Полный текст (1 203 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا أَنْكَرَ الشَّيْخُ رِوَايَةَ الْفَرْعِ عَنْهُ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
إِذَا أَنْكَرَ الشَّيْخُ رِوَايَةَ الْفَرْعِ عَنْهُ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُهُ لِذَلِكَ إِنْكَارَ جُحُودٍ وَتَكْذِيبٍ لِلْفَرْعِ، أَوْ إِنْكَارَ نِسْيَانٍ وَتَوَقُّفٍ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ (١) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَذِّبٌ لِلْآخَرِ فِيمَا يَدَّعِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَذِبِ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْقَدْحِ فِي الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ جَرْحَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى التَّعْيِينِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدْلٌ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي كَذِبِهِ.
وَالْأَصْلُ الْعَدَالَةُ فَلَا تُتْرَكُ بِالشَّكِّ.
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْخَبَرِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الثَّانِي، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ ذَلِكَ الْخَبَرِ وَالْعَمَلِ بِهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى جَوَازِ الْعَمَلِ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ (٢) وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ، وَدَلِيلُهُ الْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَمَا رُوِيَ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» (٣) ثُمَّ نَسَبَهُ سُهَيْلٌ، فَكَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي أَنِّي حَدَّثْتُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَرْوِيهِ هَكَذَا.
وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ ذَلِكَ، فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِهِ. стр. 387
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفَرْعَ عَدْلٌ، وَهُوَ جَازِمٌ بِرِوَايَتِهِ عَنِ الْأَصْلِ، غَيْرُ مُكَذِّبٍ لَهُ وَهُمَا عَدْلَانِ، فَوَجَبَ قَبُولُ الرِّوَايَةِ وَالْعَمَلُ بِهَا.
الثَّانِي: أَنَّ نِسْيَانَ الْأَصْلِ الرِّوَايَةُ لَا تَزِيدُ عَلَى مَوْتِهِ وَجُنُونِهِ، وَلَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ، كَانَتْ رِوَايَةُ الْفَرْعِ عَنْهُ مَقْبُولَةً، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا إِجْمَاعًا فَكَذَلِكَ إِذَا نَسِيَ.
فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَضِيَّةِ رَبِيعَةَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ سُهَيْلًا ذَكَرَ الرِّوَايَةَ بِرِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْهُ وَمَعَ الذِّكْرِ، فَالرِّوَايَةُ تَكُونُ مَقْبُولَةً.
ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، (أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمَّا كُنَّا فِي الْإِبِلِ، فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ» (١) فَلَمْ يَقْبَلْ عُمَرُ مِنْ عَمَّارٍ مَا رَوَاهُ، مَعَ كَوْنِهِ عَدْلًا عِنْدَهُ، لِمَا كَانَ نَاسِيًا لَهُ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْمَعْقُولِ، فَالْأَصْلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا لِلْفَرْعِ، غَيْرَ أَنَّ نِسْيَانَهُ لِمَا نُسِبَ إِلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِشَيْءٍ، فَقَالَ الْحَاكِمُ: لَا أَذْكُرُ ذَلِكَ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَنْكَرَ شَاهِدُ الْأَصْلِ شَهَادَةَ الْفَرْعِ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ النِّسْيَانِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ.
الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ سُهَيْلًا ذَكَرَ الرِّوَايَةَ، قُلْنَا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَانْطَوَى ذِكْرُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ يَرْوِي عَنْ شَيْخِهِ، كَمَا لَوْ نَسِيَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا رَدُّ عُمَرَ لِرِوَايَةِ عَمَّارٍ عِنْدَ نِسْيَانِهِ، فَلَيْسَ نَظِيرًا لِمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ عَمَّارًا لَمْ يَكُنْ رَاوِيًا عَنْ عُمَرَ، بَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَيْثُ لَمْ يَعْمَلُ عُمَرُ بِرِوَايَتِهِ فَلَعَلَّهُ كَانَ شَاكًّا فِي رِوَايَتِهِ أَوْ كَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَذْهَبًا لَهُ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ. стр. 388
وَأَمَّا الْحَاكِمُ إِذَا نَسِيَ مَا حَكَمَ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِحُكْمِهِ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ: يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَعِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ فِيهَا مِنَ الشُّرُوطِ وَالْقُيُودِ مَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الرِّوَايَةِ، وَذَلِكَ كَاعْتِبَارِ الْعَدَدِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ، وَلَا يُقْبَلْ فِيهَا الْعَنْعَنَةُ، وَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلَوْ قَالَ: أَعْلَمُ بَدَلَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ لَا يَصِحُّ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إِذَا رَوَى جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ حَدِيثًا وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِزِيَادَةٍ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
إِذَا رَوَى جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ حَدِيثًا، وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِزِيَادَةٍ فِي الْحَدِيثِ لَا تُخَالِفُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ رَوَى جَمَاعَةٌ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْبَيْتَ، وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِزِيَادَةٍ، فَقَالَ: دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلَّى، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُ الرِّوَايَةِ مُخْتَلِفًا بِأَنْ يَكُونَ الْمُنْفَرِدُ بِالزِّيَادَةِ رِوَايَتُهُ عَنْ مَجْلِسٍ غَيْرِ مَجْلِسِ الْبَاقِينَ، أَوْ أَنَّ مَجْلِسَ الرِّوَايَةِ مُتَّحِدٌ، وَيُجْهَلُ الْأَمْرَانِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ مُخْتَلِفًا، فَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا فِي قَبُولِ الزِّيَادَةِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ فَعَلَ الزِّيَادَةَ فِي أَحَدِ الْمَجْلِسَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَالرَّاوِي عَدْلٌ ثِقَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَقْدَحُ فِي رِوَايَتِهِ، فَكَانَتْ رِوَايَتُهُ مَقْبُولَةً.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ رَوَى حَدِيثًا لَمْ يَنْقِلْهُ غَيْرُهُ مَعَ عَدَمِ حُضُورِهِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى شَخْصٍ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ لِزَيْدٍ فِي مَجْلِسٍ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَلْفٍ، لَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْأَلْفِ الزَّائِدَةِ، مَعَ أَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ كَمَا قَرَّرْنَا.
وَأَمَّا إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، فَإِنْ كَانَ مَنْ لَمْ يَرْوُوا الزِّيَادَةَ قَدِ انْتَهَوْا إِلَى عَدَدٍ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَادَةِ غَفْلَةُ مِثْلِهِمْ عَنْ سَمَاعِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَفَهْمِهَا، فَلَا يَخْفَى أَنَّ تَطَرُّقَ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ إِلَى الْوَاحِدِ فِيمَا نَقَلَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ، يَكُونُ أَوْلَى مِنْ تَطَرُّقِ ذَلِكَ إِلَى الْعَدَدِ الْمَفْرُوضِ
стр. 389
فَيَجِبُ رَدُّهَا (١) وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا إِلَى هَذَا الْحَدِّ، فَقَدِ اتَّفَقَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ الزِّيَادَةِ، خِلَافًا عَنْهُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَلِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّاوِيَ عَدْلٌ ثِقَةٌ، وَقَدْ جَزَمَ بِالرِّوَايَةِ، وَعَدَمُ نَقْلِ الْغَيْرِ لَهَا فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَمْ يَنْقُلِ الزِّيَادَةَ قَدْ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْمَجْلِسِ وَسَمِعَ بَعْضَ الْحَدِيثِ أَوْ خَرَجَ فِي أَثْنَاءِ الْمَجْلِسِ لِطَارِئٍ أَوْجَبَ لَهُ الْخُرُوجَ قَبْلَ سَمَاعِ الزِّيَادَةِ.
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا مِنْ أَوَّلِ الْمَجْلِسِ إِلَى آخِرِهِ، فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ طَرَأَ مَا شَغَلَهُ عَنْ سَمَاعِ الزِّيَادَةِ وَفَهْمِهَا مِنْ سَهْوٍ أَوْ أَلَمٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ مُفْرِطٍ، أَوْ فِكْرَةٍ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ، أَوِ اشْتِغَالٍ بِحَدِيثٍ مَعَ غَيْرِهِ وَالْتِفَاتٍ إِلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ نَسِيَهَا بَعْدَ مَا سَمِعَهَا.
وَمَعَ تَطَرُّقِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ وَجَزْمِ الْعَدْلِ بِالرِّوَايَةِ، لَا يَكُونُ عَدَمُ نَقْلِ غَيْرِهِ لِلزِّيَادَةِ قَادِحًا فِي رِوَايَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَإِنْ كَانَتْ مُنْقَدِحَةً فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرْوِ الزِّيَادَةَ، فَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ عَلَى النَّاقِلِ لِلزِّيَادَةِ أَيْضًا مُنْقَدِحٌ.
وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهَا، أَوْ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ، وَتَوَهَّمَ سَمَاعَهَا مِنَ الرَّسُولِ، أَوْ أَنَّهُ ذَكَرَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ، فَظَنَّ السَّامِعُ أَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ، وَذَلِكَ كَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى» .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسَبُ غَيْرَ الطَّعَامِ إِلَّا كَالطَّعَامِ، فَأَدْرَجَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي الْحَدِيثِ.
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «فَإِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ اسْتُؤْنِفَتِ الْفَرِيضَةُ» " فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ الِاسْتِئْنَافَ إِعَادَةً لِلْفَرْضِ الْأَوَّلِ فِي الْمِائَةِ الْأُولَى، فَقَالَ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، وَأَدْرَجَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَعَ تَعَارُضِ الِاحْتِمَالَاتِ، فَلَيْسَ الْعَمَلُ بِالزِّيَادَةِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا، بَلِ التَّرْجِيحُ بِجَانِبِ التَّرْكِ لِوَجْهَيْنِ: стр. 390
الْأَوَّلُ: أَنَّ احْتِمَالَ تَطَرُّقِ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ عَلَى الْوَاحِدِ أَكْثَرُ مِنِ احْتِمَالِ تَطَرُّقِهِ إِلَى الْجَمَاعَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّرْكَ عَلَى وَفْقِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَالْإِثْبَاتَ عَلَى خِلَافِهِ، فَكَانَ أَوْلَى، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الْمُقَوِّمُونَ عَلَى قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَخَالَفَهُمْ وَاحِدٌ بِزِيَادَةٍ فِي تَقْوِيمِهِ فِي الْقِيمَةِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تُلْغَى بِالْإِجْمَاعِ.
وَالْجَوَابُ عَمَّا عَارَضُوا بِهِ مِنَ السَّهْوِ فِي حَقِّ رَاوِي الزِّيَادَةِ، أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُنْقَدِحًا، غَيْرَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرْوِ الزِّيَادَةَ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّ سَهْوَ الْإِنْسَانِ عَمَّا سَمِعَهُ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ سَهْوِهِ فِيمَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الزِّيَادَةِ بِنَاءً عَلَى احْتِمَالِ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا، غَيْرَ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، إِذِ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْعَدْلِ الثِّقَةِ أَنَّهُ لَا يُدْرِجُ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَيْسَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّدْلِيسِ وَالتَّلْبِيسِ، وَلَوْ جَوَّزَ مِثْلَ ذَلِكَ فَمَا مِنْ حَدِيثٍ إِلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِبْطَالُ جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّرْجِيحِ الْأَوَّلِ فَغَيْرُ مُطَّرِدٍ فِيمَا إِذَا كَانَ عَدَدُ النَّاقِلِ لِلزِّيَادَةِ مُسَاوِيًا لِعَدَدِ الْآخَرِينَ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النِّزَاعِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّرْجِيحَ بِجَانِبِ الْوَاحِدِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّرْجِيحِ الثَّانِي فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُقْتَضِيَةً لِنَفْيِ حُكْمٍ لَوْلَاهَا لَثَبَتَ، وَأَمَّا التَّقْوِيمُ فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَطَرُّقَ الْخَطَأِ فِي ذَلِكَ إِلَى الْوَاحِدِ أَكْثَرُ مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى الْجَمْعِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِنَقْلِ مَا هُوَ مَحْسُوسٌ بِالسَّمْعِ، وَتَطَرُّقُ الْخَطَأِ إِلَيْهِ بَعِيدٌ.
وَأَمَّا إِنْ جُهِلَ الْحَالُ فِي أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَجَالِسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَقَبُولُ الزِّيَادَةِ فِيهِ أَوْلَى، نَظَرًا إِلَى احْتِمَالِ اخْتِلَافِ مَجْلِسِ الرِّوَايَةِ.
