← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قُلْنَا إِجْمَاعُ الْعُقَلَاءِ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَأَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْجُودٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا امْتِنَاعَ تَفْسِيرِهِ بِالصِّيغَةِ وَالْإِرَادَةِ بِمَا سَبَقَ، فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِالطَّلَبِ، وَالنِّزَاعُ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالطَّلَبِ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ عَلَى وُجُودِهِ، فَآيِلٌ إِلَى خِلَافٍ لَفْظِيٍّ. [الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِي الصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَمْرِ] وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِكَلَامِ النَّفْسِ (١) هَلْ لِلْأَمْرِ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي اللُّغَةِ، أَمْ لَا. فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، ﵀ وَمَنْ تَابَعَهُ إِلَى النَّفْيِ، وَذَهَبَ مَنْ عَدَاهُمْ إِلَى الْإِثْبَاتِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ، وَالَّذِي نَرَآهُ أَنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ خَطَأٌ. فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ " أَمَرْتُكَ وَأَنْتَ مَأْمُورٌ " صِيغَةٌ خَاصَّةٌ بِالْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ مُنَازَعَةٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ صِيغَةَ " افْعَلْ " هَلْ هِيَ خَاصَّةٌ بِالْأَمْرِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مُتَرَدِّدَةً فِي اللُّغَةِ بَيْنِ مَحَامِلٍ كَثِيرَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِاسْتِبْعَادِ هَذَا الْخِلَافِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ " أَمَرْتُكَ وَأَنْتَ مَأْمُورٌ " لَا يَرْفَعُ هَذَا الْخِلَافَ، إِذِ الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْإِنْشَاءِ، وَمَا مِثْلُ (٢) هَذِهِ الصِّيَغِ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا إِخَبَارَاتٌ عَنِ الْأَمْرِ لَا إِنْشَاآتٌ. وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ صِحَّةَ اسْتِعْمَالِهَا لِلْإِنْشَاءِ، فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنِ اسْتِعْمَالِ صِيغَةِ الْخَبَرِ لِلْإِنْشَاءِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: طَلَّقْتُ وَبِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ وَنَحْوِهِ.

стр. 422

وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ (طَلَّقْتُكِ) فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، وَلَوْ كَانَ إِخْبَارًا لَكَانَ إِخْبَارًا عَنِ الْمَاضِي أَوِ الْحَالِ، لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الطَّلَاقُ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، امْتَنَعَ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ " إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ " لِأَنَّ تَعْلِيقَ وُجُودِ مَا وُجِدَ عَلَى وُجُودِ مَا لَمْ يُوجَدْ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، وَجَبَ أَنْ يُعَدَّ كَاذِبًا، وَأَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ الْإِحَالَةِ، فَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَقَالَ لَهَا سَتَصِيرِينَ طَالِقًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مَعَ أَنَّهُ صَرِيحُ إِخْبَارٍ عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ أَوْلَى. وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُهُ إِخْبَارًا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ إِنْشَاءً، إِذِ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى امْتِنَاعِ الْخُلُوِّ مِنْهُمَا، فَإِذَا بَطَلَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ. [الْبَحْثُ الرَّابِعُ فِي مُقْتَضَى صِيغَةِ الْأَمْرِ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُوْلَى فِيمَاذَا صِيغَةُ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ] الْبَحْثُ الرَّابِعُ، فِي مُقْتَضَى صِيغَةِ الْأَمْرِ وَفِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً. الْمَسْأَلَةُ الْأُوْلَى فِيمَاذَا صِيغَةُ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِيهِ إِذَا وَرَدَتْ مُطْلَقَةً عُرْيَةً عَنِ الْقَرَائِنِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى إِطْلَاقِهَا بِإِزَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ اعْتِبَارًا (١) . الْوُجُوبُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ . وَالنَّدْبُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ . وَالْإِرْشَادُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ النَّدْبِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي طَلَبِ تَحْصِيلٍ، غَيْرَ أَنَّ النَّدْبَ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ، وَالْإِرْشَادَ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ. وَالْإِبَاحَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ . وَالتَّأْدِيبُ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّدْبِ كَقَوْلِهِ: " كُلْ مِمَّا يَلِيكَ "

стр. 423

وَالِامْتِنَانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وَالْإِكْرَامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ وَالتَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وَالْإِنْذَارُ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ وَهُوَ فِي مَعْنَى التَّهْدِيدِ. وَالتَّسْخِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وَالتَّعْجِيزُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ وَالْإِهَانَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ وَالتَّسْوِيَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ وَالدُّعَاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿اغْفِرْ لِي﴾ وَالتَّمَنِّي، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: ( أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ) (١) وَكَمَالُ الْقُدْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ . وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَجَازٌ فِيمَا سِوَى الطَّلَبِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَالْإِبَاحَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ كَاشْتِرَاكِ لَفْظِ الْقُرْءِ بَيْنَ الطَّلَبِ لِلْفِعْلِ، وَبَيْنَ التَّهْدِيدِ الْمُسْتَدْعِي لِتَرْكِ الْفِعْلِ، وَبَيْنَ الْإِبَاحَةِ الْمُخَيَّرَةِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ مَجَازٌ فِيمَا سِوَاهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ، وَمَجَازٌ فِيمَا سِوَاهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ. وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا سَمِعْنَا أَنَّ أَحَدًا قَالَ لِغَيْرِهِ (افْعَلْ كَذَا) وَتَجَرَّدَ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ الْقَرَائِنِ، وَفَرَضْنَاهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَسْبِقُ إِلَى الْإِفْهَامِ مِنْهُ طَلَبُ الْفِعْلِ وَاقْتِضَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى أَمْرٍ خَارِجٍ دُونَ التَّهْدِيدِ الْمُسْتَدْعِي لِتَرْكِ الْفِعْلِ وَالْإِبَاحَةِ الْمُخَيَّرَةِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. وَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا (٢) أَوْ ظَاهِرًا فِي الْإِبَاحَةِ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ الطَّلَبُ هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَائِنِ مُطْلَقًا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِ صِيغَةِ (افْعَلْ) ظَاهِرَةً فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى عُرْفٍ طَارِئٍ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، كَمَا فِي لَفْظِ الْغَائِطِ وَالدَّابَّةِ، وَإِنْ سَلِمَ دَلَالَةُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى الظُّهُورِ فِي الطَّلَبِ.

стр. 424

غَيْرَ أَنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِهِ فِي الْإِبَاحَةِ، لِكَوْنِهَا أَقَلَّ الدَّرَجَاتِ فَكَانَتْ مُسْتَيْقَنَةً. قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعُرْفِ الطَّارِئِ وَبَقَاءُ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ بِحَالِهِ. وَجَوَابُ الثَّانِي: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ مُتَيَقَّنَةٌ، إِذْ هِيَ مُقَابِلَةٌ لِلطَّلَبِ وَالتَّهْدِيدِ، لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُسْتَدْعِيَةٍ لِلْفِعْلِ وَلَا لِلتَّرْكِ، وَالطَّلَبُ مُسْتَدْعٍ لِلْفِعْلِ، وَالتَّهْدِيدُ مُسْتَدْعٍ لِتَرْكِ الْفِعْلِ، فَلَا تَيَقُّنَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (١) . [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ ظَاهِرَةٌ فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ فَالْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ يَكُونَ فِعْلُهُ رَاجِحًا عَلَى تَرْكِهِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ صِيغَةَ (افْعَلْ) ظَاهِرَةٌ فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ، فَالْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ رَاجِحًا عَلَى تَرْكِهِ: فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعَ التَّرْكِ. كَانَ وَاجِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعَ التَّرْكِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرَجُّحُهُ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ، فَهُوَ الْمَنْدُوبُ، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، فَهُوَ الْإِرْشَادُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ (٢) وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ بِخُصُوصِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ (٣) وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، مَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَالْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُبَاشِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ مِنَ النَّدْبِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ أَيْضًا مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 425

وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ ﵀، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (١) وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ وَضْعَهُ مُشْتَرَكًا (٢) أَوْ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ، مَجَازًا فِي الْبَعْضِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُدْرَكُهُ عَقْلِيًّا أَوْ نَقْلِيًّا. الْأَوَّلُ: مُحَالٌ، إِذِ الْعُقُولُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْمَنْقُولِ، لَا ضَرُورَةً وَلَا نَظَرًا، وَالثَّانِي: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا، وَالْقَطْعِيُّ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَالظَّنِّيُّ إِنَّمَا يَنْفَعُ أَنْ لَوْ كَانَ إِثْبَاتُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، مِمَّا يُقْنَعُ فِيهِ بِالظَّنِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ (٣) فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ التَّوَقُّفِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَدَارَ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقَطْعِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ اللُّغَاتِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُدْرِكُ لَا عَقْلِيًّا مَحْضًا وَلَا نَقْلِيًّا مَحْضًا، بَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا، كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا الْحَصْرَ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَيْكُمْ فِي الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَقْتَضِيهِ، وَالنَّقْلُ الْقَطْعِيُّ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيهِ، وَالظَّنُّ إِنَّمَا يُكْتَفَى بِهِ أَنْ لَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةً، فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ عَنْهُ فِي الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ يَكُونُ جَوَابًا لِخُصُومِكُمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ. قُلْتُ: أَمَّا إِنْكَارُ الْقَطْعِ فِي اللُّغَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يُفْضِي إِلَى إِنْكَارِ الْقَطْعِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْخِطَابِ بِالْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ وَمَعْقُولِهَا، وَذَلِكَ كُفْرٌ صُرَاحٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَدَارَ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى الْقَطْعِ. قُلْنَا: نَحْنُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُتَعَرِّضِينَ لِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ بَلْ نَحْنُ مُتَوَقِّفُونَ، فَمَنْ رَامَ إِثْبَاتَ اللُّغَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ لَهُ مَتَى يُكْتَفَى بِذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، أَإِذَا كَانَ شَرْطُ إِثْبَاتِهِ الْقَطْعَ أَمْ لَا؟ وَلَا بُدَّ عِنْدَ تَوَجُّهِ التَّقْسِيمِ مِنْ تَنْزِيلِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَمْنُوعِ أَوِ الْمُسَلَّمِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَذِّرٌ لِمَا سَبَقَ:

стр. 426

قَوْلُهُمْ: مَا الْمَانِعُ مِنْ كَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ: قُلْنَا: لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّقْسِيمِ فِي النَّقْلِيِّ، ثَابِتٌ هَاهُنَا كَانَ مُسْتَقِلًّا أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ، وَالْقَطْعُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا، فَالْمُرَكَّبُ مِنْهُ وَمِنَ الْعَقْلِيِّ يَكُونُ ظَنِّيًّا، سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْلِيُّ ظَنِّيًّا أَوْ قَطْعِيًّا. قَوْلُهُمْ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَازِمٌ عَلَيْكُمْ فِي الْوَقْفِ، قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَاقِفَ غَيْرُ حَاكِمٍ، بَلْ هُوَ سَاكِتٌ عَنِ الْحُكْمِ (١) وَالسَّاكِتُ عَنِ الْحُكْمِ، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ، فَلَا يَكُونُ مَا ذَكَرُوهُ لَازِمًا عَلَيْنَا. شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي ذَلِكَ مَا يُنَاهِزُ ثَلَاثِينَ شُبْهَةً دَائِرَةً بَيْنَ غَثٍّ وَثَمِينٍ. وَهَا نَحْنُ نُلَخِّصُ حَاصِلَهَا، وَنَأْتِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ جُمْلَتِهَا، مَعَ حَذْفِ الزِّيَادَاتِ الْعَرِيَّةِ عَنِ الْفَائِدَةِ، وَنُشِيرُ إِلَى جِهَةِ الِانْفِصَالِ عَنْهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ شُبَهَ الْقَائِلِينَ بِالنَّدْبِ، وَطُرُقَ تَخْرِيجِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ فَشَرْعِيَّةٌ، وَلُغَوِيَّةٌ، وَعَقْلِيَّةٌ. أَمَّا الشَّرْعِيَّةُ: فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْكِتَابِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى السُّنَّةِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ثُمَّ هَدَّدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ وَالتَّهْدِيدُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ دَلِيلُ الْوُجُوبِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَا سَبَقَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أَوْرَدَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ بِالْمُخَالَفَةِ، لَا فِي مَعْرِضِ الِاسْتِفْهَامِ اتِّفَاقًا، وَهُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ.

стр. 427

وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ ذَمَّهُمْ عَلَى الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (قَضَى) أَيْ أَلْزَمَ وَمِنْ قَوْلِهِ: (أَمْرًا) أَيْ مَأْمُورًا وَمَا لَا خِيرَةَ فِيهِ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاجِبًا. وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وَصَفَ مُخَالَفَةَ الْأَمْرِ بِالْعِصْيَانِ، وَهُوَ اسْمُ ذَمٍّ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي غَيْرِ الْوُجُوبِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أَيْ أَمَرْتَ وَلَوْلَا أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﷺ لِبَرِيرَةَ وَقَدْ عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَكَرِهَتْهُ ( «لَوْ رَاجَعْتِيهِ - فَقَالَتْ بِأَمْرِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - فَقَالَ: لَا إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ - فَقَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ» ) فَقَدْ عَقَلَتْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمْرًا لَكَانَ وَاجِبًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَرَّرَهَا عَلَيْهِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ : ( «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» ) وَهُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ، فَالسِّوَاكُ مَنْدُوبٌ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ حَيْثُ لَمْ يُجِبْ دُعَاءَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ (أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وَبَّخَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ ( «أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ» ) قَالَ ﷺ : بَلْ لِلْأَبَدِ وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ (١) . وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَامِرَهُ لِلْوُجُوبِ.

стр. 428

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الْأُمَّةَ فِي كُلِّ عَصْرٍ لَمْ تَزَلْ رَاجِعَةً فِي إِيجَابِ الْعِبَادَاتِ إِلَى الْأَوَامِرِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَمَا كَانُوا يَعْدِلُونَ إِلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ إِلَّا لِمُعَارِضٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَمِنْ وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: وَصَفُ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ خَالَفَ الْأَمْرَ بِكَوْنِهِ عَاصِيًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ (أَمَرْتُكَ، فَعَصَيْتَنِي) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: أَمَرْتُكَ أَمْرًا حَازِمًا فَعَصَيْتَنِي (١) وَالْعِصْيَانُ اسْمُ ذَمٍّ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْوُجُوبِ مُمْتَنِعٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِأَمْرٍ، فَخَالَفَهُ، حَسُنَ الْحُكْمُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِذَمِّهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعَذَابِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَمِنْ وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِيجَابَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ فِي مُخَاطَبَةِ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لَخَلَا الْوُجُوبُ عَنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مَعَ دَعْوَى الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الطَّلَبَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي النَّدْبِ، لَا بِجِهَةِ الِاشْتِرَاكِ وَلَا التَّعْيِينِ وَلَا بِطَرِيقِ التَّخْيِيرِ

стр. 429

لِأَنَّ حَمْلَ الطَّلَبِ عَلَى النَّدْبِ مَعْنَاهُ، افْعَلْ إِنْ شِئْتَ، وَهَذَا الشَّرْطُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الطَّلَبِ فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ الطَّلَبِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَمْرَ مُقَابِلٌ لِلنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَرْكَ الْفِعْلِ وَالِامْتِنَاعِ مِنَ الْفِعْلِ جَزْمًا، فَالْأَمْرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِلْفِعْلِ وَمَانِعًا مِنَ التَّرْكِ جَزْمًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ أَضْدَادِهِ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ دُونَ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ حَمْلَ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ أَحْوَطُ لِلْمُكَلَّفِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِلْوُجُوبِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ الرَّاجِحُ وَأَمِنَ مِنْ ضَرَرِ تَرْكِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلنَّدْبِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ يَكُونُ أَيْضًا نَافِعًا غَيْرَ مُضِرٍّ، وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى النَّدْبِ، لَمْ نَأْمَنْ مِنَ الضَّرَرِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ وَاجِبًا لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ الرَّاجِحِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَنْدُوبَ دَاخِلٌ فِي الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ لَا يَفُوتُ مَعَهُ الْمَقْصُودُ مِنَ النَّدْبِ، بِخِلَافِ الْحَمْلِ عَلَى النَّدْبِ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْلَى. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَمْرَ مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ مَعْنًى، وَهُوَ إِيجَادُ الْفِعْلِ، فَكَانَ مَانِعًا مِنْ نَقِيضِهِ كَالْخَبَرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يُفِيدُ رُجْحَانَ وُجُودِ الْفِعْلِ عَلَى عَدَمِهِ، وَإِلَّا كَانَ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا، وَلَوْ كَانَ مَرْجُوحًا لَمَا أَمَرَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِخْلَالِ بِالْمَصْلَحَةِ الزَّائِدَةِ فِي التَّرْكِ وَالْتِزَامِ الْمُفْسِدَةِ الرَّاجِحَةِ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ قَبِيحٌ، وَلَوْ كَانَ مُسَاوِيًا لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِهِ أَوْلَى مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَيْضًا قَبِيحٌ. وَإِذَا كَانَ رَاجِحًا، فَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ، لَزِمَ مِنْهُ الْإِخْلَالُ بِأَرْجَحِ الْمَقْصُودَيْنِ، وَهُوَ قَبِيحٌ، فَلَا يَرِدُ بِهِ الشَّرْعُ فَتَعَيَّنَ الِامْتِنَاعُ مِنَ التَّرْكِ، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ. وَالْجَوَابُ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ، وَالتَّفْصِيلِ، أَمَّا الْإِجْمَالُ فَهُوَ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرُوهُ لَا خُرُوجَ لَهُ عَنِ الظَّنِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُفِيدًا فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ فَقَطْ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (١) . وَقَوْلُهُ ﷺ : ; «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ» " (٢) فَظَنِّي فِي صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ.

стр. 430

وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ، فَإِنَّا نَخُصُّ كُلَّ شُبْهَةٍ بِجَوَابٍ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فَهُوَ أَمْرٌ وَالْخِلَافُ فِي اقْتِضَائِهِ لِلْوُجُوبِ بِحَالِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلتَّهْدِيدِ بَلْ لِلْإِخْبَارِ بِأَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ مِنَ التَّبْلِيغِ، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ مِنَ الْقَبُولِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّهْدِيدِ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْوُجُوبِ فِيمَا هَدَّدَ عَلَى تَرْكِهِ وَمُخَالَفَتِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ مُهَدَّدٍ بِمُخَالَفَتِهِ، بِدَلِيلِ أَمْرِ النَّدْبِ، فَإِنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي وَلَيْسَ مُهَدَّدًا عَلَى مُخَالَفَتِهِ. وَإِذَا انْقَسَمَ الْأَمْرُ إِلَى مُهَدَّدٍ عَلَيْهِ، وَغَيْرِ مُهَدَّدٍ، وَجَبَ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ فِيمَا هَدَّدَ عَلَيْهِ، دُونَ غَيْرِهِ، وَبِهِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ كُلِّ صِيغَةِ أَمْرٍ هَدَّدَ عَلَى مُخَالَفَتِهَا، وَحَذَّرَ مِنْهَا، وَوَصَفَ مُخَالِفَهَا بِكَوْنِهِ عَاصِيًا، وَبِهِ دُفِعَ أَكْثَرُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْآيَاتِ. وَيُخَصُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ بِأَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ فِي كُلِّ أَمْرٍ بِصِيغَتِهِ (١) . وَإِنْ قِيلَ بِالتَّعْمِيمِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَعْقُولِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ رُتِّبَ التَّحْذِيرُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَتَخَلَّفِ الْحُكْمُ عَنْهُ فِي أَمْرِ النَّدْبِ، وَقَدْ تَخَلَّفَ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً (٢) وَأَيْضًا، فَإِنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ حَذَّرَ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ،. وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ أَنْ لَا يُعْتَقَدَ مُوجِبُهُ، وَأَنْ لَا يُفْعَلَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِيجَابٍ أَوْ نَدْبٍ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ لِلْوُجُوبِ. وَيَخُصُّ قَوْلُهُ لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ بِأَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ فِي كُلِّ أَمْرٍ.

