Полный текст (1 203 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
يَكُونَ عَالِمًا بِهِ لِمَا سَبَقَ، وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ بِالتَّفْصِيلِ، وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ لِمَا حَقَّقْنَاهُ (١) .
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِلْزَامِ الْأَوَّلِ بِمَنْعِ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقْدُورِ وَغَيْرِهِ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ مَقْدُورٍ بَيْنَ قَادِرَيْنِ خَالِقَيْنِ أَوْ مُكْتَسِبَيْنِ، أَمَّا بَيْنَ خَالِقٍ وَمُكْتَسِبٍ فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. (٢) وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ إِنَّمَا هُوَ وَاقِعٌ فِي كَثْرَةِ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَقْدُورَاتِ فِي أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، لَا فِي التَّأْثِيرِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِالْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِيهَا (٣) ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُضْطَرًّا أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُكْتَسَبًا لَهُ وَمَقْدُورًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّأْثِيرِ عَدَمُ الِاكْتِسَابِ. (٤) وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَلَازُمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْعِلْمِ بِهِ. (٥) وَعَنِ السَّابِعِ: أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِانْقِسَامِ فِعْلِ الْعَبْدِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ غَيْرَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهَذَا وَمَنْهِيًّا عَنْ هَذَا لِكَسْبِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَعَنِ الثَّامِنِ: أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَى أَصْلِهِمْ أَيْضًا فَإِنَّ التَّمَكُّنَ (٦) مِنَ الْكُفْرِ بِخَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَضَرُّ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَيْهِ، وَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالْعَبْدِ، فَمَا هُوَ جَوَابٌ لَهُمْ هُوَ جَوَابُنَا.
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالشُّكْرِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْأَمْرِ لِلْعَبْدِ بِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، بِالْمَنْعِ مِنْ تَقْبِيحِ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، كَيْفَ وَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. (٧) وَعَنِ الْإِلْزَامِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، أَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ وَالْأَمْرِ وَالِاخْتِرَاعِ، وَانْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَإِلْزَامِ الْحُكْمِ، وَتَوْفِيَةِ الْحُقُوقِ، وَالْإِرَادَةِ، لُغَةً. стр. 142
وَعَلَى هَذَا فَالْإِيمَانُ مِنْ قَضَائِهِ بِجَمِيعِ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ وَهُوَ حَقٌّ، وَأَمَّا الْكُفْرُ فَلَيْسَ مِنْ قَضَائِهِ بِمَعْنَى كَوْنِهِ مَأْمُورًا بَلْ بِمَعْنَى خَلْقِهِ وَإِرَادَةِ وُقُوعِهِ، وَهُوَ حَقٌّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا. (١) وَعَنِ الْإِلْزَامِ بِالرِّضَا أَنَّهُ رَاضٍ بِالْإِيمَانِ، وَغَيْرُ رَاضٍ بِالْكُفْرِ.
وَعَنِ الْمَنْقُولِ بِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ غَايَتُهُ إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ حَقِيقَةً، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فَإِنَّ الْفَاعِلَ عِنْدَنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ مَنْ وَقَعَ الْفِعْلُ مَقْدُورًا لَهُ (٢) ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُوجِدِ.
وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْمَسْلَكِ الثَّانِي بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْفِعْلِ بِمُلَازَمَةِ الْوُجُودِ الْمَقْدُورِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُعْلَمُ وَجُودُهُ مَقْدُورًا لَا غَيْرَ مَقْدُورٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَدَمِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْقُدْرَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سَلْبَ اخْتِيَارِهِ فِي فِعْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا عُلِمَ وُقُوعُ فِعْلِ الْعَبْدِ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، وَالْمُعَارَضَاتُ فَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهَا.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ شَرْطُهُ حَاصِلًا حَالَةَ التَّكْلِيفِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ شَرْطُهُ (٣) حَاصِلًا حَالَةَ التَّكْلِيفِ، بَلْ لَا مَانِعَ مِنْ وُرُودِ التَّكْلِيفِ بِالْمَشْرُوطِ وَتَقْدِيمِ (٤) شَرَطِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَائِزٌ عَقْلًا وَوَاقِعٌ سَمْعًا.
خِلَافًا لِأَكْثَرِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَذَلِكَ كَتَكْلِيفِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ حَالَةَ كُفْرِهِمْ. стр. 143
وَدَلِيلُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ أَنَّهُ لَوْ خَاطَبَ الشَّارِعُ الْكَافِرَ الْمُتَمَكِّنَ مِنْ فَهْمِ الْخِطَابِ وَقَالَ لَهُ: " أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسَ الْمَشْرُوطَ صِحَّتُهَا بِالْإِيمَانِ، وَأَوْجَبْتُ عَلَيْكَ الْإِتْيَانَ بِالْإِيمَانِ مُقَدَّمًا عَلَيْهَا " لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ عَقْلًا وَلَا مَعْنَى لِلْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ سِوَى هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: التَّكْلِيفُ بِالْفُرُوعِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْإِيمَانِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَالَةَ وُجُودِ الْإِيمَانِ أَوْ حَالَةَ عَدَمِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَإِنْ كَانَ حَالَةَ عَدَمِهِ فَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عَقْلًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّكْلِيفَ بِالْفُرُوعِ غَيْرُ مُمْكِنِ الِامْتِثَالِ؛ لِاسْتِحَالَةِ أَدَائِهَا حَالَةَ الْكُفْرِ، وَامْتِنَاعِ أَدَائِهَا بَعْدَ الْإِيمَانِ، لِكَوْنِهِ مُسْقِطًا لَهَا بِالْإِجْمَاعِ.
وَمَا لَا يُمْكِنُ امْتِثَالُهُ فَالتَّكْلِيفُ بِهِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قُلْنَا: أَمَّا الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ بِتَقْدِيرِ تَكْلِيفِهِ بِالْفُرُوعِ حَالَةَ الْكُفْرِ أَنْ لَوْ كَانَ تَكْلِيفُهُ بِمَعْنَى إِلْزَامِهِ الْإِتْيَانَ بِهَا مَعَ الْكُفْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا مَعَ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَلَا إِحَالَةَ فِيهِ.
وَبِهَذَا الْحَرْفِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِشْكَالِ الثَّانِي أَيْضًا.
كَيْفَ وَأَنَّ الِامْتِثَالَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنَّ الشَّارِعَ أَسْقَطَهُ تَرْغِيبًا فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ ﵇: " «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» " وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ، حَيْثُ إِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِعْلَ مَا فَاتَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنَ الرِّدَّةِ (١) .
وَأَمَّا الْوُقُوعُ شَرْعًا فَيَدُلُّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَالْحُكْمُ.
أَمَّا النَّصُّ فَمِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا أُمِرُوا) عَائِدٌ إِلَى الْمَذْكُورِينَ أَوَّلًا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْبَابِ. стр. 144
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى - وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ذَمٌّ عَلَى تَرْكِ الْجَمِيعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِالْكُلِّ لَمَا ذُمَّ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ حُكْمٌ بِمُضَاعَفَةِ الْعَذَابِ عَلَى مَجْمُوعِ الْمَذْكُورِ وَالزِّنَى مِنْ جُمْلَتِهِ.
وَلَوْلَا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ لَمَا أَثَّمَهُ بِهِ، وَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ نَفَى التَّكْلِيفَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ دُونَ مَنْ جَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِالنَّهْيِ دُونَ الْأَمْرِ (١) .
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وَالْكَافِرُ دَاخِلٌ فِيهِ لِكَوْنِهِ مِنَ النَّاسِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لَكِنْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢)
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ - قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ - وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كُلِّفُوا بِالصَّلَاةِ لَمَا عُوقِبُوا عَلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ حِكَايَةُ قَوْلِ الْكُفَّارِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ حُجَّةً لَكِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ أَيْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇: " «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» " وَأَرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الصَّلَاةَ الشَّرْعِيَّةَ حَقِيقَةً، غَيْرَ أَنَّ الْعَذَابَ إِنَّمَا كَانَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِيَوْمِ الدِّينِ، غَيْرَ أَنَّهُ غَلِطَ بِإِضَافَةِ تَرْكِ الطَّاعَاتِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُضَافًا إِلَى الصَّلَاةِ لَكِنْ لَا إِلَى تَرْكِهَا، بَلْ إِلَى إِخْرَاجِهِمْ أَنْفُسَهُمْ عَنِ الْعِلْمِ بِقُبْحِ تَرْكِهَا بِتَرْكِ الْإِيمَانِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ لَكِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ تَرَكُوا الصَّلَاةَ حَالَةَ رِدَّتِهِمْ وَذَلِكَ مَحَلُّ الْوِفَاقِ. стр. 145
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ حِكَايَةُ قَوْلِ الْكُفَّارِ أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ تَصْدِيقُهُمْ فِيمَا قَالُوهُ وَالتَّحْذِيرُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَعْذِيبُهُمْ بِالتَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَقَدْ عُطِفَ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
وَالْأَصْلُ اشْتِرَاكُ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ.
وَعَنْ حَمْلِ لَفْظِ الْمُصَلِّينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَأْوِيلُ لَفْظِ الصَّلَاةِ فَبِمَاذَا نَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ الْإِطْعَامُ الْوَاجِبُ لِاسْتِحَالَةِ - (١) - التَّعْذِيبِ عَلَى تَرْكِ إِطْعَامٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَعَنْ قَوْلِهِمْ بِتَغْلِيظِ عَذَابِ التَّكْذِيبِ بِإِضَافَةِ تَرْكِ الطَّاعَاتِ إِلَيْهِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً لَمَا غُلِّظَ الْعَذَابُ بِهَا.
وَعَنْ قَوْلِهِمْ بِالتَّعْذِيبِ بِإِخْرَاجِ أَنْفُسِهِمْ عَنِ الْعِلْمِ بِقُبْحِ تَرْكِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ كَافِرٍ ارْتَكَبَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُبَاشِرْ شَيْئًا مِنْهَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِيمَا قِيلَ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَعَنِ الْحَمْلِ عَلَى صَلَاةِ الْمُرْتَدِّينَ أَنَّ الْآيَةَ بِلَفْظِهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ الْمُجْرِمِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتَسَاءَلُونَ - عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ وَهُوَ عَامٌّ فِي الْمُرْتَدِّينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
هَذَا مِنْ جِهَةِ النُّصُوصِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْإِلْزَامِ، فَهُوَ أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ شَرْطِ الْفِعْلِ - (٢) - لَامْتَنَعَ التَّكْلِيفُ بِالصَّلَاةِ مَعَ عَدَمِ الطَّهَارَةِ، وَلَكَانَ مَنْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ أَبَدًا لَا يُعَاقَبُ وَلَا يُذَمُّ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الطَّهَارَةِ، بَلْ مَا لَا تَتِمُّ الطِّهَارَةُ إِلَّا بِهِ.
وَذَلِكَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ التَّكْلِيفَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَا هُوَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ مِنَ الْفِعْلِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَا هُوَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ مِنَ الْفِعْلِ وَكَفِّ النَّفْسِ عَنِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ فِعْلٌ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ - (٣) - فِي قَوْلِهِ: إِنَّ التَّكْلِيفَ قَدْ يَكُونُ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ الْعَبْدُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّلَبُّسِ بِضِدِّ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ. стр. 146
احْتَجَّ الْمُتَكَلِّمُونَ بِأَنَّ مُمْتَثِلَ التَّكْلِيفِ مُطِيعٌ، وَالطَّاعَةُ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلثَّوَابِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وَلَا فِعْلَ عَدَمٌ مَحْضٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لَا يَكُونُ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَلَا مُتَعَلِّقِ الْقُدْرَةِ، وَمَا لَا يَكُونُ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ مُثَابًا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ .
فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ الْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا وُجُودِيًّا وَلَا ذَاتًا ثَابِتَةً، فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ التَّكْلِيفُ بِهِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِثَالُ بِهِ طَاعَةً وَحَسَنَةً مُثَابًا عَلَيْهَا أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ وَمُكْتَسَبًا لَهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (١) .
قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: عَدَمُ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ قَبْلَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ (٢) وَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْعَبْدِ قَبْلَ خَلْقِ قُدْرَتِهِ وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ إِلَى مَا بَعْدَ خَلْقِ الْقُدْرَةِ، فَلَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ وَلَا مُكْتَسَبًا لَهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ.
إِلَّا أَنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ، لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عَدَمِ الْفِعْلِ السَّابِقِ عَلَى خَلْقِ الْقُدْرَةِ غَيْرَ مَقْدُورٍ أَنْ يَكُونَ الْمُقَارَنُ مِنْهُ مَقْدُورًا (٣) .
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ قَبْلَ حُدُوثِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ قَبْلَ حُدُوثِهِ سِوَى شُذُوذٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعَلَى امْتِنَاعِهِ بَعْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعَلُّقِهِ بِهِ فِي أَوَّلِ زَمَانِ حُدُوثِهِ فَأَثْبَتَهُ أَصْحَابُنَا، وَنَفَاهُ الْمُعْتَزِلَةُ.
احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْفِعْلَ فِي أَوَّلِ زَمَانِ حُدُوثِهِ مَقْدُورٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَسَوَاءٌ قِيلَ بِتَقَدُّمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، أَمْ بِوُجُودِهَا مَعَ وُجُودِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا (٤) وَإِذَا كَانَ مَقْدُورًا أَمْكَنَ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ: стр. 147
فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِجَوَازِ تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِهِ فِي أَوَّلِ زَمَانِ حُدُوثِهِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْأَمْرُ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
قُلْنَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْأَمْرُ بِإِيجَادِ مَا كَانَ مَوْجُودًا، أَوْ بِمَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا.
الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ. وَالثَّانِي، فَدَعْوَى إِحَالَتِهِ نَفْسُ مَحَلِّ النِّزَاعِ، ثُمَّ يَلْزَمُهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ الْفِعْلُ فِي أَوَّلِ زَمَانِ حُدُوثِهِ أَثَرًا لِلْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ، وَلَا لِلْحَادِثَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ (١) ، وَلَا مَوْجِدَةَ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيجَادِ الْمَوْجُودِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
فَمَا هُوَ جَوَابُهُمْ فِي إِيجَادِ الْقُدْرَةِ لَهُ فَهُوَ جَوَابُنَا فِي تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ حكم النيابة في التكاليف]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ (٢) . اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي جَوَازِ دُخُولِ النِّيَابَةِ فِيمَا كُلِّفَ بِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْبَدَنِيَّةِ فَأَثْبَتَهُ أَصْحَابُنَا وَنَفَاهُ الْمُعْتَزِلَةُ.
حُجَّةُ أَصْحَابِنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ " أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ خِيَاطَةَ هَذَا الثَّوْبِ، فَإِنْ خِطْتَهُ أَوِ اسْتَنَبْتَ فِي خِيَاطَتِهِ أَثَبْتُكَ، وَإِنْ تَرَكْتَ الْأَمْرَيْنِ عَاقَبْتُكَ " كَانَ مَعْقُولًا غَيْرَ مَرْدُودٍ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَوُرُودُهُ مِنَ الشَّارِعِ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا.
وَيَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ «رَأَى شَخْصًا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵇: " أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ لَهُ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " (٣) . وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: وُجُوبُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ، فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ لِلشَّارِعِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَقَهْرِهَا، لِكَوْنِهَا عَدُوَّةً لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا قَالَ ﵇ حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ: " عَادِ نَفْسَكَ، فَإِنَّهَا стр. 148
انْتَصَبَتْ لِمُعَادَاتِي تَحْصِيلًا لِلثَّوَابِ عَلَى ذَلِكَ.
وَذَلِكَ مِمَّا لَا مَدْخَلَ لِلنِّيَابَةِ فِيهِ كَمَا لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي بَاقِي الصِّفَاتِ مِنَ الْآلَامِ وَاللَّذَّاتِ وَنَحْوِهَا.
قُلْنَا: أَمَّا الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ بِالتَّكْلِيفِ لِمَا ذَكَرُوهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ تَعْيِينِ الْمُكَلَّفِ لِأَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ أَشَقَّ مِمَّا كُلِّفَ بِهِ مَعَ تَسْوِيغِ النِّيَابَةِ فِيهِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مِمَّا يَرْفَعُ أَصْلَ الْكُلْفَةِ وَالِامْتِحَانِ فِيمَا سُوِّغَ لَهُ فِيهِ الِاسْتِنَابَةُ.
فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ لَازِمَةٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ بِهِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْغَالِبُ وَبِمَا يَبْذُلُهُ مِنَ الْعِوَضِ لِلنَّائِبِ بِتَقْدِيرِ النِّيَابَةِ وَيَلْتَزِمُهُ مِنَ الْمِنَّةِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْعِوَضِ، وَلَيْسَ الْمُرَاعَى فِي بَابِ التَّكَالِيفِ أَشَقَّهَا وَأَعْلَاهَا رُتْبَةً وَلِذَلِكَ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً (١) .
وَأَمَّا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فَلَيْسَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي مُقَابَلَةِ الْفِعْلِ، بَلْ إِنْ أَثَابَ فَبِفَضْلِهِ وَإِنْ عَاقَبَ فَبِعَدْلِهِ كَمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا، بَلْ لَهُ أَنْ يُثِيبَ الْعَاصِيَ وَيُعَاقِبَ الطَّائِعَ (٢)
[الْأَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ]
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى شَرْطَ الْمُكَلَّفِ]
الْأَصْلُ الرَّابِعُ
فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ وَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فَاهِمًا لِلتَّكْلِيفِ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ وَخِطَابَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا فَهْمَ مُحَالٌ كَالْجَمَادِ وَالْبَهِيمَةِ.
وَمَنْ وُجِدَ لَهُ أَصْلُ الْفَهْمِ لِأَصْلِ الْخِطَابِ، دُونَ تَفَاصِيلِهِ مِنْ كَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا، وَمُقْتَضِيًا لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَمِنْ كَوْنِ الْآمِرِ بِهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّهُ وَاجِبُ الطَّاعَةِ، وَكَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا كَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، فَهُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى فَهْمِ التَّفَاصِيلِ كَالْجَمَادِ وَالْبَهِيمَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى فَهْمِ أَصْلِ الْخِطَابِ، وَيَتَعَذَّرُ تَكْلِيفُهُ أَيْضًا стр. 149
إِلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّكْلِيفِ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِ أَصْلِ الْخِطَابِ، فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فَهْمِ تَفَاصِيلِهِ (١) .
وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَإِنْ كَانَ يَفْهَمُ مَا لَا يَفْهَمُهُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَيْضًا غَيْرُ فَاهِمٍ عَلَى الْكَمَالِ مَا يَعْرِفُهُ كَامِلُ الْعَقْلِ مِنْ وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا مُخَاطَبًا مُكَلَّفًا بِالْعِبَادَةِ وَمِنْ وُجُودِ الرَّسُولِ الصَّادِقِ الْمُبَلِّغِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَقْصُودُ التَّكْلِيفِ.
فَنِسْبَتُهُ إِلَى غَيْرِ الْمُمَيِّزِ كَنِسْبَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ إِلَى الْبَهِيمَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِ شَرْطِ التَّكْلِيفِ وَإِنْ كَانَ مُقَارِبًا لِحَالَةِ الْبُلُوغِ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبُلُوغِ سِوَى لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فَهْمُهُ كَفَهْمِهِ الْمُوجِبِ لِتَكْلِيفِهِ بَعْدَ لَحْظَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ فِيهِ خَفِيًّا، وَظُهُورُهُ فِيهِ عَلَى التَّدْرِيجِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ضَابِطٌ يُعْرَفُ بِهِ، جَعَلَ لَهُ الشَّارِعُ ضَابِطًا وَهُوَ الْبُلُوغُ، وَحَطَّ عَنْهُ التَّكْلِيفَ قَبْلَهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ.
وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﵇: " «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» " (٢) .
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، فَكَيْفَ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا الزَّكَاةُ وَالنَّفَقَاتُ وَالضَّمَانَاتُ، وَكَيْفَ أُمِرَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ بِالصَّلَاةِ؟
قُلْنَا: هَذِهِ الْوَاجِبَاتُ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، بَلْ بِمَالِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ.
فَإِنَّهُ أَهَّلٌ لِلذِّمَّةِ بِإِنْسَانِيَّتِهِ الْمُتَهَيِّئِ بِهَا لِقَبُولِ فَهْمِ الْخِطَابِ عِنْدَ الْبُلُوغِ، بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ وَالْمُتَوَلِّي لِأَدَائِهَا الْوَلِيُّ عَنْهُمَا، أَوْ هُمَا بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَالْبُلُوغِ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ فِي شَيْءٍ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ الْمُمَيِّزَ فَلَيْسَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ لِقَوْلِهِ ﵇: " «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ» " وَ (٣) ، ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ الْوَلِيَّ وَيَفْهَمُ خِطَابَهُ بِخِلَافِ الشَّارِعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. стр. 150
وَعَلَى هَذَا فَالْغَافِلُ عَمَّا كُلِّفَ بِهِ، وَالسَّكْرَانُ الْمُتَخَبِّطُ لَا يَكُونُ خِطَابُهُ وَتَكْلِيفُهُ فِي حَالَةِ غَفْلَتِهِ وَسُكْرِهِ أَيْضًا، إِذْ هُوَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى فَهْمِ خِطَابِ الشَّارِعِ وَحُصُولِ مَقْصُودِهِ مِنْهُ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْغَرَامَاتِ وَالضَّمَانَاتِ بِفِعْلِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
فَتَخْرِيجُهُ كَمَا سَبَقَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَنُفُوذُ طَلَاقِ السَّكْرَانِ فَفِيهِ مَنْعُ خِطَابِ الْوَضْعِ وَالْإِخْبَارِ، وَإِنْ نَفَذَ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ فِي شَيْءٍ، بَلْ مِنْ بَابِ مَا ثَبَتَ بِخِطَابِ الْوَضْعِ وَالْإِخْبَارُ يُجْعَلُ تَلْفُظُهُ بِالطَّلَاقِ عَلَامَةً عَلَى نُفُوذِهِ، كَمَا جُعِلَ زَوَالُ الشَّمْسِ وَطُلُوعُ الْهِلَالِ عَلَامَةً عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ وَالزِّنَى وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِنَهْيِ السَّكْرَانِ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ حَالَةَ السُّكْرِ، بَلِ النَّهْيُ عَنِ السُّكْرِ فِي وَقْتِ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ.
وَتَقْدِيرُهُ إِذَا أَرَدْتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَسْكَرُوا.