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مُخَالِفَةً لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ
стр. 391
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهُ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَالظَّاهِرُ التَّعَارُضُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ رَوَى الْوَاحِدُ الزِّيَادَةَ مَرَّةً، وَأَهْمَلَهَا مَرَّةً، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، فَالتَّفْصِيلُ وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إِذَا تَعَدَّدَتِ الرُّوَاةُ، فَعَلَيْكَ بِالِاعْتِبَارِ.
وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَسْنَدَ الْخَبَرَ وَاحِدٌ، وَأَرْسَلَهُ الْبَاقُونَ، أَوْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَوْقَفَهُ الْبَاقُونَ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ.
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إِذَا سَمِعَ الرَّاوِي خَبَرًا وَأَرَادَ نَقْلَ بَعْضِهِ وَحَذْفَ بَعْضِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
إِذَا سَمِعَ الرَّاوِي خَبَرًا وَأَرَادَ نَقْلَ بَعْضِهِ، وَحَذْفَ بَعْضِهِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُتَضَمِّنًا لِأَحْكَامٍ لَا يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: (الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) فَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا فِي جَوَازِ نَقْلِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ الْبَعْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَخْبَارٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَمَنْ سَمِعَ أَخْبَارًا مُتَعَدِّدَةً فَلَهُ رِوَايَةُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى إِنَّمَا هُوَ نَقْلُ الْخَبَرِ بِتَمَامِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : ( «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» ) .
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُشْتَمِلًا عَلَى ذِكْرِ غَايَةٍ، كَنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ؛ حَتَّى تَحُوزَهُ التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ، وَكَنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، أَوْ شَرْطٍ: كَقَوْلِهِ ( «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمْذَى فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» ) .
أَوِ اسْتِثْنَاءٍ: كَقَوْلِهِ ( «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ إِلَى قَوْلِهِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ) .
فَإِذَا ذَكَرَ بَعْضَ الْخَبَرِ، وَقَطَعَهُ عَنِ الْغَايَةِ أَوِ الشَّرْطِ أَوِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْحُكْمِ وَتَبْدِيلِ الشَّرْعِ.
стр. 392
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ خَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا وَرَدَ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ
خَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا وَرَدَ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، كَخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ (١) فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ، وَخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، وَخَبَرِهِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ، وَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ نَاسِيًا وَنَحْوِهِ، مَقْبُولٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ (٢) وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ النَّصُّ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْمَعْقُولُ، وَالْإِلْزَامُ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أَوْجَبَ الْإِنْذَارَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ خَرَجَتْ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَإِنْ كَانَتْ آحَادًا، وَهُوَ مُطْلَقٌ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَمَا لَا تَعُمُّ، وَلَوْلَا أَنَّهُ وَاجِبُ الْقَبُولِ لَمَا كَانَ لِوُجُوبِهِ فَائِدَةٌ، وَتَقْرِيرُهُ كَمَا سَبَقَ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقَتْ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، حَتَّى رَوَى لَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَانْتَهَيْنَا» .
وَمِنْ ذَلِكَ رُجُوعُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ إِلَى خَبَرِ عَائِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُهَا «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاغْتَسَلْنَا» .
وَمِنْ ذَلِكَ: رُجُوعُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي سُدُسِ الْجَدَّةِ لَمَّا قَالَ لَهَا " لَا أَجِدُ لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا " إِلَى خَبَرِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطْعَمَهَا السُّدُسَ» وَصَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: стр. 393
الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّاوِيَ عَدْلٌ ثِقَةٌ، وَهُوَ جَازِمٌ بِالرِّوَايَةِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ صِدْقُهُ، وَذَلِكَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ كَخَبَرِهِ فِيمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، فَكَانَ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ، كَالْقِيَاسِ، وَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ، فَكَانَ الظَّنُّ فِيهَا حُجَّةً.
وَأَمَّا الْإِلْزَامُ فَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ وَحُكْمَ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَوُجُوبَ الْغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ، وَإِفْرَادَ الْإِقَامَةِ وَتَثْنِيَتَهَا، فَمِنْ قَبِيلِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَثْبَتَهَا الْخُصُومُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَدَّ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ فِي الْجَدَّةِ.
وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْمَعْقُولِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَظْنُونٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، كَخُرُوجِ الْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، وَمَسِّ الذَّكَرِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلَوْ كَانَتِ الطَّهَارَةُ مِمَّا تُنْتَقَضُ بِهِ لَوَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِشَاعَتَهُ وَأَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْآحَادِ بِهِ، بَلْ يُلْقِيهِ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ مُبَالَغَةً فِي إِشَاعَتِهِ، حَتَّى لَا يُفْضِيَ ذَلِكَ إِلَى إِبْطَالِ صَلَاةِ أَكْثَرِ الْخَلْقِ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَحَيْثُ لَمْ يَنْقُلْهُ سِوَى الْوَاحِدِ دَلَّ عَلَى كَذِبِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ السُّؤَالُ عَنْهُ، وَالْجَوَابُ وَالدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى نَقْلِهِ.
فَحَيْثُ انْفَرَدَ بِهِ الْوَاحِدُ دَلَّ عَلَى كَذِبِهِ، كَانْفِرَادِ الْوَاحِدِ بِنَقْلِ قَتْلِ أَمِيرِ الْبَلَدِ فِي السُّوقِ، بِمَشْهَدٍ مِنَ الْخَلْقِ وَطُرُوءِ حَادِثَةٍ مَنَعَتِ النَّاسَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّ الْخَطِيبَ سَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ عَلَى رَأْسِ الْمِنْبَرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، بِمَعْرِفَتِهِ امْتَنَعَ إِثْبَاتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْإِلْزَامَاتِ فَغَيْرُ مُسَاوِيَةٍ فِي عُمُومِ الْبَلْوَى لِمَسِّ الذَّكَرِ، فَلَا تَكُونُ فِي مَعْنَاهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ رَدِّ أَبِي بَكْرٍ بِخَبَرِ الْمُغِيرَةِ فِي الْجَدَّةِ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُطْلَقًا ; وَلِهَذَا عَمِلَ بِهِ لِمَا تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَخَبَرُهُمَا غَيْرُ خَارِجٍ عَنِ الْآحَادِ.
стр. 394
وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّكْذِيبِ فَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُكَلَّفًا بِالْإِشَاعَةِ عَلَى لِسَانِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
قَوْلُهُمْ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذَلِكَ إِبْطَالُ صَلَاةِ أَكْثَرِ الْخَلْقِ، لَا نُسَلِّمُ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ ذَلِكَ، فَالنَّقْضُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّهِ.
وَلَا تَكْلِيفَ بِمَعْرِفَةِ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.
وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَوَفُّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ إِنْ لَوْ كَانَ لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِهِ سِوَى النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ طَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ، فَخَبَرُ الْوَاحِدِ كَافٍ فِيهِ، وَلِهَذَا جَازَ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ إِجْمَاعًا، وَمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِنَ الْوَقَائِعِ فَغَيْرُ مُنَاظِرَةٍ لِمَا نَحْنُ فِيهِ، إِذِ الطِّبَاعُ مِمَّا تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِهَا وَإِشَاعَتِهَا عَادَةً، فَانْفِرَادُ الْوَاحِدِ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ (١) .
ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ مُنْتَقِضٌ عَلَيْهِمْ حَيْثُ عَمِلُوا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صُوَرِ الْإِلْزَامِ وَمَسِّ الذَّكَرِ، وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ فِي الْوُقُوعِ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُ تِلْكَ الصُّورَةَ عَنْ كَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي عُمُومِ الْبَلْوَى.
وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّمَا امْتَنَعَ إِثْبَاتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لَا لِأَنَّهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، بَلْ لِأَنَّهُ الْمُعْجِزُ فِي إِثْبَاتِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ إِشَاعَتُهُ وَإِلْقَاؤُهُ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ (٢) .
وَلَا كَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الظَّنَّ كَافٍ فِيهِ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، وَمَا عَدَا الْقُرْآنِ مِمَّا أُشِيعُ إِشَاعَةً اشْتَرَكَ فِيهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، كَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، وَأُصُولِ الْمُعَامَلَاتِ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ مِمَّا كَانَ يَجُوزُ أَنْ لَا يَشِيعَ، فَذَلِكَ إِمَّا بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِإِشَاعَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣) . стр. 395
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ إِذَا رَوَى الصَّحَابِيُّ خَبَرًا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمِلًا أَوْ ظَاهِرًا أَوْ قَاطِعًا فِي مَتْنِهِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ
إِذَا رَوَى الصَّحَابِيُّ خَبَرًا، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمِلًا أَوْ ظَاهِرًا أَوْ قَاطِعًا فِي مَتْنِهِ.
فَإِنْ كَانَ مُجْمِلًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ مَحَامِلَ عَلَى السَّوِيَّةِ، كَلَفْظِ الْقُرُوءِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ حَمَلَهُ الرَّاوِي عَلَى بَعْضِ مَحَامِلِهِ، فَإِنْ قُلْنَا إِنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ ظَاهِرُ الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ مَحَامِلِهِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ، فَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: بِامْتِنَاعِ حَمْلِهِ عَلَى جَمِيعِ مَحَامِلِهِ فَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا فِي وُجُوبِ حَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى مَا حَمَلَهُ الرَّاوِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ، لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ وَتَعْرِيفِ الْأَحْكَامِ، وَيُخَلِّيهِ عَنْ حَالِيَّةٍ أَوْ مَقَالِيَّةٍ تُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكَلَامِ.
وَالصَّحَابِيُّ الرَّاوِي الْمُشَاهِدُ لِلْحَالِ أَعْرَفُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ تَعْيِينَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ حَتَّى يَنْظُرَ، فَإِنِ انْقَدَحَ لَهُ وَجْهٌ يُوجِبُ تَعْيِينَ غَيْرِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ، وَإِلَّا فَتَعْيِينُ الرَّاوِي صَالِحٌ لِلتَّرْجِيحِ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي مَعْنًى، وَحَمَلَهُ الرَّاوِي عَلَى غَيْرِهِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْكَرْخِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ دُونَ تَأْوِيلِ الرَّاوِي: وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ كَيْفَ أَتْرُكُ الْخَبَرَ لِأَقْوَالِ أَقْوَامٍ، لَوْ عَاصَرْتُهُمْ لَحَاجَجْتُهُمْ بِالْحَدِيثِ؟ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَذْهَبِ الرَّاوِي.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَذْهَبِ الرَّاوِي وَتَأْوِيلِهِ وَجْهٌ، سِوَى عِلْمِهِ بِقَصْدِ النَّبِيِّ ﷺ لِذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ جُوزَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَارَ إِلَيْهِ لِدَلِيلٍ ظَهَرَ لَهُ، مِنْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَجَبَ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ عُلِمَ مَأْخَذُهُ فِي الْمُخَالَفَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ حَمْلَ الْخَبَرِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الرَّاوِي، وَجَبَ اتِّبَاعُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ لَا لِأَنَّ الرَّاوِيَ عَمِلَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَمَلُ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ.
стр. 396
وَإِنَّ جُهِلَ مَأْخَذُهُ فَالْوَاجِبُ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّاوِيَ عَدْلٌ، وَقَدْ جَزَمَ بِالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ، وَمُخَالَفَةِ الرَّاوِي لَهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لِنِسْيَانٍ طَرَأَ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لِدَلِيلٍ اجْتَهَدَ فِيهِ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ، أَوْ هُوَ مِمَّا يَقُولُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، كَمَا عُرِفَ مِنْ مُخَالَفَةِ مَالِكٍ، لِخَبَرِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ بِمَا رَآهُ مِنْ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا لَا مِرَاءَ فِيهِ، مِنْ قَصْدِ النَّبِيِّ لَهُ.
وَإِذَا تَرَدَّدَ بَيْنَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ، فَالظَّاهِرُ لَا يُتْرُكُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَبِمُخَالَفَتِهِ لِلْخَبَرِ، لَا يَكُونُ فَاسِقًا، حَتَّى يَمْتَنِعَ الْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْخَصْمِ إِنَّهُ إِنْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِالرَّاوِي وَجَبَ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُسِيئَ بِهِ الظَّنُّ امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْخَبَرُ نَصًّا فِي دَلَالَتِهِ، غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلتَّأْوِيلِ وَالْمُخَالَفَةِ، فَلَا وَجْهَ لِمُخَالَفَةِ الرَّاوِي لَهُ سِوَى احْتِمَالِ اطِّلَاعِهِ عَلَى نَاسِخٍ، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ نَاسِخًا فِي نَظَرِهِ، وَلَا يَكُونُ نَاسِخًا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ.