стр. 431

وَيُخَصُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الْآيَةُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، أَيْ فِي اعْتِقَادِ وُجُوبِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْ نَدْبِهِ وَفِعْلِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ وَاجِبًا فَوَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ نَدْبًا فَنَدْبٌ. وَيُخَصُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الْآيَةُ، بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أَيْ حَكَمْتَ بِهِ مِنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَقْضِي بِهِ يَكُونُ وَاجِبًا. وَأَمَّا حَدِيثُ بِرَيْرَةَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا سَأَلَتْ عَنِ الْأَمْرِ طَلَبًا لِلثَّوَابِ بِطَاعَتِهِ، وَالثَّوَابُ وَالطَّاعَةُ (١) قَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ الْمَنْدُوبِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَهِمَتْ مِنَ الْأَمْرِ الْوُجُوبَ، فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ لَا بِجِهَةِ الْوُجُوبِ وَلَا بِجِهَةِ النَّدْبِ، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِجَابَةُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهَا، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. قُلْنَا: إِذَا سُلِّمَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي صُورَةِ بِرَيْرَةَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِإِجَابَتِهَا، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مَنْدُوبَةً، ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَنْدُوبَ عِنْدَنَا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ (٢) . وَأَمَّا السِّوَاكُ فَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَمْرِ أَمْرَ الْوُجُوبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَرَنَ بِهِ الْمَشَقَّةَ، وَالْمَشَقَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ، لِكَوْنِهِ مُتَحَتِّمًا بِخِلَافِ الْمَنْدُوبِ لِكَوْنِهِ فِي مَحَلِّ الْخِيَرَةِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَلَا يَمْتَنِعُ صَرْفُ الْأَمْرِ إِلَى الْوُجُوبِ بِقَرِينَةٍ، وَدُخُولُ حِرَفِ (لَوْلَا) عَلَى مُطْلَقِ الْأَمْرِ لَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ.

стр. 432

وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (١) فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَيْضًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ إِنَّمَا كَانَ مَحْمُولًا عَلَى وُجُوبِ إِجَابَةِ النِّدَاءِ، تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِرَسُولِهِ فِي إِجَابَةِ دُعَائِهِ، وَنَفْيًا لِلْإِهَانَةِ عَنْهُ وَالتَّحْقِيرِ لَهُ، بِالْإِعْرَاضِ عَنْ إِجَابَةِ دُعَائِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ هَضْمِهِ فِي النُّفُوسِ، وَإِفْضَاءِ ذَلِكَ إِلَى الْإِخْلَالِ بِمَقْصُودِ الْبِعْثَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ صَرْفُ الْأَمْرِ إِلَى الْوُجُوبِ بِقَرِينَةٍ. وَأَمَّا خَبَرُ الْحَجِّ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : " «وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ» " لَيْسَ أَمْرًا لِيَكُونَ لِلْوُجُوبِ، بَلْ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فَإِنَّهُ مُقْتَضٍ لِلْوُجُوبِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ التَّكْرَارِ وَالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَقَوْلُهُ: " «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ» " (أَيْ) تَكَرُّرُهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيَانًا لِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَا أَنَّهُ يَكُونُ مُوجَبًا. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْأُمَّةَ كَانَتْ تَرْجِعُ فِي الْوُجُوبِ إِلَى مُطْلَقِ الْأَوَامِرِ فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَلَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ إِنَّهُمْ كَانُوا يَرْجِعُونَ فِي النَّدْبِ إِلَى مُطْلَقِ الْأَوَامِرِ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَوَامِرِ لِلْمَنْدُوبَاتِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْجِعُونَ فِي الْوُجُوبِ إِلَى الْأَوَامِرِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْقَرَائِنِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ فَلَا حُجَّةَ فِي احْتِجَاجِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَأْتُوا الزَّكَاةَ) عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمُطْلَقِهِ لِلْوُجُوبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِأَصِلِ الْوُجُوبِ، حَتَّى يَسْتَدِلَّ عَلَى الْوُجُوبِ بِالْآيَةِ، بَلْ إِنَّمَا أَنْكَرُوا التَّكْرَارَ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى تَكْرَارِ مَا وَجَبَ لَا يَكُونُ اسْتِدْلَالًا عَلَى نَفْسِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ بِمُطْلَقِهِ لِلْوُجُوبِ (٢) . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَصِفُونَ مَنْ خَالَفَ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ بِالْعِصْيَانِ، وَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِاسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ وَالتَّوْبِيخِ، لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْقَوْلُ بِمُلَازِمَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ لِلْأَمْرِ الْمُطْلَقِ، وَمُلَازَمَةُ انْتِفَائِهَا لِلْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالْقَرِينَةِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.

стр. 433

فَإِنْ قِيلَ: بَلْ تَقْيِيدُ الْمَنْدُوبِ بِالْقَرِينَةِ، أَوْلَى مِنْ تَقْيِيدِ الْوَاجِبِ بِهَا، فَإِنَّهَا بِتَقْدِيرِ خَفَائِهَا تُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ وَهُوَ نَافِعٌ غَيْرُ مُضِرٍّ. وَبِتَقْدِيرِ تَقْيِيدِ الْوَاجِبِ بِهَا يَلْزَمُ الْإِضْرَارُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ بِتَقْدِيرِ خَفَائِهَا، لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ الْأَعْظَمِ مِنْهُ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِأَنَّ الْأَوَامِرَ الْوَارِدَةَ فِي الْمَنْدُوبَاتِ، أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الْوَاجِبَاتِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ وَاجِبٍ إِلَّا وَيَتْبَعُهُ مَنْدُوبَاتٌ، وَالْوَاجِبُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمَنْدُوبِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَحْذُورَ فِي تَقْيِيدِ الْأَعَمِّ بِالْقَرِينَةِ لِاحْتِمَالِ خَفَائِهَا، أَعْظَمُ مِنْ مَحْذُورِ ذَلِكَ فِي الْأَخَصِّ. وَأَمَّا الشُّبَهُ الْعَقْلِيَّةُ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْوُجُوبَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ. قُلْنَا: وَالنَّدْبُ مِنَ الْمُهِمَّاتِ، وَلَيْسَ إِخْلَاءُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. وَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَهُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ: (نَدَبْتُ وَرَغِبْتُ) فَلِلْوُجُوبِ أَيْضًا لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (أَوْجَبْتُ وَأَلْزَمْتُ وَحَتَّمْتُ) . قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِي النَّدْبِ ; لِمَا ذَكَرُوهُ، فَهُوَ مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ فَإِنَّ حَمْلَ الطَّلَبِ عَلَى الْوُجُوبِ مَعْنَاهُ، افْعَلْ وَأَنْتَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّرْكِ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الطَّلَبِ، فَلَا يَكُونُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. قَوْلُهُمْ إِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ الْفِعْلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لِلْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ الْفِعْلِ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَمْرِ. وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ فَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ رَاجِعٌ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ. قَوْلُهُمْ إِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ كَمَا يَأْتِي، وَإِنْ سُلِّمَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهَا، إِنْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِلنَّدْبِ فَالنَّهْيُ عَنْ أَضْدَادِهِ يَكُونُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنْهُ تَوَقُّفُ الْوُجُوبِ عَلَى كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ أَضْدَادِهِ مَانِعًا، وَذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ حَمْلَ الطَّلَبِ عَلَى الْوُجُوبِ أَحْوَطُ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْوُجُوبِ مِنَ الْإِضْرَارِ اللَّازِمِ مِنَ الْفِعْلِ الشَّاقِّ بِتَقْدِيرِ

стр. 434

فِعْلِهِ، وَالْعِقَابِ بِتَقْدِيرِ تَرْكِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ بِمَا اخْتَصَّ بِهِ الْوُجُوبُ مِنْ زِيَادَةِ الذَّمِّ وَالْوَصْفِ بِالْعِصْيَانِ، بِخِلَافِ الْمَنْدُوبِ، كَيْفَ وَإِنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا نَظَرَ وَظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، فَقَدْ أَمِنَ الضَّرَرَ، وَحَصَلَ مَقْصُودُ الْأَمْرِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمَنْدُوبَ دَاخِلٌ فِي الْوَاجِبِ، لَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْأَمْرَ مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى، فَكَانَ مَانِعًا مِنْ نَقِيْضِهِ دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْخَبَرِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَاتِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ (١) . ثُمَّ إِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالْأَمْرِ بِالْمَنْدُوبِ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ (٢) . فَإِنْ قِيلَ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ فِي الْمَنْدُوبِ الْمُخَالَفَةُ مُطْلَقًا. قُلْنَا: يَجِبُ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ حَتَّى لَا يَلْزَمَ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ فِي الْمَنْدُوبِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَخِيرَةِ فَهِيَ مُنْتَقِضَةٌ بِالْمَنْدُوبِ، وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالنَّدْبِ، فَمِنْهَا نَقْلِيَّةٌ وَعَقْلِيَّةٌ. أَمَّا النَّقْلِيَّةُ فَقَوْلُهُ ﷺ : " «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا» " فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا وَمَشِيئَتِنَا وَهُوَ دَلِيلُ النُّدْبِيَّةِ. وَأَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَهُوَ أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَا فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْوَاجِبِ، فَكُلُّ وَاجِبٍ مَنْدُوبٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْدُوبٍ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ، وَالْمَنْدُوبُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ جَعْلُ الْأَمْرِ حَقِيقَةً فِيهِ لِكَوْنِهِ مُتَيَقِّنًا. وَجَوَابُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ، فَمَا سَبَقَ فِي جَوَابِ شُبَهِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ. وَمِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ: عَنِ الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ " ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ " تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَى مَشِيئَتِنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ فَافْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، بَلْ قَالَ: " ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ " وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصِّيَّةً لِلنَّدْبِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاجِبٍ كَذَلِكَ. وَعَنِ الثَّانِيَةِ مَا سَبَقَ مِنِ امْتِنَاعِ وُجُودِ الْمَنْدُوبِ فِي الْوَاجِبِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ تَنْزِيلُ لَفْظِ الْأَمْرِ عَلَى الْمُتَيَقِّنِ لَازِمًا، لَكَانَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي رَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مُتَيَقَّنًا بِخِلَافِ الْمَنْدُوبِ، فَإِنَّهُ مُتَمَيِّزٌ بِكَوْنِ الْفِعْلِ مُتَرَجِّحًا عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ (٣) .