كَمَا يُقَالُ لِمَنْ أَرَادَ التَّهَجُّدَ: لَا تَقْرَبِ التَّهَجُّدَ وَأَنْتَ شَبْعَانُ.
أَيْ لَا تَشْبَعْ إِذَا أَرَدْتَ التَّهَجُّدَ، حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ عَلَيْكَ التَّهَجُّدُ.
وَهُوَ وَإِنْ دَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى عَدَمِ النَّهْيِ عَنِ السُّكْرِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَغَيْرُ مَانِعٍ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حَيْتُ لَمْ يَكُنِ الشُّرْبُ حَرَامًا وَإِنْ كَانَ وُرُودُهُ بَعْدَ التَّحْرِيمِ وَفِي حَالَةِ السُّكْرِ، لَكِنْ يَجِبُ حَمْلُ لَفْظِ السَّكْرَانِ فِي الْآيَةِ عَلَى مَنْ دَبَّ الْخَمْرُ فِي شُئُونِهِ وَكَانَ ثَمِلًا نَشْوَانًا، وَأَصْلُ عَقْلِهِ ثَابِتٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُئَوِّلُ إِلَى السُّكْرِ غَالِبًا.
وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يُئَوِّلُ إِلَيْهِ يَكُونُ تَجَوُّزًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ; فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى كَمَالِ التَّثَبُّتِ عَلَى مَا يُقَالُ إِذْ هُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ حَالَةَ الِانْتِشَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ حَاصِلًا.
وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ أَرَادَ فِعْلَ أَمْرٍ وَهُوَ غَضْبَانُ: لَا تَفْعَلْ حَتَّى تَعْلَمَ مَا تَفْعَلُ أَيْ حَتَّى يَزُولَ عَنْكَ الْغَضَبُ الْمَانِعُ مِنَ التَّثَبُّتِ عَلَى مَا تَفْعَلُ، وَإِنْ كَانَ عَقْلُهُ وَفَهْمُهُ حَاصِلًا.
وَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ، جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ الْمَانِعِ مِنَ التَّكْلِيفِ.
стр. 151
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ تَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ (١)
مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا جَوَازُ تَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ، وَرُبَّمَا أَشْكَلَ فَهْمُ ذَلِكَ مَعَ إِحَالَتِنَا لِتَكْلِيفِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْغَافِلِ وَالسَّكْرَانِ، لِعَدَمِ الْفَهْمِ لِلتَّكَالِيفِ.
وَالْمَعْدُومُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، لِوُجُودِ أَصْلِ الْفَهْمِ فِي حَقِّهِمْ وَعَدَمِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فِي حَقِّ الْمَعْدُومِ، حَتَّى أَنْكَرَ ذَلِكَ جَمِيعُ الطَّوَائِفِ.
وَكَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّا لَا نَقُولُ بِكَوْنِ الْمَعْدُومِ مُكَلَّفًا بِالْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ حَالَةَ عَدَمِهِ بَلْ مَعْنَى كَوْنِهِ مُكَلَّفًا حَالَةَ الْعَدَمِ قِيَامُ الطَّلَبِ الْقَدِيمِ (٢) بِذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى لِلْفِعْلِ مِنَ الْمَعْدُومِ بِتَقْدِيرِ وَجُودِهِ وَتَهْيِئَتِهِ لِفَهْمِ الْخِطَابِ، فَإِذَا وَجَدُوا مُهَيَّأً لِلتَّكْلِيفِ صَارَ مُكَلَّفًا بِذَلِكَ الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ الْقَدِيمِ.
فَإِنَّ الْوَالِدَ لَوْ وَصَّى عِنْدَ مَوْتِهِ لِمَنْ سَيُوجَدُ بَعْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ بِوَصِيَّةٍ فَإِنَّ الْوَلَدَ - بِتَقْدِيرِ وَجُودِهِ وَفَهْمِهِ - يَصِيرُ مُكَلَّفًا بِوَصِيَّةِ وَالِدِهِ حَتَّى إِنَّهُ يُوَصَفُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ بِتَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ وَالِامْتِثَالِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّنَا فِي وَقْتِنَا هَذَا نُوصَفُ بِكَوْنِنَا مَأْمُورِينَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﵇، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ فِي الْحَالِ مَعْدُومًا.
وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِمَا وُجِدَ مِنْهُ مِنَ الْأَمْرِ حَالَ وُجُودِهِ.
وَمِثْلُ هَذَا التَّكْلِيفِ ثَابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِتَقْدِيرِ فَهْمِهِ أَيْضًا، بَلْ أَوْلَى مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمُشْتَرَطَ فِي حَقِّهِ الْفَهْمُ لَا غَيْرَ، وَفِي حَقِّ الْمَعْدُومِ الْفَهْمُ وَالْوُجُودُ (٣) .
وَهَلْ يُسَمَّى التَّكْلِيفُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ، وَأَمْرًا لَهُ عُرْفًا. стр. 152
الْحَقُّ أَنَّهُ يُسَمَّى أَمْرًا وَلَا يُسَمَّى خِطَابًا.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ لِلْوَالِدِ إِذَا وَصَّى بِأَمْرٍ لِمَنْ سَيُوجَدُ مِنْ أَوْلَادِهِ بِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ أَنَّهُ أَمَرَ أَوْلَادَهُ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ خَاطَبَهُمْ.
لَكِنَّ تَمَامَ فَهْمِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ، وَتَحْقِيقِ كَوْنِ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ.
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي الْكَلَامِيَّاتِ بِمَا يَجِبُ عَلَى الْأُصُولِيِّ تَقْلِيدُ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ حكم تكليف الملجأ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
اخْتَلَفُوا فِي الْمُلْجَأِ إِلَى الْفِعْلِ بِالْإِكْرَاهِ، بِحَيْثُ لَا يَسَعُهُ تَرْكُهُ فِي جَوَازِ تَكْلِيفِهِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ إِيجَادًا وَعَدَمًا.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ بِالْإِكْرَاهِ إِلَى حَدِّ الِاضْطِرَارِ، وَصَارَ نِسْبَةُ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الْفِعْلِ إِلَيْهِ نِسْبَةَ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ إِلَيْهِ أَنَّ تَكْلِيفَهُ بِهِ إِيجَادًا وَعَدَمًا غَيْرُ جَائِزٍ، إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا عَقْلًا (١) ، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ سَمْعًا لِقَوْلِهِ ﵇: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» " (٢) ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِرَفْعِ التَّكْلِيفِ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْغَرَامَاتِ، فَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ (٣) .
وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الِاضْطِرَارِ فَهُوَ مُخْتَارٌ، وَتَكْلِيفُهُ جَائِزٌ عَقْلًا وَشَرْعًا.
وَأَمَّا الْخَاطِئُ فَغَيْرُ مُكَلِّفٍ إِجْمَاعًا فِيمَا هُوَ مُخْطِئٌ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» " الْحَدِيثَ.
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ تَكْلِيفِ الْحَائِضِ بِالصَّوْمِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
اخْتَلَفُوا فِي تَكْلِيفِ الْحَائِضِ بِالصَّوْمِ، فَنَفَاهُ أَصْحَابُنَا وَأَثْبَتَهُ آخَرُونَ.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهَا مُكَلَّفَةً بِهِ بِتَقْدِيرِ زَوَالِ الْحَيْضِ الْمَانِعِ، فَهُوَ حَقٌّ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِالْإِتْيَانِ بِالصَّوْمِ حَالَ الْحَيْضِ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ стр. 153
فِعْلَهَا لِلصَّوْمِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ حَرَامٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَمَأْمُورًا بِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّضَادِّ الْمُمْتَنِعِ، إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الصَّوْمُ وَاجِبًا عَلَيْهَا، فَلِمَ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهُ؟
قُلْنَا: الْقَضَاءُ عِنْدَنَا إِنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ مُجَدِّدٍ فَلَا يَسْتَدْعِي أَمْرًا سَابِقًا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ قَضَاءً لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةٍ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ مِنَ الصَّوْمِ، وَلَمْ يَجِبْ لِمَانِعِ الْحَيْضِ.
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْمُكَلَّفَ بِالْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ هَلْ يَعْلَمُ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ أَمْ لَا]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ (١) .
فِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِالْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ هَلْ يَعْلَمُ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَأْمُورُ وَالْآمِرُ لَهُ جَاهِلًا لِعَاقِبَةِ أَمْرِهِ وَأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِمَا كُلِّفَ بِهِ أَمْ لَا، كَأَمْرِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ فِي الْغَدِ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْآمِرُ عَالِمًا بِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ دُونَ الْمَأْمُورِ، كَأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّوْمِ لِزَيْدٍ فِي الْغَدِ.
فَأَثْبَتَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَنَفَاهُ الْمُعْتَزِلَةُ.
احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالطَّاعَاتِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمَعَاصِي مُتَحَقِّقٌ مَعَ جَهْلِ الْمُكَلَّفِ بِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا وَيَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ مِنَ السَّلَفِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِينَ عَلَى أَنَّ كُلَّ بَالِغٍ عَاقِلٍ مَأْمُورٌ بِالطَّاعَاتِ مَنْهِيٌّ عَنِ الْمَعَاصِي قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِمَّا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يُعَدُّ مُتَقَرِّبًا بِالْعَزْمِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الشُّرُوعُ فِي الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَأَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ بِالْحَبْسِ وَالصَّدِّ عَنْ فِعْلِهَا آثِمٌ عَاصٍ بِصَدِّهِ عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِ الشَّارِعِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ عَدَمِ النَّهْيِ وَالْأَمْرِ مُحَالٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ مَعْلُومًا لَهُ فِي الْحَالِ لَتَعَذَّرَ قَصْدُ الِامْتِثَالِ فِي الْوَاجِبَاتِ الْمُضَيِّقَةِ، لِاسْتِحَالَةِ الْعِلْمِ بِتَمَامِ التَّمَكُّنِ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ، وَهُوَ مُحَالٌ. стр. 154
فَإِنْ قِيلَ لَا خَفَاءَ بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْأَمْرِ عَلَى شَرْطٍ مَعْلُومِ الْوُقُوعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ وُقُوعُهُ حَالِيًّا كَمَا إِذَا قَالَ: صُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ مَوْجُودًا، أَوْ مَآلِيًّا كَمَا إِذَا قَالَ: صُمْ إِنْ صَعِدَتِ الشَّمْسُ غَدًا، أَوْ مَعْلُومَ الِانْتِفَاءِ كَمَا إِذَا قَالَ: صُمْ إِنِ اجْتَمَعَ الضِّدَّانِ وَهُوَ مُحَالٌ بَلِ الْأَوَّلُ أَمْرٌ مَشْرُوطٌ، كَيْفَ وَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعْلِيقُ الْأَمْرِ بِشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ حَاصِلًا مَعَ الْمَشْرُوطِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَالثَّانِي وَإِنْ كَانَ فِيهِ صِيغَةُ افْعَلْ فَلَيْسَ بِأَمْرٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَالْبَارِي تَعَالَى عَالِمٌ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ.
