← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

[الْمَسْأَلَةُ وجد العامي في البلد أكثر من مفتي] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ إِذَا حَدَثَتْ لِلْعَامِّيِّ حَادِثَةٌ، وَأَرَادَ الِاسْتِفْتَاءَ عَنْ حُكْمِهَا: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلَدِ مُفْتٍ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ وَالْأَخْذُ بِقَوْلِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَقَدِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، بَلْ يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِي أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ مِنَ الْأَوْرَعِ وَالْأَدَيْنِ وَالْأَعْلَمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُفْتِيَيْنِ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ، وَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ فَيَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْمُفْتِيَيْنِ، إِمَّا بِأَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنَ الْفِقْهِ مَسَائِلَ، وَيَتَعَرَّفَ أَجْوِبَتَهَا وَيَسْأَلَ عَنْهَا، فَمَنْ أَجَابَهُ أَوْ كَانَ أَكْثَرَ إِصَابَةٍ اتَّبَعَهُ أَوْ بِأَنْ يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ، وَلِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ، وَالظَّنُّ فِي تَقْلِيدِ الْأَعْلَمِ وَالْأَدْيَنِ أَقْوَى، فَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى التَّخْيِيرِ وَالسُّؤَالِ لِمَنْ شَاءَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَسَوَاءٌ تَسَاوَوْا أَوْ تَفَاضَلُوا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ فِيهِمُ الْفَاضِلُ وَالْمَفْضُولُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا أَعْرَفَ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» " (١) ، وَقَالَ ﵇: " «أَقَضَاكُمْ عَلِيٌّ، وَأَفْرَضَكُمْ زَيْدٌ، وَأَعْرَفَكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» " (٢) وَكَانَ فِيهِمُ الْعَوَامُّ، وَمَنْ فَرْضُهُ الِاتِّبَاعُ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَالْأَخْذُ بِقَوْلِهِمْ

стр. 1157

لَا غَيْرَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ تَكْلِيفُ الْعَوَامِّ الِاجْتِهَادَ فِي أَعْيَانِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا نَكَرَ أَحَدٌ مِنْهُمُ اتِّبَاعَ الْمَفْضُولِ وَالِاسْتِفْتَاءَ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ لَمَا جَازَ مِنَ الصَّحَابَةِ التَّطَابُقُ عَلَى عَدَمِ إِنْكَارِهِ وَالْمَنْعِ مِنْهُ، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵇: ( «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ) (١) ، وَلَوْلَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ الْقَوْلُ بِمَذْهَبِ الْخُصُومِ أَوْلَى. [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ اتَّبَعَ الْعَامِّيُّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي حُكْمِ وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ هل يرجع إلى غيره] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ إِذَا اتَّبَعَ الْعَامِّيُّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ مِنَ الْحَوَادِثِ وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ فِيهَا: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ (٢) ، وَهَلْ لَهُ ذَلِكَ فِي حُكْمٍ آخَرَ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ، وَهُوَ الْحَقُّ نَظَرًا إِلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِنْ تَسْوِيغِ اسْتِفْتَاءِ الْعَامِّيِّ لِكُلِّ عَالِمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الْحَجْرُ عَلَى الْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لَمَا جَازَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِهْمَالُهُ وَالسُّكُوتُ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ لَهَا حُكْمٌ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْأَوَّلُ لِلِاتِّبَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إِلَّا بَعْدَ سُؤَالِهِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى. وَأَمَّا إِذَا عَيَّنَ الْعَامِّيُّ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ: أَنَا عَلَى مَذْهَبِهِ وَمُلْتَزِمٌ لَهُ، فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْأَخْذِ بِقَوْلِ غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْتِزَامَهُ لِمَذْهَبٍ غَيْرِ مُلْزَمٍ لَهُ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ؛ لِأَنَّهُ بِالْتِزَامِهِ الْمَذْهَبَ صَارَ لَازِمًا لَهُ كَمَا لَوِ الْتَزَمَ مَذْهَبَهُ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَذْهَبِ الْأَوَّلِ اتَّصَلَ عَمَلُهُ بِهَا، فَلَيْسَ لَهُ تَقْلِيدُ الْغَيْرِ فِيهَا، وَمَا لَمْ يَتَّصِلْ عَمَلُهُ بِهَا فَلَا مَانِعَ مِنِ اتِّبَاعِ غَيْرِهِ فِيهَا.

стр. 1158

[الْقَاعِدَةُ الرابعة الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ فِي التَّرْجِيحَاتِ] [مُقَدِّمَةُ فِي بَيَانِ مَعْنَى التَّرْجِيحِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ وَمَا فِيهِ التَّرْجِيحُ] الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ فِي التَّرْجِيحَاتِ وَتَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَبَابَيْنِ: أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ: فَفِي بَيَانِ مَعْنَى التَّرْجِيحِ، وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ، وَمَا فِيهِ التَّرْجِيحُ. أَمَّا التَّرْجِيحُ: فَعِبَارَةٌ عَنِ اقْتِرَانِ أَحَدِ الصَّالِحَيْنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَعَ تَعَارُضِهِمَا بِمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ وَإِهْمَالَ الْآخَرِ. فَقَوْلُنَا: (اقْتِرَانُ أَحَدِ الصَّالِحَيْنِ) احْتِرَازٌ عَمَّا لَيْسَا بِصَالِحَيْنِ لِلدَّلَالَةِ، أَوْ أَحَدُهُمَا صَالِحٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِصَالِحٍ، فَإِنَّ التَّرْجِيحَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ تَحَقُّقِ التَّعَارُضِ وَلَا تَعَارُضَ مَعَ عَدَمِ الصَّلَاحِيَةِ لِلْأَمْرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَقَوْلُنَا: (مَعَ تَعَارُضِهِمَا) احْتِرَازٌ عَنِ الصَّالِحَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ التَّرْجِيحَ إِنَّمَا يُطْلَبُ عِنْدَ التَّعَارُضِ لَا مَعَ عَدَمِهِ، وَهُوَ عَامٌّ لِلْمُتَعَارِضَيْنِ مَعَ التَّوَافُقِ فِي الِاقْتِضَاءِ كَالْعِلَلِ الْمُتَعَارِضَةِ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ كَمَا يَأْتِي، وَلِلْمُتَعَارِضَيْنِ مَعَ التَّنَافِي فِي الِاقْتِضَاءِ كَالْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ فِي الصُّوَرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. وَقَوْلُنَا: (بِمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ بِأَحَدِهِمَا وَإِهْمَالَ الْآخَرِ) احْتِرَازٌ عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عَنِ الْآخَرِ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ أَوِ الْعَرَضِيَّةَ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّقْوِيَةِ وَالتَّرْجِيحِ. وَأَمَّا أَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ وَاجِبٌ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ وَعُلِمَ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فِي الْوَقَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الرَّاجِحِ مِنَ الظَّنَّيْنِ، وَذَلِكَ كَتَقْدِيمِهِمْ خَبَرَ عَائِشَةَ ﵂ فِي «الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ» (١) عَلَى خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 1159

فِي قَوْلِهِ: " «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» " (١) وَمَا رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ كَانَ «يُصْبِحُ جُنُبًا وَهُوَ صَائِمٌ» (٢) عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» " (٣) ؛ لِكَوْنِهَا أَعْرَفَ بِحَالِ النَّبِيِّ ﵇، وَكَانُوا لَا يَعْدِلُونَ إِلَى الْآرَاءِ وَالْأَقْيِسَةِ إِلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنِ النُّصُوصِ وَالْيَأْسِ مِنْهَا، وَمَنْ فَتَّشَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَنَظَرَ فِي وَقَائِعِ اجْتِهَادَاتِهِمْ عَلِمَ عِلْمًا لَا يَشُوبُهُ رَيْبٌ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوجِبُونَ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ مِنَ الظَّنَّيْنِ دُونَ أَضْعَفِهِمَا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﵇ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا عَلَى تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ (٤) ، وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ رَاجِحًا، فَالْعُقَلَاءُ يُوجِبُونَ بِعُقُولِهِمُ الْعَمَلَ بَالرَّاجِحِ. وَالْأَصْلُ تَنْزِيلُ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْزِلَةَ التَّصَرُّفَاتِ الْعُرْفِيَّةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» ". (٥) فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَمْرٌ بِالِاعْتِبَارِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.

стр. 1160

وَأَيْضًا قَوْلُهُ ﵇: " «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» ". (١) وَالدَّلِيلُ الْمَرْجُوحُ ظَاهِرٌ فَجَازَ الْعَمَلُ بِهِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةَ الْمُتَعَارِضَةَ لَا تَزِيدُ عَلَى الْبَيِّنَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ، وَالتَّرْجِيحُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْبَيِّنَاتِ، حَتَّى أَنَّهُ لَا تُقَدَّمُ شَهَادَةُ الْأَرْبَعَةِ عَلَى شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ. قُلْنَا: أَمَّا الْآيَةُ فَغَايَتُهَا بِالنَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ، فَإِنَّ إِيجَابَ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا يُنَافِي إِيجَابَ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْخَبَرُ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ مَا تَرَجَّحَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ وَمَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ، فَالْمَرْجُوحُ الْمُخَالِفُ لَهُ لَا يَكُونُ رَاجِحًا مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَتِهِ لِلرَّاجِحِ، فَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِيهِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ التَّرْجِيحِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ، بَلْ عِنْدَنَا يُقَدَّمُ قَوْلُ الْأَرْبَعَةِ عَلَى قَوْلِ الِاثْنَيْنِ عَلَى رَأْيٍ لَنَا. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالتَّرْجِيحِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أُلِفَ مِنْهُمُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي بَابِ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ دُونَ بَابِ الشَّهَادَةِ. وَأَمَّا مَا فِيهِ التَّرْجِيحُ: فَهِيَ الطُّرُقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْمَطْلُوبَاتِ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى: قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ. أَمَّا الْقَطْعِيُّ: فَلَا تَرْجِيحَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِتَقْوِيَةِ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَالْمَعْلُومُ الْمَقْطُوعُ بِهِ غَيْرُ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَلَا يُطْلَبُ فِيهِ التَّرْجِيحُ، وَلِأَنَّ التَّرْجِيحَ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ مُتَعَارِضَيْنِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوِّرٍ فِي الْقَطْعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُعَارِضَهُ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ. الْأَوَّلُ: مُحَالٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِمَّا الْعَمَلُ بِهِمَا، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فِي الْإِثْبَاتِ، أَوِ امْتِنَاعُ الْعَمَلِ بِهِمَا، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فِي النَّفْيِ، أَوِ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَلَا أَوْلَوِيَّةَ مَعَ التَّسَاوِي. وَالثَّانِي: أَيْضًا مُحَالٌ لِامْتِنَاعِ تَرَجُّحِ الظَّنِّيِّ عَلَى الْقَاطِعِ، وَامْتِنَاعِ طَلَبِ التَّرْجِيحِ فِي الْقَاطِعِ. كَيْفَ وَأَنَّ الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ لَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَتِهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الطُّرُقِ الظَّنِّيَّةِ.

стр. 1161

وَالطُّرُقُ الظَّنِّيَّةُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى شَرْعِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِنَا بَيَانُ الْعَقْلِيَّةِ بَلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُوَصِّلَةً إِلَى الظَّنِّ بِأَمْرٍ مُفْرَدٍ وَهِيَ الْحُدُودُ، أَوِ الظَّنِّ بِأَمْرٍ مُرَكَّبٍ وَهِيَ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ، فَلْنَرْسُمْ فِي تَرْجِيحَاتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ بَابًا: [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَرْجِيحَاتِ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ] [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي التَّعَارُضِ الْوَاقِعِ بَيْنَ مَنْقُولَيْنِ وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا] [التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى السند] الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي تَرْجِيحَاتِ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ، وَالتَّعَارُضِ (١) : إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَنْقُولِينَ، أَوْ مَعْقُولَيْنِ، أَوْ مَنْقُولٍ وَمَعْقُولٍ. فَلْنَرْسُمْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ قِسْمًا: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي التَّعَارُضِ الْوَاقِعِ بَيْنَ مَنْقُولَيْنِ، وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا: مِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى السَّنَدِ، وَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى الْمَتْنِ، وَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى الْمَدْلُولِ، وَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى أَمْرٍ مِنْ خَارِجُ. فَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَى السَّنَدِ: مَا يَعُودُ إِلَى الرَّاوِي، وَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الرِّوَايَةِ، وَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى الْمَرْوِيِّ، وَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى الْمَرْوِيِّ عَنْهُ. فَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَى الرَّاوِي: فَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى نَفْسِهِ، وَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى تَزْكِيَتِهِ. فَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الرَّاوِي فَتَرْجِيحَاتٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ رُوَاةُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ رُوَاةِ الْآخَرِ، فَمَا رُوَاتُهُ أَكْثَرُ يَكُونُ مُرَجَّحًا، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ احْتِمَالَ وُقُوعِ الْغَلَطِ وَالْكَذِبِ عَلَى الْعَدَدِ الْأَكْثَرِ أَبْعَدُ مِنِ احْتِمَالِ وُقُوعِهِ فِي الْعَدَدِ الْأَقَلِّ، وَلِأَنَّ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ يُفِيدُ الظَّنَّ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظُّنُونَ الْمُجْتَمِعَةَ كُلَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ كَانَتْ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْقَطْعِ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحَدُّ الْوَاجِبُ بِالزِّنَا مِنْ أَكْبَرِ الْحُدُودِ وَآكَدِهَا جُعِلَتِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَعْمَلْ بِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ: " «أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟» " حَتَّى أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَلَمْ يَعْمَلْ أَبُو بَكْرٍ بِخَبَرِ الْمُغِيرَةِ

