← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَاعْتِقَادُهُ لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الْمَرْجُوحِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَاعْتِقَادُهُ لِلتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مُحَالٌ. وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْقَوْلَيْنِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، أَوِ التَّرَدُّدَ وَالشَّكَّ كَتَرَدُّدِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّسْمِيَةِ: هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ؟ فَذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ مَعَهُ نِسْبَةُ الْقَوْلَيْنِ إِلَيْهِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ لَا يُقَالُ: إِنَّ لَهُ فِي الْكَفَّارَةِ أَقْوَالًا. وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ وَتَرَدَّدَ فِيهِ لَا يُقَالُ لَهُ فِيهِ أَقْوَالٌ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ ذَلِكَ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ) عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ فِيهَا دَلِيلَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ، وَلَا مَوْجُودَ سِوَاهُمَا إِمَّا نَصَّانِ أَوِ اسْتِصْحَابَانِ، كَمَا إِذَا أَعْتَقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ عَبْدًا غَائِبًا مُنْقَطِعَ الْخَبَرِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ وَالْأَصْلَ بَقَاءُ اشْتِغَالِ الذِّمَّةِ أَوْ أَصْلَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَالْمَسْأَلَةُ مُشَابِهَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ عَلَى السَّوِيَّةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِلٌ، فَقَوْلُهُ بِوُجُودِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَهَذَا قَوْلَانِ لَكِنَّهُ لَيْسَ قَوْلًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مَنْقُولًا، فَذَلِكَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي صُورَتَيْنِ مُتَنَاظِرَتَيْنِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَارِقٌ أَوْ لَا يَظْهَرَ، فَإِنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ فَالنَّقْلُ يَكُونُ مُمْتَنِعًا. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ وَكَانَ الْإِمَامُ قَدْ نَصَّ عَلَى حُكْمِ الصُّورَتَيْنِ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي وَقْتَيْنِ أَوْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّارِيخُ مَعْلُومًا أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا فَتَنْصِيصُهُ عَلَى الْحُكْمِ الْأَخِيرِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ مِثْلِهِ فِي الصُّورَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا أَوَّلًا، ضَرُورَةَ عَدَمِ الْفَرْقِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ رُجُوعُهُ عَنِ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّارِيخُ مَعْلُومًا فَيَجِبُ اعْتِقَادُ اشْتِرَاكِ الصُّورَتَيْنِ فِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ، وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ آخِرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِعَيْنِهِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِينِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ. وَأَمَّا إِنْ نَصَّ عَلَى حُكْمَيِ الصُّورَتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ.

стр. 1122

[الْمَسْأَلَةُ الثامنة حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ لِمَصْلَحَةِ الْحُكْمِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ لِمَصْلَحَةِ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُ حُكْمِهِ إِمَّا بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، أَوْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ آخَرَ، لَأَمْكَنَ نَقْضُ الْحُكْمِ بِالنَّقْضِ وَنَقْضُ النَّقْضِ إِلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اضْطِرَابُ الْأَحْكَامِ وَعَدَمُ الْوُثُوقِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي نُصِبَ الْحَاكِمُ لَهَا. وَإِنَّمَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ قَاطِعٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مَنْصُوصَةً أَوْ كَانَ قَدْ قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ (١) ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ مِنْ نَصٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا يُنْقَضُ مَا حُكِمَ بِهِ بِالظَّنِّ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الرُّتْبَةِ. . (٢) وَلَوْ حُكِمَ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ مُقَلِّدًا لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى امْتِنَاعِهِ وَإِبْطَالِ حُكْمِهِ، وَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ مُقَلِّدًا لِإِمَامٍ وَحَكَمَ بِحُكْمٍ يُخَالِفُ مَذْهَبَ إِمَامِهِ، فَإِنْ قَضَيْنَا بِصِحَّةِ حُكْمِ الْمُقَلِّدِ ضَرُورَةَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ فِي زَمَانِنَا، فَنَقْضُ حُكْمِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِ إِمَامِهِ؟ فَإِنْ مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ نُقِضَ، وَإِلَّا فَلَا. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَتَجْوِيزِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ بِلَا وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَإِمَّا أَنْ يَتَّصِلَ بِذَلِكَ حُكْمُ حَاكِمٍ آخَرَ، أَوْ لَا يَتَّصِلَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: لَمْ يُنْقَضِ الِاجْتِهَادُ السَّابِقُ ; نَظَرًا إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ وَمَصْلَحَتِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: لَزِمَهُ مُفَارَقَةُ الزَّوْجَةِ، وَإِلَّا كَانَ مُسْتَدِيمًا لِحِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا عَلَى خِلَافِ مُعْتَقَدِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَعَمِلَ ذَلِكَ الْغَيْرُ بِفَتْوَاهُ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُقَلِّدَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُفَارَقَةُ الزَّوْجَةِ لِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مُفْتِيهِ؟ وَالْحَقُّ وُجُوبُهُ، كَمَا لَوْ قَلَّدَ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى فِي أَثْنَاءِ صَلَاةِ الْمُقَلِّدِ لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَوُّلُ إِلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ.

стр. 1123

[الْمَسْأَلَةُ التاسعة المجتهد لا يجوز له التقليد] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ الْمُكَلَّفُ إِذَا كَانَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ بِتَمَامِهَا فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، فَإِنِ اجْتَهَدَ فِيهَا، وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ فِيهَا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي خِلَافِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ وَتَرَكَ ظَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اجْتَهَدَ فِيهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ: الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ وَتَرَكَ الْأَوْلَى جَازَ لَهُ تَقْلِيدُ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِذَا كَانَ مُتَرَجِّحًا فِي نَظَرِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ خَالَفَهُ وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي نَظَرِهِ يُخَيَّرُ فِي تَقْلِيدِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ عَدَاهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْقَدِيمَةِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَلَا يُقَلِّدْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَجْهُ الِاجْتِهَادِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ مُطْلَقًا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ فِيمَا يُفْتِي بِهِ، وَفِيمَا يَخُصُّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِيمَا يَخُصُّهُ دُونَ مَا يُفْتِي بِهِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ خَصَّصَ ذَلِكَ بِمَا يَفُوتُ وَقْتُهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَنْعِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. إِلَّا أَنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ قَدِ احْتَجُّوا بِحُجَجٍ ضَعِيفَةٍ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا وَالتَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ. الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ مَصِيرُهُ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ.

стр. 1124

الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ وَتَرْكُ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُهُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ ; لِإِمْكَانِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلَافِ رَأْيِ مَنْ قَلَّدَهُ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ، لَجَازَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ تَقْلِيدُ الْبَعْضِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمَا كَانَ لِمُنَاظَرَاتِهِمْ فِيمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ مَعْنًى. الرَّابِعَةُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ تَتْرُكُ مَا رَأَتْهُ بِاجْتِهَادِهَا لِمَا تَسْمَعُهُ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ عَمَلُ غَيْرِهِمْ بِالْخَبَرِ وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِرَأْيِهِمْ أَوْلَى. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْحُجَّةِ الْأُولَى: إِنَّمَا لَمْ يَجُزِ التَّقْلِيدُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا هُوَ الْعِلْمُ (١) وَهَذَا غَيْرُ حَاصِلٍ بِالتَّقْلِيدِ، بِخِلَافِ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا هُوَ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالتَّقْلِيدِ فَافْتَرَقَا. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ إِلَى حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ فَوُثُوقُهُ بِهِ أَتَمُّ مِنْ وُثُوقِهِ بِمَا يُقَلِّدُ فِيهِ الْغَيْرَ ; لِأَنَّهُ مَعَ مُسَاوَاةِ اجْتِهَادِهِ لِاجْتِهَادِ الْغَيْرِ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْغَيْرُ صَادِقًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ فِيمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَقَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْوُثُوقُ بِحُكْمٍ مَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ مَعَ الِاجْتِهَادِ امْتِنَاعُهُ مَعَ عَدَمِهِ. وَعَلَى الثَّالِثَةِ: أَنَّ مِنَ الْمُخَالِفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ يُجَوِّزُ تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ إِذَا كَانَ الْمُقَلِّدُ أَعْلَمَ كَمَا سَبَقَ فِي تَفْصِيلِ الْمَذَاهِبِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ. وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوُثُوقَ بِاجْتِهَادِ الصَّحَابِيِّ لِمُشَاهَدَةِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَزِيَادَةِ اخْتِصَاصِ الصَّحَابَةِ بِالتَّشَدُّدِ فِي الْبَحْثِ عَنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَتَأْسِيسِ الشَّرِيعَةِ، وَعَدَمِ تَسَامُحِهِمْ فِيهَا أَشُدُّ

