Полный текст (1 203 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الثَّانِي أَنَّ النُّبُوَّةَ مِنَ الرُّتَبِ الْعَلِيَّةِ وَالْأَوْصَافِ السَّنِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُتَابَعَةَ الْعَظِيمِ فِي أَفْعَالِهِ مِنْ أَتَمِّ الْأُمُورِ فِي تَعْظِيمِهِ، وَإِجْلَالِهِ وَأَنَّ عَدَمَ مُتَابَعَتِهِ فِي أَفْعَالِهِ بِأَنْ صَلَّى وَهُمْ جُلُوسٌ أَوْ قَامَ يَطُوفُ وَهُمْ يَتَسَامَرُونَ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ فِي إِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ وَالْإِخْلَالِ بِعَظَمَتِهِ، وَهُوَ حَرَامٌ مُمْتَنِعٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ أَفْعَالَهُ ﵇ قَائِمَةٌ مَقَامَ أَقْوَالِهِ فِي بَيَانِ الْمُجْمَلِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَكَانَ فِعْلُهُ مَحْمُولًا عَلَى الْوُجُوبِ كَالْقَوْلِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﵇ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا وَصَوَابًا، وَتَرْكُ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ يَكُونُ خَطَأً وَبَاطِلًا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ فِعْلَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَظْهَرُ مِنَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ سِوَى الْأَكْمَلِ وَالْأَفْضَلِ، وَالْوَاجِبُ أَكْمَلُ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا فَيَجِبُ اعْتِقَادُ مُشَارَكَةِ الْأُمَّةِ لَهُ فِيهِ لِمَا قَرَّرْتُمُوهُ فِي طَرِيقَتِكُمْ.
وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالنَّدْبِ فَنَقْلِيَّةٌ وَعَقْلِيَّةٌ أَيْضًا.
أَمَّا النَّقْلِيَّةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ جُعِلَ التَّأَسِّي بِهِ حَسَنَةً، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الْحَسَنَةِ الْمَنْدُوبُ فَكَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
وَأَمَّا الْعَقْلِيَّةُ: فَهُوَ أَنَّ فِعْلَهُ وَإِنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا حَسَنَةً وَالْحَسَنَةُ لَا تَخْرُجُ عَنِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَحَمْلُهُ عَلَى فِعْلِ الْمَنْدُوبِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ غَالِبَ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇ كَانَتْ هِيَ الْمَنْدُوبَاتِ.
الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ مَنْدُوبٌ وَزِيَادَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْدُوبٍ وَاجِبًا.
فَكَانَ فِعْلُ الْمَنْدُوبِ لِعُمُومِهِ أَغْلَبَ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُشَارَكَةُ أُمَّتِهِ لَهُ فِيهِ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي طَرِيقَتِكُمْ.
وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالْإِبَاحَةِ فَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَفْعَالِ كُلِّهَا إِنَّمَا هُوَ الْإِبَاحَةُ وَرَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَغْيِيرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُغَيَّرِ.
وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: فِعْلُهُ ﵇ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ
стр. 177
يَكُونَ خَاصًّا بِهِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ خَاصًّا بِهِ.
وَمَا لَيْسَ خَاصًّا بِهِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، وَالْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ لِيَدُلَّ عَلَى الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ فَلَزِمَ الْوَقْفُ إِلَى أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّعْيِينِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ شُبَهِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ.
أَمَّا عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ: " فَاتَّبِعُوهُ " يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ (١) وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: " فَاتَّبِعُوهُ " صَرِيحٌ فِي اتِّبَاعِ شَخْصِ النَّبِيِّ ﵇ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ الْمُتَابَعَةِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَالْإِضْمَارُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَتَمْتَنِعُ الزِّيَادَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ دَفْعُ الضَّرُورَةِ بِإِضْمَارِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَيْسَ إِضْمَارُ الْمُتَابَعَةِ فِي الْفِعْلِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ، بَلْ إِضْمَارُ الْمُتَابَعَةِ فِي الْقَوْلِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفًا فِي الْفِعْلِ (٢) .
كَيْفَ وَأَنَّ الْمُتَابَعَةَ فِي الْفِعْلِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ وُجُوبُهَا، أَنْ لَوْ عَلِمَ كَوْنَ الْفِعْلِ الْمُتَّبَعِ وَاجِبًا، وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ، فَمُتَابَعَةُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا تَكُونُ وَاجِبَةً وَلَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُ فِعْلِهِ وَاجِبًا فَلَا تَكُونُ مُتَابَعَتُهُ وَاجِبَةً. стр. 178
وَعَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، أَنْ يُقَالَ اسْمُ الْأَمْرِ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ لَكِنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الشَّأْنُ وَالصِّفَةُ (١) نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ لِكَوْنِهِمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَفْظُ الْأَمْرِ الْمُحَذَّرِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ يَكُونُ مُطْلَقًا (٢) ، وَالْمُطْلَقُ إِذَا عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً ضَرُورَةَ تَوْفِيَةِ الْعَمَلِ بِدَلَالَتِهِ.
وَقَدْ عَمِلَ بِهِ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، فَلَا يَبْقَى حُجَّةً فِي الْفِعْلِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَاطِئٍ وَلَكِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَمُخْتَلَفٌ فِي الْفِعْلِ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ دُونَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَوْلَى.
أَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْفِعْلِ، لَكِنَّهُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا (٣) وَعِنْدَ ذَلِكَ إِنْ قِيلَ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِ مَدْلُولَاتِهِ فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ، وَإِنْ قِيلَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَحَامِلِهِ، فَالتَّحْذِيرُ عَنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْمُحَذَّرِ مِنْهُ وَاجِبًا لِاسْتِحَالَةِ التَّحْذِيرِ مِنْ تَرْكِ مَا لَيْسَ وَاجِبًا.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْفِعْلِ يَسْتَدْعِي وُجُوبَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَوُجُوبُهُ إِذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنَ التَّحْذِيرِ كَانَ دَوْرًا.
كَيْفَ وَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ دُعَاءِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ، وَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ إِنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ، فَكَانَ الْأَمْرُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ عَائِدًا إِلَى قَوْلِهِ.
ثُمَّ قَدْ أَمْكَنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي أَمْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِذْ هُوَ стр. 179
أَقْرَبُ مَذْكُورٍ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الرَّسُولِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (١) ، فَكَانَ عَوْدُهُ إِلَيْهِ أَوْلَى.
وَعَنِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ بِمَنْعِ دَلَالَةِ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَكُونُ أَخْذُ مَا أَتَانَا بِهِ وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَا أَتَى بِهِ وَاجِبًا.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَأَخْذُهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ فِعْلٍ لَا يَكُونُ وَاجِبًا تَنَاقُضٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَتَتَوَقَّفُ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى كَوْنِ الْفِعْلِ الْمَأْتِيِّ بِهِ وَاجِبًا، وَوُجُوبُهُ إِذَا تَوَقَّفَ عَلَى دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِهِ كَانَ دَوْرًا (٢) .
كَيْفَ وَإِنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِوُجُوبِ أَخْذِهِ إِنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ حَيْثُ إِنَّهُ قَابَلَهُ بِالنَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، وَالنَّهْيُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُقَابِلُ لَهُ.
وَعَنِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ أَنْ نَسْتَخِيرَ لِأَنْفُسِنَا مَا اسْتَخَارَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ لَا نَعْتَرِضَ عَلَيْهِ فِيمَا يَفْعَلُهُ، أَوْ مَعْنًى آخَرَ:
الْأَوَّلُ: مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَخَارَهُ لِنَفْسِهِ وَاجِبًا حَتَّى يَكُونَ مَا نَسْتَخِيرُهُ نَحْنُ لِأَنْفُسِنَا وَاجِبًا.
وَالثَّانِي: مَمْنُوعٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ أَنْ نُوقِعَ الْفِعْلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ هُوَ ﵇ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ صَلَّى وَاجِبًا وَصَلَّيْنَا مُتَنَفِّلِينَ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ تَأَسِّيًا بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ مَا فَعَلَهُ وَاجِبًا حَتَّى يَكُونَ مَا نَفْعَلُهُ نَحْنُ وَاجِبًا (٣) .
وَعَلَى هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ.
وَعَنِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ، أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الطَّاعَةِ إِنَّمَا هُوَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَمُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِهِ стр. 180
عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ إِنْ كَانَ وَاجِبًا فَوَاجِبًا، وَإِنْ كَانَ نَدْبًا فَنَدْبًا.
وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَا فَعَلَهُ وَاجِبٌ حَتَّى تَكُونَ مُتَابَعَتُنَا لَهُ فِيهِ وَاجِبَةً.
وَعَنِ الْآيَةِ السَّابِعَةِ أَنَّ غَايَتَهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ أُمَّتِهِ مُسَاوٍ لِحُكْمِهِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا فَعَلَهُ وَاجِبًا لِيَكُونَ فِعْلُنَا لَهُ وَاجِبًا.
وَعَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِجِهَةِ الْوُجُوبِ، بَلْ لَعَلَّهُمْ رَأَوْا مُتَابَعَتَهُ فِي خَلْعِ النَّعْلِ مُبَالَغَةً فِي مُوَافَقَتِهِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْعَ بِطَرِيقِ الْمُتَابِعَةِ لَهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا إِنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: " «لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ» "، وَلَوْ كَانَتْ مُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِهِ وَاجِبَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ (١) .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ ظَنُّوا وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ، لَكِنْ لَا مِنَ الْفِعْلِ، بَلْ لِقِيَامِ دَلِيلٍ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ﵇ كَانَ قَدْ قَالَ لَهُمْ " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " فَفَهِمُوا أَنَّ صَلَاتَهُ بَيَانٌ لِصَلَاتِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ خَلَعَ نَعْلَهُ تَابَعُوهُ فِيهِ لِظَنِّهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِأَخْذِ زِينَتِهِمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ خَلَعَ نَعْلَهُ ظَنُّوا وَجُوبَهُ وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْأَمْرَ الْمَسْنُونَ الْمَأْمُورَ إِلَّا لِوَاجِبٍ.، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ.
وَعَنِ الْخَبَرِ الثَّانِي، أَنَّ فَهْمَهُمْ لِوُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ إِنَّمَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى قَوْلِهِ ﵇: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " لَا إِلَى فِعْلِهِ.
وَعَنِ الْخَبَرِ الثَّالِثِ، أَنَّ الْوِصَالَ لِلنَّبِيِّ ﵇ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا لَهُ.
وَوُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ فِيمَا أَصْلُهُ وَاجِبٌ مُمْتَنِعٌ (٢) كَمَا سَبَقَ، بَلْ ظَنُّهُمْ إِنَّمَا كَانَ مُشَارَكَتَهُ فِي إِبَاحَةِ الْوِصَالِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ الرَّابِعِ. стр. 181
وَعَنِ الْخَبَرِ الْخَامِسِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى وُجُوبِ بَلِّ الشَّعْرِ فِي حَقِّهِ ﵇ وَلَا حَقِّ غَيْرِهِ.
وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْكِفَايَةَ فِي الْكَمَالِ، لَا فِي الْوُجُوبِ بَلْ وُجُوبُ الْبَلِّ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " «بُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» " (١) .
وَعَنِ الْخَبَرِ السَّادِسِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ فِعْلَهُ وَقَعَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ ﵇: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " وَلَا نِزَاعَ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ فِعْلِهِ إِذَا وَرَدَ بَيَانًا لِخِطَابٍ سَابِقٍ، بَلْ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ دَلَالَةِ الْقَوْلِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْفِعْلِ ; لِكَوْنِ الْفِعْلِ يُنْبِئُ عَنِ الْمَقْصُودِ عِيَانًا، بِخِلَافِ الْقَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِيَانًا.
الثَّانِي: أَنَّ وُجُوبَ التَّحَلُّلِ وَقَعَ مُسْتَفَادًا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﵇ لَهُمْ بِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْتَقِبُونَ إِنْجَازَ مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَالظُّهُورِ عَلَى قُرَيْشٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَأَنْ يَنْسَخَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْأَمْرَ بِالتَّحَلُّلِ وَأَدَاءِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْحَجِّ (٢) .
فَلَمَّا تَحَلَّلَ ﵇ آيِسُوا مِنْ ذَلِكَ فَتَحَلَّلُوا.
وَعَنِ الِاحْتِجَاجِ بِالْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ كَانَ مُسْتَفَادًا مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ، بَلْ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» " وَسُؤَالُ عُمَرَ لِعَائِشَةَ إِنَّمَا كَانَ لِيَعْلَمَ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ هَلْ وَقَعَ مُوَافِقًا لِأَمْرِهِ أَمْ لَا (٣) .
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ تَقْبِيلَ عُمَرَ الْحَجَرَ غَيْرُ وَاجِبٍ إِنَّمَا كَانَ مُسْتَفَادًا مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ الْمُبَيِّنِ لِقَوْلِهِ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ".
كَيْفَ وَأَنَّ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﵇ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ فِعْلِهِ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ.
وَذَلِكَ مِمَّا لَا نُنْكِرُهُ، وَلَا نُنْكِرُ مُشَارَكَةَ الْأُمَّةِ لَهُ فِي ذَلِكَ (٤) . стр. 182
وَعَنِ الشُّبْهَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَعْقُولِ، فَقَدْ قِيلَ فِي دَفْعِهَا إِنَّ الِاحْتِيَاطَ إِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِهِ إِذَا خَلَا عَنِ احْتِمَالِ الضَّرَرِ قَطْعًا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ حَرَامًا عَلَى الْأُمَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَوْ غَمَّ الْهِلَالُ لَيْلَةَ الثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الثَلَاثِينَ مِنْهُ يَوْمَ الْعِيدِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ يَوْمَ الْعِيدِ.
وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ صَوْمُهُ احْتِيَاطًا لِلْوَاجِبِ وَإِنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا لِكَوْنِهِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا يَكُونُ الِاحْتِيَاطُ أَوْلَى لِمَا ثَبَتَ وَجُوبُهُ كَالصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ مِنْ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ وُجُوبُهُ كَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ الثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَتُهُ مُغَيَّمَةً.
وَأَمَّا مَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَغَيْرَ وَاجِبٍ فَلَا.
وَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُوبُ الْفِعْلِ وَلَا الْأَصْلُ وُجُوبُهُ.
وَعَنِ الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِ مَا يَفْعَلُهُ الْعَظِيمُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُ وَأَنَّ تَرْكَهُ يَكُونُ إِهَانَةً لَهُ وَحَطًّا مِنْ قَدْرِهِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ تَعَاطِي الْأَدْنَى لِمُسَاوَاتِهِ الْأَعْلَى فِي فِعْلِهِ حَطًّا مِنْ مَنْزِلَتِهِ وَغَضًّا مِنْ مَنْصِبِهِ.
وَلِهَذَا يَقْبُحُ مِنَ الْعَبْدِ الْجُلُوسُ عَلَى سَرِيرِ سَيِّدِهِ فِي مَرْتَبَتِهِ، وَالرُّكُوبُ عَلَى مَرْكَبِهِ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ اللَّوْمَ وَالتَّوْبِيخَ.
ثُمَّ لَوْ كَانَتْ مُتَابَعَةُ النَّبِيِّ فِي أَفْعَالِهِ مُوجِبَةً لِتَعْظِيمِهِ، وَتَرْكُ الْمُتَابَعَةِ مُوجِبَةً (١) لِإِهَانَتِهِ لَوَجَبَ مُتَابَعَتُهُ عِنْدَنَا إِذَا تَرَكَ بَعْضَ مَا تَعَبَّدْنَا بِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ تَرْكِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ (٢) .
وَعَنِ الشُّبْهَةِ الثَّالِثَةِ إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْفِعْلِ بَيَانًا لِلْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِمَا يُوجِبُهُ الْقَوْلُ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ الْخِطَابَ الْقَوْلِيَّ يَسْتَدْعِي وُجُوبَ الْجَوَابِ، وَلَا كَذَلِكَ الْفِعْلُ.
وَعَنِ الشُّبْهَةِ الرَّابِعَةِ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﵇، وَإِنْ كَانَ حَقًّا وَصَوَابًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا وَصَوَابًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمَّتِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مِمَّا يُوجِبُ مُشَارَكَتَهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ (٣) . стр. 183
وَعَنِ الشُّبْهَةِ الْخَامِسَةِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْوَاجِبِ أَفْضَلَ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ ﵇ وَاجِبًا.
وَلِهَذَا فَإِنَّ فِعْلَهُ لِلْمَنْدُوبَاتِ كَانَ أَغْلَبَ مِنْ فِعْلِهِ لِلْوَاجِبَاتِ، بَلْ فِعْلُهُ لِلْمُبَاحَاتِ كَانَ أَغْلَبَ مِنْ فِعْلِهِ لِلْمَنْدُوبَاتِ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلَى النَّادِرِ مِنْ أَفْعَالِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْغَالِبِ مِنْهَا وَعَنْ شُبَهِ الْقَائِلِينَ بِالنَّدْبِ.
أَمَّا الْآيَةُ فَجَوَابُهَا مِثْلُ مَا سَبَقَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى الْوُجُوبِ.
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الْعَقْلِيَّةُ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ غَالِبَ فِعْلِهِ الْمَنْدُوبَاتُ بَلِ الْمُبَاحُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَنْدُوبَ دَاخِلٌ فِي الْوَاجِبِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (١) .
وَأَمَّا شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ، فَنَحْنُ قَائِلُونَ بِهَا فِي كُلِّ فِعْلٍ لَمْ يَظْهَرْ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ قَصْدُ التَّقَرُّبِ بِهِ، وَأَمَّا مَا ظَهَرَ مَعَهُ قَصْدُ التَّقَرُّبِ بِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا بِمَعْنَى نَفْيِ الْحَرَجِ عَنْ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ.
وَذَلِكَ (٢) مِمَّا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ.
وَأَمَّا الْوَاقِفِيَّةُ فَإِنْ أَرَادُوا بِالْوَقْفِ أَنَّا لَا نَحْكُمُ بِإِيجَابٍ وَلَا نَدْبٍ إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الْحَقُّ وَهُوَ عَيْنُ مَا قَرَّرْنَاهُ، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّ الثَّابِتَ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَكِنَّا لَا نَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ فَخَطَأٌ.
فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلْفِعْلِ عَلَى شَيْءٍ سِوَى تَرْجِيحِ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَمَا إِذَا ظَهَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ قَصْدُ التَّقَرُّبِ بِفِعْلِهِ أَوْ نَفْيُ الْحَرَجِ مُطْلَقًا عِنْدَمَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ دَلِيلٍ سِوَى الْفِعْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. стр. 184
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ النَّبِيُّ ﵇ مُتَأَسًّى بِهِ فِي فِعْلِهِ وَمُتَّبَعٌ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
إِذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﵇ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِخِطَابٍ سَابِقٍ، وَلَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَعُلِمَتْ لَنَا صِفَتُهُ مِنَ الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوِ الْإِبَاحَةِ إِمَّا بِنَصِّهِ ﵇ عَلَى ذَلِكَ وَتَعْرِيفِهِ لَنَا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَمُعْظَمُ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّنَا مُتَعَبَّدُونَ بِالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ كَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَلَّادٍ، وَقَالَ بِالتَّأَسِّي فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ غَيْرِهَا.
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْجُمْهُورِيُّ وَدَلِيلُهُ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ مُتَأَسًّى بِهِ فِي فِعْلِهِ وَمُتَّبَعٌ، لَمَا كَانَ لِلْآيَةِ مَعْنًى، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ هَاهُنَا.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَابَعَةَ لَهُ لَازِمَةً مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْمُتَابَعَةُ لَهُ لَازِمَةً لَزِمَ مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُ الْمَحَبَّةِ الْوَاجِبَةِ وَذَلِكَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ (١) .
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ، وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ التَّأَسِّيَ بِالنَّبِيِّ ﵇ مِنْ لَوَازِمِ رَجَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّأَسِّي عَدَمُ الْمَلْزُومِ، وَهُوَ الرَّجَاءُ لِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ.
وَالْمُتَابَعَةُ وَالتَّأَسِّي فِي الْفِعْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ: هُوَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ. стр. 185
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى أَفْعَالِهِ كَرُجُوعِهِمْ إِلَى تَزْوِيجِهِ لِمَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَرَامٌ وَفِي تَقْبِيلِهِ ﵇ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَجَوَازِ تَقْبِيلِهِ وَهُوَ صَائِمٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ الْأُوْلَى وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ وَالْمُتَابَعَةِ فِي التَّزْوِيجِ مِنْ أَزْوَاجِ الْأَدْعِيَاءِ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا، فَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأَسِّي وَالْمُتَابَعَةِ فِي كُلِّ فِعْلٍ.
وَأَمَّا الْأَخِيرَتَانِ فَلَا نُسَلِّمُ عُمُومَ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَالتَّأَسِّي فِي كُلِّ شَيْءٍ إِذْ لَا عُمُومَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: (لَكَ فِي فُلَانٍ أُسْوَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ) ، وَيُقَالُ: (لَكَ فِي فُلَانٍ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي هَذَا الشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ) ، وَلَوْ كَانَ لَفْظُ (الْأُسْوَةِ) عَامًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ لَكَانَ قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ شَيْءٍ) تَكْرَارًا، وَقَوْلُهُ: (فِي هَذَا الشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ) مُنَاقَضَةً بَلْ غَايَتُهَا الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَالتَّأَسِّي فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ.
وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِذَلِكَ فِي اتِّبَاعِ أَقْوَالِهِ وَالتَّأَسِّي بِمَا دَلَّ الدَّلِيلُ الْقَوْلِيُّ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ فِي أَفْعَالِهِ، كَقَوْلِهِ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» "، وَ " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُسْتَنَدَهُمْ فِيمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِالتَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ فِي فِعْلِهِ وَإِنَّمَا كَانَ مُسْتَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ، أَمَّا فِيمَا كَانَ مُبَاحًا فَالْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ، أَمَّا فِيمَا كَانَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَالْأَقْوَالُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى خُصُوصِ مُتَابَعَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﵇ فِي ذَلِكَ، وَلَوْلَا أَنَّ التَّأَسِّيَ بِالنَّبِيِّ ﵇ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ لَازِمٌ لَمَا فَهِمَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ إِبَاحَةِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﵇ إِبَاحَةَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ فَهْمَ الْإِبَاحَةِ إِنَّمَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِتَعْلِيلِ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﵇ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ مَعْنًى لِكَوْنِهِ مَدْفُوعًا بِغَيْرِهِ.
وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الثَّانِي عَلَى الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ، أَنَّ مَقْصُودَهُمَا إِنَّمَا هُوَ بَيَانُ كَوْنِ النَّبِيِّ ﵇ أُسْوَةً لَنَا وَمُتَّبَعًا، إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَإِبَانَةً لِخَطَرِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.
فَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِمَّا أَنْ
стр. 186
يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ مُبْهَمًا، وَالْقَوْلُ بِالتَّعْيِينِ مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ بِالْإِبْهَامِ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ مِنَ الشَّرْعِ وَلِكَوْنِهِ أَبْعَدَ عَنْ إِظْهَارِ شَرَفِ النَّبِيِّ ﵇، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.
وَإِذَا قَالَ: (لَكَ أُسْوَةٌ فِي فُلَانٍ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ) ، فَهُوَ مُفِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ وَلَيْسَ تَكْرَارًا خَلِيًّا عَنِ الْفَائِدَةِ، وَإِذَا قَالَ: (لَكَ أُسْوَةٌ فِي فُلَانٍ فِي هَذَا الشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ) ، فَلَا يَكُونُ مُنَاقَضَةً لِأَنَّ الْعُمُومَ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّأَسِّي وَالْمُتَابَعَةِ الْمُطْلَقَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، بَلِ الْكُلُّ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ مُفِيدَةٌ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ، فَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ الْمَأْثُورِ عَنْهُمْ عِنْدَ اتِّفَاقِهِمْ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّمَسُّكِ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَسُؤَالِ زَوْجَاتِهِ، وَالْبَحْثِ عَنْ أَفْعَالِهِ فِي ذَلِكَ وَسُكُونِ أَنْفُسِهِمْ إِلَيْهَا وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا وَاحْتِجَاجِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِهَا.
وَلَوْ كَانَ ثَمَّ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَالتَّأَسِّي غَيْرَ النَّظَرِ إِلَى أَفْعَالِهِ لَبَادَرُوا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ فِعْلِهِ ﵇، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي فِعْلِهِ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي تَرْكِهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إقرار النبي ﷺ لفعل غيره]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
إِذَا فَعَلَ وَاحِدٌ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﵇ فِعْلًا أَوْ فِي عَصْرِهِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ قَادِرٌ عَلَى إِنْكَارِهِ، فَسَكَتَ عَنْهُ وَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﵇ قَدْ عَرَفَ قُبْحَ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَتَحْرِيمَهُ مِنْ قَبْلُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ إِصْرَارَ ذَلِكَ الْفَاعِلِ عَلَى فِعْلِهِ، وَعَلِمَ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ الْإِصْرَارَ عَلَى قُبْحِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَتَحْرِيمِهِ كَاخْتِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلَى كَنَائِسِهِمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَالسُّكُوتُ عَنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ وَإِبَاحَتِهِ إِجْمَاعًا وَلَا يُوهِمُ كَوْنُهُ مَنْسُوخًا.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَالسُّكُوتُ عَنْهُ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ إِنْكَارٌ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ
стр. 187
عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ.
وَإِلَّا لَمَا سَاغَ السُّكُوتَ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ عَنْهُ فَيَقَعَ فِي الْمَحْذُورِ، وَفِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْإِجْمَاعِ إِلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُ التَّكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ.
وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﵇ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَلَا عَرَفَ تَحْرِيمَهُ، فَسُكُوتُهُ عَنْ فَاعِلِهِ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ وُجِدَ مِنْهُ اسْتِبْشَارٌ وَثَنَاءٌ عَلَى الْفَاعِلِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ جَائِزًا لَكَانَ تَقْرِيرُهُ لَهُ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِنْكَارِهِ، وَكَانَ اسْتِبْشَارُهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ حَرَامًا عَلَى النَّبِيِّ ﵇.
وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّغَائِرِ الْجَائِزَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ عِنْدَ قَوْمٍ إِلَّا أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْإِنْكَارُ هُوَ الْغَالِبُ، فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مِنْهُ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ غَالِبًا.
فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ: إِمَّا لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ فَلَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ عَلَيْهِ حَرَامًا إِذْ ذَاكَ أَوْ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ بُلُوغَ التَّحْرِيمِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ فِيهِ وَأَصَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مَانِعٌ مِنَ الْإِنْكَارِ.
قُلْنَا: عَدَمُ بُلُوغِ التَّحْرِيمِ إِلَيْهِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الْإِنْكَارِ، وَالْإِعْلَامُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَرَامٌ بَلِ الْإِعْلَامُ بِالتَّحْرِيمِ وَاجِبٌ، حَتَّى لَا يَعُودَ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَإِلَّا كَانَ السُّكُوتُ مِمَّا يُوهِمُ: إِمَّا عَدَمَ دُخُولِهِ فِي عُمُومِ التَّحْرِيمِ أَوِ النَّسْخَ، وَأَمَّا إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ الشَّخْصُ التَّحْرِيمَ وَأَصَرَّ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا مُتَّبِعًا لِلنَّبِيِّ ﵇، فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ الْإِنْكَارِ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ نَسْخُهُ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا تَجْدِيدُ الْإِنْكَارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلَى كَنَائِسِهِمْ إِذْ هُمْ غَيْرُ مُتَّبِعِينَ لَهُ، وَلَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ: يُتَوَهَّمُ نَسْخُ ذَلِكَ بِسُكُوتِ النَّبِيِّ ﵇ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ احْتِمَالِ الْمَانِعِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا عَقْلًا غَيْرَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ ظُهُورِ شَوْكَتِهِ وَاسْتِيلَائِهِ وَقَهْرِهِ لِمَنْ سِوَاهُ.
стр. 188
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ عدم التَّعَارُضُ بَيْنَ أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ بَيْنَ أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْبَعْضُ مِنْهَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ أَوْ مُخَصِّصًا لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا إِمَّا مِنْ قَبِيلِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَكَفِعْلِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا فِي وَقْتَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِمَّا مِنْ قَبِيلِ الْمُخْتَلِفَيْنِ.
وَالْفِعْلَانِ الْمُخْتَلِفَانِ، إِمَّا أَنْ يُتَصَوَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ أَوْ لَا يُتَصَوَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا.
وَمَا لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا، إِمَّا أَنْ لَا تَتَنَاقَضَ أَحْكَامُهُمَا كَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مَثَلًا، أَوْ تَتَنَاقَضَ كَمَا لَوْ صَامَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَأَكَلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
فَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ، فَلَا خَفَاءَ بِعَدَمِ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الرَّابِعِ فَلَا تَعَارُضَ أَيْضًا إِذْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ فِي وَقْتٍ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ جَائِزًا وَفِي وَقْتٍ آخَرَ بِخِلَافِهِ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا وَلَا مُبْطِلًا لِحُكْمِ الْآخَرِ إِذَا لَا عُمُومَ لِلْفِعْلَيْنِ وَلَا لِأَحَدِهِمَا.
نَعَمْ إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﵇ مِنَ الصَّوْمِ كَانَ يَجِبُ تَكْرِيرُهُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى لُزُومِ وُجُوبِ تَأَسِّي أُمَّتِهِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ الْفِعْلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالتَّلَبُّسِ بِضِدِّهِ، كَالْأَكْلِ مَعَ الذِّكْرِ لِلصَّوْمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَكْلَهُ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حُكْمِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى تَكْرَارِ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ لَا نَسْخِ حُكْمِ ذَلِكَ الصَّوْمِ الْمُتَقَدِّمِ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لِلتَّكْرَارِ، وَرَفْعُ حُكْمٍ وُجِدَ مُحَالٌ، أَوْ أَنَّهُ رَأَى بَعْضَ الْأُمَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ يَأْكُلُ، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْ مَعَ الذِّكْرِ لِلصَّوْمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِنْكَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حُكْمِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِتَعْمِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْأُمَّةِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ أَوْ تَخْصِيصِهِ لَا نَسْخِ حُكْمِ فِعْلِ الرَّسُولِ وَلَا تَخْصِيصِهِ.
وَإِنْ قِيلَ بِنَسْخِ فِعْلِ الرَّسُولِ وَتَخْصِيصِهِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ زَالَ التَّعَبُّدُ بِمِثْلِهِ عَنِ الرَّسُولِ، أَوِ الْوَاحِدِ مِنَ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّجَوُّزِ وَالتَّوَسُّعِ لَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ.
стр. 189
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ التَّعَارُضُ بَيْنَ قول النبي وفعله]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ
إِذَا تَعَارَضَ فِعْلُ النَّبِيِّ وَقَوْلُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ، وَلَا عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِيهِ أَوْ دَلَّ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَوْلُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ أَوْ بِنَا أَوْ هُوَ عَامٌّ لَهُ وَلَنَا.
فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا أَوْ يُجْهَلَ التَّارِيخُ فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا وَتَأَخُّرُ الْآخَرِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْفِعْلَ أَوِ الْقَوْلَ.
فَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْفِعْلَ مِثْلَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا فِي وَقْتٍ، وَيَقُولَ بَعْدَهُ إِمَّا عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي: لَا يَجُوزُ لِي مِثْلُ هَذَا الْفِعْلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يَرْفَعْ حُكْمَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْفِعْلِ فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مُقْتَضٍ لِلتَّكْرَارِ عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْغَرَضُ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ حُكْمِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْقَوْلَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: الْفِعْلُ الْفُلَانِيُّ وَاجِبٌ عَلَيَّ فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ ثُمَّ يَتَلَبَّسُ بِضِدِّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَمَنْ جَوَّزَ نَسْخَ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ، قَالَ: إِنَّ الْفِعْلَ نَاسِخٌ لِحُكْمِ الْقَوْلِ.
وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ مَنَعَ كَوْنَ الْفِعْلِ رَافِعًا لِحُكْمِ الْقَوْلِ، وَقَالَ: لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ مَعَ الْعَمْدِ إِنْ لَمْ نُجَوِّزْ عَلَى النَّبِيِّ ﵇، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصِيَةٌ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِنَا فَلَا تَعَارُضَ أَيْضًا لِعَدَمِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَوْلُهُ عَامًّا لَنَا وَلَهُ فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُتَقَدِّمًا فَلَا مُعَارَضَةَ أَيْضًا بَيْنَ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﵇ فَلَمَّا تَقَدَّمَ فِيمَا إِذَا كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِهِ.
وَأَمَّا (١) إِلَيْنَا فَلِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِنَا عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْغَرَضُ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ، فَالْحُكْمُ فِي التَّعَارُضِ بَيْنَ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا فِيمَا إِذَا كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِهِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا لِعَدَمِ تَوَارُدِ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عَلَيْنَا عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْغَرَضُ، هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ وَلَا تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ.
وَأَمَّا إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ وَعَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، أَوْ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ دُونَ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، أَوْ عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ دُونَ تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ، فَالْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. стр. 190
فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ، وَعَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فَلَا يَخْلُو قَوْلُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ أَوْ بِنَا، أَوْ هُوَ عَامٌّ لَهُ وَلَنَا، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِهِ فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ أَوْ يُجْهَلَ التَّارِيخُ، فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ فَالْقَوْلُ الْمُتَأَخِّرُ يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ أُمَّتِهِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْقَوْلِ لَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ، فَفِعْلُهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ أَنْ كَانَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ أَوْ قَبْلَهُ، عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَمُوجِبًا لِلْفِعْلِ عَلَى أُمَّتِهِ.
وَأَمَّا إِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ قَوْلِهِ لَهُمْ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْعَكْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْمُعَارَضَةَ وَالْوَقْفَ إِلَى حِينِ قِيَامِ دَلِيلِ التَّارِيخِ، وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَوْلَ يَدُلُّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَالْفِعْلُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ بِوَاسِطَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَا يَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلَائِلِ الْغَامِضَةِ الْبَعِيدَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَمَّا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَعْقُولَاتِ الصِّرْفَةِ، وَعَنِ الْمَحْسُوسِ، وَالْفِعْلُ لَا يُنْبِئُ عَنْ غَيْرِ مَحْسُوسٍ، فَكَانَتْ دَلَالَةُ الْقَوْلِ أَقْوَى وَأَتَمَّ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَابِلٌ لِلتَّأْكِيدِ بِقَوْلٍ آخَرَ وَلَا كَذَلِكَ الْفِعْلُ، فَكَانَ الْقَوْلُ لِذَلِكَ أَوْلَى.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْعَمَلَ هَاهُنَا مِمَّا يُفْضِي إِلَى نَسْخِ مُقْتَضَى الْفِعْلِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵇ دُونَ الْأُمَّةِ، وَالْعَمَلُ بِالْفِعْلِ يُفْضِي إِلَى إِبْطَالِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: بَلِ الْفِعْلُ آكَدُ ; فِي الدَّلَالَةِ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ بِهِ الْقَوْلَ، وَالْمُبَيِّنُ لِلشَّيْءِ آكَدُ فِي الدَّلَالَةِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ بَيَّنَ لِلنَّبِيِّ ﵇ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَبَيْنَ مَوَاقِيتِهَا حَيْثُ صَلَّى بِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ، وَقَالَ: " «يَا مُحَمَّدُ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» " وَالنَّبِيُّ ﵇ بَيَّنَ الصَّلَاةَ لِلْأُمَّةِ بِفِعْلِهِ، حَيْثُ قَالَ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " وَبَيْنَ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بِفِعْلِهِ حَيْثُ قَالَ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» "، وَقَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ: " «صَلِّ مَعَنَا» "، وَبَيَّنَ الشَّهْرَ بِأَصَابِعِهِ حَيْثُ قَالَ: " «إِنَّمَا الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» ".
стр. 191
وَأَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَامَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ إِذَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي إِيصَالِ مَعْنَى مَا يَقُولُهُ إِلَى فَهْمِهِ اسْتَعَانَ فِي ذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ بِيَدِهِ وَالتَّخْطِيطِ وَتَشْكِيلِ الْأَشْكَالِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْفِعْلَ أَدَلُّ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
قُلْنَا: غَايَةُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ وُجُودُ الْبَيَانِ بِالْفِعْلِ، وَكَمَا وُجِدَ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ فَقَدْ وُجِدَ أَغْلَبُ مِنَ الْبَيَانِ بِالْفِعْلِ.
فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ مُسْتَنَدُهَا إِنَّمَا هُوَ الْأَقْوَالُ دُونَ الْأَفْعَالِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ فِي ذَلِكَ وَيَبْقَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ الْأَوْلَى بِحَالِهَا، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِنَا دُونَهُ: فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ، أَوِ الْقَوْلِ أَوْ يُجْهَلَ التَّارِيخُ.
فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ ; فَالْقَوْلُ الْمُتَأَخِّرُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْحُكْمِ فِي حَقِّنَا دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فَالْحُكْمُ فِي كَوْنِ الْفِعْلِ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْقَوْلِ فِي حَقِّنَا دُونَ النَّبِيِّ فَكَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ.
وَأَمَّا إِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْخِلَافُ كَالْخِلَافِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ، وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ لِمَا عُلِمَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًّا لَهُ وَلَنَا فَأَيُّهُمَا تَأَخَّرَ كَانَ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ فِي التَّعْقِيبِ وَالتَّرَاخِي.
وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْخِلَافُ كَالْخِلَافِ، وَالْمُخْتَارُ كَالْمُخْتَارِ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ وَعَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ.
وَأَمَّا إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ دُونَ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، فَالْقَوْلُ إِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ، فَلَا تَعَارُضَ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ أَوْ هُوَ عَامٌّ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ، فَالتَّعَارُضُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ ; لِعَدَمِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِي فِعْلِهِ وَلَا يَخْفَى الْحُكْمُ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ جُهِلَ التَّارِيخُ.
стр. 192
وَأَمَّا إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِي فِعْلِهِ دُونَ تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ، فَالْقَوْلُ إِنْ كَانَ خَاصًّا بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْفِعْلِ فَلَا مُعَارَضَةَ لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا فَالْفِعْلُ الْمُتَأَخِّرُ عَنْهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ دُونَ أُمَّتِهِ.
وَإِنَّ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْخِلَافُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِأُمَّتِهِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﵇، لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ.
وَأَمَّا إِنْ تَحَقَّقَتِ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ فَأَيُّهُمَا كَانَ مُتَأَخِّرًا فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْخِلَافُ عَلَى مَا سَبَقَ وَكَذَلِكَ الْمُخْتَارُ.
وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًّا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ، فَالْقَوْلُ الْمُتَأَخِّرُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِعْلِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵇، وَإِنَّمَا هُوَ نَاسِخٌ لِحُكْمِ الْفِعْلِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ.
وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ لِحُكْمِ الْقَوْلِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ وَالْأُمَّةِ، وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ، فَالْخِلَافُ كَالْخِلَافِ وَالْمُخْتَارُ كَالْمُخْتَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 193
[الْأَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ]
[مُقَدِّمَةُ فِي تَعْرِيفِ الْإِجْمَاعِ]
الْأَصْلُ الثَّالِثُ
فِي الْإِجْمَاعِ (١)
وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي تَعْرِيفِ الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ بِاعْتِبَارَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ وَمِنْهُ يُقَالُ: أَجْمَعَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ أَيِ اعْزِمُوا، وَبِقُولِهِ ﵇: " «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» " أَيْ يَعْزِمُ، وَعَلَى هَذَا فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَزْمِ الْوَاحِدِ.
الثَّانِي: الِاتِّفَاقُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا إِذَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا فَاتِّفَاقُ كُلِّ طَائِفَةٍ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ دِينِيًّا كَانَ أَوْ دُنْيَوِيًّا يُسَمَّى إِجْمَاعًا حَتَّى اتِّفَاقُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَقَدْ قَالَ النَّظَّامُ: هُوَ كُلُّ قَوْلٍ قَامَتْ حُجَّتُهُ حَتَّى قَوْلُ الْوَاحِدِ.
وَقَصَدَ بِذَلِكَ الْجَمْعَ بَيْنَ إِنْكَارِهِ كَوْنَ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ حُجَّةً، وَبَيْنَ مُوَافَقَتِهِ لِمَا اشْتُهِرَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَحْرِيمِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَالنِّزَاعُ مَعَهُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَالْعُرْفِ الْأُصُولِيِّ آيِلٌ إِلَى اللَّفْظِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْإِجْمَاعُ عِبَارَةٌ عَنِ اتِّفَاقِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَهُوَ مَدْخُولٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ يُشْعِرُ بِعَدَمِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ جُمْلَةُ مَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ الْأَعْصَارِ مِنْهُمْ إِنَّمَا يَعُمُّ بَعْضَ الْأُمَّةِ لَا كُلَّهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لَهُ وَلَا لِمَنِ اعْتَرَفَ بِوُجُودِ الْإِجْمَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ صَدَقَ عَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَعْصَارِ أَنَّهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَوْ خَلَا عَصْرٌ مِنَ الْأَعْصَارِ عَنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ فِيهِ عَامِّيًّا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. стр. 194
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَقْيِيدِهِ لِلْإِجْمَاعِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى قَضِيَّةٍ عَقْلِيَّةٍ أَوْ عُرْفِيَّةٍ حُجَّةً شَرْعِيَّةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْإِجْمَاعُ عِبَارَةٌ عَنِ اتِّفَاقِ جُمْلَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ عَلَى حُكْمِ وَاقِعَةٍ مِنَ الْوَقَائِعِ.
هَذَا إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: الْإِجْمَاعُ عِبَارَةٌ عَنِ اتِّفَاقِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِلَى آخَرِ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ.
فَقَوْلُنَا: (اتِّفَاقُ) يَعُمُّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ وَالسُّكُوتَ وَالتَّقْرِيرَ.
