Полный текст (1 203 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ، وَنَخُصُّ مَذْهَبَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ خَبَرٍ وَخَبَرٍ كَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، فَهُوَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهَ، قَالَ: " مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ بِحَدِيثٍ إِلَّا اسْتَحْلَفْتُهُ سِوَى أَبِي بَكْرٍ " صَدَّقَ أَبَا بَكْرٍ، وَقَطَعَ بِصِدْقِهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ.
قُلْنَا: أَمَّا الْآيَاتُ، فَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَاتِّبَاعِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ إِنَّمَا كَانَ بِنَاءً عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ وَالْإِجْمَاعُ قَاطِعٌ، فَاتِّبَاعُهُ لَا يَكُونُ اتِّبَاعًا لِمَا لَيْسَ بِعِلْمٍ، وَلَا اتِّبَاعًا لِلظَّنِّ (١) .
الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ الْمَنْعُ مِنَ اتِّبَاعِ غَيْرِ الْعِلْمِ فِيمَا الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْعِلْمُ، كَالِاعْتِقَادَاتِ فِي أُصُولِ الدِّينِ مِنَ اعْتِقَادِ وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ عَمَلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ (٢) .
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ، فَغَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجُمْلَةِ قَدْ يُغَايِرُ حُكْمَ الْآحَادِ، عَلَى مَا سَبَقَ مِرَارًا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ لَا تُبْنَى عَلَى غَيْرِ الْعِلْمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَعَلَى خِلَافِ إِجْمَاعِ السَّلَفِ قَبْلَ وُجُودِ الْمُخَالِفِينَ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَثَرِ، فَغَايَتُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا صَدَّقَ أَبَا بَكْرٍ؛ ﵄، مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، لِحُصُولِ ظَنِّهِ بِخَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ دُونَ خَبَرِ غَيْرِهِ لِكَوْنِ مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ الرُّتْبَةِ وَعُلُوِّ الشَّأْنِ فِي الْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ فِي مُقَابَلَةِ يَمِينِ غَيْرِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ جَائِزٌ فِي بَابِ الظُّنُونِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الصِّدْقُ مَعْلُومًا. стр. 317
وَأَمَّا جَوَازُ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، إِذَا احْتَفَّتْ بِهِ الْقَرَائِنُ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَرِينَةَ قَدْ تُفِيدُ الظَّنَّ مُجَرَّدَةً عَنِ الْخَبَرِ.
وَذَلِكَ كَمَا إِذَا رَأَيْنَا إِنْسَانًا يُكْثِرُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى شَخْصٍ مُسْتَحْسَنٍ، فَإِنَّا نَظُنُّ حُبَّهُ لَهُ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مُلَازَمَتُهُ لَهُ، زَادَ ذَلِكَ الظَّنُّ وَلَا يَزَالُ فِي التَّزَايُدِ بِزِيَادَةِ خِدْمَتِهِ لَهُ وَبَذْلِ مَا لَهُ وَتَغَيُّرِ حَالِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَرَائِنِ، حَتَّى يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِحُبِّهِ لَهُ كَمَا فِي تَزَايُدِ الظَّنِّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ حَتَّى يَصِيرَ تَوَاتُرًا.
وَكَذَلِكَ عِلْمُنَا بِخَجَلِ مَنْ هُجِنَ، وَوَجَلِ مَنْ خُوِّفَ، بِاحْمِرَارِ هَذَا وَاصْفِرَارِ هَذَا.
وَبِهَذَا الطَّرِيقِ نَعْلَمُ عِنْدَ ارْتِضَاعِ الطِّفْلِ وُصُولَ اللَّبَنِ إِلَى جَوْفِهِ بِكَثْرَةِ امْتِصَاصِهِ وَازْدِرَادِهِ وَحَرَكَةِ حَلْقِهِ مَعَ كَوْنِ الْمَرْأَةِ شَابَّةً نُفَسَاءَ وَبِسُكُونِ الصَّبِيِّ بَعْدَ بُكَائِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَرَائِنِ.
وَإِذَا كَانَتِ الْقَرَائِنُ الْمُتَضَافِرَةُ بِمُجَرَّدِهَا مُفِيدَةً لِلْعِلْمِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْخَبَرِ الْمُفِيدِ لِلظَّنِّ مُفِيدَةً لِلظَّنِّ، قَائِمَةً مَقَامَ اقْتِرَانِ خَبَرٍ آخَرَ بِهِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ التَّزَايُدُ فِي الظَّنِّ بِزِيَادَةِ اقْتِرَانِ الْقَرَائِنِ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ، كَمَا فِي خَبَرِ التَّوَاتُرِ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوَازُ فَبَيَانُ الْوُقُوعِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ أَنَّ وَلَدَ الْمَلِكِ قَدْ مَاتَ، وَاقْتَرَنَ بِذَلِكَ عِلْمُنَا بِمَرَضِهِ، وَأَنَّهُ لَا مَرِيضَ فِي دَارِ الْمَلِكِ سِوَاهُ، وَمَا شَاهَدْنَاهُ مِنَ الصُّرَاخِ الْعَالِي فِي دَارِهِ، وَالنَّحِيبِ الْخَارِجِ عَنِ الْعَادَةِ، وَخُرُوجِ الْجِنَازَةِ مُحْتَفَّةً بِالْخَدَمِ، وَالْجَوَارِي حَاسِرَاتٍ مُبْرِحَاتٍ يَلْطُمْنَ خُدُودَهُنَّ، وَيَنْتِفْنَ شُعُورَهُنَّ، وَالْمَلِكُ مُمَزَّقُ الثَّوْبِ حَاسِرُ الرَّأْسِ يَلْطُمُ وَجْهَهُ، وَهُوَ مُضْطَرِبُ الْبَالِ، مُشَوَّشُ الْحَالِ، عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الْتِزَامِ الْوَقَارِ وَالْهَيْبَةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَسْبَابِ الْمُرُوءَةِ فَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ سَمِعَ ذَلِكَ الْخَبَرَ، وَشَاهَدَ هَذِهِ الْقَرَائِنَ يَعْلَمُ صِدْقَ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمُخْبَرِهِ، كَمَا يَعْلَمُ صِدْقَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ وَوُقُوعَ مُخْبَرِهِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ، مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَحُبِّهِ لِحَيَاةِ نَفْسِهِ وَكَرَاهَتِهِ لِلْأَلَمِ، وَهُوَ فِي أَرْغَدِ عِيشَةٍ، نَافِذُ الْأَمْرِ، قَائِمُ الْجَاهِ أَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، بِآلَةٍ يُقْتَلُ مِثْلُهَا غَالِبًا، مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ لَهُ فِي قَتْلِهِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ مِنَ الْقِصَاصِ، كَانَ خَبَرُهُ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِصِدْقِهِ عَادَةً.
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي جِوَارِ إِنْسَانٍ امْرَأَةٌ حَامِلٌ، وَقَدِ انْتَهَتْ مُدَّةُ حَمْلِهَا، فَسَمِعَ الطَّلْقَ مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ، وَضَجَّةَ النِّسْوَانِ حَوْلَ تِلْكَ الْحَامِلِ، ثُمَّ سَمِعَ صُرَاخَ
стр. 318
الطِّفْلِ، وَخَرَجَ نِسْوَةٌ يَقُلْنَ إِنَّهَا قَدْ وَلَدَتْ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَرِيبُ فِي ذَلِكَ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ قَطْعًا، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ مِمَّا يُخْرِجُ الْمُنَاظَرَةَ إِلَى الْمُكَابَرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِمَوْتِ وَلَدِ الْمَلِكِ فِي الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا مِنْ نَفْسِ الْخَبَرِ أَوْ مِنْ نَفْسِ الْقَرَائِنِ، أَوْ مِنَ الْخَبَرِ مَشْرُوطًا بِالْقَرَائِنِ، أَوْ بِالْقَرَائِنِ مَشْرُوطًا بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُجَرَّدِ الْخَبَرِ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ أَوَّلًا، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَبَرِ مَشْرُوطًا بِالْقَرَائِنِ، وَلَا مِنَ الْقَرَائِنِ بِشَرْطِ الْخَبَرِ وَلَا مِنَ الْخَبَرِ وَالْقَرَائِنِ مَعًا، لِاسْتِقْلَالِ تِلْكَ الْقَرَائِنِ الْمَذْكُورَةِ بِإِفَادَةِ الْعِلْمِ بِالْمَوْتِ، سَوَاءٌ وُجِدَ الْخَبَرُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا مِنْ نَفْسِ الْقَرَائِنِ وَلَا أَثَرَ لِلْخَبَرِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارِضٌ بِمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مُجَرَّدًا عَنِ الْقَرَائِنِ فَإِنَّهَا مُتَّجِهَةٌ بِعَيْنِهَا هَاهُنَا.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ مَا وُجِدَ مِنَ الْقَرَائِنِ مَوْتَ غَيْرِ وَلَدِ الْمَلِكِ فَجْأَةً، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا الْخَبَرُ بِمَوْتِ ذَلِكَ الْمَرِيضِ بِعَيْنِهِ، كَانَ اعْتِقَادُ مَوْتِهِ آكَدَ مِنِ اعْتِقَادِ مَوْتِهِ مَعَ الْقَرَائِنِ دُونَ الْخَبَرِ (١) .
وَعَنِ الْمُعَارَضَاتِ أَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
أَمَّا الْحُجَّةُ الْأُولَى، فَلِأَنَّا إِذَا فَرَضْنَا حُصُولَ الْعِلْمِ بِخَبَرِ مَنِ احْتَفَّتْ بِخَبَرِهِ الْقَرَائِنُ، فَيَمْتَنِعُ تَصَوُّرُ اقْتِرَانِ مِثْلِ تِلْكَ الْقَرَائِنِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا بِالْخَبَرِ الْمُنَاقِضِ لَهُ وَإِنْ كَانَ نَفْسُ الْخَبَرِ مُنَاقِضًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ بِمُجَرَّدِهِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ خَبَرٍ آخَرَ مُنَاقِضٍ لَهُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الشَّاهِدِ (٢) .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ، فَلِأَنَّ مَا نَجِدُهُ مِنَ التَّزَيُّدِ عِنْدَ أَخْبَارِ الْآحَادِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ فِيهِ بِخَبَرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَأَمَّا مَتَى كَانَ الْعِلْمُ قَدْ حَصَلَ بِخَبَرِ الْأَوَّلِ стр. 319
فَالتَّزَيُّدُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ مُمْتَنِعًا، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِخَبَرٍ، فَإِنَّا إِذَا جَرَّدْنَا النَّظَرَ إِلَى خَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، وَجَدْنَا أَنْفُسَنَا مِمَّا يَزِيدُ فِيهَا الظَّنُّ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ بِاقْتِرَانِ خَبَرِ غَيْرِهِ بِخَبَرِهِ (١) .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: فَلِأَنَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمُخْبَرِهِ، لَزِمَ تَصْدِيقُ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ فِي خَبَرِهِ، وَلَا كَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْخَبَرَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِلَّا بِالْقَرَائِنِ.