стр. 1125

مِنْ غَيْرِهِمْ عَلَى مَا قَالَ ﵇: " «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ» ". (١) أَتَمُّ مِنَ الْوُثُوقِ بِاجْتِهَادِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ، وأَمَّا مِثْلُ هَذَا التَّفَاوُتِ فَغَيْرُ وَاقِعٍ بَيْنِ الصَّحَابَةِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ تَقْلِيدِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ لِلصَّحَابِيِّ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ لِلصَّحَابِيِّ. وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فِي مُنَاقَضَةِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، أَوْ لَا يَكُونَ صَرِيحًا، بَلْ دَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ ظَنِّيَّةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَلَا خَفَاءَ فِي امْتِنَاعِ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ مَعَهُ، كَمَا يَمْتَنِعُ عَلَى الصَّحَابِيِّ الْعَمَلُ بِرَأْيِهِ مَعَ ذَلِكَ الْخَبَرِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الصَّحَابِيِّ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى اعْتِقَادِ مَا رَآهُ أَوَّلًا، وَتَرْجِيحُ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ عَلَى ذَلِكَ الْخَبَرِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الْخَبَرِ. وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، فَمَنِ ادَّعَاهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ الْعَاجِزِ عَنِ التَّوَصُّلِ إِلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ مِنَ الْحُكْمِ جَوَازُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّوَصُّلِ إِلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَوُثُوقُهُ بِهِ أَتَمُّ مِمَّا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ لِمَا سَبَقَ. فَإِنْ قِيلَ: دَلِيلُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَمْرٌ بِالسُّؤَالِ وَأَدْنَى دَرَجَاتِهِ جَوَازُ اتِّبَاعِ الْمَسْئُولِ وَاعْتِقَادُ قَوْلِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا أَصْلًا، بَلْ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ وَمَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ فِيهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا، فَكَانَ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ (بِأُولِي الْأَمْرِ) الْعُلَمَاءُ، أَمَرَ غَيْرَ الْعَالِمِ بِطَاعَةِ الْعَالِمِ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِهِ جَوَازُ اتِّبَاعِهِ فِيمَا هُوَ مَذْهَبُهُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُهُ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ» " (٢)

стр. 1126

وَقَوْلُهُ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» ". (١) وَقَوْلُهُ ﵇: " «اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ". (٢) وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ وَإِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ (٣) ، وَبَايَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عُثْمَانَ عَلَى اتِّبَاعِ سُنَّةِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (٤) ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مَعَ أَنَّ الْمُقَلِّدَ كَانَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ فَصَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ بِاجْتِهَادِهِ عَلَى غَيْرِ الظَّنِّ، وَاتِّبَاعُ الْمُجْتَهِدِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُفِيدٌ لِلظَّنِّ، وَالظَّنُّ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، فَكَانَ اتِّبَاعُهُ فِيهِ جَائِزًا. وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الذِّكْرِ أَهْلُ الْعِلْمِ، أَيِ: الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ بِأَهْلِيَّتِهِ فِيمَا يُسْأَلُ عَنْهُ، لَا مَنِ الْعِلْمُ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا حَاضِرٌ عَتِيدٌ لَدَيْهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الشَّيْءِ مَنْ هُوَ مُتَأَهِّلٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَا مَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ. وَالْأَصْلُ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَتُخَصُّ الْآيَةُ بِسُؤَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَالْعَامِّيِّ لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْآيَةِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى

стр. 1127

أَمْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسُؤَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ السَّائِلُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنَ الْمَسْئُولِ. وَعَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ: (بِأُولِي الْأَمْرِ) الْوُلَاةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّعِيَّةِ، وَالْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَوَامِّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَوْجَبَ الطَّاعَةَ لَهُمْ، وَاتِّبَاعُ الْمُجْتَهِدِ لِلْمُجْتَهِدِ وَإِنْ جَازَ عِنْدَ الْخُصُومِ فَغَيْرُ وَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ. وَعَنِ السُّنَّةِ: مَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَوْ لَا؟ وَعَنِ الْإِجْمَاعِ: أَمَّا عُمَرُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا لَعَلِيٍّ وَلِمُعَاذٍ فِيمَا ذَهَبَا إِلَيْهِ، بَلْ لِأَنَّهُ اطَّلَعَ مِنْ قَوْلَيْهِمَا عَلَى دَلِيلٍ أَوْجَبَ رُجُوعَهُ إِلَيْهِ. وَأَمَّا قِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. (١) وَعَنِ الْمَعْقُولِ: أَنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ فِي خِلَافِ مَا أَدَّى إِجْمَاعًا، فَلَوْ جَازَ لَهُ التَّقْلِيدُ مَعَ عَدَمِ الِاجْتِهَادِ لَكَانَ ذَلِكَ بَدَلًا عَنِ اجْتِهَادِهِ، وَالْبَدَلُ دُونَ الْمُبْدَلِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَجُوزَ الْعُدُولُ إِلَى الْبَدَلِ مَعَ إِمْكَانِ تَحْصِيلِ الْمُبْدَلِ مُبَالَغَةً فِي تَحْصِيلِ الزِّيَادَةِ مِنْ مَقْصُودِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَرِدَ نَصٌّ بِالتَّخْيِيرِ يُوجِبُ إِلْغَاءَ الزِّيَادَةِ مِنْ مَقْصُودِ الْمُبْدَلِ أَوْ نَصٌّ بِأَنَّهُ بَدَلٌ عِنْدَ الْعَدَمِ لَا عِنْدَ الْوُجُودِ (٢) ، كَمَا فِي بِنْتِ مَخَاضٍ وَابْنِ لَبُونٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنَّ وُجُودَ بِنْتِ مَخَاضٍ يَمْنَعُ مِنْ أَدَاءِ ابْنِ لَبُونٍ، وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ النَّصِّ. كَيْفَ وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مَعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .

стр. 1128

وَبِقَوْلِهِ ﵇: " «اجْتَهِدُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» ". (١) وَتَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ يَلْزَمُ مِنْهُ: تَرْكُ الِاعْتِبَارِ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَرْكُ مَا أُنْزِلَ، وَاقْتِفَاءُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وَتَرْكُ الِاجْتِهَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ النَّصِّ. وَاذَا تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ سَلِمَ لَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. [الْمَسْأَلَةُ العاشرة هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُجْتَهِدِ احْكُمْ فَإِنَّكَ لَا تَحْكُمُ إِلَّا بِالصَّوَابِ] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُجْتَهِدِ احْكُمْ فَإِنَّكَ لَا تَحْكُمُ إِلَّا بِالصَّوَابِ (٢) ، فَأَجَازَ ذَلِكَ قَوْمٌ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فَقَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (٣) بِجَوَازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِلنَّبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ بِجَوَازِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ خَاصَّةً فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي " كِتَابِ الرِّسَالَةِ " مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ. وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ دُونَ وُقُوعِهِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى حُجَجٍ عَوَّلَ عَلَيْهَا الْمُجَوِّزُونَ بَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى ضَعْفِهَا كَالْجَارِي مِنْ

стр. 1129

عَادَتِنَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (١) وَقَدِ احْتَجُّوا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا النَّصُّ: فَمِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أَضَافَ التَّحْرِيمَ إِلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ مُفَوَّضًا إِلَيْهِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ «لَمَّا قَالَ فِي مَكَّةَ: " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا " قَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: (إِلَّا الْإِذْخِرَ) » . (٢) وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْحُكْمَ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇: " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» ". (٣) وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇: ( «عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» ) . (٤) وَمِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ «لَمَّا قِيلَ لَهُ: أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: (بَلْ لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ» ) (٥) أَضَافَ الْوُجُوبَ وَالْعَفْوَ إِلَى أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ لَمَا جَازَ.

стр. 1130

وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ أَمَرَ مُنَادِيًا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ( «أَنِ اقْتُلُوا ابْنَ صَبَابَةَ وَابْنَ أَبِي سَرْحٍ وَلَوْ كَانَا مُتَعَلِّقَيْنِ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» ) (١) ، ثُمَّ عَفَا عَنِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ بِشَفَاعَةِ عُثْمَانَ (٢) وَلَوْ كَانَ قَدْ أُمِرَ بِقَتْلِهِ بِوَحْيٍ لَمَا خَالَفَهُ بِشَفَاعَةِ عُثْمَانَ. وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ «لَمَّا قَتَلَ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ جَاءَتْهُ بِنْتُ النَّضْرِ فَأَنْشَدَتْهُ: مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا ... مَنَّ الْفَتَى وَهْوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ. فَقَالَ ﵇: (أَمَّا أَنِّي لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُ شِعْرَهَا مَا قَتَلْتُهُ) » . (٣) وَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ لَمَا خَالَفَهُ وَإِنْ سَمِعَ شِعْرَهَا. وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ «لَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ مَاعِزًا رُجِمَ، فَقَالَ: " لَوْ كُنْتُمْ تَرَكْتُمُوهُ حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ» (٤) وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الرَّجْمِ كَانَ مُفَوَّضًا إِلَى رَأْيِهِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇: " «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» " (٥) ،

стр. 1131

وَعَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي أَلَا فَانْتَفِعُوا بِهَا " (١) ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَفْوِيضِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَمَا نُقِلَ عَنْ آحَادِ الصَّحَابَةِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ " إِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ " أَضَافَ الْحُكْمَ إِلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ فَصَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا. وَمِنْ ذَلِكَ مَا شَاعَ وَذَاعَ مِنْ رُجُوعِ آحَادِ الصَّحَابَةِ عَمَّا حَكَمَ بِهِ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ عَنْ دَلِيلٍ مِنَ الشَّارِعِ لَمَا شَاعَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَمَا جَازَ تَطَابُقُ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا جَازَ تَفْوِيضُ الشَّارِعِ إِلَى الْمُكَلَّفِ اخْتِيَارُ وَاحِدَةٍ مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ جَازَ مِثْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ. الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُفَوَّضَ إِلَى الْعَامِّيِّ الْعَمَلُ بِمَا شَاءَ مِنْ فَتْوَى أَيِّ الْمُجْتَهِدِينَ شَاءَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ جَازَ مِثْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهِدِينَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا جَازَ الْحُكْمُ بِالْأَمَارَةِ الظَّنِّيَّةِ مَعَ جَوَازِ الْخَطَإِ فِيهَا عَنِ الصَّوَابِ جَازَ الْحُكْمُ بِمَا يَخْتَارُهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَإِنْ جَازَ عُدُولُهُ عَنْ جِهَةِ الصَّوَابِ. (٢) وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجِيبَ عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَةِ بَنِيهِ حَتَّى يَكُونَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ إِسْرَائِيلَ حَرَّمَ مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاجْتِهَادِ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ لَا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. وَعَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّ الْإِذْخِرَ لَيْسَ مِنَ الْخَلَا، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِيمَا حُرِّمَ، وَعَلَى هَذَا فَإِبَاحَتُهُ تَكُونُ بِنَاءً عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْعَبَّاسِ وَالنَّبِيِّ ﵇ كَانَ تَأْكِيدًا.