وَقَوْلُنَا: (جُمْلَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ) احْتِرَازٌ عَنِ اتِّفَاقِ بَعْضِهِمْ وَعَنِ اتِّفَاقِ الْعَامَّةِ.
وَقَوْلُنَا: (مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ) احْتِرَازٌ عَنِ اتِّفَاقٍ أَهْلِ الْعَقْدِ مِنْ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ.
وَقَوْلُنَا: (فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ) حَتَّى يَنْدَرِجَ فِيهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، وَإِلَّا أَوْهَمَ ذَلِكَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلُنَا: (عَلَى حُكْمِ وَاقِعَةٍ) لِيَعُمَّ الْإِثْبَاتَ وَالنَّفْيَ وَالْأَحْكَامَ الْعَقْلِيَّةَ وَالشَّرْعِيَّةَ، وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْإِجْمَاعِ فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ هل يمكن تصوره]
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
اخْتَلَفُوا فِي تَصَوُّرِ اتِّفَاقِ (١) أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ بِالضَّرُورَةِ فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ وَنَفَاهُ الْأَقَلُّونَ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، أَوْ عَنْ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ.
لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ وَإِلَّا لَكَانَتِ الْعَادَةُ مُحِيلَةً لِعَدَمِ نَقْلِهِ وَتَوَاطُئِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى إِخْفَائِهِ، فَحَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ عَلَى عَدَمِهِ.
كَيْفَ وَأَنَّهُ لَوْ نُقِلَ لَكَانَ كَافِيًا فِي الدَّلَالَةِ عَنْ إِجْمَاعِهِمْ وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي ; لِأَنَّهُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَذْهَانِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ فِي الِاعْتِرَافِ بِالْحَقِّ وَالْعِنَادِ، فَالْعَادَةُ أَيْضًا تُحِيلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْحُكْمِ الْوَاحِدِ كَمَا أَنَّهَا تُحِيلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَكْلِ стр. 195
طَعَامٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ إِجْمَاعُهُمْ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ عَدَمُ نَقْلِهِ أَنْ لَوْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ كَافِيًا عَنْهُ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ فَلَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ اتِّفَاقُ الْجَمْعِ الْكَبِيرِ عَلَى حُكْمِهِ بِدَلِيلِ اتِّفَاقِ أَهْلِ الشُّبَهِ عَلَى أَحْكَامِهَا مَعَ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى مُنَاقَضَتِهَا، كَاتِّفَاقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى إِنْكَارِ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَاتِّفَاقِ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ وَالْمَجُوسِ عَلَى التَّثْنِيَةِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ كَثْرَةً لَا تُحْصَى، فَالِاتِّفَاقُ عَلَى الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ الْخَالِي عَنْ مُعَارَضَةِ الْقَاطِعِ لَهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْتَنِعَ عَادَةً (١) وَخَرَجَ عَلَيْهِ امْتِنَاعُ اتِّفَاقِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي الْعَادَةِ لِعَدَمِ الصَّارِفِ إِلَيْهِ، كَيْفَ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَا وُجِدَ مِنَ اتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنِ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مَعَ خُرُوجِ عَدَدِهِمْ عَنِ الْحَصْرِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ التى لَمْ يَكُنْ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهَا الضَّرُورَةَ (٢) وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ التَّصَوُّرِ وَزِيَادَةٌ. стр. 196
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هل يمكن معرفة انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
الْمُتَّفِقُونَ عَلَى تَصَوُّرِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ اخْتَلَفُوا فِي إِمْكَانِ مَعْرِفَتِهِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ أَيْضًا وَنَفَاهُ الْأَقَلُّونَ، وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَلِهَذَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ ادَّعَى وُجُودَ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ كَاذِبٌ (١) اعْتِمَادًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى اعْتِقَادِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى سَمَاعِ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ أَوْ مُشَاهَدَةِ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي الْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَالْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ مُتَعَذِّرٌ عَادَةً.
وَبِتَقْدِيرِ الْمَعْرِفَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَمَعْرِفَةُ مُعْتَقَدِهِ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْوُصُولِ إِلَيْهِ وَالِاجْتِمَاعِ بِهِ وَهُوَ أَيْضًا مُتَعَذِّرٌ (٢) .
وَبِتَقْدِيرِ الِاجْتِمَاعِ بِهِ وَسَمَاعِ قَوْلِهِ وَرُؤْيَةِ فِعْلِهِ أَوْ تَرَكِهِ قَدْ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ الْيَقِينَ بِأَنَّهُ مُعْتَقَدُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارُهُ وَمَا يُشَاهِدُ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ عَلَى خِلَافِ مُعْتَقَدِهِ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ (٣) .
وَبِتَقْدِيرِ حُصُولِ الْعِلْمِ بِمُعْتَقَدِهِ، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ عَنْهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَاقِينَ وَحُصُولِ الْعِلْمِ بِمُعْتَقَدِهِمْ (٤) ، وَمَعَ الِاخْتِلَافِ فَلَا إِجْمَاعَ.
وَطَرِيقُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَالَ: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ بَاطِلٌ بِالْوَاقِعِ، وَدَلِيلُ الْوُقُوعِ مَا عَلِمْنَاهُ عِلْمًا لَا مِرَاءَ فِيهِ مِنْ أَنَّ مَذْهَبَ جَمِيعِ الشَّافِعِيَّةِ امْتِنَاعُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، وَبُطْلَانُ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَأَنَّ مَذْهَبَ جَمِيعِ الْحَنَفِيَّةِ نَقِيضُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ جَمِيعِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّشْكِيكَاتِ وَالْوُقُوعُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ دَلِيلُ الْجَوَازِ الْعَادِي وَزِيَادَةٌ. стр. 197
فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا عَلِمْنَا أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ.
فَعَلِمْنَا أَنَّ مَذْهَبَ كُلِّ مَنْ يَتْبَعُهُ وَهُوَ مُقَلِّدٌ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا نَصٌّ عَنِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ يَكُونُ مُسْتَنَدَ إِجْمَاعِهِمْ، وَلَوْ عُرِفَ ذَلِكَ لَكَانَ هُوَ الْحُجَّةَ (١) .
قُلْنَا: هَذَا وَإِنِ اسْتَمَرَّ لَكُمْ هَاهُنَا فَلَا يَسْتَمِرُّ (٢) فِيمَا نَقَلَهُ قَطْعًا مِنَ اعْتِقَادِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ مِنْ إِنْكَارِ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﵇.
فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا فِيهِ أَنَّهُ قَوْلُ مُوسَى وَلَا عِيسَى، وَلَا قَوْلُ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ ذَلِكَ لِاتِّبَاعِهِمْ لَهُ. (٣)
فَمَا هُوَ الْجَوَابُ هَاهُنَا فَهُوَ الْجَوَابُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ (٤) . стр. 198
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ لها قوة النصوص]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالنَّظَّامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَقَدِ احْتَجَّ أَهْلُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَخَمْسُ آيَاتٍ: الْآيَةُ الْأُولَى، وَهِيَ أَقْوَاهَا وَبِهَا تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ، وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى تَوَعَّدَ عَلَى مُتَابَعَةِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا لَمَا تَوَعَّدَ عَلَيْهِ وَلَمَا حَسُنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ ﵇ فِي التَّوَعُّدِ كَمَا لَا يَحْسُنُ التَّوَعُّدُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْكُفْرِ وَأَكْلِ الْخُبْزِ الْمُبَاحِ.
فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ " مِنْ " لِلْعُمُومِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي مَسَائِلِ الْعُمُومِ حَتَّى يَتَنَاوَلَ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.
سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلْعُمُومِ، غَيْرَ أَنَّ التَّوَعُّدَ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا وَقَعَ مَشْرُوطًا بِمُشَاقَّةِ الرَّسُولِ، وَالْمَشْرُوطُ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ.
سَلَّمْنَا لُحُوقَ الذَّمِّ بِاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى انْفِرَادِهِ لَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ عَدَمُ مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَكُونُ (غَيْرَ) بِمَعْنَى إِلَّا، وَبَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُتَابَعَةُ سَبِيلِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَكُونُ (غَيْرَ) هَاهُنَا صِفَةً لِسَبِيلِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ (غَيْرَ) صِفَةً لِسَبِيلِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَسَبِيلُ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الْكُفْرُ.
وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ مَنْ شَاقَقَ الرَّسُولَ وَكَفَرَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَوَعَّدًا بِالْعِقَابِ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.
سَلَّمْنَا أَنَّ سَبِيلَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ هُوَ الْكُفْرَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَعُّدِ عَلَى عَدَمِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ غَايَةُ مَا يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَعُّدِ عَدَمُ التَّوَعُّدِ عَلَى اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَفْهُومِهِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ
стр. 199
الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ، لَكِنْ فِي عَدَمِ التَّوَعُّدِ عَلَى مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِمْ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَدَمُ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ سَبِيلَ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا وُجِدَ مِنَ الْإِجْمَاعِ فِي بَعْضِ الْأَعْصَارِ حُجَّةٌ، سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ، لَكِنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ عَالِمٍ وَجَاهِلٍ، وَالْجُهَّالُ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي الْإِجْمَاعِ الْمُتَّبَعِ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ فَالْآيَةُ غَيْرُ دَالَّةٍ عَلَيْهِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي أَيِّ عَصْرٍ اتَّفَقَ، لَكِنَّ لَفْظَ (السَّبِيلِ) مُفْرَدٌ لَا عُمُومَ فِيهِ فَلَا يَقْتَضِي اتِّبَاعَ كُلِّ سَبِيلٍ سَلَّمْنَا عُمُومَهُ، لَكِنَّهُ مِمَّا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى مُتَابَعَةِ كُلِّ سَبِيلٍ وَإِلَّا لَوَجَبَ مُتَابَعَةُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ ; لِأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ وَلَا يَجِبُ لِحُكْمِهِمْ عَلَيْهِ بِالْإِبَاحَةِ.
وَلَوَجَبَ اتِّبَاعُهُمْ فِي إِجْمَاعِهِمْ قَبْلَ الِاتِّفَاقِ عَلَى حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَاتِّبَاعُهُمْ فِي امْتِنَاعِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ مَحْضٌ (١) .