стр. 1162

«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطْعَمَ الْجَدَّةَ السُّدُسَ» حَتَّى اعْتَضَدَ بِخَبَرِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. وَلَمْ يَعْمَلْ عُمَرُ بِخَبَرِ أَبِي مُوسَى حَتَّى اعْتَضَدَ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، أَوْ أَنَّهُ أَشْهَرُ بِذَلِكَ فَرِوَايَتُهُ مُرَجَّحَةٌ؛ لِأَنَّ سُكُونَ النَّفْسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ، وَالظَّنَّ بِقَوْلِهِ أَقْوَى. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَعْلَمَ وَأَضْبَطَ مِنَ الْآخَرِ، أَوْ أَوَرَعَ وَأَتْقَى، فَرِوَايَتُهُ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ حَالَةَ رِوَايَتِهِ ذَاكِرًا لِلرِّوَايَةِ عَنْ شَيْخِهِ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ فِي ذَلِكَ عَلَى نُسْخَةِ سَمَاعِهِ أَوْ خَطِّ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْآخَرِ فَهُوَ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَبْعَدَ مِنَ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ قَدْ عَمِلَ بِمَا رَوَى، وَالْآخَرُ خَالَفَ مَا رَوَى، فَمَنْ لَمْ يُخَالِفْ رِوَايَتَهُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ عَنِ الْكَذِبِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ الْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَا مُرْسَلَيْنِ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِ أَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ كَابْنِ الْمُسَيَّبِ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَرِوَايَةُ الْأَوَّلِ تَكُونُ أَوْلَى. (١) السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مُبَاشِرًا لِمَا رَوَاهُ، وَالْآخَرُ غَيْرَ مُبَاشِرٍ، فَرِوَايَةُ الْمُبَاشِرِ تَكُونُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَعْرَفَ بِمَا رَوَى، وَذَلِكَ كَرِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ «نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ» (٢) فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ نَكَحَهَا وَهُوَ حَرَامٌ» (٣) ، لِأَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ هُوَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا وَالْقَابِلَ لِنِكَاحِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ هُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ، كَمَا رَوَتْ مَيْمُونَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: " «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ حَلَالَانِ» " فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِكَوْنِهَا

стр. 1163

أَعْرَفَ بِحَالِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِهَا لِشِدَّةِ اهْتِمَامِهَا، خِلَافًا لِلْجُرْجَانِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَقْرَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ حَالَ سَمَاعِهِ مِنَ الْآخَرِ، فَرِوَايَتُهُ تَكُونُ أَوْلَى، وَذَلِكَ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: إِفْرَادُ النَّبِيِّ ﵇، فَإِنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ قَرَنَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ تَحْتَ نَاقَتِهِ حِينَ لَبَّى النَّبِيُّ ﵇، وَأَنَّهُ سَمِعَ إِحْرَامَهُ بِالْإِفْرَادِ. (١) الْعَاشِرُ: إِذَا كَانَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَالْآخَرُ مِنْ صِغَارِهِمْ فَرِوَايَةُ الْأَكْبَرِ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ حَالَةَ السَّمَاعِ لِقَوْلِهِ ﵇: ( «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» ) وَلِأَنَّ مُحَافَظَتَهُ عَلَى مَنْصِبِهِ مِمَّا يُوجِبُ التَّحَرُّزَ عَنِ الْكَذِبِ أَكْثَرُ مِنَ الصَّغِيرِ. الْحَادِي عَشَرَ: إِذَا كَانَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ مُتَقَدِّمَ الْإِسْلَامِ عَلَى الرَّاوِي الْآخَرِ فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى؛ إِذْ هِيَ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ لِزِيَادَةِ أَصَالَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَحَرُّزِهِ فِيهِ. (٢) الثَّانِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ فَقِيهًا وَالْآخَرُ غَيْرَ فَقِيهٍ، أَوْ هُوَ أَفْقَهُ وَأَعْلَمُ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَخَبَرُهُ يَكُونُ مُرَجَّحًا لِكَوْنِهِ أَعْرَفَ بِمَا يَرْوِيهِ لِتَمْيِيزِهِ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَفْطَنَ وَأَذْكَى وَأَكْثَرَ تَيَقُّظًا مِنَ الْآخَرِ، فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى لِكَثْرَةِ ضَبْطِهِ. الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ رِوَايَتُهُ عَنْ حِفْظٍ وَالْآخَرُ عَنْ كِتَابٍ، فَالرَّاوِي عَنِ الْحِفْظِ أَوْلَى لِكَثْرَةِ ضَبْطِهِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: إِنْ كَانَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ مَشْهُورَ النَّسَبِ بِخِلَافِ الْآخَرِ فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ احْتِرَازَهُ عَمَّا يُوجِبُ نَقْصَ مَنْزِلَتِهِ الْمَشْهُورَةِ يَكُونُ أَكْثَرَ. السَّادِسَ عَشَرَ: إِذَا كَانَ فِي رُوَاةِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مَنْ يَلْتَبِسُ اسْمُهُ بَاسِمِ بَعْضِ الضُّعَفَاءِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالَّذِي لَا يَلْتَبِسُ اسْمُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ.

стр. 1164

السَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ قَدْ تَحَمَّلَ الرِّوَايَةَ فِي زَمَنِ الصِّبَى، وَالْآخَرُ فِي زَمَنِ بُلُوغِهِ، فَرِوَايَةُ الْبَالِغِ أَوْلَى لِكَثْرَةِ ضَبْطِهِ. وَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَى التَّزْكِيَةِ فَتَرْجِيحَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُزَكِّي لِأَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُزَكَّى لَهُ أَعْدَلَ وَأَوْثَقَ، فَرِوَايَتُهُ مُرَجَّحَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ أَحَدِهِمَا بِصَرِيحِ الْمَقَالِ، وَالْآخَرُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ أَوْ بِالْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ أَوِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، فَرِوَايَةُ مَنْ تَزْكِيَتُهُ بِصَرِيحِ الْمَقَالِ مُرَجَّحَةٌ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ تَكُونُ عَمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِمَا يُوَافِقُ الرِّوَايَةَ، وَالشَّهَادَةُ قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِهَا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لَهَا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِهِمَا، وَلَا كَذَلِكَ التَّزْكِيَةُ بِصَرِيحِ الْمَقَالِ. الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ أَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ بِالْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، وَالْآخَرُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَرِوَايَةُ الْمَعْمُولِ بِشَهَادَتِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الشَّهَادَةِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى أَحْكَامِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الرِّوَايَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا، وَلِهَذَا قُبِلَتْ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ وَالْمَرْأَةِ دُونَ شَهَادَتِهِمَا، وَقُبِلَتْ رِوَايَةُ الْفُرُوعِ مَعَ إِنْكَارِ الْأَصْلِ لَهَا عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ، وَمِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْأَصْلِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ أَحَدِهِمَا بِالْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ، وَالْآخَرُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْعَدْلِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِرِوَايَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مَا يَرْوِي الْعَدْلُ عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ لَجَرَحَهُ أَوْ تَوَقَّفَ فِي حَالِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَاحْتِمَالُ الْعَمَلِ بِرِوَايَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ أَقَلُّ مِنِ احْتِمَالِ الرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَاحْتِمَالُ الْعَمَلِ بِدَلِيلِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا، إِلَّا أَنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الْبَحْثِ التَّامِّ مَعَ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الرِّوَايَةِ فَتَرْجِيحَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ مُتَوَاتِرًا وَالْآخَرُ آحَادًا، فَالْمُتَوَاتِرُ لِتَيَقُّنِهِ أَرْجَحُ مِنَ الْآحَادِ لِكَوْنِهِ مَظْنُونًا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ مُسْنَدًا وَالْآخَرُ مُرْسَلًا، فَالْمُسْنَدُ أَوْلَى لِتَحَقُّقِ

стр. 1165

الْمَعْرِفَةِ بِرَاوِيهِ، وَالْجَهَالَةِ بِرَاوِي الْآخَرِ، وَلِهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ إِذَا عُرِفَ شَاهِدُ الْأَصْلِ، وَلَا تُقْبَلُ إِذَا شَهِدَ مُرْسَلًا. فَإِنْ قِيلَ: الرَّاوِي إِذَا كَانَ عَدْلًا ثِقَةً وَأَرْسَلَ الْخَبَرَ، فَالْغَالِبُ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَّا مَعَ الْجَزْمِ بِتَعْدِيلِ مَنْ رَوَى عَنْهُ، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ بَعِيدٌ فِي حَقِّهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَكَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ جَازِمٍ بِتَعْدِيلِهِ فَكَانَ الْمُرْسَلُ أَوْلَى. (١) قُلْنَا: التَّلْبِيسُ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِرِوَايَتِهِ عَمَّنْ لَمْ يَذْكُرْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِي نَفْسُ الْأَمْرِ عَدْلًا أَنْ لَوْ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ فِي قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِي قَوْلِهِ أَنْ لَوْ ظَهَرَتْ عَدَالَةُ الْأَصْلِ، وَهُوَ دَوْرٌ كَيْفَ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ تَعْدِيلًا مِنْهُ لِكَوْنِهِ تَعْدِيلًا مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ مَقْبُولًا فَإِنَّمَا يُقْبَلُ إِذَا كَانَ مُضَافًا إِلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يُعْرَفْ بِفِسْقٍ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ عَيَّنَهُ لَاطَّلَعْنَا مِنْ حَالِهِ عَلَى فِسْقٍ قَدْ جَهِلَهُ الرَّاوِي، ثُمَّ وَلَوْ كَانَ تَعْدِيلًا مَقْبُولًا إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَذْكُورًا مَشْهُورَ الْحَالِ، وَقَدْ عَدَلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ التَّعْدِيلِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ كَانَ قَبُولُ قَوْلِهِ أَوْلَى وَأَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ، وَعَدَمُ جَزْمِ الرَّاوِي بِعَدَالَةِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ إِذَا كَانَ مُصَرَّحًا بِهِ، وَجَزْمِهِ بِعَدَالَةِ مَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ تَعْدِيلُ الْمَذْكُورِ بِتَعْدِيلِ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلتَّرْجِيحِ، بَلْ مَنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ بِطَرِيقٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ يَكُونُ أَوْلَى مِمَّنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ بِطَرِيقٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ مِنْ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ وَالْآخَرُ مِنْ مَرَاسِيلِ تَابِعِي التَّابِعِينَ، فَمَا هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ التَّابِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَنْ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ، وَعَدَالَةُ الصَّحَابَةِ بِمَا ثَبَتَ مِنْ ثَنَاءِ النَّبِيِّ ﵇ وَتَزْكِيَتِهِ لَهُمْ فِي ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ مِنَ الْعَدَالَةِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ» " (٢) ، وَقَالَ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ

стр. 1166

بِأَيِّهُمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» " (١) وَلَمْ يُرْوَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُعَنْعَنًا، وَطَرِيقُ ثُبُوتِ الْآخَرِ الشُّهْرَةُ مَعَ عَدَمِ النَّكِيرِ، أَوِ الْإِسْنَادُ إِلَى كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ، فَالْمُعَنْعَنُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ فَلِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي عَدَمِ النَّكِيرِ وَزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ بِرِوَايَةِ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ أَسْلَمُ مِنَ الْغَلَطِ وَالتَّلْبِيسِ، وَأَبْعَدُ عَنِ التَّبْدِيلِ وَالتَّصْحِيفِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بِطَرِيقِ الشُّهْرَةِ وَالْآخَرُ بِالْإِسْنَادِ إِلَى كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ، فَالْمُسْنَدُ إِلَى كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ احْتِمَالَ تَطَرُّقِ الْكَذِبِ إِلَى مَا دَخَلَ فِي صَنْعَةِ الْمُحَدِّثِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كُتُبِهِمُ الْمَشْهُورَةِ بِهِمْ وَالْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِمْ أَبْعَدُ مِنِ احْتِمَالِ تَطَرُّقِهِ إِلَى مَا اشْتُهِرَ. وَهُوَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَيْهِمْ، وَلِهَذَا فَإِنَّ كَثِيرًا مَا اشْتُهِرَ مَعَ كَذِبِهِ وَرَدِّ الْمُحَدِّثِينَ لَهُ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُسْنَدًا إِلَى كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِصِحَّتِهِ، كَمُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ، وَالْآخَرُ مُسْنَدًا إِلَى كِتَابٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ بِالصِّحَّةِ وَلَا بِالسَّقَمِ، كَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَنَحْوِهَا، فَالْمُسْنَدُ إِلَى الْكِتَابِ الْمَشْهُورِ بِالصِّحَّةِ أَوْلَى. السَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِهِمَا بِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ عَلَيْهِ، وَالْآخَرِ بِقِرَاءَتِهِ هُوَ عَلَى الشَّيْخِ أَوْ بِإِجَازَتِهِ أَوْ مُنَاوَلَتِهِ لَهُ أَوْ بِخَطٍّ رَآهُ فِي كِتَابٍ، فَمَا الرِّوَايَةُ فِيهِ بِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ غَفْلَةِ الشَّيْخِ عَمَّا يَرْوِيهِ. الثَّامِنُ: أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِهِمَا بِالْمُنَاوِلَةِ وَالْآخَرِ بِالْإِجَازَةِ، فَالْمُنَاوَلَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ غَيْرُ كَافِيَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: " خُذْ هَذَا الْكِتَابَ وَحَدِّثْ بِهِ عَنِّي، فَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ فُلَانٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَتَكُونُ إِجَازَةً وَزِيَادَةً، وَالْإِجَازَةُ تَكُونُ رَاجِحَةً عَلَى رُؤْيَةِ الْخَطِّ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْخُطُوطَ مِمَّا تُشْتَبَهُ، وَلَا احْتِمَالَ فِي نِسْبَةِ لَفْظِهِ إِلَيْهِ بِالْإِجَازَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الشَّيْخُ: هَذَا خَطِّي، فَالْإِجَازَةُ تَكُونُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ لَفْظِ الشَّيْخِ عَلَى الرِّوَايَةِ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ خَطِّهِ عَلَيْهَا.

стр. 1167

وَإِذَا كَانَتِ الْإِجَازَةُ أَوْلَى مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ الْخَطِّ، وَالْمُنَاوَلَةُ أَوْلَى مِنَ الْإِجَازَةِ كَانَتِ الْمُنَاوَلَةُ أَوْلَى مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ الْخَطِّ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ أَعْلَى إِسْنَادًا مِنَ الْآخَرِ، فَيَكُونُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا قَلَّتِ الرُّوَاةُ كَانَ أَبْعَدُ عَنِ احْتِمَالِ الْغَلَطِ وَالْكَذِبِ. الْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ قَدِ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الرَّاوِي، وَالْآخَرُ مُتَّفَقٌ عَلَى رَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﵇، فَالْمُتَّفَقُ عَلَى رَفْعِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ. الْحَادِي عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ بِلَفْظِ النَّبِيِّ وَالْآخَرِ بِمَعْنَاهُ، فَرِوَايَةُ اللَّفْظِ أَوْلَى لِكَوْنِهَا أَضْبَطُ وَأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ بِقَوْلِ الرَّسُولِ. الثَّانِي عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، وَالْأُخْرَى مَعَ الْحِجَابِ، وَذَلِكَ كَرِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ (١) عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ؛ لِكَوْنِهَا عَمَّةً لَهُ: أَنَّ بَرِيرَةَ عُتِقَتْ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ أَسْوَدَ (٢) عَنْهَا أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ حُرًّا لِسَمَاعِهِ عَنْهَا مَعَ الْحِجَابِ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ شَارَكَتِ الرِّوَايَةَ مَعَ الْحِجَابِ فِي السَّمَاعِ، وَزَادَتْ تَيَقُّنَ عَيْنِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ. الثَّالِثَ عَشَرَ: إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَدِ اخْتَلَفَتْ دُونَ الْأُخْرَى، فَالَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَوْلَى لِبُعْدِهَا عَنِ الِاضْطِرَابِ. وَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَى الْمَرْوِيِّ فَتَرْجِيحَاتٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عَنْ سَمَاعٍ مِنَ النَّبِيِّ ﵇، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ كِتَابٍ، فَرِوَايَةُ السَّمَاعِ أَوْلَى لِبُعْدِهَا عَنْ تَطَرُّقِ التَّصْحِيفِ وَالْغَلَطِ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ سَمَاعٍ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ وَالْأُخْرَى عَمَّا جَرَى فِي مَجْلِسِهِ أَوْ زَمَانِهِ وَسَكَتَ عَنْهُ، فَرِوَايَةُ السَّمَاعِ أَوْلَى لِكَوْنِهَا أَبْعَدَ عَنْ غَفْلَةِ النَّبِيِّ ﵇ وَذُهُولِهِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ عَمَّا جَرَى فِي مَجْلِسِهِ وَسَكَتَ عَنْهُ، (فَرِوَايَةُ السَّمَاعِ) أَوْلَى مِمَّا جَرَى فِي زَمَانِهِ خَارِجًا عَنْ مَجْلِسِهِ.