وَمَا ظَهَرَ فِي نَظَرِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، فَلَا يُتْرَكُ النَّصُّ الَّذِي لَا احْتِمَالَ فِيهِ لِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ.
[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ عَمِلَ بِخِلَافِهِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ
خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ، إِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمِلَ بِخِلَافِهِ، فَلَا يُرَدُّ لَهُ الْخَبَرُ إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ ، دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِهِ، أَوْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِهِ، لَكِنَّهُ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ خَوَاصِّهِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَوَاصِّهِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ الْخَبَرِ إِنْ تَعَذَّرَ تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَإِنْ عَمِلَ بِخِلَافِهِ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ فَهُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ، فَلَا يُرَدُّ الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِجْمَاعًا.
وَإِنْ خَالَفَ بَاقِي الْحُفَّاظِ لِلرَّاوِي فِيمَا نَقَلَهُ، فَالْمُخْتَارُ الْوَقْفُ فِي ذَلِكَ نَظَرًا إِلَى أَنَّ تَطَرُّقَ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى الْوَاحِدِ، غَيْرَ أَنَّ تَطَرُّقَ السَّهْوِ إِلَى مَا لَمْ يُسْمَعْ أَنَّهُ سُمِعَ أَبْعَدُ مِنْ تَطَرُّقِ السَّهْوِ إِلَى مَا سُمِعَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ (١) . стр. 397
[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُوجِبُ الْحَدَّ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ
اتَّفَقَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَفِي كُلِّ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، خِلَافًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَالْكَرْخِيِّ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» " (١) وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِالظَّنِّ، بِدَلِيلِ ثُبُوتِهِ بِالشَّهَادَةِ، وَبِظَاهِرِ الْكِتَابِ، فَجَازَ إِثْبَاتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الظَّنِّيَّةِ، وَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ (٢) فَكَانَ الظَّنُّ كَافِيًا فِيهَا.
وَسُقُوطُهُ بِالشُّبْهَةِ لَوْ كَانَ لَكَانَ مَانِعًا مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ، وَعَلَى مَنْ يَدَّعِيهِ بَيَانُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: خَبَرُ الْوَاحِدِ مِمَّا يَدْخُلُهُ احْتِمَالُ الْكَذِبِ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ، لِقَوْلِهِ ﷺ : ( «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ) فَهُوَ بَاطِلٌ بِإِثْبَاتِهِ بِالشَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلْكَذِبِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَثْبُتُ بِهَا. стр. 398
[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ خَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ
خَبَرُ الْوَاحِدِ، إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، فَإِمَّا أَنْ يَتَعَارَضَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُثْبِتًا لِمَا نَفَاهُ الْآخَرُ، أَوْ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُخَصَّصًا لِلْآخَرِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالْكَرْخِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ الْخَبَرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ، وَقَالَ عِيسَى (١) بْنُ أَبَانَ: إِنْ كَانَ الرَّاوِي ضَابِطًا عَالِمًا غَيْرَ مُتَسَاهِلٍ فِيمَا يَرْوِيهِ، قُدِّمَ خَبَرُهُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ.
وَفَصَلَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، فَقَالَ: عِلَّةُ الْقِيَاسِ الْجَامِعَةُ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً، فَالنَّصُّ عَلَيْهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا بِهِ، أَوْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ: فَإِنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْعِلَّةِ لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى الْعِلَّةِ كَالنَّصِّ عَلَى حُكْمِهَا، وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مَظْنُونٌ، فَكَانَتْ مُقَدَّمَةً.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ مَقْطُوعًا بِهِ، وَلَا حُكْمُهَا فِي الْأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ لِاسْتِوَاءِ النَّصَّيْنِ فِي الظَّنِّ، أَوِ اخْتِصَاصِ خَبَرَ الْوَاحِدِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ بِصَرِيْحِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، بِخِلَافِ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى الْعِلَّةِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا ثَابِتًا قَطْعًا، فَذَلِكَ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً فَحُكْمُ الْأَصْلِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ أَوْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا بِخَبَرٍ وَاحِدٍ، فَالْأَخْذُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ قَطْعًا، قَالَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مَوْضِعَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمُخْتَارُهُ أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بِالْوَقْفِ.
وَالْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَتْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ قَطْعِيًّا، أَوْ ظَنِّيًّا: فَإِنْ كَانَ مَتْنُهُ قَطْعِيًّا فَعِلَّةُ الْقِيَاسِ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً، وَقُلْنَا إِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى عِلَّةِ الْقِيَاسِ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الْقِيَاسِ فَالنَّصُّ стр. 399
الدَّالُّ عَلَيْهَا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا فِي الدَّلَالَةِ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَوْ رَاجِحًا عَلَيْهِ، أَوْ مَرْجُوحًا.
فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا، فَخَبَرُ الْوَاحِدِ أَوْلَى لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَدَلَالَةِ نَصِّ الْعِلَّةِ عَلَى حُكْمِهَا بِوَاسِطَةٍ.
وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا، فَخَبَرُ الْوَاحِدِ أَوْلَى مَعَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَإِنْ كَانَ رَاجِحًا عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَوُجُودُ الْعِلَّةِ فِي الْفَزَعِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا بِهِ أَوْ مَظْنُونًا: فَإِنْ كَانَ مَقْطُوعًا، فَالْمَصِيرُ إِلَى الْقِيَاسِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ وُجُودُهَا فِيهِ مَظْنُونًا، فَالظَّاهِرُ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّ نَصَّ الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْعِلَّةِ رَاحِجًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةِ الْعِلَّةِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا بِوَاسِطَةٍ، فَاعْتَدَلَا.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً، فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ مُطْلَقًا، وَدَلِيلُهُ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ، وَالْمَعْقُولُ.
أَمَّا النَّصُّ فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ حَيْثُ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا: ( «بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، وَلَا آلُو» .
أَخَّرَ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ عَنِ السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» .
وَإِمَّا الْإِجْمَاعُ، فَهُوَ أَنَّ عُمَرَ ﵁، تَرَكَ الْقِيَاسَ فِي الْجَنِينِ لِخَبَرِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَالَ: " لَوْلَا هَذَا، لَقَضَيْنَا فِيهِ بِرَأْيِنَا ".
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ، فِي تَفْرِيقِ دِيَةِ الْأَصَابِعِ عَلَى قَدْرِ مَنَافِعِهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي رَوَى فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، وَتَرَكَ اجْتِهَادَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ تَرَكَ اجْتِهَادَهُ فِي مَنْعِ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ: " أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا " وَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، فَصَارَ إِجْمَاعًا.
стр. 400
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ، فَهُوَ أَنْ خَبَرَ الْوَاحِدِ رَاجِحٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْخَبَرِ وَاحْتِمَالَ الْخَطَأِ فِيهِ أَقَلُّ مِنَ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَخْرُجُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ عَنْ عَدَالَةِ الرَّاوِي، وَعَنْ دَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَعَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً مَعْمُولًا بِهَا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ حُكْمُ أَصْلِهِ ثَابِتًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ مِمَّا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ أَوْ لَا.
وَبِتَقْدِيرِ إِمْكَانِ تَعْلِيلِهِ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي إِظْهَارِ وَصْفٍ صَالِحٍ لِلتَّعْلِيلِ، وَبِتَقْدِيرِ ظُهُورِ وَصْفٍ صَالِحٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي نَفْيِ الْمُعَارِضِ لَهُ فِي الْأَصْلِ.
وَبِتَقْدِيرِ سَلَامَتِهِ عَنْ ذَلِكَ يَفْتَقِرُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي وُجُودِهِ فِي الْفَرْعِ، وَبِتَقْدِيرِ وَجُودِهِ فِيهِ، يَفْتَقِرُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي نَفْيِ الْمُعَارِضِ فِي الْفَرْعِ مِنْ وُجُودِ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ، وَبِتَقْدِيرِ انْتِفَاءِ ذَلِكَ، يَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً.
فَهَذِهِ سَبْعَةُ أُمُورٍ لَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا. وَمَا يَفْتَقِرُ فِي دَلَالَتِهِ إِلَى بَيَانِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ لَا غَيْرَ، فَاحْتِمَالُ الْخَطَأِ فِيهِ يَكُونُ أَقَلَّ احْتِمَالًا مِنِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِيمَا يَفْتَقِرُ فِي بَيَانِهِ إِلَى سَبْعَةِ أُمُورٍ. فَكَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ أَوْلَى.
وَرُبَّمَا قِيلَ فِي تَرْجِيحِ خَبَرِ الْوَاحِدِ هُنَا وُجُوهٌ أُخَرُ وَاهِيَةٌ آثَرْنَا الْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِهَا، لِظُهُورِ فَسَادِهَا بِأَوَّلِ نَظَرٍ.
فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ خَبَرِ مُعَاذٍ، فَقَدْ خَالَفْتُمُوهُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِي الْقِيَاسِ مَقْطُوعًا بِعِلِّيَّتِهَا وَبِوُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: " إِذَا «اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» " لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ رَدَّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّوَضِّي مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ بِالْقِيَاسِ، وَقَالَ: أَلَسْنَا نَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْحَمِيمِ، فَكَيْفَ نَتَوَضَّأُ بِمَا عَنْهُ نَتَوَضَّأُ؟ .
стр. 401
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّرْجِيحِ، فَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا يَتَطَرَّقُ إِلَى الْخَبَرِ مِنِ احْتِمَالِ كَذِبِ الرَّاوِي، وَأَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ مُخْطِئًا.
وَاحْتِمَالُ الْإِجْمَالِ فِي دَلَالَةِ الْخَبَرِ وَالتَّجَوُّزِ، وَالْإِضْمَارِ وَالنَّسْخِ، وَكُلِّ ذَلِكَ، غَيْرُ مُتَطَرِّقٍ إِلَى الْقِيَاسِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَجُوزُ بِهِ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَكَانَ تَرْكُ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْقِيَاسِ أَوْلَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ الظَّنَّ بِالْقِيَاسِ يَحْصُلُ لِلْمُجْتَهِدِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَالظَّنُّ الْحَاصِلُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، وَثِقَةُ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ أَتَمُّ مِنْ ثِقَتِهِ بِغَيْرِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ، بِتَقْدِيرِ إِكْذَابِ الْمُخْبِرِ لِنَفْسِهِ، يُخْرِجُ الْخَبَرَ عَنْ كَوْنِهِ شَرْعِيًّا، وَلَا كَذَلِكَ الْقِيَاسُ.
وَالْجَوَابُ: قَوْلُهُمْ إِنَّكُمْ خَالَفْتُمْ خَبَرَ مُعَاذٍ، قُلْنَا: غَايَتُهُ أَنَّا خَصَّصْنَاهُ فِي صُورَةٍ لِمَعْنًى لَمْ يُوجَدْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَبَقِينَا عَامِلِينَ بِعُمُومِهِ فِيمَا عَدَا تِلْكَ الصُّورَةِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رَدَّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْقِيَاسِ فِيمَا ذَكَرُوهُ، لَيْسَ كَذَلِكَ، أَمَّا رَدُّهُ لِخَبَرِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ، فَإِنَّمَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، أَنْ لَوْ كَانَ قَدْ رَدَّهُ لِمُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ الْمُقْتَضِي لِجَوَازِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
أَمَّا أَوَّلًا، فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْقِيَاسِ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ، وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ، فَهُوَ إِنَّمَا رَدَّهُ لَا لِلْقِيَاسِ، بَلْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَاذَا تَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ.
وَالْمِهْرَاسُ كَانَ حَجَرًا عَظِيمًا يُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ لِأَجْلِ الْوُضُوءِ، فَاسْتَبْعَدَ الْأَخْذَ بِالْخَبَرِ لِاسْتِبْعَادِهِ صَبَّ الْمَاءَ مِنَ الْمِهْرَاسِ عَلَى الْيَدِ.
وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَا تَخَيَّلَهُ مِنَ الِاسْتِبْعَادِ عَائِشَةَ، حَيْثُ قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا هُرَيْرَةَ لَقَدْ كَانَ رَجُلًا مِهْذَارًا، فَمَاذَا يُصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟ (١) .