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مُتَابَعَةَ سَبِيلِهِمْ فِي مُتَابَعَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﵇ وَتَرْكِ مُشَاقَّتِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اتِّبَاعَ سَبِيلِهِمْ فِي الْإِيمَانِ وَاعْتِقَادَ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ اتِّبَاعَ سَبِيلِهِمْ فِي الِاجْتِهَادِ دُونَ التَّقْلِيدِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، كَيْفَ وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْعَمَلِ بِاللَّفْظِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَفِيمَا بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَكَانَ ذَلِكَ خَاصًّا بِمَا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﵇ لِاسْتِحَالَةِ الِاحْتِجَاجِ بِالْإِجْمَاعِ فِي زَمَانِهِ стр. 200
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُتَابَعَتُهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِسَابِقَةِ تَبَيُّنِ الْهُدَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ وَالْهُدَى مَذْكُورٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُسْتَغْرِقَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ هُدًى حَتَّى إِجْمَاعُهُمْ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْهُدَى بِدَلِيلِهِ وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ مِنْ جُمْلَةِ الْهُدَى فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ بَيَانِهِ بِدَلِيلِهِ، وَدَلِيلُ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ هُدًى لَا يَكُونُ هُوَ نَفْسَ الْإِجْمَاعِ بَلْ هُوَ غَيْرُهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَظُهُورُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ كَافٍ فِي اتِّبَاعِهِ عَنِ اتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ.
سَلَّمْنَا وُجُوبَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ الْأَئِمَّةُ الْمَعْصُومُونَ ; لِأَنَّ سَبِيلَهُمْ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا، أَوِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ لِأَنَّ سَبِيلَهُمْ سَبِيلُهُ، وَسَبِيلُ الْمَعْصُومِ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا، فَكَانَ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.
سَلَّمْنَا وُجُوبَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ وَلَكِنْ إِذَا عُلِمَ كَوْنُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَهُوَ بَاطِنٌ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُمْ مُؤْمِنِينَ فَالِاتِّبَاعُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا لِفَوَاتِ شَرْطِهِ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَلَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْإِجْمَاعِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ اقْتَصَرَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْإِجْمَاعِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ نَهَى كُلَّ الْأُمَّةِ عَنْ هَاتَيْنِ الْمَعْصِيَتَيْنِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَصَوُّرِهِمَا مِنْهُمْ، وَمَنْ تُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْمَعْصِيَةُ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَلَا فِعْلُهُ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَقَرَّ مُعَاذًا لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْمَعْمُولِ بِهَا عَلَى إِهْمَالِهِ لِذِكْرِ الْإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ الْإِجْمَاعُ دَلِيلًا لَمَا سَاغَ ذَلِكَ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ خُلُوِّ الْعَصْرِ عَمَّنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِ ﵇: " «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ» ".
стр. 201
وَأَيْضًا قَوْلُهُ: " «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا» " نَهَى الْكُلَّ عَنِ الْكُفْرِ، وَهُوَ دَلِيلُ جَوَازِ وُقُوعِهِ مِنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا وَلَكِنْ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» "، وَقَوْلُهُ: " «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهَا أَوَّلُ مَا يُنْسَى» "، وَقَوْلُهُ ﵇: " «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» "، وَقَوْلُهُ: " «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ تَبْقَى حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ التَّمْرِ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ» ".
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ دَلِيلًا عَلَيْهَا، كَالتَّوْحِيدِ وَسَائِرِ الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ: قَوْلُهُمْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ (مِنْ) لِلْعُمُومِ سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْعُمُومِ.
قَوْلُهُمْ: إِنِ التَّوَعُّدَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُشَاقَّةِ وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ التَّوَعُّدَ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا بِمُشَاقَّةِ الرَّسُولِ، فَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا بِهِ، فَيَكُونُ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ مُتَوَعَّدٍ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُشَاقَّةِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ خَطَأً لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صَوَابًا مُطْلَقًا، وَمَا لَا يَكُونُ صَوَابًا مُطْلَقًا لَا يَكُونُ جَائِزًا مُطْلَقًا وَلَيْسَ بِحَقٍّ ; لِأَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُشَاقَّةِ لَيْسَتْ خَطَأً.
فَقَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صَوَابًا مُطْلَقًا، قُلْنَا: إِنْ لَمْ تَكُنْ صَوَابًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الصَّوَابِ خَطَأً أَوْ لَا يَكُونُ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَدْ نَاقَضَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَمَا لَا يَكُونُ خَطَأً لَا يَلْزَمُ التَّوَعُّدُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ شَاقَّ الرَّسُولَ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ مُشَاقَّتِهِ لِلرَّسُولِ، وَمُشَاقَّةُ الرَّسُولِ لَيْسَتْ مَعْصِيَةً فَقَطْ وَإِنَّمَا هِيَ
стр. 202
مَعْصِيَةٌ عَلَى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ صَدَّقَ النَّبِيَّ ﵇ وَفَعَلَ بَعْضَ الْمَعَاصِي لَا يُقَالُ إِنَّهُ مُشَاقٌّ لِلرَّسُولِ.
وَمَنْ كَذَّبَ النَّبِيَّ ﵇ لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ بِالسَّمْعِ، وَمَنْ لَا يَصِحُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ.
فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْمُشَاقَّةِ لِلنَّبِيِّ تَكْذِيبُهُ، وَأَنَّ مَنْ كَذَّبَ النَّبِيَّ لَا يَعْلَمُ بِالسَّمْعِ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
وَقِيلَ فِي جَوَابِهِ أَيْضًا إِنَّ الْوَعِيدَ إِذَا عُلِّقَ عَلَى أَمْرَيْنِ اقْتَضَى ذَلِكَ التَّوَعُّدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ جُمْلَةً وَإِفْرَادًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي لُحُوقَ الْمَأْثَمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ جُمْلَةً، وَبِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ الْإِثْمِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى انْفِرَادِهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى لُزُومِ الْمَأْثَمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بِخُصُوصِهِ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ الْخَاصُّ عَلَى مُضَاعَفَةِ الْعَذَابِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ مُقْتَضِيَةً لِتُضَاعُفِ الْعَذَابِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِتَقْدِيرِ الِانْفِرَادِ إِجْمَاعًا، وَلَوْ كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِذَلِكَ لَكِنَّ نَفْيَ الْمُتَضَاعِفِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: " إِنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا وَعُمَرَ أَوْ إِنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، وَدَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِوُجُودِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَلَوْلَا أَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ عَلَى أَمْرَيْنِ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ عَدَمِ أَحَدِهِمَا لَكَانَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَالْأَقْرَبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: لَا خِلَافَ فِي التَّوَعُّدِ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 203
عِنْدَ الْمُشَاقَّةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَفْسَدَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ (١) أَوْ لَا لِمَفْسَدَةٍ.
لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي: فَإِنَّ مَا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ لَا تَوَعُّدَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْمَفْسَدَةُ فِي اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِهَةِ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ أَوْ لَا مِنْ جِهَةِ مُشَاقَّتِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَذِكْرُ الْمُشَاقَّةِ كَافٍ فِي التَّوَعُّدِ كَمَا قِيلَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى قَوْلِهِ: " ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ "، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ لَزِمَ التَّوَعُّدُ لِتَحَقُّقِ الْمَفْسَدَةِ سَوَاءٌ وُجِدَتِ الْمُشَاقَّةُ أَوْ لَمْ تُوجَدْ (٢) .
قَوْلُهُمْ إِنَّ (غَيْرَ) مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى إِلَّا أَوْ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، قُلْنَا: لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ (غَيْرُ) هَاهُنَا صِفَةً ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُ مُتَابِعَةِ سَبِيلِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا أَجْمَعَتْ عَلَى إِبَاحَةِ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ أَنْ يَحْرُمَ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَقُولَ بِحَظْرِهِ أَوْ وُجُوبِهِ، وَالْمُخَالِفُ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَحْرِيمَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ يَعُمُّ تَحْرِيمَ كُلِّ سَبِيلٍ هُوَ غَيْرُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهُ سَبِيلُ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنِ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ حَالَةً، وَتَمَسَّكَ بِهَا وَكَانَ مَعْرُوفًا بِهَا يُقَالُ إِنَّهَا سَبِيلُهُ، سَوَاءٌ تَعَدَّدَتِ الْأَحْوَالُ أَوِ اتَّحَدَتْ. стр. 204
وَإِذَا قِيلَ فُلَانٌ سَلَكَ سَبِيلَ التُّجَّارِ فَهُمْ مِنْهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ أَفْعَالَهُمْ وَيَتَزَيَّا بِزِيِّهِمْ، وَيَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِهِمْ، وَيَجْرِي عَلَى عَادَاتِهِمْ.
وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَنِعُ تَخْصِيصُ السَّبِيلِ الْمُتَوَعَّدِ عَلَى اتِّبَاعِهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ كُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ يَعُمُّ ذَلِكَ مَا كَانَ مُخَالِفًا لِطَرِيقِ الْأُمَّةِ وَسَبِيلِهِمْ.
كَيْفَ وَإِنَّا لَوْ لَمْ نَعْتَقِدْ ذَلِكَ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ (السَّبِيلِ) مُبْهَمًا وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ عَلَى مَا سَبَقَ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّوَعُّدِ عَلَى مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَفْهُومِهِ، قُلْنَا: إِذَا سَلَّمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ اتِّبَاعُ كُلِّ سَبِيلٍ سِوَى سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا نُرِيدُ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً سِوَى هَذَا.
قَوْلُهُمْ: الْمُرَادُ مِنْ ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ) كُلُّ مَنْ آمَنَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْلَ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَفْظُ (الْمُؤْمِنِينَ) حَقِيقَةً يَكُونُ لِمَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالْإِيمَانِ، وَالِاتِّصَافُ بِالْإِيمَانِ مَشْرُوطٌ بِالْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ، وَمَنْ لَا حَيَاةَ لَهُ مِمَّنْ مَاتَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَقِيقَةً، فَلَفْظُ (الْمُؤْمِنِينَ) حَقِيقَةً إِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ دُونَ مَنْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ.
وَهَذَا وَإِنْ مَنَعَ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعَصْرِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا يَمْنَعُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى مَنْ فِي عَصْرِهِمْ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْخُصُومِ (١) .
الثَّانِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ الزَّجْرُ عَنْ مُخَالَفَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْحَثُّ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ عِنْدَ حَمْلِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِذْ لَا زَجْرَ، وَلَا حَثَّ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُمْ: الْآيَةُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَيِّ عَصْرٍ كَانَ غَيْرَ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْعَالِمِ، وَالْجَاهِلِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا (٢) نُسَلِّمُ ذَلِكَ стр. 205
عَلَى مَا يَأْتِي (١) وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْآيَةَ حُجَّةٌ فِي اتِّبَاعِ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فَتَبْقَى الْآيَةُ حُجَّةً فِي الْبَاقِي.