стр. 1168

الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَمَّا خَطَرُهُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ أَعْظَمُ مِنْ خَطَرِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَمَا خَطَرُهُ أَعْظَمُ يَكُونُ أَرْجَحَ لِكَوْنِ السُّكُوتِ عَنْهُ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ فِي تَقْرِيرِهِ. الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ صِيغَةِ النَّبِيِّ ﵇ وَالْأُخْرَى عَنْ فِعْلِهِ، فَرِوَايَةُ الصِّيغَةِ تَكُونُ رَاجِحَةً لِقُوَّةِ دَلَالَتِهَا وَضَعْفِ الْفِعْلِ، وَلِهَذَا أَنَّ مَنْ خَالَفَ فِي دَلَالَةِ الْفِعْلِ وَجَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ لَمْ يُخَالِفْ فِي الصِّيَغِ؛ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ ﵇ إِلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ أَقْرَبُ مِنِ اخْتِصَاصِهِ بِمَدْلُولِ الصِّيغَةِ، وَلِأَنَّ تَطَرُّقَ الْغَفْلَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ فِي فِعْلِهِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي كَلَامِهِ، وَلِهَذَا قَلَّمَا يَتَكَلَّمُ الْإِنْسَانُ غَافِلًا بِخِلَافِ الْفِعْلِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا خَبَرَ وَاحِدٍ وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ عَنِ الْكَذِبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَفَرُّدَ الْوَاحِدِ بِنَقْلِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ قَرِيبٌ مِنَ الْكَذِبِ، وَذَلِكَ كَمَنْ تَفَرَّدَ بِنَقْلِ قَتْلِ الْمَلِكِ فِي وَسَطِ السُّوقِ بِمَشْهَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلِهَذَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَمُتَّفَقًا عَلَى مُقَابِلِهِ. وَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَى الْمَرْوِيِّ عَنْهُ فَتَرْجِيحَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ قَدْ رَوَى عَمَّنْ أَنْكَرَ رِوَايَتَهُ عَنْهُ كَمَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ (١) بِخِلَافِ الرَّاوِي الْآخَرِ، فَمَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ إِنْكَارُ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ يَكُونُ أَرْجَحَ لِكَوْنِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ قَدْ أَنْكَرَ رِوَايَةَ الْفَرْعِ عَنْهُ إِنْكَارَ نِسْيَانٍ وَوُقُوفٍ، وَالْآخَرِ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ وَجُحُودٍ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالثَّانِي. [التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى الْمَتْنِ] وَأَمَّا التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى الْمَتْنِ:

стр. 1169

الْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَمْرًا وَالْآخَرُ نَهْيًا، فَالنَّهْيُ مِنْ حَيْثُ هُوَ نَهْيٌ مُرَجَّحٌ عَلَى الْأَمْرِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الطَّلَبَ فِيهِ التَّرْكُ أَشَدُّ، وَلِهَذَا لَوْ قُدِّرَ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطْلَقًا فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ قَالَ بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً نَازَعَ فِي النَّهْيِ. الثَّانِي: أَنَّ مَحَامِلَ النَّهْيِ وَهِيَ تَرَدُّدُهُ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ لَا غَيْرَ أَقَلُّ مِنْ مَحَامِلِ الْأَمْرِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ النَّهْيِ طَلَبُ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ، وَمِنَ الْأَمْرِ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ وَاهْتِمَامِ الْعُقَلَاءِ بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرُ مِنِ اهْتِمَامِهِمْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ. التَّرْجِيحُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا آمِرًا وَالْآخَرُ مُبِيحًا، فَالْآمِرُ وَإِنْ تَرَجَّحَ عَلَى الْمُبِيحِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ إِنْ عُمِلَ بِهِ لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا لِلْمُبِيحِ، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ لِاسْتِوَاءِ طَرَفَيِ الْمُبَاحِ وَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْمَأْمُورِ بِهِ، إِلَّا أَنَّ الْمُبِيحَ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْآمِرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَدْلُولَ الْمُبِيحِ مُتَّحِدٌ وَمَدْلُولَ الْآمِرِ مُتَعَدِّدٌ، كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ، فَكَانَ أَوْلَى. الثَّانِي: أَنَّ غَايَةَ مَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْمُبِيحِ تَأْوِيلُ الْآمِرِ بِصَرْفِهِ عَنْ مَحْمَلِهِ الظَّاهِرِ إِلَى الْمَحْمَلِ الْبَعِيدِ، وَالْعَمَلُ بِالْآمِرِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْطِيلُ الْمُبِيحِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالتَّأْوِيلُ أَوْلَى مِنَ التَّعْطِيلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُبِيحَ قَدْ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ: عَلَى تَقْدِيرِ مُسَاوَاتِهِ لِلْآمِرِ وَرُجْحَانِهِ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى التَّرْجِيحِ، وَمَا يَتِمُّ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ يَكُونُ أَوْلَى مِمَّا لَا يَتِمُّ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُبِيحِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَقْصُودًا لِلْمُكَلَّفِ لَا يَخْتَلُّ لِكَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ، وَالْعَمَلَ بِالْآمِرِ يُوجِبُ الْإِخْلَالَ بِمَقْصُودِ التَّرْكِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ التَّرْكِ مَقْصُودًا لَهُ. التَّرْجِيحُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَمْرًا وَالْآخَرُ خَبَرًا، فَالْخَبَرُ يَكُونُ رَاجِحًا لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَدْلُولَ الْخَبَرِ مُتَّحِدٌ بِخِلَافِ الْأَمْرِ عَلَى مَا سَبَقَ فَكَانَ أَوْلَى لِبُعْدِهِ عَنِ الِاضْطِرَابِ. الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ نَسْخُهُ عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ.

стр. 1170

الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَمَلَ يَلْزَمُهُ مَحْذُورُ الْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ، وَهُوَ فَوْقَ الْمَحْذُورِ اللَّازِمِ مِنْ فَوَاتِ مَقْصُودِ الْأَمْرِ، فَكَانَ الْخَبَرُ أَوْلَى. التَّرْجِيحُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاهِيًا وَالْآخَرُ مُبِيحًا، فَالْمُبِيحُ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْآمِرِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَهْيًا، وَالْآخَرُ خَبَرًا، فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّهْيِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأَمْرِ أَيْضًا. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُبِيحًا وَالْآخَرُ خَبَرًا، فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ لِمَا سَبَقَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فِي الْأَمْرِ إِذَا عَارَضَ الْخَبَرَ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُشْتَرِكًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُشْتَرِكٍ، بَلْ مُتَّحِدِ الْمَدْلُولِ، فَمَا اتَّحَدَ مَدْلُولُهُ أَوْلَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْخَلَلِ. الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُ أَحَدِهِمَا حَقِيقِيًّا وَالْآخَرِ مَجَازِيًّا، فَالْحَقِيقِيُّ أَوْلَى لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إِلَى الْقَرِينَةِ الْمُخِلَّةِ بِالتَّفَاهُمِ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَا مُشْتَرِكَيْنِ، إِلَّا أَنَّ مَدْلُولَاتِ أَحَدِهِمَا أَقَلُّ مِنْ مَدْلُولَاتِ الْآخَرِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقِلَّةِ اضْطِرَابِهِ وَقُرْبِ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ. الْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَا مَجَازَيْنِ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا مَنْقُولٌ مَشْهُورٌ فِي مَحَلِّ التَّجَوُّزِ كَلَفْظِ الْغَائِطِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالْمَنْقُولُ أَوْلَى لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إِلَى الْقَرِينَةِ. الْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ الْمُصَحَّحُ لِلتَّجَوُّزِ فِي أَحَدِهِمَا أَظْهَرَ وَأَشْهَرَ مِنَ الْآخَرِ، فَهُوَ أَوْلَى. الثَّانِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ لَفْظُ أَحَدِهِمَا مُشْتَرِكًا وَالْآخَرِ مَجَازًا غَيْرَ مَنْقُولٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ التَّرْجِيحِ فِي اللُّغَاتِ بِطَرِيقٍ فِي الْأَمْرِ (١) بِطَرِيقِ الِاسْتِقْصَاءِ فَعَلَيْكَ بِاعْتِبَارِهِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَا حَقِيقَيْنِ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ، فَالْأَظْهَرُ مُرَجَّحٌ. الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الْحَقِيقَتَيْنِ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا وَالْأُخْرَى مُخْتَلَفًا فِيهَا، فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ.

стр. 1171

الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ إِلَى إِضْمَارٍ وَلَا حَذْفٍ بِخِلَافِ الْأُخْرَى، فَالَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ أَوْلَى لِقِلَّةِ اضْطِرَابِهِ. السَّادِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى مَدْلُولِهِ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ وَالْآخَرُ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الشَّرْعِ، فَهَا هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ الْعَمَلَ بِاللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ يَكُونُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ لِسَانِ الشَّارِعِ مَعَ كَوْنِهِ مُقَرِّرًا لِوَضْعِ اللُّغَةِ، وَمَا هُوَ عُرْفُهُ وَمُصْطَلَحُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ لِسَانِهِ إِلَّا أَنَّهُ مُغَيِّرٌ لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا هُوَ مِنْ لِسَانِ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِمَا هُوَ مِنْ لِسَانِهِ مَعَ التَّغْيِيرِ، وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الْخِلَافِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا أَطْلَقَ لَفْظًا وَاحِدًا وَكَانَ لَهُ مَدْلُولٌ لُغَوِيٌّ، وَقَدِ اسْتَعَارَهُ الشَّارِعُ فِي مَعْنًى آخَرَ وَصَارَ عُرْفًا لَهُ، فَإِنَّهُ مَهْمَا أَطْلَقَ الشَّارِعُ ذَلِكَ اللَّفْظَ فَيَجِبُ تَنْزِيلُهُ عَلَى عُرْفِهِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الشَّارِعِ أَنَّهُ إِذَا أَطْلَقَ لَفْظًا وَلَهُ مَوْضُوعٌ فِي عُرْفِهِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ. السَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَجَازَيْنِ، وَالْآخَرِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ غَيْرُ مُجَازٍ وَاحِدٍ، فَالَّذِي فِيهِ مَجَازٌ وَاحِدٌ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الِاضْطِرَابِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْأَصْلِ. الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا دَالًّا عَلَى مَطْلُوبِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَالْآخَرُ لَا يَدُلُّ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالَّذِي كَثُرَتْ جِهَةُ دَلَالَتِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ. التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا مُؤَكَّدَةً دُونَ الْأُخْرَى فَالْمُؤَكَّدَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى دَلَالَةً وَأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇: " «فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» ". (١)

стр. 1172

الْعِشْرُونَ: أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى مَدْلُولِهِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ، وَالْآخَرِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ، فَدَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَضْبَطُ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَا دَالَّيْنِ بِجِهَةِ الِاقْتِضَاءِ إِلَّا أَنَّ الْعَمَلَ بِأَحَدِهِمَا فِي مَدْلُولِهِ ضَرُورَةُ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ لِضَرُورَةِ وُقُوعِ الْمَلْفُوظِ بِهِ عَقْلًا، وَالْآخَرِ لِضَرُورَةِ وُقُوعِ الْمَلْفُوظِ بِهِ شَرْعًا، كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ (١) ، فَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِدْقُ الْمُتَكَلِّمِ فَوُقُوعُ الْمَلْفُوظِ بِهِ عَقْلًا أَوْلَى؛ نَظَرًا إِلَى بُعْدِ الْخُلْفِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، وَامْتِنَاعِ مُخَالَفَةِ الْمَعْقُولِ وَقُرْبِ الْمُخَالَفَةِ فِي الْمَشْرُوعِ. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَا دَالَّيْنِ بِجِهَةِ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ لَمْ يُقَدِّرْ كَوْنَ الْمَذْكُورِ فِيهِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مَعَهُ كَانَ ذِكْرُهُ عَبَثًا وَحَشْوًا، وَالْآخَرَ مِنْ قَبِيلِ مَا رُتِّبَ فِيهِ الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، فَالَّذِي لَوْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ التَّعْلِيلَ كَانَ ذِكْرُهُ عَبَثًا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ؛ نَظَرًا إِلَى مَحْذُورِ الْعَبَثِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، وَإِلْغَاؤُهُ أَتَمُّ مِنْ مَحْذُورِ الْمُخَالَفَةِ لِدَلَالَةِ حَرْفِ الْفَاءِ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَإِمْكَانِ تَأْوِيلِهَا بِغَيْرِ السَّبَبِيَّةِ بَلْ وَهُوَ أَوْلَى (٢) مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ زِيَادَةِ الْمَحْذُورِ، وَمَا دَلَّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ لِظُهُورِهَا، مُقَدَّمٌ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنْ بَاقِي أَقْسَامِ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَا دَالَّيْنِ بِجِهَةِ الْمَفْهُومِ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَالْآخَرَ مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، فَقَدْ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِي مُقَابِلِهِ، وَقَدْ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فَائِدَةَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ التَّأْسِيسُ، وَفَائِدَةَ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ التَّأْكِيدُ، وَالتَّأْسِيسُ أَصْلٌ وَالتَّأْكِيدُ فَرْعٌ، فَكَانَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ أَوْلَى. الثَّانِي: أَنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَقْدِيرِ فَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَبَيَانِ وُجُودِهِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، وَأَنَّ اقْتِضَاءَهُ لِلْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ أَشَدُّ.