فَخَبَرُ الْوَاحِدِ بِنُبُوَّتِهِ لَا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِصِدْقِهِ دُونَ اقْتِرَانِ الْقَرَائِنِ بِقُولِهِ، وَالْمُعْجِزَةُ مِنَ الْقَرَائِنِ (٢) .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: فَغَايَتُهَا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ خَبَرٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِمُجَرَّدِهِ (٣) ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ بِخَبَرٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ هَلْ يُعْلَمُ كَوْنَهُ صَادِقًا فِيهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَبَرٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، هَلْ يُعْلَمُ كَوْنَهُ صَادِقًا فِيهِ؟
مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا لَأَنْكَرَ النَّبِيُّ ﵇ عَلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ مُقِرًّا لَهُ عَلَى الْكَذِبِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَ سَامِعٍ لَهُ، بَلْ هُوَ ذَاهِلٌ عَنْهُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ السَّمَاعُ وَعَدَمُ الْغَفْلَةِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَعْلَمَ سَمَاعَهُ لَهُ وَعَدَمَ غَفْلَتِهِ عَنْهُ، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا يَكُونَ فَاهِمًا لِمَا يَقُولُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ فَهْمُهُ لَهُ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فَاهِمًا لَهُ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مُتَعَلِّقًا بِالدِّينِ، أَوِ الدُّنْيَا: فَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالدِّينِ، وَقُدِّرَ كَوْنُهُ كَاذِبًا فِيهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَيَّنَهُ لَهُ وَعَلِمَ أَنَّ إِنْكَارَهُ عَلَيْهِ وَبَيَانَهُ لَهُ ثَانِيًا غَيْرُ مُنْجِعٍ فِيهِ فَلَمْ يَرَ فِي стр. 320
الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فَائِدَةً، وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إِهْمَالِهِ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ ذَلِكَ كُلِّهِ، احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كَذِبُهُ فِي ذَلِكَ صَغِيرَةً، وَعَدَمُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ صَغِيرَةً فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَانْتِفَاءُ الصَّغَائِرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ.
هَذَا، إِنْ كَانَ إِخْبَارُهُ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ إِخْبَارُهُ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ بِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ ظَنَّ عِلْمَهِ بِهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكَذِبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنَ الْإِنْكَارِ لِمَانِعٍ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إِنْكَارِهِ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الصَّغَائِرِ - الصَّغَائِرُ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ كَمَا عُلِمَ - وَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ الْإِنْكَارِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا، وَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ ظَنًّا (١) .
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِخَبَرٍ عَنْ أَمْرٍ مُحَسٍّ بَيْنَ يَدَيْ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ وَسَكَتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِخَبَرٍ عَنْ أَمْرٍ مُحَسٍّ بَيْنَ يَدَيْ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ وَسَكَتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ قَالَ قَوْمٌ: عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ صِدْقُهُ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَادَةً أَنْ لَا يَطَّلِعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى كَذِبِهِ، وَبِتَقْدِيرِ الِاطِّلَاعِ يَمْتَنِعُ عَادَةً سُكُوتُ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ عَنِ التَّكْذِيبِ مَعَ اخْتِلَافِ أَمْزِجَتِهِمْ وَطِبَاعِهِمْ وَاخْتِلَافِ دَوَاعِيهِمْ. فَحَيْثُ سَكَتُوا عَنِ التَّكْذِيبِ دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ وَلَيْسَ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمُ اطِّلَاعٌ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَلَا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا، وَلَا وَاحِدَ مِنْهُمْ، وَلَا الْعَادَةَ مِمَّا تُحِيلُ اطِّلَاعَ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَعْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوِ اثْنَانِ كَذِبَهُ، فَالْعَادَةُ لَا تُحِيلُ سُكُوتَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ عَنْ تَكْذِيبِهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَعْلَمَ الْكُلُّ بِكَذِبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَانِعًا مَنَعَهُمْ مِنْ تَكْذِيبِهِ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَمْتَنِعُ الْقَطْعُ بِتَصْدِيقِهِ وَإِنْ كَانَ صِدْقُهُ مَظْنُونًا. стр. 321
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إِذَا رَوَى وَاحِدٌ خَبَرًا وَرَأَيْنَا الْأُمَّةَ مُجْمِعَةً عَلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
إِذَا رَوَى وَاحِدٌ خَبَرًا، وَرَأَيْنَا الْأُمَّةَ مُجْمِعَةً عَلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، كَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا، إِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا، وَإِلَّا كَانَ عَمَلُهُمْ بِمُقْتَضَاهُ خَطَأً، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْخَطَأِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، بَلْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَوْ بَعْضُهُمْ بِهِ، وَبَعْضُهُمْ بِغَيْرِهِ.
وَبِتَقْدِيرِ عَمَلِ الْكُلِّ بِهِ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَظْنُونَ الصِّدْقِ، فَالْأُمَّةُ مُكَلَّفَةٌ بِالْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ، وَعَمَلُهُمْ بِمُوجِبِهِ مَعَ تَكْلِيفِهِمْ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ خَطَأً، لِأَنَّ خَطَأَهُمْ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِهِمْ لِمَا كَلَّفُوا بِهِ، أَوِ الْعَمَلِ بِمَا نَهَوْا عَنْهُ.
وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَصِدْقُهُ لَا يَكُونُ مَقْطُوعًا، وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ رَوَى وَاحِدٌ خَبَرًا، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَطَائِفَةٌ عَمِلَتْ بِمُقْتَضَاهُ وَطَائِفَةٌ اشْتَغَلَتْ بِتَأْوِيلِهِ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الَّتِي عَمِلَتْ بِمُقْتَضَاهُ لَعَلَّهَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، بَلْ بِغَيْرِهِ، كَمَا سَبَقَ.
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ عَامِلَةً بِهِ، فَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى قَبُولِهِ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ صَادِقًا قَطْعًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَكْلِيفِهِمْ بِاتِّبَاعِ الظَّنِّيِّ.
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَجَدَ شَيئا بِمَشْهَدٍ مِنَ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ وانْفَرَدَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ بَاقِي الْخَلْقِ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ
اخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ وُجِدَ شَيْءٌ بِمَشْهَدٍ مِنَ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، إِذَا انْفَرَدَ الْوَاحِدُ بِرِوَايَتِهِ عَنْ بَاقِي الْخَلْقِ، كَمَا إِذَا أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِأَنَّ الْخَلِيفَةَ بِبَغْدَادَ قُتِلَ فِي وَسَطِ الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمَشْهَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ فَذَهَبَ الْكُلُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ، وَهُوَ الْحَقُّ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَكَّزَ فِي طِبَاعِ الْخَلْقِ مِنْ تَوْفِيرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ مَا عَلِمُوهُ، وَالتَّحَدُّثِ بِمَا عَرَفُوهُ، حَتَّى إِنَّ الْعَادَةَ لَتُحِيلَ كِتْمَانَ مَا لَا يُؤْبَهُ لَهُ مِمَّا جَرَى مِنْ صِغَارِ الْأُمُورِ عَلَى الْجَمْعِ الْقَلِيلِ، فَكَيْفَ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ فِيمَا هُوَ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ وَمُهِمَّاتِهَا، وَالنُّفُوسُ مُشْرَئِبَّةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَفِي نَقْلِهِ صَلَاحٌ لِلْخَلْقِ، بَلِ السُّكُوتُ عَنْ نَقْلِ ذَلِكَ وَإِشَاعَتِهِ فِي إِحَالَةِ الْعَادَةِ لَهُ أَشَدُّ مِنْ إِحَالَةِ الْعَادَةِ لِسُكُوتِهِمْ وَتَوَاطُئِهِمْ عَلَى عَدَمِ نَقْلِ وُجُودِ مَكَّةَ وَبَغْدَادَ.
فَلَوْ جَازَ كِتْمَانُ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُوجَدَ مِثْلُ مِصْرَ وَبَغْدَادَ وَلَمْ يُخْبِرْ أَحَدٌ
стр. 322
عَنْهُمَا وَذَلِكَ مُحَالٌ عَادَةً (١) .
وَبِمِثْلِ هَذَا عَرَفْنَا كَذِبَ مَنِ ادَّعَى مُعَارَضَةَ الْقُرْآنِ وَالتَّنْصِيصَ عَلَى إِمَامٍ بِعَيْنِهِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ لَشَاعَ وَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ (٢) .
فَإِنْ قِيلَ: الْعَادَةُ إِنَّمَا تُحِيلُ اتِّفَاقَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى كِتْمَانِ مَا جَرَى بِمَشْهَدٍ مِنْهُمْ مَنِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ، إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الدَّاعِي إِلَى الْكِتْمَانِ مُعَارِضًا لِدَاعِي الْإِظْهَارِ، وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ، إِمَّا لِغَرَضٍ وَاحِدٍ يَعُمُّ الْكُلَّ نَظَرًا إِلَى مَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّ فِي أَمْرِ الْوِلَايَةِ وَإِصْلَاحِ الْمَعِيشَةِ، أَوْ خَوْفٍ وَرَهْبَةٍ مِنْ عَدُوٍّ غَالِبٍ وَمَلِكٍ قَاهِرٍ، أَوْ لِأَغْرَاضٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كُلُّ غَرَضٍ لِوَاحِدٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْوُقُوعُ.
وَهُوَ أَنَّ النَّصَارَى مَعَ كَثْرَتِهِمْ كَثْرَةً تَخْرُجُ عَنِ الْحَصْرِ، لَمْ يَنْقُلُوا كَلَامَ الْمَسِيحِ فِي الْمَهْدِ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَعْجَبِ حَادِثٍ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَإِشَاعَتِهِ وَنَقَلُوا مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ نَقَلُوا أَعْلَامَ الرُّسُلِ، وَلَمْ يَنْقُلُوا أَعْلَامَ شُعَيْبٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ آحَادَ الْمُسْلِمِينَ قَدِ انْفَرَدُوا بِنَقْلِ مَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ مَعَ شُيُوعِهِ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْجَمْعِ الْكَثِيرِ، كَنَقْلِ مَا عَدَا الْقُرْآنَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَتَسْبِيحِ الْحَصَا فِي يَدِهِ، وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ إِلَيْهِ، وَتَسْلِيمِ الْغَزَالَةِ عَلَيْهِ، وَكَدُخُولِ مَكَّةَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَتَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ وَإِفْرَادِهَا، وَإِفْرَادِهُ فِي الْحَجِّ، وَقِرَانِهِ وَنِكَاحِهِ لِمَيْمُونَةَ وَهُوَ حَرَامٌ، وَقَبُولِهِ لِشَهَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي لَا تُحْصَى. стр. 323
قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ اتِّفَاقَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى كِتْمَانِ مَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ.