قَوْلُهُمْ: لَفْظُ (السَّبِيلِ) مُفْرَدٌ لَا عُمُومَ فِيهِ، عَنْهُ جَوَابَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (٢) .
الثَّانِي: أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا بِلَفْظِهِ، أَوْ لَا يَكُونَ عَامًّا بِلَفْظِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا بِلَفْظِهِ فَهُوَ عَامٌّ بِمَعْنَاهُ وَإِيمَائِهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَّ سَبِيلٍ كَانَ مُنَاسِبٌ لِكَوْنِهِ مَصْلَحِيًّا، وَقَدْ رُتِّبَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، فَكَانَ عِلَّةً لِوُجُوبِ الِاتِّبَاعِ مَهْمَا تَحَقَّقَ.
قَوْلُهُمْ: يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ مُتَابَعَةِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِيمَا فَعَلُوهُ وَحَكَمُوا بِكَوْنِهِ مُبَاحًا، وَهُوَ تُنَاقُضٌ.
قُلْنَا: الْآيَةُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ سَبِيلٍ لَهُمْ، فَفِعْلُهُمْ لِلْمُبَاحِ سَبِيلٌ، وَحُكْمُهُمْ بِجَوَازِ التَّرْكِ سَبِيلٌ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْآيَةِ فِي إِيجَابِ الْفِعْلِ اتِّبَاعًا لِفِعْلِهِمْ لَهُ مُخَالَفَتُهَا فِي اتِّبَاعِهِمْ فِي اعْتِقَادِ جَوَازِ تَرْكِهِ (٣) .
قَوْلُهُمْ: يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ مُتَابَعَةِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَتَحْرِيمِهِ (٤) ، قُلْنَا: سَنُبَيِّنُ أَنَّهُ مَهْمَا انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى حُكْمٍ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ انْعِقَادُ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ.
قَوْلُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مُتَابَعَتَهُمْ فِي مُتَابَعَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﵇ وَتَرْكِ مُشَاقَّتِهِ أَوِ اتِّبَاعِهِمْ فِي الْإِيمَانِ أَوْ فِي الِاجْتِهَادِ، стр. 206
قُلْنَا: اللَّفْظُ يَعُمُّ كُلَّ سَبِيلٍ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَمَا ذَكَرُوهُ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الِاتِّبَاعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا يُقْبَلُ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِسَابِقَةِ تَبَيُّنِ الْهُدَى إِلَى آخِرِهِ، فَجَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ تَبَيُّنَ الْهُدَى إِنَّمَا هُوَ مَشْرُوطٌ فِي الْوَعِيدِ عَلَى الْمُشَاقَّةِ لَا فِي الْوَعِيدِ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشَاقَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَبَيُّنِ الْهُدَى وَمَعْرِفَتِهِ بِدَلِيلِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَا يُوصَفُ بِالْمُشَاقَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّ تَبَيُّنَ الْأَحْكَامِ الْفُرُوعِيَّةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ تَبَيَّنَ صِدْقَ النَّبِيِّ، وَحَادَ عَنْهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْمُشَاقَّةِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالْفُرُوعِ غَيْرَ مُتَبَيِّنٍ لَهَا.
وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ شَرْطًا فِي الْمُشَاقَّةِ فَلَا تَكُونُ مُشْتَرَطَةً فِي لُحُوقِ الْوَعِيدِ بِاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا.
الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإِلْحَاقِ الذَّمِّ بِاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ.
فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِتَبَيُّنِ كَوْنِهِ هُدًى، وَلَمْ يَكُنِ اتِّبَاعُهُمْ فِي سَبِيلِهِمْ لِأَجْلِ أَنَّهُ سَبِيلٌ لَهُمْ بَلْ لِمُشَارَكَتِهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لِتَبَيُّنِ كَوْنِهِ هُدًى، لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ تَعْظِيمِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَتَمَيُّزِهِمْ بِذَلِكَ.
فَإِنَّ كُلَّ مَنْ ظَهَرَ الْهُدَى فِي قَوْلِهِ وَاعْتِقَادِهِ، فَالْوَعِيدُ حَاصِلٌ بِمُخَالَفَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَذَلِكَ كَالْوَعِيدِ عَلَى عَدَمِ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِ فِيمَا ظَهَرَ كَوْنُ مُعْتَقَدِهِمْ فِيهِ هُدًى كَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، وَاعْتِقَادِ كَوْنِ مُوسَى رَسُولًا كَرِيمًا.
قَوْلُهُمْ: الْمُرَادُ مِنَ (الْمُؤْمِنِينَ) الْأَئِمَّةُ الْمَعْصُومُونَ أَوْ مَنْ كَانَ فِيهِمُ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ عَنْهُ جَوَابَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُودِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا حَقَّقْنَاهُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فَتَخْصِيصُهَا بِالْأَئِمَّةِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (١) الَّذِينَ فِيهِمُ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ غَيْرُ مَقْبُولٍ. стр. 207
كَيْفَ وَأَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى الْوَعِيدِ بِاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعِنْدَهُمُ التَّوَعُّدُ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْإِمَامِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
قَوْلُهُمْ: سَلَّمْنَا وُجُوبَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لَكِنْ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ قُلْنَا: الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ الْحَثُّ عَلَى مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَالزَّجْرُ عَنْ مُخَالَفَتِهِ فَإِنْ كَانَ سَبِيلُهُمْ مَعْلُومًا فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا فَالتَّكْلِيفُ بِاتِّبَاعِ مَا لَا يَكُونُ مَعْلُومًا إِمَّا أَنْ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ أَوْ يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِالْآيَةِ الْأُولَى، فَلَيْسَ فِي بَيَانِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً مُتَّبَعَةً بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا (١) مَا يُنَافِي كَوْنَ الْكِتَابِ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَأَصْلًا لَهُ، (٢) وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الرَّدِّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فِي كُلِّ مُتَنَازَعٍ فِيهِ، وَكَوْنُ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً مُتَّبَعَةً مِمَّا وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ، وَقَدْ رَدَدْنَاهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ أَثْبَتْنَاهُ بِالْقُرْآنِ، وَهُمْ مُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ (٣) .
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ فِيهِمَا رَاجِعٌ إِلَى اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى مَا نُهُوا عَنْهُ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَوَازُهَا عَلَى الْجُمْلَةِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ النَّهْيَ لِجُمْلَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلَكِنْ غَايَةُ ذَلِكَ جَوَازُ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ عَقْلًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْجَوَازِ الْوُقُوعُ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَدْ نُهِيَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ إِذْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ النَّهْيِ مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مَعْصُومًا مِنْ ذَلِكَ. стр. 208
وَأَيْضًا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مَنْهِيٌّ عَنِ الزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي.
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ بَعْضُ الْمَعَاصِي نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي الْمَعْصِيَةَ، فَكَانَ مَعْصُومًا عَنْهَا ضَرُورَةَ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
وَأَمَّا خَبَرُ مُعَاذٍ فَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْإِجْمَاعُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇، فَلَمْ يَكُنْ مُؤَخَّرًا لِبَيَانِهِ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ ﵇: " «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ» " (١) لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى مَنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ هُمُ الْأَقَلُّونَ.
وَقَوْلُهُ: " «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا» " (٢) ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَعَ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا مَعَ الْكُلِّ فَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ فِي آيَاتِ الْمَنَاهِي لِلْأُمَّةِ.
وَقَوْلُهُ: " «حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا» " (٣) الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ غَايَتُهُ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ انْقِرَاضِ الْعُلَمَاءِ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ امْتِنَاعَ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ مَعَ انْقِرَاضِ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي اجْتِمَاعِ مَنْ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْجَوَابُ عَنْ بَاقِي الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى خُلُوِّ آخِرِ الزَّمَانِ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
كَيْفَ وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ خُلُوِّ عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ عَمَّنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَحَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّالُ» ".
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: " «وَاشَوْقَاهُ إِلَى إِخْوَانِي، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، إِخْوَانِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يَهْرَبُونَ بِدِينِهِمْ مِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِقٍ وَيَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ» ".
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَعْقُولِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، فَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ. стр. 209
قَوْلُهُمْ: إِنَّهَا أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ إِجْمَاعَ عُلَمَاءِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْمِلَلِ أَيْضًا حُجَّةٌ قَبْلَ النَّسْخِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّهِمْ مِنَ الدَّلَالَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِإِجْمَاعِهِمْ مَا وَرَدَ فِي عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الْأَخِيرَةُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا التَّوْحِيدُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِيهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِيهِ، بَلْ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَا غَيْرَ، غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَجُوزُ فِيهِ تَقْلِيدُ الْعَامِّيِّ لِلْعَالِمِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى أَدِلَّةٍ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْكُلُّ وَهِيَ أَدِلَّةُ الْعَقْلِ بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْعَالِمِ فِيهَا.
وَإِذَا جَازَ أَوْ وَجَبَ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ كَانَ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى (١) .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وَصَفَ الْأُمَّةَ بِكَوْنِهِمْ وَسَطًا، وَالْوَسَطُ هُوَ الْعَدْلُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَاللُّغَةُ.
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أَعْدَلُهُمْ، وَقَالَ ﵇: " «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا» ".
وَأَمَّا اللُّغَةُ فَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الْأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ ... إِذَا نَزَلَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ (٢) أَيْ عُدُولٌ. стр. 210
وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ عَدَّلَهُمْ وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى النَّاسِ فِي قَبُولِ أَقْوَالِهِمْ كَمَا جُعِلَ الرَّسُولُ حُجَّةً عَلَيْنَا فِي قَبُولِ قَوْلِهِ عَلَيْنَا، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً سِوَى كَوْنِ أَقْوَالِهِمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا وَصْفُهُمْ بِالْعَدَالَةِ لِيَكُونُوا شُهَدَاءَ فِي الْآخِرَةِ عَلَى النَّاسِ بِتَبْلِيغِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهِمُ الرِّسَالَةَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَالَتَهُمْ وَقَبُولَ شَهَادَتِهِمْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَالَةَ مَا يَشْهَدُونَ دُونَ حَالَةِ التَّحَمُّلِ فِي الدُّنْيَا.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لَفْظُ عُمُومٍ يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَكَانَتِ الْآيَةُ مُجْمَلَةً وَلَا حُجَّةَ فِي الْمُجْمَلِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجْمَلَةً، وَلَكِنَّا قَدْ عَمِلْنَا بِهَا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِإِيجَابِ النَّبِيِّ ﵇ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِمْ وَتَكْلِيفِهِمْ بِمَا كَلَّفَهُمْ بِهِ فَلَا يَبْقَى حُجَّةٌ فِي غَيْرِهِ لِتَوْفِيَةِ الْعَمَلِ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ.
