنا عمي أبو القاسم بن أبي محمد قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن المظفر بن سبط وأبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البارع ببغداد، وأم البهاء فاطمة بنت علي بن الحسين العكبرية بدمشق قالوا: أخبرنا أبو الغنائم محمد بن علي الدجاجي قال: أخبرنا علي بن عمر بن محمد الحربي قال حدثنا أبو السري سهل بن يحيى، وقال ابن السبط: ابن يحيى بن سبأ الحداد، قال: حدثنا سعيد بن عثمان الرازي قال: حدثنا عبد الواحد بن يزيد عن محمد بن مسلم الطائفي عن محمد بن مسلم الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «أربع مدائن من مدائن الجنة وأربع مدائن من مدائن النار، فأما مدائن الجنة فمكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق، وأما مدائن النار فالقسطنطينية وطبريه وأنطاكية المحترقة وصنعاء.» (١) وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري أن أنطاكية المحترقة ببلاد الروم، أحرقها العباس بن الوليد بن عبد الملك (٢). وقال أبو عبد الله السّقطي ليس هي صنعاء وانما هي صنعاء بأرض الروم. وقد جاء في رواية أخرى بدل طبرية الطوانه وهو الصحيح (٣). قرأت في كتاب الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر (٢٧ - ظ) والأقاليم

стр. 88

وأسماء بلدانها تأليف أبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي، وأظنه بخطه، والنسخة مقروءة عليه، قال: بلغنا عن يزيد بن عبد الله الخولاني عن كعب الأحبار أنه قال: خمس مدائن في الدنيا من مدائن الجنة وخمس مدائن في الدنيا من مدائن النار، فأما مدائن الجنة فحمص، ودمشق، وبيت المقدس، وبيت جبرين، وظفار اليمن، وأما مدائن النار فالقسطنطينية وعمورية وأنطاكية وتدمر وصنعاء اليمن. قال أبو الحسين بن المنادي: هذه ليست أنطاكية الشام، ولكنها أنطاكية الروم. أخبرني من أثق به، وكتبه لي بخطه، قال: قرأت في مجموع جمعه رشاء بن نظيف، قال: وأظنه بخطه، قلت وأخبرنا به إجازة أبو البركات الحسن بن محمد ابن الحسن عن عمه أبي القاسم الحاظ قال: أنبأنا أبو القاسم النسيب عن رشاء بن نظيف قال: حدثني أبو سعيد محمد بن أحمد بن عبادة البيروتي، بمدينة دمشق قال: حدثني عبد المؤمن بن المتوكل قال: حدثنا أبو عبد الرحمن مكحول قال: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد عن أبيه الوليد عن عروة عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: تثور بنو الأصفر بالعرب فتكون بينهم وقعة في موضع يقال له الرأس واللفئكة، فتسيل فيه دماء حتى تخوض الخيل في الدماء الى أرسانها، قال ثوبان مولى رسول الله ﷺ : يا رسول الله أفمن قلة؟ قال: إنما تكثر الأعمال السوء، ولينزع (٢٨ - و) الله المهابة من صدور أعدائكم منهم، وتكونوا في عينهم كغثاء السيل، ويفتحون الملعونتان، قال ثوبان مولى رسول الله ﷺ : يا رسول الله وما الملعوتتان؟ قال: أنطاكية وصيدا. وهذه أيضا أنطاكية المحترقة أيضا، والله أعلم، لانه قد ورد أنها من مدائن النار أما أنطاكية الشام، فقد جاء في فضلها من الأخبار والآثار ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 89

باب في فضل أنطاكية ذكر الله تعالى أنطاكية في القرآن في موضعين وسماها قرية، وسماها مدينة في الموضعين، ذكرها في سورة الكهف في قصة الجدار الذي أراد أن ينقض فأقامه، وسماها في أول القصة قرية بقوله تعالى: «حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها» وسماها ﵎ في آخر القصة بالمدينة حيث قال عز من قائل: «وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة». (١) جاء في التفسير عن ابن عباس ﵁ أنها أنطاكية، وذكر ذلك أبو إسحاق الثعلبي وغيره. وذكرها الله تعالى أيضا في سورة ياسين في قصة حبيب النجّار، قال في أول القصة: «واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون». وقال عز من قائل في آخر القصة: «وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى» (٢). أخبرنا أبو الغنائم محمد بن أبي طالب بن شهريار في كتابه إلينا من أصفهان (٢٨ - ظ) قال: أخبرتنا فاطمة بنت أبي الفضل، المعروفة ببنت البغدادي، قالت: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم المقرئ قال: حدثنا إبراهيم (٣) بن عبد الله قال: حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان عن السدي عن عكرمة في قوله تعالى: «واضرب لهم مثلا أصحاب القرية» (٤). قال هي أنطاكية.

