Полный текст (1 203 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
[خَاتِمَةٌ فِيمَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً فِيهِ وَمَا لَا يَكُونُ وهل الْإِجْمَاعَ فِي الْأَدْيَانِ السَّالِفَةِ كَانَ حُجَّةً]
خَاتِمَةٌ
فِيمَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً فِيهِ، وَمَا لَا يَكُونُ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي الْأَدْيَانِ السَّالِفَةِ كَانَ حُجَّةً أَمْ لَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ، أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالِاحْتِجَاجُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ يَكُونُ مُمْتَنِعًا لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ دَوْرٌ.
وَذَلِكَ كَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى وَصِحَّةِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ حَيْثُ إِنَّ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ وَصِحَّةُ النُّصُوصِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ الْمُرْسِلِ، وَكَوْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولًا.
فَإِذَا تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ وُجُودِ الرَّبِّ وَرِسَالَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ كَانَ دَوْرًا، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي، فَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَهُوَ حُجَّةٌ مَانِعَةٌ مِنَ الْمُخَالَفَةِ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا مِنْ غَيْرِ خِلَافِ الْقَائِلِينَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَقْلِيًّا كَرُؤْيَةِ الرَّبِّ لَا فِي جِهَةٍ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ شَرْعِيًّا كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِ (١) . стр. 282
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا يَتَّفِقُ مِنَ الْآرَاءِ فِي الْحَرْبِ وَتَرْتِيبِ الْجُيُوشِ وَتَدْبِيرِ أُمُورِ الرَّعِيَّةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَقَالَ تَارَةً بِامْتِنَاعِ مُخَالَفَتِهِ، وَتَارَةً بِالْجَوَازِ، وَتَابَعَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ جَمَاعَةٌ.
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَأَنَّهُ حُجَّةٌ لَازِمَةٌ ; لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي الْأَدْيَانِ السَّالِفَةِ كَانَ حُجَّةً أَمْ لَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْأُصُولِيُّونَ، وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ إِثْبَاتَ ذَلِكَ أَوْ نَفْيَهُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ، فَالْحُكْمُ بِنَفْيِهِ أَوْ إِثْبَاتِهِ مُتَعَذِّرٌ.
وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي الْإِجْمَاعِ.
стр. 283
[الْأَصْلُ الرَّابِعُ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ]
[النَّوْعُ الْأَوَّلُ النَّظَرُ فِي السَّنَدِ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ وَأَقْسَامِهِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْأَصْلُ الرَّابِعُ
فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ
وَهُوَ نَوْعَانِ؛ يَتَعَلَّقُ أَحَدُهُمَا بِالنَّظَرِ فِي السَّنَدِ، وَالْآخَرُ بِالنَّظَرِ فِي الْمَتْنِ
النَّوْعُ الْأَوَّلُ - النَّظَرُ فِي السَّنَدِ
وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمَتْنِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ
الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ وَأَقْسَامِهِ
أَمَّا حَقِيقَةُ الْخَبَرِ، فَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ اسْمَ الْخَبَرِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِشَارَاتِ الْحَالِيَّةِ وَالدَّلَائِلِ الْمَعْنَوِيَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: " عَيْنَاكَ تُخْبِرُنِي بِكَذَا؛ وَالْغُرَابُ يُخْبِرُ بِكَذَا ".
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ... تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ (١)
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى قَوْلٍ مَخْصُوصٍ لَكِنَّهُ مَجَازٌ فِي الْأَوَّلِ وَحَقِيقَةٌ فِي الثَّانِي بِدَلِيلِ تَبَادُرِهِ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْخَبَرِ، وَالْغَالِبُ إِنَّمَا هُوَ اشْتِهَارُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ.
ثُمَّ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الصِّيغَةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: قَامَ زَيْدٌ، وَقَعَدَ стр. 284
عَمْرٌو.
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ، الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالصِّيغَةِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْكَلَامِيَّاتِ.
وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةً فِي الصِّيغَةِ؛ لِتَبَادُرِهَا إِلَى الْفَهْمِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْخَبَرِ (١) وَإِذَا عُرِفَ مُسَمَّى الْخَبَرِ حَقِيقَةً فَمَا حَدُّهُ؟
اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْدِيدِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ. وَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُومٍ، وَأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا.
وَمُطْلَقُ الْخَبَرِ جُزْءٌ مِنْ مَعْنَى الْخَبَرِ الْخَاصِّ، وَالْعِلْمُ بِالْكُلِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْجُزْءِ، فَلَوْ كَانَ تَصَوُّرُ مَاهِيَّةِ مُطْلَقِ الْخَبَرِ مَوْقُوفًا عَلَى الِاكْتِسَابِ، لَكَانَ تَصَوُّرُ الْخَبَرِ الْخَاصِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَحْسُنُ فِيهِ الْخَبَرُ (٢) عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَحْسُنُ فِيهِ الْأَمْرُ، وَلَوْلَا أَنَّ هَذِهِ الْحَقَائِقَ مُتَصَوَّرَةٌ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَدَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، وَهِيَ مُقَابَلَةٌ بِنَقِيضِهَا. وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ؛ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ هُوَ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ فِي الْعِلْمِ بِهِ إِلَى نَظَرٍ وَدَلِيلٍ يُوصِلُ إِلَيْهِ، وَمَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ نَظَرِيٌّ لَا ضَرُورِيٌّ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقِ التَّنْبِيهِ، لَا بِطْرِيقِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى نَوْعِ تَذْكِيرٍ وَتَنْبِيهٍ عَلَى مَا عُلِمَ فِي مَوَاضِعِهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَأَمْكَنَ دَعْوَى الضَّرُورَةِ فِي كُلِّ عِلْمٍ نَظَرِيٍّ. وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الدَّلِيلِ إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقِ التَّنْبِيهِ دُونَ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ التَّنْبِيهِ غَيْرُ مُفِيدٍ.
أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ عِلْمَ الْإِنْسَانِ بِوُجُودِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا مَعًا. فَغَايَتُهُ أَنَّهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ بِنِسْبَةٍ خَاصَّةٍ، стр. 285
أَوْ بِسَلْبِ نِسْبَةٍ خَاصَّةٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِلْمًا بِحَقِيقَةِ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ الْخَاصَّةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْلُومِ خَبَرًا سِوَى تِلْكَ النِّسْبَةِ الْخَاصَّةِ فَهُوَ (١) عَوْدٌ إِلَى التَّحْدِيدِ وَتَرْكٌ لِمَا قِيلَ.
الثَّانِي: إِنَّا؛ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الْخَاصَّةِ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الْمُطْلَقُ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ كَذَلِكَ، قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُطْلَقَ جُزْءٌ مِنَ الْخَبَرِ الْخَاصِّ، لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُطْلَقَ أَعَمُّ مِنَ الْخَبَرِ الْخَاصِّ فَلَوْ كَانَ جُزْءًا مِنْ مَعْنَى الْخَبَرِ الْخَاصِّ، لَكَانَ الْأَعَمُّ مُنْحَصِرًا فِي الْأَخَصِّ وَهُوَ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْأَعَمُّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا فِيهِ بَيْنَ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ الَّتِي تَحْتَهُ، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاكِهَا فِيهِ سِوَى كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ مَعْنَاهَا.
قُلْنَا: أَمَّا أَوَّلًا، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ (٢) الْأَعَمِّ مُشْتَرَكًا فِيهِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْأَنْوَاعِ أَوِ الْأَشْخَاصِ الَّتِي هِيَ أَخَصُّ مِنْهُ، بَلْ بِمَعْنَى لِحَدِّ أَنَّ حَدَّ الطَّبِيعَةِ الَّتِي عَرَضَ لَهَا إِنْ كَانَتْ كُلِّيَّةً مُطْلَقَةً مُطَابِقٌ طَبَائِعَ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ تَحْتَهَا.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَامٍّ يَكُونُ جُزْءًا مِنْ مَعْنَى الْخَاصِّ، وَمُقَوِّمًا لَهُ بِجَوَازِ (٣) أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَعْرَاضِ الْعَامَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْ مَفْهُومِ الْمَعْنَى الْخَاصِّ، كَالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَحْتَهُمَا مِنْ مَعْنَى الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَبَاطِلٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ إِنَّمَا هُوَ وَاقِعٌ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يَحْسُنُ فِيهِ بَيَانُ الْأَمْرِ وَمَا يَحْسُنُ فِيهِ الْخَبَرُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
نَعَمْ؛ غَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَا يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ وَالنِّسْبَةِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ، وَلَيْسَ هُوَ الْعِلْمَ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ. فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ وَالْخَبَرِ سِوَى ذَلِكَ الْمَعْلُومِ الْخَاصِّ، فَهُوَ أَيْضًا عَوْدٌ إِلَى التَّحْدِيدِ.
كَيْفَ وَإِنَّ стр. 286
مَا ذَكَرَهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ أَيْضًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ التَّحْدِيدِ كَاسْتِغْنَاءِ الْخَبَرِ.
وَهَذَا الْقَائِلُ بِعَيْنِهِ قَدْ عَرَفَ الْأَمْرَ بِالتَّحْدِيدِ، حَيْثُ قَالَ: الْأَمْرُ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ وَاقِعٌ فِي مَفْهُومِ الْخَبَرِ اللَّفْظِيِّ. وَحَقَائِقُ أَنْوَاعِ الْأَلْفَاظِ وَانْقِسَامِهَا إِلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَخَبَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ.
وَلِهَذَا، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَوْ أَطْلَقُوا اسْمَ الْأَمْرِ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنَ الْخَبَرِ الْآنَ، وَاسْمَ الْخَبَرِ عَلَى مَفْهُومِ الْأَمْرِ؛ لَمَا كَانَ مُمْتَنِعًا، وَمَا يَتَبَدَّلُ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحَاتِ فَالْعِلْمُ بِمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا.
وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَقَدْ أَجْمَعَ الْبَاقُونَ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِمَفْهُومِ الْخَبَرِ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْحَدِّ وَالنَّظَرِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ، فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ كَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّ الْخَبَرَ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ. وَقَدْ أُورِدَ عَلَيْهِ إِشْكَالَاتٌ أَرْبَعَةٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَلَا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ، وَإِلَّا كَانَ مُسَيْلِمَةُ صَادِقًا، وَلَا الْكَذِبُ، وَإِلَّا كَانَ مُحَمَّدٌ كَاذِبًا وَهُوَ خَبَرٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَذَبَ فِي جَمِيعِ أَخْبَارِهِ فَقَالَ: جَمِيعُ أَخْبَارِي كَذِبٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ هَذَا خَبَرٌ، وَلَا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ.
وَإِلَّا كَانَتْ جَمِيعُ أَخْبَارِهِ كَذِبًا، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَخْبَارِهِ وَلَا يَدْخُلُهُ الْكَذِبُ، وَإِلَّا كَانَتْ جَمِيعُ أَخْبَارِهِ مَعَ هَذَا الْخَبَرِ كَذِبًا، وَصَدَقَ فِي قَوْلِهِ (جَمِيعُ أَخْبَارِي كَذِبٌ) .
الثَّانِي: أَنَّ تَعْرِيفَ الْخَبَرِ بِمَا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ إِلَى يُفْضِي إِلَى الدَّوْرِ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الصِّدْقَ هُوَ الْخَبَرُ الْمُوَافِقُ لِلْمُخْبَرِ، وَالْكَذِبَ بِضِدِّهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الثَّالِثُ: إِنَّ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ مُتَقَابِلَانِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِمَّا امْتِنَاعُ وُجُودِ الْخَبَرِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِمَّا وُجُودُ الْخَبَرِ مَعَ امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ دُخُولِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِيهِ، فَيَكُونُ الْمَحْدُودُ مُتَحَقِّقًا دُونَ مَا قِيلَ بِكَوْنِهِ حَدًّا لَهُ وَهُوَ أَيْضًا مُحَالٌ.
стр. 287
الرَّابِعُ: أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى لَهُ خَبَرٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْكَذِبِ فِيهِ.
وَقَدْ أَجَابَ الْجُبَّائِيُّ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ " مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ " بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُفِيدُ صِدْقَ أَحَدِهِمَا فِي حَالِ صِدْقِ الْآخَرِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَحَدُهُمَا صَادِقٌ حَالَ صِدْقِ الْآخَرِ.
وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ كَاذِبًا، فَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: هُمَا صَادِقَانِ وَهُوَ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَا قِيلَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَوْلُهُ: هُمَا صَادِقَانِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِ أَحَدِهِمَا صَادِقًا، حَالَ صِدْقِ الْآخَرِ وَقَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. وَالْأَعَمُّ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِالْأَخَصِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَذِبِ الْأَخَصِّ كَذِبُ الْأَعَمِّ.
وَأَجَابَ أَبُو هَاشِمٍ بِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ جَارٍ مَجْرَى خَبَرَيْنِ أَحَدُهُمَا خَبَرٌ بِصِدْقِ الرَّسُولِ، وَالْآخَرُ خَبَرٌ بِصِدْقِ مُسَيْلِمَةَ.
وَالْخَبَرَانِ لَا يُوصَفَانِ بِالصِّدْقِ وَلَا بِالْكَذِبِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَإِنَّمَا الَّذِي يُوصَفُ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الْخَبَرُ الْوَاحِدُ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ، وَلَيْسَ بِحَقٍّ أَيْضًا فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَفَادَ حُكْمًا وَاحِدًا لِشَخْصَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ وَصْفِهِ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، بِدَلِيلِ الْكَذِبِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: كُلُّ مَوْجُودٍ حَادِثٌ وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ حُكْمًا وَاحِدًا لِأَشْخَاصٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بِأَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا: " مَا دَخَلَهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ " أَنَّ اللُّغَةَ لَا تُحَرِّمُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ: صَدَقْتَ أَوْ كَذَبْتَ. وَهُوَ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَهُوَ غَيْرُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ.