قَوْلُهُمْ ذَلِكَ: إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يُوجَدِ الدَّاعِي إِلَى الْكِتْمَانِ.
قُلْنَا: وَالْكَلَامُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَادَةَ أَيْضًا تُحِيلُ اشْتِرَاكَ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ فِي الدَّاعِي إِلَى الْكِتْمَانِ، كَمَا يَسْتَحِيلُ اشْتِرَاكُهُمْ فِي الدَّاعِي إِلَى الْكَذِبِ، وَإِلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِشْهَادِ.
أَمَّا كَلَامُ عِيسَى فِي الْمَهْدِ، فَإِنَّمَا تَوَلَّى نَقْلَهُ الْآحَادُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِحَضْرَةِ نَفَرٍ يَسِيرٍ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَمْرُهُ قَدْ ظَهَرَ، وَلَا شَأْنُهُ قَدِ اشْتُهِرَ، وَلَا عُرِفَ بِرِسَالَةٍ وَلَا نُبُوَّةٍ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، فَإِنَّهُ كَانَ وَقْتَ اشْتِهَارِهِ وَدَعْوَاهُ الرِّسَالَةِ، مُسْتَدِلًّا بِذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ، وَتَطَلُّعِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَامْتِدَادِ الْأَعْيُنِ إِلَى مَا يَدَّعِيهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى كِتْمَانِهِ.
وَأَمَّا أَعْلَامُ شُعَيْبٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّمَا لَمْ يُنْقُلْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدْعُوا حَتَّى يَسْتَدِلُّوا عَلَيْهَا بِالْمُعْجِزَاتِ (١) ، وَلَا كَانَ لَهُمْ شَرِيعَةٌ انْفَرَدُوا بِهَا، بَلْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ، كَدَعْوَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَآحَادِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا نَقْلُ بَاقِي مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ غَيْرِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّمَا تَوَلَّاهُ الْآحَادُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنَ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ، بَلْ إِنَّمَا جَرَى مَا جَرَى مِنْهُمْ بِحُضُورِ طَائِفَةٍ يَسِيرَةٍ، وَلَا سِيَّمَا انْشِقَاقُ الْقَمَرِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنَ الْآيَاتِ اللَّيْلِيَّةِ وَقَعَتْ، وَالنَّاسُ بَيْنَ نَائِمٍ وَغَافِلٍ فِي لَمْحِ الْبَصَرِ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ دَعَاهُمْ إِلَى رُؤْيَتِهِ وَلَا نَبَّهَهُمْ عَلَى стр. 324
ذَلِكَ سِوَى مَنْ رَآهُ مِنَ النَّفَرِ الْيَسِيرِ (١) .
وَلِهَذَا، فَإِنَّهُ كَمْ مِنْ أَمْرٍ مَهُولٍ يَقَعُ فِي اللَّيْلِ، مِنْ زَلْزَلَةٍ أَوْ صَاعِقَةٍ أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ أَوِ انْقِضَاضِ شِهَابٍ عَظِيمٍ، وَلَا يَشْعُرُ بِهِ سِوَى الْآحَادِ (٢) .
وَهَذَا بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ كَانَ ﷺ يُرَدِّدُهُ بَيْنَ الْخَلْقِ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ فِي زَمَانِهِ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَهُ وَشَاهَدَهُ.
فَلِذَلِكَ اسْتَحَالَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى عَدَمِ نَقْلِهِ (٣) .
وَأَمَّا دُخُولُ مَكَّةَ، فَقَدْ نَقَلَهُ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ، وَهُوَ مُسْتَفِيضٌ مَشْهُورٌ، أَنَّهُ دَخَلَهَا عَنْوَةً مُتَسَلِّحًا بِالْأَلْوِيَةِ وَالْأَعْلَامِ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، مَعَ بَذْلِ الْأَمَانِ لِمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ، وَاعْتَصَمَ بِالْكَعْبَةِ وَدَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَمَّا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَدَاءِ دِيَةِ مَنْ قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَا يَبْعُدُ ظَنُّ ذَلِكَ مِنَ الْآحَادِ. стр. 325
وَأَمَّا تَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ وَإِفْرَادُهَا، فَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ يُفْرِدُ تَارَةً، وَيُثَنِّي أُخْرَى، فَنَقَلَ كُلٌّ بَعْضَ مَا سَمِعَهُ، وَأَهْمَلَ الْبَاقِيَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ مِنَ الْفُرُوعِ الْمُتَسَامَحِ فِيهَا، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا إِفْرَادُ النَّبِيِّ وَقِرَانُهُ فِي الْحَجِّ، فَإِنَّمَا نَقَلَهُ الْآحَادُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّيَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ ظُهُورُهُ وَمُنَادَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ (١) .
وَأَمَّا نِكَاحُهُ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَيْسَ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَجِبُ إِظْهَارُهُ، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ، فَلِذَلِكَ انْفَرَدَ بِهِ الْآحَادُ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ.
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ هل يجوز التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ
مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ جَوَازُ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ عَقْلًا، خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ (٢) وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَدَلِيلُ جَوَازِهِ عَقْلًا: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا وُرُودَ الشَّارِعِ بِالتَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ فِي الْعَقْلِ، وَلَا مَعْنًى لِلْجَائِزِ الْعَقْلِيِّ سِوَى ذَلِكَ.
وَغَايَةُ مَا يُقَدَّرُ فِي اتِّبَاعِهِ احْتِمَالُ كَوْنِهِ كَاذِبًا أَوْ مُخْطِئًا.
وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّعَبُّدِ بِهِ، بِدَلِيلِ اتِّفَاقِنَا عَلَى التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمُفْتِي، وَالْعَمَلِ بِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ، مَعَ احْتِمَالِ الْكَذِبِ وَالْخَطَأِ عَلَى الْمُفْتِي وَالشَّاهِدِ فِيمَا أَخْبَرَا بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُحَالًا لِذَاتِهِ عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُحَالٌ عَقْلًا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ стр. 326
التَّكَالِيفَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ، فَلَوْ تَعَبَّدْنَا بِاتِّبَاعِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْعَمَلِ بِهِ، فَإِذَا أَخْبَرَ بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِسَفْكِ دَمٍ، وَاسْتِحْلَالِ بُضْعٍ مُحَرَّمٍ، مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ كَاذِبًا، فَلَا يَكُونُ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ مَصْلَحَةٌ بَلْ مَحْضُ مَفْسَدَةٍ، وَهُوَ خِلَافُ وَضْعِ الشَّرْعِ.
وَلِهَذَا امْتُنِعَ وُرُودُ التَّعَبُّدِ؛ وَمَعْنَاهُ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِجْمَاعًا (١) .
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ بِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْخَبَرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا تُقْبَلُ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الصُّلْحُ، وَلَا كَذَلِكَ الْخَبَرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُولِ فَكَانَتِ الْمَفْسَدَةُ فِي الشَّهَادَةِ أَبْعَدَ.
الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ شَرْعٍ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ.
الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ الشَّهَادَةِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَالشَّهَادَةُ شَرْطٌ لَا مُثْبِتٌ، بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ عِنْدَكُمْ دَلِيلٌ مُثْبِتٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.
ثُمَّ وَإِنْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إِلَّا أَنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْمَنْقُولُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ .
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ، فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنِ الرَّسُولِ عِنْدَ ظَنِّنَا بِصِدْقِهِ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً، لَجَازَ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَلِكَ دُونَ اقْتِرَانِ الْمُعْجِزَةِ بِقَوْلِهِ مُحَالٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ جَازَ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْفُرُوعِ، لَجَازَ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ فِي стр. 327
الْأُصُولِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (١) .
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّعَبُّدُ بِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لَجَازَ التَّعَبُّدُ بِهِ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ قَدْ تَتَعَارَضُ، فَلَوْ وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِالْعَمَلِ بِهَا، لَكَانَ وَارِدًا بِالْعَمَلِ بِمَا لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ ضَرُورَةَ التَّعَارُضِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَلَى الشَّارِعِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَأَفْعَالِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى مَا عَرَفْنَاهُ فِي الْكَلَامِيَّاتِ (٢) .
الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِوُرُودِ التَّعَبُّدِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ (٣) وَقَوْلِ الْمُفْتِي، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْفُرُوقِ فَبَاطِلَةٌ، أَمَّا الْفَرْقُ الْأَوَّلُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالشَّهَادَةِ فِيمَا لَا يَجْرِي فِيهِ الصُّلْحُ، كَالدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ (٤) .
وَأَمَّا الْفَرْقُ الثَّانِي: فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخَبَرَ كَمَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالشَّهَادَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا بُدَّ عِنْدَ الشَّهَادَةِ مِنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِهَا، كَمَا فِي الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ بِالْآيَاتِ، فَجَوَابُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: стр. 328
الْأَوَّلُ: أَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ إِنَّمَا هُوَ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَى الْخُصُومِ فِي اعْتِقَادِهِمُ امْتِنَاعَ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، إِذْ هُوَ مَعْلُومٌ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مَظْنُونًا لَهُمْ، فَالْآيَاتُ مُشْتَرِكَةُ الدَّلَالَةِ، فَكَمَا تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ اتِّبَاعِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ اتِّبَاعِهِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ جِهَاتُ الدَّلَالَةِ فِيهَا، امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِهَا، وَسَلِمَ لَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ (١) .
وَعَلَى هَذَا، نَقُولُ بِجَوَازِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِقَبُولِ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ عَقْلًا، إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ وَاقِعٍ (٢) .
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُعَارَضَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، فَجَوَابُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا عَامٌّ لِلْكُلِّ، وَالثَّانِي خَاصٌّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا.