стр. 90

ونقلت من كتاب أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي الذي سماه الحافظ، وهو مسموع عليه، قال: حدثنا جدي قال: حدثنا يونس قال: حدثنا شيبان عن قتادة: «واضرب لهم مثلا أصحاب القرية». قال: ذكر لنا أنها أنطاكية، مدينة من مدائن الروم. قلت: قوله «من مدائن الروم» يعني أنها كانت من مدائن الروم، والروم يعظمونها. قال: قصة حبيب كانت بأنطاكية الشام، وقبره بها. أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إذنا، قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزّاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا الحسين بن علي بن الحسين بن بطحاء المحتسب قال: أخبرنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي الحرّاني قال: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبه قال: حدثنا أحمد بن مسلم الحلبي قال: حدثنا عبد الله بن السري المدائني عن أبي عمر البزّاز عن خالد بن سعيد عن الشعبي عن تميم الداري قال: قلت يا رسول الله ما رأيت بالروم مدينة مثل مدينة يقال لها أنطاكية، وما رأيت أكثر (٢٩ - و) مطرا منها، فقال النبي ﷺ : نعم وذلك أنّ فيها التوراة، وعصا موسى ورضراض الالواح، ومائدة سليمان بن داوود في غار من غير انها، ما من سحابة تشرف عليها من وجه من الوجوه إلاّ أفرغت ما فيها من البركة في ذلك الوادي، ولا تذهب الأيام والليالي حتى يسكنها رجل من عترتي، اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يشبه خلقه خلقي وخلقه خلقي يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. وقد روي هذا الحديث عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ وفيه زيادة على ما رواه الشعبي عن تميم الداري، نقلته من خط القاضي أبي عمرو

стр. 91

عثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي قاضي معرة النعمان، وكان فاضلا مسندا، قال: حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي قال: حدثنا يوسف ابن سعيد بن مسلم قال: حدثنا الحجاج عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ أتاه تميم الداري، فقال له رسول الله ﷺ : من أين قدمت؟ قال: من الشام، فقال تميم: يا رسول الله لم أر بالشام مدينة أحسن من أنطاكية ولا أطيب إلاّ أنها كثيرة الأمطار، فقال رسول الله ﷺ : أتدرون ما السبب في ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فيها جبل، وفي (٢٩ - ظ) ذلك الجبل غار، وفي ذلك الغار عصاة موسى صلى الله عليه، وشيء من ألواحه، ومائدة سليمان، ومحبرة إدريس، ومنطقة شعيب، وبردا نوح، ولا تطلع سحابة شرقية ولا غربية ولا قبلية ولا حربية إلاّ حط من بركتها عليها وعلى ذلك الغار قبل أن تمطر في الدنيا، ولا تقوم الساعة ولا تذهب الليالي والأيام حتى يخرج رجل من أهل بيتي ومن عترتي يوافق اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، فيستخرج جميع ما في ذلك الغار، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما. أنبأنا عبد العزيز بن الحسين بن هلالة قال: أخبرتنا عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الأصبهانية قالت: أخبرتنا فاطمة الجوزدانية قالت: أخبرنا أبو بكر بن ريذة قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني قال: أخبرنا عبد الرحمن بن حاتم قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن مطر الورّاق عمن حدثه عن كعب قال: إنما سمي المهدي لأنه يهدي لأمر قد خفي، ويستخرج التوراة والإنجيل من أرض يقال لها أنطاكية (١). أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: أخبرنا أبو الفضائل ناصر بن محمود بن علي القرشي، ح.

стр. 92

وأخبرنا أبو محمد هبة الله بن الخضر بن هبة الله بن طاوس إجازة قال: أخبرنا أبو الفضائل ناصر بن محمود قال: حدثنا علي بن أحمد بن زهير قال: حدثنا علي بن محمد بن شجاع قال: أخبرنا أبو الحسن فاتك بن عبد الله المزاحمي بصور قال: حدثنا أبو القاسم علي بن محمد بن طاهر بصور (٣٠ - و) قال: حدثنا أبو عبد الملك محمد بن أحمد بن عبد الواحد بن جرير بن عبدوس قال: حدثنا موسى بن أيوب قال: حدثنا عبد الله بن قسيم عن السري بن بزيع عن السري بن يحيى عن الحسن عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى باب دمشق وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزة من الطالقان فيحيي به دينه كما أميت من قبل (١). وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي القاضي: حدثنا أبو الفضل صالح بن يوسف العجلي قال: حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال: حدثنا ابن مسرور عن ابن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الرباط أربعة: عسقلان، والاسكندرية، وهما العروسان، وأنطاكية ثم قال: لا تزال طائفة من الملائكة يقاتلون حول أنطاكية وحول دمشق وحول الطالقان إلى أن يخرج يأجوج ومأجوج». وسقط ذكر الرابعة في رواية القاضي أبي عمرو، وأظنها دمشق. قرأت بخط القاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي حدثنا أبو الحسن علان بن عيسى بن مشكان القاساني سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة

стр. 93

(٣٠ - ظ) قال: حدثنا أبي وعمي قالا: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا روح ابن عبادة قال: حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «ليلة أسري بي إلى السماء رأيت قبة بيضاء لم أر أحسن منها، وحولها قباب كثير، فقلت ما هذه القباب يا جبريل؟ قال: فقال هذه ثغور أمتك، فقلت: ما هذه القبة البيضاء فإني ما رأيت أحسن منها؟ قال: هي أنطاكية، وهي أم الثغور، فضلها على الثغور كفضل الفردوس على سائر الجنان، الساكن فيها كالساكن في البيت المعمور، يحشر إليها أخيار أمتك، وهي سجن عالم من أمتك، وهي معقل ورباط، وعبادة يوم فيها كعبادة سنة، ومن مات بها من أمتك كتب الله له يوم القيامة أجر المرابطين. وقرأت في كتاب البلدان وفتوحها وأحكامها تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: حدثني محمد بن سهم الأنطاكي عن أبي صالح الفراء قال: قال مخلد بن الحسين سمعت مشايخ الثغر يقولون كانت أنطاكية عظيمة الذكر والأمر عند عمر وعثمان رحمهما الله تعالى. (١) أنبأنا أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن صالح المعزّم قال: أخبرنا أبو بكر هبة الله بن الفرخ بن أخت الطويل قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن علي المحكمي قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن سليمان بن كامل (٣١ - و) الكرابيسي البخاري قال: حدثنا أبو عبد الله محمد ابن موسى قال: حدثنا أبو جعفر هرون بن إبراهيم بن عيسى بن المنصور أمير المؤمنين الهاشمي ببغداد قال: حدثنا إبراهيم بن الحسن الأنطاكي والربيع بن ثعلب قالا: حدثنا ربيع بن جميع عن الأعمش عن بشر بن غالب قال: قدم أهل أنطاكية على الحسين بن علي فسألهم عن حال بلدهم وعن سيرة أميرهم فيهم، فذكروا خيرا،

стр. 94

إلا أنهم شكوا البرد، فقال الحسين بن علي: حدثني أبي عن جدي رسول الله ﷺ أنه قال: أيما بلده كثر أذانها بالصلاة كسر بردها. وقد رواه الربيع بن ثعلب عن عمرو بن جميع عن بشر بن غالب. أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله مشافهة قال: أخبرنا أبو القاسم يحيى بن أسعد بن بوش قال: أخبرنا أبو طالب عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري بقراءة أبي بكر الخطيب وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن علي الصيرفي المعروف بابن الزيات قراءة عليه، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن الحسين بن إسحاق الصوفي الصغير قال: حدثنا الربيع بن ثعلب العابد قال: حدثنا عمرو بن جميع عن بشر بن غالب قال: قدم على الحسين بن علي ﵉ ناس من أهل أنطاكية فسألهم عن حال بلادهم، وعن سيرة أميرهم، فذكروا خيرا، إلا أنهم شكوا إليه البرد، فقال الحسين ﵁: حدثني أبي عن جدي رسول الله ﷺ (٣١ - ظ) أنه قال: «أيما بلدة كثر أذانها بالصلاة كسر بردها». وقد روي ذلك عن الحسن بن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وسنذكره في ترجمة أخي بشر بن غالب فيمن لا يعرف اسمه. (٣٢ - و) ***