وَأَجَابَ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ بِأَنَّهُ كَذِبٌ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ إِضَافَةَ الصِّدْقِ إِلَيْهِمَا مَعًا مَعَ عَدَمِ إِضَافَتِهِ إِلَيْهِمَا مَعًا، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ كَمَا ذَكَرَ غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ كَاذِبًا فَلَا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ، وَقَدْ قِيلَ: الْخَبَرُ مَا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَالْحَقُّ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ حَاصِلُ هَذَا وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ خَبَرٍ وَاحِدٍ يَرْجِعُ إِلَى خَبَرَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا صَادِقٌ وَهُوَ إِضَافَةُ الصِّدْقِ إِلَى مُحَمَّدٍ. وَالْآخَرُ كَاذِبٌ وَهُوَ إِضَافَتُهُ إِلَى مُسَيْلِمَةَ.
وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الثَّانِي فَلَا يَخْلُو الْخَبَرُ فِيهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، أَوْ غَيْرَ مُطَابِقٍ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ صِدْقٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ كَذِبٌ لِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ فِي السَّلْبِ أَوِ الْإِيجَابِ.
стр. 288
وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الثَّانِي، فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بِأَنَّ الْخَبَرَ مَعْلُومٌ لَنَا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ نَقْصِدْ بِهِ تَعْرِيفَ الْخَبَرِ؛ بَلْ فَصْلَهُ وَتَمْيِيزَهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا عَرَّفَنَا الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِالْخَبَرِ فَلَا يَكُونُ دَوْرًا، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تَمْيِيزُ الْخَبَرِ عَنْ غَيْرِهِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالنَّظَرِ إِلَى الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَتَمْيِيزُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بِالْخَبَرِ يُوجِبُ تَوَقُّفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ فِي تَمْيِيزِهِ عَنْ غَيْرِهِ عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ عَيْنُ الدَّوْرِ بَلْ لَوْ قِيلَ: إِنَّ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي حَدِّ الْخَبَرِ وَمُمَيِّزًا لَهُ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ مُفْتَقِرٌ فِي مَعْرِفَتِهِ إِلَى الْخَبَرِ، بَلِ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ مَعْلُومٌ لَنَا بِالضَّرُورَةِ، لَكَانَ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الثَّالِثُ، فَقَدْ قِيلَ فِي جَوَابِهِ إِنَّ الْمَحْدُودَ إِنَّمَا هُوَ جِنْسُ الْخَبَرِ، وَهُوَ قَابِلٌ لِدُخُولِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِيهِ كَاجْتِمَاعِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فِي جِنْسِ اللَّوْنِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ. فَإِنَّ الْحَدَّ ـ وَإِنْ كَانَ لِجِنْسِ الْخَبَرِ ـ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْحَدُّ مَوْجُودًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْأَخْبَارِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْهُ وُجُودُ الْخَبَرِ دُونَ حَدِّ الْخَبَرِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ آحَادَ الْأَخْبَارِ الشَّخْصِيَّةِ مِمَّا لَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ (الْوَاوَ) وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا التَّرْدِيدُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ تَجَوُّزًا.
وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الرَّابِعُ فَقَدْ قِيلَ فِي جَوَابِهِ مِثْلُ جَوَابِ الْإِشْكَالِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْخَبَرُ مَا دَخَلَهُ الصِّدْقُ أَوِ الْكَذِبُ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْإِشْكَالَانِ الْأَوَّلَانِ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْحَدِّ الْأَوَّلِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ (١)
وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِمَا.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ إِشْكَالٌ آخَرُ خَاصٌّ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدَّ مَعْرُوفٌ لِلْمَحْدُودِ، وَحَرْفُ (أَوْ) لِلتَّرْدِيدِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلتَّعْرِيفِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهِ: إِنَّ الْحُكْمَ بِقَبُولِ الْخَبَرِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ جَازِمٍ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ فِي التَّحْدِيدِ.
وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي اتِّصَافِهِ بِأَحَدِهِمَا عَيْنًا، وَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحَدِّ.
وَقِيلَ مَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ. . стр. 289
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمَا تَعْرِيفُ الْخَبَرِ بِالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ وَالتَّرْدِيدِ. وَقَدْ عُرِفَ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: الْخَبَرُ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ إِضَافَةَ أَمْرٍ إِلَى أَمْرٍ نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا.
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ (بِنَفْسِهِ) عَنِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي كَوْنَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَاجِبًا لَكِنْ لَا بِنَفْسِهِ، بَلْ بِوَاسِطَةِ مَا اسْتَدْعَاهُ الْأَمْرُ بِنَفْسِهِ مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ الصَّادِرِ مِنَ الْحَكِيمِ، وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِالنِّسَبِ التَّقْيِيدِيَّةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، فَإِنَّهُ أَفَادَ بِنَفْسِهِ إِثْبَاتَ النُّطْقِ لِلْحَيَوَانِ، وَلَيْسَ بِخَبَرٍ.
فَإِنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِكَلَامٍ. وَنَحْنُ. فَقَدْ قَيَّدْنَا الْحَدَّ بِالْكَلَامِ. قُلْنَا: هَذَا مِنْهُ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ (١) حَدَّ الْكَلَامِ بِمَا انْتَظَمَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُمَيَّزَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ قَيْدٌ آخَرُ.
وَحَدُّ الْكَلَامِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مُتَحَقِّقٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَكَانَ عَلَى أَصْلِهِ كَلَامًا.
وَالْمُخْتَارُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: الْخَبَرُ عِبَارَةٌ عَنِ اللَّفْظِ الدَّالِّ بِالْوَضْعِ عَلَى نِسْبَةِ مَعْلُومٍ إِلَى مَعْلُومٍ أَوْ سَلْبِهَا عَلَى وَجْهٍ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَمَامٍ مَعَ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ الدَّلَالَةَ عَلَى النِّسْبَةِ أَوْ سَلْبِهَا.
أَمَّا قَوْلُنَا (اللَّفْظِ) فَهُوَ كَالْجِنْسِ لِلْخَبَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْخَبَرِ الْمَجَازِيِّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا.
وَقَوْلُنَا: (الدَّالِّ) احْتِرَازٌ عَنِ اللَّفْظِ الْمُهْمَلِ.
وَقَوْلُنَا: (بِالْوَضْعِ) احْتِرَازٌ عَنِ اللَّفْظِ الدَّالِّ بِجِهَةِ الْمُلَازَمَةِ.
وَقَوْلُنَا: (عَلَى نِسْبَةٍ) احْتِرَازٌ عَنْ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، وَعَنْ كُلِّ مَا لَيْسَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى نِسْبَةٍ.
وَقَوْلُنَا: (مَعْلُومٍ إِلَى مَعْلُومٍ) حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ الْمَوْجُودُ وَالْمَعْدُومُ.
وَقَوْلُنَا: (سَلْبًا أَوْ إِيجَابًا) حَتَّى يَعُمَّ " مَا " مِثْلُ قَوْلِنَا: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، لَيْسَ فِي الدَّارِ.
وَقَوْلُنَا: (يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى إِتْمَامٍ) احْتِرَازٌ عَنِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى النِّسَبِ التَّقْيِيدِيَّةِ. стр. 290
وَقَوْلُنَا (مَعَ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ الدَّلَالَةَ عَلَى النِّسْبَةِ أَوْ سَلْبِهَا) احْتِرَازٌ عَنْ صِيغَةِ الْخَبَرِ إِذَا وَرَدَتْ. وَلَا تَكُونُ خَبَرًا، كَالْوَارِدَةِ عَلَى لِسَانِ النَّائِمِ وَالسَّاهِي وَالْحَاكِي لَهَا، أَوْ لِقَصْدِ الْأَمْرِ مَجَازًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ ، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وَنَحْوِهِ، حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الدَّلَالَةَ عَلَى النِّسْبَةِ وَلَا سَلْبَهَا.
[الْقِسْمَةُ الْأُولَى الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى صَادِقٍ وَكَاذِبٍ]
وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْخَبَرِ فَهُوَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَ قِسَمٍ:
الْقِسْمَةُ الْأُولَى: أَنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى صَادِقٍ وَكَاذِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْمُخْبَرِ بِهِ (١) أَوْ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ الصَّادِقُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ الْكَاذِبُ.
وَقَالَ الْجَاحِظُ: الْخَبَرُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: صَادِقٌ، وَكَاذِبٌ، وَمَا لَيْسَ بِصَادِقٍ، وَلَا كَاذِبٍ. وَقَدِ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا النَّصُّ فَحِكَايَةُ الْقُرْآنِ عَنِ الْكُفَّارِ قَوْلَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ حَصَرُوا دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ فِي الْكَذِبِ وَالْجِنَّةِ، وَلَيْسَ إِخْبَارُهُ بِالنُّبُوَّةِ حَالَةَ جُنُونِهِ كَذِبًا لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهَا فِي مُقَابَلَةِ الْكَذِبِ، وَلَا صِدْقًا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِدْقَهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. فَإِخْبَارُهُ حَالَةَ جِنَّةٍ لَيْسَ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ الصَّادِقُ هُوَ الْخَبَرَ الْمُطَابِقَ لِلْمُخْبَرِ.
فَإِنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِأَنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ، عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا، وَكَانَ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا يُوَصَفُ بِكَوْنِهِ صَادِقًا وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ مُطَابِقًا لِلْمُخْبَرِ. وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ كَاذِبًا لِمُطَابَقَةِ خَبَرِهِ لِلْمُخْبَرِ. وَكَذَلِكَ لَيْسَ الْكَذِبُ هُوَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِلْمُخْبَرِ لِوَجْهَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مِنْهُ الْكَذِبُ فِي كَلَامِ اللَّهِ (تَعَالَى) بِتَخْصِيصِ عُمُومِ خَبَرِهِ وَتَقْيِيدِ مُطْلَقِهِ لِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ أَنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ، عَلَى اعْتِقَادِ كَوْنِهِ فِيهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا، стр. 291
فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ كَاذِبًا؛ وَلَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ عَلَى ذَلِكَ. وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ صَادِقًا لِعَدَمِ مُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِلْمُخْبَرِ. وَإِنَّمَا الصَّادِقُ مَا طَابَقَ الْمُخْبَرَ مَعَ اعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ أَنَّهُ كَذَلِكَ. وَالْكَذِبُ مَا لَمْ يُطَابِقِ الْمُخْبَرَ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يَفْرِضَ فِي الِاعْتِقَادِ وَاسِطَةً بَيْنَ كَوْنِهِ عِلْمًا أَوْ جَهْلًا، لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ عِلْمًا، وَلَا جَهْلًا مُرَكَّبًا، كَاعْتِقَادِ الْعَامِّيِّ الْمُقَلِّدِ وُجُودَ الْإِلَهِ تَعَالَى، جَازَ أَنْ يُفْرَضَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ خَبَرٌ لَيْسَ بِصَادِقٍ وَلَا كَاذِبٍ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا حَصَرُوا أَمْرَهُ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالْجِنَّةِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الدَّلَالَةِ بِهِ عَلَى مَدْلُولِهِ شَرْطٌ فِي كَوْنِهِ خَبَرًا، وَالْمَجْنُونُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ، فَصَارَ كَالنَّائِمِ وَالسَّاهِي، إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ صِيغَةُ الْخَبَرِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ خَبَرًا وَحَيْثُ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِدْقَهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا، أَوْ لَا يَكُونُ مَا أَتَى بِهِ خَبَرًا وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ الْخَبَرِ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا وَلَيْسَ صَادِقًا فِيهِ وَلَا كَاذِبًا؛ فَلَا.
وَعَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَعْقُولِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كَوْنِ زَيْدٍ فِي الدَّارِ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا وَهُوَ فِيهَا أَنَّ خَبَرُهُ لَا يَكُونُ صَادِقًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ عَلَى الصِّدْقِ.
وَكَذَلِكَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِأَنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ، عَلَى اعْتِقَادِ كَوْنِهِ فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا أَنَّهُ لَيْسَ كَاذِبًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ عَلَى كَذِبِهِ؛ لِأَنَّ الْمَدْحَ وَالذَّمَّ لَيْسَ عَلَى نَفْسِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَا غَيْرُ، بَلْ عَلَى الصِّدْقِ مَعَ قَصْدِهِ وَالْكَذِبِ مَعَ قَصْدِهِ؛ وَلِهَذَا فَإِنَّ الْأُمَّةَ حَاكِمَةٌ بِأَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي عُلِمَ مِنْهُ اعْتِقَادُ بُطْلَانِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﵇ صَادِقٌ بِإِخْبَارِهِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ لَمَّا كَانَ خَبَرُهُ مُطَابِقًا لِلْمُخْبَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا لِذَلِكَ وَلَا قَاصِدًا لِلصِّدْقِ، وَحَاكِمَةٌ بِكَذِبِهِ فِي إِخْبَارِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِمَا أَخْبَرَ بِهِ لَمَّا كَانَ خَبَرُهُ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْمُخْبَرِ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ عُمُومِ خَبَرِ الْقُرْآنِ وَتَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ، فَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ كَذِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَبَرُ مَحْمُولًا عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَى مَجَازِهِ، وَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ إِلَى الْآخَرِ لَا يَكُونُ كَذِبًا، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ مِنْ قَبِيلِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ
стр. 292
الْمَجَازِيَّةِ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِلَفْظٍ مُشْتَرَكٍ وَأَرَادَ بِهِ بَعْضَ مَدْلُولَاتِهِ دُونَ الْبَعْضِ. كَمَا لَوْ قَالَ: (رَأَيْتُ عَيْنًا) وَأَرَادَ بِهِ الْعَيْنَ الْجَارِيَةَ دُونَ الْبَاصِرَةِ، وَبِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ كَاذِبًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْبَرَ بِلَفْظٍ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي شَيْءٍ وَمَجَازٌ فِي شَيْءٍ، وَأَرَادَ جِهَةَ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ كَاذِبًا، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ: (رَأَيْتُ أَسَدًا) وَأَرَادَ بِهِ الْمَحْمَلَ الْمَجَازِيَّ دُونَ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ.
وَعَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ انْقِسَامِ الِاعْتِقَادِ إِلَى عِلْمٍ وَجَهْلٍ مُرَكَّبٍ، وَحَالَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ عِلْمًا وَلَا جَهْلًا مُرَكَّبًا، انْقِسَامُ الْخَبَرِ إِلَى صِدْقٍ وَكَذِبٍ، وَمَا لَيْسَ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ، إِذْ هُوَ قِيَاسٌ تَمْثِيلِيٌّ مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا، لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ أَيْضًا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَاسِطَةٌ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَالنِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ حَيْثُ إِنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ يُطْلِقُ اسْمَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ عَلَى مَا لَا يُطْلِقُهُ الْآخَرُ إِلَّا بِشَرْطٍ زَائِدٍ.
[الْقِسْمَةُ الثَّانِيَةُ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ وَإِلَى مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ وَإِلَى مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ]
الْقِسْمَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وَإِلَى مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَإِلَى مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ.
فَأَمَّا مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ فَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ، كَخَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَمَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ لَا بِنَفْسِ الْخَبَرِ، بَلْ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ صَادِقًا، كَخَبَرِ اللَّهِ وَخَبَرِ الرَّسُولِ فِيمَا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَوْ رَسُولُهُ أَوْ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ صَادِقٌ، وَخَبَرُ مَنْ وَافَقَ خَبَرُهُ خَبَرَ الصَّادِقِ أَوْ دَلِيلَ الْعَقْلِ وَأَمَّا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِمَّا ادُّعِيَ أَنَّهُ مَعْلُومُ الصِّدْقِ، فَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ.
وَأَمَّا مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ، فَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَوِ النَّظَرِ، أَوِ الْحِسِّ أَوْ أَخْبَارِ التَّوَاتُرِ، أَوِ النَّصِّ الْقَاطِعِ، أَوِ الْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ، أَوْ مَا صَرَّحَ الْجَمْعُ الَّذِينَ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ بِتَكْذِيبِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ " أَنَا كَاذِبٌ " فَخَبَرُهُ ذَلِكَ كَاذِبٌ؛ لِأَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ هَذَا الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَلَا مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ أَخْبَارِهِ، فَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْأَخْبَارِ السَّالِفَةِ. وَقَدْ كَانَ صَادِقًا فِيهَا فَخَبَرُهُ عَنْهَا بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهَا يَكُونُ
стр. 293
كَذِبًا. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَخْبَارٍ قِيلَ إِنَّهَا مَعْلُومَةُ الْكَذِبِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهَا بَعْدَ هَذَا فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ.
وَأَمَّا مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ، فَمِنْهُ مَا يُظَنُّ صِدْقُهُ كَكَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ وَالْعَادَاتِ مِمَّنْ هُوَ مَشْهُورٌ بِالْعَدَالَةِ وَالصِّدْقِ. وَمِنْهُ مَا يُظَنُّ كَذِبُهُ كَخَبَرِ مَنِ اشْتُهِرَ بِالْكَذِبِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ مَظْنُونِ الصِّدْقِ وَلَا الْكَذِبِ، بَلْ مَشْكُوكٌ فِيهِ، كَخَبَرِ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ وَلَمْ يَشْتَهِرْ أَمْرُهُ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ.
فَإِنْ قِيلَ: كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا فَهُوَ كَاذِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَادِقًا لَمَا أَخْلَانَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَصْبِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ الْمُتَحَدِّيَ بِالنُّبُوَّةِ، إِذَا لَمْ تَظْهَرْ عَلَى يَدِهِ مُعْجِزَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، فَإِنَّا نَقْطَعُ بِكَذِبِهِ، قُلْنَا: جَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ الْخُلُوِّ مِنْ نَصْبِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا بَنَاهُ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الصَّلَاحِ أَوِ الْأَصْلَحِ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: وَلَوْ كَانَ كَاذِبًا لَمَا أَخْلَانَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَصْبِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرُوهُ أَنْ يُقْطَعَ بِكَذِبِ كُلِّ شَاهِدٍ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى صِدْقِهِ، وَكُفْرِ كُلِّ مُسْلِمٍ وَفِسْقِهِ، إِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى إِيمَانِهِ وَعَدَالَتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأَمَّا الْمُتَحَدِّي بِالرِّسَالَةِ إِذَا لَمْ تَظْهَرِ الْمُعْجِزَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِهِ إِنَّمَا قَطَعْنَا بِكَذِبِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْعَادَةِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْعَقْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِكَذِبِ مَنْ يَدَّعِي مَا يُخَالِفُ الْعَادَةَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا كَذَلِكَ الصِّدْقُ فِي الْأَخْبَارِ عَنِ الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْعَادَةِ.
[الْقِسْمَةُ الثَّالِثَةُ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ]
الْقِسْمَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ، وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَجَبَ رَسْمُ الْبَابِ الثَّانِي فِي الْمُتَوَاتِرِ، وَالْبَابِ الثَّالِثِ فِي الْآحَادِ.
стр. 294
[الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمُتَوَاتِرِ]
[مُقَدِّمَةُ فِي بَيَانِ مَعْنَى التَّوَاتُرِ وَالْمُتَوَاتِرِ]
الْبَابُ الثَّانِي
فِي الْمُتَوَاتِرِ
وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي بَيَانِ مَعْنَى التَّوَاتُرِ وَالْمُتَوَاتِرِ.
أَمَّا التَّوَاتُرُ فِي اللُّغَةِ، فَعِبَارَةٌ عَنْ تَتَابُعِ أَشْيَاءَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، بَيْنَهُمَا مُهْلَةٌ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ أَيْ: وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ بِمُهْلَةٍ.
وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ خَبَرِ جَمَاعَةٍ بَلَغُوا فِي الْكَثْرَةِ إِلَى حَيْثُ حَصَلَ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ.
وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا هُوَ حَدُّ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، لَا حَدُّ نَفْسِ التَّوَاتُرِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالْمُتَوَاتِرِ. وَإِنَّمَا التَّوَاتُرُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَشَرِّعَةِ؛ عِبَارَةٌ عَنْ تَتَابُعِ الْخَبَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مُفِيدٍ (١) لِلْعِلْمِ بِمُخْبَرِهِ.
وَأَمَّا الْمُتَوَاتِرُ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَيْضًا: إِنَّهُ الْخَبَرُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِمُخْبَرِهِ، مَانِعٌ لِدُخُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الصَّادِقِ فِيهِ.
كَيْفَ وَفِيهِ زِيَادَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: (الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ) فَإِنَّ أَحَدَهُمَا كَافٍ عَنِ الْآخَرِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَشَرِّعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ خَبَرِ جَمَاعَةٍ مُفِيدٍ بِنَفْسِهِ لِلْعِلْمِ بِمُخْبَرِهِ.
فَقَوْلُنَا: (خَبَرِ) كَالْجِنْسِ لِلْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ، وَقَوْلُنَا: (جَمَاعَةٍ) احْتِرَازٌ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَقَوْلُنَا: (مُفِيدٍ لِلْعِلْمِ) احْتِرَازٌ عَنْ خَبَرِ جَمَاعَةٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا، وَقَوْلُنَا: (بِنَفْسِهِ) احْتِرَازٌ عَنْ خَبَرِ جَمَاعَةٍ وَافَقَ دَلِيلَ الْعَقْلِ، أَوْ دَلَّ قَوْلُ الصَّادِقِ عَلَى صِدْقِهِمْ، كَمَا سَبَقَ.
وَقَوْلُنَا: (بِمُخْبَرِهِ) احْتِرَازٌ عَنْ خَبَرِ جَمَاعَةٍ أَفَادَ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ لَا (بِمُخْبَرِهِ) فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَوَاتِرًا، وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى بَيَانِ الْمُقَدِّمَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَهِيَ سِتُّ مَسَائِلَ: стр. 295
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى خَبَرَ التَّوَاتُرِ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ]
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ بِمُخْبَرِهِ خِلَافًا لِلسُّمَنِيَّةِ (١) وَالْبَرَاهِمَةُ (٢) فِي قَوْلِهِمْ: لَا عِلْمَ فِي غَيْرِ الضَّرُورِيَّاتِ إِلَّا بِالْحَوَاسِّ دُونَ الْأَخْبَارِ وَغَيْرِهَا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا يَجِدُهُ كُلُّ عَاقِلٍ مِنْ نَفْسِهِ مِنَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِالْبِلَادِ النَّائِيَةِ، وَالْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، وَالْمُلُوكِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَئِمَّةِ، وَالْفُضَلَاءِ الْمَشْهُورِينَ وَالْوَقَائِعِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ، بِمَا يَرِدُ عَلَيْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ حَسَبَ وِجْدَانِنَا كَالْعِلْمِ بِالْمَحْسُوسَاتِ عِنْدَ إِدْرَاكِنَا لَهَا بِالْحَوَاسِّ. وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَتْ مُكَالَمَتُهُ، وَظَهَرَ جُنُونُهُ أَوْ مُجَاحَدَتُهُ.
فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فَرْعُ تَصَوُّرِ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ وَالْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْأَمْزِجَةِ وَالْآرَاءِ وَالْأَغْرَاضِ وَقَصْدِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ اتِّفَاقُ أَهْلِ بَلَدٍ مِنَ الْبِلَادِ عَلَى حُبِّ طَعَامٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، وَحُبِّ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا تَصَوُّرَ اتِّفَاقِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي خَبَرِهِ، بِتَقْدِيرِ انْفِرَادِهِ كَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الصِّدْقُ.
فَلَوِ امْتَنَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ لَانْقَلَبَ الْجَائِزُ مُمْتَنِعًا، وَهُوَ مُحَالٌ وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ، وَالْجُمْلَةُ لَا تَخْرُجُ عَنِ الْآحَادِ، كَانَ خَبَرُ الْجُمْلَةِ جَائِزَ الْكَذِبِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا، لَا يَكُونُ الْعِلْمُ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ وَاقِعًا.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنَّ مَا ثَبَتَ لِلْآحَادِ يَكُونُ ثَابِتًا لِلْجُمْلَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِحُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ يَلْزَمُ مِنْهُ أَمْرٌ مُمْتَنِعٌ فَيَمْتَنِعُ، وَبَيَانُهُ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ تُخْبِرَ جَمَاعَةٌ بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، لَجَازَ عَلَى مِثْلِهِمُ الْخَبَرُ بِنَقِيضِ خَبَرِهِمْ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ زَيْدًا كَانَ فِي وَقْتِ كَذَا مَيِّتًا، وَنَقَلَ الْآخَرُونَ حَيَاتَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْخَبَرَيْنِ، لَزِمَ اجْتِمَاعُ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِمَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَلَا أَوْلَوِيَّةَ مَعَ فَرْضِ تَسَاوِي الْمُخْبِرِينَ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ. стр. 296
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِخَبَرِ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ لَحَصَلَ الْعِلْمُ بِمَا يَنْقُلُهُ الْيَهُودُ عَنْ مُوسَى، وَالنَّصَارَى عَنْ عِيسَى، مِنَ الْأُمُورِ الْمُكَذِّبَةِ لِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا، الَّتِي دَلَّتِ الْمُعْجِزَةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى صِدْقِهِ فِيهَا وَوُجُوبِ عِلْمِنَا بِهَا، وَاجْتِمَاعُ عِلْمَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ مُحَالٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ، لَمَا خَالَفَ فِي نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا أَحَدٌ، لِأَنَّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ لَا يُخَالَفُ؛ وَحَيْثُ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ عَلِمْنَا أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ (١)
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلًا بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ، لَمَا وَقَعَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ عِلْمِنَا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ أَهْلُ التَّوَاتُرِ مِنْ وُجُودِ بَعْضِ الْمُلُوكِ، وَعِلْمِنَا بِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ، وَأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فِي آنٍ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ لَا تَخْتَلِفُ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الِاخْتِلَافِ فِي سُكُونِ النَّفْسِ إِلَيْهِمَا.
الْخَامِسُ: هُوَ أَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ أَهْلُ التَّوَاتُرِ لَا يَزِيدُ عَلَى الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ بِأَنَّ مَا شَاهَدْنَاهُ بِالْأَمْسِ مِنْ وُجُودِ الْأَفْلَاكِ الدَّائِرَةِ، وَالْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ، وَالْجِبَالِ الشَّامِخَةِ، أَنَّهُ الَّذِي نُشَاهِدُهُ الْيَوْمَ مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَعْدَمَ ذَلِكَ، وَمَا نُشَاهِدُهُ الْآنَ قَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مِثَالِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا يَقِينِيًّا فَمَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي الْجَزْمِ وَالِاعْتِقَادِ أَيْضًا لَا يَكُونُ يَقِينِيًّا.