стр. 435

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْأَمْرِ الْعُرْيِ عَنِ الْقَرَائِنِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْأَمْرِ الْعُرْيِ عَنِ الْقَرَائِنِ فَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ مُقْتَضٍ لِلتَّكْرَارِ الْمُسْتَوْعِبِ لِزَمَانِ الْعُمُرِ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَمُحْتَمِلٌ لِلتَّكْرَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى احْتِمَالَ التَّكْرَارِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ: وَكَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الزِّيَادَةِ، وَلَمْ يَقْضِ فِيهَا بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْوَاقِفَيَّةِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي الِامْتِثَالِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا، وَالتَّكْرَارُ مُحْتَمَلٌ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ قَرِينَةٌ أَشْعَرَتْ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ التَّكْرَارَ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ كَافِيًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهُ " صَلِّ أَوْ صُمْ " فَقَدْ أَمَرَهُ بِإِيقَاعِ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَهُوَ مَصْدَرُ (افْعَلْ) وَالْمَصْدَرُ مُحْتَمِلٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالْعَدَدِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا " وَقَعَ بِهِ لَمَا كَانَ تَفْسِيرًا لِلْمَصْدَرِ وَهُوَ الطَّلَاقُ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ " لَمْ يَقَعْ سِوَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِلثَّلَاثِ، فَإِذَا قَالَ " صَلِّ " فَقَدْ أَمَرَهُ بِإِيقَاعِ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ، وَالْمَصْدَرُ مُحْتَمِلٌ لِلْعَدَدِ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ قَرِينَةٌ مُشْعِرَةٌ بِإِرَادَةِ الْعَدَدِ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ تَكُونُ كَافِيَةً. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ صَدَقَةً، أَوْ يَشْتَرِيَ خُبْزًا أَوْ لَحْمًا، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي مِنْهُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَشِرَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ وَالتَّوْبِيخَ، لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ حَالَ الْآمِرِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ إِرَادَةِ الْعَدَدِ، وَعَدَمِ إِرَادَتِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَدَدُ مَعَ ظُهُورِ الْإِرَادَةِ، وَلَا ظُهُورَ، إِذِ الْفَرْضُ فِيمَا إِذَا عُدِمَتِ الْقَرَائِنُ الْمُشْعِرَةُ بِهِ. فَقَدْ بَطَلَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ إِشْعَارِ اللَّفْظِ بِالْعَدَدِ مُطْلَقًا وَبَطَلَ الْقَوْلُ بِظُهُورِهِ فِيهِ وَبِالْوَقْفِ أَيْضًا. وَالِاعْتِرَاضُ هَاهُنَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَذَاهِبِ الْخُصُومِ، فَمَنِ اعْتَقَدَ ظُهُورَهُ فِي التَّكْرَارِ اعْتَرَضَ بِشُبَهٍ. الْأُولَى مِنْهَا أَنَّ أَوَامِرَ الشَّارِعِ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّكْرَارِ، فَدَلَّ عَلَى إِشْعَارِ الْأَمْرِ بِهِ.

стр. 436

الثَّانِيَةُ، أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) يَعُمُّ كُلَّ مُشْرِكٍ، فَقَوْلُهُ " صُمْ وَصَلِّ " يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ الْأَزْمَانِ لِأَنَّ نِسْبَةَ اللَّفْظِ إِلَى الْأَزْمَانِ كَنِسْبَتِهِ إِلَى الْأَشْخَاصِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ (صُمْ) كَقَوْلِهِ (لَا تَصُمْ) وَمُقْتَضَى النَّهْيِ التَّرْكُ أَبَدًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لِلْفِعْلِ أَبَدًا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاقْتِضَاءِ وَالطَّلَبِ. الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْأَمْرَ اقْتَضَى فِعْلَ الصَّوْمِ، وَاقْتَضَى اعْتِقَادَ وُجُوبِهِ، وَالْعَزْمَ عَلَيْهِ أَبَدًا، فَكَذَلِكَ الْمُوجَبُ الْآخَرُ. الْخَامِسَةُ: أَنَّ الْأَمْرَ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى الْبَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ، فَوَجَبَ التَّعْمِيمُ. السَّادِسَةُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلتَّكْرَارِ لَمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، لِاسْتِحَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَا تَطَرُّقُ النُّسَخِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْبَدَاءِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا حُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ مِنَ الْآمِرِ أَنَّكَ أَرَدْتَ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ أَوِ التَّكْرَارَ. وَلَكَانَ قَوْلُ الْآمِرِ لِغَيْرِهِ (صَلِّ مَرَّةً وَاحِدَةً) غَيْرَ مُفِيدٍ، وَكَانَ قَوْلُهُ (صَلِّ مِرَارًا) تَنَاقُضًا، وَلَكَانَ إِذَا لَمْ يَفْعَلِ الْمَأْمُورُ مَا أُمِرَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، مُحْتَاجًا فِي فِعْلِهِ ثَانِيًا إِلَى دَلِيلٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. السَّابِعَةُ: أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى التَّكْرَارِ أَحْوَطُ لِلْمُكَلَّفِ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِلتَّكْرَارِ، فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَلَا ضَرَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّكْرَارِ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُضِرًّا. الثَّامِنَةُ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ أَضْدَادِهِ يَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ الزَّمَانِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اسْتِدَامَةَ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ. التَّاسِعَةُ: قَوْلُهُ ﷺ : " «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» " أَيْ فَأْتُوا بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ التَّكْرَارِ. الْعَاشِرَةُ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَآهُ قَدْ جَمَعَ بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ صَلَوَاتٍ عَامَ الْفَتْحِ، وَقَالَ: " أَعَمْدًا فَعَلْتَ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ» وَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ تَكْرَارَ الطِّهَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لَمَا كَانَ لِلسُّؤَالِ مَعْنًى. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أَحْسِنْ عِشْرَةَ فُلَانٍ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّكْرَارُ وَالدَّوَامُ.

стр. 437

وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِامْتِنَاعِ احْتِمَالِ التَّكْرَارِ، فَأَوَّلُهَا: أَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ " ادْخُلِ الدَّارَ " يُعَدُّ مُمْتَثِلًا بِالدُّخُولِ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُمْتَثِلًا لِقَوْلِهِ " اضْرِبْ رَجُلًا " بِضَرْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ بِتَرْكِ التَّكْرَارِ، بَلْ يُلَامُ مَنْ لَامَهُ عَلَيْهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ (صَامَ زَيْدٌ) صَدَقَ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ غَيْرِ إِدَامَةٍ فَلْيَكُنْ مِثْلُهُ فِي الْأَمْرِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَيُصَلِّيَنَّ أَوْ لَيَصُومَنَّ، بُرَّتْ يَمِينُهُ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَصَوْمِ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وُعُدَّ آتِيًا بِمَا الْتَزَمَهُ، فَكَذَلِكَ فِي الِالْتِزَامِ بِالْأَمْرِ. وَرَابِعُهَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ (طَلِّقْ زَوْجَتِي) لَمْ يَمْلُكْ أَكْثَرَ مِنْ تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِلتَّكْرَارِ، لَكَانَ قَوْلُهُ (صَلِّ مِرَارًا) غَيْرَ مُفِيدٍ. وَكَانَ قَوْلُهُ (صَلِّ مَرَّةً وَاحِدَةً) نَقْصًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلتَّكْرَارِ: لَكَانَ الْأَمْرُ بِعِبَادَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إِمَّا تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مُنَاقِضًا لِلْأَمْرِ بِالْأُخْرَى، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَأَمَّا شُبَهُ الْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ، فَأَوَّلُهَا أَنَّ الْأَمْرَ بِمُطْلَقِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَا فِي التَّكْرَارِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يُسْتَفْهَمَ مِنَ الْآمِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ " اضْرِبْ " وَيُقَالُ لَهُ " مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ مِرَارًا ". وَلَوْ كَانَ ظَاهِرًا فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَمَا حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ لَكَانَ قَوْلُ الْآمِرِ " اضْرِبْ مَرَّةً وَاحِدَةً " تَكْرَارًا " أَوْ مِرَارًا " تَنَاقُضًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا فِي التَّكْرَارِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الْأُولَى لِلْقَائِلِينَ بِالتَّكْرَارِ هُوَ أَنَّ حَمْلَ بَعْضِ الْأَوَامِرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَكَرِّرَةً عَلَى التَّكْرَارِ، لَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِفَادَةِ ذَلِكَ مِنْ ظَاهِرِهَا، وَإِلَّا كَانَ مَا حُمِلَ مِنَ الْأَوَامِرِ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، كَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ، مُسْتَفَادًا مِنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِمَّا التَّنَاقُضُ أَوِ اعْتِقَادُ الظُّهُورِ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَوْلِيَّةٍ وَهُوَ مُحَالٌ (١) .