стр. 95

باب في ذكر منبج واسمها وبنائها (١) وهي مدينة حسنة البناء صحية الهواء كثيرة المياه والأشجار، يانعة البقول والثمار، وأهلها خلق حسنة، ويقال أنها كانت مدينة الكهنة ودورها وأسوارها مبنية بالحجارة، ولم تزل أسوارها في أكمل عمارة الى أن حصرها الملك الظاهر غازي ابن يوسف بن أيوب في سنة (ثمان وتسعين وخمسمائة) (٢). ولما فتحها خرب حصنها وكان حصنا مانعا، وهو الذي حصره بلك بن أرتق وصاحبها إذ ذاك حسان، فقتل عليها (٣)، وبقي السور على حاله، وإذا انهدم منه شيء لا يعمر، فلما مات الملك الظاهر جاء كيكاوس ملك الروم وفي صحبته الملك الأفضل علي بن يوسف أخو الملك الظاهر، فاستولى على المدينة، ورم ما تشعث من سورها، وفتح تل باشر من يد ابن دلدرم، واستدعى أتابك طغرل الملك الأشرف موسى بن الملك العادل من حمص ليدفع كيكاوس، فجاء وخرج بعسكر حلب الى الباب، واتفق للعسكرين وقعة أسر فيها جماعة من أمراء الروم، فاندفع كيكاوس عن البلاد، فاستعادها الملك الأشرف، فشعت أتابك طغرل سور منبج عند ذلك تشعيثا فاحشا، وتداعت أركانه، وبنى منه الخان الذي جدده أتابك للسبيل، وهو موضع الحصن (٣٢ - ظ) الذي خربه الملك الظاهر، وأخذ أهل البلد من حجارة السور أحجارا كثيرة لعمائرهم، فلم يبق منه إلا ما يمنع الغارة،

стр. 96

وأما البلد فإنه عامر آهل كثير الخيرات ومعايشهم وافرة جدا، لا سيما في استخراج ماء الورد والخلاف الإبريسم. وكان اسمها أولا سرياس ثم سميت أبروقليس (١)، فسماها كسرى منبه، وعربت فقيل منبج. قرأت في تاريخ وقع إلي ذكر جامعه أنه انتسخه من كتب شتى، ومن التوراة اليونانية والسريانية، ومن تاريخ للروم وغيرهم، قال: وفي سنة خمسين من ملكه -يعني ملك بختنصر-قتل فرعون الأعرج ملك مصر واسمه يوياقيم، قال: وكان فرعون قد أحرق مدينة منبج، ثم بنيت بعد ذلك، وسميت أبروقليس، وتفسيره مدينة الكهنة. أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني في كتابه إلي من مرو قال: أخبرنا أبي أبو سعد إجازه، إن لم يكن سماعا، قال: ومنبج بناها كسرى حين غلب على ناحية من الشام مما كان في أيدي الروم، وسماها منبه، وبنى بها بيت نار، ووكل به رجلا يسمى يزدانيار من ولد أردشير ابن بابك، وهو جدّ سليمان بن مجالد الفقيه، ومنبه بالفارسية أنا أجود، فأعربت العرب منبه منبج، ويقال إنما سميت ببيت نار منبه، فغلب على اسم المدينة (٢).

стр. 97

أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إذنا قال: أخبرنا أبو منصور موهوب (٣٣ - و) بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي قال: ومنبج اسم البلد، أعجمي، وقد تكلموا به، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية (١). قلت: ويقال الأنبجانية أيضا، وقد جاء في الحديث … (٢) وقال: أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض والمدن: وأما منبج فهي مدينة في برية، الغالب على مزارعها الأعذاء، وهي خصبة. وبقربها سنجه، وهي مدينة صغيرة بقربها قنطرة حجاره، تعرف بقنطرة سنجه، ليس في الإسلام قنطرة أعجب منها. وقرأت في كتاب أحمد بن الطّيّب السرخسي في المسالك والممالك، في الطريق من بلاد الروم الى الشام في بعض مسالكه، قال: ثم ارجع الى الحوره، فمنها طريق الى بحيرة سماطي ثم بعقبة بيغاس، الى علوّ وهي الفرات، ثم الى سرياس وهي منبج. وذكر أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان في بغداد، كور جند قنسّرين والعواصم، فقال وكورة منبج وهي مدينة قديمة، افتتحت صلحا صالح عليها عمرو بن العاص وهو من قبل أبي عبيدة بن الجراح، وهي على الفرات

стр. 98

الأعظم، وبها أخلاط من الناس من العرب والعجم، وبها منازل وقصور لعبد الملك ابن صالح بن علي الهاشمي. (قلت): قوله «وهي على الفرات» خطأ، لكن جسر منبج على الفرات. وقيل إن عياض بن غنم فتح منبج صلحا على مثل صلح حلب. وذكر البلاذري قال: ولم تزل قنسّرين وانطاكية ومنبج وذواتها جندا، فلما استخلف هرون بن المهدي أفرد قنسّرين بكورها فصير ذلك جندا (٣٣ - ظ) واحدا، وأفرد منبج ودلوك ورعبان وقورس وأنطاكية وتيزين، وسماها العواصم، لأن المسلمين يعتصمون بها، فتعصمهم وتمنعهم إذا انصرفوا من عدوهم وخرجوا من الثغور، وجعل مدينة العواصم منبج، فسكنها عبد الملك بن صالح ابن علي في سنة ثلاث وسبعين ومائه، وبنى بها أبنيته. (١) وذكر قدامه في كتاب الخراج نحوا من ذلك. وقرأت في كتاب ابن حوقل النصيبي: مدينة منبج، وهي خصبه كثيرة الأسواق قديمة عظيمة الآثار، وهي ذات سور أزلي رومي، وبقربها أيضا مدينة صنجه، وهي مدينة صغيرة، بقربها قنطره حجاره تعرف بقنطره صنجه، ليس على الإسلام أعجب بناء منها، يقال أنها من عجائب الزمان. قال: وجسر منبج مدينة صغيرة لها زرع سقي ومباخس، وماؤها من الفرات، حصينة، وزروعها سقي، نزهة ذات مياه وأشجار، وهي قريبة من الفرات، وقد قاربت أن تختل وتخرب. (٢) قال البلاذري في كتاب البلدان: وقرية جسر منبج، ولم يكن الجسر يومئذ،