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلًا مِنْ خَبَرِ التَّوَاتُرِ لَمَا خَالَفْنَاكُمْ فِيهِ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ لَا يُخَالَفُ: وَالْجَوَابُ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ.
أَمَّا الْإِجْمَالُ: فَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ تَشْكِيكٌ عَلَى مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا يَكُونُ مَقْبُولًا، وَأَمَّا التَّفْصِيلُ: فَأَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ، فَجَوَابُهُ بِمَا سَبَقَ فِي بَيَانِ تَصَوُّرِ الْإِجْمَاعِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنَّ مَا كَانَ لِآحَادِ الْجُمْلَةِ وَجَائِزًا عَلَيْهَا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا لِلْجُمْلَةِ وَجَائِزًا عَلَيْهَا. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ مَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ إِلَّا وَهُوَ مُتَنَاهٍ، وَجُمْلَةُ مَعْلُومَاتِهِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْجُمْلَةِ стр. 297
فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْجُمْلَةِ، وَالْجُمْلَةُ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ الْجُمْلَةِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ لَبِنَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ دَاخِلَةٍ فِي مُسَمَّى الدَّارِ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْهَا، وَلَيْسَتْ دَارًا، وَالْمُجْتَمِعُ مِنَ الْكُلِّ دَارٌ، وَكَذَلِكَ الْعَشَرَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَخَمْسَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَمْسَتَيْنِ لَيْسَتْ عَشَرَةً، وَالْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا عَشَرَةٌ وَنَحْوُهُ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ فِي السُّؤَالِ الثَّالِثِ مِنَ الْإِلْزَامِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ فَرْضٌ مُحَالٌ، فَإِنَّهُ مَهْمَا أَخْبَرَ جَمْعٌ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْعِلْمُ بِالْمُخْبَرِ، فَيَمْتَنِعُ إِخْبَارُ مِثْلِهِمْ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ بِمَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الثَّانِي، فَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ قُلْنَا إِنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ مِنْ خَبَرِ كُلِّ جَمَاعَةٍ؛ وَإِنَّ خَبَرَ كُلِّ جَمَاعَةٍ تَوَاتُرٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا دَعْوَانَا أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَحْصُلُ مِنْ خَبَرِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ كُلِّ جَمَاعَةٍ مُحَصِّلًا لِلْعِلْمِ.
وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الثَّالِثُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ التَّوَاتُرَ إِنَّمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ، وَالنُّبُوَّةُ حُكْمٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ (١) كَيْفَ وَإِنَّا لَا نَدَّعِي أَنَّ كُلَّ تَوَاتُرٍ يَجِبُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِمُخْبَرِهِ مُطْلَقًا لِكُلِّ أَحَدٍ لِتَفَاوُتِ стр. 298
النَّاسِ فِي السَّمَاعِ وَقُوَّةِ الْفَهْمِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْقَرَائِنِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْأَخْبَارِ الْمُفِيدَةِ لِلْعِلْمِ، فَمُخَالَفَةُ مَنْ يُخَالِفُ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِيمَا نَدَّعِيهِ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ لِبَعْضِ النَّاسِ.
وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوِ ادَّعَيْنَا أَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ مِنَ الْأُمُورِ الْبَدِيهِيَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إِنَّمَا نَدَّعِي الْعِلْمَ الْعَادِيَّ.
وَعَلَى هَذَا، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ عِلْمًا بِتَقَاصُرِهِ عَنِ الْعُلُومِ الْبَدِيهِيَّةِ، وَلَا بِمُسَاوَاتِهِ لِمَا قِيلَ مِنَ الْعُلُومِ الْعَادِيَّةِ.
وَأَمَّا الْإِلْزَامُ السَّادِسُ: فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى الْمُكَابَرَةِ وَالْمُجَاحَدَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْعَادَةِ فِي خَلْقٍ لَا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْخَطَأِ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ الْخِلَافُ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا؛ لَكَانَ خِلَافُ السُّوفِسْطَائِيَّةِ (١) فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِالْمَحْسُوسَاتِ مِمَّا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ السُّمَنِيَّةِ، وَمَا هُوَ اعْتِذَارُهُمْ فِي خِلَافِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ فِي الْعِلْمِ بِالْمُحَسَّاتِ يَكُونُ عُذْرًا لَنَا فِي خِلَافِهِمْ لَنَا فِي الْمُتَوَاتِرَاتِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هل الْعِلْمَ الْحَاصِلَ عَنْ خَبَرِ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ أو نَظَرِي]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ عَنْ خَبَرِ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ.
وَقَالَ الْكَعْبِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالدَّقَّاقُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ إِنَّهُ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي حُصُولِهِ إِلَى الشُّعُورِ بِتَوَسُّطِ وَاسِطَةٍ مُفْضِيَةٍ إِلَيْهِ، مَعَ أَنَّ الْوَاسِطَةَ حَاضِرَةٌ فِي الذِّهْنِ، وَلَيْسَ ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى стр. 299
أَنَّهُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، كَقَوْلِنَا: الْقَدِيمُ لَا يَكُونُ مُحْدَثًا، وَالْمَوْجُودُ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا، فَإِنَّهُ (١) لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُصُولِ مُقَدِّمَتَيْنِ فِي النَّفْسِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ لَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ جَامِعٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْوَاقِعَةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بِلَفْظٍ مَنْظُومٍ، وَلَا إِلَى الشُّعُورِ بِتَوَسُّطِهِمَا وَإِفْضَائِهِمَا إِلَيْهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ، كَالشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى مِنَ الشِّيعَةِ.
وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى تَفْصِيلِ الْمَذَاهِبِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ حُجَجِهَا، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
أَمَّا حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِالضَّرُورَةِ، فَأَوَّلُهَا وَهِيَ الْأَقْوَى، أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ، لَمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، كَالصِّبْيَانِ وَالْعَوَامِّ. وَهُوَ وَاقِعٌ لَهُمْ لَا مَحَالَةَ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصِّبْيَانَ وَالْعَوَامَّ الَّذِينَ يَحْصُلُ لَهُمُ الْعِلْمُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ لَيْسَ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ فِي مِثْلِ هَذَا الْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِيمَا عَدَاهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الْغَامِضَةِ، كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَوُجُودِ الصَّانِعِ وَنَحْوِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَا مُقَدِّمَاتُهُ الْمُفْضِيَةِ إِلَيْهِ نَظَرِيَّةٌ، فَيَكُونُ خَفِيًّا، وَإِلَى مَا مُقَدِّمَاتُهُ الْمُفْضِيَةُ إِلَيْهِ ضَرُورِيَّةٌ غَيْرُ نَظَرِيَّةٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ مِنَ الْقَبِيلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِأَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْعِلْمُ بِمُخْبَرِهِمْ حَاصِلَةً بِالضَّرُورَةِ لِلصِّبْيَانِ وَالْعَوَامِّ، وَيَكُونُ (٢) الْعِلْمُ بِالنَّتِيجَةِ اللَّازِمَةِ عَنْهَا ضَرُورِيًّا.
وَإِنَّمَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ الْمَذْكُورَةُ أَنْ لَوْ بَيَّنَ أَنَّ الْعِلْمَ بِمُخْبَرِهِمْ مِنْ قَبِيلِ مَا مُقَدِّمَاتُهُ نَظَرِيَّةٌ لَا ضَرُورِيَّةٌ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى بَيَانِهِ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ الْعِلْمَ بِوُجُودِ مَكَّةَ وَبَغْدَادَ وَالْبِلَادِ النَّائِيَةِ عِنْدَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ بِهَا، مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ سَابِقَةَ فِكْرٍ وَلَا نَظَرٍ فِيمَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْعُلُومِ стр. 300
الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ، وَلَا فِي تَرْتِيبِهَا الْمُفْضِي إِلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ نَظَرِيًّا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَتَرْتِيبِهَا، إِنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ بِتِلْكَ الْأُمُورِ حَاصِلًا بِالضَّرُورَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي إِبْطَالِ الْحُجَّةِ الْأُولَى.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ حَاصِلًا بِالضَّرُورَةِ فَلَا.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْعِلْمَ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ لَا يَنْتَفِي بِالشُّبْهَةِ. وَهَذِهِ هِيَ أَمَارَةُ الضَّرُورَةِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْمَنْفِيُّ بِالشُّبْهَةِ: الْعِلْمُ النَّظَرِيُّ الَّذِي مُقَدِّمَاتُهُ نَظَرِيَّةٌ أَوِ الَّذِي مُقَدِّمَاتُهُ ضَرُورِيَّةٌ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا، لَأَمْكَنَ الْإِضْرَابُ عَنْهُ، كَمَا فِي سَائِرِ النَّظَرِيَّاتِ، وَحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الَّذِي يُمْكِنُ الْإِضْرَابُ عَنْهُ مِنَ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ الْمُفْتَقِرُ إِلَى الْمُقَدِّمَاتِ النَّظَرِيَّةِ.
وَأَمَّا مَا لَزِمَهُ (١) مِنْ مُقَدِّمَاتِ حَاصِلَةٍ بِالضَّرُورَةِ؛ فَلَا.
الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا، لَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، وَحَيْثُ لَمْ يَقَعْ إِلَّا مِنْ مُعَانِدٍ كَمَا سَبَقَ كَانَ ضَرُورِيًّا كَالْعِلْمِ بِالْمُحَسَّاتِ وَنَحْوِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: تَسْوِيغُ الْخِلَافِ عَقْلًا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي مُقَدِّمَاتُهَا نَظَرِيَّةٌ.
وَأَمَّا مُقَدِّمَاتُهَا ضَرُورِيَّةٌ؛ فَلَا، كَمَا فِي الْمُحَسَّاتِ.
وَأَمَّا حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِالنَّظَرِ؛ فَأَوَّلُهَا وَهِيَ مَا اسْتَدَلَّ بِهَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ أَنْ قَالَ: الِاسْتِدْلَالُ تَرْتِيبُ عُلُومٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى عِلْمٍ آخَرَ، فَكُلَّمَا وَقَفَ وُجُودَهُ عَلَى تَرْتِيبٍ فَهُوَ نَظَرِيٌّ، وَالْعِلْمُ الْوَاقِعُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ كَذَلِكَ فَكَانَ نَظَرِيًّا، وَذَلِكَ لِأَنَّا إِنَّمَا نَعْلَمُ ذَلِكَ، إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْمُخْبِرَ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ رَأْيِهِ، بَلْ عَنْ أَمْرٍ مَحْسُوسٍ، لَا لَبْسَ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا دَاعِيَ لَهُ إِلَى الْكَذِبِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَذِبًا.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذِبًا تَعَيَّنَ كَوْنُهُ صِدْقًا.
وَمَهْمَا اخْتَلَّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَمْ نَعْلَمْ صِحَّةَ الْخَبَرِ، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا سِوَى ذَلِكَ. стр. 301
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: سَلَّمْنَا أَنَّ النَّظَرَ عِبَارَةٌ عَمَّا ذُكِرَ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لَا لِغَرَضٍ مَعَ كَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُمْ، فَإِنْ قَالَ بِأَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ اتِّفَاقَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى الْكَذِبِ لَا لِغَرَضٍ وَمَقْصُودٍ.
قُلْنَا: وَالْعَادَةُ أَيْضًا تُحِيلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الصِّدْقِ لَا لِغَرَضٍ وَمَقْصُودٍ، فَلِمَ قُلْتَ بِعَدَمِ الْغَرَضِ فِي الصِّدْقِ دُونَ الْكَذِبِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ غَرَضٌ، فَلَيْسَ الصِّدْقُ أَوْلَى مِنَ الْكَذِبِ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْغَرَضُ فِي الصِّدْقِ كَوْنُهُ صِدْقًا، لِكَوْنِهِ حَسَنًا وَلَا كَذَلِكَ الْكَذِبُ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ.
فَإِنْ قَالَ: الْمُرَادُ إِنَّمَا هُوَ التَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ الْعُرْفِيُّ دُونَ الْعَقْلِيِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَعُدُّونَ الْكَذِبَ قَبِيحًا وَالصِّدْقَ حَسَنًا.
قُلْنَا: التَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ الْعُرْفِيُّ رَاجِعٌ إِلَى مُوَافَقَةِ الْغَرَضِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ الْكَذِبَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذِبٌ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ مُوَافِقٌ لِأَغْرَاضِهِمْ دُونَ الصِّدْقِ، فَكَانَ حَسَنًا، كَمَا فِي اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الصِّدْقِ فِي بَعْضِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُمْ لَا يُجْمِعُونَ عَلَى الْكَذِبِ إِلَّا لِغَرَضٍ، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ مِنْهُ؟ فَإِنَّا قَدْ نَجِدُ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ مُتَّفِقِينَ عَلَى وَضْعِ الْأَحَادِيثِ وَالْأَخْبَارِ لِحِكْمَةٍ عَائِدَةٍ إِلَيْهِمْ وَذَلِكَ كَأَهْلِ مَدِينَةٍ أَوْ جَيْشٍ عَظِيمٍ اتَّفَقُوا عَلَى وَضْعِ خَبَرٍ لَا أَصْلَ لَهُ، إِمَّا لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ عَنْهُمْ لَا سَبِيلَ إِلَى دَفْعِهَا إِلَّا بِهِ، وَإِمَّا لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِهِ.
وَهَذَا مِمَّا يَغْلِبُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، حَتَّى إِنَّ أَكْثَرَ الْأَخْبَارِ الْعَامَّةِ الشَّائِعَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمُعْتَادِ كَذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ بِأَنَّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا، إِلَّا أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ دَوَامَهُ، وَتُوجِبُ انْكِشَافَهُ عَنْ قُرْبٍ مِنَ الزَّمَانِ.