стр. 1173

وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ: فَإِنَّهُ يَتِمُّ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ فَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَحَقِّقٍ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُعَارِضٌ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرَاتٍ أَرْبَعَةٍ أَوْلَى مِمَّا لَا يَتِمُّ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ، وَدَلَالَةُ الْآخَرِ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الْإِشَارَةِ، فَدَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ أَوْلَى لِتَرَجُّحِهَا بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ لَهَا بِخِلَافِ دَلَالَةِ الْإِشَارَةِ. الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ وَالْآخَرِ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ، فَدَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ أَوْلَى لِتَوَقُّفِ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ مَدْلُولِ مَنْطُوقِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ دَلَالَةِ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ. السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ وَالْآخَرِ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، فَدَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ أَوْلَى لِوُقُوعِ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا وَوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي مُقَابِلِهَا، وَلِأَنَّ مَا يَعْتَرِضُ دَلَالَةَ الِاقْتِضَاءِ مِنَ الْمُبْطِلَاتِ أَقَلُّ مِمَّا يَعْتَرِضُ الْمَفْهُومَ، وَبِهَذَا كَانَ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ مُقَدَّمًا عَلَى دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ. السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ قَبِيلِ الْمَنْطُوقِ وَالْآخَرِ مِنْ دَلَالَةِ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ، فَالْمَنْطُوقُ أَوْلَى لِظُهُورِ دَلَالَتِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الِالْتِبَاسِ بِخِلَافِ مُقَابِلِهِ. الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا، فَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ وَأَخَصُّ بِالْمَطْلُوبِ. الثَّانِي: أَنَّ الْعَمَلَ بِالْعَامِّ يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ دَلَالَةِ الْخَاصِّ وَتَعْطِيلُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ تَعْطِيلُ الْعَامِّ بَلْ تَأْوِيلُهُ وَتَخْصِيصُهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحْذُورَ التَّعْطِيلِ فَوْقَ مَحْذُورِ التَّأْوِيلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ ضَعْفَ الْعُمُومِ بِسَبَبِ تَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ إِلَيْهِ، وَضَعْفَ الْخُصُوصِ بِسَبَبِ تَأْوِيلِهِ وَصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَجَازِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَطَرُّقَ التَّخْصِيصِ إِلَى

стр. 1174

الْعُمُومَاتِ أَكْثَرُ مِنْ تَطَرُّقِ التَّأْوِيلِ إِلَى الْخَاصِّ، وَلِهَذَا كَانَتْ أَكْثَرُ الْعُمُومَاتِ مُخَصَّصَةً وَأَكْثَرُ الظَّوَاهِرِ الْخَاصَّةِ مُقَرَّرَةً، وَبِهَذَا يَكُونُ الْمُطْلَقُ الدَّالُّ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ مُرَجَّحًا عَلَى الْعَامِّ. التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَامًّا مُخَصَّصًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُخَصَّصٍ، فَالَّذِي لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ أَوْلَى لِعَدَمِ تَطَرُّقِ الضَّعْفِ إِلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا فَمَا كَانَ عَامًّا مِنْ وَجْهٍ وَخَاصًّا مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ مُرَجَّحًا عَلَى مَا هُوَ عَامٌّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَذَلِكَ الْمُطْلَقُ مِنْ وَجْهٍ وَالْمُقَيَّدُ مِنْ وَجْهٍ مُرَجَّحٌ عَلَى مَا هُوَ مُطْلَقٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَمَا هُوَ مَنْطُوقٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَكَذَلِكَ الْحَقِيقِيُّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ مَنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. الثَلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا مِنْ قَبِيلِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَالْآخَرَ مِنْ قَبِيلِ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ، فَقَدْ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ دَلَالَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِكَوْنِ الْحُكْمِ فِيهِ مُعَلَّلًا بِخِلَافِ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ، وَالْمُعَلَّلُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِ الْمُعَلَّلِ، وَقَدْ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ دَلَالَةِ نَفِيِ النَّكِرَةِ بِأَنَّ دَلَالَتَهُ أَقْوَى، وَلِهَذَا كَانَ خُرُوجُ الْوَاحِدِ مِنْهُ يُعَدُّ خُلْفًا فِي الْكَلَامِ، عِنْدَمَا إِذَا قَالَ: " لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ " وَكَانَ فِيهَا رَجُلٌ، بِخِلَافِ مُقَابِلِهِ، وَبِهَذَا تَكُونُ دَلَالَةُ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ أَقْسَامِ الْعُمُومِ. الْحَادِي وَالثَلَاثُونَ: أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَالْآخَرِ مِنْ قَبِيلِ أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ خَالَفَ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ وَافَقَ عَلَى صِيغَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ فِيهِ مُشِيرَةٌ إِلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ بِخِلَافِ مُقَابِلِهِ، وَبِهَذَا يَكُونُ أَوْلَى مِنْ بَاقِي أَقْسَامِ الْعُمُومِ. الثَّانِي وَالثَلَاثُونَ: أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ قَبِيلِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ وَالْآخَرِ جَمْعُ مُنْكَرٍ، فَالْمُعَرَّفُ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ وَافَقَ عَلَى عُمُومِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ خَالَفَ فِي الْمُنْكَرِ، فَكَانَ أَقْوَى لِقُرْبِهِ إِلَى الْوِفَاقِ، الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الْإِبْهَامُ بِخِلَافِ الْمُنْكِرِ فَكَانَ أَوْلَى، (١) ، وَرُبَّمَا رَجَّحَ الْمُنْكَرُ بِكَوْنِهِ دَالًّا عَلَى عَدَدٍ أَقَلَّ مِنَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ، فَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْخُصُوصِ فَكَانَ أَوْلَى.

стр. 1175

الثَّالِثُ وَالثَلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْمَ جَمْعٍ مُعَرَّفٍ وَالْآخَرُ اسْمَ جِنْسٍ دَخَلَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، فَاسْمُ الْجَمْعِ أَوْلَى، لَا مَكَانَ حَمَلُ اسْمِ الْجِنْسِ عَلَى الْوَاحِدِ الْمَعْهُودِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ، فَكَانَ أَقْوَى عُمُومًا، وَبِهَذَا يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى (مَنْ) وَ (مَا) . الرَّابِعُ وَالثَلَاثُونَ: إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ قَبِيلِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ وَالْآخَرِ مِنْ قَبِيلِ (مَنْ) وَ (مَا) ، فَـ (مَنْ) وَ (مَا) أَوْلَى لِعَدَمِ احْتِمَالِهِمَا لِلْعَهْدِ، وَاحْتِمَالِ مَا قَابَلَهُمَا لَهُ. الْخَامِسُ وَالثَلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الظَّاهِرِينَ مُضْطَرِبًا فِي لَفْظِهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَغَيْرُ الْمُطَّرِبِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ. السَّادِسُ وَالثَلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ وَعِلَّتِهِ، وَالْآخَرُ دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ عِلَّتِهِ، فَالدَّالُّ عَلَى الْعِلَّةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ. السَّابِعُ وَالثَلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوْلًا وَالْآخَرُ فِعْلًا، فَالْقَوْلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْبَيَانِ مِنَ الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَوْلًا وَفِعْلًا وَالْآخَرُ قَوْلًا فَقَطْ فَالْقَوْلُ وَالْفِعْلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي الْبَيَانِ. الثَّامِنُ وَالثَلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُشْتَمِلًا عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْآخَرَ لَهَا، كَرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ ﵇ «كَبَّرَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ سَبْعًا» (١) فَإِنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَرْبَعًا (٢) لِاشْتِمَالِهَا عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ خَفِيٍّ عَلَى الْآخَرِ.

стр. 1176

التَّاسِعُ وَالثَلَاثُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَنْقُولَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ إِجْمَاعًا وَالْآخَرُ نَصًّا (١) ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فَالْإِجْمَاعُ مُرَجَّحٌ؛ لِأَنَّ النُّسَخَ مَأْمُونٌ فِيهِ بِخِلَافِ النَّصِّ. الْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَا إِجْمَاعَيْنِ ظَاهِرَيْنِ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْعَصْرِ وَالْآخَرِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ سِوَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، فَالَّذِي دَخَلَ فِيهِ الْجَمِيعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ وَأَبْعَدُ عَنِ الْخِلَافِ فِيهِ. الْحَادِيُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ دَخَلَ فِيهِ مَعَ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ لَيْسُوا أُصُولِيِّينَ وَالْأُصُولِيِّينَ الَّذِينَ لَيْسُوا فُقَهَاءَ وَخَرَجَ عَنْهُ الْعَوَامُّ، وَالْآخَرُ بِالْعَكْسِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقُرْبِهِمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِحَاطَةِ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ مَدَارِكِهَا، وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ أَيْضًا مَا دَخَلَ فِيهِ الْأُصُولِيُّ الَّذِي لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَلَمْ يَدْخُلِ الْفَقِيهُ أَوْلَى مِمَّا هُوَ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الْأُصُولِيَّ أَعْرَفُ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ وَكَيْفِيَّةِ تَلَقِّي الْأَحْكَامِ مِنَ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَغَيْرِهِ. الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ دَخَلَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ الْمُبْتَدِعُ الَّذِي لَيْسَ بِكَافِرٍ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ الْمُبْتَدِعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ الصِّدْقُ، وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الْخِلَافِ. الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ دَخَلَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ الْمُبْتَدِعُ دُونَ الْعَوَامِّ وَالْفُرُوعِيِّينَ الَّذِينَ لَيْسُوا أُصُولِيِّينَ وَالْأُصُولِيُّونَ الَّذِينَ لَيْسُوا فُرُوعِيِّينَ وَالْآخَرُ بِعَكْسِهِ، فَمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُبْتَدَعُ أَوْلَى إِذَا الْخَلَلُ فِي قَوْلِهِ: " إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ كَذِبِهِ فِيمَا يَقُولُ " وَالْخَلَلُ فِي قَوْلِ مَنْ عَدَاهُ مِنَ الْمَذْكُورِينَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جَهْلِهِ وَعَدَمِ إِحَاطَتِهِ وَعَدَمِ كَمَالِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ احْتِمَالَ وُقُوعِ الْخَلَلِ بِجِهَةِ الْكَذِبِ مِنَ الْفَاسِقِ لِحُرْمَتِهِ وَتَعَلُّقِ الْإِثْمِ بِهِ أَنْدَرُ مِنَ الْخَلَلِ النَّاشِئِ بِسَبَبِ الْجَهْلِ وَعَدَمِ الْإِحَاطَةِ.

стр. 1177

الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْإِجْمَاعَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْآخَرُ مِنَ التَّابِعِينَ، فَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَوْلَى لِلثِّقَةِ بِعَدَالَتِهِمْ وَبَعْدَ تَقَاعُدِهِمْ عَنْ تَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ وَغَلَبَةِ جَدِّهِمْ وَكَثْرَةِ اجْتِهَادِهِمْ فِي تَمْهِيدِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ خِلَافِ مَنْ خَالَفَ فِي إِجْمَاعٍ غَيْرِ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى هَذَا فَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى إِجْمَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِقُرْبِهِمْ مِنَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَلِقَوْلِهِ ﵇: " «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ» " (١) فَإِجْمَاعُهُمْ يَكُونُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ. الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْإِجْمَاعَيْنِ قَدِ انْقَرَضَ عَصْرُهُ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا انْقَرَضَ عَصْرُهُ يَكُونُ أَوْلَى لِاسْتِقْرَارِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْخِلَافِ. السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَأْخُوذًا عَنِ انْقِسَامِ الْأُمَّةِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُ إِجْمَاعٌ عَلَى نَفْيِ قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَالْإِجْمَاعُ الْآخَرُ عَلَى إِثْبَاتِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى إِثْبَاتِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ اللَّبْسِ وَعَمَّا يَقُولُهُ الْمُنَازِعُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ وُجُوهِ الْقَدَحِ وَيُبْدِيهِ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ. السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَسْبُوقًا بِالْمُخَالَفَةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالَّذِي لَمْ يَسْبِقْ بِالْمُخَالَفَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ وَأَبْعَدُ عَنِ الْخِلَافِ. الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ رَجَعَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ عَمَّا حَكَمَ بِهِ مُوَافِقًا لِلْبَاقِينَ لِدَلِيلٍ ظَهَرَ لَهُ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْلَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْمُنَاقَضَةِ وَالْخِلَافِ فِيهِ. التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْآخَرُ مِنْ إِجْمَاعِ التَّابِعِينَ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ عَصْرِهِمْ، فَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَوْلَى لِلْوُثُوقِ بِعَدَالَتِهِمْ وَزِيَادَةِ جَدِّهِمْ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَفِي مَعْنَى هَذَا يَكُونُ قَدْ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْوَاقِعَةِ بِخِلَافِ التَّابِعِينَ. الْخَمْسُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْعَصْرِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْقَرِضْ عَصْرُهُمْ وَالْآخَرُ بِالْعَكْسِ، فَمَا دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ فِيهِ مُتَيَقِّنَةٌ، وَاحْتِمَالَ الرُّجُوعِ بِسَبَبِ عَدَمِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ مَوْهُومٌ، وَفِي مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ

стр. 1178

مَا لَمْ يَنْقَرِضْ آلَافٌ قَدْ دَخَلَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ الْمُبْتَدِعُ، أَوِ الْأُصُولِيُّ الَّذِي لَيْسَ فُرُوعِيًّا، أَوِ الْفُرُوعِيُّ الَّذِي بِأُصُولِيٍّ، وَالْآخَرُ بِخِلَافِهِ. الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنِ انْقِسَامِ الْأُمَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا سَبَقَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْقَرِضْ عَصْرُهُ وَالْآخَرُ بِعَكْسِهِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى نَظَرًا إِلَى أَنَّ جِهَةَ الْإِجْمَاعِ فِيهِ أَقْوَى بِيَقِينٍ، أَوْ رُجُوعَ الْوَاحِدِ عَنْهُ قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ مَوْهُومٌ، وَفِي مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ أَحَدُ إِجْمَاعَيْنِ قَدِ انْقَرَضَ عَصْرُهُ إِلَّا أَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْمُخَالَفَةِ وَالْآخَرُ بِعَكْسِهِ. الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْإِجْمَاعَيْنِ مَأْخُوذًا مِنِ انْقِسَامِ الْأُمَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْآخَرُ بِعَكْسِهِ، فَالَّذِي لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا مِنِ انْقِسَامِ الْأُمَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْلَى لِقُوَّةِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ. [التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى الْمَدْلُولِ] وَأَمَّا التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى الْمَدْلُولِ: الْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا الْحَظْرَ وَالْآخَرِ الْإِبَاحَةَ، وَهَذَا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ كَأَصْحَابِنَا وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْحَاظِرَ أَوْلَى. وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ وَعِيسَى بْنُ أَبَانٍ إِلَى التَّسَاوِي وَالتَّسَاقُطِ، وَالْوَجْهُ فِي تَرْجِيحِ مَا مُقْتَضَاهُ الْحَظْرُ أَنَّ مُلَابَسَةَ الْحَرَامِ مُوجِبَةٌ لِلْمَأْثَمِ بِخِلَافِ الْمُبَاحِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ حَظْرٌ وَإِبَاحَةٌ كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ قُدِّمَ التَّحْرِيمُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا طَلَّقَ بَعْضَ نِسَائِهِ بِعَيْنِهَا ثُمَّ أُنْسِيهَا حَرُمَ وَطْءُ الْجَمِيعِ تَقْدِيمًا لِلْحُرْمَةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﵇: " «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إِلَّا غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» " (١) وَقَالَ ﵇: " «دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ» " (٢) غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ مَا مُقْتَضَاهُ