أَمَّا الْعَامُّ فَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إِلْزَامًا عَلَيْنَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَهُوَ لَازِمٌ عَلَيْهِمْ فِي وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِقَبُولِ قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ وَالْمُفْتِي، فَمَا هُوَ جَوَابُهُمْ عَنْهُ يَكُونُ جَوَابًا لَنَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَأَمَّا مَا يَخُصُّ كُلَّ مُعَارَضَةٍ: أَمَّا الْأُولَى، فَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ دَعْوَى الْوَاحِدِ لِلرِّسَالَةِ وَنُزُولَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ مِنْ أَنْدَرِ الْأَشْيَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوَاهُ مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِصِدْقِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ حُصُولُ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ стр. 329
بَلِ الَّذِي يُجْزَمُ بِهِ إِنَّمَا هُوَ كَذِبُهُ، وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، فَقَدْ لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِقَوْلِ مَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَذِبُهُ.
الثَّانِي: هُوَ أَنَّا إِذَا جَوَّزْنَا وُرُودَ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى دَلِيلٍ قَاطِعٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُدَّعِي لِلرِّسَالَةِ؛ إِذَا لَمْ تَقْتَرِنْ بِقَوْلِهِ مُعْجِزَةٌ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ بُعِثَ رَسُولٌ، وَظَهَرَتِ الْمُعْجِزَةُ الْقَاطِعَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَهْمَا أَخْبَرَكُمْ إِنْسَانٌ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِشَرِيعَةٍ، وَظَنَنْتُمْ صِدْقَهُ، فَاعْمَلُوا بِقَوْلِهِ، فَقَدِ اسْتَنَدَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ إِلَى دَلِيلٍ قَاطِعٍ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ الصَّادِقِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ (١) .
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، مَعَ فَرْضِ هَذَا التَّقْدِيرِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ هُوَ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ اللَّازِمَةَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الْمُدَّعِي لِلرِّسَالَةِ مِنْ غَيْرِ مُعْجِزَةٍ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ رِئَاسَةَ النُّبُوَّةِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ رِئَاسَةٍ، وَرُتْبَتَهَا أَعْلَى مِنْ كُلِّ رُتْبَةٍ، فَلَوْ وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِاتِّبَاعِ كُلِّ مُدَّعٍ لِلرِّسَالَةِ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ مِنْ غَيْرِ مُعْجِزَةٍ دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَقَدْ يَسَلُكُ الْمَسَالِكَ الْمُغَلِّبَةَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَهُ، وَيَتَوَخَّى مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ مَا تَظْهَرُ بِهِ عَدَالَتُهُ، طَمَعًا فِي نَيْلِ مِثْلِ هَذِهِ الرِّئَاسَةِ الْعُظْمَى بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ.
وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدَّعِي نَسْخَ شَرِيعَةِ الْآخَرِ وَرَفْعَهَا عَلَى قُرْبٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي لَا تَحَقُّقَ لِمِثْلِهَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ. стр. 330
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الثَّانِيَةُ، فَجَوَابُهَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْأُصُولِ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ، وَلَا قَطْعَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ، بِخِلَافِ الْفُرُوعِ، فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظُّنُونِ (١) .
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الثَّالِثَةُ، فَجَوَابُهَا أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزَةُ الرَّسُولِ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِهِ، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهِ قَاطِعًا، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِقَاطِعٍ، بِخِلَافِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَإِنَّ مَا يَثْبُتُ مِنْهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ظَنِّيَّةٌ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الرَّابِعَةُ؛ فَجَوَابُهَا أَنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا يُرَجَّحُ مِنْهَا.
وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ التَّرْجِيحِ مُطْلَقًا، فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَبِتَقْدِيرِ امْتِنَاعِ التَّخْيِيرِ، فَغَايَتُهُ امْتِنَاعُ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِمِثْلِ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِمَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ. стр. 331
[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ
الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ:
فَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ؛ كَالْقَاسَانِيِّ وَالرَّافِضَةِ وَابْنِ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ.
وَالْقَائِلُونَ بِثُبُوتِهِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَدِلَّةَ السَّمْعِ دَلَّتْ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ وُقُوعِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، فَأَثْبَتَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْقَفَّالُ وَابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ (١) مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ.
وَنَفَاهُ الْبَاقُونَ. وَفَصَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ بَيْنَ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَمَا لَا يَسْقُطُ بِهَا: فَمَنَعَ مِنْهُ فِي الْأَوَّلِ، وَجَوَّزَهُ فِي الثَّانِي.
فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِكَوْنِهِ حُجَّةً فَقَدِ احْتَجُّوا بِحُجَجٍ ضَعِيفَةٍ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
الْحُجَّةُ الْأُولَى: مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ وَهِيَ مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَهِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْعُقَلَاءُ يَعْلَمُونَ وُجُوبَ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمُوا وُجُوبَ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ عَلِمُوا عِلَّةَ وُجُوبِهِ، وَلَا عِلَّةَ لِذَلِكَ سِوَى أَنَّهُمْ ظَنُّوا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ تَفْصِيلَ جُمْلَةٍ مَعْلُومَةٍ بِالْعَقْلِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالْعَقْلِ وُجُوبُ التَّحَرُّزِ مِنَ الْمَضَارِّ وَحُسْنِ اجْتِلَابِ الْمَنَافِعِ.
فَإِذَا ظَنَنَّا صِدْقَ مَنْ أَخْبَرَنَا بِمَضَرَّةٍ يَلْزَمُنَا أَنْ لَا نَشْرَبَ الدَّوَاءَ الْفُلَانِيَّ، وَأَنْ لَا نَفْصِدَ، وَأَنْ لَا نَقُومَ مِنْ تَحْتِ حَائِطٍ مُسْتَهْدَمٍ، فَقَدْ ظَنَنَّا تَفْصِيلًا لِمَا عَلِمْنَاهُ جُمْلَةً مِنْ وُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَنِ الْمَضَارِّ.
وَبَيَانُ أَنَّ الْعِلَّةَ لِلْوُجُوبِ مَا ذَكَرَهُ دَوَرَانُهَا مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا، وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا فِي стр. 332
الْجُمْلَةِ وُجُوبَ الِانْقِيَادِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فِيمَا يُخْبِرُنَا بِهِ مِنْ مَصَالِحِنَا وَدَفْعِ الْمَضَارِّ عَنَّا.
فَإِذَا ظَنَنَّا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ دَعَانَا إِلَى الِانْقِيَادِ لَهُ فِي فِعْلٍ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ وَخِلَافُهُ مَضَرَّةٌ، فَقَدْ ظَنَنَّا تَفْصِيلَ مَا عَلِمْنَاهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا أَوَّلًا، فَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، بَلْ غَايَتُهُ إِذَا ظَنَنَّا صِدْقُهُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ.
وَكَوْنُ الْفِعْلِ أَوْلَى مِنَ التَّرْكِ أَمْرٌ أَعَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ لِشُمُولِهِ لِلْمَنْدُوبِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْوُجُوبُ (١) .
سَلَّمْنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِ وَاجِبٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عِلَّةَ الْوُجُوبِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الدَّوَرَانِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَدَارَ عِلَّةُ الدَّائِرِ (٢) لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْوُجُوبِ غَيْرَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ ظَنِّ تَفْصِيلِ جُمْلَةٍ مَعْلُومَةٍ بِالْعَقْلِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَعْنًا مُلَازِمًا لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ لَا نَفْسَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا فِي الشَّرْعِيَّاتِ بِجَوَازِ (٣) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّلَازُمُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ اتِّفَاقِيًّا.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ عِلَّةَ الْوُجُوبِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِلَّةً فِي الشَّرْعِيَّاتِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خُصُوصُ مَا ظُنَّ تَفْصِيلَ جُمْلَتِهِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ، وَتِلْكَ مُحَقَّقَةٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ (٤) .
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ بِجِهَةِ عُمُومِهِ، لَكِنْ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا: الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ.
غَيْرَ أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْوَصْفِ الْجَامِعِ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي стр. 333
الشَّرْعِيَّاتِ (١) .
سَلَّمْنَا عَدَمَ الِانْتِقَاضِ، لَكِنْ غَايَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ أَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِقِيَاسٍ ظَنِّيٍّ فِي إِفَادَةِ كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِي الشَّرْعِيَّاتِ مَعَ كَوْنِهِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّعَبُّدُ فِي إِثْبَاتِ مِثْلِ ذَلِكَ بِالطُّرُقِ الْيَقِينِيَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ (٢) .
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: صِدْقُ الْوَاحِدِ فِي خَبَرِهِ مُمْكِنٌ، فَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، لَكُنَّا تَارِكِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِ رَسُولِهِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الِاحْتِيَاطُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: صَدَقَ الرَّاوِي، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا وَرَاجِحًا، فَلِمَ قُلْتُمْ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَالِاحْتِيَاطِ (٣) بِالْأَخْذِ بِقَوْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ مُنَاسِبًا، وَلَكِنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا شَاهِدَ لَهُ سِوَى خَبَرِ التَّوَاتُرِ (٤) وَقَوْلِ الْوَاحِدِ فِي الْفَتْوَى وَالشَّهَادَةِ.
وَلَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِفَادَتِهِ لِلْوُجُوبِ إِفَادَةُ الْخَبَرِ الظَّنِّيِّ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الثَّانِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مَعْلُومَةٌ، وَهِيَ الْأَصْلُ.
وَغَايَةُ قَوْلِ الشَّاهِدِ وَالْمُفْتِي، إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ مُخَالَفَةُ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالنَّظَرِ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الشَّاهِدِ وَالْمُفْتِي مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالنَّظَرِ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُخَالِفِ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، بِالنَّظَرِ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْقِيَاسِ، فَغَايَتُهُ أَنَّهُ مُفِيدٌ لِظَنِّ الْإِلْحَاقِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إِثْبَاتِ الْأُصُولِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي стр. 334
الْحُجَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا (١) كَيْفَ وَأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ، إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ (٢) .
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ قَالُوا إِذَا وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ، وَلَمْ يَجْدِ الْمُفْتِي سِوَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ لَتَعَطَّلَتِ الْوَاقِعَةُ عَنْ حُكْمِ الشَّارِعِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: خُلُوُّ الْوَاقِعَةِ عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ مَعَ وُجُودِ دَلِيلِهِ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ؛ فَلَا (٣) .
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْفَرِ الْمُفْتِي فِي الْوَاقِعَةِ بِدَلِيلٍ وَلَا خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ خُلُوُّ الْوَاقِعَةِ عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَصِيرِ إِلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
وَعَلَى هَذَا فَامْتِنَاعُ خُلُوِّ الْوَاقِعَةِ عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الظَّفَرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً وَدَلِيلًا، وَكَوْنُهُ حُجَّةً يَتَوَقَّفُ عَلَى امْتِنَاعِ خُلُوِّ الْوَاقِعَةِ مَعَ وُجُودِهِ عَنِ الْحُكْمِ، وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ.