قُلْنَا: فَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْعَادَةِ فِي اسْتِحَالَةِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ دَائِمًا فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْعَادَةَ مُوجِبَةٌ لِصِدْقِ الْمُخْبِرِينَ، إِذَا كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا، وَحُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ، وَلَيْسَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الصِّدْقُ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ الْعَادَةُ تُوجِبُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الصِّدْقِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَخْرُجُ الْعِلْمُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ عَنْ كَوْنِهِ نَظَرِيًّا.
стр. 302
سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِامْتِنَاعِ الْكَذِبِ عَلَى الْمُخْبِرِينَ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَافِيًا فِي كَوْنِ الْعِلْمِ مِنَ التَّوَاتُرِ نَظَرِيًّا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِالْمُقَدِّمَاتِ قَدْ عُلِمَ مَعَهُ أَنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ بِالْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَأَنَّهَا الْوَاسِطَةُ الْمُفْضِيَةُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمِ الْوُجُودِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْغَزَالِيُّ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيًّا لَنَا لَكُنَّا عَالِمِينَ بِذَلِكَ الْعِلْمِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ حُصُولَ عِلْمٍ لِلْإِنْسَانِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ مُحَالٌ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ ضَرُورِيًّا، وَجَبَ أَنْ يَعْلَمَ كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ ضَرُورِيًّا لَا بُدَّ وَأَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْعِلْمِ بِالْمُخْبَرِ بِالضَّرُورَةِ وَالْعِلْمُ بِصِفَتِهِ؛ وَهِيَ الضَّرُورَةُ، غَيْرَ ضَرُورِيٍّ.
كَيْفَ وَأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا، لَعَلِمْنَاهُ عَلَى صِفَتِهِ نَظَرِيًّا عَلَى مَا قَرَّرُوهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيًّا، لَمَا اخْتَلَفَ الْعُقَلَاءُ فِيهِ، كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاخْتِلَافُ فِيهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ، وَإِلَّا كَانَ خِلَافُ السُّوفِسْطَائِيَّةِ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِالضَّرُورِيَّاتِ، مَانِعًا مِنْ كَوْنِهَا ضَرُورِيَّةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ مِنَ الْخَصْمَيْنِ هَاهُنَا، بَلْ وَلَكَانَ خِلَافُ السُّمَنِيَّةِ فِي حُصُولِ أَصْلِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ مَانِعًا مِنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لَا يَزِيدُ فِي الْقُوَّةِ عَلَى خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ رَسُولِهِ، بَلْ هُوَ مُمَاثِلٌ أَوْ أَدْنَى، وَالْعِلْمُ بِخَبَرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ غَيْرُ حَاصِلٍ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ بِالِاسْتِدْلَالِ فَمَا هُوَ مِثْلُهُ كَذَلِكَ، وَالْأَدْنَى أَوْلَى.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حَاصِلُ مَا ذُكِرَ رَاجِعٌ إِلَى التَّمْثِيلِ، مُفِيدٌ لِلْيَقِينِ كَمَا عَرَفْنَاهُ فِي مَوَاضِعِهِ.
كَيْفَ وَإِنَّ الْعِلْمَ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِلْمٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقَعُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ، فَكَذَلِكَ لَا تَفَاوُتَ
стр. 303
بَيْنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى ضَرُورِيَّتِهَا، كَالْعِلْمِ بِأَنْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ أَقَلُّ مِنَ الِاثْنَيْنِ وَنَحْوِهِ، وَبَيْنَ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِخَبَرِ اللَّهِ وَخَبَرِ رَسُولِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلْمٌ.
وَمَعَ ذَلِكَ مَا لَزِمَ مِنْ كَوْنِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ ضَرُورِيَّةً أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ وَخَبَرِ رَسُولِهِ ضَرُورِيًّا، وَلَا مِنْ كَوْنِ خَبَرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أَنْ تَكُونَ الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ غَيْرَ ضَرُورِيَّةٍ.
وَإِذَا عُرِفَ ضَعْفُ الْمَأْخَذِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَتَقَاوُمُ الْكَلَامِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْوَاجِبَ إِنَّمَا هُوَ الْوَقْفُ عَنِ الْجَزْمِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لَا يُوَلِّدُ الْعِلْمَ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
اتَّفَقَتِ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لَا يُوَلِّدُ الْعِلْمَ خِلَافًا لِبَعْضِ النَّاسِ.
وَقَدِ اعْتَمَدَ الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ عَلَى مَسْلَكَيْنِ ضَعِيفَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ كَانَ خَبَرُ التَّوَاتُرِ مُوَلِّدًا لِلْعِلْمِ، فَالْعِلْمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَلِّدًا مِنَ الْخَبَرِ الْأَخِيرِ أَوْ مِنْهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ الْمُتَقَضِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مُحَالٌ وَإِلَّا لَتَوَلَّدَ مِنْهُ بِتَقْدِيرِ انْفِرَادِهِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ مُتَعَدِّدَةٌ وَالْمُسَبِّبُ الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْ سَبَبَيْنِ، كَمَا لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا بَيْنَ خَالِقَيْنِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَلِّدًا عَنِ الْخَبَرِ الْأَخِيرِ مَشْرُوطًا بِتَقَدُّمِ مَا وُجِدَ مِنَ الْأَخْبَارِ قَبْلَهُ وَعَدِمَتْ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا عَنِ الْجَمِيعِ فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَلِّدًا عَنِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَهِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ عَنْ كُلٍّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَخْبَارِ. وَهَذَا مِمَّا لَا مَدْفَعَ لَهُ.
نَعَمْ لَوْ قِيلَ أَنَّ تَوَلُّدَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَخْبَارِ مُمْتَنِعٌ ضَرُورَةَ أَنَّ مَا تَقَضَّى مِنَ الْأَخْبَارِ مَعْدُومٌ وَلَا تَوَلَّدَ عَنِ الْمَعْدُومِ كَانَ مُتَّجِهًا.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي، أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدِ اسْتَقَرَّ مِنْ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَلُّدِ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ طَالِبٌ لِجِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّدَ عَنْهُ شَيْءٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، كَالِاعْتِمَادَاتِ وَالْحَرَكَاتِ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ شَيْءٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَالْقَوْلُ وَالْخَبَرُ لَيْسَ
стр. 304
لَهُ جِهَةٌ فَلَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ الْعِلْمُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَوَلَّدَ عَنْهُ الْعِلْمُ لَتَوَلَّدَ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَذَلِكَ (١) مِمَّا لَا اتِّجَاهَ لَهُ مَعَ مَا عُرِفَ مِنْ مَذَاهِبِ الْخُصُومِ، أَنَّ إِرْعَابَ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ مِمَّا يُوَلِّدُ فِيهِ الْوَجَلَ الْمُوَلِّدَ لِلِاصْفِرَارِ بَعْدَ الِاحْمِرَارِ، وَأَنَّ تَهْجِينَهُ لَهُ مِمَّا يُوَلِّدُ فِيهِ الْخَجَلَ الْمُوَلِّدَ لِلِاحْمِرَارِ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ، وَإِنْ كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَنِ الْقَوْلِ الْمُرْهِبِ وَالْمُهَجِّنِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ.
وَالْمُعْتَمَدُ فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا مَا حَقَّقْنَاهُ فِي أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ، مِنَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى امْتِنَاعِ مُوجِدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُمْكِنٌ، فَوُجُودُهُ لَيْسَ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى، فَعَلَيْكَ بِاعْتِبَارِهِ وَنَقْلِهِ إِلَى هُنَا.
فَإِنْ قِيلَ: اخْتِيَارُكُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنَّمَا هُوَ الْوَقْفُ عَنِ الْجَزْمِ بِكَوْنِ الْحَاصِلِ عَنْ خَبَرِ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ هَاهُنَا مِنْ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى يُوجِبُ كَوْنَهُ اضْطِرَارِيًّا لِلْعَبْدِ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ.
كَيْفَ وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى لَأَمْكَنَ حُصُولُهُ عَنْ خَبَرِ الْجَمَاعَةِ الْمَفْرُوضِينَ بِسَبَبِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَأَمْكَنَ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِسَبَبِ عَدَمِ خَلْقِهِ.
فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ وَاجِبَ الْحُصُولِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ بِالِاخْتِيَارِ مُبَاشَرَةً، بَلْ بِالتَّوَلُّدِ عَمَّا هُوَ مُبَاشَرٌ بِالْقُدْرَةِ.
قُلْنَا: أَمَّا التَّنَاقُضُ فَمُنْدَفِعٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ الْعِلْمَ مُكْتَسَبٌ لِلْعَبْدِ، أَوْ هُوَ حَاصِلٌ لَهُ ضَرُورِيًّا، فَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا (٢) .
قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى لَأَمْكَنَ أَنْ يَحْصُلَ وَأَنْ لَا يَحْصُلَ.
قُلْنَا: ذَلِكَ مُمْكِنٌ عَقْلًا، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ بِخَلْقِهِ لِلْعِلْمِ عِنْدَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ، كَمَا أَجْرَى الْعَادَةَ بِالشِّبَعِ عِنْدَ أَكْلِ الْخُبْزِ، وَالرِّيِّ عِنْدَ شُرْبِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ. стр. 305
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ شروط التواتر]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِحُصُولِ الْعِلْمِ عَنِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ عَلَى شُرُوطٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطٍ.
فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِينَ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُسْتَمِعِينَ.
فَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِينَ، فَأَرْبَعَةُ شُرُوطٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونُوا قَدِ انْتَهَوْا فِي الْكَثْرَةِ إِلَى حَدٍّ يَمْتَنِعُ مَعَهُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ لَا ظَانِّينَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُمْ مُسْتَنِدًا إِلَى الْحِسِّ، لَا إِلَى دَلِيلِ الْعَقْلِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَسْتَوِيَ طَرَفَا الْخَبَرِ وَوَسَطُهُ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ مُسْتَقِلٌ بِنَفْسِهِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةً فِيهِ.
وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُسْتَمِعِينَ، فَأَنْ يَكُونَ الْمُسْتَمِعُ مُتَأَهِّلًا لِقَبُولِ الْعِلْمِ بِمَا أُخْبِرَ بِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ فِيهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ.
غَيْرَ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ نَظَرِيٌّ؛ شَرَطَ تَقَدُّمَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَمْ يَشْتَرِطْ سَبْقَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ عِنْدَهُ حَاصِلٌ عِنْدَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ خَلَقَ الْعِلْمَ لَهُ عُلِمَ أَنَّ الْخَبَرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُقْ لَهُ الْعِلْمَ عُلِمَ اخْتِلَالُ هَذِهِ الشُّرُوطِ أَوْ بَعْضِهَا، فَضَابِطُ الْعِلْمِ بِتَكَامُلِ هَذِهِ الشُّرُوطِ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ عِنْدَهُ، لَا أَنَّ ضَابِطَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ سَابِقَةُ (١) حُصُولِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي أَقَلِّ عَدَدٍ يَحْصُلُ مَعَهُ الْعِلْمُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ مَا دُونُ ذَلِكَ، كَالْأَرْبَعَةِ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَجُوزُ لِلْقَاضِي عَرْضُهَا عَلَى الْمُزَكِّينَ بِالْإِجْمَاعِ لِتَحْصِيلِ غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ حَاصِلًا بِقَوْلِ الْأَرْبَعَةِ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ عَدَدٌ نَاقِصٌ، وَتَشَكَّكَ فِي الْخَمْسَةِ. стр. 306
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَقَلُّ ذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ، بِعَدَدِ النُّقَبَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ الْعَدَدِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَقَلُّهُ عِشْرُونَ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِمَا يُخْبِرُونَ بِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَقَلُّ ذَلِكَ أَرْبَعُونَ أَخْذًا مِنْ عَدَدِ أَهْلِ الْجُمُعَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَقَلُّهُمْ سَبْعُونَ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِمَا يُخْبِرُونَ بِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَقَلُّهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، نَظَرًا إِلَى عَدَدِ أَهْلِ بَدْرٍ، إِنَّمَا خُصُّوا بِذَلِكَ لِيُعْلَمَ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ لِلْمُشْرِكِينَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَقَلُّ عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعَالَى، غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّا لَا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا مَعْرِفَةَ الْعَدَدِ الَّذِي حَصَلَ عِلْمُنَا بِوُجُودِ مَكَّةَ، وَبَغْدَادَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَوَاتِرَاتِ عِنْدَهُ.
وَلَوْ كَلَّفْنَا أَنْفُسَنَا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ عِنْدَ تَوَارُدِ الْمُخْبِرِينَ بِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ بِتَرَقُّبِ الْحَالَةِ الَّتِي يَكْمُلُ عِلْمُنَا فِيهَا بَعْدَ تَزَايُدِ ظَنِّنَا بِخَبَرٍ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ لَمْ نَجِدْ إِلَيْهِ سَبِيلًا عَادَةً، كَمَا لَمْ نَجِدْ مِنْ أَنْفُسِنَا الْعِلْمَ بِالْحَالَةِ الَّتِي يَحْصُلُ فِيهَا كَمَالُ عُقُولِنَا بَعْدَ نَقْصِهَا، بِالتَّدْرِيجِ الْخَفِيِّ، لِقُصُورِ الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَقِفُ عَلَى أَقَلِّ عَدَدٍ أَفَادَهُ كَمَا نَعْلَمُ حُصُولَ الشِّبَعِ بِأَكْلِ الْخُبْزِ، وَالرِّيِّ بِشُرْبِ الْمَاءِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَقِفُ عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الشِّبَعُ وَالرِّيُّ.