стр. 99

إنما اتخذ في خلافة عثمان بن عفان ﵁ للصوائف، ويقال بل كان له رسم قديم. وقال: قالوا: وأتى أبو عبيدة حلب الساجور وقدم عياضا الى منبج، ثم لحقه وقد صالح أهلها على مثل صلح أنطاكية، فأنفذ أبو عبيدة ذلك. (١) قرأت بخط علي بن هلال الكاتب، المعروف بابن البواب: لما دخل الرشيد منبج قال: لعبد الملك بن صالح، وكان أوطنها،: هذا منزلك؟ قال: هو لك، ولي بك، قال: كيف بناؤه؟ قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل الناس، قال: فكيف طيب (٣٤ - و) منبج؟ قال: عذبة الماء، غذيّة الهواء، قليلة الأدواء، قال: فكيف ليلها؟ قال سحر كله. وفي رواية أخرى من غير خط ابن البواب، قال: إنها لطيبة؟ قال: بك طابت، وبك جملت. وقرأت في تاريخ محمد بن الأزهر الكاتب: يقال إن الرشيد لما وصل منبج، قال: له، يعني لعبد الملك بن صالح،: كيف مدينتك؟ قال عذبة الماء، باردة الهواء، صلبة الموطأ، قليلة الأدواء، قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله. وقال له يوما: يا أبا عبد الرحمن ما أحسن بلادكم! قال: وكيف لا يكون ذلك، وهي برية حمراء، وشملة صفراء، وشجرة خضراء، فيافي فيّح وجبال وضحّ! فالتفت الرشيد الى الفضل بن الربيع فقال له: ضرب السوط أسهل من هذا الكلام. أنبأنا أحمد بن عبد الله الأسدي عن الحافظ أبي طاهر الأصبهاني عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي عن أبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي قال: يقال: إن ما من بناء بالحجارة أبهأ من كنيسة الرها، ولا بناء بالخشب أبهأ من كنيسة منبج، لأنها بطاقات من خشب العنّاب، ولا بناء بالرخام أبهأ

стр. 100

من قسيّان أنطاكية، ولا بناء بطاقات الحجارة أبهأ من كنيسة حمص، ولا بناء بالآجر والجص أبهأ من إيوان كسرى بالمدائن، ولا منارة أعجب بناء من منارة الإسكندرية. نقلت من خط أبي جعفر أحمد بن جبير في رحلته، ذكر مدينة منبج حرسها الله، بلدة فسيحة الأرجاء وصحيحة الهواء، يحويها سور عتيق ممتد الغاية والانتهاء، (٣٤ - ظ) جوها صقيل، ومختلاها جميل، ونسيمها أرج النّشر عليل، نهارها يندى ظله، وليلها كما قيل فيها سحر كله، يحف بغربيها وشرقيها بساتين ملتفة الأشجار مختلفة الثمار، والماء يطرد فيها، ويتخلل جميع نواحيها (١). قرأت في رسالة أبي المظفر ابراهيم بن أحمد بن الليث الأذري، بخط أبي طاهر السلفي الحافظ: ورحلنا منه، يعني من نهر الساجور، الى منبج، فرأيته ثغرا قد تشعث سوره، وبلدا قد اختلت أموره، إلا أني رأيت له ظاهرا حسنا أديمه، وجوا طيبا نسيمه، فلم ألم صديقنا الطائي على قوله: أوطنتها وأقمت في أفيا … ئها فكأنني في منبج (٢) ولأبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان التّغلبي يصف منتزهات منبج، وقد أنشدنا بعض قوله والدي ﵀ قال: أنشدنا أبو المظفر سعيد بن سهل بن محمد الفلكي قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد قال: أنشدنا أبو منصور بن طاهر قال: أنشدنا محمد بن عمر المتكلم قال: أنشدنا أبو فراس لنفسه، فذكر بيتين من شعره، والأبيات: قف في رسوم المستجا … ب وحي أكناف المصلا