стр. 1179

الْإِبَاحَةُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّا لَوْ عَمِلْنَا بِمَا مُقْتَضَاهُ التَّحْرِيمُ لَزِمَ مِنْهُ فَوَاتُ مَقْصُودِ الْإِبَاحَةِ مِنَ التَّرْكِ مُطْلَقًا، وَلَوْ عَمِلْنَا بِمَا مُقْتَضَاهُ الْإِبَاحَةُ فَقَدْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ فَوَاتُ مَقْصُودِ الْحَظْرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ حَرَامًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ الْمَفْسَدَةُ ظَاهِرَةً، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَكُونُ عَالِمًا بِهَا وَقَادِرًا عَلَى دَفْعِهَا؛ لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ لُزُومِ الْمَحْذُورِ مِنْ تَرِكِ الْمُبَاحِ، وَلِأَنَّ الْمُبَاحَ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّخْيِيرِ قَطْعًا بِخِلَافِ اسْتِفَادَةِ الْحُرْمَةِ مِنَ النَّهْيِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ، فَكَانَ أَوْلَى. وَعَلَى هَذَا فَلَا يَخْفَى وَجْهُ التَّرْجِيحِ بَيْنَ مَا مُقْتَضَاهُ الْحُرْمَةُ وَمَا مُقْتَضَاهُ النَّدْبُ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُ أَحَدِهِمَا الْحَظْرَ وَالْآخَرِ الْوُجُوبَ، فَمَا مُقْتَضَاهُ التَّحْرِيمُ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْحُرْمَةِ إِنَّمَا هُوَ دَفْعُ مَفْسَدَةٍ مُلَازِمَةٍ لِلْفِعْلِ أَوْ تَقْلِيلُهَا، وَفِي الْوُجُوبِ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ مُلَازِمَةٍ لِلْفِعْلِ، أَوْ تَكْمِيلُهَا، وَاهْتِمَامُ الشَّارِعِ وَالْعُقَلَاءِ بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ أَتَمُّ مِنِ اهْتِمَامِهِمْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ فِعْلًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ، يَنْفُرُ عَنْهُ إِذَا عَارَضَهُ فِي نَظْرَةِ لُزُومِ مَفْسَدَةٍ مُسَاوِيَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ، كَمَنْ رَامَ تَحْصِيلَ دِرْهَمٍ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُ مِنْهُ فَوَاتُ مِثْلِهِ، وَإِذَا كَانَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّحْرِيمِ أَشَدَّ وَآكَدَ مِنْهُ فِي الْوَاجِبِ كَانَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى. وَلِهَذَا كَانَ مَا شُرِعَتِ الْعُقُوبَاتُ فِيهِ مِنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ أَكْثَرَ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَأَشَدَّ كَالرَّجْمِ الْمَشْرُوعِ فِي زِنَا الْمُحْصَنِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ إِفْضَاءَ الْحُرْمَةِ إِلَى مَقْصُودِهَا أَتَمُّ مِنْ إِفْضَاءِ الْوُجُوبِ إِلَى مَقْصُودِهِ، فَكَانَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْحُرْمَةِ يَتَأَتَّى بِالتَّرْكِ وَذَلِكَ كَافٍ مَعَ الْقَصْدِ لَهُ، أَوْ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَلَا كَذَلِكَ فِعْلُ الْوَاجِبِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ وَفِعْلَ الْمُحَرَّمِ إِذَا تَسَاوَيَا فِي دَاعِيَةِ الطَّبْعِ إِلَيْهِمَا فَالتَّرْكُ يَكُونُ أَيْسَرَ وَأَسْهَلَ مِنَ الْفِعْلِ لِتُضَمُّنِ الْفِعْلِ مَشَقَّةَ الْحَرَكَةِ وَعَدَمَ الْمَشَقَّةِ فِي التَّرْكِ، وَمَا يَكُونُ حُصُولُ مَقْصُودِهِ أَوْقَعَ يَكُونُ أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ. (١) الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا الْحُرْمَةَ وَالْآخَرِ الْكَرَاهَةَ، فَالْحَظْرُ أَوْلَى لِمُسَاوَاتِهِ الْكَرَاهَةَ فِي طَلَبِ التَّرْكِ وَزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اللَّوْمِ عِنْدَ الْفِعْلِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ

стр. 1180

مِنْهُمَا إِنَّمَا هُوَ التَّرْكُ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْمُلَازِمَةِ لِلْفِعْلِ، وَالْحُرْمَةُ أَوْفَى لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْمُحَرَّمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ دَلَالَةِ الْمُقْتَضِي لِلْكَرَاهَةِ، وَهُوَ طَلَبُ التَّرْكِ وَالْعَمَلُ بِالْمُقْتَضِي لِلْكَرَاهَةِ مِمَّا يَجُوزُ مَعَهُ الْفِعْلُ، وَفِيهِ إِبْطَالُ دَلَالَةِ الْمُحَرَّمِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا لَا يُفْضِي إِلَى الْإِبْطَالِ يَكُونُ أَوْلَى، وَبِمَا حَقَّقْنَاهُ فِي تَرْجِيحِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُقْتَضِي لِلْكَرَاهَةِ يَكُونُ تَرْجِيحُ الْمُوجِبِ عَلَى الْمُقْتَضِي لِلنَّدْبِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا إِثْبَاتًا وَالْآخَرِ نَفْيًا، وَذَلِكَ كَخَبَرِ بِلَالٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ «دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلَّى» (١) وَخَبَرُ أُسَامَةَ «أَنَّهُ دَخَلَ وَلَمْ يُصَلِّ» (٢) فَالنَّافِي مُرَجَّحٌ عَلَى الْمُثْبِتِ خِلَافًا لِلْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ فِي قَوْلِهِ: " إِنَّهُمَا سَوَاءٌ "، وَالْمُثْبِتُ وَإِنْ كَانَ مُتَرَجِّحًا عَلَى النَّافِي لِاشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ غَيْرَ أَنَّ النَّافِيَ لَوْ قَدَّرْنَا تَقَدُّمَهُ عَلَى الْمُثْبِتِ كَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْكِيدَ، وَلَوْ قَدَّرْنَا تَأَخُّرَهُ كَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْسِيسَ، وَفَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فَكَانَ الْقَضَاءُ بِتَأْخِيرِهِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَأَخُّرِهِ مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ، وَرَفْعُ حُكْمِهِ دُونَ تَقَدُّمِهِ. قُلْنَا: هُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، فَإِنَّا لَوْ قَدَّرَنَا تَقَدُّمَ النَّافِي فَالْمُثْبَتُ بَعْدَهُ يَكُونُ نَافِيًا لِحُكْمِهِ وَرَافِعًا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُثْبِتُ وَإِنْ كَانَ رَافِعًا لِحُكْمِ النَّافِي عَلَى تَقْدِيرِ تَأَخُّرِهِ عَنْهُ، فَرَافِعٌ لِمَا فَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ، وَلَوْ قَدَّرْنَا تَأَخُّرَ النَّافِي كَانَ مُبْطِلًا لِمَا فَائِدَتُهُ التَّأْسِيسُ، فَكَانَ فَرْضُ تَأَخُّرِ الْمُثْبِتِ أَوْلَى.

стр. 1181

قُلْنَا: إِلَّا أَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ فَائِدَةُ النَّافِي التَّأْكِيدَ عَلَى تَقْدِيرِ تَقَدُّمِهِ فَالْمُثْبِتُ يَكُونُ رَافِعًا لِحُكْمٍ تَأْسِيسِيٍّ، وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى الْحَالِ الْأَصْلِيِّ، وَزِيَادَةُ مَا حَصَلَ مِنَ النَّافِي مِنَ التَّأْكِيدِ، وَلَا كَذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ النَّافِي مُتَأَخِّرًا فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ غَيْرَ التَّأْسِيسِ، وَمَا لَا يُفْضِي إِلَى رَفْعِ التَّأْسِيسِ مَعَ التَّأْكِيدِ يَكُونُ أَوْلَى مِمَّا يُفْضِي إِلَى رَفْعِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُفِيدٌ لِمَا هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِالِاتِّفَاقِ، وَالنَّافِيَ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى إِفَادَتِهِ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَالْغَالِبُ مِنَ الشَّارِعِ أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى غَيْرَ الشَّرْعِيِّ، فَمَعَ أَنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَقْصُودٌ لِحِكْمَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَيْهَا، وَحِكْمَةُ الْإِثْبَاتِ وَإِنْ كَانَتْ مَقْصُودَةً فَكَذَلِكَ حِكْمَةُ النَّفْيِ، فَهُوَ مُعَارَضٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الشَّارِعِ عَلَى مَا هُوَ الْمَأْلُوفُ مِنْهُ، إِنَّمَا هُوَ التَّقْرِيرُ لَا التَّغْيِيرُ، وَعَلَى هَذَا فَالْحُكْمُ لِلنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ يَكُونُ أَوْلَى مِنَ الْمُغَيَّرِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا مَعْقُولًا وَالْآخَرِ غَيْرَ مَعْقُولٍ، فَمَا حُكْمُهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّوَابُ بِتَلَقِّيهِ أَكْثَرَ لِزِيَادَةِ مَشَقَّتِهِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ (١) إِلَّا أَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ بِشَرْعِ مَا هُوَ مَعْقُولٌ أَتَمُّ مِمَّا لَيْسَ بِمَعْقُولٍ؛ نَظَرًا إِلَى سُهُولَةِ الِانْقِيَادِ وَسُرْعَةِ الْقَبُولِ، وَمَا شَرْعُهُ أَفْضَى إِلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الشَّرْعِ يَكُونُ أَوْلَى؛ وَلِهَذَا كَانَ شَرْعُ الْمَعْقُولِ أَغْلَبَ مِنْ شَرْعِ غَيْرِ الْمَعْقُولِ، حَتَّى إِنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا وَهُوَ مَعْقُولٌ حَتَّى فِي ضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَنَحْوِهِ مِمَّا ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَلِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْقُولِ مِنَ الْفَائِدَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَحَلِّ النَّصِّ بِالتَّعْدِيَةِ وَالْإِلْحَاقِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْمَعْقُولِ، فَكَانَ أَوْلَى. وَمَا كَانَتْ جِهَةُ تَعَقُّلِهِ أَقْوَى كَمَا يَأْتِي وَجْهُ التَّفْصِيلِ فِيهِ فِي الْعِلَلِ، فَهُوَ أَوْلَى. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُشْتَمِلًا عَلَى زِيَادَةٍ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْآخَرِ، كَمُوجِبِ الْجَلْدِ مَعَ الْمُوجِبِ لِلْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ، فَالْمُوجِبُ لِلزِّيَادَةِ يَكُونُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالزِّيَادَةِ غَيْرُ مُوجَبٍ لِإِبْطَالِ مَنْطُوقِ الْآخَرِ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوبِ الْجَلْدِ وَإِجْزَائِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْعَمَلُ بِالْمُوجِبِ لِلْجَلْدِ فَقَطْ مُوجَبٌ لِإِبْطَالِ الْمَنْطُوقِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِ الزِّيَادَةِ، وَمَا لَا يُفْضِي إِلَى إِبْطَالِ حُكْمِ الدَّلِيلِ أَوْلَى مِمَّا يُفْضِي إِلَى الْإِبْطَالِ، وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الْمُوجِبِ لِلْجَلْدِ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ غَيْرُ مَأْخُوذَةٍ مِنْ مَنْطُوقِ اللَّفْظِ، وَوُجُوبَ

стр. 1182

الزِّيَادَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ مَنْطُوقِ اللَّفْظِ، وَمُخَالَفَةُ مَا لَيْسَ بِمَنْطُوقٍ بِالْمَنْطُوقِ أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُوجَبُ أَحَدِهِمَا الْجَلْدَ وَالْآخَرِ الدَّرْءَ، فَالدَّارِئُ يَكُونُ أَوْلَى نَظَرًا إِلَى مَا حَقَّقْنَاهُ فِي تَرْجِيحِ مَا حُكْمُهُ النَّفْيُ عَلَى مَا حُكْمُهُ الْإِثْبَاتُ، وَلِأَنَّ الْخَطَأَ فِي نَفْيِ الْعُقُوبَةِ أَوْلَى مِنَ الْخَطَإِ فِي تَحْقِيقِهَا عَلَى مَا قَالَ ﵇: " «لِأَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» " (١) ، وَلِأَنَّ مَا يَعْتَرِضُ الْحَدَّ مِنَ الْمُبْطِلَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا يَعْتَرِضُ الدَّرْءَ، فَكَانَ أَوْلَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْخَلَلِ وَقُرْبِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَلِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ النَّافِي لِلْحَدِّ وَالْعُقُوبَةِ. الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا وُقُوعَ الطَّلَاقِ أَوِ الْعِتْقَ، وَحُكْمُ الْآخَرِ نَفْيَهُ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: مَا حُكْمُهُ الْوُقُوعُ أَوْلَى لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ النَّافِي لِمِلْكِ الْبُضْعِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالنَّافِي لَهُمَا عَلَى خِلَافِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بَلِ النَّافِي لَهُمَا أَوْلَى لِأَنَّهُ عَلَى وَفْقِ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَإِثْبَاتِ مِلْكِ الْيَمِينِ الْمُتَرَجَّحُ عَلَى النَّفْيِ لَهُ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا تَكْلِيفِيًّا وَحُكْمُ الْآخَرِ وَضْعِيًّا، فَالتَّكْلِيفِيُّ وَإِنِ اشْتَمَلَ عَلَى زِيَادَةِ الثَّوَابِ الْمُرْتَبِطِ بِالتَّكْلِيفِ وَكَانَ لِأَجْلِهِ رَاجِحًا، فَالْوَضْعِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْمُخَاطَبِ وَفَهْمِهِ، وَتُمَكُّنُهُ مِنَ الْفِعْلِ يَكُونُ مُتَرَجِّحًا. الْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا أَخَفَّ مِنَ الْآخَرِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَخَفَّ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وَقَالَ ﵇: " «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» " (٢) ، وَقِيلَ: إِنَّ الْأَثْقَلَ أَوْلَى نَظَرًا إِلَى الشَّرْعِيَّةِ