стр. 1132

وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى حَقِيقَةً مِمَّا حُرِّمَ بِطَرِيقِ التَّأْسِيسِ، لَكِنْ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ سَابِقٍ وَهُوَ الْأَوْلَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ رَسُولِهِ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ أَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا. وَعَنِ الْخَبَرِ الثَّانِي: أَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنَّ الْوَحْيَ نَزَلَ بِتَخْيِيرِهِ فِي أَمْرِهِمْ بِالسِّوَاكِ الشَّاقِّ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةِ، وَعَدَمِ أَمْرِهِمْ بِذَلِكَ لَا أَنَّ أَمْرَهُ لَهُمْ بِالسِّوَاكِ يَكُونُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَيَجِبُ اعْتِقَادُ ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ فِي الْآيَةِ. وَعَنِ الْخَبَرِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَضَافَ الْعَفْوَ إِلَى نَفْسِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ صَدَقَةَ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ مِنْهُمْ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ الْمُسْقِطُ لَهَا، وَدَلِيلُهُ مَا سَبَقَ فِي الْآيَةِ. وَعَنِ الْخَبَرِ الرَّابِعِ: أَنَّ قَوْلَهُ: " «وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ» " لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ مُسْتَنِدٌ إِلَى قَوْلِهِ " نَعَمْ " مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ مَا يَقُولُ إِلَّا بِوَحْيٍ لِمَا سَبَقَ فِي الْآيَةِ. وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُبِيحَ الْقَتْلُ وَتَرْكُهُ بِالْوَحْيِ بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَمَاعِزٍ. وَعَنِ الْخَبَرِ الْأَخِيرِ: أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى وَأَبَاحَ بَعْدَ النَّهْيِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ لَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. وَعَنِ الْإِجْمَاعِ: أَمَّا إِضَافَةُ الْخَطَأِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَكَمَ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَكَمَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ بِنَاءً عَلَى مَا ظَنَّهُ دَلِيلًا، وَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنِ اخْتِيَارٍ قَدْ أُبِيحُ لَهُمُ الْعَمَلُ بِهِ لَمَا شَكُّوا فِي كَوْنِهِ صَوَابًا. وَأَمَّا رُجُوعُ آحَادِ الصَّحَابَةِ عَمَّا حَكَمَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِظُهُورِ الْخَطَأِ لَهُ فِيمَا ظَنَّهُ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ أَوَّلًا، وَقَدْ سَوَّغَ لَهُ الْحُكْمَ بِهِ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا. وَعَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَعْقُولِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّخْيِيرِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَامِّيَّ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَمَنْ قَالَ بِجَوَازِ التَّخْيِيرِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يَقْضِ بِجَوَازِهِ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ، وَلَوْ وَقَعَ التَّسَاوِي بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ لَجَازَ ذَلِكَ لِلْعَامِّيِّ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَبِمِثْلِهِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي. وَعَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ (١) الْعَمَلِ بِالْأَمَارَةِ مَعَ كَوْنِهَا مُفِيدَةً

стр. 1133

لِلظَّنِّ الْعَمَلُ بِالِاخْتِيَارِ مِنْ غَيْرِ ظَنٍّ مُفِيدٍ لِلْحُكْمِ. وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: لَوِ امْتَنَعَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ لِذَاتِهِ أَوْ لِمَانِعٍ مِنْ خَارِجٍ، الْأَوَّلُ مُحَالٌ ; فَإِنَّا إِذَا قَدَّرْنَاهُ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ فِي الْعَقْلِ (١) ، وَإِنْ كَانَ لِمَانِعٍ مِنْ خَارِجٍ فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَعَلَى مَنْ يَدَّعِيهِ بَيَانُهُ. فَإِنْ قِيلَ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَارِي تَعَالَى إِنَّمَا شَرَعَ الشَّرَائِعَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَلَوْ فَوَّضَ ذَلِكَ إِلَى اخْتِيَارِ الْعَبْدِ فَاخْتِيَارُ الْعَبْدِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَصْلَحَةً وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَفْسَدَةً، فَلَا نَأْمَنُ مِنِ اخْتِيَارِهِ لِلْمَفْسَدَةِ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا وُضِعَتْ لَهُ الشَّرِيعَةُ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ (٢) ، وَإِنْ سَلَّمْنَا اعْتِبَارَ ذَلِكَ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ قَدْ أَمِنَّا فِي ذَلِكَ مِنِ اخْتِيَارِ الْمَفْسَدَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ: (اخْتَرْ فَإِنَّكَ لَا تَخْتَارُ إِلَّا الصَّوَابَ) . (٣) فَإِنْ قِيلَ: يَمْتَنِعُ عَلَى الشَّارِعِ قَوْلُ ذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ اسْتِمْرَارِ الْمُكَلَّفِ عَلَى اخْتِيَارِ الصَّلَاحِ دُونَ الْفَسَادِ، كَمَا لَا يَجُوزُ اتِّفَاقُ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ الْمُحْكَمَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، ثُمَّ لَوْ جَازَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ لَجَازَ مِثْلُهُ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قُلْنَا: دَلِيلُ جَوَازِ ذَلِكَ مِنَ الشَّارِعِ أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا وُرُودَهُ مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا يَتَّفِقُ اخْتِيَارُ الصَّلَاحِ فِي الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ. قُلْنَا: مَتَى إِذَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ بِذَلِكَ أَوْ إِذَا لَمْ يُخْبِرْ؟ (٤) الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ قَالَ لِلْعَامِّيِّ مِثْلَ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا عَقْلًا، ثُمَّ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَتَّفِقُ اخْتِيَارُ الْمَصْلَحَةِ فِي الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ، لَكِنْ مَتَى إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ خَارِجَةً عَنِ الْفِعْلِ الْمُخْتَارِ، أَوْ إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ هِيَ نَفْسَ الْفِعْلِ الْمُخْتَارِ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.

стр. 1134

فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْإِبَاحَةُ وَإِسْقَاطُ التَّكْلِيفِ. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ إِيجَابُ التَّخْيِيرِ، وَإِيجَابُ التَّخْيِيرِ تَكْلِيفٌ لَا أَنَّهُ إِبَاحَةٌ وَإِسْقَاطٌ لِلتَّكْلِيفِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَحْسُنُ إِيجَابُ مَا يُمْكِنُ الْخُلُوُّ مِنْهُ، وَيَمْتَنِعُ الْخُلُوُّ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَلَا يَحْسُنُ إِيجَابُهُ. قُلْنَا: هَذَا وَإِنِ اسْتَمَرَّ فِي إِيجَابِ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ فَلَا يَسْتَمِرُّ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُتَصَوَّرُ الْخُلُوُّ مِنْهَا، كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُحَرَّمًا أَوْ وَاجِبًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: اخْتَرْ إِمَّا التَّحْرِيمَ وَإِمَّا الْوُجُوبَ، وَأَيَّهُمَا اخْتَرْتَ فَلَا تَخْتَرْ إِلَّا مَا الْمَصْلَحَةُ فِيهِ. وَلَا يَخْفَى جَوَازُ الْخُلُوِّ مِنْهُمَا بِالْإِبَاحَةِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ خَارِجَةٌ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ الْمُخْتَارِ، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ اخْتِيَارُ الْمَصْلَحَةِ فِي الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ الْقَلِيلَةِ؟ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ اخْتِيَارَ مَا الْمَصْلَحَةُ فِيهِ أَوْ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَدْ كَلَّفَهُ مَا لَا يُطَاقُ ; حَيْثُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ اخْتِيَارَ الْمَصْلَحَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ مُحَالٌ عَلَى الشَّارِعِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِذْنِ مِنْهُ فِي فِعْلِ الْمَفْسَدَةِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْعَدْلِ. قُلْنَا: إِنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ اخْتِيَارَ الْمَصْلَحَةِ وَإِنْ كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَإِنْ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ مِنَ الْأَمَارَةِ الظَّنِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا مُرْتَكِبًا لِلْمَفْسَدَةِ كَمَا تَقَرَّرَ قَبْلُ، وَإِذَا جَازَ إِيجَابُ فِعْلِ مَا هُوَ مَفْسَدَةٌ مَعَ عَدَمِ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِهِ جَازَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِذَلِكَ. (١)

стр. 1135

[الْمَسْأَلَةُ الحادية عشرة الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ ﵇ هل يجَوزِ الْخَطَإِ عَلَيْهِ فِي اجْتِهَادِهِ] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ ﵇ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْخَطَإِ عَلَيْهِ فِي اجْتِهَادِهِ، فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَابِلَةُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْجُبَّائِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى جَوَازِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُقَرَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَدَلِيلُهُ الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الْمَنْقُولُ: فَمِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ فِي إِذْنِهِ لَهُمْ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْمُفَادَاةِ فِي يَوْمِ بَدْرٍ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﵇: " «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ لَمَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ» " (٢) لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ وَنَهَى عَنِ الْمُفَادَاةِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى خَطَئِهِ فِي الْمُفَادَاةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٣) أَثْبَتَ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَقَدْ جَازَ الْخَطَأُ عَلَى غَيْرِهِ فَكَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَا جَازَ عَلَى أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ يَكُونُ جَائِزًا عَلَى الْآخَرِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَإِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ

стр. 1136

مَالِ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» " (١) ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَقْضِي بِمَا لَا يَكُونُ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ". وَأَيْضًا مَا اشْتُهِرَ عَنْهُ ﵇ مِنْ نِسْيَانِهِ فِي الصَّلَاةِ وَتَحَلُّلِهِ عَنْ رَكْعَتَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ: " «أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ سَهَوْتَ؟ " فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: " أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ» ". (٢) وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَإِنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ وُقُوعُ الْخَطَإِ مِنْهُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِأَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ ; لَوْ فَرَضْنَاهُ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ عَقْلًا (٣) ، وَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَعَلَى مُدَّعِيهِ بَيَانُهُ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَعَارَضٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ حُكْمِهِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فَلَوْ جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِي حُكْمِهِ لَكُنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ الْخَطَإِ، وَالشَّارِعُ لَا يَأْمُرُ بِالْخَطَإِ. (٤) الثَّانِي: أَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا أَجْمَعَتْ عَلَى حُكْمٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ كَانَ إِجْمَاعُهُمْ مَعْصُومًا عَنِ الْخَطَإِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَلَوْ جَازَ عَلَى النَّبِيِّ الْخَطَأُ فِي اجْتِهَادِهِ لَكَانَتِ الْأُمَّةُ أَعْلَى رُتْبَةٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ.

стр. 1137

الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَعْثَةِ وَإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﵇ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِقَامَةً لِمَصَالِحِ الْخَلْقِ، فَلَوْ جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِي حُكْمِهِ لَأَوْجَبَ ذَلِكَ التَّرَدُّدَ فِي قَوْلِهِ وَالشَّكَّ فِي حُكْمِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ أَمْرُ الشَّارِعِ لِلْعَامِّيِّ بِاتِّبَاعِ قَوْلِ الْمُفْتِي مَعَ جَوَازِ خَطَئِهِ، فَمَا هُوَ جَوَابٌ لَهُمْ فِي صُورَةِ الْإِلْزَامِ فَهُوَ جَوَابٌ لَنَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَعَنِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي: أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ مَنَعَ مِنْ تَصَوُّرِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الِاجْتِهَادِ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ وَامْتِنَاعِ الْخَطَأِ فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ وَجَوَّزَ مَعَ ذَلِكَ مُخَالَفَتَهُ لِإِمْكَانِ الْخَطَإِ فِيهِ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ. وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الِاجْتِهَادِ وَامْتِنَاعِ الْخَطَإِ فِيهِ، فَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عُلُوُّ رُتْبَةِ الْأُمَّةِ عَلَى رُتْبَةِ النَّبِيِّ ﵇، مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِالرِّسَالَةِ وَكَوْنِ عِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ مُسْتَفَادَةً مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنَّهُ الشَّارِعُ الْمُتَّبَعُ، وَأَهْلُ الْإِجْمَاعِ مُتَّبِعُونَ لَهُ وَمَأْمُورُونَ بِأَوَامِرِهِ وَمَنْهِيُّونَ بِنَوَاهِيهِ، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَعْثَةِ إِنَّمَا هُوَ تَبْلِيغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ إِظْهَارُ صِدْقِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالتَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ خَطَؤُهُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا كَذَلِكَ مَا يَحْكُمُ بِهِ عَنِ اجْتِهَادِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ مَا يَقُولُهُ فِيهِ عَنْ وَحْيٍ وَلَا بِطْرِيقِ التَّبْلِيغِ، بَلْ حُكْمُهُ فِيهِ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَتَطَرُّقُ الْخَطَإِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْإِخْلَالَ بِمَعْنَى الْبَعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ.

стр. 1138

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ النَّافِي هَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَوْ لَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ اخْتَلَفُوا فِي النَّافِي هَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَوْ لَا؟ . مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ أَوِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ فِي الْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ دُونَ الشَّرْعِيَّةِ. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ النَّافِيَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَافِيًا بِمَعْنَى ادِّعَائِهِ عَدَمَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَظَنِّهِ، أَوْ مُدَّعِيًا لِلْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ بِالنَّفْيِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَالْجَاهِلُ لَا يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ عَلَى جَهْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُطَالَبُ عَلَى دَعْوَاهُ أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ أَلَمًا وَلَا جُوعًا وَلَا حَرًّا وَلَا بَرْدًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْعِلْمَ بِنَفْيِ مَا نَفَاهُ ضَرُورَةً، أَوْ لَا بِطْرِيقِ الضَّرُورَةِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَى الضَّرُورَةِ، فَالضَّرُورِيُّ لَا يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ الضَّرُورَةَ فَلَا يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ مَا ادَّعَى حُصُولَهُ لَهُ عَنْ نَظَرٍ، وَيَكْفِي الْمَنْعُ فِي انْقِطَاعِهِ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يُقَدِّرُ الضَّرُورَةَ فِي ذَلِكَ، وَالنَّظَرُ غَيْرُ مُدَّعٍ لَهُ، وَإِنِ ادَّعَى الْعِلْمَ بِنَفْيِهِ لَا بِطْرِيقِ الضَّرُورَةِ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لَهُ بِطَرِيقٍ مُفْضٍ إِلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ بِطْرِيقٍ مُفْضٍ إِلَيْهِ، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ ; لِأَنَّ حُصُولَ عِلْمٍ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ يُفْضِي إِلَيْهِ مُحَالٌ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَلَا بُدَّ عِنْدَ الدَّعْوَى وَالْمُطَالَبَةِ بِدَلِيلِهَا مِنْ ذِكْرِهِ وَكَشْفِهِ لِيَنْظُرَ فِيهِ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ كَتَمَ عِلْمًا نَافِعًا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى إِظْهَارِهِ، وَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵇: " «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا نَافِعًا فَقَدْ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» " وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ فِي دَعْوَى الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ (١) ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَى مُدَّعِي الْإِثْبَاتِ ذِكْرُ الدَّلِيلِ، فَكَذَلِكَ فِي دَعْوَى النَّفْيِ، كَيْفَ وَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى الْوَحْدَانِيَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَقِدَمَهُ (٢)

стр. 1139

أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ، وَإِنْ كَانَ حَاصِلُ دَعْوَى الْوَحْدَانِيَّةِ نَفْيَ الشَّرِيكِ وَحَاصِلُ دَعْوَى الْقِدَمِ نَفْيَ الْحُدُوثِ وَالْأَوَّلِيَّةِ، وَلِهَذَا نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَفْيِ آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى الدَّلِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الْآيَةَ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَاذَا تَقُولُونَ فِيمَا إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَلَمْ تَقُمْ عَلَى دَعْوَاهُ بَيِّنَةٌ، هَلْ يَلْزَمُ الْمُنْكِرِينَ لِنُبُوَّتِهِ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَوْ لَا يَلْزَمُ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ أَوْ صَوْمِ شَوَّالٍ أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ إِذَا أَنْكَرَ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، هَلْ يَلْزَمُهُ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى مَا نَفَاهُ أَوْ لَا؟ إِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ فَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي مَعَ كَوْنِهِ نَافِيًا فِي قَضِيَّةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ مَحَلَّ النِّزَاعِ. قُلْنَا: النَّفْيُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَمْ يَخْلُ عَنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُكْتَفَى بِظُهُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ مَعَ عَدَمِ الْقَاطِعِ لَهُ، وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، وَعَلَى وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ وَشَغْلِ الذِّمَّةِ. وَإِذَا قِيلَ: إِنِ النَّافِيَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَالدَّلِيلُ الْمُسَاعِدُ فِي ذَلِكَ إِمَّا نَصٌّ وَارِدٌ مِنَ الشَّارِعِ يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ أَوْ إِجْمَاعٌ مِنَ الْأُمَّةِ، وَإِمَّا التَّمَسُّكُ بِاسْتِصْحَابِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُغَيِّرِ الْقَاطِعِ، وَإِمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ. وَهَلْ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى النَّفْيِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ (١) بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَالدَّلَالَةِ، وَالْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ.