وَمَا قِيلَ مِنَ الْأَقَاوِيلِ فِي ضَبْطِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، فَهِيَ مَعَ اخْتِلَافِهَا وَتَعَارُضِهَا وَعَدَمِ مُنَاسَبَتِهَا وَمُلَائَمَتِهَا لِلْمَطْلُوبِ مُضْطَرِبَةٌ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ عَدَدٍ يُفْرَضُ حُصُولُ الْعِلْمُ بِهِ لِقَوْمٍ، إِلَّا وَقَدْ يُمْكِنُ فَرْضُ خَبَرِهِمْ بِعَيْنِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلْعِلْمِ، بِالنَّظَرِ إِلَى آخَرِينَ، بَلْ وَلَوْ أَخْبَرُوا بِأَعْيَانِهِمْ بِوَاقِعَةٍ أُخْرَى لَمْ يَحْصُلْ بِهَا الْعِلْمُ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمُ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْعَدَدُ هُوَ الضَّابِطَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَمَا اخْتُلِفَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بِسَبَبِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَرَائِنِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْخَبَرِ، وَقُوَّةِ سَمَاعِ الْمُسْتَمِعِ وَفَهْمِهِ، وَإِدْرَاكِهِ لِلْقَرَائِنِ.
стр. 307
وَبِالْجُمْلَةِ فَضَابِطُ التَّوَاتُرِ مَا حَصَلَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ مِنْ أَقْوَالِ الْمُخْبِرِينَ، لَا أَنَّ الْعِلْمَ مَضْبُوطٌ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَعَلَى هَذَا فَمَا مِنْ عَدَدٍ يُفْرَضُ كَانَ أَرْبَعَةً أَوْ مَا زَادَ إِلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ الْعِلْمُ، وَيُمْكِنَ أَنْ لَا يَحْصُلَ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ، وَمَا ذُكِرَ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ أَنَّ تَعْيِينَ ذَلِكَ الْعَدَدِ فِيهَا إِنَّمَا كَانَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبِرِهِمْ، تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لِأَغْرَاضٍ أُخَرَ غَيْرُ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ.
وَعَلَى قَوْلِنَا بِأَنَّ ضَابِطَ التَّوَاتُرِ حُصُولُ الْعِلْمِ عِنْدَهُ يَمْتَنِعُ الِاسْتِدْلَالُ بِالتَّوَاتُرِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْمَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْوِجْدَانِ، هَذَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الشُّرُوطُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَسِتَّةٌ:
الْأَوَّلُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ شَرْطَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ أَنْ لَا يَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ وَلَا يَحْصُرَهُمْ عَدَدٌ، وَمَذْهَبُ الْبَاقِينَ خِلَافُهُ، وَهُوَ الْحَقُّ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِ أَهْلِ بَلَدٍ مِنَ الْبِلَادِ، بَلْ بِخَبَرِ الْحَجِيجِ أَوْ أَهْلِ الْجَامِعِ بِوَاقِعَةٍ وَقَعَتْ، وَحَادِثَةٍ حَدَثَتْ، مَعَ أَنَّهُمْ مَحْصُورُونَ.
الثَّانِي: ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى اشْتِرَاطِ اخْتِلَافِ أَنْسَابِ الْمُخْبِرِينَ وَأَوْطَانِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ، وَهُوَ فَاسِدٌ، لِأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَهْلَ بَلَدٍ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ وَأَنْسَابُهُمْ، وَأَخْبَرُوا بِقَضِيَّةٍ شَاهَدُوهَا، لَمْ يَمْتَنِعْ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ.
الثَّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ شَرْطَ الْمُخْبِرِينَ أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ عُدُولًا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ عُرْضَةٌ لِلْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ، وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ ضَابِطُ الصِّدْقِ وَالتَّحْقِيقِ فِي الْقَوْلِ؛ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ اخْتَصَّ الْمُسْلِمُونَ بِدَلَالَةِ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْقَطْعِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْعِلْمُ بِتَوَاتُرِ خَبَرِ الْكُفَّارِ لَوَقَعَ الْعِلْمُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّصَارَى مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ عَنْ قَتْلِ الْمَسِيحِ وَصَلْبِهِ، وَمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ مِنْ كَلِمَةِ التَّثْلِيثِ.
وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا الْعِلْمَ بِأَخْبَارِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا كَمَا لَوْ أَخْبَرَ أَهْلُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ بِقَتْلِ مَلِكِهِمْ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ الْكَثْرَةَ مَانِعَةٌ مِنَ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكَذِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا فِيمَا كَانَ دُونَ تِلْكَ الْكَثْرَةِ.
стр. 308
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَإِنَّمَا اخْتَصَّ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ بِالِاحْتِجَاجِ بِهِ لِلْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، دُونَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، كَمَا سَبَقَ بِخِلَافِ التَّوَاتُرِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا الْعِلْمُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّصَارَى مِنْ قَتْلِ الْمَسِيحِ وَصَلْبِهِ وَكَلِمَةِ التَّثْلِيثِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَالًا عَلَى عَدَمِ (١) شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ التَّوَاتُرِ، وَهُوَ إِمَّا اخْتِلَالُ اسْتِوَاءِ طَرَفَيِ الْخَبَرِ وَوَسَطِهِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الشُّرُوطِ قَبْلُ، أَوْ لِأَنَّهُمْ مَا سَمِعُوا كَلِمَةَ التَّثْلِيثِ صَرِيحًا، بَلْ سَمِعُوا كَلِمَةً مُوهِمَةً لِذَلِكَ (٢) فَنَقَلُوا التَّثْلِيثَ، وَيَجِبُ اعْتِقَادُ ذَلِكَ نَفْيًا لِلْكُفْرِ عَنِ الْمَسِيحِ، عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ أَوْ لِأَنَّ الْمَسِيحَ شُبِّهَ لَهُمْ، فَنَقَلُوا قَتْلَهُ وَصَلْبَهُ، وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ غَيْرَ مُعْتَادٍ إِذَا وَقَعَ فِي زَمَانِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ، وَهُوَ زَمَانُ النُّبُوَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي غَيْرِ زَمَانِهِ. وَيَجِبُ اعْتِقَادُ ذَلِكَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ .
فَإِنْ قِيلَ: فَخَرْقُ الْعَوَائِدِ جَائِزٌ فِي غَيْرِ زَمَانِ النُّبُوَّةِ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَلْيَجُزْ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ أَهْلُ ذَلِكَ الْعَصْرِ عَنِ الْمُحَسَّاتِ وَوُقُوعِ الْغَلَطِ فِيهِ.
قُلْنَا: إِنْ حَصَلَ لَنَا الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، عَلِمْنَا اسْتِحَالَةَ الْغَلَطِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا الْعِلْمُ بِهِ، عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ التَّوَاتُرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّرْطُ مُعَيَّنًا عِنْدَنَا (٣) .
الرَّابِعُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَكُونُوا مَحْمُولِينَ عَلَى أَخْبَارِهِمْ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُمْ إِنْ حُمِلُوا عَلَى الصِّدْقِ لَمْ يَمْتَنِعْ حُصُولُ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِمْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُحْمَلُوا عَلَيْهِ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ حَمَلَ الْمَلِكُ أَهْلَ مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ مُحَسٍّ، وَجَدْنَا أَنْفُسَنَا عَالِمَةً بِخَبَرِهِمْ حَسَبَ عِلْمِنَا بِخَبَرِهِمْ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ، وَإِنْ حَمَلُوا عَلَى الْكَذِبِ، فَيَمْتَنِعُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ، لِفَوَاتِ شَرْطٍ، وَهُوَ إِخْبَارُهُمْ عَنْ مَعْلُومٍ مُحَسٍّ. стр. 309
الْخَامِسُ: شَرَطَتِ الشِّيعَةُ وَابْنُ الرَّاوِنْدِيِّ (١) وُجُودَ الْمَعْصُومِ فِي خَبَرِ التَّوَاتُرِ، حَتَّى لَا يَتَّفِقُوا عَلَى الْكَذِبِ، وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا، لِمَا بَيَّنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَوِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ قَتْلِ مَلِكِهِمْ أَوْ أَخْذِ مَدِينَةٍ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِخَبَرِهِمْ، مَعَ كَوْنِهِمْ كُفَّارًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ لَيْسَ فِيهِمْ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، فَالْعِلْمُ يَكُونُ حَاصِلًا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ سَمِعَهُ لَا بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ.
السَّادِسُ: شَرَطَتِ الْيَهُودُ فِي خَبَرِ التَّوَاتُرِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى أَخْبَارِ أَهْلِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِثْلُ هَؤُلَاءِ، فَلَا يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ. بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانُوا أَهْلَ ذِلَّةٍ وَمَسْكَنَةٍ، فَإِنَّ خَوْفَ مُؤَاخَذَتِهِمْ بِالْكَذِبِ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْكَذِبِ.
وَلَوْ صَحَّ لَهُمْ هَذَا الشَّرْطُ، لَثَبَتَ غَرَضُهُمْ مِنْ إِبْطَالِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ بِمُعْجِزَاتِ عِيسَى، وَنَبِيِّنَا ﵇، حَيْثُ إِنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْأَخْبَارِ بِهَا، وَهُمْ أَهْلُ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ. لَكِنَّهُ بَاطِلٌ بِمَا نَجِدُهُ مِنْ أَنْفُسِنَا مِنَ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْأَكَابِرِ وَالشُّرَفَاءِ الْعُظَمَاءِ إِذَا أَخْبَرُوا بِأَمْرٍ مُحَسٍّ، وَكَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا. بَلْ رُبَّمَا كَانَ حُصُولُ الْعِلْمِ مِنْ خَبَرِهِمْ أَسْرَعَ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالذِّلَّةِ لِتَرَفُّعِ هَؤُلَاءِ عَنْ رَذِيلَةِ الْكَذِبِ لِشَرَفِهِمْ وَقِلَّةِ مُبَالَاةِ هَؤُلَاءِ بِهِ لِخِسَّتِهِمْ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ إِذَا تَحَقَّقَ كَانَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ مَعَهُ أَسْرَعَ مِنْ غَيْرِهِ.
أَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْطًا يَنْتَفِي الْعِلْمُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ عِنْدَ انْتِفَائِهِ؛ فَلَا.
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ كُلَّ عَدَدٍ وَقَعَ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ فِي وَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ
ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ وَقَعَ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ فِي وَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِغَيْرِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ لِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّخْصِ إِذَا سَمِعَهُ. وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ إِذَا كَانَ الْعِلْمُ قَدْ حَصَلَ مِنْ نَفْسِ خَبَرِ ذَلِكَ الْعَدَدِ مُجَرَّدًا عَمَّا احْتَفَّ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ الْعَائِدَةِ إِلَى أَخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ وَأَحْوَالِهِمْ وَاسْتِوَاءِ السَّامِعِينَ فِي قُوَّةِ السَّمَاعِ لِلْخَبَرِ وَالْفَهْمِ لِمَدْلُولِهِ مَعَ فَرْضِ التَّسَاوِي فِي стр. 310
الْقَرَائِنِ. مَعَ أَنَّ الْقَرَائِنَ قَدْ تُفِيدُ آحَادُهَا الظَّنَّ. وَبِتَضَافُرِهَا وَاجْتِمَاعِهَا الْعِلْمَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْعَدَدِ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ لِلْمُسْتَمِعِ دُونَ الْبَعْضِ، لِمَا اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي لَا وُجُودَ لَهَا فِي غَيْرِهِ، وَبِتَقْدِيرِ اتِّحَادِ الْوَاقِعَةِ وَقَرَائِنِهَا لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْعَدَدِ لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ حُصُولُهُ لِشَخْصٍ آخَرَ، لِتَفَاوُتِهِمَا فِي قُوَّةِ الْإِدْرَاكِ وَالْفَهْمِ لِلْقَرَائِنِ، إِذِ التَّفَاوُتُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ جِدًّا، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ قُوَّةُ فَهْمِ أَدَقِّ الْمَعَانِي وَأَغْمَضِهَا فِي أَدْنَى دَقِيقَةٍ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَلَا تَعَبٍ.
وَمِنْهُمْ مَنِ انْتَهَى فِي الْبَلَادَةِ إِلَى حَدٍّ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى فَهْمِ أَظْهَرِ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَعَانِي مَعَ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَالُهُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ. وَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ لَا مِرَاءَ فِيهِ. وَمَعَ التَّفَاوُتِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ يَظْهَرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى تَصْحِيحِهِ عَلَى إِطْلَاقِهِ.