كَيْفَ وَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ خُلُوَّ الْوَاقِعَةِ عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ نَفْيُ ذَلِكَ الْحُكْمَ وَمُدْرَكُهُ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّ انْتِفَاءَ مَدَارِكِ الشَّرْعِ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ مُدْرَكٌ شَرْعِيٌّ لِنَفْيِ الْحُكْمِ. стр. 335
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَاجِبَ الْقَبُولِ، لَتَعَذَّرَ تَحْقِيقُ بَعْثَةِ الرَّسُولِ إِلَى كُلِّ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى تَعْرِيفِ أَهْلِ عَصْرِهِ إِلَّا بِالْمُشَافَهَةِ أَوِ الرُّسُلِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْمُشَافَهَةِ لِلْكُلِّ لِتَعَذُّرِهِ. وَالرِّسَالَةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي عَدَدِ التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ، وَالتَّوَاتُرُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ مُتَعَذَّرٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْوَاحِدِ مَقْبُولًا، لَمَا تَحَقَّقَ مَعْنَى التَّبْلِيغِ وَالرِّسَالَةِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فِيمَا أُرْسِلَ بِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ، أَنْ لَوْ كَانَ التَّبْلِيغُ إِلَى كُلِّ مَنْ فِي عَصْرِهِ وَاجِبًا، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ فِي عَصْرِهِ مُكَلَّفٌ بِمَا بُعِثَ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ إِنَّمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِالتَّبْلِيغِ إِلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى إِبْلَاغِهِ إِمَّا بِالْمُشَافَهَةِ أَوْ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ (١) .
وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ إِنَّمَا كُلِّفَ بِمَا أُرْسِلَ بِهِ الرَّسُولُ إِذَا عَلِمَهُ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ؛ فَلَا، وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ كَانَ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ فِي الْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَالْجَزَائِرِ الْمُنْقَطِعَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِعْلَامِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِتَبْلِيغِهِ، وَلَا ذَلِكَ الشَّخْصُ كَانَ مُكَلَّفًا بِمَا أُرْسِلُ بِهِ.
الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: قَالُوا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ مُخَالَفَةَ أَمْرِ الرَّسُولِ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ، فَإِذَا أَخْبَرَ الْوَاحِدُ بِذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ الْعَمَلُ بِالِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ وَالْمَرْجُوحِ مَعًا أَوْ تَرْكِهِمَا مَعًا، أَوِ الْعَمَلُ بِالْمَرْجُوحِ دُونَ الرَّاجِحِ، أَوْ بِالْعَكْسِ بِالِاحْتِمَالِ لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الرَّابِعِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا الْمَانِعُ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَجِبُ تَرْكُهُ، بَلْ هُوَ جَائِزُ التَّرْكِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مُخَالَفَةَ أَمْرِ الرَّسُولِ مُوجِبَةٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ مُسَلَّمٌ فِيمَا عُلِمَ стр. 336
فِيهِ أَمْرُ الرَّسُولِ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ (١) فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
هَذَا مَا قِيلَ مِنَ الْحُجَجِ الْعَقْلِيَّةِ.
وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنَ الْحُجَجِ النَّقْلِيَّةِ الْوَاهِيَةِ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْإِنْذَارَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ فِرْقَةٍ خَرَجَتْ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إِلَى قَوْمِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٢) أَمَرَ بِالْإِنْذَارِ، وَالْإِنْذَارُ هُوَ الْإِخْبَارُ (٣) وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِنْذَارِ طَلَبًا لِلْحَذَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ وَ (لَعَلَّ) ظَاهِرَةٌ فِي التَّرَجِّي (٤) وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مُلَازِمٌ لِلتَّرَجِّي، وَهُوَ الطَّلَبُ، فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ طَلَبًا لِلتَّحْذِيرِ، فَكَانَ أَمْرًا بِالتَّحْذِيرِ فَكَانَ الْحَذَرُ وَاجِبًا.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ إِخْبَارَ كُلِّ طَائِفَةٍ مُوجِبٌ لِلْحَذَرِ، فَالْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ " الطَّائِفَةِ " إِنَّمَا هُوَ الْعَدَدُ الَّذِي لَا يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ. وَبَيَانُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ الطَّائِفَةِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى عَدَدٍ لَا يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، كَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَعَلَى الْعَدَدِ الْمُنْتَهِي إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَيَجِبُ اعْتِقَادُ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى؛ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ.
وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ وَمَا لَازَمَهُ، فَكَانَ هُوَ الْمُسَمَّى. стр. 337
الثَّانِي: أَنَّ الثَّلَاثَةَ فِرْقَةٌ، فَالطَّائِفَةُ الْخَارِجَةُ مِنْهَا إِمَّا وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ " الطَّائِفَةِ " الَّتِي وَجَبَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ لِلتَّفَقُّهِ وَالْإِنْذَارِ الْعَدَدَ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، أَوْ مَا دُونَهُ لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ وَأَهْلِ بَلْدَةٍ، إِذَا كَانَ مَا دُونَهُمْ لَا يَنْتَهُونَ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، أَنْ يَخْرُجُوا بِأَجْمَعِهِمْ لِلتَّفَقُّهِ وَالْإِنْذَارِ، وَذَلِكَ لَا قَائِلَ بِهِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ، وَلَا فِي عَصْرِ مَنْ بَعْدَهُ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الثَّانِي.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ إِخْبَارَ الْعَدَدِ الَّذِي لَا يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي غَيْرِهَا؛ ضَرُورَةَ أَنْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْإِنْذَارَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ.
وَصِيغَةُ قَوْلِهِ: (لِيُنْذِرُوا) لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لِلْأَمْرِ (١) .
وَإِنْ كَانَتْ لِلْأَمْرِ فَلَا نُسَلِّمُ لِلْوُجُوبِ عَلَى مَا يَأْتِي (٢) .
سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلْوُجُوبِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِنْذَارَ هُوَ الْإِخْبَارُ، بَلْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ التَّخْوِيفَ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ، بِنَاءً عَلَى الْعِلْمِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ. وَالتَّخْوِيفُ خَارِجٌ عَنِ الْإِخْبَارِ (٣) . стр. 338
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِخْبَارُ، وَلَكِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْفَتْوَى فِي الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ (١) وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الرَّسُولِ بِمَا سُمِعَ عَنْهُ وَمِنْهُ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ إِيجَابِ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ إِيجَابُ الْحَذَرِ عَلَى مَنْ أَخْبَرَ (٢) .
قَوْلُكُمْ يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَعَلَّ) عَلَى طَلَبِ الْحَذِرِ لِكَوْنِهِ مُلَازِمًا لِلتَّرَجِّي.
قُلْنَا: الطَّلَبُ الْمُلَازِمُ لِلتَّرَجِّي الطَّلَبُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى مَيْلِ النَّفْسِ أَوْ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحَذَرُ مَأْمُورًا بِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا (٣) .
وَمَعَ تَطَرُّقِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِي خَارِجٍ عَنْ بَابِ الظُّنُونِ فِيمَا هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُصُولِ، وَالْخَصْمُ مَانِعٌ لِصِحَّتِهِ (٤) .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ التَّثَبُّتِ عَلَى خَبَرِ الْفَاسِقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ بِخِلَافِهِ، وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْجَزْمِ بِرَدِّهِ أَوْ بِقَبُولِهِ، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ الْأَوَّلُ، وَإِلَّا كَانَ خَبَرُ الْعَدْلِ أَنْزَلَ دَرَجَةً مِنْ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ مُحَالٌ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الثَّانِي: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ سَاعِيًا إِلَى قَوْمٍ، فَعَادَ وَأَخْبَرَ стр. 339
النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ الَّذِينَ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ قَدِ ارْتَدُّوا، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ فَأَجْمَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى غَزْوِهِمْ وَقَتْلِهِمْ» .
وَذَلِكَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ: وَكَانَ النَّبِيُّ قَدْ أَرَادَ الْعَمَلَ فِيهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَمَا أَرَادَهُ وَلَأَنْكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ أَيْضًا ضَعِيفَةٌ؛ أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَسَنُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، (١) ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً، لَكِنَّهُ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي بَابِ الْأُصُولِ (٢) .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّبِيَّ أَجْمَعَ عَلَى قَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ بِخَبَرِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ بِالتَّثَبُّتِ فِي أَمْرِهِمْ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهُمْ لَيْلًا فَبَعَثَ عُيُونَهُ، فَعَادُوا إِلَيْهِ وَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَذَانَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ فَلَمَّا أَصْبَحُوا، أَتَاهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَرَأَى مَا يُعْجِبُهُ مِنْهُمْ، فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ» .
الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ سَبَبِ النُّزُولِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْأُصُولِ (٣) .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَوَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُخْبِرَ بِخَبَرٍ لَنَا عَنِ الرَّسُولِ شَاهِدٌ عَلَى النَّاسِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ شَاهِدًا عَلَى النَّاسِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولِ الْقَوْلِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْآيَةُ خِطَابٌ مَعَ الْأُمَّةِ لَا مَعَ الْآحَادِ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الْآيَةَ.
وَوَجْهُ الْحُجَّةِ بِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَعَّدَ عَلَى كِتْمَانِ الْهُدَى، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِيجَابِ إِظْهَارِ الْهُدَى، وَمَا يَسْمَعُهُ الْوَاحِدُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مِنَ الْهُدَى، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِظْهَارُهُ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا قَبُولُهُ، لَكَانَ الْإِظْهَارُ كَعَدَمِهِ، فَلَا يَجِبُ. стр. 340
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الْعَدَدَ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا دُونَ ذَلِكَ (١) .
وَبِتَقْدِيرِ إِرَادَةِ مَا دُونَ ذَلِكَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَا أَنْزَلَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى الْكِتَابَ الْعَزِيزَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (٢) وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّ مَا أُنْزِلَ عَلَى الرَّسُولِ حَتَّى السُّنَّةِ، فَغَايَةُ التَّهْدِيدِ عَلَى كِتْمَانِ ذَلِكَ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ إِظْهَارِ مَا سُمِعَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ.
وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِهِ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ عَلَى لِسَانِ الْآحَادِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ بِمُقْتَضَى الْآيَةِ يَجِبُ عَلَى الْفَاسِقِ إِظْهَارُ مَا سَمِعَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَى سَامِعِهِ قَبُولُهُ (٣) .