стр. 1140

[الْبَابُ الثَّانِي فِي التَّقْلِيدِ وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي وَمَا فِيهِ الِاسْتِفْتَاءُ وَمَا يَتَشَعَّبُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ] الْبَابُ الثَّانِي فِي التَّقْلِيدِ وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي، وَمَا فِيهِ الِاسْتِفْتَاءُ، وَمَا يَتَشَعَّبُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ. أَمَّا (التَّقْلِيدُ) فَعِبَارَةٌ عَنِ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ (١) وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَقْلِيدِهِ بِالْقِلَادَةِ وَجَعْلِهَا فِي عُنُقِهِ، وَذَلِكَ كَالْأَخْذِ بِقَوْلِ الْعَامِّيِّ، وَأَخْذِ الْمُجْتَهِدِ بِقَوْلِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ (٢) وَعَلَى هَذَا فَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ وَإِلَى مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَصْرِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَرُجُوعُ الْعَامِّيِّ إِلَى قَوْلِ الْمُفْتِي، وَكَذَلِكَ عَمَلُ الْقَاضِي بِقَوْلِ الْعُدُولِ لَا يَكُونُ تَقْلِيدًا (٣) لِعَدَمِ عَرُوِّهِ عَنِ الْحُجَّةِ الْمُلْزِمَةِ. أَمَّا فِي قَبُولِ قَوْلِ الرَّسُولِ فَمَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ تَصْدِيقِهِ مِنَ الْمُعْجِزَةِ، وَوُجُوبِ قَبُولِ قَوْلِ الْإِجْمَاعِ قَوْلُ الرَّسُولِ، وَوُجُوبِ قَبُولِ قَوْلِ الْمُفْتِي وَالشَّاهِدَيْنِ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ (٤) وَإِنْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَقْلِيدًا، فَلَا مُشَاحَّةَ فِي اللَّفْظِ. (٥)

стр. 1141

وَأَمَّا (الْمُفْتِي) فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ كَأَدِلَّةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَأَنَّ لَهُ صَانِعًا، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ مُتَّصِفٌ بِمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالْخَلَلِ، وَأَنَّهُ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ فِي رِسَالَتِهِ وَتَبْلِيغِهِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ عَارِفًا بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَأَنْوَاعِهَا وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا فِي جِهَاتِ دَلَالَاتِهَا، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْهَا، وَالْمُتَعَارِضَاتِ، وَجِهَاتِ التَّرْجِيحِ فِيهَا، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا عَلَى مَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ، وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا ثِقَةً حَتَّى يُوثَقَ بِهِ فِيمَا يُخْبِرُ عَنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِلْإِرْشَادِ وَهِدَايَةِ الْعَامَّةِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَا بِجِهَةِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، مُتَّصِفًا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ؛ لِيَرْغَبَ الْمُسْتَمِعُ فِي قَبُولِ مَا يَقُولُ، كَافًّا نَفْسَهُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، حَذِرًا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْهُ. وَأَمَّا (الْمُسْتَفْتِي) فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا قَدْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ قَدِ اجْتَهَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ اتِّبَاعِهِ لِغَيْرِهِ فِي خِلَافِ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اجْتَهَدَ فِيهَا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ اتِّبَاعِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِيمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ بِجِهَةِ التَّفْصِيلِ وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ. (١) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا صِرْفًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي يَتَرَقَّى بِهَا إِلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ، أَوْ أَنَّهُ قَدْ تَرَقَّى عَنْ رُتْبَةِ الْعَامَّةِ بِتَحْصِيلِ بَعْضِ الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ اتِّبَاعِهِ لِقَوْلِ الْمُفْتِي، وَالصَّحِيحُ أَنَّ وَظِيفَتَهُ اتِّبَاعُ قَوْلِ الْمُفْتِي عَلَى مَا يَأْتِي، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَقَدْ تُرُدِّدَ أَيْضًا فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَامِّيِّ. وَأَمَّا مَا فِيهِ (الِاسْتِفْتَاءُ) فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقَضَايَا الْعِلْمِيَّةِ، أَوِ الظَّنِّيَّةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَدِ اخْتُلِفَ أَيْضًا فِي جَوَازِ اتِّبَاعِ قَوْلِ الْغَيْرِ فِيهِ. وَالْحَقُّ امْتِنَاعُهُ كَمَا يَأْتِي، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَهُوَ الْمَخْصُوصُ بِجَوَازِ الِاسْتِفْتَاءِ عَنْهُ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِ قَوْلِ الْمُفْتِي. وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْمَسَائِلِ الْمُتَشَعِّبَةِ عَنْهُ وَهِيَ ثَمَانٌ:

стр. 1142

[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى التَّقْلِيدِ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاعْتِقَادِ فِي وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاعْتِقَادِ فِي وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ، وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ. فَذَهَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ (١) ، وَالْحَشْوِيَّةُ (٢) ، إِلَى جَوَازِهِ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَإِنَّ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَالِاجْتِهَادَ فِيهِ حَرَامٌ. وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّظَرَ وَاجِبٌ، وَفِي التَّقْلِيدِ تَرْكُ الْوَاجِبِ فَلَا يَجُوزُ، وَدَلِيلُ وُجُوبِهِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ ﵇: " «وَيْلٌ لِمَنْ لَاكَهَا بَيْنَ لِحْيَيْهِ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» " (٣) تَوَعُّدٌ عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ فِيهَا، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ. الثَّانِي: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مِنَ السَّلَفِ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَجُوزُ، فَالتَّقْلِيدُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مُحَصِّلٌ لِلْمَعْرِفَةِ أَوْ غَيْرُ مُحَصِّلٍ لَهَا، الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُحَصِّلٌ لِلْمَعْرِفَةِ مُمْتَنِعٌ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُفْتِيَ بِذَلِكَ غَيْرُ مَعْصُومٍ، وَمَنْ لَا يَكُونُ مَعْصُومًا وَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ وَاجِبَ الصِّدْقِ، وَمَا لَا يَكُونُ وَاجِبَ الصِّدْقِ فَخَبَرُهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّقْلِيدُ يُفِيدُ الْعِلْمَ لَكَانَ الْعِلْمُ حَاصِلًا لِمَنْ قَلَّدَ فِي حُدُوثِ

стр. 1143

الْعَالَمِ، وَلِمَنْ قَلَّدَ فِي قِدَمِهِ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِ الْعَالَمِ حَادِثًا وَقَدِيمًا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّقْلِيدُ مُفِيدًا لِلْعَمَلِ فَالْعِلْمُ بِذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا، لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا، وَإِلَّا لَمَا خَالَفَ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خَلَا الْإِنْسَانُ وَدَوَاعِي نَفْسِهِ مِنْ مَبْدَأِ نَشْئِهِ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ أَصْلًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّلِيلِ الْمُفْضِي إِلَيْهِ، فَمَنِ ادَّعَاهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَيَانِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْوُجُوهِ الْأُوَلِ: أَنَّ التَّقْلِيدَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، فَلَا يَكُونُ جَائِزًا، غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَا ذَلِكَ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْعَامِّيِّ لِلْمُجْتَهِدِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصُّوَرِ فِيمَا سَبَقَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلِاتِّبَاعِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَنَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَبَيَانُ ذَمِّ التَّقْلِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمٍ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّظَرَ غَيْرُ وَاجِبٍ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَدَلِيلُ النَّهْيِ عَنْهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وَالنَّظَرُ يُفْضِي إِلَى فَتْحِ بَابِ الْجِدَالِ، فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ «أَنَّهُ نَهَى الصَّحَابَةَ لَمَّا رَآهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ وَقَالَ: " إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لِخَوْضِهِمْ فِي هَذَا» " (١) ، وَقَالَ ﵇: " «عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ» " (٢) وَهُوَ تَرْكُ النَّظَرِ، وَلَوْ كَانَ النَّظَرُ وَاجِبًا لَمَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ.

стр. 1144

الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْخَوْضُ وَالنَّظَرُ فِي الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ مُطْلَقًا، وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ عَنْهُمُ النَّظَرُ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَاجِبًا لَكَانُوا أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى زَمَنِنَا هَذَا الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي زَمَانِهِمْ مِنَ الْعَوَامِّ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ، مَعَ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ الْخَلْقِ، بَلْ كَانُوا حَاكِمِينَ بِإِسْلَامِهِمْ مُقِرِّينَ لَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ. الرَّابِعُ: لَوْ كَانَ النَّظَرُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبًا، فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ عَلَى الْعَارِفِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ الْعَارِفِ؛ الْأَوَّلُ: مُحَالٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلٍ. وَالثَّانِي: يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْجَهْلُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَاجِبًا، ضَرُورَةُ تَوَقُّفِ النَّظَرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَوَقُّفُ مَعْرِفَةِ إِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَعْرِفَةِ ذَاتِهِ، وَمَعْرِفَةِ ذَاتِهِ عَلَى النَّظَرِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى إِيجَابِهِ وَهُوَ دَوْرٌ. الْمُعَارَضَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ وَاضْطِرَابِ الْآرَاءِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الضَّلَالِ، بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ، فَكَانَ سُلُوكُ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ أَوْلَى، وَلِهَذَا صَادَفْنَا أَكْثَرَ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ أَدِلَّةَ الْأُصُولِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الْغُمُوضِ وَالْخَفَاءِ أَشَدُّ مِنْ أَدِلَّةِ الْفُرُوعِ، فَإِذَا جَازَ التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ مَعَ سُهُولَةِ أَدِلَّتِهَا، دَفْعًا لِلْحَرَجِ، فَلِأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِي الْأُصُولِ أَوْلَى. الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ قَدِ اسْتَوَيَا فِي التَّكْلِيفِ بِهِمَا، وَقَدْ جَازَ التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ فَكَذَلِكَ فِي الْأُصُولِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى بِمَنْعِ النَّهْيِ عَنِ النَّظَرِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا إِنَّمَا هُوَ الْجِدَالُ بِالْبَاطِلِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ دُونَ الْجِدَالِ بِالْحَقِّ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

стр. 1145

وَلَوْ كَانَ الْجِدَالُ بِالْحَقِّ مَنْهِيًّا عَنْهُ لَمَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ النَّظَرُ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّاظِرِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَوْرَدَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَا يَكُونُ مَمْدُوحًا عَلَيْهِ، وَبِهِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ نَهْيِهِ عَنِ النَّظَرِ فِي الْقَدَرِ. وَقَوْلُهُ ﵇: " «عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ» " لَمْ يَثْبُتْ وَلَمْ يَصِحَّ (١) ، وَإِنْ صَحَّ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى التَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا قَضَاهُ وَأَمْضَاهُ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ. قَوْلُهُمْ: (لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ) يَلْزَمُ مِنْهُ نِسْبَةُ الصَّحَابَةِ إِلَى الْجَهْلِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ كَوْنِ الْوَاحِدِ مِنَّا عَالِمًا بِذَلِكَ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ فَلَيْسَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ، فَتَعَيَّنَ إِسْنَادُهُ إِلَى النَّظَرِ وَالدَّلِيلِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُنْقَلْ عَنْهُمُ الْمُنَاظَرَةُ فِي ذَلِكَ لِصَفَاءِ أَذْهَانِهِمْ وَصِحَّةِ عَقَائِدِهِمْ وَعَدَمِ مَنْ يُحْوِجُهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَحَيْثُ نُقِلَ عَنْهُمْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ فَلِكَوْنِهَا اجْتِهَادِيَّةً، وَالظُّنُونُ فِيهَا مُتَفَاوِتَةٌ بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ. (٢) قَوْلُهُمْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالصَّحَابَةَ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى الْعَامَّةِ تَرْكَ النَّظَرِ.