стр. 1183

إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهَا مَصَالِحَ الْمُكَلَّفِينَ، وَالْمَصْلَحَةُ فِي الْفِعْلِ الْأَشَقِّ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي الْفِعْلِ الْأَخَفِّ عَلَى مَا قَالَ ﵇: " «ثَوَابُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» " (١) ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الظَّنِّ إِنَّمَا هُوَ تَأَخُّرُهُ عَنِ الْأَخَفِّ؛ نَظَرًا إِلَى الْمَأْلُوفِ مِنْ أَحْوَالِ الْعُقَلَاءِ، فَإِنَّ مَنْ قَصَدَ تَحْصِيلَ مَقْصُودٍ بِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ لَا يَقْصِدُ تَحْصِيلَهُ بِمَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ، بَلْ بِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، فَبِتَقْدِيرِ تَقَدُّمِ الْأَخَفِّ عَلَى الْأَثْقَلِ يَكُونُ مُوَافِقًا لِنَظَرِ أَهْلِ الْعُرْفِ فَكَانَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ ثِقَلِهِ تَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ عَلَى مَقْصُودِ الْأَخَفِّ، فَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ تَكُونُ أَوْلَى. الْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَبَرَيْنِ خَبَرًا وَاحِدًا إِلَّا أَنَّ حُكْمَ أَحَدِهِمَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى بِخِلَافِ حُكْمِ الْآخَرِ، فَمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ عَنِ الْكَذِبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَفَرُّدَ الْوَاحِدِ بِنَقْلِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ أَقْرَبُ إِلَى الْكَذِبِ، كَمَا تَقَرَّرَ قَبْلُ. (٢) ، وَلِهَذَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَمُتَّفَقًا عَلَى مُقَابِلِهِ. [التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ] وَأَمَّا التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ: الْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ مُوَافِقًا لِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ عَقْلٍ أَوْ حِسٍّ، وَالْآخَرُ عَلَى خِلَافِهِ، فَمَا هُوَ عَلَى وَفْقِ الدَّلِيلِ الْخَارِجِ أَوْلَى لِتَأَكُّدِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِقَصْدِ مَدْلُولِهِ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ وَإِنْ أَفْضَى إِلَى مُخَالَفَةِ مُقَابِلِهِ وَهُوَ دَلِيلٌ وَاحِدٌ فَالْعَمَلُ بِمُقَابِلِهِ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ دَلِيلَيْنِ، وَالْعَمَلُ بِمَا يَلْزَمُ مَعَهُ مُخَالَفَةُ دَلِيلٍ وَاحِدٍ أَوْلَى مِمَّا يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ دَلِيلَيْنِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ أَوِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ أَوْ بَعْضُ الْأُمَّةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا عَمِلَ بِهِ يَكُونُ أَوْلَى، أَمَّا مَا عَمِلَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَلِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالتَّنْزِيلِ وَأَخْبَرُ بِمَوَاقِعِ الْوَحْيِ وَالتَّأْوِيلِ، وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ لِحَثِّ النَّبِيِّ ﵇ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ عَلَى مَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ، وَذَلِكَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ قُوَّتُهُ فِي الدَّلَالَةِ وَسَلَامَتُهُ عَنِ الْمُعَارِضِ. وَعَلَى هَذَا أَيْضًا مَا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ بَعْضُ الْأُمَّةِ يَكُونُ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ، فَكَانَ أَوْلَى.

стр. 1184

وَفِي مَعْنَى هَذَا أَنْ يَعْتَضِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَلِيلٍ، غَيْرَ أَنَّ مَا عَضَّدَ أَحَدُهُمَا رَاجِحٌ عَلَى مَا عَضَّدَ الْآخَرُ، أَوْ أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضُ الْأُمَّةِ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِأَحَدِهِمَا أَعْرَفُ بِمَوَاقِعِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، فَيَكُونُ أَوْلَى. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُؤَوَّلًا إِلَّا أَنَّ دَلِيلَ التَّأْوِيلِ فِي أَحَدِهِمَا أَرْجَحُ مِنْ دَلِيلِ التَّأْوِيلِ فِي الْآخَرِ، فَهُوَ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا دَالًّا عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ وَالْآخَرُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ الْعِلَّةِ، فَمَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلَّةِ يَكُونُ أَوْلَى لِقُرْبِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ بِسَبَبِ سُرْعَةِ الِانْقِيَادِ وَسُهُولَةِ الْقَبُولِ، وَلِدَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ جِهَةِ لَفْظِهِ، وَمِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَمَا دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ بِجِهَتَيْنِ يَكُونُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ يَلْزَمُهُ مُخَالَفَةُ مَا قَابَلَهُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْعَمَلُ بِالْمُقَابِلِ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ الْآخَرِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ جِهَتَيْنِ فَكَانَ أَوْلَى، وَرُبَّمَا رَجَّحَ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْعِلَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ فِي قَبُولِهِ أَشَدُّ وَالثَّوَابَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، إِلَّا أَنَّهُ مَرْجُوحٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَقْصُودِ التَّعَقُّلِ، وَلِذَلِكَ كَانَ هُوَ الْأَغْلَبَ. الْخَامِسُ: أَنْ يَدُلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ إِلَّا أَنَّ دَلَالَةَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْعِلِّيَّةِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهَا، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَالْأَقْوَى يَكُونُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ بِخِلَافِ الْآخَرِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَتَعَارُضُهُمَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ السَّبَبِ الْخَاصِّ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَالْوَارِدُ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبُ يَكُونُ أَوْلَى؛ لِكَوْنِهِ أَمَرَ بِهِ، وَلِأَنَّ مَحْذُورَ الْمُخَالَفَةِ فِيهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَمَّا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ يَكُونُ أَتَمَّ مِنَ الْمَحْذُورِ اللَّازِمِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ فِي الْآخَرِ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ وَارِدٍ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَالْعَامُّ الْمُطْلَقُ يَكُونُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ عُمُومَهُ أَقْوَى مِنْ عُمُومِ مُقَابِلِهِ: لِاسْتِوَائِهِمَا فِي صِيغَةِ الْعُمُومِ وَغَلَبَةِ الظَّنِّ بِتَخْصِيصِ مَا وَرَدَ عَلَى الْوَاقِعَةِ بِهَا؛ نَظَرًا إِلَى بَيَانِ مَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَإِلَى أَنَّ الْأَصْلَ إِنَّمَا هُوَ مُطَابَقَةُ مَا وَرَدَ فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ لِمَا مَسَّتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَلِأَنَّ مَا وَرَدَ عَلَى السَّبَبِ الْخَاصِّ مُخْتَلَفٌ فِي تَعْمِيمِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ بِخِلَافِ مُقَابِلِهِ، وَعَلَى هَذَا فَمَحْذُورُ الْمُخَالَفَةِ فِي الْعَامِّ الْمُطْلَقِ يَكُونُ أَشَدَّ.

стр. 1185

السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ وَرَدَتْ بِهِ الْمُخَاطَبَةُ عَلَى سَبِيلِ الْإِخْبَارِ بِالْوُجُوبِ، أَوِ التَّحْرِيمِ، أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أَوْ فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ . وَالْآخَرُ وَرَدَتِ الْمُخَاطَبَةُ بِهِ شِفَاهًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فَإِنْ تَقَابَلَا فِي حَقِّ مَنْ وَرَدَتِ الْمُخَاطَبَةُ إِلَيْهِ شِفَاهًا، فَخِطَابُ الْمُشَافَهَةِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى غَيْرِ مَنْ وَرَدَتِ الْمُخَاطَبَةُ إِلَيْهِ شِفَاهًا كَانَ الْآخَرُ أَوْلَى؛ لِمَا حَقَّقْنَاهُ فِي مُعَارَضَةِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ، وَالْوَارِدُ عَلَى السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ، وَلِأَنَّ الْخِطَابَ شِفَاهًا إِنَّمَا يَكُونُ لِلْحَاضِرِ مِنَ الْمَوْجُودِينَ، وَتَعْمِيمُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ إِنَّمَا يَكُونُ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، إِمَّا مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَفْرِقَةَ، أَوْ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» " (١) . الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَجُوزُ تَطَرُّقُ النَّسْخِ إِلَيْهِ، أَوْ قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَطَرُّقِ النَّسْخِ إِلَيْهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالَّذِي لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ يَكُونُ أَوْلَى لِقِلَّةِ تَطَرُّقِ الْأَسْبَابِ الْمُوهِيَةِ إِلَيْهِ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدِ اتُّفِقَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فِي صُورَةٍ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا اتُّفِقَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ زِيَادَةُ اعْتِبَارِهِ إِلَّا أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ فِي صُورَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا أَوْلَى؛ إِذِ الْعَمَلُ بِهِ مِمَّا يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْآخَرِ لِكَوْنِهِ قَدْ عُمِلَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْعَمَلُ بِمَا عَمِلَ إِلَى تَعْطِيلِ مَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ، وَمَا يُفْضِي إِلَى التَّأْوِيلِ أَوْلَى مِمَّا يُفْضِي إِلَى التَّعْطِيلِ وَمَا عُمِلَ بِهِ فِي الصُّورَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا رَاجِحًا عَلَى الْعَامِّ الْمُقَابِلِ، إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّرْجِيحُ لَهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ لَا وُجُودَ لَهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَجَّحُ الْخَارِجُ بَعِيدَ الْوُجُودِ لَكِنْ يَجِبُ اعْتِقَادُ وَجُودِهِ نَفْيًا لِإِهْمَالِ الْعَامِّ الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ لَهُ مُرَجِّحٌ مِنْ خَارِجُ لَوَقَفْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ، وَقَدْ بَحَثْنَا فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَاحْتِمَالُ مُخَالَفَةِ السَّبْرِ أَيْضًا بَعِيدٌ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ رُجْحَانُهُ لِمَعْنًى يَعُودُ إِلَى نَفْسِهِ لَوَقَفْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَحْثِ، وَقَدْ بَحَثْنَا فَلَمْ نَجِدْهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَتَقَاوَمُ الْكَلَامَانِ، وَقَدْ يُسَلَّمُ لَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. الْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ قُصِدَ بِهِ بَيَانُ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالَّذِي قُصِدَ بِهِ الْبَيَانُ لِلْحُكْمِ يَكُونُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَمَسَّ بِالْمَقْصُودِ،

стр. 1186

وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فَإِنَّهُ قُصِدَ بِهِ بَيَانُ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ بَيَانُ الْجَمْعِ. الْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ إِلَى الِاحْتِيَاطِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالْأَقْرَبُ إِلَى الِاحْتِيَاطِ يَكُونُ مُقَدَّمًا لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ. الثَّانِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصَ الصَّحَابِيِّ كَحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى الظَّاهِرِ الْمُوَافِقِ لِحَالِ الصَّحَابِيِّ، وَوَصْفِ اللَّهِ لَهُ بِالْعَدَالَةِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أَيْ: عُدُولًا. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يَقْتَرِنَ بِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ تَفْسِيرُ الرَّاوِي بِفِعْلِهِ أَوْ قَوْلِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرَجَّحًا عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ لِلْخَبَرِ يَكُونُ أَعْرَفَ وَأَعْلَمَ بِمَا رَوَاهُ. الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ سَبَبَ وُرُودِ ذَلِكَ النَّصِّ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالذَّاكِرُ لِلسَّبَبِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ اهْتِمَامِهِ بِمَا رَوَاهُ. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَنَ بِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَأْخِيرِهِ عَنِ الْآخَرِ كَالْخَبَرِ الَّذِي ظَهَرَ بَعْدَ اسْتِظْهَارِ النَّبِيِّ ﵇ وَقُوَّةِ شَوْكَتِهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالظَّاهِرُ بَعْدَ قُوَّةِ شَوْكَةِ النَّبِيِّ ﵇ أَوْلَى؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ ظُهُورِ مُقَابِلِهِ قَبْلَ قُوَّةِ الشَّوْكَةِ أَكْثَرُ مِنِ احْتِمَالِ وُقُوعِ مَا ظَهَرَ بَعْدَ قُوَّةِ الشَّوْكَةِ، فَكَانَ تَأْخِيرُهُ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ، فَكَانَ أَوْلَى. وَفِي مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ مُتَأَخِّرَ الْإِسْلَامِ عَنِ الْآخَرِ، فَالْغَالِبُ أَنَّ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ الْآخَرِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ إِسْلَامِ الْمُتَأَخِّرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَكَانَ تَأْخِيرُ مَا رَوَاهُ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ. وَفِي مَعْنَاهُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَوْتَ مُتَقَدِّمِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى إِسْلَامِ الْمُتَأَخِّرِ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ غَالِبَ رِوَايَةِ أَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ قَبْلَ الْغَالِبِ مِنْ رِوَايَةِ الْآخَرِ فَرِوَايَتُهُ تَكُونُ مَرْجُوحَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ تَقَدُّمُ مَا رَوَاهُ

стр. 1187

وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ رِوَايَةُ أَحَدِهِمَا مُؤَرَّخَةً بِتَارِيخٍ مَضِيقٍ دُونَ الْآخَرِ، فَاحْتِمَالُ تَقَدُّمِ غَيْرِ الْمُؤَرَّخَةِ يَكُونُ أَغْلَبَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْآخَرُ عَلَى التَّشْدِيدِ، فَاحْتِمَالُ تَأَخُّرِ التَّشْدِيدِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُ ﵇ أَنَّهُ مَا كَانَ يُشَدِّدُ إِلَّا بِحَسَبِ عُلُوِّ شَأْنِهِ وَاسْتِيلَائِهِ وَقَهْرِهِ، وَلِهَذَا أَوْجَبَ الْعِبَادَاتِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَحَرَّمَ الْمُحَرَّمَاتِ شَيْئًا فَشَيْئًا. [الْقِسْمُ الثَّانِي فِي التَّعَارُضِ الْوَاقِعِ بَيْنَ مَعْقُولَيْنِ] [كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ قِيَاسَيْنِ أَوِ اسْتِدْلَالَانِ أَوْ قِيَاسٌ وَاسْتِدْلَالٌ] [التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى الْأَصْلِ] الْقِسْمُ الثَّانِي فِي التَّعَارُضِ الْوَاقِعِ بَيْنَ مَعْقُولَيْنِ وَالْمَعْقُولَانِ: إِمَّا قِيَاسَانِ، أَوِ اسْتِدْلَالَانِ، أَوْ قِيَاسٌ وَاسْتِدْلَالٌ: فَإِنْ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ قِيَاسَيْنِ فَالتَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا قَدْ يَكُونُ بِمَا يَعُودُ إِلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَا يَعُودُ إِلَى فَرْعِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَا يَعُودُ إِلَى مَدْلُولِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَا يَعُودُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ. فَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَى الْأَصْلِ: فَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى حُكْمِهِ، وَمِنْهُ مَا يَعُودُ إِلَى عِلَّتِهِ، فَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَى حُكْمِ الْأَصْلِ فَتَرْجِيحَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي أَصْلِ أَحَدِهِمَا قَطْعِيًّا، وَفِي الْآخَرِ ظَنِّيًّا، فَمَا حُكْمُ أَصْلِهِ قَطْعِيٌّ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَلَلِ بِسَبَبِ حُكْمِ الْأَصْلِ مَنْفِيٌّ وَلَا كَذَلِكَ الْآخَرُ، فَكَانَ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ، وَفِي مَعْنَى هَذَا مَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي أَصْلِ أَحَدِهِمَا مَمْنُوعًا وَفِي الْآخَرِ غَيْرَ الْمَمْنُوعِ، فَغَيْرُ الْمَمْنُوعِ يَكُونُ أَوْلَى. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ فِيهِمَا ظَنِّيًّا، غَيْرَ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُثْبِتَ لِأَحَدِهِمَا أَرْجَحُ مِنَ الْمُثَبِتِ لِلْآخَرِ، فَيَكُونُ أَوْلَى. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ فِي أَحَدِهِمَا مِمَّا اخْتُلِفَ فِي نَسْخِهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَالَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي نَسْخِهِ أَوْلَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْخَلَلِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي أَصْلِ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا لَمْ يُعْدَلْ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ أَوْلَى؛ لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ عَنِ التَّعَبُّدِ وَأَقْرَبَ إِلَى الْمَعْقُولِ وَمُوَافَقَةِ الدَّلِيلِ.