وَأَمَّا تَرْكُهُ لِخَبَرِ التَّوَضِّي مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَلَمْ يَكُنْ بِالْقِيَاسِ، بَلْ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقِيَاسَ بَعْدَ مُعَارَضَتِهِ بِالْخَبَرِ. стр. 402
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَرْجِيحَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فَمُنْدَفِعَةٌ.
أَمَّا تَطَرُّقُ احْتِمَالِ الْكَذِبِ وَالْفِسْقِ وَالْخَطَأِ إِلَى الرَّاوِي، وَإِنْ كَانَ مُنْقَدِحًا، فَمِثْلُهُ مُتَطَرِّقٌ إِلَى دَلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ، إِذَا كَانَ ثَابِتًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النِّزَاعِ.
وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَلَا يَخْفَى أَنَّ تَطَرُّقَ ذَلِكَ إِلَى مَنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ وَإِسْلَامُهُ أَبْعَدُ مِنْ تَطْرُّقِ الْخَطَأِ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اجْتِهَادِهِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ احْتِمَالَاتِ الْخَطَأِ فِي الْقِيَاسِ، لِكَوْنِهِ مُعَاقَبًا عَلَى الْكَذِبِ وَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعَاقَبٍ عَلَيْهِ، بَلْ مُثَابٍ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَطَرُّقِ التَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ وَالنَّسْخِ إِلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجِبُ تَرْجِيحَ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ الظَّاهِرِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مُتَطَرَّقٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْقِيَاسَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِهِ، قُلْنَا وَكَذَلِكَ خَبَرُ الْوَاحِدِ، فَلَا تَرْجِيحَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، كَيْفَ وَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعَطِّلٍ لِلْكِتَابِ، أَنْ يَكُونَ مُعَطِّلًا لِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْكُلِّيَّةِ، إِذِ الْكَلَامُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا تَعَارَضَا وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
وَقَوْلُهُمْ إِنَّ الظَّنَّ مِنَ الْقِيَاسِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، قُلْنَا: إِلَّا أَنَّ تَطَرُّقَ الْخَطَأِ إِلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
وَقَوْلُهُمْ إِنَّ الْخَبَرَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ شَرْعِيًّا بِإِكْذَابِ الْمُخْبِرِ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ.
قُلْنَا: وَبِتَقْدِيرِ الْخَطَأِ فِي الْقِيَاسِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قِيَاسِيًّا شَرْعِيًّا فَاسْتَوَيَا، كَيْفَ وَإِنَّ التَّرْجِيحَ لِلْخَبَرِ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَى غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهَا أَوَّلًا، وَهُوَ أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى كَلَامِ الْمَعْصُومِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْصُومٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقِيَاسَ مُفْتَقِرٌ إِلَى جِنْسِ النَّصِّ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إِلَى شَرَفِ الْقِيَاسِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يَصِيرُ قَطْعِيًّا بِمَا يَعْتَضِدُ بِهِ مِنْ جِنْسِهِ حَتَّى يَصِيرَ مُتَوَاتِرًا، وَلَا كَذَلِكَ الْقِيَاسُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْقَطْعِ بِمَا يَعْتَضِدُ بِهِ مِنْ جِنْسِ الْأَقْيِسَةِ أَصْلًا، فَكَانَ أَوْلَى.
стр. 403
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا تَعَارَضَا وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعَمُّ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ هُوَ الْأَعَمَّ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ مُخَصَّصًا لَهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ أَعَمَّ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْعِلَّةَ لَا تَبْطُلُ بِتَقْدِيرِ تَخْصِيصِهَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ وَبِالْقِيَاسِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْعِلَّةَ تَبْطُلُ بِتَقْدِيرِ تَخْصِيصِهَا، فَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا عُرِفَ فِيمَا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ.
[الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ قَبُولِ الْخَبَرِ الْمُرْسَلِ]
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ.
اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ الْخَبَرِ الْمُرْسَلِ وَصُورَتِهِ، مَا إِذَا قَالَ مَنْ لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ عَدْلًا " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ".
فَقَبِلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَجَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي هَاشِمٍ.
وَفَصَلَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فَقَبِلَ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ، وَمَنْ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ مُطْلَقًا، دُونَ مَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵁، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ الْمُرْسَلُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ أَوْ مُرْسَلًا قَدْ أَسْنَدَهُ غَيْرُ مُرْسِلِهِ أَوْ أَرْسَلَهُ رَاوٍ آخَرُ يَرْوِي عَنْ غَيْرِ شُيُوخِ الْأَوَّلِ، أَوْ عَضَّدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُرْسِلُ قَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ عَمَّنْ فِيهِ عِلَّةٌ مِنْ جَهَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، كَمَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، فَهُوَ مَقْبُولٌ وَإِلَّا فَلَا.
وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ (١) وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وَالْمُخْتَارُ قَبُولُ مَرَاسِيلِ الْعَدْلِ مُطْلَقًا، وَدَلِيلُهُ الْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ، أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ الْمَرَاسِيلِ مِنَ الْعَدْلِ: стр. 404
أَمَّا الصَّحَابَةُ فَإِنَّهُمْ قَبِلُوا أَخْبَارَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَعَ كَثْرَةِ رِوَايَتِهِ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سِوَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ، لِصِغَرِ سِنِّهِ (١) .
وَلَمَّا رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى حَجَرَ الْعَقَبَةِ» .
قَالَ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ، لَمَّا رُوجِعَ فِيهِ: أَخْبَرَنِي بِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ فِي الْخَبَرِ الثَّانِي: أَخْبَرَنِي بِهِ أَخِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ (٢) .
وَأَيْضًا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَلَهُ قِيرَاطٌ» " وَأَسْنَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَيْضًا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ فَلَا صَوْمَ لَهُ " وَقَالَ: مَا أَنَا قُلْتُهُ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا قَالَهُ» ، فَلَمَّا رُوجِعَ فِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ بِهِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ سَمِعْنَا بَعْضَهُ، وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا بِبَعْضِهِ.
وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إِرْسَالُ الْأَخْبَارِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ إِذَا حَدَّثْتَنِي فَأَسْنِدْ، فَقَالَ: إِذَا قُلْتُ لَكَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي حَدَّثَنِي، وَإِذَا قُلْتُ لَكَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، فَقَدْ حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ عَنْهُ، وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ رَوَى حَدِيثًا، فَلَمَّا رُوجِعَ فِيهِ قَالَ: (أَخْبَرَنِي بِهِ سَبْعُونَ بَدْرِيًّا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا اشْتُهِرَ مِنْ إِرْسَالِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مَشْهُورًا فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا (٣) . стр. 405
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْعَدْلَ الثِّقَةَ إِذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا، مُظْهِرًا لِلْجَزْمِ بِذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ أَوْ ظَانٌّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ.
فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ظَانًّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْهُ، أَوْ كَانَ شَاكًّا فِيهِ، لَمَا اسْتَجَازَ فِي دِينِهِ النَّقْلَ الْجَازِمَ عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّدْلِيسِ عَلَى الْمُسْتَمِعِينَ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيلَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ عَالِمًا وَلَا ظَانًّا بِصِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ (١) .
فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ الْإِجْمَاعَ، وَدَلِيلُهُ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ: أَمَّا الْإِجْمَالُ فَهُوَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَالْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، فَلَا يُسَاعِدُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ فَهُوَ أَنَّ غَايَةَ مَا ذَكَرَ مَصِيرُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ إِلَى الْإِرْسَالِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِجْمَاعِ الْكُلِّ.
قَوْلُكُمْ: لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا بَاحَثُوا ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا أَخْبَرَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا نَأْخُذُ بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا عَدَمَ النَّكِيرِ، فَغَايَتُهُ أَنَّهُمْ سَكَتُوا، وَالسُّكُوتُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ، سَلَّمْنَا الْمُوَافَقَةَ، غَيْرَ أَنَّ الْإِرْسَالَ الْمُحْتَجَّ بِوُقُوعِهِ، إِنَّمَا وَقَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ وَالتَّابِعِيَّ إِنَّمَا يَرْوِي عَنِ الصَّحَابِيِّ، وَالصَّحَابَةُ عُدُولٌ عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. стр. 406
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْمَعْقُولِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ " تَعْدِيلٌ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْوِي الشَّخْصُ عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ، لَجَرَحَهُ، أَوْ تَوَقَّفَ فِيهِ، فَالرَّاوِي سَاكِتٌ عَنِ التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ، وَالسُّكُوتُ عَنِ الْجَرْحِ لَا يَكُونُ تَعْدِيلًا، وَإِلَّا كَانَ السُّكُوتُ عَنِ التَّعْدِيلِ جَرْحًا ; وَلِهَذَا فَإِنَّ شَاهِدَ الْفَرْعِ لَوْ أَرْسَلَ شَهَادَةَ الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ تَعْدِيلًا لِشَاهِدِ الْأَصْلِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
قَوْلُكُمْ: لَوْ لَمْ يَكُنْ ظَانًّا لِعَدَالَةِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ عَالِمًا بِهَا، لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَجْزِمَ بِالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا إِمْكَانَ الرِّوَايَةِ عَنِ الْكَاذِبِ، وَالْجَزْمَ بِالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مَعَ تَجْوِيزِ كَذِبِ الرَّاوِي، وَذَلِكَ قَادِحٌ فِي الرِّوَايَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَإِذَا تَعَذَّرَ الْجَزْمُ، فَلَيْسَ حَمْلُ قَوْلِهِ: (قَالَ) عَلَى مَعْنَى (أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ) أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى (أَنِّي سَمِعْتُ أَنَّهُ قَالَ) وَلَوْ حُمِلَ عَلَى (أَنِّي سَمِعْتُ أَنَّهُ قَالَ) لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْدِيلًا، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ بِرِوَايَتِهِ مُدَلِّسًا وَلَا مُلَبِّسًا.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْإِرْسَالَ تَعْدِيلٌ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ التَّعْدِيلِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذِكْرِ أَسْبَابِ الْعَدَالَةِ كَافٍ فِي التَّعْدِيلِ كَمَا سَبَقَ.
سَلَّمْنَا أَنَّ مُطْلَقَ التَّعْدِيلِ كَافٍ، لَكِنْ إِذَا عُيِّنَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ بِفِسْقٍ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُعَيِّنْهُ، فَلَعَلَّهُ اعْتَقَدَهُ عَدْلًا فِي نَظَرِهِ، وَلَوْ عَيَّنَهُ لَعَرَفْنَا فِيهِ فِسْقًا لَمْ يَطَّلِعِ الْمُعَدِّلُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلْ تَعْدِيلُ شَاهِدِ الْفَرْعِ لِشَاهِدِ الْأَصْلِ مَعَ عَدَمِ تَعْيِينِهِ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى التَّعْدِيلِ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْدِيلِ، وَبَيَانُهُ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ.
الْأَوَّلُ أَنَّ الْجَهَالَةَ بِعَيْنِ الرَّاوِي آكَدُ مِنَ الْجَهْلِ بِصِفَتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ جُهِلَتْ ذَاتُهُ فَقَدْ جُهِلَتْ صِفَتُهُ، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، وَلَوْ كَانَ مَعْلُومَ الْعَيْنِ، مَجْهُولَ الصِّفَةِ، لَمْ يَكُنْ خَبَرُهُ مَقْبُولًا، فَإِذَا كَانَ مَجْهُولَ الْعَيْنِ وَالصِّفَةِ، أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ خَبَرُهُ مَقْبُولًا.
الثَّانِي: أَنَّ مِنْ شَرْطِ قَبُولِ الرِّوَايَةِ الْمَعْرِفَةَ بِعَدَالَةِ الرَّاوِي، وَالْمُرْسِلُ لَا يَعْرِفُ عَدَالَةَ الرَّاوِي لَهُ، فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ مَقْبُولًا لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ الْخَبَرَ كَالشَّهَادَةِ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِرْسَالَ فِي الشَّهَادَةِ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِهَا فَكَذَلِكَ الْخَبَرُ.