стр. 438

فَإِنْ قِيلَ: اعْتِقَادُ الظُّهُورِ فِي التَّكْرَارِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا حُمِلَ مِنَ الْأَوَامِرِ عَلَى التَّكْرَارِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَحْمُولِ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ جَعَلْنَاهُ ظَاهِرًا فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، لَكَانَ الْمَحْذُورُ اللَّازِمُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِي الْحَمْلِ عَلَى التَّكْرَارِ أَقَلَّ مِنَ الْمَحْذُورِ اللَّازِمِ مِنْ جَعْلِهِ ظَاهِرًا فِي التَّكْرَارِ عِنْدَ حَمْلِهِ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ. قُلْنَا: هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ قُلْنَا إِنَّ الْأَمْرَ ظَاهِرٌ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا إِنَّمَا يَقْتَضِي إِيقَاعَ مَصْدَرِ الْفِعْلِ، وَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ ظَاهِرٌ فِيهَا، وَكَذَلِكَ فِي التَّكْرَارِ (١) فَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْقَرِينَةِ لَا يُوجِبُ مُخَالَفَةَ الظَّاهِرِ فِي الْآخَرِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِيهِ. وَعَنِ الثَّانِيَةِ: وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعُمُومَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُشْرِكٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِعَدَمِ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ " صُمْ " بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْأَزْمَانِ (٢) بَلْ لَوْ قَالَ " صُمْ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ " كَانَ نَظِيرًا لِقَوْلِهِ " اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ". وَعَنِ الثَّالِثَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ لِلدَّوَامِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِيهِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالدَّوَامِ أَوْ ظُهُورِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، كَمَا فِي الْأَمْرِ وَإِنْ سَلَّمْنَا اقْتِضَاءَهُ لِلدَّوَامِ، لَكِنْ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ إِلْحَاقِ الْأَمْرِ بِالنَّهْيِ بِوَاسِطَةِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا فِي الِاقْتِضَاءِ فَرْعُ صِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَاتِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّا نُفَرِّقُ: وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يَضْرِبَ فَقَدْ أَمَرَهُ بِإِيقَاعِ مَصْدَرِهِ، وَهُوَ الضَّرْبُ، فَإِذَا ضَرَبَ مَرَّةً وَاحِدَةً يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَعْدَمِ الضَّرْبَ. (٣) . الثَّانِي: إِنَّ حَمْلَ الْأَمْرِ عَلَى التَّكْرَارِ مِمَّا يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْحَوَائِجِ الْمُهِمَّةِ، وَامْتِنَاعِ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورَاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهَا بِخِلَافِ الِانْتِهَاءِ عَنِ الْمَنْهِيِّ مُطْلَقًا.

стр. 439

وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّهَا غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دَوَامَ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ عِنْدَ قِيَامِ دَلِيلِ الْوُجُوبِ لَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ، فَتَرْكُهُ يَكُونُ كُفْرًا، وَالْكُفْرُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ دَائِمًا، وَلِهَذَا كَانَ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ دَائِمًا فِي الْأَوَامِرِ الْمُقَيَّدَةِ. وَأَمَّا الْعَزْمُ، فَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَهُ، وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَهُوَ نَائِمٌ، لَا يَجِبْ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ إِنْبَاهُهُ وَلَوْ كَانَ الْعَزْمُ وَاجِبًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ ضَاقَ وَقْتُ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ نَائِمٌ. وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ الْعَزْمِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ وُجُوبَهُ دَائِمًا، بَلْ هُوَ تَبَعٌ لِوُجُوبِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهُ دَائِمًا، فَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ مُسْتَفَادًا مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ، لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ، بَلْ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ اقْتَضَى دَوَامَهُ غَيْرَ الْأَمْرِ الْوَارِدِ بِالْعِبَادَةِ، وَلِهَذَا وَجَبَ فِي الْأَوَامِرِ بِالْفِعْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَعَنِ الْخَامِسَةِ: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِالزَّمَانِ، وَإِنَّمَا الزَّمَانُ مِنْ ضَرُورَاتِ وُقُوعِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ الْبَعْضِ التَّعْمِيمُ كَالْمَكَانِ. وَعَنِ السَّادِسَةِ: وَهِيَ قَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ (الْأَمْرُ) لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ لَمَا دَخَلَهُ النَّسْخُ لَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا، فَإِنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِالْحَجِّ فِي السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، جَازَ نَسْخُهُ عِنْدَنَا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ عَلَى مَا يَأْتِي. وَإِنَّمَا ذَلِكَ لَازِمٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا دُخُولُ الِاسْتِثْنَاءِ فَمَنْ أَوْجَبَ الْفِعْلَ عَلَى الْفَوْرِ يُمْنَعُ مِنْهُ، وَمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى التَّرَاخِي، فَلَا يُمْنَعُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي الْمُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ فِي إِيقَاعِ الْوَاجِبِ فِيهَا. وَأَمَّا حُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ، فَإِنَّمَا كَانَ لِتَحْصِيلِ الْيَقِينِ فِيمَا اللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ تَأْكِيدًا، فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِإِرَادَةِ التَّكْرَارِ وَإِرَادَةِ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَبِهِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " صَلِّ مَرَّةً وَاحِدَةً " وَقَوْلِهِ " صَلِّ مِرَارًا " غَيْرَ مُتَنَاقِضٍ، بَلْ غَايَتُهُ دَلَالَةُ الدَّلِيلِ عَلَى إِرَادَةِ التَّكْرَارِ الْمُحْتَمَلِ. وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَمَنْ قَالَ بِالتَّرَاخِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عِنْدَهُ تَخْيِيرُ الْمَأْمُورِ فِي إِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ مِنْ ذَلِكَ " الْوَقْتِ "، وَمَنْ قَالَ بِالْفَوْرِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ فِي ثَانِي الْحَالِ.

стр. 440

وَعَنِ السَّابِعَةِ: مَا سَبَقَ فِي الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ. وَعَنِ الثَّامِنَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، وَإِنْ سَلِمَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ اقْتِضَاءَ النَّهْيِ لِلْأَضْدَادِ بِصِفَةِ الدَّوَامِ، فَرْعُ كَوْنِ الْأَمْرِ مُقْتَضِيًا لِلْفِعْلِ عَلَى الدَّوَامِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﷺ ( «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ» ) الْحَدِيثُ، إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ مَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مَأْمُورًا بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالطَّهَارَةِ يَقْتَضِي تَكْرَارَهَا بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ، بَلْ لَعَلَّهُ أُشْكِلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لِلتَّكْرَارِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ فِي ذَلِكَ لِإِزَاحَةِ الْإِشْكَالِ، بِمَعْرِفَةِ كَوْنِهِ لِلتَّكْرَارِ إِنْ كَانَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ سَهْوًا أَوْ لَا لِلتَّكْرَارِ إِنْ كَانَ فِعْلُهُ عَمْدًا. كَيْفَ وَإِنَّ فَهْمَ عُمَرَ لِذَلِكَ مُقَابَلٌ بِإِعْرَاضِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ التَّكْرَارِ، وَلَوْ كَانَ لِلتَّكْرَارِ لَمَا أَعْرَضَ عَنْهُ، وَلَهُ التَّرْجِيحُ (١) . وَأَمَّا الْأَخِيرَةُ: فَإِنَّمَا عَمَّ الْأَمْرُ فِيهَا بِالْإِكْرَامِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ لِلْأَزْمَانِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي اسْتِحْقَاقَ الْمَأْمُورِ بِإِكْرَامِهِ لِلْإِكْرَامِ، وَهُوَ سَبَبُ الْأَمْرِ، فَمَهْمَا لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُ ذَلِكَ السَّبَبِ وَجَبَ دَوَامُ الْمُسَبِّبِ، فَكَانَ الدَّوَامُ مُسْتَفَادًا مِنْ هَذِهِ الْقَرِينَةِ لَا مِنْ مُطْلَقِ الْأَمْرِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأُولَى لِلْقَائِلِينَ بِامْتِنَاعِ احْتِمَالِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ لِلتَّكْرَارِ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي التَّكْرَارِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ احْتِمَالِهِ لَهُ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: ادْخُلِ الدَّارَ مِرَارًا بِطَرِيقِ التَّفْسِيرِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ وَلَوْ عُدِمَ لَمَا صَحَّ التَّفْسِيرُ. وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ ذَلِكَ قِيَاسٌ فِي اللُّغَاتِ فَلَا يَصِحُّ، وَبِهِ دَفْعُ الشُّبْهَةِ الثَّالِثَةِ. وَإِذَا قَالَ لِوَكِيلِهِ (طَلِّقْ زَوْجَتِي) إِنَّمَا لَمْ يَمْلُكْ مَا زَادَ عَلَى الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ لِعَدَمِ ظُهُورِ الْأَمْرِ فِيهَا لَا لِعَدَمِ لُغَةِ الِاحْتِمَالِ ; وَلِهَذَا لَوْ قَالَ (طَلِّقْهَا ثَلَاثًا) عَلَى التَّفْسِيرِ صَحَّ. وَعَنِ الْخَامِسَةِ مَا سَبَقَ.