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْإِظْهَارِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ، حَتَّى يَتَأَلَّفَ مِنْ خَبَرِ الْمَجْمُوعِ التَّوَاتُرُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ (٤) .
وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَدَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ظَنِّيَّةٌ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً فِي الْأُصُولِ لِمَا سَبَقَ (٥) .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَمْرٌ بِسُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ؛ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ.
وَسُؤَالُ الْمُجْتَهِدِ لِغَيْرِهِ стр. 341
مُنْحَصِرٌ فِي طَلَبِ الْإِخْبَارِ بِمَا سَمِعَهُ دُونَ الْفَتْوَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقَبُولُ وَاجِبًا، لَمَا كَانَ السُّؤَالُ وَاجِبًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ: " فَاسْأَلُوا " صِيغَةُ أَمْرٍ (١) ، وَإِنْ كَانَتْ أَمْرًا، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لِلْوُجُوبِ، كَمَا يَأْتِي.
وَإِنْ كَانَتْ لِلْوُجُوبِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ الْفَتْوَى (٢) .
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ السُّؤَالَ عَنِ الْخَبَرِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السُّؤَالِ الْعِلْمَ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ (٣) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ السُّؤَالَ عِنْدَ عَدَمِ الْعِلْمِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَطْلُوبُ حُصُولَ الْعِلْمِ بِالسُّؤَالِ، لَكَانَ السُّؤَالُ وَاجِبًا بَعْدَ حُصُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ (٤) ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ غَيْرَ الظَّنِّ.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرٍ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِهِ مَعَ وُجُوبِ السُّؤَالِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ إِنَّمَا هُوَ حُصُولُ الْعِلْمِ مِنَ السُّؤَالِ، فَذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ، لَا بِمَا دُونَهُ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ السُّؤَالَ وَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَاجِبًا، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحُجَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (٥) . стр. 342
وَبِتَقْدِيرِ دَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْقَبُولِ، لَكِنَّهَا دَلَالَةٌ ظَنِّيَّةٌ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا فِي الْأُصُولِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ أَمَرَ بِالْقِيَامِ بِالْقِسْطِ وَالشَّهَادَةِ لِلَّهِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
وَمَنْ أَخْبَرَ عَنِ الرَّسُولِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ، فَقَدْ قَامَ بِالْقِسْطِ وَشَهِدَ لِلَّهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا إِنْ لَوْ كَانَ الْقَبُولُ وَاجِبًا، وَإِلَّا كَانَ وُجُودُ الشَّهَادَةِ كَعَدَمِهَا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا أُسَلِّمُ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ بِالْقِسْطِ وَالشَّهَادَةِ لِلَّهِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَإِنْ سَلَّمْنَا دَلَالَتَهَا عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ وَالْقِيَامَ بِالْقِسْطِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فَلَا يَكُونُ قِيَامًا بِالْقِسْطِ وَلَا شَهَادَةً لِلَّهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِالْآيَةِ فِي وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ.
عَلَى أَنَّهُ قَامَ بِالْقِسْطِ وَأَنَّهُ شَاهِدٌ لِلَّهِ، وَقِيَامُهُ بِالْقِسْطِ وَشَهَادَتُهُ لِلَّهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى قَبُولِ خَبَرِهِ وَجَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ شَهِدَ لِلَّهِ وَقَامَ بِالْقِسْطِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ وَاجِبُ الْقَبُولِ؛ وَدَلِيلُهُ مَا سَبَقَ، وَبِتَقْدِيرِ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ الْقَبُولِ، وَلَكِنْ لِجِهَةِ الظَّنِّ فَلَا يَصِحُّ (١) .
وَمِنْهَا مَا اشْتُهِرَ وَاسْتَفَاضَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُنْفِذُ آحَادَ الصَّحَابَةِ إِلَى النَّوَاحِي وَالْقَبَائِلِ وَالْبِلَادِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ، وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَقَبْضِ الزَّكَوَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مَعَ عِلْمِنَا بِتَكْلِيفِ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ لِقَبُولِ قَوْلِ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ، وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى مَا يَقُولُ مَعَ كَوْنِ الْمُنَفِّذِ مِنَ الْآحَادِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةً لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. стр. 343
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ سَلَّمْنَا تَنْفِيذَ الْآحَادِ بِطَرِيقِ الرِّسَالَةِ وَالْقَضَاءِ وَأَخْذِ الزَّكَوَاتِ وَالْفَتْوَى وَتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ، فَلَا نُسَلِّمُ وُقُوعَ تَنْفِيذِ الْآحَادِ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي هِيَ مَدَارِكُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِيَجْتَهِدُوا فِيهَا (١) وَذَلِكَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
سَلَّمْنَا صِحَّةَ التَّنْفِيذِ بِالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَعْرِيفِهِمْ إِيَّاهَا، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ حُجَّةً، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَائِدَةِ حُصُولِ الْعِلْمِ لِلْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ بِمَا تَوَاتَرَ بِضَمِّ خَبَرٍ غَيْرِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ إِلَيْهِ (٢) .
وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ، فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ سُؤَالَانِ آخَرَانِ لَا وَجْهَ لَهُمَا:
الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا أَنَّهُ كَانَ يُنْفِذُ الْآحَادَ لِتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ، كَانَ يُنْفِذُهُمْ لِتَعْرِيفِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْرِيفِ الرِّسَالَةِ.
فَلَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِي الْإِخْبَارِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، لَكَانَ حُجَّةً فِي تَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ (٣) .
الثَّانِي: أَنَّ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ تَنْفِيذُ الْآحَادِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ كَانَتْ مَعْلُومَةً لِلْمَبْعُوثِ لَهُمْ قَبْلَ إِرْسَالِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ بِهَا، كَمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَهَلْ إِرْسَالُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ إِلَيْهِمْ عَلَى أَصْلِكُمْ. стр. 344
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ إِنْفَاذَ الْآحَادِ لِتَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ الْقَبُولِ، لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ وَاجِبَ الْقَبُولِ مِنْ جِهَةِ مَا يُخْبِرُهُمْ بِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَيُعَرِّفُهُمْ مِنَ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِحَّتِهَا عُقُولُهُمْ (١) وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ، لَمَا احْتِيجَ إِلَى إِرْسَالِهِ لِتَعْرِيفِهِمْ لِمَا قَدْ عَرَفُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، كَيْفَ وَإِنَّ تَعْرِيفَ الْمَعْلُومِ بِالْخَبَرِ الْمَظْنُونِ مُحَالٌ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا عُلِمَ كَوْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِمَّا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّ تَنْفِيذَ الْوَاحِدِ لَا يُعْرَفُ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ بَلْ إِنَّمَا يُعْرَفُ الْمُخْبَرُ بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا قَبْلَ خَبَرِهِ، فَكَانَ تَنْفِيذُهُ لِتَعْرِيفِ ذَلِكَ مُفِيدًا.
وَالْأَقْرَبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا هُوَ التَّمَسُّكُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْوَقَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْعَدِّ وَالْحَصْرِ، الْمُتَّفِقَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، أَنَّهُ عَمِلَ بِخَبَرِ الْمُغِيرَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، «أَنَّ النَّبِيَّ أَطْعَمَهَا السُّدُسَ» ، فَجَعَلَ لَهَا السُّدُسَ.
وَمِنْ ذَلِكَ عَمِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : " «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» " وَعَمِلَ أَيْضًا بِخَبَرِ حَمْلِ ابْنِ مَالِكٍ فِي الْجَنِينِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «كُنْتُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي (يَعْنِي ضَرَّتَيْنِ) فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ» ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ بِهَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كِدْنَا نَقْضِي فِيهِ بِرَأْيِنَا.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى تَوْرِيثَ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَأَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ» . стр. 345
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى فِي الْأَصَابِعِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَيُفَاضِلُ بَيْنَهَا فَيَجْعَلُ فِي الْخِنْصَرِ سِتَّةً، وَفِي الْبِنْصِرِ تِسْعَةً، وَفِي الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ عَشَرَةً، وَفِي الْإِبْهَامِ خَمْسَةَ عَشْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى خَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ «فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشَرَةٌ» .
وَمِنْ ذَلِكَ عَمِلَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵄ بِخَبَرِ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ فِي اعْتِدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي مَنْزِلِ زَوْجِهَا، وَهُوَ أَنَّهَا قَالَتْ: «جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِي أَسْتَأْذِنُهُ فِي مَوْضِعِ الْعِدَّةِ، فَقَالَ ﷺ امْكُثِي حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُكِ» .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا اشْتُهِرَ مِنْ عَمَلِ عَلِيٍّ ﵇ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَقَوْلُهُ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ حَلَّفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ صَدَّقْتُهُ (١) .
وَمِنْ ذَلِكَ عَمِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي الرِّبَا فِي النَّقْدِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَحْكُمُ بِالرِّبَا فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ عَمِلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِخَبَرِ امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّ الْحَائِضَ تَنْفِرُ بِلَا وَدَاعٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخِ التَّمْرِ إِذْ أَتَانَا آتٍ فَقَالَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ» ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ.
وَمِنْ ذَلِكَ عَمِلَ أَهْلُ قُبَاءٍ فِي التَّحَوُّلِ مِنَ الْقِبْلَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ نُسِخَتْ، فَالْتَفَتُوا إِلَى الْكَعْبَةِ بِخَبَرِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ.
أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ثُمَّ ذَكَرَ مُوسَى وَالْخَضِرَ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ صَاحِبُ الْخَضِرِ، فَعَمِلَ بِخَبَرِ أُبَيٍّ حَتَّى كَذَّبَ الرَّجُلَ وَسَمَّاهُ عَدُوَّ اللَّهِ. стр. 346
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا «بَاعَ مُعَاوِيَةُ شَيْئًا مِنْ أَوَانِي ذَهَبٍ وَوَرَقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ» ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ، أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ، لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَبَدًا.
وَمِنْ ذَلِكَ عَمِلَ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مِنْ قَوْلِهِ: " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» "، وَمِنْ قَوْلِهِ: " «الْأَنْبِيَاءُ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ» "، وَمِنْ قَوْلِهِ: " «نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» ".
وَعَمَلُهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ فِي الرُّجُوعِ عَنْ سُقُوطِ فَرْضِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: «فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاغْتَسَلْنَا» .