стр. 407
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ الْعَمَلُ بِالْمَرَاسِيلِ، لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَالْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ مَعْنًى.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمَرَاسِيلِ لَزِمَ فِي عَصْرِنَا هَذَا أَنْ يُعْمَلَ بِقَوْلِ الْإِنْسَانِ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَذَا " وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ الرُّوَاةُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
السَّادِسُ: أَنَّ الْخَبَرَ خَبَرَانِ: تَوَاتَرٌ وَآحَادٌ، وَلَوْ قَالَ الرَّاوِي " أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أُحْصِيهِمْ عَدَدًا " لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّوَاتُرِ، فَكَذَلِكَ فِي الْآحَادِ.
وَالْجَوَابُ قَوْلُهُمُ: الْإِجْمَاعُ لَا يُسَاعِدُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، قُلْنَا: الَّذِي لَا يُسَاعِدُ إِنَّمَا هُوَ الْإِجْمَاعُ الْقَاطِعُ فِي مَتْنِهِ وَسَنَدِهِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ فَظَنِّيٌّ، فَلَا يُمْتَنَعُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ كَالظَّاهِرِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
قَوْلُهُمْ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْإِنْكَارِ، قُلْنَا: الْأَصْلُ عَدَمُهُ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ بَاحَثُوا ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: الْمُرَاجَعَةُ فِي ذَلِكَ لَا تَدُلُّ عَلَى إِنْكَارِ الْإِرْسَالِ (١) بَلْ غَايَتُهُ طَلَبُ زِيَادَةِ عِلْمٍ لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً بِالْإِرْسَالِ، وَقَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ لَيْسَ إِنْكَارًا لِلْإِرْسَالِ مُطْلَقًا، بَلْ إِرْسَالُ الْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ لَا غَيْرَ لِظَنِّهِ أَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا فِي ذَلِكَ تَعْدِيلَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ (٢) .
وَلِهَذَا قَالَ فَإِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ عَمَّنْ أَخَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ، لَا عَلَى الْإِرْسَالِ.
قَوْلُهُمْ: السُّكُوتُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، قُلْنَا: وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا قَطْعًا فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا ظَنًّا، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْإِجْمَاعِ (٣) .
قَوْلُهُمْ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ إِرْسَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيِنَ حُجَّةٌ، قُلْنَا: إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ، أَنْ لَوْ كَانُوا لَا يَرْوُونَ إِلَّا عَنِ الصَّحَابِيِّ الْعَدْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ بَعْدَ الْإِرْسَالِ حَدَّثَنِي بِهِ رَجُلٌ عَلَى بَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِيمَا أَرْسَلَهُ حَدَّثَنِي بِهِ بَعْضُ الْحَرَسِيَّةِ. стр. 408
قَوْلُهُمْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ " تَعْدِيلٌ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، قُلْنَا دَلِيلُهُ مَا سَبَقَ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَرْوِي عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ لَجَرَّحَهُ أَوْ عَدَّلَهُ، قُلْنَا: ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إِذَا كَانَ قَدْ عَيَّنَ الرَّاوِي، وَوَكَلَ النَّظَرَ فِيهِ إِلَى الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كَذَا، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ فُلَانٌ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كَذَا، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُعَيِّنْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِقَوْلِهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ عَدَالَةَ الرَّاوِي عَلَى مَا سَبَقَ (١) .
وَأَمَّا إِرْسَالُ الشَّهَادَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِهَا عَدَمُ قَبُولِ الْإِرْسَالِ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدِ اعْتُبِرَ فِيهَا مِنَ الِاحْتِيَاطِ مَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْجَزْمَ مَعَ تَجْوِيزِ كَذِبِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ كَذِبٌ، قُلْنَا: إِنَّمَا يَكُونُ كَذِبًا، إِنْ لَوْ ظُنَّ أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ ذَلِكَ مَعَ ظَنِّ الصِّدْقِ، فَلَا يَكُونُ كَاذِبًا، وَإِنِ احْتَمَلَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ كَاذِبًا، كَمَا لَوْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْعَنْعَنَةِ.
قَوْلُهُمْ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْإِرْسَالَ مِنَ الرَّاوِي تَعْدِيلٌ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، لَكِنَّهُ تَعْدِيلٌ مُطْلَقٌ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً مُوجِبَةً لِلْعَمَلِ بِهِ عَلَى الْغَيْرِ، قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّعْدِيلَ الْمُطْلَقَ دُونَ تَعْيِينٍ سَبَبُهُ كَافٍ فِيمَا تَقَدَّمَ (٢) .
قَوْلُهُمْ لَعَلَّهُ: اعْتَقَدَهُ عَدْلًا وَلَوْ عَيَّنَهُ لَعَرَفْنَا فِيهِ فِسْقًا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُعَدِّلُ، قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، غَيْرَ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُهُ (٣) وَلَا سِيَّمَا مَعَ تَعْدِيلِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ بِأَحْوَالِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَعَدَمِ الظَّفَرِ بِمَا يُوجِبُ الْجَرْحَ.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ الرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ، فَقَدْ عُرِفَ وَجْهُ الْفَارِقِ فِيهِمَا، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى، فَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ يَلْزَمُ مِنَ الْجَهْلِ بِعَيْنِ الرَّاوِي، الْجَهْلُ بِصِفَتِهِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مِمَّا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ الْإِرْسَالَ يَدُلُّ عَلَى تَعْدِيلِهِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ، وَإِنْ جُهِلَتْ عَيْنُهُ стр. 409
وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ الثَّانِيَةِ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الثَّالِثَةُ، فَقَدْ عُرِفَ جَوَابُهَا بِالْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الرَّابِعَةُ، فَجَوَابُهَا بِبَيَانِ فَائِدَةِ ذِكْرِ الرَّاوِي، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَالُ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، فَيُعَيِّنُهُ لِيَكِلَ النَّظَرَ فِي أَمْرِهِ إِلَى الْمُجْتَهِدِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أُرْسِلَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا عُيِّنَ الرَّاوِي، فَالظَّنُّ الْحَاصِلُ لِلْمُجْتَهِدِ بِفَحْصِهِ بِنَفْسِهِ عَنْ حَالِهِ يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ لَهُ بِفَحْصِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الْخَامِسَةُ فَمُنْدَفِعَةٌ أَيْضًا، فَإِنَّهُ مَهْمَا كَانَ الْمُرْسِلُ لِلْخَبَرِ فِي زَمَانِنَا عَدْلًا، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ الْحُفَّاظُ، فَهُوَ حُجَّةٌ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ السَّادِسَةُ، فَإِنَّمَا لَمْ يَصِرِ الْخَبَرُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ مُتَوَاتِرًا ; لِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُشْتَرَطُ فِيهِ اسْتِوَاءُ طَرَفَيْهِ وَوَسَطِهِ، وَالْوَاحِدُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَا يَحْصُلُ بِخَبَرِهِ التَّوَاتُرُ.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْمُرْسَلَ مَقْبُولٌ مِنَ الْعَدْلِ، فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ كَالشَّافِعِيِّ، فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ إِنَّهُ يَكُونُ مَقْبُولًا إِذَا أَسْنَدَهُ غَيْرُ الْمُرْسِلِ أَوْ أَسْنَدَهُ الْمُرْسِلُ مَرَّةً ; لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِسْنَادِ، لَا عَلَى الْإِرْسَالِ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: إِنَّهُ يَكُونُ مَقْبُولًا إِذَا أَرْسَلَهُ اثْنَانِ، وَكَانَتْ مَشَايِخُهُمَا مُخْتَلِفَةً ; لِأَنَّ ضَمَّ الْبَاطِلِ إِلَى الْبَاطِلِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَبُولِ، وَلَيْسَ بِحَقٍّ ; لِأَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ بِصِدْقِ الرَّاوِي مِنَ الْإِرْسَالِ مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ أَقْوَى مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِهَا.
وَعَلَى هَذَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِأَضْعَفِ الظَّنَّيْنِ عَدَمُ الِاحْتِجَاجِ بِأَقْوَاهُمَا، وَإِذَا عُرِفَ الْخَبَرُ الْمَقْبُولُ وَغَيْرُ الْمَقْبُولِ، فَإِذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ مَقْبُولَانِ، فَالْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّرْجِيحِ. وَسَيَأْتِي فِي قَاعِدَةِ التَّرْجِيحَاتِ بِأَقْصَى الْمُمْكِنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 410
[النَّوْعُ الثَّانِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ فِي الْمَتْنِ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ]
[الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِي الْأَمْرِ]
[الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِيمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَمْرِ حَقِيقَةً]
النَّوْعُ الثَّانِي
فِيمَا يَتَعَلَّقُ فِي الْمَتْنِ وَفِيهِ بَابَانِ، أَوَّلُهُمَا فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَثَانِيهُمَا فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دُونَ مَا عَدَاهُمَا مِنَ الْأَدِلَّةِ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِمَنْظُومِهِ، أَوْ لَا بِمَنْظُومِهِ، فَلْنَفْرِضْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا قِسْمًا
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ
فِي دَلَالَاتِ الْمَنْظُومِ، وَهِيَ تِسْعَةُ أَصْنَافٍ
الصِّنْفُ الْأَوَّلُ - فِي الْأَمْرِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْحَاثٍ
أَوَّلُهُمَا: فِيمَا يَدُلُّ اسْمُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً.
وَثَانِيهَا: فِي حَدِّ الْأَمْرِ الْحَقِيقِيِّ.
وَثَالِثُهَا: فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَرَابِعُهَا: فِي مُقْتَضَاهُ.
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فِيمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَمْرِ حَقِيقَةً.
فَنَقُولُ: اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَلِذَلِكَ قَسَّمَتِ الْعَرَبُ الْكَلَامَ إِلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَخَبَرٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ وَنِدَاءٍ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ الْكَلَامَ هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ، أَوِ الْعِبَارَةُ الدَّالَّةُ بِالْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ (١) وَالْكَلَامُ الْقَدِيمُ النَّفْسَانِيُّ عِنْدَنَا (٢) وَإِنْ كَانَ صِفَةً وَاحِدَةً لَا تَعَدُّدَ فِيهِ فِي ذَاتِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُسَمَّى أَمْرًا стр. 411
وَنَهْيًا وَخَبَرًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، بِسَبَبِ اخْتِلَافِ تَعَلُّقَاتِهِ، وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (١) فِي (أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ) فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْأَمْرِ عَلَى الْفِعْلِ، هَلْ هُوَ حَقِيقَةً أَوْ لَا؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الشَّيْءِ وَالصِّفَةِ، وَبَيْنَ جُمْلَةِ الشَّأْنِ وَالطَّرَائِقِ، وَوَافَقَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ حَقِيقَةً فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ، بَلْ مِنْ حَيْثُ هُوَ شَيْءٌ.
وَهَا نَحْنُ نَذْكُرُ حُجَجَ كُلِّ فَرِيقٍ وَنُنَبِّهُ عَلَى مَا فِيهَا، وَنَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، أَمَّا حُجَّةُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا قَالَ (هَذَا أَمْرٌ) لَمْ يَدْرِ السَّامِعُ مُرَادَهُ مِنْ قَوْلِهِ إِلَّا بِقَرِينَةٍ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِكَوْنِهِ مُصَادَرًا (٢) بِدَعْوَى التَّرَدُّدِ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْأَمْرِ، وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ الْمَنْعِ مِنْ مُدَّعِي الْحَقِيقَةِ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَأَنَّهُ مَهْمَا أَطْلَقَ اسْمَ الْأَمْرِ عِنْدَهُ كَانَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى فَهْمِهِ الْقَوْلَ الْمَخْصُوصَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِقَرِينَةٍ وَلَا يَخْفَى امْتِنَاعُ تَقْرِيرِ التَّرَدُّدِ مَعَ هَذَا الْمَنْعِ.
وَأَمَّا حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِهِ مَجَازًا فِي الْفِعْلِ فَكَثِيرَةٌ.
الْأُولَى مِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ مَعَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ لَزِمَ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، لِكَوْنِهِ مُخِلًّا بِالتَّفَاهُمِ لِاحْتِيَاجِهِ فِي فَهْمِ الْمَدْلُولِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُ إِلَى قَرِينَةٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ خَفَائِهَا، لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ.
الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَاطَّرَدَ فِي كُلِّ فِعْلٍ، إِذْ هُوَ لَازِمُ الْحَقِيقَةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعَالِمِ عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ حَقِيقَةً، اطَّرَدَ فِي كُلِّ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ مَجَازًا عَنْ أَهْلِهَا، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُجَاوَرَةِ، لَمْ يَصِحَّ التَّجَوُّزُ بِلَفْظِ السُّؤَالِ لِلْبِسَاطِ وَالْكُوزِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُلَازَمَةُ بَيْنَهُمَا أَشَدَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، إِذْ لَا يُقَالُ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَمْرٌ.