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِتَمَكُّنِ الْعَبْدِ مِمَّا كُلِّفَ بِهِ، وَأَنَّهُ سَيَأْتِي بِهِ فَهُوَ أَمْرُ جَزْمٍ لَا شَرْطَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِمَّا قِيلَ لَهُ: افْعَلْهُ، أَوْ لَا تَفْعَلْهُ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ لَا يَكُونُ مَعْلُومًا لِلْعَبْدِ، لِتَجْوِيزِهِ عَدَمَ الشَّرْطِ، وَهُوَ التَّمَكُّنُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَعَلَى هَذَا، فَيَجِبُ حَمْلُ الْإِجْمَاعِ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى ظَنِّ الْأَمْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْمُكَلَّفِ بَقَاؤُهُ وَتَمَكُّنُهُ، لَا عَلَى يَقِينِ الْأَمْرِ وَالْعِلْمِ بِهِ.
قُلْنَا: أَمَّا امْتِنَاعُ تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِشَرْطٍ مَعْلُومِ الْوُقُوعِ أَوِ الِانْتِفَاءِ عِنْدَ الْمَأْمُورِ، فَلَا نِزَاعَ فِيهِ إِلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِلْآمِرِ دُونَ الْمَأْمُورِ.
فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَمْرُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بِفِعْلِ شَيْءٍ فِي الْغَدِ مَعَ عِلْمِهِ بِرَفْعِ ذَلِكَ فِي الْغَدِ عَنْهُ، اسْتِصْلَاحًا لِلْعَبْدِ بِاسْتِعْدَادِهِ فِي الْحَالِ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ، وَاشْتِغَالِهِ بِذَلِكَ عَنْ مَعَاصِيهِ أَوِ امْتِحَانِهِ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْبِشْرِ وَالْكَرَاهَةِ حَتَّى يُثِيبَهُ عَلَى هَذَا، وَيُعَاقِبَهُ عَلَى هَذَا لَا لِقَصْدِ الْإِتْيَانِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ أَوِ الِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْقُولًا مُفِيدًا، أَمْكَنَ مِثْلُهُ فِي أَمْرِ الْبَارِي تَعَالَى.
قَوْلُهُمْ: إِنَّ شَرْطَ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ مُسَلَّمٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ، غَيْرَ أَنَّ الشَّرْطَ الْمُتَأَخِّرَ عَنِ الْأَمْرِ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنَ الْفِعْلِ
стр. 155
لَيْسَ شَرْطًا فِي تَحَقُّقِ الْأَمْرِ وَقِيَامِهِ بِنَفْسِ الْأَمْرِ حَتَّى يُقَالَ بِتَأْخِيرِ شَرْطِ وُجُودِهِ عَنْ وُجُودِهِ بَلْ هُوَ شَرْطُ الِامْتِثَالِ.
وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا لَا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُهُ عَلَى الِامْتِثَالِ كَمَا عُلِمَ مِنْ أَصْلِنَا.
وَعَلَى هَذَا فَقَدَ بَطَلَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلْعَبْدِ، وَوَجَبَ حَمْلُ الْإِجْمَاعِ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى وُجُودِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً لَا عَلَى ظَنِّ وَجُودِهِ ; لِأَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَإِ فِي الظَّنِّ قَائِمٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ الْإِجْمَاعِ.
وَإِذَا عُرِفَ مَا حَقَّقْنَاهُ فَمَنْ أَفْسَدَ (١) صَوْمَ رَمَضَانَ بِالْوِقَاعِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ جُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا ; لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ بِإِفْسَادِ صَوْمٍ وَاجِبٍ لَا يَتَعَرَّضُ لِلِانْقِطَاعِ فِي الْيَوْمِ، لَا لِعَدَمِ قِيَامِ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ وَوُجُوبِهِ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ الشُّرُوعُ فِي صَوْمِ يَوْمٍ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهَا تَحِيضُ فِيهِ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ شَرَعَتْ فِي الصَّوْمِ أَوِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَيْنِ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، ثُمَّ شَرَعَتْ وَمَاتَ فِي أَثْنَائِهَا حَنِثَ، وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَلَا كَذَلِكَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يَرِدُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. стр. 156
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ فِي بَيَانِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَأَقْسَامِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَحْكَامِهِ]
[مُقَدِّمَةُ فِي بَيَانِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَأَقْسَامِهِ]
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ
فِي بَيَانِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَأَقْسَامِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَحْكَامِهِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأُصُولٍ أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي بَيَانِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَأَقْسَامِهِ.
فَنَقُولُ: كَمَا بَيَّنَّا فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى حَدَّ الدَّلِيلِ وَانْقِسَامَهُ إِلَى عَقْلِيٍّ وَشَرْعِيٍّ.
وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِنَا هَاهُنَا تَعْرِيفُ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ بَلِ الشَّرْعِيِّ.
وَالْمُسَمَّى بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَا هُوَ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَإِلَى مَا ظُنَّ أَنَّهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَارِدًا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ أَوْ لَا مِنْ جِهَتِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُتْلَى، أَوْ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُتْلَى.
فَإِنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُتْلَى فَهُوَ الْكِتَابُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُتْلَى فَهُوَ السُّنَّةُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِدًا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ عِصْمَةُ مَنْ صَدَرَ عَنْهُ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ صُورَتُهُ بِحَمْلِ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي حُكْمٍ بِنَاءً عَلَى جَامِعٍ، أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَهُوَ الْقِيَاسُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، فَهُوَ دَلِيلٌ لِظُهُورِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَنَا بِهِ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ الْكِتَابُ ; لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُشَرِّعِ لِلْأَحْكَامِ، وَالسُّنَّةُ مُخْبِرَةٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَحُكْمِهِ، وَمُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ فَرَاجِعٌ إِلَيْهِمَا.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ، فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِمَعْقُولِ النَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ فَالنَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ أَصْلٌ، وَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ فَرْعٌ تَابِعٌ لَهُمَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا ظُنَّ أَنَّهُ دَلِيلٌ وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ، فَكَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا وَمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، وَالِاسْتِحْسَانِ وَالْمُصْلِحَةِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى مَا الْكَلَامُ فِيهِ.
стр. 157
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مِمَّا يُسَمَّى دَلِيلًا شَرْعِيًّا]
[الْأَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْكِتَابِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ]
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنَ الْقُرْآنِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ فهو حُجَّةٌ]
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ
فِيمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مِمَّا يُسَمَّى دَلِيلًا شَرْعِيًّا
وَلَمَّا بَانَ أَنَّهُ عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ، فَالنَّظَرُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا مِنْهُ مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِخُصُوصِهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا.
فَلْنَرْسُمْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَصْلًا، وَهِيَ سِتَّةُ أُصُولٍ.
الْأَصْلُ الْأَوَّلُ
فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْكِتَابِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ ; لِأَنَّهُ الْأَوَّلُ وَالْأَوْلَى بِتَقْدِيمِ النَّظَرِ فِيهِ (١) أَمَّا حَقِيقَةُ الْكِتَابِ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: هُوَ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورَةِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْكِتَابِ سِوَى الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْنَا عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْرُجُ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ نَقْلِهِ إِلَيْنَا مُتَوَاتِرًا بَلْ وَلَا بِعَدَمِ نَقْلِهِ إِلَيْنَا بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ غَايَتُهُ جَهْلُنَا بِوُجُودِ الْقُرْآنِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ نَقْلِهِ إِلَيْنَا وَعَدَمِ عِلْمِنَا بِكَوْنِهِ قُرْآنًا بِتَقْدِيرِ عَدَمِ تَوَاتُرِهِ، وَعِلْمُنَا بِوُجُودِهِ غَيْرُ مَأْخُوذٍ فِي حَقِيقَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ فِي تَحْدِيدِهِ.
وَالْأَقْرَبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْكِتَابُ هُوَ الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ.
فَقَوْلُنَا: (الْقُرْآنُ) احْتِرَازٌ عَنْ سَائِرِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ كُتُبًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَتْ هِيَ الْكِتَابَ الْمَعْهُودَ لَنَا الْمُحْتَجَّ بِهِ فِي شَرْعِنَا عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَعْرِيفِهِ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنِ الْكَلَامِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ مِمَّا لَيْسَ بِمَتْلُوٍّ.
وَقَوْلُنَا: (الْمُنَزَّلِ) احْتِرَازٌ عَنْ كَلَامِ النَّفْسِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِكِتَابٍ، بَلِ الْكِتَابُ هُوَ الْكَلَامُ الْمُعَبِّرُ عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ، (٢) وَلِذَلِكَ لَمْ نَقُلْ هُوَ الْكَلَامُ الْقَدِيمُ وَلَمْ نَقُلْ هُوَ الْمُعْجِزُ ; لِأَنَّ الْمُعْجِزَ أَعَمُّ مِنَ الْكِتَابِ وَلَمْ نَقُلْ هُوَ الْكَلَامُ الْمُعْجِزُ ; لِأَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهُ الْآيَةَ وَبَعْضَ الْآيَةِ مَعَ أَنَّهَا مِنَ الْكِتَابِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْجِزَةً. стр. 158
وَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى تَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الْكِتَابِ (١) ، فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ وَهِيَ خَمْسُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى (٢) اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنَ الْقُرْآنِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنْهُ آحَادًا كَمُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرِهِ أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ حُجَّةً، أَمْ لَا؟
فَنَفَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَثْبَتَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَنَى (٣) عَلَيْهِ وُجُوبَ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ الْيَمِينِ بِمَا نَقَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مُصْحَفِهِ مِنْ قَوْلِهِ: " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ".
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَحُجَّتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ مُكَلَّفًا بِإِلْقَاءِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى طَائِفَةٍ تَقُومُ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ بِقَوْلِهِمْ، وَمَنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ بِقَوْلِهِمْ لَا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِمُ التَّوَافُقُ عَلَى عَدَمِ نَقْلِ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ.
فَالرَّاوِي لَهُ إِذَا كَانَ وَاحِدًا إِنْ ذَكَرَهُ عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ فَقَدْ تَرَدَّدَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﵇، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لَهُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَهَذَا بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇، وَعَلَى هَذَا مَنَعَ مِنْ وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ الْيَمِينِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُكُمْ إِنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِلْقَاءُ الْقُرْآنِ إِلَى عَدَدٍ تَقُومُ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ بِقَوْلِهِمْ، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ دَعْوَاهُ مَعَ أَنَّ حُفَّاظَ الْقُرْآنِ فِي زَمَانِهِ ﵇ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ لِقِلَّتِهِمْ، وَأَنَّ جَمْعَهُ إِنَّمَا كَانَ стр. 159
بِطْرِيقِ تَلَقِّي آحَادِ آيَاتِهِ مِنَ الْآحَادِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ.
وَلَوْ كَانَ قَدْ أَلْقَاهُ إِلَى جَمَاعَةٍ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَلِهَذَا أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِي الْبَسْمَلَةِ أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَوْنَ الْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ.
سَلَّمْنَا وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇، وَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ جَمْعٌ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ السُّكُوتُ عَنْ نَقْلِهِ عَلَى الْكُلِّ لِعِصْمَتِهِمْ عَنِ الْخَطَأِ، وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِهِمْ، وَإِذَا كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَقَدْ رَوَى مَا رَوَاهُ فَلَمْ يَقَعِ الِاتِّفَاقُ مِنَ الْكُلِّ عَلَى الْخَطَأِ بِالسُّكُوتِ
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ رِوَايَتِهِ لِذَلِكَ فِي مُصْحَفِهِ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ الصِّدْقُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُهُ.
غَايَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، لِعَدَمِ تَوَاتُرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَمْكَنَ أَنْ لَا يَكُونَ لِكَوْنِهِ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَأَمْكَنَ أَنْ (١) يَكُونُ لِكَوْنِهِ مَذْهَبًا لَهُ كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ قُرْآنًا، وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﵇.
وَهُمَا احْتِمَالَانِ وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ حُجَّةً بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَذْهَبًا لَهُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ وَاحِدٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ احْتِمَالٍ مِنَ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ مِنْ وُقُوعِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْخَبَرِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَذْهَبًا لَهُ.
إِلَّا أَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهِ خَبَرًا رَاجِحٌ ; لِأَنَّ رِوَايَتَهُ لَهُ مُوهِمٌ بِالِاحْتِجَاجِ بِهِ.
وَلَوْ كَانَ مَذْهَبًا لَهُ لَصَرَّحَ بِهِ، نَفْيًا لِلتَّلْبِيسِ عَنِ السَّامِعِ الْمُعْتَقِدِ كَوْنِهِ حُجَّةً مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا.
وَالْجَوَابُ: أَمَّا وُجُوبُ إِلْقَائِهِ عَلَى عَدَدٍ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، فَذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْمُعْجِزَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِهِ ﵇ قَطْعًا، وَمَعَ عَدَمِ بُلُوغِهِ إِلَى مَنْ لَمْ يُشَاهِدْهُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ لَا يَكُونُ حُجَّةً قَاطِعَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﵇ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ بُلُوغِ حُفَّاظِ الْقُرْآنِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ عَدَدَ التَّوَاتُرِ أَنْ يَكُونَ الْحُفَّاظُ لِآحَادِ آيَاتِهِ كَذَلِكَ. стр. 160
وَأَمَّا التَّوَقُّفُ فِي جَمْعِ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي كَوْنِهَا قُرْآنًا بَلْ فِي تَقْدِيمِهَا وَتَأْخِيرِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهَا وَفِي طُولِهَا وَقِصَرِهَا.
وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَتْ بِهِ الْمَصَاحِفُ، فَمَا كَانَ مِنَ الْآحَادِ فَلَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَا كَانَ مُتَوَاتِرًا فَهُوَ مِنْهُ.
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ، إِنَّمَا كَانَ فِي وَضْعِهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَا فِي كَوْنِهَا مِنَ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا إِنْكَارُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِإِنْزَالِ هَذِهِ السُّوَرِ عَلَى النَّبِيِّ ﵇، بَلْ لِإِجْرَائِهَا مُجْرَى الْقُرْآنِ فِي حُكْمِهِ.
قَوْلُهُمْ: إِذَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يَتَّفِقِ الْكُلُّ عَلَى الْخَطَأِ.
قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ سُكُوتَ مَنْ سَكَتَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا (١) إِلَّا أَنَّهُ حَرَامٌ (٢) لِوُجُوبِ نَقْلِهِ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ قُلْنَا إِنَّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ قُرْآنٌ، لَزِمَ ارْتِكَابُ مَنْ عَدَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ لِلْحَرَامِ بِالسُّكُوتِ.
وَلَوْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ ذَلِكَ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاوِي وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ عَدَاهُ مِنَ السَّاكِتِينَ وَبِتَقْدِيرِ (٣) ارْتِكَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِلْحَرَامِ مَعَ كَوْنِهِ وَاحِدًا أَوْلَى مِنَ ارْتِكَابِ الْجَمَاعَةِ لَهُ، وَعَلَى هَذَا فَقَدَ بَطَلَ قَوْلُهُمْ بِظُهُورِ صِدْقِهِ فِيمَا نَقَلَهُ مُعَارِضٌ، وَتَعَيَّنَ تَرَدُّدُ نَقْلِهِ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْمَذْهَبِ.
قَوْلُهُمْ: حَمْلُهُ عَلَى الْخَبَرِ رَاجِحٌ، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَ مَذْهَبًا لَصَرَّحَ بِهِ، نَفْيًا لِلتَّلْبِيسِ.
قُلْنَا: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ لَمْ يُصَرَّحْ بِكَوْنِهِ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﵇ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ (٤) ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالْخَبَرِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِالِاتِّفَاقِ.
كَيْفَ وَفِيهِ مُوَافَقَةُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنَ التَّتَابُعِ بِخِلَافِ مُقَابِلِهِ، فَكَانَ أَوْلَى. стр. 161
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هل البسملة من القرآن]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، فَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.
لَكِنَّ مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ حَمَلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ مَعَ الْقُرْآنِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا (١) .
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّهَا هَلْ هِيَ آيَةٌ بِرَأْسِهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، أَوْ هِيَ مَعَ أَوَّلِ آيَةٍ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ آيَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ.
وَقَضَى بِتَخْطِئَةِ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ لَهُ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ الْقَاطِعِ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ.
وَالْحُجَّةُ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهَا أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ.
وَلِذَلِكَ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ، وَابْتِدَاءَ أُخْرَى حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» "، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ حَيْثُ أُنْزِلَتْ.
الثَّانِي: أَنَّهَا كَانَتْ تُكْتَبُ بِخَطِّ الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى مَنْ كَتَبَهَا بِخَطِّ الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ مَعَ تَخَشُّنِهِمْ فِي الدِّينِ وَتَحَرُّزِهِمْ فِي صِيَانَةِ الْقُرْآنِ عَمَّا لَيْسَ مِنْهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ أَثْبَتَ أَوَائِلَ السُّوَرِ وَالتَّعْشِيرَ وَالنَّقْطَ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا حَيْثُ كُتِبَتْ مَعَ الْقُرْآنِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ أَنَّهَا مِنْهُ.
الثَّالِثُ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " سَرَقَ الشَّيْطَانُ مِنَ النَّاسِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَمَّا أَنْ تَرَكَ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ "، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، فَدَلَّ عَلَى كَوْنِهَا مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ. стр. 162
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يُشْتَرَطَ الْقَطْعُ فِي إِثْبَاتِهَا أَوْ لَا يُشْتَرَطَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْوُجُوهِ الدَّالَّةِ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ بَلْ ظَنِّيَّةٌ، فَلَا تَصْلُحُ لِلْإِثْبَاتِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ أَنْ يُبَيِّنَ كَوْنَهَا مِنَ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَتْ مَعَهُ بَيَانًا شَافِيًا شَائِعًا قَاطِعًا لِلشَّكِّ، كَمَا فَعَلَ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَلْيُثْبِتِ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْيَمِينِ بِمَا نَقَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مُصْحَفِهِ.
قُلْنَا: الِاخْتِلَافُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ يَقَعْ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ التَّسْمِيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى يُشْتَرَطَ الْقَطْعُ فِي طَرِيقِ إِثْبَاتِهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي وَضْعِهَا آيَةً فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ وَالْقَطْعُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ فِيهِ.
وَلِهَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لِلْآخَرِ، كَمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي عَدَدِ الْآيَاتِ وَمَقَادِيرِهَا (١) .
قَوْلُهُمْ كَانَ يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ بَيَانُ ذَلِكَ بَيَانًا قَاطِعًا لِلشَّكِّ.
قُلْنَا: وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْقُرْآنِ لَبَيَّنَ ذَلِكَ أَيْضًا بَيَانًا قَاطِعًا لِلشَّكِّ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي التَّعَوُّذِ، بَلْ أَوْلَى مِنْ حَيْثُ إِنَّ التَّسْمِيَةَ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ وَمُنَزَّلَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ مَعَ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوهِمُ أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ ﵇ بِذَلِكَ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْبَيَانِ بِخِلَافِ التَّعَوُّذِ.
فَإِنْ قِيلَ: كُلُّ مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ مُنْحَصِرٌ يُمْكِنُ بَيَانُهُ، بِخِلَافِ مَا لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ، فَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَلِهَذَا قِيلَ بِوُجُوبِ بَيَانِ مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ دُونَ مَا لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ. стр. 163
قُلْنَا: نَحْنُ لَمْ نُوجِبْ بَيَانَ كُلِّ مَا لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ، بَلْ إِنَّمَا أَوْجَبْنَا بَيَانَ مَا يَسْبِقُ إِلَى الْأَفْهَامِ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ كَمَا فِي التَّسْمِيَةِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُنْحَصِرٌ، بَلْ هُوَ أَقَلُّ مِنْ بَيَانِ مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ (١) مِنْ وَضْعِ (٢) كَوْنِ التَّسْمِيَةِ آيَةً مَعَ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ بِالِاجْتِهَادِ وَالظَّنِّ.
وَقَدْ ثَبَتَ كَوْنُهَا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ قَطْعًا أَنْ يُقَالَ (٣) مِثْلُهُ فِي ثُبُوتِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّتَابُعِ مَعَ أَنَّهَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهَا مِنَ الْقُرْآنِ قَطْعًا وَلَا ظَنًّا.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى آيَاتٍ مُحْكَمَةٍ وَمُتَشَابِهَةٍ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ (٤)
الْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى آيَاتٍ مُحْكَمَةٍ وَمُتَشَابِهَةٍ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٥)
أَمَّا الْمُحْكَمُ فَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا ظَهَرَ مَعْنَاهُ، وَانْكَشَفَ كَشْفًا يُزِيلُ الْإِشْكَالَ وَيَرْفَعُ الِاحْتِمَالَ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْمُتَشَابِهُ الْمُقَابِلُ لَهُ مَا تَعَارَضَ فِيهِ الِاحْتِمَالُ إِمَّا بِجِهَةِ التَّسَاوِي كَالْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، لِاحْتِمَالِهِ زَمَنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ عَلَى السَّوِيَّةِ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ.
وَقَوْلِهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اللَّمْسِ بِالْيَدِ وَالْوَطْءِ، أَوْ لَا عَلَى جِهَةِ التَّسَاوِي كَالْأَسْمَاءِ الْمَجَازِيَّةِ، وَمَا ظَاهِرُهُ مُوهِمٌ لِلتَّشْبِيهِ، وَهُوَ مُفْتَقِرٌ стр. 164
إِلَى تَأْوِيلٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ، ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْكِنَايَاتِ وَالِاسْتِعَارَاتِ الْمُؤَوَّلَةِ بِتَأْوِيلَاتٍ مُنَاسِبَةٍ لِأَفْهَامِ الْعَرَبِ (١) .
وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُتَشَابِهًا لِاشْتِبَاهِ مَعْنَاهُ عَلَى السَّامِعِ، وَهَذَا أَيْضًا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
الْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْمُحْكَمَ مَا انْتَظَمَ وَتَرَتَّبَ عَلَى وَجْهٍ يُفِيدُ إِمَّا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، أَوْ مَعَ التَّأْوِيلِ مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ وَاخْتِلَافٍ فِيهِ، وَهَذَا أَيْضًا مُتَحَقِّقٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْمُقَابِلُ لَهُ مَا فَسَدَ نَظْمُهُ وَاخْتَلَّ لَفْظُهُ، وَيُقَالُ: فَاسِدٌ، لَا مُتَشَابِهٌ.
وَهَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُجُودِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرُبَّمَا قِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَنَحْوِهِ.