وَعَمِلَ جَمِيعُهُمْ بِخَبَرِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْمُخَابَرَةِ، وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَّةً لَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى رَوَى لَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ» فَانْتَهَيْنَا (١) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي لَا تُحْصَى عَدَدًا، وَكَانَ ذَلِكَ شَائِعًا ذَائِعًا فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَعَلَى هَذَا جَرَتَ سُنَّةُ التَّابِعِينَ، كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَطَاوُسٍ وَعَطَاءِ بْنِ مُجَاهِدٍ (٢) وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَفُقَهَاءِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمِصْرَيْنِ (يَعْنِي الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ) إِلَى حِينِ ظُهُورِ الْمُخَالِفِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةَ أَخْبَارِ آحَادٍ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهَا حُجَّةً، وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ. стр. 347
سَلَّمْنَا عَدَمَ الدَّوْرَ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلُوا بِهَا، بَلْ مِنَ الْجَائِزِ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِنُصُوصٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ بِهَا مَعَ مَا اقْتُرِنَ بِهَا مِنَ الْمَقَايِيسِ، أَوْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِهَا لَا غَيْرَ، لَكِنْ كُلُّ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضُهُمْ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَلَا سَبِيلَ إِلَى الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ.
قَوْلُكُمْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ نَكِيرٌ، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا رَدُّ أَبِي بَكْرٍ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ حَتَّى انْضَمَّ إِلَيْهِ خَبَرُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ.
وَمِنْهَا رَدُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ خَبَرَ عُثْمَانَ فِي إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَدِّ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ.
وَمِنْهَا رَدُّ عُمَرَ خَبَرَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ عَلَى صَاحِبِهِ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَنْصَرِفْ» " حَتَّى رَوَى مَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ.
وَمِنْهَا رَدُّ عَلِيٍّ ﵁ خَبَرَ أَبِي سِنَانٍ الْأَشْجَعِيِّ فِي الْمُفَوَّضَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ أَحَدٍ حَتَّى يُحَلِّفَهُ، سِوَى أَبِي بَكْرٍ.
وَمِنْهَا رَدُّ عَائِشَةَ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ.
سَلَّمْنَا عَدَمَ الرَّدِّ وَالْإِنْكَارِ ظَاهِرًا، غَيْرَ أَنَّ سُكُوتَ الْبَاقِينَ عَنِ الْإِنْكَارِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لِمَا سَبَقَ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ فِيمَا تَلَقَّوْهُ (١) بِالْقَبُولِ، وَعَمِلُوا بِمُوجِبِهِ، أَوْ مُطْلَقًا فِي كُلِّ خَبَرٍ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ قَطْعًا، نَفْيًا لِلْخَطَأِ عَنِ الْإِجْمَاعِ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.
وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِدْلَالُ بِكُلِّ خَبَرٍ لَمْ يَقْبَلُوهُ. стр. 348
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً، لَكِنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، أَمَّا الْمَنْقُولُ، فَمِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَمَلٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَبِالظَّنِّ، فَكَانَ مُمْتَنِعًا (١) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ حِينَ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اثْنَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ( «أَقْصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ» ) حَتَّى أَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَنْ كَانَ فِي الصَّفِّ بِصِدْقِهِ، فَأَتَمَّ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إِذَا ظُنَّ صِدْقُهُ فِي الْفُرُوعِ، لَجَازَ ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ وَالْأُصُولِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ (٢) .
الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْعِبَادَاتِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ، وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ كَوْنِهِ مَظْنُونًا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ خَبَرٍ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ خَبَرٌ آخَرُ مُقَابِلٌ لَهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ تَقْلِيدٌ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهَا آحَادًا، فَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ، كَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِسَخَاءِ حَاتِمٍ وَشَجَاعَةِ عَنْتَرَةَ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَوْ عَمِلُوا بِغَيْرِ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ، لَكَانَتِ الْعَادَةُ تُحِيلُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى عَدَمِ نَقْلِهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي مَوْضِعِ الْإِشْكَالِ وَظُهُورِ اسْتِنَادِهِمْ فِي الْعَمَلِ إِلَى مَا ظَهَرَ стр. 349
مِنَ الْأَخْبَارِ.
كَيْفَ وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ عُمَرُ: (لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ( «حَتَّى رَوَى لَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَانْتَهَيْنَا» ) وَكَذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مِنْ رُجُوعِهِمْ إِلَى خَبَرِ عَائِشَةَ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَجِدُّهُمْ فِي طَلَبِ الْأَخْبَارِ وَالسُّؤَالُ عَنْهَا عِنْدَ وُقُوعِ الْوَقَائِعِ دَلِيلُ الْعَمَلِ بِهَا.
وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ عَمَلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، بَلِ الْأَكْثَرِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ مَعَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ عَنِ النَّكِيرِ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ.
وَمَا رَوَوْهُ (١) مِنَ الْأَخْبَارِ أَوْ تَوَقَّفُوا فِيهِ إِنَّمَا كَانَ لِأُمُورٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ مِنْ وُجُودِ مُعَارِضٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ، لَا لِعَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي جِنْسِهَا، مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا.
وَلِهَذَا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ ظَوَاهِرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حُجَّةٌ، وَإِنْ جَازَ تَرْكُهَا وَالتَّوَقُّفُ فِيهَا لِأُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْهَا.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إِنَّمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ، أَنْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُتَعَبِّدِينَ بِاتِّبَاعِ الظَّنِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ تَعَبُّدِهِمْ بِاتِّبَاعِ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا يَأْتِي.
وَإِذَا كَانَ اتِّبَاعُهُمْ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا مَضْبُوطًا بِالْعَدَالَةِ، كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ حُجَّةً مَعْمُولًا بِهَا؛ ضَرُورَةً بِالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَذَلِكَ يَعُمُّ خَبَرَ كُلِّ عَدْلٍ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ بِالْآيَاتِ فَجَوَابُهَا مَا سَبَقَ فِي بَيَانِ جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا.
وَعَنِ السُّنَّةِ، أَنَّهُ ﵇ إِنَّمَا تَوَقَّفَ فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ لِتَوَهُّمِهِ غَلَطَهُ لِبُعْدِ انْفِرَادِهِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ دُونَ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ.
وَمَعَ ظُهُورِ أَمَارَةِ الْوَهْمِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ (٢) فَحَيْثُ وَافَقَهُ الْبَاقُونَ عَلَى ذَلِكَ، ارْتَفَعَ حُكْمُ الْأَمَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَهْمِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَعَمِلَ بِمُوجِبِ خَبَرِهِ.
كَيْفَ وَإِنَّ стр. 350
عَمَلَ النَّبِيِّ ﷺ بِخَبَرِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا، مَعَ خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ عَمَلٌ بِخَبَرٍ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ النِّزَاعِ، وَفِي تَسْلِيمِهِ تَسْلِيمُ الْمَطْلُوبِ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَعْقُولِ أَنَّهَا مُنْتَقِضَةٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْفَتْوَى وَالشَّهَادَةِ.
كَيْفَ وَالْفَرْقُ حَاصِلٌ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِي إِثْبَاتِ الرِّسَالَةِ وَالْأُصُولِ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ، فَلَمْ يَكُنِ الدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ مُعْتَبَرًا فِيهَا، بِخِلَافِ الْفُرُوعِ (١) .
وَعَنِ الثَّانِيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا بَعْدَ الْوُجُودِ وَالتَّكْلِيفِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. بَلِ الشُّغْلُ مُحْتَمِلٌ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا سَبَبُ الشُّغْلِ، فَمُخَالَفَةُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ رَفْعَ مَقْطُوعٍ بِمَظْنُونٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالشَّهَادَةِ وَالْفَتْوَى.
وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ تَجْوِيزَ وُجُودِ خَبَرٍ مُعَارِضٍ لِلْخَبَرِ الَّذِي ظَهَرَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَإِلَّا لَمَا سَاغَ التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ مِنْ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَّا وَيَجُوزُ وُرُودُ نَاسِخٍ لَهُ أَوْ مُخَصَّصٍ لَهُ، بَلْ وَلَمَا جَازَ التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ مُسْتَنْبَطٍ مُعَارِضٍ لَهُ (٢) ، وَلَمَا سَاغَ أَيْضًا لِلْقَاضِي الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ، وَلَا لِلْعَامِّيِّ الْأَخْذُ بِفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ لَهُ، لِجَوَازِ وُجُودِ مَا يُعَارِضُهُ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ تَقْلِيدُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ مَعَ الرَّاوِي، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَسْتَوِيَا فِي مَعْرِفَةِ مَا اسْتَبَدَّ بِمَعْرِفَتِهِ الرَّاوِي مِنَ الْخَبَرِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ فِيمَا رَوَاهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاحْتِجَاجُ بِمَسْلَكِ الْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَسَالِكِ الظُّنُونِ وَإِنْ كَانَ التَّمَسُّكُ بِهِ أَقْرَبَ مِمَّا سَبَقَ مِنَ الْمَسَالِكِ. стр. 351
وَعَلَى هَذَا فَمَنِ اعْتَقَدَ كَوْنَ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً، فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ لِعَدَمِ مُسَاعَدَةِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى ذَلِكَ.
وَمَنِ اعْتَقَدَ كَوْنَهَا ظَنِّيَّةً فَلْيَتَمَسَّكْ بِمَا شَاءَ مِنَ الْمَسَالِكِ الْمُتَقَدِّمَةِ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ) (١) .
[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي شَرَائِطِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مُكَلَّفًا]
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي شَرَائِطِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَمَا يَتَشَعَّبُ عَنْهَا مِنَ الْمَسَائِلِ، أَمَّا الشُّرُوطُ فَمِنْهَا مَا لَا بُدَّ مِنْهَا، وَمِنْهَا مَا ظُنَّ أَنَّهَا شُرُوطٌ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ.
أَمَّا الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مُكَلَّفًا (٢) .
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ لَا يَكُونُ مُكَلَّفًا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الضَّبْطِ وَالِاحْتِرَازِ فِيمَا يَتَحَمَّلُهُ وَيُؤَدِّيهِ، كَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ (٣) لِتَمَكُّنِ الْخَلَلِ فِيهَا.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الضَّبْطِ وَالْمَعْرِفَةِ، كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْمُرَاهِقِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبُلُوغِ سِوَى الزَّمَانِ الْيَسِيرِ، فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ (٤) لَا لِعَدَمِ ضَبْطِهِ، فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ، وَلَا لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالْعَبْدِ وَبِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَرِوَايَتُهُ مَقْبُولَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى عَدَمِ قَبُولِ رِوَايَةِ الْفَاسِقِ، لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَخَافُ اللَّهَ (تَعَالَى) لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا فَاحْتِمَالُ الْكَذِبِ مِنَ الصَّبِيِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ يَكُونُ أَظْهَرَ стр. 352
مِنِ احْتِمَالِ الْكَذِبِ فِي حَقِّ الْفَاسِقِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالرَّدِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي إِخْبَارِهِ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ، حَتَّى إِنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّ الظَّنَّ بِكَوْنِهِ مُتَطَهِّرًا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَقَبُولِ (١) رِوَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ وَالتَّحَفُّظَ فِي الرِّوَايَةِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِالْفَاسِقِ عِنْدَ ظَنِّ طَهَارَتِهِ، وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَإِنْ ظُنَّ صِدْقُهُ.