الثَّالِثَةُ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةٌ فِي الْفِعْلِ، لَاشْتُقَّ لِمَنْ قَامَ بِهِ مِنْهُ اسْمُ الْأَمْرِ، كَمَا فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، إِذْ هُوَ الْأَصْلُ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ مِنْ جِهَةِ أَهْلِ اللُّغَةِ стр. 412
كَمَا اشْتَقُّوا اسْمَ الْقَارُورَةِ لِلزُّجَاجَةِ الْمَخْصُوصَةِ، مِنْ قَرَارِ الْمَائِعِ فِيهَا، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الْجَرَّةِ وَالْكُوزِ وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ جَمْعَ الْأَمْرِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ بِأَوَامِرَ، وَهُوَ لَازِمٌ لَهُ لِنَفْسِ الْأَمْرِ لَا لِلْمُسَمَّى، وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْفِعْلِ، بَلْ إِنْ جُمِعَ فَإِنَّمَا يُجْمَعُ بِأُمُورٍ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّ الْأَمْرَ الْحَقِيقِيَّ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، وَهُوَ الْمَأْمُورُ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ سُمِّيَ أَمْرًا، فَلَا يُقَالُ لَهُ مَأْمُورٌ، وَيَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ.
السَّادِسَةُ: أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ الْأَمْرِ الْحَقِيقِيِّ، وَصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُطَاعًا أَوْ مُخَالِفًا، وَلَا كَذَلِكَ الْفِعْلُ، وَفِي هَذِهِ الْحُجَجِ نَظَرٌ.
أَمَّا الْأُولَى: فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ، أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا (١) إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى مُشْتَرِكٍ بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَالْفِعْلِ، فَيَكُونُ مُتَوَاطِئًا (٢) .
فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ الْمُسَمَّى الْمُشْتَرَكِ، فَلَا تَوَاطُؤَ، قِيلَ: لَا خَفَاءَ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي صِفَاتٍ، وَافْتِرَاقِهِمَا فِي صِفَاتٍ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الصِّفَاتِ الْمُشْتَرِكَةِ هُوَ الْمُسَمَّى، كَيْفَ وَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّفْظُ مُشْتَرِكًا وَلَا مَجَازًا، لِمَا فِيهِ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى الْقَرِينَةِ الْمُخِلَّةِ بِالتَّفَاهُمِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ (٣) أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا وَقَعَ بِهِ الِاشْتِرَاكُ (٤) لَا يَخْرُجُ عَنِ الْمَوْجُودِ وَالصِّفَةِ وَالشَّبِيهِ (٥) وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَيُّ أَمْرٍ قُدِّرَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ، فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي النَّهْيِ وَسَائِرِ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَلَا يُسَمَّى أَمْرًا.
وَالْقَوْلُ (٦) بِأَنَّهُ مُتَوَاطِئٌ مُمْتَنِعٌ، كَيْفَ وَإِنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ، قَائِلٌ إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ (٧) وَقَائِلٌ إِنَّهُ مَجَازٌ فِي الْفِعْلِ، فَإِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ (٨) يَكُونُ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. стр. 413
قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مُسَمَّى اسْمِ الْأَمْرِ إِنَّمَا هُوَ الشَّأْنُ وَالصِّفَةُ، وَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ نَهْيًا أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى أَمْرًا حَقِيقَةً.
وَعَلَى هَذَا فَقَدِ انْدَفَعَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ (١) فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَعْلِ الشَّأْنِ وَالصِّفَةِ، مَدْلُولًا لِاسْمِ الْأَمْرِ، فَمِنْ جُمْلَةِ مَا قِيلَ وَإِنْ سَلَّمْنَا (٢) أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الِاشْتِرَاكِ، وَلَكِنْ لِمَ قِيلَ بِامْتِنَاعِهِ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَجَازٌ مُخِلٌّ بِالتَّفَاهُمِ (٣) لِافْتِقَارِهِ إِلَى الْقَرِينَةِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ مَحْمُولًا عَلَى جَمِيعِ مَحَامِلِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَقْدِيرُهُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ (٤) أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّ مَحْذُورَ الِاشْتِرَاكِ أَعْظَمُ مِنْ مَحْذُورِ التَّجَوُّزِ، فَكَانَ الْمَجَازُ أَوْلَى، وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ، أَمَّا الْإِجْمَالُ فَهُوَ أَنَّ الْمَجَازَ أَغْلَبُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مِنَ الِاشْتِرَاكِ (٥) وَلَوْلَا أَنَّهُ أَوْفَى بِتَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْوَضْعِ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَحْذُورَ اللَّازِمَ مِنَ الِاشْتِرَاكِ بِافْتِقَارِهِ إِلَى الْقَرِينَةِ لَازِمٌ لَهُ أَبَدًا، بِخِلَافِ الْمَجَازِ: فَإِنَّ الْمَحْذُورَ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِتَقْدِيرِ إِرَادَةِ جِهَةِ الْمَجَازِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ نَادِرٌ، إِذِ الْغَالِبُ إِنَّمَا هُوَ إِرَادَةُ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَحْذُورَ لَازِمٌ فِي الْمُشْتَرَكِ فِي كُلِّ مَحَمَلٍ مِنْ مَحَامِلِهِ، لِافْتِقَارِهِ إِلَى الْقَرِينَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، بِخِلَافِ الْمَجَازِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَرِينَةِ بِتَقْدِيرِ إِرَادَةِ جِهَةِ الْمَجَازِ، لَا بِتَقْدِيرِ إِرَادَةِ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ، قِيلَ هَذَا مُعَارَضٌ (٦) مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، стр. 414
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُسَمَّيَاتِهِ مِمَّا يَطَّرِدُ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ كَمَا سَبَقَ، وَمَا يَطَّرِدُ أَوْلَى لِقِلَّةِ اضْطِرَابِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ، لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً بِخِلَافِ الْمَجَازِ، فَكَانَ أَوْسَعَ فِي اللُّغَةِ وَأَكْثَرَ فَائِدَةً.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لِكَوْنِهِ حَقِيقِيًّا، مِمَّا يَصِحُّ التَّجَوُّزُ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ الْحَقِيقِيِّ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ، فَكَانَ أَوْلَى لِكَثْرَةِ فَائِدَتِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ وَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى قَرِينَةٍ، لَكِنْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ أَدْنَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ، لِافْتِقَارِهِ إِلَى مُغَلِّبَةٍ عَلَى الظَّنِّ، وَأَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى جِهَةِ ظُهُورِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ، فَكَانَ تَمَكُّنُ الْخَلَلِ مَعَهُ لِذَلِكَ أَكْثَرَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْمَجَازَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ، تَكُونُ مُصَحِّحَةً لِلتَّجَوُّزِ بِاللَّفْظِ، عَلَى مَا سَلَفَ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ.
السَّادِسُ: أَنَّ الْمَجَازَ لَا يَتِمُّ فَهْمُهُ دُونَ فَهْمِ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مُسْتَعَارًا مِنْهُ، وَفَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَدْلُولَاتِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى فَهْمِ غَيْرِهِ، فَكَانَ أَوْلَى.
السَّابِعُ: أَنَّ الْمَجَازَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَصَرُّفِ مَنْ قَبْلَنَا فِي تَحْقِيقِ الْعَلَاقَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي التَّجَوُّزِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ الْخَطَأُ فِيهِ: بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ بِاللَّفْظِ فِي جِهَةِ الْمَجَازِ مُخَالَفَةُ الظُّهُورِ فِي جِهَةِ الْحَقِيقَةِ، بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ فِي أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ مُخَالَفَةُ ظَاهِرٍ أَصْلًا.
التَّاسِعُ: أَنَّ الْمَجَازَ تَابِعٌ لِلْحَقِيقَةِ وَلَا عَكْسَ، فَكَانَ الْمُشْتَرَكُ أَوْلَى.
الْعَاشِرُ: أَنَّ السَّامِعَ لِلْمَجَازِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِالْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ إِلَى الْمَجَازِ، إِذَا كَانَ هُوَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ فَقَدْ يُبَادِرُ إِلَى الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُ الْمُرَادِ وَفِعْلُ مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ ظُهُورِ الْقَرِينَةِ مُطْلَقًا، لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَلَا يَلْزَمُ سِوَى عَدَمِ الْمَقْصُودِ.
فَإِنْ قِيلَ إِلَّا أَنَّ الْمَجَازَ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَوَائِدُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ أَبْلَغَ وَأَوْجَزَ وَأَوْفَقَ فِي بَدِيعِ الْكَلَامِ وَنَظْمِهِ وَنَثْرِهِ لِلسَّجْعِ وَالْمُطَابَقَةِ وَالْمُجَانَسَةِ وَاتِّحَادِ الرَّوِيِّ فِي الشِّعْرِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 415
قُلْنَا: وَمِثْلُ هَذَا أَيْضًا مُنْقَدِحٌ فِي اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مَعَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً، فَكَانَ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي مَقَامِ الْمُعَارَضَةِ (١) .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ، فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ إِطْلَاقِ الْأَمْرِ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَإِنْ سَلِمَ ذَلِكَ فَعَدَمُ اطِّرَادِهِ فِي كُلِّ فِعْلٍ إِنْ كَانَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ فَعَدَمُ اطِّرَادِهِ فِي كُلِّ قَوْلٍ مِمَّا يَمْنَعُ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فِي كُلِّ قَوْلٍ عَلَى مَا لَا يَخْفَى (٢) ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقَوْلِ فَكَذَلِكَ فِي الْفِعْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَجِبُ اطِّرَادُ الِاسْمِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ الِاسْمُ حَقِيقَةً فِيهِ، لَا فِي غَيْرِهِ، وَالْأَمْرُ إِنَّمَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، لَا فِي مُطْلَقِ قَوْلٍ، وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ، فَمِثْلُهُ (٣) لَازِمٌ فِي الْأَفْعَالِ، إِذْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ، لَا فِي كُلِّ فِعْلٍ.
أَمَّا الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْحَقَائِقِ الِاشْتِقَاقَ لَكَانَ الْمَنْعُ مِنِ اشْتِقَاقِ اسْمِ الْقَارُورَةِ لِلْجَرَّةِ وَالْكُوزِ مِنْ قَرَارِ الْمَائِعِ فِيهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ لَكَانَ الِاشْتِقَاقُ فِي صُوَرِ الِاشْتِقَاقِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَالْمَحْذُورُ اللَّازِمُ مِنْهُ أَكْثَرَ ; لِأَنَّ صُوَرَ الِاشْتِقَاقِ أَغْلَبُ وَأَكْثَرُ مِنْ صُوَرِ عَدَمِ الِاشْتِقَاقِ.
قِيلَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْأَصَالَةِ فِي الِاشْتِقَاقِ أَنْ يَكُونَ الِاشْتِقَاقُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الِاشْتِقَاقُ وَعَدَمُهُ لَا عَلَى وَفْقِ أَصْلٍ فَيَقْتَضِيهِ، بَلْ هُمَا تَابِعَانِ لِلنَّقْلِ وَالْوَضْعِ.
كَيْفَ وَإِنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الِاشْتِقَاقُ مِنْ تَوَابِعِ الْحَقِيقَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَوَابِعِ بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الِاشْتِقَاقِ فِي بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ الِاشْتِقَاقُ فِي غَيْرِهِ؛ لِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي ذَلِكَ الْمُسَمَّى. стр. 416
وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحُجَّةِ الرَّابِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَالسَّادِسَةِ.
كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ فِي الْحُجَّةِ الرَّابِعَةِ إِنَّ (أَوَامِرَ) لَيْسَتْ جَمْعُ (أَمْرٍ) بَلْ جَمْعُ (أَمْرَهُ) وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالْفِعْلِ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِثَلَاثِ حُجَجٍ.
الْأُولَى: أَنَّ الْمُسَمَّى فِي نَفْسِهِ مُخْتَلِفٌ، وَكَمَا قَدْ أُطْلِقَ اسْمُ الْأَمْرِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، فَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَيَدُلُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَوْلُ الْعَرَبِ: أَمْرُ فُلَانٍ مُسْتَقِيمٌ، أَيْ عَمَلُهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ أَيْ فِعْلُنَا ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ .
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اسْمَ الْأَمْرِ فِي الْفِعْلِ قَدْ جُمِعَ بِأُمُورٍ وَالْجَمْعُ عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ.
وَالْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْمُ الْأَمْرِ فِي الْفِعْلِ مَجَازًا لَمْ يَخْلُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجَازًا بِالزِّيَادَةِ أَوْ بِالنُّقْصَانِ، أَوْ لِمُشَابَهَتِهِ لِمَحَلِّ الْحَقِيقَةِ، أَوْ لِمُجَاوِرٍ لَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَوْ سَيَؤُولُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْفِعْلِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَجَازًا كَانَ حَقِيقَةً، وَهَذِهِ الْحُجَجُ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا.
أَمَّا الْحُجَّةُ الْأُولَى: فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ إِطْلَاقِ اسْمِ الْأَمْرِ عَلَى الْفِعْلِ، وَقَوْلُهُمْ (أَمْرُ فُلَانٍ مُسْتَقِيمٌ) لَيْسَ مُسَمَّاهُ الْفِعْلَ، بَلْ شَأْنُهُ، وَصِفَتُهُ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ ، وَمِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجَمْعَ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فِي جَمْعِ مَنْ سُمِّيَ (حِمَارًا) لِبَلَادَتِهِ (حُمُرٌ) وَهُوَ مَجَازٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا بِأَنَّ الْجَمْعَ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنْ (أُمُورَ) جَمْعُ (أَمْرٍ) بَلِ الْأَمْرُ وَالْأُمُورُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقَعُ مَوْقِعَ الْآخَرِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا جَمْعًا لِلْآخَرِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ (أَمْرُ فُلَانٍ مُسْتَقِيمٌ) فَيُفْهَمُ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ (أُمُورُ فُلَانٍ مُسْتَقِيمَةٌ) .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْأَمْرِ لَيْسَ مَجَازًا فِي الْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْنَى الشَّأْنِ وَالصِّفَةِ كَمَا سَبَقَ.
стр. 417
وَعَلَى هَذَا، فَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ كَوْنُ اسْمِ الْأَمْرِ مُتَوَاطِئًا فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالْفِعْلِ، لَا أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ (١) وَلَا مَجَازٌ فِي أَحَدِهِمَا.
[الْبَحْثُ الثَّانِي فِي حَدِّ الْأَمْرِ]
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِيهِ بِنَاءً عَلَى إِنْكَارِهِمْ لِكَلَامِ النَّفْسِ، فَذَهَبَ الْبَلْخِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ (افْعَلْ) أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ (يَقُومُ مَقَامَهُ) أَيْ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَدْلُولِهِ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ إِدْرَاجَ صِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ فِي الْحَدِّ، وَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَدْ يُوجَدُ فِيمَا لَيْسَ بِأَمْرٍ بِالِاتِّفَاقِ (٢) كَالتَّهْدِيدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ، وَالْإِبَاحَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ، وَالْإِرْشَادِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ ، وَالِامْتِنَانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ، وَالْإِكْرَامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ ، وَالتَّسْخِيرِ، وَالتَّعْجِيزِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَحَامِلِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ تَكُونَ صِيغَةُ (افْعَلْ) الْوَارِدَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَنَا، أَمْرًا حَقِيقَةً لِتَحَقُّقِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ شُرُوطِ الْأَمْرِ فِيهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْآمِرَ لَنَا بِهَا، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ رَسُولًا، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلرَّسُولِ غَيْرِ الْمُبَلِّغِ لِكَلَامِ الْمُرْسِلِ، لَا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْآمِرَ وَالنَّاهِيَ، كَالسَّيِّدِ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ صِيغَتُهُ مَخْلُوقَةً لَهُ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُمْ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا (٣) .
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ يَرِدُ مِثْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنَ الْأَعْلَى نَحْوَ الْأَدْنَى وَلَا يَكُونُ أَمْرًا، بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّضَرُّعِ وَالْخُضُوعِ، وَقَدْ يَرِدُ مِنَ الْأَدْنَى نَحْوَ الْأَعْلَى إِذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ، وَلِذَلِكَ يُوصَفُ قَائِلُهَا بِالْجَهْلِ وَالْحُمْقِ بِأَمْرِهِ لِمَنْ هُوَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ، الْأَمْرُ صِيغَةُ (افْعَلْ) عَلَى تَجَرُّدِهَا مِنَ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ لَهَا عَنْ جِهَةِ الْأَمْرِ إِلَى التَّهْدِيدِ، وَمَا عَدَاهُ مِنَ الْمَحَامِلِ. стр. 418
وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَخَذَ الْأَمْرَ فِي تَعْرِيفِ الْأَمْرِ، وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ مُحَالٌ، وَإِنِ اقْتَصَرُوا فِي التَّحْدِيدِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ صِيغَةُ (افْعَلْ) الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الْقَرَائِنِ لَا غَيْرَ، وَزَعَمُوا أَنَّ صِيغَةَ (افْعَلْ) فِيمَا لَيْسَ بِأَمْرٍ لَا تَكُونُ مُجَرَّدَةً عَنِ الْقَرَائِنِ، فَلَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ، التَّهْدِيدُ عِبَارَةٌ عَنْ صِيغَةِ (افْعَلْ) الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْقَرَائِنِ، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ، الْأَمْرُ صِيغَةُ (افْعَلْ) بِشَرْطِ إِرَادَاتٍ ثَلَاثٍ، إِرَادَةِ إِحْدَاثِ الصِّيغَةِ، وَإِرَادَةِ الدَّلَالَةِ بِهَا عَلَى الْأَمْرِ، وَإِرَادَةِ الِامْتِثَالِ، فَإِرَادَةُ إِحْدَاثِ الصِّيغَةِ احْتِرَازٌ عَنِ النَّائِمِ إِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْهُ، وَإِرَادَةُ الدَّلَالَةِ بِهَا عَلَى الْأَمْرِ احْتِرَازٌ عَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهَا التَّهْدِيدُ أَوْ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَحَامِلِ، وَإِرَادَةُ الِامْتِثَالِ احْتِرَازٌ عَنِ الرَّسُولِ الْحَاكِي الْمُبَلِّغِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ أَرَادَ إِحْدَاثَ الصِّيغَةِ وَالدَّلَالَةَ بِهَا عَلَى الْأَمْرِ، فَقَدْ لَا يُرِيدُ بِهَا الِامْتِثَالَ.
وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَخَذَ الْأَمْرَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ، وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ مُحَالٌ مُمْتَنِعٌ.
الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الصِّيغَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الصِّيغَةَ أَوْ غَيْرَ الصِّيغَةِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ نَفْسَ الصِّيغَةِ، كَانَ الْكَلَامُ مُتَهَافِتًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الصِّيغَةَ دَالَّةٌ عَلَى الصِّيغَةِ، وَالدَّالُّ غَيْرُ الْمَدْلُولِ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ غَيْرَ الصِّيغَةِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ هُوَ الصِّيغَةَ، وَقَدْ قَالَ بِأَنَّ الْأَمْرَ هُوَ الصِّيغَةُ (افْعَلْ) بِشَرْطِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَمْرِ، فَإِنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ غَيْرَ الصِّيغَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ وَالْكَشْفِ عَنْهُ، إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
وَلَمَّا انْحَسَمَتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُ التَّعْرِيفِ قَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ: الْأَمْرُ هُوَ إِرَادَةُ الْفِعْلِ، وَقَدِ احْتَجَّ الْأَصْحَابُ عَلَى إِبْطَالِهِ بِأَنَّ السَّيِّدَ الْمُعَاتَبَ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ عَلَى ضَرْبِ عَبْدِهِ، إِذَا اعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ قَصَدَ إِظْهَارَ أَمَرِهِ، وَأَمَرُهُ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ قَصْدًا لِإِظْهَارِ مُخَالَفَتِهِ لِبَسْطِ عُذْرِهِ، وَالْخَلَاصُ مِنْ عِقَابِ السُّلْطَانِ لَهُ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ آمِرًا، وَالْعَبْدُ مَأْمُورًا، وَمُطِيعًا بِتَقْدِيرِ الِامْتِثَالِ، وَعَاصِيًا بِتَقْدِيرِ الْمُخَالِفَةِ، مَعَ عِلْمِنَا بِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ مِنْهُ الِامْتِثَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ ظُهُورِ كَذِبِهِ، وَتَحْقِيقِ عِقَابِ السُّلْطَانِ لَهُ. وَالْعَاقِلُ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَازِمٌ عَلَى أَصْحَابِنَا
стр. 419
إِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي تَفْسِيرِهِمُ الْأَمْرَ، بِطَلَبِ الْفِعْلِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ السَّيِّدَ أَيْضًا آمِرٌ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِعَبْدِهِ، مَعَ عِلْمِنَا بِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ طَلَبُ الْفِعْلِ مِنْ عَبْدِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْقِيقِ عِقَابِهِ وَكَذِبِهِ، وَالْعَاقِلُ لَا يَطْلُبُ مَا فِيهِ مُضِرَّتُهُ وَإِظْهَارُ كَذِبِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَمَا هُوَ جَوَابُ أَصْحَابِنَا فِي تَفْسِيرِ الْأَمْرِ بِالطَّلَبِ يَكُونُ جَوَابًا لِلْخَصْمِ فِي تَفْسِيرِهِ بِالْإِرَادَةِ.
وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ هُوَ الطَّلَبَ، بَلِ الْإِخْبَارُ بِاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرَ لِعَبْدِهِ مِمَّا يَصِحُّ تَصْدِيقُهُ وَتَكْذِيبُهُ فِي أَمْرِهِ لِعَبْدِهِ ضَرُورَةَ كَوْنِ الْأَمْرِ خَبَرًا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
كَيْفَ وَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ تَقْسِيمِ أَهْلِ اللُّغَةِ الْكَلَامَ، إِلَى أَمْرٍ وَخَبَرٍ.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ، أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفَةٍ مِنَ الْخُصُومِ، عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى كُفْرِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِيمَانِ، وَلَيْسَ الْإِيمَانُ مِنْهُ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى (١) لِأَنَّهُ، لَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى سِوَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِهِ، وَلَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِالْفِعْلِ سِوَى تَخْصِيصِهَا لَهُ بِحَالَةِ حُدُوثِهِ، فَلَا يَعْقِلُ تَعَلُّقُهَا بِهِ دُونَ تَخْصِيصِهَا لَهُ بِحَالَةِ حُدُوثِهِ، وَمَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ تَكُنِ الْإِرَادَةُ مُخَصَّصَةً لَهُ بِحَالَةِ حُدُوثِهِ، فَلَا تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِهِ، وَلِيَقْنَعَ بِهَذَا هَاهُنَا عَمَّا اسْتَقْصَيْنَاهُ مِنَ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
وَأَمَّا أَصْحَابُنَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ، الْأَمْرُ عِبَارَةٌ عَنِ الْخَبَرِ عَلَى الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ تَارَةً، وَالْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ تَارَةً، وَهُوَ فَاسِدٌ لِمَا سَبَقَ امْتِنَاعٌ مِنْ تَصْدِيقِ الْآمِرِ وَتَكْذِيبِهِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ لُزُومُ الثَّوَابِ عَلَى فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ، مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ حَذَرًا مِنَ الْخَلَفِ فِي خَبَرِ الصَّادِقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا الثَّوَابُ فَلِجَوَازِ إِحْبَاطِ الْعَمَلِ بِالرِّدَّةِ، وَأَمَّا الْعِقَابُ فَلِجَوَازِ الْعَفْوِ وَالشَّفَاعَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَرَزَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنْ يُقَالَ: هُوَ الْإِخْبَارُ بِاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ دَافِعٍ. стр. 420
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ، وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمُ: الْأَمْرُ هُوَ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَقَوْلُهُمُ (الْقَوْلُ) كَالْجِنْسِ لِلْأَمْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَقَوْلُهُمْ: (الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ) لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَلِفَصْلِ الْأَمْرِ عَنِ الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فِي الْحَدِّ (بِنَفْسِهِ) احْتِرَازًا عَنِ الصِّيغَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي الطَّاعَةَ بِنَفْسِهَا، بَلْ بِالتَّوْقِيفِ وَالِاصْطِلَاحِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالْمَأْمُورِ وَالْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُمَا مُشْتَقَّانِ مِنَ الْأَمْرِ، وَالْمُشْتَقُّ مِنَ الشَّيْءِ أَخْفَى مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِمَا لَا يُعْرَفُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُحَالٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ فَاعِلُهُ مُطِيعًا، وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْفِعْلِ، وَالطَّاعَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفِعْلِ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ الْأَمْرِ: وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ، كَيْفَ وَإِنَّ فِعْلَ الرَّبِّ تَعَالَى لِمَا طَلَبَهُ الْعَبْدُ مِنْهُ بِالسُّؤَالِ يُقَالُ لَهُ بِاعْتِبَارِ مُوَافَقَةِ طَلَبِ الْعَبْدِ مُطِيعًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇ " «إِنْ أَطَعْتَ اللَّهَ أَطَاعَكَ» " أَيْ إِنْ فَعَلْتَ مَا أَرَادَ فَعَلَ مَا تُرِيدُ، وَلَيْسَ طَلَبُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِجِهَةِ السُّؤَالِ لِلَّهِ أَمْرًا، إِذِ الْأَمْرُ لِلَّهِ قَبِيحٌ شَرَعًا، بِخِلَافِ السُّؤَالِ، وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِمَا يُعَدُّ فَاعِلُهُ مُطِيعًا فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ، وَالْبَارِي تَعَالَى لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالْأَقْرَبُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ، الْأَمْرُ طَلَبُ الْفِعْلِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
فَقَوْلُنَا: (طَلَبُ الْفِعْلِ) احْتِرَازٌ عَنِ النَّهْيِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَقَوْلُنَا: (عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ) احْتِرَازٌ عَنِ الطَّلَبِ بِجِهَةِ الدُّعَاءِ وَالِالْتِمَاسِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُكُمُ (الْأَمْرُ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ) إِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ الْإِرَادَةَ، فَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلَيْسَ مَذْهَبًا لَكُمْ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ غَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ، وَإِلَّا كَانَ فِيهِ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِمَا هُوَ أَخْفَى مِنَ الْأَمْرِ.