стр. 101

فالجرس فالميموم فالس … قيا (١) بها فالنهر الأعلى (٢) تلك الملاعب والمنا … زل لا أراها الله محلا حيث التفت وجدت ما … ء سايحا وسكنت ظلاّ تر دار وادي عين قا … صر منزلا رحبا مطلاّ وتحلّ بالجسر الجنا … ن وتسكن الحصن المعلّى يجلو عرائسه لنا … مرج أحسن العيش سهلا والماء يفصل بين زه … ر الرّوض في الشطيّن فصلا كبساط وشي جرّدت … أيدي القيون عليه نصلا (٣) (٣٥ - و) قلت: وجسر منبج الآن تحت قلعة نجم (٤)، وهي قلعة صغيرة على الفرات، والجسر في ذيلها، وهي قلعة حسنة المنظر محمودة المخبر، كان لها ربض صغير ومسجد لطيف، فأقطعها الملك الظاهر بدر الدين ايدمر عتيقه عند موته، وأخذ ولاية قلعة حلب منه، فعمرها وبنى في الربض مسجدا جامعا، وجعل فيه منبرا وخطيبا، وبنى سوقا حسنا، فعظم الربض، ورغب الناس في المقام فيه، وعوض عن قلعة نج باللاذقية، وجعل في القلعة وال من جهة السلطان الملك الناصر أعز الله نصره، وفي البلد وال، فكثرت العمائر في الربض، وبنيت فيه منازل كثيرة، فاتسعت أرجاؤه، وكثر بناؤه، وصار مصرا من الأمصار، مقصدا للمعاش من سائر الأقطار.

стр. 102

والقلعة منسوبة الى نجم غلام جني الصفواني، وكانت لبني نمير، وآخر من كان بها منصور بن الحسن بن جوشن بن منصور النميري من ولد الراعي عبيد بن الحصين الشاعر، فقتل منصور وأخذت القلعة منهم، وخلف ولدا اسمه نصر، فأضر وعمره أربع عشرة سنة، وقال الشعر، وانتقل الى بغداد بعد أن تغلب الترك على ديارهم، فقال ولده يذكر أباه، وأنشدنيها أبو الحسن المبارك بن أبي بكر بن مزيد الخوّاص البغدادي بها عنه. لا تبعدنّ حسام دولة عامر … من ليث ملحمة وغيث عطاء أنحى على شمل العشيرة بعده … ريب الزمان بفرقة وتناء وسنذكر ترجمة نصر في الأسماء إن شاء الله تعالى. وقد ذكرها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي بن الشيباني في بعض رسائله فقال: وجئنا قلعة نجم، وهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خصها الأصيل كان الهلال لها قلامة (١) (٣٥ - ظ).

стр. 103

باب في ذكر رصافة هشام وهي من عمل حلب، واسمها بالرومية قطا ميلا، وذكر ذلك أحمد بن الطيب السرخسي في كتاب المسالك والممالك، وقال: ومن قطا ميلا الى العذيب أربعة أربعة وعشرون ميلا. وبناها هشام بن عبد الملك بن مروان، ولها سور من الحجر، وفي داخلها مصنع كبير لماء المطر يشرب منه أهلها، وهي قوية منيعة لأنها في برية ولا ماء عندها إلا ماء المصنع الذي هو داخل السور، وكان هشام قد اتخذها دار إقامته، ويجري بها خيل الحلبة، وتفد إليه الوفود بها. وأهلها مياسير وتغلب عليهم التجارة. نقلت من كتاب ربيع الآداب في محاسن الأخبار وعيون الأشعار، تصنيف أبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، من نسخة مقروءة عليه، قال: أخبرني محمد بن يحيى بن العباس، أخبرنا الحسن بن عليل العنزي بها قال: حدثنا علي بن الصباح قال: حدثني هشام بن محمد قال: لما كثر الطاعون في زمن بني أمية وفشا، كانت العرب تنتجع البر وتبتني القصور والمصانع هربا منه، الى أن ولي هشام بن عبد الملك، فابتنى الرصافة. وكانت الرصافة مدينة رومية بنتها الروم في القديم، ثم خربت، وكان الخلفاء وأبناؤهم يهربون من الطاعون، فينزلون البرية، فعزم هشام على نزول الرصافة، فقيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون، لم نر خليفة طعن، قال:

стр. 104

أفتريدون (٣٦ - و) أن تجربوا بي، فخرج الى الرصافة، وهي برية فابتنى بها قصرين (١). وذكر حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب تواريخ الأمم أن النعمان بن الحارث بن الأيهم بن الحارث بن ماريه ذات القرطين، وهو أول ملوك غسان هو الذي أصلح صهاريج الرصافة وكان بعض ملوك لخم خربها (٢). قلت وفي الرصافة دير مذكور للنصارى ذكره الشمشاطي في كتاب الديارات، وذكر حكاية الأخطل، وشدّ راهب الدير إياه على هجوه الناس، وسنذكر ذلك في ترجمة الأخطل إن شاء الله. ***