стр. 441

وَعَنِ السَّادِسَةِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْمَشَقَّةِ مِنْ حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى التَّكْرَارِ، إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُنَافِيًا لَهُ أَوْ يَكُونَ مُنَافِيًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا اتِّجَاهَ لِمَا ذَكَرُوهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَغَايَتُهُ تَعَذُّرُ الْعَمَلِ بِالْأَمْرِ فِي التَّكْرَارِ عِنْدَ لُزُومِ الْحَرَجِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَرِينَةً مَانِعَةً مِنْ صَرْفِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ احْتِمَالِهِ لَهُ لُغَةً. وَجَوَابُ شُبْهَةِ الْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ مَا سَبَقَ فِي جَوَابِ مَنْ تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ: (إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا) (١) أَوْ صِفَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ هَلْ يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْمَأْمُورِ بِهِ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ أَمْ لَا؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَهُوَ هَاهُنَا أَوْلَى، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ اخْتَلَفُوا هَاهُنَا: فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ. وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْحِجَاجِ لَا بُدَّ مِنْ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَنَقُولُ: مَا عُلِّقَ بِهِ الْمَأْمُورُ مِنَ الشَّرْطِ أَوِ الصِّفَةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ عِلَّةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِوُجُوبِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَالزِّنَا، أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلِ الْحُكْمُ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ لَهُ فِيهِ، كَالْإِحْصَانِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ فِي الزِّنَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ عَلَى تَكَرُّرِ الْفِعْلِ بِتَكَرُّرِهِ نَظَرًا إِلَى تَكَرُّرِ الْعِلَّةِ، وَوُقُوعُ الِاتِّفَاقِ عَلَى التَّعَبُّدِ بِاتِّبَاعِ الْعِلَّةِ، مَهْمَا وُجِدَتْ، فَالتَّكْرَارُ مُسْتَنِدٌ إِلَى تَكْرَارِ الْعِلَّةِ، لَا إِلَى الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا تَكْرَارَ. وَقَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ، لَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا، وَعَلَى مَا فِيهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، الْحُجَّةُ الْأُولَى أَنَّهُمْ قَالُوا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ أَوِ الصِّفَةِ لَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: " إِنْ جَاءَ زَيْدٌ جَاءَ عَمْرٌو " فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَكَرُّرُ مَجِيءِ عَمْرٍو فِي تَكَرُّرِ مَجِيءِ زَيْدٍ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَمْرِ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ، فَإِنَّ حَاصِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ (٢) .

стр. 442

الثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ " إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَإِنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ بِتَكْرَارِ الدُّخُولِ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ " إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا " وَهُوَ أَيْضًا مِنْ جِنْسِ مَا تَقَدَّمَ، لِمَا فِيهِ مِنْ قِيَاسِ الْأَمْرِ عَلَى إِنْشَاءِ الطَّلَاقِ الَّذِي لَيْسَ بِأَمْرٍ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللَّفْظَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ إِلَّا عَلَى تَعْلِيقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ تَعْلِيقِهِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ صُورَةٍ، أَوْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمُشْعِرُ بِالْأَعَمِّ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُشْعِرًا بِالْأَخَصِّ. وَحَاصِلُ هَذِهِ الْحُجَّةِ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى مَحْضِ الدَّعْوَى بِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُضَافَ إِلَى الشَّرْطِ أَوِ الصِّفَةِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ اقْتِضَاءُ التَّكْرَارِ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ أَوِ الصِّفَةِ، وَهُوَ عَيْنُ مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مُشْعِرٌ بِالْأَعَمِّ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ إِشْعَارِهِ بِالْأَخَصِّ. وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ، أَنْ يُقَالَ لَوْ وَجَبَ التَّكْرَارُ لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لَهُ نَفْسُ الْأَمْرِ أَوِ الشَّرْطِ أَوْ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ لِمَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَا بِالثَّانِي لِأَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الْمَشْرُوطِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ، بَلْ إِنَّمَا تَأْثِيرُهُ فِي انْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَحَيْثُ قِيلَ بِمُلَازَمَةِ الْمَشْرُوطِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ " إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ " إِنَّمَا كَانَ لِضَرُورَةِ وُجُودِ الْمُوجَبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ " أَنْتِ طَالِقٌ " لَا لِنَفْسِ دُخُولِ الدَّارِ، وَإِلَّا كَانَ دُخُولُ الدَّارِ مُوجِبًا لِلطَّلَاقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالثَّالِثِ، لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ " إِذَا دَخَلْتِ السُّوقَ فَاشْتَرِ لَحْمًا " أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ تَحَقُّقِ الْمُوجِبِ لِلتَّكْرَارِ، أَوْ لَا مَعَ تَحَقُّقِهِ: لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ. وَإِلَّا فَانْتِفَاءُ التَّكْرَارِ إِمَّا لِمُعَارِضٍ، أَوْ لَا لِمُعَارِضٍ، وَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُعَارَضَةِ وَتَعْطِيلِ الدَّلِيلِ عَنْ أَعْمَالِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الثَّانِي، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ مِنْ وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوَامِرُ مُتَعَلِّقَةٌ بِشُرُوطٍ وَصِفَاتٍ وَهِيَ مُتَكَرِّرَةٌ بِتَكَرُّرِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ الْآيَةُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الْآيَةُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِلتَّكْرَارِ لَمَا كَانَ مُتَكَرِّرًا.

стр. 443

الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ يَتَكَرَّرُ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِهَا إِجْمَاعًا، وَالشَّرْطُ أَقْوَى مِنَ الْعِلَّةِ لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِفَائِهِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ، فَكَانَ اقْتِضَاؤُهُ لِلتَّكْرَارِ أَوْلَى. الثَّالِثُ: أَنَّ نِسْبَةَ الْحُكْمِ إِلَى إِعْدَادِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْمَوْجُودِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، دُونَ مَا بَعْدَهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَلْزَمَ مِنِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ ثَانِيًا وَثَالِثًا انْتِفَاؤُهُ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، أَوْ مِنْ وُجُودِهِ مَعَ الْأَوَّلِ الْوُجُودُ مَعَ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ ضَرُورَةَ التَّسْوِيَةِ. وَالْأَوَّلُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمَطْلُوبُ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِجَمِيعِ الشُّرُوطِ، بَلْ بِالْأَوَّلِ مِنْهَا فَيَلْزَمُ، أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ مَعَ الشَّرْطِ الثَّانِي، دُونَ الْأَوَّلِ، قَضَاءٌ، وَكَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. الْخَامِسُ: أَنَّ النَّهْيَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مُفِيدٌ لِلتَّكْرَارِ، كَمَا إِذَا قَالَ " إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ فَلَا تُعْطِهِ دِرْهَمًا " وَالْأَمْرُ ضِدُّ النَّهْيِ، فَكَانَ مُشَارِكًا لَهُ فِي حُكْمِهِ، ضَرُورَةَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ. السَّادِسُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْأَمْرِ عَلَى الشَّرْطِ الدَّائِمِ مُوجِبٌ لِدَوَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِدَوَامِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ (إِذَا وُجِدَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَصُمْهُ) فَإِنَّ الصَّوْمَ يَكُونُ دَائِمًا بِدَوَامِ الشَّهْرِ، وَتَعْلِيقُ الْأَمْرِ عَلَى الشَّرْطِ الْمُتَكَرِّرِ فِي مَعْنَاهُ فَكَانَ دَائِمًا. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ غَيْرُ مُقْتَضٍ لِلتَّكْرَارِ، فَحَيْثُ قُضِيَ بِالتَّكْرَارِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ وَالصِّفَةُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الْمُكَرَّرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، كَمَا فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، أَوْ لَا يَكُونُ عِلَّةً لَهُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَالتَّكْرَارُ إِنَّمَا كَانَ لِتَكَرُّرِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَيَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ مُتَكَرِّرًا لِدَلِيلٍ اقْتَضَاهُ غَيْرُ الْأَمْرِ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ اقْتِضَائِهِ، كَيْفَ وَإِنَّهُ كَمَا قَدْ يَتَكَرَّرُ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، فَقَدْ لَا يَتَكَرَّرُ كَالْأَمْرِ بِالْحَجِّ، فَإِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ بِتَكَرُّرِهَا.

стр. 444

وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَكَرُّرِ الْحُكْمِ بِتَكَرُّرِ الْعِلَّةِ لِكَوْنِهَا مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ، تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحُكْمِ، كَمَا تَقَرَّرَ. وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُلْزِمُ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا بَلِ الْأَمْرُ مُقْتَضٍ لِلِامْتِثَالِ مَعَ اسْتِوَاءِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِيهِ، إِذَا عُلِمَ تَجَدُّدُ الشَّرْطِ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْمَأْمُورِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ قَدِ اقْتَضَى تَعَلُّقَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الشُّرُوطِ كُلِّهَا عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ لَهُ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ تَجَدُّدُ الشَّرْطِ، وَلَا بَقَاءُ الْمَأْمُورِ إِلَى حَالَةِ وُجُودِ الشَّرْطِ الثَّانِي، فَقَدْ تَعَيَّنَ اخْتِصَاصُ الْمَأْمُورِ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَا سِوَاهُ. وَعَلَى هَذَا، فَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنِ الرَّابِعِ أَيْضًا. وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى قِيَاسِ الْأَمْرِ عَلَى النَّهْيِ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ. كَيْفَ وَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ الْمُضَافَ إِلَى الشَّرْطِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، بَلْ مَا اقْتَضَاهُ النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ دَوَامُ الْمَنْعِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ تَجَدَّدَ الشَّرْطُ ثَانِيًا، أَوْ لَمْ يَتَجَدَّدْ. وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّ الشَّرْطَ الْمُسْتَشْهَدَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ دَوَامٌ فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ وَالْحَكَمُ مَوْجُودٌ مَعَهُ، فَهُوَ وَاحِدٌ، وَالْمَشْرُوطُ بِهِ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ بِتَكَرُّرِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ عِنْدَ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَرُّرٍ، لُزُومُ التَّكَرُّرِ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.