стр. 1188

الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ فِي أَحَدِهِمَا قَدْ قَامَ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى وُجُوبِ تَعْلِيلِهِ وَجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْآخَرُ، فَمَا قَامَ الدَّلِيلُ فِيهِ عَلَى وُجُوبِ تَعْلِيلِهِ وَجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ كَمَا سَبَقَ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْنِ مِنْ غَائِلَةِ التَّعَبُّدِ وَالْقُصُورِ عَلَى الْأَصْلِ، وَلِبُعْدِهِ عَنِ الْخِلَافِ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ مِمَّا اتَّفَقَ الْقَيَّاسُونَ عَلَى تَعْلِيلِهِ وَالْآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَمَا اتُّفِقَ عَلَى تَعْلِيلِهِ أَوْلَى؛ إِذْ هُوَ أَبْعَدُ عَنِ الِالْتِبَاسِ وَأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ قَطْعِيًّا لَكِنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، وَالْآخَرِ ظَنِّيًّا لَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْدُولٍ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، فَالظَّنِّيُّ الْمُوَافِقُ لِسُنَنِ الْقِيَاسِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلدَّلِيلِ وَأَبْعَدَ عَنِ التَّعَبُّدِ. الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فِي الْأَصْلِ قَطْعِيًّا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى وُجُوبِ تَعْلِيلِهِ، وَعَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ الْآخَرِ ظَنِّيًّا إِلَّا أَنَّهُ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَعْلِيلِهِ، وَعَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ فَمَا حُكْمُهُ قَطْعِيٌّ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَلَلِ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ قُرْبِهِ مِنِ احْتِمَالِ التَّعَبُّدِ وَالْقُصُورِ عَلَى الْأَصْلِ الْمُعَيَّنِ، وَمَا يَتَطَرَّقُ إِلَى الظَّنِّيِّ مِنَ الْخَلَلِ فَمِنْ جِهَةِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ خِلَافَ مَا ظَهَرَ، وَاحْتِمَالُ التَّعَبُّدِ وَالْقُصُورُ عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِالْحُكْمِ أَبْعَدُ مِنِ احْتِمَالِ ظَنِّ الظُّهُورِ لِمَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَالتَّرْكِ لِلْعَمَلِ بِمَا هُوَ ظَاهِرٌ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَصْلِ أَحَدِهِمَا قَطْعِيًّا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى تَعْلِيلِهِ، وَحُكْمُ الْآخَرِ ظَنِّيًّا إِلَّا أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَعْلِيلِهِ، فَالظَّنِّيُّ الْمُتَّفَقُ عَلَى تَعْلِيلِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَعْدِيَةَ الْحُكْمِ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ إِنَّمَا هُوَ فَرْعُ تَعَقُّلِ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ، وَتُحَقِّقُ وُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ وَاحْتِمَالُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَغْلَبُ، وَاحْتِمَالُ الْخَلَلِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْحُكْمِ الظَّنِّيِّ وَإِنْ كَانَ قَائِمًا وَمَأْمُونًا فِي جَانِبِ الْحُكْمِ الْقَطْعِيِّ، إِلَّا أَنَّ احْتِمَالَ قَطْعِ الْقِيَاسِ فِيمَا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى تَعْلِيلِهِ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ أَغْلَبُ مِنِ احْتِمَالِ انْقِطَاعِ الْقِيَاسِ لِخَلَلٍ مُلْتَحِقٍ بِالظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ مَعَ ظُهُورِ دَلِيلِهِ وَعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ فِيهِ. الْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي أَصْلِ أَحَدِهِمَا أَرْجَحَ مِنَ الْآخَرِ، إِلَّا أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي نَسْخِهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا دَلِيلُهُ رَاجِحٌ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ، وَقَوْلُ النَّسْخِ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ عَدَمِ النَّسْخِ، فَكَانَ احْتِمَالُ عَدَمِ النَّسْخِ أَرْجَحَ.

стр. 1189

الْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي أَحَدِهِمَا رَاجِحًا عَلَى دَلِيلِ حُكْمِ أَصْلِ الْآخَرِ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، وَالْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا لَمْ يُعْدَلْ بِهِ عَنِ الْقَاعِدَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ الْجَرْيُ عَلَى وَفْقِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي وَرَدَ الْحُكْمُ فِي الْقِيَاسِ الْآخَرِ عَلَى خِلَافِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُ جَانِبِ التَّرْجِيحِ فِي الْآخَرِ، وَمَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْآخَرِ فَإِنَّمَا هُوَ اعْتِبَارُ ظُهُورِ التَّرْجِيحِ، لَكِنْ مَعَ مُخَالَفَةِ الْقَاعِدَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَاحْتِمَالُ مُخَالَفَةِ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَبْعَدُ مِنِ احْتِمَالِ مُخَالَفَةِ الشُّذُوذِ مِنْ ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ، كَيْفَ وَأَنَّ الْعَمَلَ بِمَا دَلِيلُ ثُبُوتِ حُكْمِ أَصْلِهِ ظَنِّيٌّ مُحَافَظَةٌ (١) عَلَى أَصْلِ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَالْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ، وَالْعَمَلُ (٢) بِمَا ظَهَرَ التَّرْجِيحُ فِي دَلِيلِ ثُبُوتِ حُكْمِهِ فِيهِ الْمُوَافَقَةُ؛ لِمَا ظَهَرَ مِنَ التَّرْجِيحِ وَمُخَالَفَةِ الْقَاعِدَةِ وَأَصْلِ الدَّلِيلِ الْآخَرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُوَافَقَةُ ظَاهِرَيْنِ، وَمُخَالِفَةُ ظَاهِرٍ وَاحِدٍ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ. الثَّانِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ ثُبُوتِ حُكْمِ أَصْلِ أَحَدِهِمَا رَاجِحًا عَلَى دَلِيلِ الْآخَرِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى وُجُوبِ تَعْلِيلِهِ وَعَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا ظَهَرَ التَّرْجِيحُ فِي دَلِيلِهِ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ قَطْعِيًّا. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ ثُبُوتِ حُكْمِ أَصْلِ أَحَدِهِمَا أَرْجَحَ مِنْ دَلِيلِ الْآخَرِ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى تَعْلِيلِهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا اتُّفِقَ عَلَى تَعْلِيلِهِ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إِذَا كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ فِي أَحَدِهِمَا قَطْعِيًّا وَالْآخَرِ ظَنِّيًّا. الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَصْلِ أَحَدِهِمَا مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى عَدَمِ نَسْخِهِ إِلَّا أَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا لَمْ يُعْدَلْ بِهِ عَنِ الْقَاعِدَةِ أَوْلَى لِمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَصْلِ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ عَنِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى وُجُوبِ تَعْلِيلِهِ وَجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ،

стр. 1190

فَمَا هُوَ عَلَى وَفْقِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ عَمَلٌ بِأَغْلَبِ مَا يَرِدُ بِهِ الشَّرْعُ، وَالْعَمَلَ بِمُقَابِلِهِ بِالْعَكْسِ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مَعْدُولٍ بِهِ عَنِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ، خَالَفَ فِي اشْتِرَاطِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ الْحُكْمِ وَجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ غَيْرَ الشُّذُوذِ، فَكَوْنُهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ عَنِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ أَمَسُّ بِالْقِيَاسِ. السَّادِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَصْلِ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ عَنِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَى تَعْلِيلِهِ وَالْآخَرِ بِعَكْسِهِ، فَمَا اتُّفِقَ عَلَى تَعْلِيلِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِيَاسَيْنِ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ إِلَّا أَنَّ احْتِمَالَ وُقُوعِ التَّعَبُّدِ فِي الْقِيَاسِ يُبْطِلُهُ قَطْعًا، وَمُخَالَفَةُ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ غَيْرُ مُبْطِلَةٍ لِلْقِيَاسِ قَطْعًا، وَمَا يُبْطِلُ الْقِيَاسَ قَطْعًا بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ يَكُونُ مَرْجُوحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَا يُبْطِلُهُ قَطْعًا. [التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ] وَأَمَّا التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ: فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى طَرِيقِ إِثْبَاتِهَا، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى صِفَتِهَا. أَمَّا التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى طُرُقِ إِثْبَاتِهَا: فَالْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ وُجُودُ عِلَّةِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ مَقْطُوعًا بِهِ فِي أَصْلِهِ بِخِلَافِ عِلَّةِ الْآخَرِ، فَمَا وُجُودُ عِلَّتِهِ فِي أَصْلِهِ قَطْعِيٌّ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ وَجُودُهَا مَعْقُولًا أَوْ مُحَسًّا، مَدْلُولًا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ مَدْلُولٍ؛ لِكَوْنِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ، وَفِي مَعْنَى هَذَا أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْعِلَّتَيْنِ مَظْنُونًا غَيْرَ أَنَّ ظَنَّ وُجُودِ إِحْدَاهُمَا أَرَجَحُ مِنَ الْأُخْرَى فَقِيَاسُهَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَغَلَبُ عَلَى الظَّنِّ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ فِي أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ قَطْعِيًّا وَفِي الْآخَرِ ظَنِّيًّا (١) فَيَكُونُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ الْعِلَّتَيْنِ ظَنِّيًّا غَيْرَ أَنَّ دَلِيلَ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ دَلِيلِ الْأُخْرَى، فَمَا دَلِيلُهَا أَرْجَحُ فَقِيَاسُهَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ.

стр. 1191

الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ فِيهِمَا الِاسْتِنْبَاطَ إِلَّا أَنَّ دَلِيلَ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَالْأُخْرَى الْمُنَاسَبَةُ، فَمَا طَرِيقُ ثُبُوتِ الْعِلِّيَّةِ فِيهِ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ يَكُونُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ مُقْتَضِيهِ فِي الْأَصْلِ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِفَاءِ مُعَارِضِهِ فِي الْأَصْلِ، وَالسَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ فِيهِ التَّعَرُّضُ لِبَيَانِ الْمُقْتَضِي وَإِبْطَالِ الْمُعَارِضِ، بِخِلَافِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِالْإِحَالَةِ (١) فَكَانَ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: وَصْفُ الْعِلَّةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ شَبَهِيًّا؛ لِامْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ احْتِمَالَ عَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ بَعْدَ إِظْهَارِهَا بِالطَّرِيقِ التَّفْصِيلِيِّ أَبْعَدُ مِنِ احْتِمَالِ عَدَمِهَا فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِبَيَانِهَا تَفْصِيلًا، فَكَانَ طَرِيقُ الْمُنَاسَبَةِ أَوْلَى. قُلْنَا: إِلَّا أَنَّ التَّعَرُّضَ لِمُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ لَا دَلَالَةَ لَهُ بِوَجْهٍ عَلَى نَفْيِ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ لَا امْتِنَاعَ مِنِ اجْتِمَاعِ مُنَاسِبَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَدَلَالَةُ الْبَحْثِ وَالسَّبْرِ عَلَى مُنَاسِبٍ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى وَأَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الْمُشْتَرَكَ مُنَاسِبٌ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يَدُلُّ عَلَى مُنَاسَبَةِ الْعِلَّةِ وَعَلَى انْتِفَاءِ مُعَارِضِهَا أَوْلَى مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مُنَاسَبَتِهَا، وَلَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مُعَارِضِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّ طَرِيقَ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِالْمُنَاسَبَةِ أَوِ الشَّبَهِ أَدَلُّ عَلَى مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ بَعْدَ إِظْهَارِهَا مِنْ دَلَالَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ عَلَى انْتِفَاءِ وَصْفٍ آخَرَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَصْدُقَ النَّاظِرُ فِي قَوْلِهِ وَأَنْ يَكْذِبَ، وَبِتَقْدِيرِ صِدْقِهِ فَظُهُورُ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ طَرِيقِ الْمُنَاسَبَةِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ بِالنَّظَرِ إِلَى الْخِصْمَيْنِ. قُلْنَا: بَلِ الْعَكْسُ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَلَلَ الْعَائِدَ إِلَى دَلِيلِ نَفْيِ الْمُعَارِضِ إِنَّمَا هُوَ بِالْكَذِبِ أَوِ الْغَلَطِ لِعَدَمِ الظَّفَرِ بِالْوَصْفِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ الْغَلَطِ مَعَ كَوْنِ الْوَصْفِ الْمَبْحُوثِ عَنْهُ ظَاهِرًا جَلِيًّا، وَوُقُوعَ الْكَذِبِ مَعَ كَوْنِ الْبَاحِثِ عَدْلًا أَبْعَدُ مِنِ احْتِمَالِ وُقُوعِ الْغَلَطِ فِيمَا أَبْدَى مِنَ الْمُنَاسَبَةِ مَعَ كَوْنِهَا خَفِيَّةً مُضْطَرِبَةً.