وَالْمُتَشَابِهُ مَا كَانَ مِنَ الْقِصَصِ وَالْأَمْثَالِ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَمَّا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَعَنْ مُنَاسَبَةِ اللَّفْظِ لَهُ لُغَةً. стр. 165
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْقُرْآنُ لَا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُهُ عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ فِي نَفْسِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
الْقُرْآنُ لَا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُهُ عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ فِي نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ هَذَيَانًا وَنَقْصًا يَتَعَالَى كَلَامُ الرَّبِّ عَنْهُ خِلَافًا لِمَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ فِي قَوْلِهِ: كَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَكَلَامُ الرَّبِّ تَعَالَى مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ؟ كَحُرُوفِ الْمُعْجَمِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّورِ، إِذْ هِيَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ فِي اللُّغَةِ لِمَعْنًى، وَعَلَى التَّنَاقُضِ الَّذِي لَا يُفْهَمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ، وَعَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ، وَقَوْلُهُ: (كَامِلَةٌ) غَيْرُ مُفِيدٍ لِمَعْنًى.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قُلْنَا: أَمَّا حُرُوفُ الْمُعْجَمِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهَا، بَلْ هِيَ أَسَامِي السُّورِ وَمُعَرِّفَةٌ لَهَا.
وَأَمَّا التَّنَاقُضُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، إِذِ التَّنَاقُضُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اتِّحَادِ جِهَةِ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ وَالزَّمَانِ، وَزَمَانُ إِيجَابِهِ وَسَلْبِهِ غَيْرُ مُتَّحِدٍ بَلْ مُخْتَلِفٌ.
وَأَمَّا الزِّيَادَاتُ الْمَذْكُورَةُ فَهِيَ لِلتَّأْكِيدِ لَا أَنَّهَا غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى.
فَإِنْ قِيلَ: وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ مَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ.
وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ وَإِلَّا كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ عَائِدًا إِلَى جُمْلَةِ الْمَذْكُورِ السَّابِقِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلِابْتِدَاءِ.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مَا عَلِمَهُ الرَّبُّ تَعَالَى مَعْلُومًا لَهُمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى الْيَدِ وَالْيَمِينِ وَالْوَجْهِ وَالرُّوحِ وَمَكْرِ اللَّهِ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلَى مَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْهُ فِي اللُّغَةِ، وَمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
стр. 166
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْخِطَابَ بِالْقُرْآنِ كَمَا هُوَ مَعَ الْعَرَبِ فَهُوَ مَعَ الْعَجَمِ مَفْهُومٌ لَهُمْ (١) .
قُلْنَا: مَنْ قَالَ بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ (٢) .، جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَهُ مَعْنًى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلْمُخَاطَبِ وَلَا بَيَانَ لَهُ (٣) .، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا لَا مَعْنَى لَهُ أَصْلًا لِكَوْنِهِ هَذَيَانًا.
وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزِ التَّكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِخْرَاجِ الْقُرْآنِ عَنْ كَوْنِهِ بَيَانًا لِلنَّاسِ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَفْهُومٍ.
وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَجُرُّ إِلَى عَدَمِ الْوُثُوقِ بِشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، ضَرُورَةَ أَنَّهُ مَا مِنْ خَبَرٍ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ.
وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلشَّرِيعَةِ مُطْلَقًا.
وَأَجَابَ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى بِأَنَّ الْوَاوَ فِيهَا لِلْعَطْفِ (٤) .، وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا (٥) . فِي الْعَوْدِ إِلَى جُمْلَةِ الْمَذْكُورِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي تَخْصِيصِهِ بِإِخْرَاجِ الرَّبِّ تَعَالَى عَنْهُ، بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، الْمُحِيلِ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا بَاقِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَكُلُّهَا كِنَايَاتٌ وَتَجَوُّزَاتٌ مَفْهُومَةٌ لِلْعَرَبِ بِأَدِلَّةٍ صَارِفَةٍ إِلَيْهَا، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكَلَامِيَّاتِ (٦)
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الاختلاف في اشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى أَلْفَاظٍ مَجَازِيَّةٍ وَكَلِمَاتٍ غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ
اخْتَلَفُوا فِي اشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى أَلْفَاظٍ مَجَازِيَّةٍ وَكَلِمَاتٍ غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ.
وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا الْكَلَامَ فِيهِمَا فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى فِي " الْمَبَادِئِ اللُّغَوِيَّةِ ". стр. 167
[الْأَصْلُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ]
[الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈]
الْأَصْلُ الثَّانِي
فِي السُّنَّةِ
وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّرِيقَةِ، فَسُنَّةُ كُلِّ أَحَدٍ مَا عُهِدَتْ مِنْهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ، كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْحَمِيدَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ نَافِلَةً مَنْقُولَةً عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَا صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا لَيْسَ بِمَتْلُوٍّ، وَلَا هُوَ مُعْجِزٌ وَلَا دَاخِلٌ فِي الْمُعْجِزِ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَيَانِ هَاهُنَا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالُ النَّبِيِّ ﵇، وَأَفْعَالُهُ وَتَقَارِيرُهُ.
أَمَّا الْأَقْوَالُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّخْيِيرِ وَالْخَبَرِ وَجِهَاتِ دَلَالَتِهَا فَسَيَأْتِي إِيضَاحُهَا فِي الْأَصْلِ الرَّابِعِ الْمَخْصُوصِ بِبَيَانِ مَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَدِلَّةُ الْمَنْقُولَةُ الشَّرْعِيَّةُ.
وَلْيَكُنِ الْبَيَانُ هَاهُنَا مَخْصُوصًا بِمَا يَخُصُّ النَّبِيَّ ﵇ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالتَّقَارِيرِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ وَخَمْسِ مَسَائِلَ.
الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى (١) .
فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَشَرْحِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ وَمَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ مِنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْهُ مِنَ الْمَعَاصِي وَمَا فِيهِ الِاخْتِلَافُ أَمَّا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ الْمَعْصِيَةُ كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، بَلْ وَلَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا إِرْسَالُ مَنْ أَسْلَمَ وَآمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ.
وَذَهَبَتِ الرَّوَافِضُ إِلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ هَضْمَهُمْ فِي النُّفُوسِ وَاحْتِقَارَهُمْ وَالنُّفْرَةَ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ، وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ مِنْ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَّا فِي الصَّغَائِرِ. стр. 168
وَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ لَا سَمْعَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ يَدُلُّ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وَالْعَقْلُ دَلَالَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، وَوُجُوبِ رِعَايَةِ الْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا أَبْطَلْنَاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ.
وَأَمَّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَالِاتِّفَاقُ مِنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ قَاطِبَةً عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ تَعَمُّدِ كُلِّ مَا يُخِلُّ بِصِدْقِهِمْ فِيمَا دَلَّتِ الْمُعْجِزَةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيهِ مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَالتَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ، فَمَنَعَ مِنْهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَةِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ الْقَاطِعَةِ.
وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنَ النِّسْيَانِ وَفَلَتَاتِ اللِّسَانِ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ التَّصْدِيقِ الْمَقْصُودِ بِالْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ.
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْمَعَاصِي الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لَا دَلَالَةَ لِلْمُعْجِزَةِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْهَا، فَمَا كَانَ مِنْهَا كُفْرًا فَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ فِي عِصْمَتِهِمْ عَنْهُ، إِلَّا مَا نُقِلَ عَنِ الْأَزَارِقَةِ (١) . مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِجَوَازِ بَعْثَةِ نَبِيٍّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الْفَضْلِيَّةِ (٢) . مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ قَضَوْا بِأَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ يُوجَدُ فَهُوَ كُفْرٌ مَعَ تَجْوِيزِهِمْ صُدُورَ الذُّنُوبِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَانَتْ كُفْرًا.
وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَوْ لَيْسَ مِنْهَا.
فَإِنْ كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ سِوَى الْحَشْوِيَّةِ (٣) . وَمَنْ جَوَّزَ الْكُفْرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ تَعَمُّدِهِ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ مُدْرِكَ الْعِصْمَةِ السَّمْعُ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَوِ الْعَقْلُ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَنْ نِسْيَانٍ أَوْ تَأْوِيلٍ خَطَأٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى جَوَازِهِ سِوَى الرَّافِضَةِ. стр. 169
وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى فَاعِلِهِ بِالْخِسَّةِ وَدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ، كَسَرِقَةِ حَبَّةٍ أَوْ كِسْرَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْكَبِيرَةِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، كَنَظْرَةٍ أَوْ كَلِمَةِ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي حَالَةِ غَضَبٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى جَوَازِهِ عَمْدًا وَسَهْوًا، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ مُطْلَقًا وَخِلَافًا لِلْجِبَائِيِّ (١) وَالنَّظَّامِ (٢) . وَجَعْفَرٍ (٣) . بْنِ مُبَشِّرٍ فِي الْعَمْدِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْكَلَامُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ التَّفَاصِيلِ غَيْرُ بَالِغٍ مَبْلَغَ الْقَطْعِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ.
وَالِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى مَا يُسَاعِدُ فِيهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
وَقَدْ أَتَيْنَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا تَزْيِيفًا وَاخْتِيَارًا بِأَبْلَغِ بَيَانٍ، وَأَوْضَحِ بِرِهَانٍ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ، فَعَلَى النَّاظِرِ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهَا. стр. 170
[الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فِي مَعْنَى التَّأَسِّي وَالْمُتَابَعَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ]
الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ
فِي مَعْنَى التَّأَسِّي وَالْمُتَابَعَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ إِذِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فِيمَا نَرُومُهُ مِنَ النَّظَرِ فِي مَسَائِلِ الْأَفْعَالِ.
أَمَّا التَّأَسِّي بِالْغَيْرِ: فَقَدْ يَكُونُ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
أَمَّا التَّأَسِّي فِي الْفِعْلِ: فَهُوَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ.
فَقَوْلُنَا: (مِثْلَ فِعْلِهِ) لِأَنَّهُ لَا تَأَسِّيَ مَعَ اخْتِلَافِ صُورَةِ الْفِعْلِ، كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ.
وَقَوْلُنَا: (عَلَى وَجْهِهِ) مَعْنَاهُ الْمُشَارَكَةُ فِي غَرَضِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَنِيَّتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا تَأَسِّيَ مَعَ اخْتِلَافِ الْفِعْلَيْنِ فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا وَاجِبًا وَالْآخِرِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنِ اتَّحَدَتِ الصُّورَةُ.
وَقَوْلُنَا: (مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ) لِأَنَّهُ لَوِ اتَّفَقَ فِعْلُ شَخْصَيْنِ فِي الصُّورَةِ وَالصِّفَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَجْلِ الْآخَرِ، كَاتِّفَاقِ جَمَاعَةٍ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ بِتَأَسِّي الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ.
وَعَلَى هَذَا، فَلَوْ وَقَعَ فِعْلُهُ فِي مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمُتَابَعَةِ وَالتَّأَسِّي.
وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اخْتِصَاصِ الْعِبَادَةِ بِهِ، كَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِعَرَفَاتٍ، وَاخْتِصَاصِ الصَّلَوَاتِ بِأَوْقَاتِهَا وَصَوْمِ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا التَّأَسِّي فِي التَّرْكِ، فَهُوَ تَرْكُ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ مِثْلَ مَا تَرَكَ الْآخَرُ مِنَ الْأَفْعَالِ عَلَى وَجْهِهِ وَصِفَتِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ تَرَكَ.
وَلَا يَخْفَى وَجْهُ مَا فِيهِ مِنَ الْقُيُودِ.
وَأَمَّا الْمُتَابَعَةُ، فَقَدْ تَكُونُ فِي الْقَوْلِ وَقَدْ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَاتِّبَاعُ الْقَوْلِ هُوَ امْتِثَالُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْقَوْلُ.