стр. 445

[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ هَلْ يَقْتَضِي تَعْجِيلَ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ: هَلْ يَقْتَضِي تَعْجِيلَ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ؟ فَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِحَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى التَّكْرَارِ، إِلَى وُجُوبِ التَّعْجِيلِ. وَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى التَّرَاخِي، وَجَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ. وَأَمَّا الْوَاقِفَيَّةُ فَقَدْ تَوَقَّفُوا، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: التَّوَقُّفُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُؤَخِّرِ هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَوْ لَا؟ وَأَمَّا الْمُبَادِرُ فَإِنَّهُ مُمْتَثِلٌ قَطْعًا، لَكِنْ هَلْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالتَّأْثِيمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤَثِّمْهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْمُبَادِرِ أَيْضًا، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعَ السَّلَفِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَهْمَا فَعَلَ، كَانَ مُقَدِّمًا أَوْ مُؤَخِّرًا، كَانَ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالتَّأْخِيرِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي طَلَبِ الْفِعْلِ لَا غَيْرَ، فَمَهْمَا أَتَى بِالْفِعْلِ فِي أَيِّ زَمَانٍ كَانَ، مُقَدِّمًا أَوْ مُؤَخِّرًا كَانَ آتِيًا بِمَدْلُولِ الْأَمْرِ، فَيَكُونُ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالتَّأْخِيرِ، لِكَوْنِهِ آتِيًا بِمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، وَبَيَانُ أَنَّ مَدْلُولَ الْأَمْرِ طَلَبُ الْفِعْلِ لَا غَيْرَ وَجْهَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ دَلَالَتِهِ عَلَى أَمْرٍ خَارِجٍ، وَالزَّمَانُ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ ضَرُورَةِ وُقُوعِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي مَدْلُولِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ اللَّازِمَ مِنَ الشَّيْءِ أَعَمُّ مِنَ الدَّاخِلِ فِي مَعْنَاهُ وَلَا أَنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا، كَمَا لَا تَتَعَيَّنُ الْآلَةُ فِي الضَّرْبِ، وَلَا الشَّخْصُ الْمَضْرُوبُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالضَّرْبِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ عَلَى الْفَوْرِ وَعَلَى التَّرَاخِي، وَيَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ بِوُجُودِ الْأَمْرِ فِي الصُّورَتَيْنِ. وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَلَا مُشْتَرَكَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ سِوَى طَلَبُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا سِوَاهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَدْلُولَ الْأَمْرِ فِي الصُّورَتَيْنِ، دُونَ مَا بِهِ الِاقْتِرَانُ مِنَ الزَّمَانِ وَغَيْرِهِ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ.

стр. 446

فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي بَيَانِ امْتِنَاعِ خُرُوجِ الْوَقْتِ (١) عَنِ الدُّخُولِ فِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ. وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ " اسْقِنِي مَاءً " فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ تَعْجِيلُ السَّقْيِ حَتَّى أَنَّهُ يَحْسُنُ لَوْمُ الْعَبْدِ وَذَمِّهِ فِي نَظَرِ الْعُقَلَاءِ بِتَقْدِيرِ التَّأْخِيرِ. وَلَوْلَا أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْأَمْرِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْقَرِينَةِ. الثَّانِي هُوَ أَنَّ مَدْلُولَ الْأَمْرِ، وَهُوَ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ، لَا يَقَعُ إِلَّا فِي وَقْتٍ وَزَمَانٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لِلْفِعْلِ فِي أَقْرَبِ زَمَانٍ كَالْمَكَانِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ " وَلِعَبْدِهِ " أَنْتَ حُرٌّ " فَإِنَّ مَدْلُولَ لَفْظِهِ يَقَعُ عَلَى الْفَوْرِ فِي أَقْرَبِ زَمَانٍ. الثَّالِثُ أَنَّ الْأَمْرَ مُشَارِكٌ لِلنَّهْيِ فِي مُطْلَقِ الطَّلَبِ، وَالنَّهْيُ مُقْتَضٍ لِلِامْتِثَالِ عَلَى الْفَوْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُقْتَضٍ لِلِانْتِهَاءِ عَنْهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، فَكَانَ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لَهُ عَلَى الْفَوْرِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ تَعَالَى عَاتَبَ إِبْلِيسَ وَوَبَّخَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فِي الْحَالِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالسُّجُودِ مُقْتَضِيًا لَهُ فِي الْحَالِ، لَمَا حَسُنَ تَوْبِيخُهُ عَلَيْهِ، وَلَكَانَ تِلْكَ عُذْرًا لِإِبْلِيسَ فِي تَأْخِيرِهِ. سَلَّمْنَا عَدَمَ دَلَالَةِ الْأَمْرِ عَلَى وُجُوبِ الْفِعْلِ عَلَى الْفَوْرِ لَفْظًا لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لَهُ بِوَاسِطَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْفِعْلِ فَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى وُجُوبِ اعْتِقَادِهِ عَلَى الْفَوْرِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضًى لِلْأَمْرِ، بَلْ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ مُقْتَضَاهُ فَكَانَ مُقْتَضَاهُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْلَى لِأَصَالَتِهِ. الثَّانِي أَنَّ إِجْمَاعَ السَّلَفِ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُبَادِرَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ، وَلَا إِجْمَاعَ فِي الْمُؤَخِّرِ، فَكَانَ الْقَوْلُ بِالتَّعْجِيلِ أَحْوَطَ وَأَوْلَى.

стр. 447

الثَّالِثُ أَنَّ الْفِعْلَ وَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَوْ جَازَ تَأْخِيرُهُ، إِمَّا أَنْ يَجُوزَ إِلَى غَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ لَا إِلَى غَايَةٍ. فَإِنْ جَازَ تَأْخِيرُهُ إِلَى غَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمَأْمُورِ، أَوْ لَا تَكُونُ مَعْلُومَةً لَهُ فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَذْكُورَةً بِأَنْ يُقَالَ لَهُ (إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ) مَثَلًا أَوْ مَوْصُوفَةً. الْأَوَّلُ خِلَافُ الْفَرْضِ، إِذِ الْفَرْضُ فِيمَا إِذَا كَانَ أَمْرًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ فِي الذِّكْرِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالْوَقْتُ الْمَوْصُوفُ لَا يَخْرُجُ بِالْإِجْمَاعِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْمَأْمُورَ بِهِ عَنْهُ لَفَاتَ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَمَارَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهِيَ بِالْإِجْمَاعِ غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنِ الْغَرَضِ الْمَرْجُوِّ وَعُلُوِّ السِّنِّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مُضْطَرِبٌ مُخْتَلِفٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ يَعِيشُ بَعْدَهُ فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَتِ الْغَايَةُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ عَنْهَا، كَانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا جَازَ التَّأْخِيرُ إِلَى غَايَةٍ. وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ لَا إِلَى غَايَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ بِبَدَلٍ، أَوْ لَا بِبَدَلٍ، فَإِنْ كَانَ بِبَدَلٍ، فَذَلِكَ الْبَدَلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ، لَا جَائِزَ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا وَإِمَّا لَمَا كَانَ بَدَلًا عَنِ الْوَاجِبِ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَوَجَبَ إِنْبَاهُ الْمَأْمُورِ حَالَةَ وُرُودِ الْأَمْرِ نَحْوَهُ عَلَى مَنْ حَضَرَ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْبَدَلُ، كَمَا لَوْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَكَانَ نَائِمًا، الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْأَمْرَ لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِوُجُوبِ الْبَدَلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ دَلِيلٍ آخَرَ، وَيَمْتَنِعُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْبَدَلَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَكَانَ قَائِمًا مَقَامَ الْمُبْدَلِ وَمُحَصِّلًا لِمَقْصُودِهِ، وَإِمَّا لَمَا كَانَ بَدَلًا، لِمَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ مَقْصُودِ الْأَصْلِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ سُقُوطُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِتَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ بِالْبَدَلِ ضَرُورَةَ حُصُولِ مَقْصُودِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَدَلُ وَاجِبًا لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يَجُوزَ تَأْخِيرُهُ عَنِ الْوَقْتِ الثَّانِي، مِنْ وُرُودِ الْأَمْرِ أَوْ لَا يَجُوزُ: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي أَصْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ.