стр. 1192

الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْفَارِقِ فِي أَصْلِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ مَقْطُوعًا بِهِ وَفِي الْآخَرِ مَظْنُونًا، فَمَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ يَكُونُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ ثُبُوتِ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ، وَالْأُخْرَى الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ، فَمَا طَرِيقُ ثُبُوتِهِ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ أَوْلَى؛ إِذْ هُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَمَا دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا ظَاهِرُ الْعِلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَدُورُ مَعَ الْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ كَمَا فِي الرَّائِحَةِ الْفَائِحَةِ الْمُلَازِمَةِ لِلشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ الدَّائِرَةِ مَعَ تَحْرِيمِ الشُّرْبِ وَجُودًا وَعَدَمًا، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عِلَّةً؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ لَا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ، كَمَا. سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (١) ، وَالرَّائِحَةُ الْفَائِحَةُ لَيْسَتْ بَاعِثَةً؛ إِذْ لَا يُشَمُّ مِنْهَا رَائِحَةُ الْمُنَاسَبَةِ، وَكَمَا أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى مُلَازَمَةِ الْعِلَّةِ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي إِبْطَالِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، وَبِهَذَا يَكُونُ الْقِيَاسُ الَّذِي طَرِيقُ إِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ أَوْلَى مِمَّا طَرِيقُ إِثْبَاتِهَا فِيهِ الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ. [التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى إِلَى صِفَةِ الْعِلَّةِ] وَأَمَّا التَّرْجِيحَاتُ الْعَائِدَةُ إِلَى صِفَةِ الْعِلَّةِ: فَالْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْأَصْلِ فِي أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَفِي الْآخَرِ وَصْفًا حَقِيقِيًّا، فَمَا عِلَّتُهُ وَصْفٌ حَقِيقِيٌّ أَوْلَى لِوُقُوعِ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، وَوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي مُقَابِلِهِ، فَكَانَتْ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ فِي أَحَدِهِمَا وَصْفًا وُجُودِيًّا وَفِي الْآخَرِ وَصْفًا عَدَمِيًّا، فَمَا عِلَّتُهُ ثُبُوتِيَّةٌ أَوْلَى لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ وَوُقُوعُ الْخِلَافِ فِي مُقَابِلِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَفِي الْآخَرِ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ، فَمَا عِلَّتُهُ بَاعِثَةٌ أَوْلَى لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ. الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا وَصْفًا ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا وَفِي الْآخَرِ بِخِلَافِهِ، فَمَا عِلَّتُهُ مَضْبُوطَةٌ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ لِظُهُورِهِ وَلِبُعْدِهِ عَنِ الْخِلَافِ. الْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا وَصْفًا مُتَّحِدًا وَفِي الْآخَرِ ذَاتَ أَوْصَافٍ، فَمَا عِلَّتُهُ ذَاتُ وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الضَّبْطِ وَأَبْعَدُ عَنِ الْخِلَافِ. السَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ تَعْدِيَةً مِنْ عِلَّةِ الْآخَرِ، فَهُوَ أَوْلَى لِكَثْرَةِ فَائِدَتِهِ.

стр. 1193

السَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا مُطَّرِدَةً بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا عِلَّتُهُ مُطَّرِدَةٌ أَوْلَى لِسَلَامَتِهَا عَنِ الْمُفْسِدِ وَبُعْدِهَا عَنِ الْخِلَافِ. وَفِي مَعْنَى هَذَا أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُنْكَسِرَةٍ بِخِلَافِ عِلَّةِ الْآخَرِ، فَمَا عِلَّتُهُ غَيْرُ مُنْكَسِرَةٍ أَوْلَى لِبُعْدِهَا عَنِ الْخِلَافِ. الثَّامِنُ: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا مُنْعَكِسَةً بِخِلَافِ عِلَّةِ الْآخَرِ، فَمَا عِلَّتُهُ مُنْعَكِسَةٌ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ وَأَبْعَدُ عَنِ الْخِلَافِ. التَّاسِعُ: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُتَأَخِّرَةٍ عَنِ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَمَا عِلَّتُهُ غَيْرُ مُتَأَخِّرَةٍ أَوْلَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْخِلَافِ. الْعَاشِرُ: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُنْعَكِسَةٍ وَعِلَّةُ الْآخَرِ مُنْعَكِسَةً غَيْرَ مُطَّرِدَةٍ، فَالْمُطَّرِدَةُ أَوْلَى؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنِ اشْتِرَاطِ الِاطِّرَادِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِ الِانْعِكَاسِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ سَلَّمَ اشْتِرَاطَ الِاطِّرَادِ خَالَفَ فِي اشْتِرَاطِ الِانْعِكَاسِ. الْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ ضَابِطَ الْحِكْمَةِ فِي عِلَّةِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ جَامِعًا لِلْحِكْمَةِ مَانِعًا لَهَا، بِخِلَافِ ضَابِطِ حِكْمَةِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ الْآخَرِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، فَالْجَامِعُ الْمَانِعُ أَوْلَى لِزِيَادَةِ ضَبْطِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْخِلَافِ. الثَّانِي عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرَ رَاجِعَةٍ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي اسْتُنْبِطَتْ مِنْهُ بِرَفْعِهِ أَوْ رَفْعِ بَعْضِهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ، فَهُوَ أَوْلَى لِسَلَامَةِ عِلَّتِهِ عَمَّا يُوهِيهَا وَبُعْدِهَا عَنِ الْخِلَافِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ مُنَاسِبَةً وَعِلَّةُ الْآخَرِ شَبَهِيَّةً، فَمَا عِلَّتُهُ مُنَاسِبَةٌ أَوْلَى لِزِيَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِهَا وَزِيَادَةِ مَصْلَحَتِهَا وَبُعْدِهَا عَنِ الْخِلَافِ. الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مِنَ الْمَقَاصِدِ الضَّرُورِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى غَيْرَ ضَرُورِيٍّ، فَمَا مَقْصُودُهُ مِنَ الْحَاجَاتِ الضَّرُورِيَّةِ أَوْلَى لِزِيَادَةِ مَصْلَحَتِهِ وَغَلَبَةِ الظَّنِّ بِهِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَمْ تَخْلُ شَرِيعَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهِ، وَبُولِغَ فِي حِفْظِهِ بِشَرْعٍ أَبْلَغَ الْعُقُوبَاتِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مِنَ الْحَاجَاتِ الزَّائِدَةِ وَمَقْصُودُ الْأُخْرَى مِنْ بَابِ التَّحْسِينَاتِ وَالتَّزْيِينَاتِ، فَمَا مَقْصُودُهُ مِنْ بَابِ الْحَاجَاتِ الزَّائِدَةِ أَوْلَى لِتَعَلُّقِ الْحَاجَةِ بِهِ دُونَ مُقَابِلِهِ.

стр. 1194

السَّادِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ، وَمَقْصُودُ الْأُخْرَى مِنْ أُصُولِ الْحَاجَاتِ الزَّائِدَةِ، فَمَا مَقْصُودُهُ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الضَّرُورِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لَهَا وَمُقَابِلُهُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ يَكُونُ أَوْلَى؛ وَلِهَذَا أُعْطِيَ حُكْمَ أَصْلِهِ حَتَّى شُرِعَ فِي شُرْبِ قَلِيلِ الْخَمْرِ مَا شُرِعَ فِي كَثِيرِهِ. السَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ حِفْظَ أَصْلِ الدِّينِ وَمَقْصُودُ الْأُخْرَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَقَاصِدِ الضَّرُورِيَّةِ (١) ، فَمَا مَقْصُودُهُ حِفْظُ أَصْلِ الدِّينِ يَكُونُ أَوْلَى نَظَرًا إِلَى مَقْصُودِهِ وَثَمَرَتِهِ مِنْ نَيْلِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي جِوَارِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ حِفْظِ الْأَنْفُسِ وَالْعَقْلِ وَالْمَالِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودًا مِنْ أَجْلِهِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فَإِنْ قِيلَ: بَلْ مَا يُفْضِي إِلَى حِفْظِ مَقْصُودِ النَّفْسِ أَوْلَى وَأَرْجَحُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الدِّينِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَمَقْصُودَ غَيْرِهِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ، وَحَقَّ الْآدَمِيِّ مُرَجَّحٌ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشُّحِّ وَالْمُضَايَقَةِ، وَحُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِ حَقِّهِ، فَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى حَقٍّ لَا يَتَضَرَّرُ مُسْتَحِقُّهُ بِفَوَاتِهِ، وَلِهَذَا رَجَّحْنَا حُقُوقَ الْآدَمِيِّ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوِ ازْدَحَمَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْآدَمِيِّ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَضَاقَ عَنِ اسْتِيفَائِهِمَا بِأَنْ يَكُونَ قَدْ كَفَرَ وَقَتَلَ عَمْدًا عُدْوَانًا نَقْتُلُهُ قِصَاصًا لَا بِكُفْرِهِ. وَأَيْضًا قَدْ رَجَّحْنَا مَصْلَحَةَ النَّفْسِ عَلَى مَصْلَحَةِ الدِّينِ، حَيْثُ خَفَّفْنَا عَنِ الْمُسَافِرِ بِإِسْقَاطِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَدَاءِ الصَّوْمِ، وَعَنِ الْمَرِيضِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ قَائِمًا وَتَرْكِ أَدَاءِ الصَّوْمِ، وَقَدَّمْنَا مَصْلَحَةَ النَّفْسِ عَلَى مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ فِي صُورَةِ إِنْجَاءِ الْغَرِيقِ، وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّا رَجَّحْنَا مَصْلَحَةَ الْمَالِ عَلَى مَصْلَحَةِ الدِّينِ حَيْثُ جَوَّزْنَا تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ضَرُورَةَ حِفْظِ أَدْنَى شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ، وَرَجَّحْنَا مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَقَاءِ الذِّمِّيِّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ عَلَى مَصْلَحَةِ الدِّينِ حَتَّى عَصَمْنَا دَمَهُ وَمَالَهُ مَعَ وُجُودِ الْكُفْرِ الْمُبِيحِ. قُلْنَا: أَمَّا النَّفْسُ فَكَمَا هِيَ مُتَعَلِّقُ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِالنَّظَرِ إِلَى بَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَهِيَ مُتَعَلِّقُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّظَرِ إِلَى أَحْكَامٍ أُخَرَ، وَلِهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ وَالتَّصَرُّفُ

стр. 1195

بِمَا يُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِهَا، فَالتَّقْدِيمُ إِنَّمَا هُوَ لِمُتَعَلِّقِ الْحَقَّيْنِ وَلَا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْآدَمِيِّ عَلَى مَا تَمَحَّضَ حَقًّا لِلَّهِ. كَيْفَ وَأَنَّ مَقْصُودَ الدِّينِ مُتَحَقِّقٌ بِأَصْلِ شَرْعِيَّةِ الْقَتْلِ وَقَدْ تَحَقَّقَ، وَالْقَتْلُ إِنَّمَا هُوَ لِتَحْقِيقِ الْوَعِيدِ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْقِصَاصِ إِنَّمَا هُوَ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْوَارِثِ بِشَرْعِ الْقَتْلِ دُونَ الْقَتْلِ بِالْفِعْلِ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الْعُرْفُ، فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِ أَحَدِهِمَا. كَيْفَ وَأَنَّ تَقْدِيمَ حَقِّ الْآدَمِيِّ هَاهُنَا لَا يُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِ حَقِّ اللَّهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعُقُوبَةِ الْبَدَنِيَّةِ مُطْلَقًا؛ لِبَقَاءِ الْعُقُوبَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَتَقْدِيمَ حَقِّ اللَّهِ مِمَّا يُفْضِي إِلَى فَوَاتِ حَقِّ الْآدَمِيِّ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مُطْلَقًا، فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى. وَأَمَّا التَّخْفِيفُ عَنِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ فَلَيْسَ تَقْدِيمًا لِمَقْصُودِ النَّفْسِ عَلَى مَقْصُودِ أَصْلِ الدِّينِ بَلْ عَلَى فُرُوعِهِ، وَفُرُوعُ أَصْلٍ غَيْرُ أَصْلِ الشَّيْءِ، ثُمَّ وَإِنْ كَانَ فَمَشَقَّةُ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ تَقُومُ مَقَامَ مَشَقَّةِ الْأَرْبَعِ فِي الْحَضَرِ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْمَرِيضِ قَاعِدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا وَهُوَ صَحِيحٌ، فَالْمَقْصُودُ لَا يَخْتَلِفُ. وَأَمَّا أَدَاءُ الصَّوْمِ فَلِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ مُطْلَقًا، بَلْ يَفُوتُ إِلَى خُلْفٍ وَهُوَ الْقَضَاءُ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ صُورَةِ إِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِحِفْظِ الْمَالِ أَيْضًا، وَبَقَاءِ الذِّمِّيِّ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ مَعْصُومَ الدَّمِ وَالْمَالِ لَيْسَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ لِأَجْلِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِ الدِّينِ؛ لِيَسْهُلَ انْقِيَادُهُ وَيَتَيَسَّرَ اسْتِرْشَادُهُ، وَذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَةِ الدِّينِ لَا مِنْ مَصْلَحَةِ غَيْرِهِ. وَكَمَا أَنَّ مَقْصُودَ الدِّينِ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مَقَاصِدِ الضَّرُورِيَّاتِ، فَكَذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ مَقْصُودِ النَّفْسِ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَقَاصِدِ الضَّرُورِيَّةِ. أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى حِفْظِ النَّسَبِ؛ فَلِأَنَّ حِفْظَ النَّسَبِ إِنَّمَا كَانَ مَقْصُودًا لِأَجْلِ حِفْظِ الْوَلَدِ حَتَّى لَا يَبْقَى ضَائِعًا لَا مُرَبِّيَ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا لِعَيْنِهِ (بَلْ لِإِفْضَائِهِ إِلَى النَّفْسِ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَالِ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا فَإِنَّهُ فَلَمْ يَكُنْ بَقَاؤُهُ مَطْلُوبًا لِعَيْنِهِ) وَذَاتِهِ، بَلْ لِأَجْلِ بَقَاءِ النَّفْسِ مُرَفَّهَةً مُنَعَّمَةً حَتَّى تَأْتِيَ بِوَظَائِفِ التَّكَالِيفِ وَأَعْبَاءِ الْعِبَادَاتِ. وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى حِفْظِ الْعَقْلِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّفْسَ أَصْلٌ وَالْعَقْلَ تَبَعٌ، فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَصْلِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ مَا يُفْضِي إِلَى فَوَاتِ النَّفْسِ عَلَى تَقْدِيرِ أَفْضَلِيَّتِهِ يَفُوتُهَا مُطْلَقًا، وَمَا يُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِ الْعَقْلِ كَشُرْبِ الْمُسْكِرِ لَا يُفْضِي إِلَى فَوَاتِهِ مُطْلَقًا.
следующие страницы →