وَالِاتِّبَاعُ فِي الْفِعْلِ هُوَ التَّأَسِّي بِعَيْنِهِ.
وَأَمَّا الْمُوَافَقَةُ، فَمُشَارَكَةُ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ لِلْآخَرِ فِي صُورَةِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ أَوِ اعْتِقَادِ ذَلِكَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْآخَرِ أَوْ لَا مِنْ أَجْلِهِ.
وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ، فَقَدْ تَكُونُ فِي الْقَوْلِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَالْمُخَالَفَةُ فِي الْقَوْلِ تَرْكُ امْتِثَالِ مَا اقْتَضَاهُ الْقَوْلُ.
وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ فِي الْفِعْلِ، فَهُوَ الْعُدُولُ عَنْ فِعْلِ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ الْغَيْرُ مَعَ وُجُوبِهِ.
стр. 171
وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا وَلَمْ يُجِبْ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ لَا يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُخَالِفٌ فِي الْفِعْلِ، بِتَقْدِيرِ التَّرْكِ.
وَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الْحَائِضُ مُخَالِفَةً بِتَرْكِ الصَّلَاةِ لِغَيْرِهَا.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَخْفَى وُجُوهُ الْمُخَالَفَةِ فِي التَّرْكِ.
وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى مَا أَرَدْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَفْعَالِ الرَّسُولِ ﵇.
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇ هَلْ هِيَ دَلِيلٌ لِشَرْعٍ مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا أَمْ لَا]
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇، هَلْ هِيَ دَلِيلٌ لِشَرْعٍ مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا أَمْ لَا؟
وَقَبْلَ النَّظَرِ فِي الْحِجَاجِ لَا بُدَّ مِنْ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَنَقُولُ: أَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْجِبِلِّيَّةِ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِ، فَلَا نِزَاعَ فِي كَوْنِهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى أُمَّتِهِ.
وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ، مِمَّا ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ خَوَاصِّهِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى التَّشْرِيكِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِيهِ إِجْمَاعًا.
وَذَلِكَ كَاخْتِصَاصِهِ بِوُجُوبِ الضُّحَى وَالْأَضْحَى وَالْوِتَرِ وَالتَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ وَالْمُشَاوَرَةِ وَالتَّخْيِيرِ لِنِسَائِهِ، وَكَاخْتِصَاصِهِ بِإِبَاحَةِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، وَصَفِيَّةِ الْمَغْنَمِ، وَالِاسْتِبْدَادِ (١) بِخُمْسِ الْخُمْسِ، وَدُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامِ، وَالزِّيَادَةِ فِي النِّكَاحِ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ (٢) .
وَأَمَّا مَا عُرِفَ كَوْنُ فِعْلِهِ بَيَانًا لَنَا، فَهُوَ دَلِيلٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَذَلِكَ إِمَّا بِصَرِيحِ مَقَالِهِ كَقَوْلِهِ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» «وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ".
أَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ أَوْ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ أَوْ مُطْلَقٌ أُرِيدَ بِهِ التَّقْيِيدُ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ قَبْلَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، ثُمَّ فَعَلَ عِنْدَ الْحَاجَةِ فِعْلًا صَالِحًا لِلْبَيَانِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيَانًا حَتَّى لَا يَكُونَ مُؤَخَّرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ كَقَطْعِهِ يَدَ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، وَكَتَيَمُّمِهِ стр. 172
إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ، وَنَحْوِهِ.
وَالْبَيَانُ تَابِعٌ لِلْمُبَيَّنِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ.
وَأَمَّا مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلْبَيَانِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا فَإِمَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ.
فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ فِعْلَهُ ﵇ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّنَا، كَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْإِصْطَخْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ خَيْرَانَ وَالْحَنَابِلَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ إِلَى أَنَّهُ لِلنَّدْبِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِالْوَقْفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَالصَّيْرَفِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَأَمَّا مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيهِ عَلَى نَحْوِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ فِيهِ أَبْعَدُ مِمَّا ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، وَالْوَقْفُ وَالْإِبَاحَةُ أَقْرَبُ.
وَبَعْضُ مَنْ جَوَّزَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمَعَاصِي قَالَ: إِنَّهَا عَلَى الْخَطَرِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قُصِدَ بِهِ بَيَانُ خِطَابٍ سَابِقٍ فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ دَلِيلٌ فِي حَقِّهِ ﵇ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَهُوَ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ لَا غَيْرَ، وَأَنَّ الْإِبَاحَةَ وَهِيَ اسْتِوَاءُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ خَارِجَةٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ.
وَمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، فَهُوَ دَلِيلٌ فِي حَقِّهِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، وَهُوَ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ، لَا غَيْرَ وَكَذَلِكَ عَنْ أُمَّتِهِ.
وَأَمَّا (١) إِذَا ظَهَرَ مِنْ فِعْلِهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ ; فَلِأَنَّ الْقُرْبَةَ غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَالْفِعْلُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَيْهِ. стр. 173
وَأَمَّا مَا اخْتَصَّ بِهِ الْوَاجِبُ مِنَ الذَّمِّ عَلَى التَّرْكِ، وَمَا اخْتَصَّ بِهِ الْمَنْدُوبُ مِنْ عَدَمِ اللَّوْمِ عَلَى التَّرْكِ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ فِعْلِهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ فَهُوَ، وَإِنْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِ فِعْلَ الصَّغِيرَةِ غَيْرَ أَنَّ احْتِمَالَ وُقُوعِهَا مِنْ آحَادِ عُدُولِ الْمُسْلِمِينَ نَادِرٌ، فَكَيْفَ مِنَ النَّبِيِّ ﵇.
بَلِ الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعْصِيَةً، وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهُ وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَمَا مِنْ فِعْلٍ مِنْ آحَادِ أَفْعَالِهِ، إِلَّا وَاحْتِمَالُ دُخُولِهِ تَحْتَ الْغَالِبِ أَغْلَبُ.
وَإِذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعْصِيَةً وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَكُلُّ فِعْلٍ لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْكُلِّ إِنَّمَا هُوَ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ دُونَ التَّرْكِ، وَالْفِعْلُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَا اخْتَصَّ بِهِ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ عَنِ الْمُبَاحِ مِنْ تَرَجُّحِ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَمَا اخْتَصَّ بِهِ الْمُبَاحُ عَنْهُمَا مِنَ اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ.
هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﵇.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمَّتِهِ؛ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ﵇ قَدِ اخْتُصَّ عَنْهُمْ بِخَصَائِصَ لَا يُشَارِكُونَهُ غَيْرَ أَنَّهَا نَادِرَةٌ، بَلْ أَنْدَرُ مِنَ النَّادِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا.
وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَمَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْأَفْعَالِ إِلَّا وَاحْتِمَالُ مُشَارَكَةِ الْأُمَّةِ لِلنَّبِيِّ ﵇ فِيهِ أَغْلَبُ مِنَ احْتِمَالِ عَدَمِ الْمُشَارَكَةِ إِدْرَاجًا لِلنَّادِرِ تَحْتَ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ فَكَانَتِ الْمُشَارَكَةُ أَظْهَرُ.
وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى تَفْصِيلِ الْمَذَاهِبِ وَتَقْرِيرِ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُبَهِ الْمُخَالِفِينَ، وَوَجْهِ الِانْفِصَالِ عَنْهَا.
وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ، فَمِنْ جِهَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّصِّ، فَمِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ أَمْرٌ بِمُتَابَعَتِهِ، وَمُتَابَعَتُهُ امْتِثَالُ الْقَوْلِ وَالْإِتْيَانُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ.
وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ حَذَّرَ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ وَالتَّحْذِيرُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَاسْمُ الْأَمْرِ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ
стр. 174
وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَرَكَ مِنْ قَبِيلِ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ.
فَكَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْفِعْلِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ، وَفِعْلُهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَأْتِي بِهِ، فَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ وَاجِبًا.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوُةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ، وَهَذَا زَجْرٌ فِي طَيِّ أَمْرٍ.
وَتَقْدِيرُهُ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَهُ فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَمَنْ لَمْ يَتَأَسَّ بِهِ فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَاجِبَةٌ وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مُتَابَعَةَ النَّبِيِّ ﵇ لَازِمَةٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ، وَيَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أَمْرٌ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ، وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ.
وَمَنْ أَتَى بِمِثْلِ فِعْلِ الْغَيْرِ عَلَى قَصْدِ إِعْظَامِهِ، فَهُوَ مُطِيعٌ لَهُ وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ تَشْرِيعٌ وَوَاجِبُ الِاتِّبَاعِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَزْوِيجُهُ مُزِيلًا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ الْحَرَجَ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ، فَمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ «خَلَعُوا نِعَالَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا خَلَعَ نَعْلَهُ» ، فَفَهِمُوا وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ لَهُ فِي فِعْلِهِ، وَالنَّبِيُّ ﵇ أَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ عِلَّةَ انْفِرَادِهِ بِذَلِكَ.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَفْسَخْ.، فَقَالُوا لَهُ: " مَا لَكَ أَمَرْتَنَا بِفَسْخِ الْحَجِّ وَلَمْ تَفْسَخْ» " فَفَهِمُوا أَنَّ حُكْمَهُمْ كَحُكْمِهِ، وَالنَّبِيُّ ﵇ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَقُلْ: " لِي حُكْمِي وَلَكُمْ حُكْمُكُمْ بَلْ أَبْدَى عُذْرًا يَخْتَصُّ بِهِ ".
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇: أَنَّهُ نَهَى الصَّحَابَةَ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ وَوَاصَلَ، فَقَالُوا لَهُ: " «نَهَيْتَنَا عَنِ الْوِصَالِ، وَوَاصَلْتَ " فَقَالَ: " لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ،
стр. 175
إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» " فَأَقَرَّهُمْ عَلَى مَا فَهِمُوهُ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ لَهُ فِي الْحُكْمِ، وَاعْتَذَرَ بِعُذْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا «سَأَلَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ، فَقَالَ لَهَا: " لِمَ لَمْ تَقُولِي لَهُمْ إِنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ !» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَّبَعًا فِي أَفْعَالِهِ لَمَا كَانَ لِذَلِكَ مَعْنًى.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا «سَأَلَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْ بَلِّ الشَّعْرِ فِي الِاغْتِسَالِ، قَالَ: " أَمَّا أَنَا فَيَكْفِينِي أَنْ أَحْثُوَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ» " وَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا لَهَا، وَلَوْلَا أَنَّهُ مُتَّبَعٌ فِي فِعْلِهِ لَمَا كَانَ جَوَابًا لَهَا.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ أَمَرَ الصَّحَابَةَ بِالتَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ وَالذَّبْحِ، فَتَوَقَّفُوا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ بِأَنْ يَخْرُجَ وَيَحْلِقَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فَذَبَحُوا وَحَلَقُوا» ، وَلَوْلَا أَنَّ فِعْلَهُ مُتَّبَعٌ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ، فَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا «اخْتَلَفُوا فِي الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ أَنْفَذَ عُمَرُ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ وَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: " فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ وَاغْتَسَلْنَا» "، فَأَخَذَ عُمَرُ وَالنَّاسُ بِذَلِكَ، وَلَوْلَا أَنَّ فِعْلَهُ مُتَّبَعٌ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَقُولُ: " «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنَّنِي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُقَبِّلُكَ لَمَا قَبَّلْتُكَ» "، وَكَانَ ذَلِكَ شَائِعًا فِيمَا بَيْنُ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا عَلَى اتِّبَاعِهِ فِي فِعْلِهِ (١) .