стр. 1146

قُلْنَا: إِنَّمَا لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْوَاجِبَةَ كَانَتْ حَاصِلَةً لَهُمْ، وَهِيَ الْمَعْرِفَةُ بِالدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ لَا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ. قَوْلُهُمْ: (إِنَّ وُجُوبَ النَّظَرِ يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الْجَهْلِ بِاللَّهِ تَعَالَى) إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ الْجَهْلُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. قَوْلُهُمْ: (يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ) لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ الشَّرْعِيَّ عِنْدَنَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى النَّظَرِ، كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ. قَوْلُهُمْ: (إِنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ وَالتَّرَدِّي فِي الضَّلَالَاتِ) قُلْنَا: فَاعْتِقَادُ مَنْ يُقَلِّدُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ تَقْلِيدٍ أَوْ نَظَرٍ، ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَالْكَلَامُ فِيمَنْ قَلَّدَهُ كَالْكَلَامِ فِيهِ، وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَالْمَحْذُورُ اللَّازِمُ مِنَ النَّظَرِ لَازِمٌ فِي التَّقْلِيدِ مَعَ زِيَادَةٍ، وَهُوَ احْتِمَالُ كَذِبِ مَنْ قَلَّدَهُ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ، بِخِلَافِ النَّاظِرِ مَعَ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ فِيمَا أَدَّى إِلَيْهِ نَظَرُهُ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ التَّقْلِيدَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَالسَّوَادُ الْأَعْظَمُ. قُلْنَا: ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ فِي الْعَقَائِدِ الْمُضِلَّةِ أَكْثَرُ مِنَ الصَّحِيحَةِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ، وَقَالَ ﵇: " «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ نَاجِيَةٌ وَالْبَاقِي فِي النَّارِ» " وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْحَقِّ دَقِيقَةٌ غَامِضَةٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا سِوَى أَصْحَابِ الْأَذْهَانِ الصَّافِيَةِ وَالْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ، مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَنْدُرُ وَيَقِلُّ وُقُوعُهُ. (١)

стр. 1147

قَوْلُهُمْ: (إِنَّ أَدِلَّةَ الْأُصُولِ أَخْفَى فَكَانَ التَّقْلِيدُ فِيهَا أَوْلَى مِنَ الْفُرُوعِ) لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْأُصُولِ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْفُرُوعِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا الظَّنُّ وَهُوَ حَاصِلٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْفُرُوعِ جَوَازُهُ فِي الْأُصُولِ. (١) وَبِهِ يَكُونُ الْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأَخِيرَةِ أَيْضًا. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْأَخْذُ بِفَتْوَاهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْعَامِّيُّ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مُحَصِّلًا لِبَعْضِ الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الِاجْتِهَادِ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْأَخْذُ بِفَتْوَاهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ. وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ مُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ. وَنُقِلَ عَنِ الْجُبَّائِيِّ أَنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ دُونَ غَيْرِهَا كَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَهُوَ عَامٌّ لِكُلِّ الْمُخَاطَبِينَ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي السُّؤَالِ عَنْ كُلِّ مَا لَا يُعْلَمُ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ (٢) وَإِلَّا كَانَ مُتَنَاوِلًا لِبَعْضِ مَا لَا يُعْلَمُ بِعَيْنِهِ أَوْ لَا بِعَيْنِهِ. . .، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ مَأْخُوذٍ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَالثَّانِي يَلْزَمُ مِنْهُ تَخْصِيصُ مَا فُهِمْ مِنْ مَعْنَى الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ، وَهُوَ طَلَبُ الْفَائِدَةِ بِبَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ الْبَعْضِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَ عَامًّا فِي الْأَشْخَاصِ وَفِي كُلِّ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَأَدْنَى دَرَجَاتِ قَوْلِهِ: (فَاسْأَلُوا) الْجَوَازُ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْخُصُومِ.

стр. 1148

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ تَزَلِ الْعَامَّةُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَبْلَ حُدُوثِ الْمُخَالِفِينَ يَسْتَفْتُونَ الْمُجْتَهِدِينَ وَيَتْبَعُونَهُمْ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ يُبَادِرُونَ إِلَى إِجَابَةِ سُؤَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِشَارَةٍ إِلَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ اتِّبَاعِ الْعَامِّيِّ لِلْمُجْتَهِدِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ إِذَا حَدَثَتْ بِهِ حَادِثَةٌ فَرْعِيَّةٌ. إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ فَإِمَّا بِالنَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ لِلْحُكْمِ، أَوْ بِالتَّقْلِيدِ، الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُفْضِي فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ الْخَلْقِ أَجْمَعَ إِلَى النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الْحَوَادِثِ وَالِاشْتِغَالِ عَنِ الْمَعَايِشِ وَتَعْطِيلِ الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ وَخَرَابِ الدُّنْيَا وَتَعْطِيلِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ وَرَفْعِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ رَأْسًا، وَهُوَ مِنَ الْحَرَجِ وَالْإِضْرَارِ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وَبِقَوْلِهِ ﵇: " «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» " (١) وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ حَرَجٍ وَضِرَارٍ، ضَرُورَةُ كَوْنِهِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ. غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنَ الْفَرْقِ فِي مَسْأَلَةِ امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ (٢) ، وَلِأَنَّ الْوَقَائِعَ الْحَادِثَةَ الْفِقْهِيَّةَ أَكْثَرُ بِأَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الَّتِي قِيلَ فِيهَا بِامْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ، فَكَانَ الْحَرَجُ فِي إِيجَابِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا أَكْثَرَ، فَبَقِينَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ عَامِلِينَ بِقَضِيَّةِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَالْقَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ قَوْلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ.

стр. 1149

وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمٍ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لِلتَّقْلِيدِ، وَالْمَذْمُومُ لَا يَكُونُ جَائِزًا. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُهُ ﵇: " «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» " (١) ، وَقَوْلُهُ ﵇: " «اجْتَهِدُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» " (٢) ، وَالنَّصَّانِ عَامَّانِ فِي الْأَشْخَاصِ وَفِي كُلِّ عِلْمٍ، وَهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَامِّيَّ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِالتَّقْلِيدِ فَلَا يُأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَلَّدَهُ مُخْطِئًا، وَأَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ، فَيَكُونُ الْعَامِّيُّ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ الْخَطَإِ وَالْكَذِبِ، وَذَلِكَ عَلَى الشَّارِعِ مُمْتَنِعٌ. الثَّانِي: أَنَّ الْفُرُوعَ وَالْأُصُولَ مُشْتَرِكَةٌ فِي التَّكْلِيفِ بِهَا، فَلَوْ جَازَ التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ لِمَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ لَجَازَ ذَلِكَ فِي الْأُصُولِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى: أَنَّهَا مُشْتَرِكَةُ الدَّلَالَةِ، فَإِنَّ النَّظَرَ أَيْضًا وَالِاجْتِهَادَ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ قَوْلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ. وَلَا بُدَّ مِنْ سُلُوكِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِ امْتِنَاعِ أَحَدِهِمَا كَيْفَ وَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ تَقْلِيلًا لِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ.