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ بَلَغَ عَدَدُ الْمُخْبِرِينَ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ لَكِنِ اخْتَلَفَتْ أَخْبَارُهُمْ مَعَ اشْتِرَاكِ جَمِيعِ أَخْبَارِهِمْ فِي مَعْنًى جَلِيٍّ]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ
إِذَا عُرِفَ أَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْخَبَرِ الْوَاحِدِ، كَالْإِخْبَارِ عَنْ قَتْلِ مَلِكٍ أَوْ هُجُومِ بَلَدٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَوْ بَلَغَ عَدَدُ الْمُخْبِرِينَ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، لَكِنِ اخْتَلَفَتْ أَخْبَارُهُمْ وَالْوَقَائِعُ الَّتِي أَخْبَرُوا عَنْهَا مَعَ اشْتِرَاكِ جَمِيعِ أَخْبَارِهِمْ فِي مَعْنًى جَلِيٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ مُخْبِرَاتِهِمْ فَالْكُلُّ مُخْبِرُونَ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرِكِ ضَرُورَةَ إِخْبَارِهِمْ عَنْ جُزْئِيَّاتِهِ، إِمَّا بِجِهَةِ التَّضَمُّنِ، أَوِ الِالْتِزَامِ، فَكَانَ مَعْلُومًا مِنْ أَخْبَارِهِمْ، وَذَلِكَ كَالْأَخْبَارِ الَّتِي وَرَدَتْ خَارِجَةَ الْحَصْرِ عَنْ وَقَائِعِ عَنْتَرَةَ فِي حُرُوبِهِ، وَوَقَائِعِ حَاتِمٍ فِي هِبَاتِهِ وَضِيَافَاتِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ وَقَائِعُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَكُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ شَجَاعَةِ هَذَا، وَكَرَمِ هَذَا، غَيْرَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِهَا مِثْلَ (١) التَّوَاتُرِ الْأَوَّلِ؛ لِاتِّحَادِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، أَسْرَعَ حُصُولًا مِنَ الثَّانِي، لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ وَمَا طَابَقَهَا مِنَ الْمَعَانِي، وَإِنِ اتَّحَدَ مَدْلُولُهَا مِنْ جِهَةِ التَّضَمُّنِ، أَوِ الِالْتِزَامِ، وَهَذَا آخِرُ بَابِ التَّوَاتُرِ. стр. 311
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ]
[مُقَدِّمَةُ فِي حَقِيقَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَشَرْحِ مَعْنَاهُ]
وَيَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَوَّلُهَا: النَّظَرُ فِي حَقِيقَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ.
وَثَانِيهَا: النَّظَرُ فِي شَرَائِطِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ.
وَثَالِثُهَا: النَّظَرُ فِي مُسْتَنَدِ الرَّاوِي، وَكَيْفِيَّةِ رِوَايَتِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ.
وَرَابِعُهَا: النَّظَرُ فِيمَا اخْتُلِفَ فِي رَدِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِهِ وَمَسَائِلِهِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ
فِي حَقِيقَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ - وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ، فَفِي حَقِيقَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَشَرْحِ مَعْنَاهُ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: خَبَرُ الْوَاحِدِ مَا أَفَادَ الظَّنَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَلَا مُنْعَكِسٍ (١) .
أَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، فَلِأَنَّ الْقِيَاسَ مُفِيدٌ لِلظَّنِّ، وَلَيْسَ هُوَ خَبَرَ وَاحِدٍ. فَقَدْ وُجِدَ الْحَدُّ وَلَا مَحْدُودَ.
وَأَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ، فَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا أَخْبَرَ بِخَبَرٍ. وَلَمْ يُفِدِ الظَّنَّ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يُفِدِ الظَّنَّ فَقَدْ وُجِدَ الْمَحْدُودُ وَلَا حَدَّ. كَيْفَ وَإِنَّ التَّعْرِيفَ بِمَا أَفَادَ الظَّنَّ تَعْرِيفٌ بِلَفْظٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْعِلْمِ، كَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: يَعْلَمُونَ وَبَيِّنَ تَرَجُّحَ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ.
وَالْحُدُودُ مِمَّا يَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرِكَةِ لِإِخْلَالِهَا بِالتَّفَاهُمِ وَافْتِقَارِهَا إِلَى الْقَرِينَةِ.
وَالْأَقْرَبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ خَبَرُ الْآحَادِ مَا كَانَ مِنَ الْأَخْبَارِ غَيْرُ مُنْتَهٍ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ.
وَهُوَ مُنْقَسِمٌ: إِلَى مَا لَا يُفِيدُ الظَّنَّ أَصْلًا، وَهُوَ مَا تَقَابَلَتْ فِيهِ الِاحْتِمَالَاتُ عَلَى السَّوَاءِ، وَإِلَى مَا يُفِيدُ الظَّنَّ وَهُوَ تَرَجُّحُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمُمْكِنَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ.
فَإِنْ نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ تَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ سُمِّي مُسْتَفِيضًا مَشْهُورًا. стр. 312
وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَلْنَذْكُرْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَهِيَ سَبْعٌ:
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْوَاحِدِ الْعَدْلِ إِذَا أَخْبَرَ بِخَبَرٍ هَلْ يُفِيدُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ]
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
اخْتَلَفُوا فِي الْوَاحِدِ الْعَدْلِ. إِذَا أَخْبَرَ بِخَبَرٍ، هَلْ يُفِيدُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ، (١) فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَعْنَى الظَّنِّ لَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الظَّنُّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أَيْ: ظَنَنْتُمُوهُنَّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، لَكِنْ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُطَّرِدٌ فِي خَبَرِ كُلِّ وَاحِدٍ، كَبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ أَخْبَارِ الْآحَادِ لَا فِي الْكُلِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ، كَالنَّظَّامِ، وَمَنْ تَابَعَهُ فِي مَقَالَتِهِ.
وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ مُطْلَقًا، لَا بِقَرِينَةٍ وَلَا بِغَيْرِ قَرِينَةٍ.
وَالْمُخْتَارُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِ، إِذَا احْتَفَّتْ بِهِ الْقَرَائِنُ.
وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَادَةً دُونَ الْقَرَائِنِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْتَنِعُ خَرَقَ الْعَادَةَ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا الْعِلْمَ بِخَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ.
أَمَّا أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمُجَرَّدِهِ، فَقَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ لَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا، وَالْإِشَارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَا هُوَ الْمُعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ.
الْحُجَّةُ الْأُولَى: مِنَ الْحُجَجِ الْوَاهِيَةِ قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ لَأَفَادَهُ كُلُّ خَبَرِ وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لَمَّا كَانَ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ كَانَ كُلُّ خَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ كَذَلِكَ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا قِيَاسٌ تَمْثِيلِيٌّ، وَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْعِلْمِ.
كَيْفَ وَإِنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ إِنْ قِيلَ أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ ضَرُورِيٌّ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَخْلُقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ تَوَاتُرٍ؛ لِعِلْمِهِ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ، أَوْ لَا لِمَصْلَحَةٍ (٢) كَمَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ. стр. 313
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ نَظَرِيٌّ مُكْتَسَبٌ، فَلَا مَانِعَ مِنَ اسْتِوَاءِ جَمِيعِ أَخْبَارِ التَّوَاتُرِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِوَاءُ جَمِيعِ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِي ذَلِكَ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ تَأْثِيرَاتِ الْأَدِلَّةِ فِي النُّفُوسِ بِحَسَبِ الْمُؤَثِّرِ، وَلَا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ؛ وَإِنْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْعَدَالَةِ، سِوَى تَرَجُّحِ صِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ.
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى مَحْضِ الدَّعْوَى فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَهِيَ مُقَابَلَةٌ بِمِثْلِهَا، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْخَصْمُ: وَأَنَا أَجِدُ فِي نَفْسَيِ الْعِلْمَ بِذَلِكَ.
وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ، لَمَا رُوعِيَ فِيهِ شَرْطُ الْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ كَمَا فِي خَبَرِ التَّوَاتُرِ.
وَحَاصِلُ هَذِهِ الْحُجَّةِ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى التَّمْثِيلِ، مُفِيدٌ لِلْيَقِينِ. ثُمَّ مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِخَلْقِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ إِنْ قِيلَ إِنَّ الْعِلْمَ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي خَلْقِهِ عِنْدَ خَبَرِ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَلَا عَدْلٍ، أَوْ أَنْ يَكُونَ التَّوَاتُرُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَوَاتُرٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، إِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ كَسْبِيٌّ، وَخَبَرُ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَلَا عَدْلٍ غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْمُعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُ حُجَجٍ:
الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِمُجَرَّدِهِ، فَلَوْ أَخْبَرَ ثِقَةٌ آخَرُ بِضِدِّ خَبَرِهِ، فَإِنْ قُلْنَا خَبَرُ كُلِّ وَاحِدٍ يَكُونُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ لَزِمَ اجْتِمَاعُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ وَبِنَقِيضِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَإِنْ قُلْنَا خَبَرُ أَحَدِهِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ دُونَ الْآخَرِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، ضَرُورَةَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعَدَالَةِ وَالْخَبَرِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا، فَلَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ بِخَبَرِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى التَّعْيِينِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا جَرَّدْنَا النَّظَرَ إِلَيْهِ، كَانَ خَبَرُهُ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلْعِلْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ هُوَ خَبَرَ الْآخَرِ.
كَيْفَ وَأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ حَتَّى يُقَالَ بِحُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِ، دُونَ خَبَرِ الْآخَرِ (١) . стр. 314
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَمَا إِذَا أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ بِمَخْبَرٍ وَاحِدٍ تَزَيَّدَ اعْتِقَادُهُ بِذَلِكَ الْمُخْبَرِ، وَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مُفِيدًا لِلْعِلْمِ فَالْعِلْمُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّزَيُّدِ وَالنُّقْصَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقَالُ بِأَنَّ الْعِلْمَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلُومِ قَدْ يَكُونُ أَجْلَى مِنْ بَعْضٍ وَأَظْهَرَ، كَالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَإِنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْعِلْمِ الْمُكْتَسَبِ، وَالْعِلْمِ بِالْأَعْيَانِ أَقْوَى مِنَ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ تَصَوُّرَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْعُلُومِ مِنْ حَيْثُ هِيَ عُلُومٌ بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، لِانْتِفَاءِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ عَنْهَا قَطْعًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا كَانَتْ عُلُومًا، بَلْ ظُنُونًا.
وَالتَّفَاوُتُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ وَالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُفْتَقِرٌ فِي حُصُولِهِ إِلَى النَّظَرِ دُونَ الْآخَرِ، أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَسْرَعُ حُصُولًا مِنَ الْآخَرِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى النَّظَرِ.
وَالتَّفَاوُتُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ وَالْعِلْمِ بِالنَّظَرِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِيمَا تَعَلَّقَا بِهِ، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا لَا يُدْرَكُ بِالْخَبَرِ يَكُونُ مُدْرَكًا بِالْعِيَانِ وَالنَّظَرِ (١) .
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَبَرُ الْوَاحِدُ بِمُجَرَّدِهِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ، لَكَانَ الْعِلْمُ حَاصِلًا بِنُبُوَّةِ مَنْ أَخْبَرَ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مُعْجِزَةٍ دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ، وَلَوَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ لِلْحَاكِمِ الْعِلْمُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَأَنْ لَا يَفْتَقِرَ مَعَهُ إِلَى شَاهِدٍ آخَرَ، وَلَا إِلَى تَزْكِيَتِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ طَلَبِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، إِذِ الْعِلْمُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (٢) . стр. 315
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِمُجَرَّدِهِ لَوَجَبَ تَخْطِئَةُ مُخَالِفِهِ بِالِاجْتِهَادِ وَتَفْسِيقُهُ وَتَبْدِيعُهُ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يُبَدَّعُ بِمُخَالَفَتِهِ، وَيُفَسَّقُ، وَلَكَانَ مِمَّا يَصِحُّ مُعَارَضَتُهُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَأَنْ يَمْتَنِعَ التَّشْكِيكُ بِمَا يُعَارِضُهُ كَمَا فِي خَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ (١) .
فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارِضٌ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ وَالْأَثَرِ.
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ نَهَى عَنِ اتِّبَاعِ غَيْرِ الْعِلْمِ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ اتِّبَاعِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَلُزُومِ الْعِلْمِ بِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ لَكَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى مُخَالَفَةِ النَّصِّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَمَّ عَلَى اتِّبَاعِ الظَّنِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ؛ بَلْ لِلظَّنِّ، لَكُنَّا مَذْمُومِينَ عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ لِمَا أَوْجَبَهُ، وَإِنْ كَثُرَ الْعَدَدُ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ عَلَى الْأَوَّلِ جَازَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُهُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ، لَمَا أُبِيحَ قَتْلُ الْمُقِرِّ بِالْقَتْلِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ عَلَيْهِ. وَلَمَا وَجَبَتِ الْحُدُودُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ قَاضِيًا عَلَى دَلِيلِ الْعَقْلِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. стр. 316
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ، وَنَخُصُّ مَذْهَبَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ خَبَرٍ وَخَبَرٍ كَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، فَهُوَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهَ، قَالَ: " مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ بِحَدِيثٍ إِلَّا اسْتَحْلَفْتُهُ سِوَى أَبِي بَكْرٍ " صَدَّقَ أَبَا بَكْرٍ، وَقَطَعَ بِصِدْقِهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ.
قُلْنَا: أَمَّا الْآيَاتُ، فَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَاتِّبَاعِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ إِنَّمَا كَانَ بِنَاءً عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ وَالْإِجْمَاعُ قَاطِعٌ، فَاتِّبَاعُهُ لَا يَكُونُ اتِّبَاعًا لِمَا لَيْسَ بِعِلْمٍ، وَلَا اتِّبَاعًا لِلظَّنِّ (١) .
الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ الْمَنْعُ مِنَ اتِّبَاعِ غَيْرِ الْعِلْمِ فِيمَا الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْعِلْمُ، كَالِاعْتِقَادَاتِ فِي أُصُولِ الدِّينِ مِنَ اعْتِقَادِ وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ عَمَلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ (٢) .