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ فَمِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ فِعْلَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْفِعْلِ عَلَيْنَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ مُوجِبًا، وَالْحَمْلُ عَلَى الْإِيجَابِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْنِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ مِنْ يَوْمٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْكُلِّ حَذَرًا مِنَ الْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ نَسِيَهَا، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُنَّ نَظَرًا إِلَى الِاحْتِيَاطِ. стр. 176
الثَّانِي أَنَّ النُّبُوَّةَ مِنَ الرُّتَبِ الْعَلِيَّةِ وَالْأَوْصَافِ السَّنِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُتَابَعَةَ الْعَظِيمِ فِي أَفْعَالِهِ مِنْ أَتَمِّ الْأُمُورِ فِي تَعْظِيمِهِ، وَإِجْلَالِهِ وَأَنَّ عَدَمَ مُتَابَعَتِهِ فِي أَفْعَالِهِ بِأَنْ صَلَّى وَهُمْ جُلُوسٌ أَوْ قَامَ يَطُوفُ وَهُمْ يَتَسَامَرُونَ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ فِي إِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ وَالْإِخْلَالِ بِعَظَمَتِهِ، وَهُوَ حَرَامٌ مُمْتَنِعٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ أَفْعَالَهُ ﵇ قَائِمَةٌ مَقَامَ أَقْوَالِهِ فِي بَيَانِ الْمُجْمَلِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَكَانَ فِعْلُهُ مَحْمُولًا عَلَى الْوُجُوبِ كَالْقَوْلِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﵇ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا وَصَوَابًا، وَتَرْكُ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ يَكُونُ خَطَأً وَبَاطِلًا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ فِعْلَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَظْهَرُ مِنَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ سِوَى الْأَكْمَلِ وَالْأَفْضَلِ، وَالْوَاجِبُ أَكْمَلُ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا فَيَجِبُ اعْتِقَادُ مُشَارَكَةِ الْأُمَّةِ لَهُ فِيهِ لِمَا قَرَّرْتُمُوهُ فِي طَرِيقَتِكُمْ.
وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالنَّدْبِ فَنَقْلِيَّةٌ وَعَقْلِيَّةٌ أَيْضًا.
أَمَّا النَّقْلِيَّةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ جُعِلَ التَّأَسِّي بِهِ حَسَنَةً، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الْحَسَنَةِ الْمَنْدُوبُ فَكَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
وَأَمَّا الْعَقْلِيَّةُ: فَهُوَ أَنَّ فِعْلَهُ وَإِنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا حَسَنَةً وَالْحَسَنَةُ لَا تَخْرُجُ عَنِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَحَمْلُهُ عَلَى فِعْلِ الْمَنْدُوبِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ غَالِبَ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇ كَانَتْ هِيَ الْمَنْدُوبَاتِ.
الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ مَنْدُوبٌ وَزِيَادَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْدُوبٍ وَاجِبًا.
فَكَانَ فِعْلُ الْمَنْدُوبِ لِعُمُومِهِ أَغْلَبَ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُشَارَكَةُ أُمَّتِهِ لَهُ فِيهِ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي طَرِيقَتِكُمْ.
وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالْإِبَاحَةِ فَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَفْعَالِ كُلِّهَا إِنَّمَا هُوَ الْإِبَاحَةُ وَرَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَغْيِيرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُغَيَّرِ.
وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: فِعْلُهُ ﵇ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ
стр. 177
يَكُونَ خَاصًّا بِهِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ خَاصًّا بِهِ.
وَمَا لَيْسَ خَاصًّا بِهِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، وَالْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ لِيَدُلَّ عَلَى الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ فَلَزِمَ الْوَقْفُ إِلَى أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّعْيِينِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ شُبَهِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ.
أَمَّا عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ: " فَاتَّبِعُوهُ " يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ (١) وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: " فَاتَّبِعُوهُ " صَرِيحٌ فِي اتِّبَاعِ شَخْصِ النَّبِيِّ ﵇ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ الْمُتَابَعَةِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَالْإِضْمَارُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَتَمْتَنِعُ الزِّيَادَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ دَفْعُ الضَّرُورَةِ بِإِضْمَارِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَيْسَ إِضْمَارُ الْمُتَابَعَةِ فِي الْفِعْلِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ، بَلْ إِضْمَارُ الْمُتَابَعَةِ فِي الْقَوْلِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفًا فِي الْفِعْلِ (٢) .
كَيْفَ وَأَنَّ الْمُتَابَعَةَ فِي الْفِعْلِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ وُجُوبُهَا، أَنْ لَوْ عَلِمَ كَوْنَ الْفِعْلِ الْمُتَّبَعِ وَاجِبًا، وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ، فَمُتَابَعَةُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا تَكُونُ وَاجِبَةً وَلَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُ فِعْلِهِ وَاجِبًا فَلَا تَكُونُ مُتَابَعَتُهُ وَاجِبَةً. стр. 178
وَعَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، أَنْ يُقَالَ اسْمُ الْأَمْرِ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ لَكِنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الشَّأْنُ وَالصِّفَةُ (١) نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ لِكَوْنِهِمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَفْظُ الْأَمْرِ الْمُحَذَّرِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ يَكُونُ مُطْلَقًا (٢) ، وَالْمُطْلَقُ إِذَا عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً ضَرُورَةَ تَوْفِيَةِ الْعَمَلِ بِدَلَالَتِهِ.
وَقَدْ عَمِلَ بِهِ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، فَلَا يَبْقَى حُجَّةً فِي الْفِعْلِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَاطِئٍ وَلَكِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَمُخْتَلَفٌ فِي الْفِعْلِ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ دُونَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَوْلَى.
أَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْفِعْلِ، لَكِنَّهُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا (٣) وَعِنْدَ ذَلِكَ إِنْ قِيلَ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِ مَدْلُولَاتِهِ فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ، وَإِنْ قِيلَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَحَامِلِهِ، فَالتَّحْذِيرُ عَنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْمُحَذَّرِ مِنْهُ وَاجِبًا لِاسْتِحَالَةِ التَّحْذِيرِ مِنْ تَرْكِ مَا لَيْسَ وَاجِبًا.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْفِعْلِ يَسْتَدْعِي وُجُوبَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَوُجُوبُهُ إِذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنَ التَّحْذِيرِ كَانَ دَوْرًا.
كَيْفَ وَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ دُعَاءِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ، وَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ إِنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ، فَكَانَ الْأَمْرُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ عَائِدًا إِلَى قَوْلِهِ.
ثُمَّ قَدْ أَمْكَنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي أَمْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِذْ هُوَ стр. 179
أَقْرَبُ مَذْكُورٍ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الرَّسُولِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (١) ، فَكَانَ عَوْدُهُ إِلَيْهِ أَوْلَى.
وَعَنِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ بِمَنْعِ دَلَالَةِ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَكُونُ أَخْذُ مَا أَتَانَا بِهِ وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَا أَتَى بِهِ وَاجِبًا.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَأَخْذُهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ فِعْلٍ لَا يَكُونُ وَاجِبًا تَنَاقُضٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَتَتَوَقَّفُ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى كَوْنِ الْفِعْلِ الْمَأْتِيِّ بِهِ وَاجِبًا، وَوُجُوبُهُ إِذَا تَوَقَّفَ عَلَى دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِهِ كَانَ دَوْرًا (٢) .
كَيْفَ وَإِنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِوُجُوبِ أَخْذِهِ إِنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ حَيْثُ إِنَّهُ قَابَلَهُ بِالنَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، وَالنَّهْيُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُقَابِلُ لَهُ.
وَعَنِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ أَنْ نَسْتَخِيرَ لِأَنْفُسِنَا مَا اسْتَخَارَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ لَا نَعْتَرِضَ عَلَيْهِ فِيمَا يَفْعَلُهُ، أَوْ مَعْنًى آخَرَ:
الْأَوَّلُ: مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَخَارَهُ لِنَفْسِهِ وَاجِبًا حَتَّى يَكُونَ مَا نَسْتَخِيرُهُ نَحْنُ لِأَنْفُسِنَا وَاجِبًا.
وَالثَّانِي: مَمْنُوعٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ أَنْ نُوقِعَ الْفِعْلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ هُوَ ﵇ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ صَلَّى وَاجِبًا وَصَلَّيْنَا مُتَنَفِّلِينَ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ تَأَسِّيًا بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ مَا فَعَلَهُ وَاجِبًا حَتَّى يَكُونَ مَا نَفْعَلُهُ نَحْنُ وَاجِبًا (٣) .
وَعَلَى هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ.
وَعَنِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ، أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الطَّاعَةِ إِنَّمَا هُوَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَمُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِهِ стр. 180
عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ إِنْ كَانَ وَاجِبًا فَوَاجِبًا، وَإِنْ كَانَ نَدْبًا فَنَدْبًا.
وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَا فَعَلَهُ وَاجِبٌ حَتَّى تَكُونَ مُتَابَعَتُنَا لَهُ فِيهِ وَاجِبَةً.
وَعَنِ الْآيَةِ السَّابِعَةِ أَنَّ غَايَتَهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ أُمَّتِهِ مُسَاوٍ لِحُكْمِهِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا فَعَلَهُ وَاجِبًا لِيَكُونَ فِعْلُنَا لَهُ وَاجِبًا.
وَعَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِجِهَةِ الْوُجُوبِ، بَلْ لَعَلَّهُمْ رَأَوْا مُتَابَعَتَهُ فِي خَلْعِ النَّعْلِ مُبَالَغَةً فِي مُوَافَقَتِهِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْعَ بِطَرِيقِ الْمُتَابِعَةِ لَهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا إِنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: " «لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ» "، وَلَوْ كَانَتْ مُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِهِ وَاجِبَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ (١) .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ ظَنُّوا وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ، لَكِنْ لَا مِنَ الْفِعْلِ، بَلْ لِقِيَامِ دَلِيلٍ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ﵇ كَانَ قَدْ قَالَ لَهُمْ " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " فَفَهِمُوا أَنَّ صَلَاتَهُ بَيَانٌ لِصَلَاتِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ خَلَعَ نَعْلَهُ تَابَعُوهُ فِيهِ لِظَنِّهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِأَخْذِ زِينَتِهِمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ خَلَعَ نَعْلَهُ ظَنُّوا وَجُوبَهُ وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْأَمْرَ الْمَسْنُونَ الْمَأْمُورَ إِلَّا لِوَاجِبٍ.، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ.
وَعَنِ الْخَبَرِ الثَّانِي، أَنَّ فَهْمَهُمْ لِوُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ إِنَّمَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى قَوْلِهِ ﵇: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " لَا إِلَى فِعْلِهِ.
وَعَنِ الْخَبَرِ الثَّالِثِ، أَنَّ الْوِصَالَ لِلنَّبِيِّ ﵇ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا لَهُ.
وَوُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ فِيمَا أَصْلُهُ وَاجِبٌ مُمْتَنِعٌ (٢) كَمَا سَبَقَ، بَلْ ظَنُّهُمْ إِنَّمَا كَانَ مُشَارَكَتَهُ فِي إِبَاحَةِ الْوِصَالِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ الرَّابِعِ. следующие страницы →