стр. 1150

وَعَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: بِوُجُوبِ حَمْلِهَا عَلَى ذَمِّ التَّقْلِيدِ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الْعِلْمُ جَمْعًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَعَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّ الْقَائِلَ فِيهِ قَائِلَانِ: قَائِلٌ بِأَنَّ الْوَاجِبَ التَّقْلِيدُ، وَقَائِلٌ إِنَّ الْوَاجِبَ إِنَّمَا هُوَ النَّظَرُ، وَالْعِلْمُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فِيهِمَا إِجْمَاعًا. وَعَنِ الثَّانِي: لَا نُسَلِّمُ دَلَالَتَهُ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى مَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ (١) ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ، لَكِنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَطْلُوبٍ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ (٢) ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا بِلَفْظِهِ لَكِنْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَعَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَعْقُولِ: أَنَّهُ وَإِنِ اجْتَهَدَ الْعَامِّيُّ فَلَا نَأْمَنُ مِنْ وُقُوعِ الْخَطَإِ مِنْهُ، بَلْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْخَطَإِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، وَالْمَحْذُورُ يَكُونُ مُشْتَرِكًا. وَعَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي: مَا سَبَقَ مِنَ الْفَرْقِ. (٣)

стр. 1151

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ يجوز للْعَامِّيِّ اسْتِفْتَاء مَنْ عَرَفَهُ بِالْعِلْمِ وَأَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الِاسْتِفْتَاءِ عَلَى الْعَامِّيِّ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ اسْتِفْتَائِهِ لِمَنْ عَرَفَهُ بِالْعِلْمِ وَأَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ، بِأَنْ يَرَاهُ مُنْتَصِبًا لِلْفَتْوَى وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى سُؤَالِهِ وَالِاعْتِقَادِ فِيهِ، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ فِيمَنْ عَرَفَهُ بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ اسْتِفْتَاءِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِعِلْمٍ وَلَا جَهَالَةٍ. وَالْحَقُّ امْتِنَاعُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْمَسْئُولِ كَحَالِ السَّائِلِ فِي الْعَامِّيَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ قَبُولِ الْقَوْلِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ احْتِمَالَ الْعَامِّيَّةِ قَائِمٌ، بَلْ هُوَ أَرْجَحُ مِنِ احْتِمَالِ صِفَةِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، وَإِلَى أَنَّ الْغَالِبَ إِنَّمَا هُوَ الْعَوَامُّ، وَأَنَّ انْدِرَاجَ مَنْ جَهِلْنَا حَالَهُ تَحْتَ الْأَغْلَبِ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ قَبُولُ قَوْلِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ، وَقَبُولُ قَوْلِ الرَّاوِي وَالشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْعَامِّيُّ السَّائِلُ عَدَالَةَ الْمُفْتِي فَلَا يَخْلُو؛ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ عَدَالَتِهِ، أَوْ لَا يَجِبُ، فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ فَهُوَ عَدَمُ خِلَافِ مَا النَّاسُ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي: فَلَا يَخْفَى أَنَّ احْتِمَالَ عَدَمِ الْعَدَالَةِ مُقَاوِمٌ لِاحْتِمَالِ الْعَدَالَةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَاحْتِمَالُ صِدْقِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مُقَاوِمٌ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ، إِمَّا أَنْ يَلْزَمَ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِفْتَاءِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعَدَالَةِ جَوَازُهُ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِلْمِ أَوْ لَا يَلْزَمُ، فَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ فَمَا الْفَرْقُ؟ وَإِنْ لَزِمَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ جَرَيَانَ الْعَادَةِ بِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ إِرَادَةِ الِاسْتِفْتَاءِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنَ السُّؤَالِ عَنِ الْعَدَالَةِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ قَوْلِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ، فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ وَلَا سِيَّمَا الْمَشْهُورُ بِالْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ إِنَّمَا هُوَ الْعَدَالَةُ، وَهُوَ كَافٍ فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْأَصْلُ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا مُجْتَهِدًا وَلَا الْغَالِبُ ذَلِكَ.

стр. 1152

[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اعتماد المفتي على اجتهاد سابق] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إِذَا اسْتَفْتَى الْعَامِّيُّ عَالِمًا فِي مَسْأَلَةٍ فَأَفْتَاهُ، ثُمَّ حَدَثَ مِثْلَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَجْتَهِدَ لَهَا ثَانِيًا وَلَا يَعْتَمِدَ عَلَى الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ ثَانِيًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَيَطَّلِعَ عَلَى مَا لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَوَّلًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ إِلَى اجْتِهَادٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَوَّلًا. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِلِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ، أَوْ غَيْرَ ذَاكِرٍ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى اجْتِهَادٍ آخَرَ كَمَا لَوِ اجْتَهَدَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ. (١) [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ هَلْ يَجُوزُ خُلُوُّ عَصْرٍ مَنِ الْأَعْصَارِ عَنْ مُجْتَهِدٍ يُمْكِنُ تَفْوِيضُ الْفَتَاوَى إِلَيْهِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ خُلُوُّ عَصْرٍ مَنِ الْأَعْصَارِ عَنْ مُجْتَهِدٍ يُمْكِنُ تَفْوِيضُ الْفَتَاوَى إِلَيْهِ؟ (٢) فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ كَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ لَامْتَنَعَ إِمَّا لِذَاتِهِ أَوْ لَأَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ. الْأَوَّلُ: مُحَالٌ؛ فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا وُقُوعَهُ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ عَقْلًا. (٣) وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَعَلَى مُدَّعِيهِ بَيَانُهُ.

стр. 1153

فَإِنْ قِيلَ: دَلِيلُ امْتِنَاعِهِ النَّصُّ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ ﵇: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَحَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّالُ» ". (١) وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «وَاشَوْقَاهْ إِلَى إِخْوَانِي! ! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ فَقَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، إِخْوَانِي قَوْمٌ يَأْتُونَ بَعْدِي يَهْرُبُونَ بِدِينِهِمْ مِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِقٍ، وَيَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ» ". (٢) وَأَيْضًا قَوْلُهُ ﵇: " «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» " (٣) وَأَحَقُّ الْأُمَمِ بِالْوِرَاثَةِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَأَحَقُّ الْأَنْبِيَاءِ بِإِرْثِ الْعِلْمِ عَنْهُ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ وَالِاجْتِهَادَ فِيهِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِحَيْثُ إِذَا اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى تَرْكِهِ أَثِمُوا، فَلَوْ جَازَ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَمَّنْ يَقُومُ بِهِ لَزِمَ مِنْهُ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ عَلَى الْخَطَأِ وَالضَّلَالَةِ، وَهُوَ مُمْتَنَعٌ لِمَا سَبَقَ. (٤) الثَّانِي: أَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ الِاجْتِهَادُ، فَلَوْ خَلَا الْعَصْرُ عَنْ مُجْتَهِدٍ يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ إِلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ أَفْضَى إِلَى تَعْطِيلِ الشَّرِيعَةِ وَانْدِرَاسِ الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ مُمْتَنَعٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ عُمُومِ مَا سَبَقَ مِنَ النُّصُوصِ.

стр. 1154

وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ النُّصُوصِ أَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهَا. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: " «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ» ". (١) وَقَوْلُهُ ﵇: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» ". (٢) وَقَوْلُهُ ﵇: " «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهَا أَوَّلُ مَا يُنْسَى» ". (٣) وَقَوْلُهُ ﵇: " «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» ". (٤) وَقَوْلُهُ ﷺ : " «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ تَبْقَى حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ التَّمْرِ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ» " (٥) ، وَإِذَا تَعَارَضَتِ النُّصُوصُ سَلِمَ لَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ أَوَّلًا. (٦) وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَعْقُولِ فَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: مَتَى يَكُونُ التَّفَقُّهُ

стр. 1155

فِي الدِّينِ وَالتَّأَهُّلِ لِلِاجْتِهَادِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ إِذَا أَمْكَنَ اعْتِمَادُ الْعَوَامِّ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمَنْقُولَةِ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَمَّنْ سَبَقَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ بِالنَّقْلِ الْمُغَلَّبِ عَلَى الظَّنِّ، أَوْ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنَ الْمَعْقُولِ أَيْضًا. [الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الْفَتْوَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، هَلْ تَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي زَمَنِنَا هَذَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسْأَلُ عَمَّا عِنْدَهُ لَا عَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَتِ الْفَتْوَى بِطَرِيقِ الْحِكَايَةِ عَنْ مَذْهَبِ الْغَيْرِ لَجَازَ ذَلِكَ لِلْعَامِّيِّ، وَهُوَ مُحَالٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِنَقْلِ مَنْ يُوثَقُ بِقَوْلِهِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي الْمَذْهَبِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُطَّلِعًا عَلَى مَأْخَذِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّفْرِيعِ عَلَى قَوَاعِدِ إِمَامِهِ وَأَقْوَالِهِ، مُتَمَكِّنٌ مِنَ الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ وَالنَّظَرِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِي ذَلِكَ (١) كَانَ لَهُ الْفَتْوَى تَمْيِيزًا لَهُ عَنِ الْعَامِّيِّ، وَدَلِيلُهُ انْقِطَاعُ الْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى قَبُولِ مِثْلِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْفَتْوَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا.

стр. 1156

[الْمَسْأَلَةُ وجد العامي في البلد أكثر من مفتي] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ إِذَا حَدَثَتْ لِلْعَامِّيِّ حَادِثَةٌ، وَأَرَادَ الِاسْتِفْتَاءَ عَنْ حُكْمِهَا: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلَدِ مُفْتٍ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ وَالْأَخْذُ بِقَوْلِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَقَدِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، بَلْ يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِي أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ مِنَ الْأَوْرَعِ وَالْأَدَيْنِ وَالْأَعْلَمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُفْتِيَيْنِ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ، وَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ فَيَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْمُفْتِيَيْنِ، إِمَّا بِأَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنَ الْفِقْهِ مَسَائِلَ، وَيَتَعَرَّفَ أَجْوِبَتَهَا وَيَسْأَلَ عَنْهَا، فَمَنْ أَجَابَهُ أَوْ كَانَ أَكْثَرَ إِصَابَةٍ اتَّبَعَهُ أَوْ بِأَنْ يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ، وَلِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ، وَالظَّنُّ فِي تَقْلِيدِ الْأَعْلَمِ وَالْأَدْيَنِ أَقْوَى، فَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى التَّخْيِيرِ وَالسُّؤَالِ لِمَنْ شَاءَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَسَوَاءٌ تَسَاوَوْا أَوْ تَفَاضَلُوا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ فِيهِمُ الْفَاضِلُ وَالْمَفْضُولُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا أَعْرَفَ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» " (١) ، وَقَالَ ﵇: " «أَقَضَاكُمْ عَلِيٌّ، وَأَفْرَضَكُمْ زَيْدٌ، وَأَعْرَفَكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» " (٢) وَكَانَ فِيهِمُ الْعَوَامُّ، وَمَنْ فَرْضُهُ الِاتِّبَاعُ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَالْأَخْذُ بِقَوْلِهِمْ