стр. 421
قُلْنَا إِجْمَاعُ الْعُقَلَاءِ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَأَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْجُودٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا امْتِنَاعَ تَفْسِيرِهِ بِالصِّيغَةِ وَالْإِرَادَةِ بِمَا سَبَقَ، فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِالطَّلَبِ، وَالنِّزَاعُ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالطَّلَبِ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ عَلَى وُجُودِهِ، فَآيِلٌ إِلَى خِلَافٍ لَفْظِيٍّ.
[الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِي الصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَمْرِ]
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِكَلَامِ النَّفْسِ (١) هَلْ لِلْأَمْرِ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي اللُّغَةِ، أَمْ لَا.
فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، ﵀ وَمَنْ تَابَعَهُ إِلَى النَّفْيِ، وَذَهَبَ مَنْ عَدَاهُمْ إِلَى الْإِثْبَاتِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ، وَالَّذِي نَرَآهُ أَنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ خَطَأٌ.
فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ " أَمَرْتُكَ وَأَنْتَ مَأْمُورٌ " صِيغَةٌ خَاصَّةٌ بِالْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ مُنَازَعَةٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ صِيغَةَ " افْعَلْ " هَلْ هِيَ خَاصَّةٌ بِالْأَمْرِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مُتَرَدِّدَةً فِي اللُّغَةِ بَيْنِ مَحَامِلٍ كَثِيرَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِاسْتِبْعَادِ هَذَا الْخِلَافِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ " أَمَرْتُكَ وَأَنْتَ مَأْمُورٌ " لَا يَرْفَعُ هَذَا الْخِلَافَ، إِذِ الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْإِنْشَاءِ، وَمَا مِثْلُ (٢) هَذِهِ الصِّيَغِ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا إِخَبَارَاتٌ عَنِ الْأَمْرِ لَا إِنْشَاآتٌ.
وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ صِحَّةَ اسْتِعْمَالِهَا لِلْإِنْشَاءِ، فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنِ اسْتِعْمَالِ صِيغَةِ الْخَبَرِ لِلْإِنْشَاءِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: طَلَّقْتُ وَبِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ وَنَحْوِهِ. стр. 422
وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ (طَلَّقْتُكِ) فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، وَلَوْ كَانَ إِخْبَارًا لَكَانَ إِخْبَارًا عَنِ الْمَاضِي أَوِ الْحَالِ، لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الطَّلَاقُ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، امْتَنَعَ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ " إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ " لِأَنَّ تَعْلِيقَ وُجُودِ مَا وُجِدَ عَلَى وُجُودِ مَا لَمْ يُوجَدْ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، وَجَبَ أَنْ يُعَدَّ كَاذِبًا، وَأَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ الْإِحَالَةِ، فَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَقَالَ لَهَا سَتَصِيرِينَ طَالِقًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مَعَ أَنَّهُ صَرِيحُ إِخْبَارٍ عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ أَوْلَى.
وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُهُ إِخْبَارًا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ إِنْشَاءً، إِذِ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى امْتِنَاعِ الْخُلُوِّ مِنْهُمَا، فَإِذَا بَطَلَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ.
[الْبَحْثُ الرَّابِعُ فِي مُقْتَضَى صِيغَةِ الْأَمْرِ]
[الْمَسْأَلَةُ الْأُوْلَى فِيمَاذَا صِيغَةُ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ]
الْبَحْثُ الرَّابِعُ، فِي مُقْتَضَى صِيغَةِ الْأَمْرِ وَفِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً.
الْمَسْأَلَةُ الْأُوْلَى
فِيمَاذَا صِيغَةُ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِيهِ إِذَا وَرَدَتْ مُطْلَقَةً عُرْيَةً عَنِ الْقَرَائِنِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى إِطْلَاقِهَا بِإِزَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ اعْتِبَارًا (١) .
الْوُجُوبُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ .
وَالنَّدْبُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ .
وَالْإِرْشَادُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ النَّدْبِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي طَلَبِ تَحْصِيلٍ، غَيْرَ أَنَّ النَّدْبَ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ، وَالْإِرْشَادَ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ.
وَالْإِبَاحَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ .
وَالتَّأْدِيبُ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّدْبِ كَقَوْلِهِ: " كُلْ مِمَّا يَلِيكَ " стр. 423
وَالِامْتِنَانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وَالْإِكْرَامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ وَالتَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وَالْإِنْذَارُ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ وَهُوَ فِي مَعْنَى التَّهْدِيدِ.
وَالتَّسْخِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وَالتَّعْجِيزُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ وَالْإِهَانَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ وَالتَّسْوِيَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ وَالدُّعَاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿اغْفِرْ لِي﴾ وَالتَّمَنِّي، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: (
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي
) (١) وَكَمَالُ الْقُدْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَجَازٌ فِيمَا سِوَى الطَّلَبِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَالْإِبَاحَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ كَاشْتِرَاكِ لَفْظِ الْقُرْءِ بَيْنَ الطَّلَبِ لِلْفِعْلِ، وَبَيْنَ التَّهْدِيدِ الْمُسْتَدْعِي لِتَرْكِ الْفِعْلِ، وَبَيْنَ الْإِبَاحَةِ الْمُخَيَّرَةِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ مَجَازٌ فِيمَا سِوَاهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ، وَمَجَازٌ فِيمَا سِوَاهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ.
وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا سَمِعْنَا أَنَّ أَحَدًا قَالَ لِغَيْرِهِ (افْعَلْ كَذَا) وَتَجَرَّدَ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ الْقَرَائِنِ، وَفَرَضْنَاهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَسْبِقُ إِلَى الْإِفْهَامِ مِنْهُ طَلَبُ الْفِعْلِ وَاقْتِضَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى أَمْرٍ خَارِجٍ دُونَ التَّهْدِيدِ الْمُسْتَدْعِي لِتَرْكِ الْفِعْلِ وَالْإِبَاحَةِ الْمُخَيَّرَةِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
وَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا (٢) أَوْ ظَاهِرًا فِي الْإِبَاحَةِ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ الطَّلَبُ هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَائِنِ مُطْلَقًا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِ صِيغَةِ (افْعَلْ) ظَاهِرَةً فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى عُرْفٍ طَارِئٍ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، كَمَا فِي لَفْظِ الْغَائِطِ وَالدَّابَّةِ، وَإِنْ سَلِمَ دَلَالَةُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى الظُّهُورِ فِي الطَّلَبِ. стр. 424
غَيْرَ أَنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِهِ فِي الْإِبَاحَةِ، لِكَوْنِهَا أَقَلَّ الدَّرَجَاتِ فَكَانَتْ مُسْتَيْقَنَةً.
قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعُرْفِ الطَّارِئِ وَبَقَاءُ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ بِحَالِهِ.
وَجَوَابُ الثَّانِي: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ مُتَيَقَّنَةٌ، إِذْ هِيَ مُقَابِلَةٌ لِلطَّلَبِ وَالتَّهْدِيدِ، لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُسْتَدْعِيَةٍ لِلْفِعْلِ وَلَا لِلتَّرْكِ، وَالطَّلَبُ مُسْتَدْعٍ لِلْفِعْلِ، وَالتَّهْدِيدُ مُسْتَدْعٍ لِتَرْكِ الْفِعْلِ، فَلَا تَيَقُّنَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (١) .
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ ظَاهِرَةٌ فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ فَالْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ يَكُونَ فِعْلُهُ رَاجِحًا عَلَى تَرْكِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
إِذَا ثَبَتَ أَنَّ صِيغَةَ (افْعَلْ) ظَاهِرَةٌ فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ، فَالْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ رَاجِحًا عَلَى تَرْكِهِ: فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعَ التَّرْكِ. كَانَ وَاجِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعَ التَّرْكِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرَجُّحُهُ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ، فَهُوَ الْمَنْدُوبُ، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، فَهُوَ الْإِرْشَادُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ (٢) وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ بِخُصُوصِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ (٣)
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، مَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَالْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُبَاشِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ مِنَ النَّدْبِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ أَيْضًا مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. стр. 425
وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ ﵀، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (١) وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ وَضْعَهُ مُشْتَرَكًا (٢) أَوْ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ، مَجَازًا فِي الْبَعْضِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُدْرَكُهُ عَقْلِيًّا أَوْ نَقْلِيًّا.
الْأَوَّلُ: مُحَالٌ، إِذِ الْعُقُولُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْمَنْقُولِ، لَا ضَرُورَةً وَلَا نَظَرًا، وَالثَّانِي: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا، وَالْقَطْعِيُّ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَالظَّنِّيُّ إِنَّمَا يَنْفَعُ أَنْ لَوْ كَانَ إِثْبَاتُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، مِمَّا يُقْنَعُ فِيهِ بِالظَّنِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ (٣) فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ التَّوَقُّفِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَدَارَ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقَطْعِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ اللُّغَاتِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُدْرِكُ لَا عَقْلِيًّا مَحْضًا وَلَا نَقْلِيًّا مَحْضًا، بَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا، كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا الْحَصْرَ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَيْكُمْ فِي الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَقْتَضِيهِ، وَالنَّقْلُ الْقَطْعِيُّ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيهِ، وَالظَّنُّ إِنَّمَا يُكْتَفَى بِهِ أَنْ لَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةً، فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ عَنْهُ فِي الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ يَكُونُ جَوَابًا لِخُصُومِكُمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ.
قُلْتُ: أَمَّا إِنْكَارُ الْقَطْعِ فِي اللُّغَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يُفْضِي إِلَى إِنْكَارِ الْقَطْعِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْخِطَابِ بِالْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ وَمَعْقُولِهَا، وَذَلِكَ كُفْرٌ صُرَاحٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَدَارَ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى الْقَطْعِ.
قُلْنَا: نَحْنُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُتَعَرِّضِينَ لِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ بَلْ نَحْنُ مُتَوَقِّفُونَ، فَمَنْ رَامَ إِثْبَاتَ اللُّغَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ لَهُ مَتَى يُكْتَفَى بِذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، أَإِذَا كَانَ شَرْطُ إِثْبَاتِهِ الْقَطْعَ أَمْ لَا؟ وَلَا بُدَّ عِنْدَ تَوَجُّهِ التَّقْسِيمِ مِنْ تَنْزِيلِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَمْنُوعِ أَوِ الْمُسَلَّمِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَذِّرٌ لِمَا سَبَقَ: следующие страницы →