سَلَّمْنَا قَبُولَ شَهَادَتِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى عَدَالَةِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَهُوَ مُخَصَّصٌ بِالْإِجْمَاعِ بِالْفُسَّاقِ، وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، وَالْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، لَا يَبْقَى حُجَّةً عَلَى مَا سَيَأْتِي.
(لَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ، سَلَّمْنَا أَنَّهَا تَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَعِصْمَتِهِمْ عَنِ الْخَطَأِ بَاطِنًا) (١) بَلْ ظَاهِرًا فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنِ الْخَطَأِ مُطْلَقًا لَكِنْ فِيمَا يَشْهَدُونَ بِهِ لَا فِيمَا يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
سَلَّمْنَا قَبُولَ قَوْلِهِمْ مُطْلَقًا، غَيْرَ أَنَّ الْخِطَابَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ جَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِمَّا مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي وَقْتِ الْخِطَابِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا حُجَّةَ فِي إِجْمَاعِ كُلِّ عَصْرٍ إِذْ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ. стр. 211
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ حُجَّةً، وَإِجْمَاعُ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بَعْدَ النَّبِيِّ ﵇، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَقَاءِ كُلِّ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ بَعْدَ النَّبِيِّ، وَأَنْ يَعْرِفَ مَقَالَهُ كُلُّ وَاحِدٍ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُتَعَذَّرٌ جِدًّا.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ وَصْفَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالْعَدَالَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ وَتَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ.
وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ أَوْ فِيهِمَا، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِي الْآخِرَةِ لَا غَيْرَ، لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ عُدُولٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلْ مَعْصُومُونَ عَنِ الْخَطَأِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ مِنْهُمْ (١) ، وَفِيهِ إِبْطَالُ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ سَنَجْعَلُكُمْ عُدُولًا، لَا أَنْ يَقُولَ جَعَلْنَاكُمْ، وَإِنْ كَانَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَعَنِ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ نَفْيًا لِلْإِجْمَالِ عَنِ الْكَلَامِ.
الثَّانِي: أَنَّ الِاحْتِجَاجَ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بَلْ فِي وَصْفِهِمْ بِالْعَدَالَةِ، وَمَهْمَا كَانُوا عُدُولًا وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَبِهِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى وَصْفِ جُمْلَةِ الْأُمَّةِ بِالْعَدَالَةِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ عَدَالَتُهُمْ فِيمَا يَقُولُونَهُ جُمْلَةً وَآحَادًا غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي بَعْضِ الْآحَادِ فَتَبْقَى الْآيَةُ حُجَّةً فِي عَدَالَتِهِمْ فِيمَا يَقُولُونَهُ جُمْلَةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. стр. 212
قَوْلُهُمْ: الْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَا يَبْقَى حُجَّةً سَنُبْطِلُهُ فِيمَا يَأْتِي (١) .
وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ، فَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِكَوْنِهِمْ عُدُولًا وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حَقِيقَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ عَالِمًا بِالْخَفِيَّاتِ فَإِنَّ الْحَكِيمَ إِذَا عَلِمَ مِنْ حَالِ شَخْصٍ أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُخْبِرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ عَدْلٌ.
وَجَوَابُ السَّادِسِ، أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ وَصْفُهُمْ بِالْعَدَالَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ مِمَّا يَرَوْنَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ يَجِبُ صِدْقُهُمْ فِيهِ وَإِلَّا لَمَا كَانُوا عُدُولًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِذَا كَانُوا صَادِقِينَ فِيهِ فَهُوَ صَوَابٌ لِكَوْنِهِ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ ﵇: " «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ» " (٢) وَإِذَا كَانَ صَوَابًا كَانَ خِلَافُهُ خَطَأً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَجَوَابُ السَّابِعِ، أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِ لَفْظِ الْأُمَّةِ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ بِالرَّسُولِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِمَا سَبَقَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَلَا عَلَى مَنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ ; لِأَنَّ أَقْوَالَهُمْ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهَا فِي زَمَنِهِ وَلَا وُجُودَ لَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَاتَ بَعْدَ الْخِطَابِ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﵇ فَلَا يَبْقَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فَائِدَةٌ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ تَحْقِيقًا لِفَائِدَةِ كَوْنِهِمْ شُهَدَاءَ (٣) .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ) وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ عَمَّتْ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَمُقْتَضَى صِدْقِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ أَمْرُهُمْ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهْيُهُمْ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، فَإِذَا أُمِرُوا بِشَيْءٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا أَوْ مُنْكَرًا، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُنْكَرًا وَإِلَّا لَكَانُوا نَاهِينَ عَنْهُ ضَرُورَةَ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَا آمِرِينَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ стр. 213
مَعْرُوفًا، فَخِلَافُهُ يَكُونُ مُنْكَرًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِذَا نَهَوْا عَنْ شَيْءٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْكَرًا، أَوْ مَعْرُوفًا لَا جَائِزًا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا، وَإِلَّا لَكَانُوا آمِرِينَ بِهِ ضَرُورَةَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْعُمُومِ لَا نَاهِينَ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا فَخِلَافُهُ يَكُونُ مَعْرُوفًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ لِلِاسْتِغْرَاقِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ عَامَّةً فِي الْأَمْرِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَلَا النَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ.
سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلْعُمُومِ لَكِنَّ قَوْلَهُ: (كُنْتُمْ) يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِمْ مُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي الْمَاضِي وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اتِّصَافُهُمْ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ، بَلْ رُبَّمَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ اتِّصَافِهِمْ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ نَظَرًا إِلَى قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ، وَعَلَى هَذَا فَمَا وُجِدَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ فَيَكُونُ حُجَّةً، أَوْ بَعْدَهَا فَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
سَلَّمْنَا اتِّصَافَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِدَامَتِهِمْ لِذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَعَلَى هَذَا، فَمَا وُجِدَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ مِمَّا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ فِي حَالَةِ كَوْنِهِ حُجَّةً أَوْ فِي غَيْرِهَا.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، لَكِنَّهُ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُمْ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ الْكُلِّ، لَكِنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ خِلَافَ ذَلِكَ ضَرُورَةً، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ بَعْضَ الْأُمَّةِ فَذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مَعْلُومٍ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ مَا سَيَأْتِي فِي الْعُمُومَاتِ، كَيْفَ وَأَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَتَمْيِيزِهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ؟ فَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ مَحْمُولَةً عَلَى الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا وَقَدْ أَمَرَتْ بِالْمَعْرُوفِ كَاتِّبَاعِ أَنْبِيَائِهِمْ وَشَرَائِعِهِمْ، وَنَهَتْ عَنِ الْمُنْكَرِ كَنَهْيِهِمْ عَنِ الْإِلْحَادِ وَتَكْذِيبِ أَنْبِيَائِهِمْ.
وَعَنِ الثَّانِي، إِنَّهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ (كَانَ) هَاهُنَا زَائِدَةً أَوْ تَامَّةً أَوْ زَمَانِيَّةً.
стр. 214
فَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً كَمَا فِي قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتُ بِدَارِ قَوْمٍ ... وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامًا (١) فَإِنَّهُ جَعَلَ (كِرَامًا) نَعْتًا لِلْجِيرَانِ وَأَلْغَى (كَانَ) فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى اتِّصَافِهِمْ بِذَلِكَ حَالًا، لَا فِي الْمَاضِي وَإِنْ أَفَادَتْ نَصْبَ ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ .
وَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ وَالْحُدُوثِ، وَيُكْتَفَى فِيهَا بِاسْمٍ وَاحِدٍ لَا خَبَرَ فِيهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ مَعْنَاهُ حَضَرَ أَوْ وَقَعَ ذُو عُسْرَةٍ، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي ... فَإِنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: وُجِدْتُمْ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى اتِّصَافِهِمْ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ لَا فِي الْمَاضِي.
وَإِنْ كَانَتْ زَمَانِيَّةً وَهِيَ النَّاقِصَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى اسْمٍ وَخَبَرٍ، فَكَانَ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الْمَاضِي فَقَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ كَذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الَّذِي قَبْلَهُ (٢) .
وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فِعْلٌ مُضَارِعٌ صَالِحٌ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِمَا عَلَى الْعُمُومِ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ أَنَّهُ إِذَا سُلِّمَ كَوْنُ الْآيَةِ حُجَّةً فِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ كَافٍ (٣) إِذْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النِّزَاعِ. стр. 215
وَعَنِ الْخَامِسِ أَنَّ الْخِطَابَ إِذَا كَانَ مَعَ الْأُمَّةِ كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً فِي مَا وُجِدَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ جُمْلَةً وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُجَّةً فِي الْأَفْرَادِ.
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ) وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهَا، أَنَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنِ التَّفَرُّقِ، وَمُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ تَفَرُّقٌ، فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً سِوَى النَّهْيِ عَنْ مُخَالَفَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ صِيغَةِ النَّهْيِ - وَإِنْ سَلَّمْنَاهَا - وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي النَّوَاهِي.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ عُمُومَ النَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلِ التَّفَرُّقُ فِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ إِذْ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْآيَةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِعَبِيدِهِ: (ادْخُلُوا الْبَلَدَ أَجْمَعِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا) فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ فِي دُخُولِ الْبَلَدِ، وَمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَصْرِ اعْتِصَامٌ بِحَبْلِ اللَّهِ؛ فَلَا يَكُونُ التَّفَرُّقُ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
سَلَّمْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ فِي كُلِّ تَفَرُّقٍ، وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ.
فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، وَإِذَا كَانَتِ الظُّنُونُ وَالْآرَاءُ مُخْتَلِفَةً كَانَ التَّفَرُّقُ مَأْمُورًا بِهِ لَا مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَالْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَا يَبْقَى حُجَّةً عَلَى مَا سَيَأْتِي.
سَلَّمْنَا صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، لَكِنَّهُ خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇، فَلَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَإِجْمَاعُ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ فِي زَمَانِهِ إِجْمَاعًا، وَلَا تَحَقُّقَ لِوُجُودِهِمْ بِجُمْلَتِهِمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ؛ حَتَّى يَكُونَ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَا سَيَأْتِي فِي النَّوَاهِي.
وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ أَمْرٌ بِالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ نَهْيٌ عَنِ التَّفَرُّقِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ النَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ فِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ مُفِيدًا لِمَا أَفَادَهُ الْأَمْرُ بِالِاعْتِصَامِ بِهِ، فَكَانَ تَأْكِيدًا، وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ التَّأْسِيسُ دُونَ التَّأْكِيدِ.
следующие страницы →