стр. 105

باب في ذكر خناصره (١) وكانت بلدة صغيرة ولها حصن، وبناؤه بالحجر الأسود الصلد، وهي من كورة الأحص، وبلاد بني أسد، وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ قد تديرها وكان يقيم بها في أكثر أوقاته، وهي اليوم قرية من قرى الأحص، يسكنها الفلاحون، وخرب حصنها وأبنيتها، ونقلت حجارته. وسميت باسم بانيها خناصره بن عمرو بن الحارث، وقيل بناها أبو شمر بن جبلة بن الحارث. أنبأنا أبو المظفر عبد الرحيم بن أبي سعد السمعاني عن أبيه أبي سعد قال: وخناصره بناها خناصره بن عمرو بن الحارث بن كعب بن الوغى بن عمرو بن عبد ود بن عوف بن كنانة الكلبي، وقيل الخناصره بن عمرو، خليفة إبراهيم الأثرم صاحب الفيل، خلفه باليمن بصنعاء إذ سار الى كسرى أنو شروان، ويوم خناصره أجاروا على العجم، وقيل بناها أبو شمر بن جبلة بن الحارث (٢). ونقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: حدثني العباس بن هشام عن أبيه قال: خناصرة نسبت (٣٦ - ظ) الى خناصر ابن عمرو بن الحارث الكلبي ثم الكناني (٣).

стр. 106

وقرأت بخط محمد بن أسعد الجواني النسابة في كتاب الجوهر المكنون: خناصرة فخذ في عذرة كلب، هم ولد خناصرة بن عمرو أحد بني عبد ود بن عوف بن كنانة بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، وبه سميت خناصره. وقرأت في جمهرة نسب اليمن، ولا أعلم مؤلفه، في ذكر كعب المعروف بالوكّاء بن عمرو بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن زيد بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان، قال: فمن بني الوكاء بن عمرو خناصر بن الحارث بن كعب الوكاء، كان قد ملك الشام وبه سميت خناصرة. وقال ابن الكلبي: بناها خناصرة بن عمرو بن الحارث بن كعب بن عمرو بن عبد ود بن عوف بن كنانة، وكان ملك الشام. وقال غيره: عمرها الخناصر بن عمرو خليفة الأثرم صاحب الفيل. وقال جران العود، وجعلها خناصرات: نظرت وصحبتي بخناصرات … ضحيّا بعد ما متع النهار إلى ظعن لأخت بني نمير … بكابة حيث زاحمها العقار (١) يعني الرمل. وفي خناصرة يقول عدي بن الرقاع العاملي، وقد نزل بها الوليد بن عبد الملك، ووفد عليه. وإذا الربيع تتابعت أنواؤه … فسقى خناصرة الأحصّ وزادها (٣٧ - ٥)

стр. 107

نزل الوليد بها فكان لأهلها … غيثا أغاث أنيسها وبلادها (١) وقال أبو زيد البلخي في جند قنسّرين: والخناصرة حصن على شفير البرية كان يسكنه عمر بن عبد العزيز. وقال ابن حوقل النصيبي في جغرافيا: خناصرة، هي حصن يحاذي قنسرين من ناحية البادية، وهي على شفيرها وسيفها، وكان عمر بن عبد العزيز يسكن بها، وهي صالحة في قدرها، مغوثة للمجتازين عليها في وقتنا هذا، لأن الطريق انقطع من بطن الشام بإتيان الروم عليه، وهلاك مرافقه وبوار ولاته، واستيلاء الأعراب عليهم بعد هلاك ولاته، فلجأ الناس الى طريق البادية والبر بالأدلاء والخفارة (٢). ***

стр. 108

باب في ذكر بالس (١) وهي مدينة كانت في أول الإسلام عامرة جدا، وهي أول مدن جند قنسرين وكان لها سور من بناء الروم، وكانت تفضّل على قنسرين في العمارة، وخرج منها جماعة من العلماء والرؤساء، وفي زماننا خرب سورها ولم يبق فيها من العلماء أحد ولا من الرؤساء، وينسب أهلها الى قلة العقول. والغالب على أهل البلد بنو كلاب، وبريتها نزلها قديما بنو فزارة. أخبرنا أبو منصور بن محمد الدمشقي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد، أخبرنا أبو القاسم بن طاهر قال: أخبرنا علي بن محمد قال: أخبرنا محمد بن أحمد (٣٧ - ظ) قال: أخبرنا أبو حاتم البستي قال: أول الشام بالس. وقال أبو زيد البلخي في كتابه: وأما بالس فهي مدينة على شط الفرات صغيرة، وهي أول مدن الشام، من العراق إليها عامر، وهي مدينة فرضة الفرات لأهل الشام. قلت: وكانت الفرات تلصق بسور المدينة، فجزرت عنها وبعدت جدا حتى صار بينهما بعد، وفي زماننا قد قربت منها. وقرأت في كتاب البلدان لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: وحدثني سفيان بن محمد البهراني عن أشياخه قالوا: فتح عبادة والمسلمون معه أنطرسوس