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ، فَغَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجُمْلَةِ قَدْ يُغَايِرُ حُكْمَ الْآحَادِ، عَلَى مَا سَبَقَ مِرَارًا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ لَا تُبْنَى عَلَى غَيْرِ الْعِلْمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَعَلَى خِلَافِ إِجْمَاعِ السَّلَفِ قَبْلَ وُجُودِ الْمُخَالِفِينَ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَثَرِ، فَغَايَتُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا صَدَّقَ أَبَا بَكْرٍ؛ ﵄، مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، لِحُصُولِ ظَنِّهِ بِخَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ دُونَ خَبَرِ غَيْرِهِ لِكَوْنِ مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ الرُّتْبَةِ وَعُلُوِّ الشَّأْنِ فِي الْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ فِي مُقَابَلَةِ يَمِينِ غَيْرِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ جَائِزٌ فِي بَابِ الظُّنُونِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الصِّدْقُ مَعْلُومًا. стр. 317
وَأَمَّا جَوَازُ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، إِذَا احْتَفَّتْ بِهِ الْقَرَائِنُ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَرِينَةَ قَدْ تُفِيدُ الظَّنَّ مُجَرَّدَةً عَنِ الْخَبَرِ.
وَذَلِكَ كَمَا إِذَا رَأَيْنَا إِنْسَانًا يُكْثِرُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى شَخْصٍ مُسْتَحْسَنٍ، فَإِنَّا نَظُنُّ حُبَّهُ لَهُ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مُلَازَمَتُهُ لَهُ، زَادَ ذَلِكَ الظَّنُّ وَلَا يَزَالُ فِي التَّزَايُدِ بِزِيَادَةِ خِدْمَتِهِ لَهُ وَبَذْلِ مَا لَهُ وَتَغَيُّرِ حَالِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَرَائِنِ، حَتَّى يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِحُبِّهِ لَهُ كَمَا فِي تَزَايُدِ الظَّنِّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ حَتَّى يَصِيرَ تَوَاتُرًا.
وَكَذَلِكَ عِلْمُنَا بِخَجَلِ مَنْ هُجِنَ، وَوَجَلِ مَنْ خُوِّفَ، بِاحْمِرَارِ هَذَا وَاصْفِرَارِ هَذَا.
وَبِهَذَا الطَّرِيقِ نَعْلَمُ عِنْدَ ارْتِضَاعِ الطِّفْلِ وُصُولَ اللَّبَنِ إِلَى جَوْفِهِ بِكَثْرَةِ امْتِصَاصِهِ وَازْدِرَادِهِ وَحَرَكَةِ حَلْقِهِ مَعَ كَوْنِ الْمَرْأَةِ شَابَّةً نُفَسَاءَ وَبِسُكُونِ الصَّبِيِّ بَعْدَ بُكَائِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَرَائِنِ.
وَإِذَا كَانَتِ الْقَرَائِنُ الْمُتَضَافِرَةُ بِمُجَرَّدِهَا مُفِيدَةً لِلْعِلْمِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْخَبَرِ الْمُفِيدِ لِلظَّنِّ مُفِيدَةً لِلظَّنِّ، قَائِمَةً مَقَامَ اقْتِرَانِ خَبَرٍ آخَرَ بِهِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ التَّزَايُدُ فِي الظَّنِّ بِزِيَادَةِ اقْتِرَانِ الْقَرَائِنِ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ، كَمَا فِي خَبَرِ التَّوَاتُرِ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوَازُ فَبَيَانُ الْوُقُوعِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ أَنَّ وَلَدَ الْمَلِكِ قَدْ مَاتَ، وَاقْتَرَنَ بِذَلِكَ عِلْمُنَا بِمَرَضِهِ، وَأَنَّهُ لَا مَرِيضَ فِي دَارِ الْمَلِكِ سِوَاهُ، وَمَا شَاهَدْنَاهُ مِنَ الصُّرَاخِ الْعَالِي فِي دَارِهِ، وَالنَّحِيبِ الْخَارِجِ عَنِ الْعَادَةِ، وَخُرُوجِ الْجِنَازَةِ مُحْتَفَّةً بِالْخَدَمِ، وَالْجَوَارِي حَاسِرَاتٍ مُبْرِحَاتٍ يَلْطُمْنَ خُدُودَهُنَّ، وَيَنْتِفْنَ شُعُورَهُنَّ، وَالْمَلِكُ مُمَزَّقُ الثَّوْبِ حَاسِرُ الرَّأْسِ يَلْطُمُ وَجْهَهُ، وَهُوَ مُضْطَرِبُ الْبَالِ، مُشَوَّشُ الْحَالِ، عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الْتِزَامِ الْوَقَارِ وَالْهَيْبَةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَسْبَابِ الْمُرُوءَةِ فَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ سَمِعَ ذَلِكَ الْخَبَرَ، وَشَاهَدَ هَذِهِ الْقَرَائِنَ يَعْلَمُ صِدْقَ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمُخْبَرِهِ، كَمَا يَعْلَمُ صِدْقَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ وَوُقُوعَ مُخْبَرِهِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ، مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَحُبِّهِ لِحَيَاةِ نَفْسِهِ وَكَرَاهَتِهِ لِلْأَلَمِ، وَهُوَ فِي أَرْغَدِ عِيشَةٍ، نَافِذُ الْأَمْرِ، قَائِمُ الْجَاهِ أَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، بِآلَةٍ يُقْتَلُ مِثْلُهَا غَالِبًا، مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ لَهُ فِي قَتْلِهِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ مِنَ الْقِصَاصِ، كَانَ خَبَرُهُ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِصِدْقِهِ عَادَةً.
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي جِوَارِ إِنْسَانٍ امْرَأَةٌ حَامِلٌ، وَقَدِ انْتَهَتْ مُدَّةُ حَمْلِهَا، فَسَمِعَ الطَّلْقَ مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ، وَضَجَّةَ النِّسْوَانِ حَوْلَ تِلْكَ الْحَامِلِ، ثُمَّ سَمِعَ صُرَاخَ
стр. 318
الطِّفْلِ، وَخَرَجَ نِسْوَةٌ يَقُلْنَ إِنَّهَا قَدْ وَلَدَتْ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَرِيبُ فِي ذَلِكَ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ قَطْعًا، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ مِمَّا يُخْرِجُ الْمُنَاظَرَةَ إِلَى الْمُكَابَرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِمَوْتِ وَلَدِ الْمَلِكِ فِي الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا مِنْ نَفْسِ الْخَبَرِ أَوْ مِنْ نَفْسِ الْقَرَائِنِ، أَوْ مِنَ الْخَبَرِ مَشْرُوطًا بِالْقَرَائِنِ، أَوْ بِالْقَرَائِنِ مَشْرُوطًا بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُجَرَّدِ الْخَبَرِ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ أَوَّلًا، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَبَرِ مَشْرُوطًا بِالْقَرَائِنِ، وَلَا مِنَ الْقَرَائِنِ بِشَرْطِ الْخَبَرِ وَلَا مِنَ الْخَبَرِ وَالْقَرَائِنِ مَعًا، لِاسْتِقْلَالِ تِلْكَ الْقَرَائِنِ الْمَذْكُورَةِ بِإِفَادَةِ الْعِلْمِ بِالْمَوْتِ، سَوَاءٌ وُجِدَ الْخَبَرُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا مِنْ نَفْسِ الْقَرَائِنِ وَلَا أَثَرَ لِلْخَبَرِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارِضٌ بِمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مُجَرَّدًا عَنِ الْقَرَائِنِ فَإِنَّهَا مُتَّجِهَةٌ بِعَيْنِهَا هَاهُنَا.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ مَا وُجِدَ مِنَ الْقَرَائِنِ مَوْتَ غَيْرِ وَلَدِ الْمَلِكِ فَجْأَةً، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا الْخَبَرُ بِمَوْتِ ذَلِكَ الْمَرِيضِ بِعَيْنِهِ، كَانَ اعْتِقَادُ مَوْتِهِ آكَدَ مِنِ اعْتِقَادِ مَوْتِهِ مَعَ الْقَرَائِنِ دُونَ الْخَبَرِ (١) .
وَعَنِ الْمُعَارَضَاتِ أَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
أَمَّا الْحُجَّةُ الْأُولَى، فَلِأَنَّا إِذَا فَرَضْنَا حُصُولَ الْعِلْمِ بِخَبَرِ مَنِ احْتَفَّتْ بِخَبَرِهِ الْقَرَائِنُ، فَيَمْتَنِعُ تَصَوُّرُ اقْتِرَانِ مِثْلِ تِلْكَ الْقَرَائِنِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا بِالْخَبَرِ الْمُنَاقِضِ لَهُ وَإِنْ كَانَ نَفْسُ الْخَبَرِ مُنَاقِضًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ بِمُجَرَّدِهِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ خَبَرٍ آخَرَ مُنَاقِضٍ لَهُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الشَّاهِدِ (٢) .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ، فَلِأَنَّ مَا نَجِدُهُ مِنَ التَّزَيُّدِ عِنْدَ أَخْبَارِ الْآحَادِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ فِيهِ بِخَبَرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَأَمَّا مَتَى كَانَ الْعِلْمُ قَدْ حَصَلَ بِخَبَرِ الْأَوَّلِ стр. 319
فَالتَّزَيُّدُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ مُمْتَنِعًا، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِخَبَرٍ، فَإِنَّا إِذَا جَرَّدْنَا النَّظَرَ إِلَى خَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، وَجَدْنَا أَنْفُسَنَا مِمَّا يَزِيدُ فِيهَا الظَّنُّ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ بِاقْتِرَانِ خَبَرِ غَيْرِهِ بِخَبَرِهِ (١) .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: فَلِأَنَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمُخْبَرِهِ، لَزِمَ تَصْدِيقُ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ فِي خَبَرِهِ، وَلَا كَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْخَبَرَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِلَّا بِالْقَرَائِنِ.
فَخَبَرُ الْوَاحِدِ بِنُبُوَّتِهِ لَا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِصِدْقِهِ دُونَ اقْتِرَانِ الْقَرَائِنِ بِقُولِهِ، وَالْمُعْجِزَةُ مِنَ الْقَرَائِنِ (٢) .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: فَغَايَتُهَا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ خَبَرٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِمُجَرَّدِهِ (٣) ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ بِخَبَرٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ هَلْ يُعْلَمُ كَوْنَهُ صَادِقًا فِيهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَبَرٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، هَلْ يُعْلَمُ كَوْنَهُ صَادِقًا فِيهِ؟
مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا لَأَنْكَرَ النَّبِيُّ ﵇ عَلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ مُقِرًّا لَهُ عَلَى الْكَذِبِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَ سَامِعٍ لَهُ، بَلْ هُوَ ذَاهِلٌ عَنْهُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ السَّمَاعُ وَعَدَمُ الْغَفْلَةِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَعْلَمَ سَمَاعَهُ لَهُ وَعَدَمَ غَفْلَتِهِ عَنْهُ، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا يَكُونَ فَاهِمًا لِمَا يَقُولُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ فَهْمُهُ لَهُ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فَاهِمًا لَهُ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مُتَعَلِّقًا بِالدِّينِ، أَوِ الدُّنْيَا: فَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالدِّينِ، وَقُدِّرَ كَوْنُهُ كَاذِبًا فِيهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَيَّنَهُ لَهُ وَعَلِمَ أَنَّ إِنْكَارَهُ عَلَيْهِ وَبَيَانَهُ لَهُ ثَانِيًا غَيْرُ مُنْجِعٍ فِيهِ فَلَمْ يَرَ فِي стр. 320
الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فَائِدَةً، وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إِهْمَالِهِ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ ذَلِكَ كُلِّهِ، احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كَذِبُهُ فِي ذَلِكَ صَغِيرَةً، وَعَدَمُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ صَغِيرَةً فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَانْتِفَاءُ الصَّغَائِرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ.
هَذَا، إِنْ كَانَ إِخْبَارُهُ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ إِخْبَارُهُ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ بِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ ظَنَّ عِلْمَهِ بِهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكَذِبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنَ الْإِنْكَارِ لِمَانِعٍ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إِنْكَارِهِ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الصَّغَائِرِ - الصَّغَائِرُ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ كَمَا عُلِمَ - وَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ الْإِنْكَارِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا، وَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ ظَنًّا (١) .
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِخَبَرٍ عَنْ أَمْرٍ مُحَسٍّ بَيْنَ يَدَيْ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ وَسَكَتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِخَبَرٍ عَنْ أَمْرٍ مُحَسٍّ بَيْنَ يَدَيْ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ وَسَكَتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ قَالَ قَوْمٌ: عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ صِدْقُهُ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَادَةً أَنْ لَا يَطَّلِعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى كَذِبِهِ، وَبِتَقْدِيرِ الِاطِّلَاعِ يَمْتَنِعُ عَادَةً سُكُوتُ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ عَنِ التَّكْذِيبِ مَعَ اخْتِلَافِ أَمْزِجَتِهِمْ وَطِبَاعِهِمْ وَاخْتِلَافِ دَوَاعِيهِمْ. فَحَيْثُ سَكَتُوا عَنِ التَّكْذِيبِ دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ وَلَيْسَ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمُ اطِّلَاعٌ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَلَا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا، وَلَا وَاحِدَ مِنْهُمْ، وَلَا الْعَادَةَ مِمَّا تُحِيلُ اطِّلَاعَ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَعْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوِ اثْنَانِ كَذِبَهُ، فَالْعَادَةُ لَا تُحِيلُ سُكُوتَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ عَنْ تَكْذِيبِهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَعْلَمَ الْكُلُّ بِكَذِبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَانِعًا مَنَعَهُمْ مِنْ تَكْذِيبِهِ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَمْتَنِعُ الْقَطْعُ بِتَصْدِيقِهِ وَإِنْ كَانَ صِدْقُهُ مَظْنُونًا. следующие страницы →