стр. 1157

لَا غَيْرَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ تَكْلِيفُ الْعَوَامِّ الِاجْتِهَادَ فِي أَعْيَانِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا نَكَرَ أَحَدٌ مِنْهُمُ اتِّبَاعَ الْمَفْضُولِ وَالِاسْتِفْتَاءَ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ لَمَا جَازَ مِنَ الصَّحَابَةِ التَّطَابُقُ عَلَى عَدَمِ إِنْكَارِهِ وَالْمَنْعِ مِنْهُ، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵇: ( «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ) (١) ، وَلَوْلَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ الْقَوْلُ بِمَذْهَبِ الْخُصُومِ أَوْلَى. [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ اتَّبَعَ الْعَامِّيُّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي حُكْمِ وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ هل يرجع إلى غيره] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ إِذَا اتَّبَعَ الْعَامِّيُّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ مِنَ الْحَوَادِثِ وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ فِيهَا: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ (٢) ، وَهَلْ لَهُ ذَلِكَ فِي حُكْمٍ آخَرَ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ، وَهُوَ الْحَقُّ نَظَرًا إِلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِنْ تَسْوِيغِ اسْتِفْتَاءِ الْعَامِّيِّ لِكُلِّ عَالِمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الْحَجْرُ عَلَى الْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لَمَا جَازَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِهْمَالُهُ وَالسُّكُوتُ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ لَهَا حُكْمٌ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْأَوَّلُ لِلِاتِّبَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إِلَّا بَعْدَ سُؤَالِهِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى. وَأَمَّا إِذَا عَيَّنَ الْعَامِّيُّ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ: أَنَا عَلَى مَذْهَبِهِ وَمُلْتَزِمٌ لَهُ، فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْأَخْذِ بِقَوْلِ غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْتِزَامَهُ لِمَذْهَبٍ غَيْرِ مُلْزَمٍ لَهُ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ؛ لِأَنَّهُ بِالْتِزَامِهِ الْمَذْهَبَ صَارَ لَازِمًا لَهُ كَمَا لَوِ الْتَزَمَ مَذْهَبَهُ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَذْهَبِ الْأَوَّلِ اتَّصَلَ عَمَلُهُ بِهَا، فَلَيْسَ لَهُ تَقْلِيدُ الْغَيْرِ فِيهَا، وَمَا لَمْ يَتَّصِلْ عَمَلُهُ بِهَا فَلَا مَانِعَ مِنِ اتِّبَاعِ غَيْرِهِ فِيهَا.

стр. 1158

[الْقَاعِدَةُ الرابعة الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ فِي التَّرْجِيحَاتِ] [مُقَدِّمَةُ فِي بَيَانِ مَعْنَى التَّرْجِيحِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ وَمَا فِيهِ التَّرْجِيحُ] الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ فِي التَّرْجِيحَاتِ وَتَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَبَابَيْنِ: أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ: فَفِي بَيَانِ مَعْنَى التَّرْجِيحِ، وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ، وَمَا فِيهِ التَّرْجِيحُ. أَمَّا التَّرْجِيحُ: فَعِبَارَةٌ عَنِ اقْتِرَانِ أَحَدِ الصَّالِحَيْنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَعَ تَعَارُضِهِمَا بِمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ وَإِهْمَالَ الْآخَرِ. فَقَوْلُنَا: (اقْتِرَانُ أَحَدِ الصَّالِحَيْنِ) احْتِرَازٌ عَمَّا لَيْسَا بِصَالِحَيْنِ لِلدَّلَالَةِ، أَوْ أَحَدُهُمَا صَالِحٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِصَالِحٍ، فَإِنَّ التَّرْجِيحَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ تَحَقُّقِ التَّعَارُضِ وَلَا تَعَارُضَ مَعَ عَدَمِ الصَّلَاحِيَةِ لِلْأَمْرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَقَوْلُنَا: (مَعَ تَعَارُضِهِمَا) احْتِرَازٌ عَنِ الصَّالِحَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ التَّرْجِيحَ إِنَّمَا يُطْلَبُ عِنْدَ التَّعَارُضِ لَا مَعَ عَدَمِهِ، وَهُوَ عَامٌّ لِلْمُتَعَارِضَيْنِ مَعَ التَّوَافُقِ فِي الِاقْتِضَاءِ كَالْعِلَلِ الْمُتَعَارِضَةِ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ كَمَا يَأْتِي، وَلِلْمُتَعَارِضَيْنِ مَعَ التَّنَافِي فِي الِاقْتِضَاءِ كَالْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ فِي الصُّوَرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. وَقَوْلُنَا: (بِمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ بِأَحَدِهِمَا وَإِهْمَالَ الْآخَرِ) احْتِرَازٌ عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عَنِ الْآخَرِ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ أَوِ الْعَرَضِيَّةَ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّقْوِيَةِ وَالتَّرْجِيحِ. وَأَمَّا أَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ وَاجِبٌ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ وَعُلِمَ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فِي الْوَقَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الرَّاجِحِ مِنَ الظَّنَّيْنِ، وَذَلِكَ كَتَقْدِيمِهِمْ خَبَرَ عَائِشَةَ ﵂ فِي «الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ» (١) عَلَى خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 1159

فِي قَوْلِهِ: " «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» " (١) وَمَا رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ كَانَ «يُصْبِحُ جُنُبًا وَهُوَ صَائِمٌ» (٢) عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» " (٣) ؛ لِكَوْنِهَا أَعْرَفَ بِحَالِ النَّبِيِّ ﵇، وَكَانُوا لَا يَعْدِلُونَ إِلَى الْآرَاءِ وَالْأَقْيِسَةِ إِلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنِ النُّصُوصِ وَالْيَأْسِ مِنْهَا، وَمَنْ فَتَّشَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَنَظَرَ فِي وَقَائِعِ اجْتِهَادَاتِهِمْ عَلِمَ عِلْمًا لَا يَشُوبُهُ رَيْبٌ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوجِبُونَ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ مِنَ الظَّنَّيْنِ دُونَ أَضْعَفِهِمَا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﵇ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا عَلَى تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ (٤) ، وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ رَاجِحًا، فَالْعُقَلَاءُ يُوجِبُونَ بِعُقُولِهِمُ الْعَمَلَ بَالرَّاجِحِ. وَالْأَصْلُ تَنْزِيلُ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْزِلَةَ التَّصَرُّفَاتِ الْعُرْفِيَّةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» ". (٥) فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَمْرٌ بِالِاعْتِبَارِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.

стр. 1160

وَأَيْضًا قَوْلُهُ ﵇: " «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» ". (١) وَالدَّلِيلُ الْمَرْجُوحُ ظَاهِرٌ فَجَازَ الْعَمَلُ بِهِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةَ الْمُتَعَارِضَةَ لَا تَزِيدُ عَلَى الْبَيِّنَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ، وَالتَّرْجِيحُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْبَيِّنَاتِ، حَتَّى أَنَّهُ لَا تُقَدَّمُ شَهَادَةُ الْأَرْبَعَةِ عَلَى شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ. قُلْنَا: أَمَّا الْآيَةُ فَغَايَتُهَا بِالنَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ، فَإِنَّ إِيجَابَ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا يُنَافِي إِيجَابَ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْخَبَرُ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ مَا تَرَجَّحَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ وَمَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ، فَالْمَرْجُوحُ الْمُخَالِفُ لَهُ لَا يَكُونُ رَاجِحًا مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَتِهِ لِلرَّاجِحِ، فَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِيهِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ التَّرْجِيحِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ، بَلْ عِنْدَنَا يُقَدَّمُ قَوْلُ الْأَرْبَعَةِ عَلَى قَوْلِ الِاثْنَيْنِ عَلَى رَأْيٍ لَنَا. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالتَّرْجِيحِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أُلِفَ مِنْهُمُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي بَابِ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ دُونَ بَابِ الشَّهَادَةِ. وَأَمَّا مَا فِيهِ التَّرْجِيحُ: فَهِيَ الطُّرُقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْمَطْلُوبَاتِ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى: قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ. أَمَّا الْقَطْعِيُّ: فَلَا تَرْجِيحَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِتَقْوِيَةِ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَالْمَعْلُومُ الْمَقْطُوعُ بِهِ غَيْرُ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَلَا يُطْلَبُ فِيهِ التَّرْجِيحُ، وَلِأَنَّ التَّرْجِيحَ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ مُتَعَارِضَيْنِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوِّرٍ فِي الْقَطْعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُعَارِضَهُ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ. الْأَوَّلُ: مُحَالٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِمَّا الْعَمَلُ بِهِمَا، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فِي الْإِثْبَاتِ، أَوِ امْتِنَاعُ الْعَمَلِ بِهِمَا، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فِي النَّفْيِ، أَوِ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَلَا أَوْلَوِيَّةَ مَعَ التَّسَاوِي. وَالثَّانِي: أَيْضًا مُحَالٌ لِامْتِنَاعِ تَرَجُّحِ الظَّنِّيِّ عَلَى الْقَاطِعِ، وَامْتِنَاعِ طَلَبِ التَّرْجِيحِ فِي الْقَاطِعِ. كَيْفَ وَأَنَّ الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ لَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَتِهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الطُّرُقِ الظَّنِّيَّةِ.
следующие страницы →