стр. 109

وكان حصنا، ثم جلا عنه أهله، فبنى معاوية أنطرسوس ومصّرها وأقطع بها القطائع، وكذلك فعل بمدقية وبالس (١). وقال البلاذري، فيما حكاه عن شيوخ الشام: قالوا: ثم سار أبو عبيدة -يعني بعد فتح دلوك ورعبان-حتى نزل عراجين وقدم مقدمته الى بالس، وبعث جيشا عليه حبيب بن مسلمة الى قاصرين وكانت بالس وقاصرين لأخوين من أشراف الروم أقطعا القرى التي بالقرب منهما، وجعلا حافظين لما بينهما وبين مدن الروم بالشام، فلما نزل المسلمون بها صالحهم أهلها على الجزية أو الجلاء، فجلا أكثرهم الى بلاد الروم وأرض الجزيرة. قالوا: ورتب أبو عبيدة ببالس جماعة من المقاتلة، وأسكنها قوما من العرب الذين كانوا بالشام، فأسلموا بعد قدوم المسلمين من الشام، وقوما لم يكونوا من البعوث نزعوا من البوادي من قيس، وأسكن قاصرين قوما ثم رفضوها وأعقابهم (٢). ونقلت من خط ابن كوجك في سيرة المعتضد تأليف سنان بن ثابت، وذكر سنان أنه نقله من خط أحمد بن الطّيّب السرخسي في مسير المعتضد لقتال خمارويه ابن طولون في وقعة الطواحين، على ما ذكرناه في وصفه لمدينة حلب، وذكر أنه رحل من دوسر (٣) إلى إلى بالس يوم السبت لتسع ليال خلون منه-يعني من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وسبعين-فنزل في الجانب الشرقي، ثم عبر في يوم الأحد إلى الجانب الغربي من الفرات، وهو جانب المدينة، وهي مدينة صغيرة (٣٨ - و) ولها قلعة وربض، عليها سور واحد، بعض بنائها على الفرات وبعضه بينه وبين الفرات رقه.

стр. 110

وذكر البلاذري في كتابه قال: وكانت بالس والفرى المنسوبة إليها حدها الأعلى والأسفل أعذاء عشريه، فلما كان مسلمه بن عبد الملك بن مروان توجه غازيا للروم من نحو الثغور الجزرية، عسكر ببالس، فأتاه أهلها وأهل توبلس وقاصرين وعابدين وصفين، وهي قرى منسوبة إليها، وأتاه أهل الحد الأعلى فسألوه جميعا أن يحفر لهم نهرا من الفرات يسقي أرضهم على أن يجعلوا له الثلث من غلاتهم بعد عشر السلطان الذي كان يأخذه، فحفر النهر المعروف بنهر مسلمة ووفوا له بالشروط، ورمّ سور المدينة وأحكمه، ويقال بل كان ابتداء العرض من مسلمة، وأنه دعاهم الى هذه المعاملة، فلما مات مسلمة صارت بالس وقراها لورثته، فلم تزل في أيديهم إلى أن جاءت الدولة المباركه، وقبض عبد الله بن علي أموال بني أمية، فدخلت فيها، فأقطعها أمير المؤمنين أبو العباس سليمان بن علي ابن عبد الله بن العباس، فصارت لابنه محمد بن سليمان. وكان جعفر بن سليمان أخوه يسعى به إلى أمير المؤمنين الرشيد، ويكتب إليه فيعلمه أنه لا مال له ولا ضيعه الا وقد اختان أضعاف قيمته، وأنفقه فيما يرشح له نفسه، وعلى من اتخذ من الخول (٣٨ - ظ) وأن أمواله حلّ طلق لأمير المؤمنين، وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، فلما توفي محمد بن سليمان، أخرجت كتب جعفر إليه واحتج عليه بها، ولم يكن لمحمد أخ لأبيه وأمه غيره، فأقرّ بها، وصارت أمواله للرشيد، فأقطع بالس وقراها المأمون، فصارت لولده من بعده (١). (٣٩ - و) (٢). (٣٩ - ظ) (٣).
следующие страницы →