وَمَنْ قَالَ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِنَايَاتِ (٢) فَإِنَّمَا كَانَ اعْتِمَادُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْجِنَايَاتِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِمَّا تَكْثُرُ، وَأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ، وَهِيَ شَهَادَتُهُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ جَارِيًا عَلَى مِنْهَاجِ الشَّهَادَةِ وَلَا الرِّوَايَةِ (٣) .
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا تَحَمَّلَ الرِّوَايَةَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَكَانَ ضَابِطًا لَهَا، وَأَدَّاهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَظُهُورِ رُشْدِهِ فِي دِينِهِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ مَقْبُولَةً؛ لِأَنَّهُ لَا خَلَلَ فِي تَحَمُّلِهِ وَلَا فِي أَدَائِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى قَبُولِ رِوَايَتِهِ الْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا تَحَمَّلُوهُ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ.
الثَّانِي: إِجْمَاعُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى مَجَالِسِ الْحَدِيثِ وَقَبُولِ رِوَايَتِهِمْ لِمَا تَحَمَّلُوهُ فِي حَالَةِ الصِّبَا بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ، فَهُوَ أَنَّ التَّحَرُّزَ فِي أَمْرِ الشَّهَادَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الرِّوَايَةِ، وَلِهَذَا اخْتُلِفَ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَبْدِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى رَدِّهَا.
وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْعَبْدِ، وَاعْتُبِرَ الْعَدَدُ فِي الشَّهَادَةِ (٤) بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِهِ فِي الرِّوَايَةِ.
وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ مَا تَحَمَّلَهُ الصَّبِيُّ مِنَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، إِذَا شَهِدَ بِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، فَالرِّوَايَةُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ. стр. 353
[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا]
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُنْتَمِيًا إِلَى الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، كَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ (وَنَحْوِهِ) أَوْ هُوَ مُنْتَمٍ إِلَيْهَا كَالْمُجَسَّمِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ قَبُولِ رِوَايَتِهِ، لَا لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْكُفْرَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ، وَالْفَاسِقُ غَيْرُ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ فَالْكَافِرُ أَوْلَى.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَاسِقَ إِنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ لِمَا عُلِمَ مِنْ جُرْأَتِهِ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، إِذَا كَانَ مُتَرَهِّبًا عَدْلًا فِي دِينِهِ مُعْتَقِدًا لِتَحْرِيمِ الْكَذِبِ، مُمْتَنِعًا مِنْهُ حَسَبَ امْتِنَاعِ الْعَدْلِ الْمُسْلِمِ.
وَإِنَّمَا الِاعْتِمَادُ فِي امْتِنَاعِ قَبُولِ رِوَايَتِهِ عَلَى إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى رَدِّهَا سَلْبًا لِأَهْلِيَّةِ هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ عَنْهُ لِخِسَّتِهِ (١) .
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَمَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْغَزَالِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، (٢) ، أَنَّهُ مَرْدُودُ الرِّوَايَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّنِ اشْتُهِرَ بِالْكَذِبِ وَالتَّدَيُّنِ بِهِ لِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِصِدْقِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَحَرِّجًا فِي مَذْهَبِهِ مُتَحَرِّزًا عَنِ الْكَذِبِ حَسَبَ احْتِرَازِ الْعَدْلِ عَنْهُ، فَهُوَ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ صِدْقَهُ ظَاهِرٌ مَظْنُونٌ.
وَالْمُخْتَارُ رَدُّهُ لَا لِمَا قِيلَ مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى رَدِّهِ، وَلَا لِقِيَاسِهِ عَلَى الْكَافِرِ الْخَارِجِ عَنِ الْمِلَّةِ بِوَاسِطَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْكُفْرِ الْمُنَاسِبِ لِسَلْبِ أَهْلِيَّةِ هَذَا الْمَنْصِبِ عَنْهُ، إِذْلَالًا لَهُ. стр. 354
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ لِلْخَصْمِ مَنْعَ اتِّفَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ الْكَافِرِ مُطْلَقًا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْكَافِرِ الْخَارِجِ عَنِ الْمِلَّةِ مُتَعَذَّرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُفْرَهُ أَشَدُّ وَأَغْلَظُ وَأَظْهَرُ مِنْ كُفْرِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، لِكَثْرَةِ مُخَالَفَتِهِ لِلْقَاعِدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أُصُولًا وَفُرُوعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُخَالَفَةِ الْمُتَأَوَّلِ لَهَا.
فَكَانَ إِذْلَالُهُ بِسَلْبِ هَذَا الْمَنْصِبِ عَنْهُ أَوْلَى، وَمَعَ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةِ، فَلَا قِيَاسَ.
بَلِ الْوَاجِبُ الِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ أَمْرٌ بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ إِخْبَارِ الْفَاسِقِ، وَالْكَافِرُ فَاسِقٌ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْفِسْقِ.
وَإِذَا كَانَ فَاسِقًا، فَالْآيَةُ إِنْ كَانَتْ عَامَّةً بِلَفْظِهَا فِي كُلِّ فَاسِقٍ، فَالْكَافِرُ دَاخِلٌ تَحْتَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَامَّةً بِلَفْظِهَا فِي كُلِّ فَاسِقٍ، فَهِيَ عَامَّةٌ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى الْمُومَى إِلَيْهِ، وَهُوَ الْفِسْقُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رَتَّبَ رَدَّ الْخَبَرِ عَلَى كَوْنِ الْآتِي بِهِ فَاسِقًا مُطْلَقًا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مَعَ مُنَاسَبَتِهِ لَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ عِلَّةً لِلرَّدِّ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْأَخْبَارِ إِنَّمَا هُوَ مُسَمَّى الْفَاسِقِ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ خَاصٌّ بِمَنْ هُوَ مُسْلِمٌ صَدَرَتْ مِنْهُ كَبِيرَةٌ، أَوْ وَاظَبَ عَلَى صَغِيرَةٍ فَلَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِلْكَافِرِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا تَنَاوُلَهُ لِلْكَافِرِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﷺ " نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ " وَالْكَافِرُ الْمُتَأَوِّلُ إِذَا كَانَ مُتَحَرِّزًا عَنِ الْكَذِبِ فَقَدْ ظَهَرَ صِدْقُهُ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لِلْخَبَرِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ بِمَنْعِ اخْتِصَاصِ اسْمِ الْفَاسِقِ فِي الشَّرْعِ بِالْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عُرْفًا لِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَكَلَامُ الشَّارِعِ إِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى عُرْفِهِ، لَا عَلَى مَا صَارَ عُرْفًا لِلْفُقَهَاءِ.
كَيْفَ وَإِنَّ حَمْلَ الْآيَةِ عَلَى الْفَاسِقِ الْمُسْلِمِ مِمَّا يُوهِمُ قَبُولَ خَبَرِ الْفَاسِقِ الْكَافِرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، نَظَرًا إِلَى قَضِيَّةِ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى مَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ دَلِيلٍ، أَوْ مَا اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، لِتَوَاتُرِهِ وَخُصُوصِهِ بِالْفَاسِقِ، مُتَّفَقٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ آحَادٌ، وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْكَافِرِ
стр. 355
بِعُمُومِ كَوْنِ خَبَرِهِ ظَاهِرًا، أَوْ هُوَ مُخَالِفٌ لِخَبَرِ الْكَافِرِ الْخَارِجِ عَنِ الْمِلَّةِ، وَالْفَاسِقُ إِذَا ظُنَّ صِدْقُهُ فَإِنَّ خَبَرَهُ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا بِالْإِجْمَاعِ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ضَبْطُهُ لِمَا يَسْمَعُهُ أَرْجَحَ مِنْ عَدَمِ ضَبْطِهِ]
ِ، وَذِكْرُهُ لَهُ أَرْجَحَ مِنْ سَهْوِهِ، لِحُصُولِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ فِيمَا يَرْوِيهِ.
وَإِلَّا، فَبِتَقْدِيرِ رُجْحَانٍ مُقَابِلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ أَوْ مُعَادَلَتِهِ لَهُ فَرِوَايَتُهُ لَا تَكُونُ مَقْبُولَةً لِعَدَمِ حُصُولِ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ، إِمَّا عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ فَلِكَوْنِ صِدْقِهِ مَرْجُوحًا، وَإِمَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْآخَرِ فَلِضَرُورَةِ التَّسَاوِي.
وَإِنْ جُهِلَ حَالُ الرَّاوِي فِي ذَلِكَ، كَانَ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِ الرُّوَاةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ الْأَغْلَبُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنَ الِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ.
فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ وَإِنْ غَلَبَ السَّهْوُ عَلَى الذِّكْرِ أَوْ تَعَادَلَا فَالرَّاوِي عَدْلٌ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا مَا يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ بِذِكْرِهِ لَهُ وَضَبْطِهِ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرَتْ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ كَثْرَةَ رِوَايَتِهِ، حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا هُرَيْرَةَ، لَقَدْ كَانَ رَجُلًا مِهْزَارًا فِي حَدِيثِ الْمِهْرَاسِ (١) وَمَعَ ذَلِكَ قَبِلُوا أَخْبَارَهُ، لِمَا كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا مَا يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ بِضَبْطِهِ وَذِكْرِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْخَبَرَ دَلِيلٌ وَالْأَصْلُ فِيهِ الصِّحَّةُ، فَتَسَاوِي الضَّبْطِ وَالِاخْتِلَالِ وَالذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ غَايَتُهُ أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلشَّكِّ فِي الصِّحَّةِ، وَالشَّكُّ فِي ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي الْأَصْلِ، كَمَا إِذَا كَانَ مُتَطَهِّرًا، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ طَاهِرٌ فَإِنَّ الْأَصْلَ هَاهُنَا لَا يُتْرَكُ بِهَذَا الشَّكِّ. следующие страницы →