стр. 448

وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَهُوَ أَيْضًا مُمْتَنِعٌ ; لِأَنَّ الْبَدَلَ لَا يَزِيدُ عَلَى نَفْسِ الْمُبْدَلِ، وَوَقْتُ الْمُبْدَلِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَكَذَلِكَ الْبَدَلُ، وَإِنْ جَازَ التَّأْخِيرُ أَبَدًا لَا بِبَدَلٍ، فَفِيهِ إِخْرَاجُ الْوَاجِبِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. الرَّابِعُ: مِنَ الْوُجُوهِ الْأُوَلِ أَنَّ امْتِثَالَ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَهُوَ سَبَبُ الثَّوَابِ فَوَجَبَ تَعْجِيلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أَمْرٌ بِالْمُسَارَعَةِ وَالْمُسَابَقَةِ وَهِيَ التَّعْجِيلُ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إِنَّمَا فُهِمَ التَّعْجِيلُ مِنْ أَمْرِ السَّيِّدِ بِسَقْيِ الْمَاءِ مِنَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ بِحَاجَةِ السَّيِّدِ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ، إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ سَقْيُ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَوْ يُظَنَّ أَنَّ حَاجَتَهُ إِلَيْهِ دَاعِيَةٌ فِي الْحَالِ، لِمَا فُهِمَ مِنْ أَمْرِهِ التَّعْجِيلُ، وَلَا حَسُنَ ذَمُّ الْعَبْدِ بِالتَّأْخِيرِ. فَإِنْ قِيلَ: أَهْلُ الْعُرْفِ إِنَّمَا يَذُمُّونَ الْعَبْدَ بِمُخَالَفَةِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ، وَيَقُولُونَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ " خَالَفَ أَمْرَ سَيِّدِهِ " وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْجِيلِ دُونَ غَيْرِهِ. قُلْنَا: إِنَّمَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ ذَلِكَ فِي الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالْقَرِينَةِ دُونَ الْمُطْلَقِ، وَالْأَمْرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مُقَيَّدٌ، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ عِنْدَ مُطْلَقِ الْأَمْرِ بِصِحَّةِ عُذْرِ الْعَبْدِ بِقَوْلِهِ: " إِنَّمَا أَخَّرْتُ لِعَدَمِ عِلْمِي وَظَنِّي بِدَعْوَى حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ " وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. وَعَنِ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ تَعَيُّنَ أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ " أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتَ حُرٌّ " يُفِيدُ صِحَّةَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ بِوَضْعِهِ لَهُ لُغَةً، بَلْ ذَلِكَ لِسَبَبٍ جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ عَلَامَةً عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَالِي، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مَوْضُوعًا لِلْفَوْرِ. الثَّانِي: أَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ كَمَا سَبَقَ. وَعَنِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَعَنِ الْخَامِسِ أَنَّ تَوْبِيخَهُ لِإِبْلِيسَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِإِبَائِهِ وَاسْتِكْبَارِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ وَلِتَخَيُّرِهِ عَلَى آدَمَ بِقَوْلِهِ:

стр. 449

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وَلَا يُمْكِنُ إِضَافَةُ التَّوْبِيخِ إِلَى مُطْلَقِ الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَمْرٌ ; لِأَنَّهُ مُنْقَسِمٌ إِلَى أَمْرِ إِيجَابٍ وَاسْتِحْبَابٍ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَلَا تَوْبِيخَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ الِاسْتِحْبَابِ إِجْمَاعًا. وَلَوْ كَانَ التَّوْبِيخُ عَلَى مُطْلَقِ الْأَمْرِ، لَكَانَ أَمْرُ الِاسْتِحْبَابِ مُوَبَّخًا عَلَى مُخَالَفَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ التَّوْبِيخُ عَلَى أَمْرِ الْإِيجَابِ، وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى أَمْرِ إِيجَابٍ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَمْرِ إِيجَابٍ عَلَى التَّرَاخِي، كَمَا إِذَا قَالَ " أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ مُتَرَاخِيًا " وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ حَالًا. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ وَبَّخَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ فِي الْحَالِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ كَانَ مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ مُقْتَرِنٌ بِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ مُوجِبَةٍ لِحَمْلِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ رَتَّبَ السُّجُودَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِلسُّجُودِ عَقِبَهَا عَلَى الْفَوْرِ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ. قَوْلُهُمْ لِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلْفَوْرِ بِوَاسِطَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى وُجُوبِ الْفِعْلِ قُلْنَا الْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُ اعْتِقَادِ وُجُوبِ الْفِعْلِ، قُلْنَا وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ تَعْجِيلُ وُجُوبِ الْفِعْلِ (١) . قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ وُجُوبِ الْفِعْلِ، قُلْنَا: مِنْ لَوَازِمِ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ، أَوْ مِنْ لَوَازِمِ وُجُوبِ الْفِعْلِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَوْجَبَ الْفِعْلَ مُصَرِّحًا بِتَأْخِيرِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُ اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجُوبُ الْفِعْلِ عَلَى الْفَوْرِ. قَوْلُهُمْ: الْقَوْلُ بِالتَّعْجِيلِ أَحْوَطُ لِلْمُكَلَّفِ، قُلْنَا: الِاحْتِيَاطُ إِنَّمَا هُوَ بِاتِّبَاعِ الْمُكَلَّفِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ: فَإِنْ ظَنَّ الْفَوْرَ، وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ، وَإِنْ ظَنَّ التَّرَاخِي، وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ، وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ التَّرَاخِي، فَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ التَّعْجِيلِ عَلَى خِلَافِ ظَنِّهِ، يَكُونُ حَرَامًا وَارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ يَكُونُ إِضْرَارًا، فَلَا يَكُونُ احْتِيَاطًا. قَوْلُهُمْ: لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِلَى غَايَةٍ، أَوْ لَا إِلَى غَايَةٍ إِلَى آخِرِهِ

стр. 450

فَهُوَ مَنْقُوضٌ بِمَا لَوْ صَرَّحَ الْآمِرُ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَقْسَامِ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، مَعَ جَوَازِ تَأْخِيرِهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَهِيَ غَيْرُ دَالَّةٍ عَلَى وُجُوبِ تَعْجِيلِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَإِنَّهُمَا بِمَنْطُوقِهِمَا يَدُلَّانِ عَلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمَغْفِرَةِ. وَالْمُرَادُ بِهِ إِنَّمَا هُوَ الْمُسَارَعَةُ إِلَى سَبَبِ ذَلِكَ، وَدَلَالَتُهُمَا عَلَى السَّبَبِ إِنَّمَا هِيَ بِجِهَةِ الِاقْتِضَاءِ، وَالِاقْتِضَاءُ لَا عُمُومَ لَهُ، عَلَى مَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ، فَلَا دَلَالَةَ لَهُمَا عَلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى كُلِّ سَبَبٍ لِلْخَيْرَاتِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَى وُجُوبِ تَعْجِيلِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَلَا يَعُمُّ كُلَّ فِعْلٍ مَأْمُورٍ بِهِ (١) . [الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ عَلَى التَّعْيِينِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ (٢) الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ عَلَى التَّعْيِينِ (٣) هَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: وَتَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ: أَمَّا أَصْحَابُنَا فَالْأَمْرُ عِنْدَهُمْ هُوَ الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ بِعَيْنِهِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، وَإِنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ بِعَيْنِهِ هُوَ طَلَبُ تَرْكِ أَضْدَادِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي أَوَّلِ أَقْوَالِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الْأَضْدَادِ لَا أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ عَيْنُ النَّهْيِ، وَهُوَ آخِرُ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي آخِرِ أَقْوَالِهِ (٤) .

стр. 451

وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا (١) وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ: فَالْأَمْرُ عِنْدَهُمْ نَفْسُ صِيغَةِ " افْعَلْ " وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَيْنَ صِيغَةِ " افْعَلْ " لَا تَكُونُ نَهْيًا ; لِأَنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ " لَا تَفْعَلْ " وَلَيْسَ إِحْدَاهُمَا عَيْنَ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هَلْ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى. فَذَهَبَ الْقُدَمَاءُ مِنْ مَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى مَنْعِهِ، وَمِنَ الْمُعْتَزِلَةِ مَنْ صَارَ إِلَيْهِ، كَالْعَارِضِيِّ (٢) وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُعْتَبَرِينَ مِنْهُمْ. وَمَعْنَى كَوْنِهِ نَهْيًا عَنِ الْأَضْدَادِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ، أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ تَقْتَضِي إِيجَادَ الْفِعْلِ، وَالْمَنْعَ مِنْ كُلِّ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ أَمْرِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ، وَحَكَمَ بِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ، وَمُقَبِّحًا لَهَا، لِكَوْنِهَا مَانِعَةً مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبِ، بِخِلَافِ الْمَنْدُوبِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ أَضْدَادَ الْمَنْدُوبِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهَا، لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ وَلَا نَهْيَ تَنْزِيهٍ. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ نَقُولَ بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، أَوْ لَا نَقُولَ بِهِ، فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ، عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ) كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، فَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَكُونُ بِعَيْنِهِ نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ، وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْهَا، بَلْ جَائِزٌ أَنْ نُؤْمَرَ بِالْفِعْلِ وَبِضِدِّهِ فِي الْحَالَةِ الْوَاحِدَةِ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ (٣) .

стр. 452

وَإِنْ مَنَعْنَا ذَلِكَ فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْ أَضْدَادِهِ، لَا أَنْ يَكُونَ عَيْنُ الْأَمْرِ هُوَ عَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ (١) وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَ إِيجَابٍ أَوْ نَدْبٍ. أَمَّا أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْأَضْدَادِ، فَلِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِتَرْكِ أَضْدَادِهِ. وَمَا لَا يَتِمُّ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ دُونَ تَرْكِهِ، فَهُوَ وَاجِبُ التَّرْكِ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ، وَمَنْدُوبٌ إِلَى تَرْكِهِ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ، عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَضْدَادِ الْوَاجِبِ يَكُونُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَعَنْ أَضْدَادِ الْمَنْدُوبِ نَهْيَ كَرَاهَةٍ وَتَنْزِيهٍ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَيْنُ الْأَمْرِ هُوَ عَيْنَ النَّهْيِ. فَإِذَا قُلْنَا إِنَّ الْأَمْرَ هُوَ صِيغَةُ (افْعَلْ) فَظَاهِرٌ، عَلَى مَا سَبَقَ (٢) وَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا إِنَّ الْأَمْرَ هُوَ الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ، فَلِأَنَّا إِذَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِي الطَّلَبِ النَّفْسَانِيِّ الْقَدِيمِ، فَهُوَ وَإِنِ اتَّحَدَ عَلَى أَصْلِنَا (٣) فَإِنَّمَا يَكُونُ أَمْرًا بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ، وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا يَكُونُ نَهْيًا، بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِتَرْكِ الْفِعْلِ، وَهُمَا بِسَبَبِ التَّغَايُرِ فِي التَّعَلُّقِ وَالْمُتَعَلِّقِ مُتَغَايِرَانِ. وَإِنْ فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِي الطَّلَبِ الْقَائِمِ بِالْمَخْلُوقِ فَهُوَ وَإِنْ تَعَدَّدَ، فَالْأَمْرُ مِنْهُ أَيْضًا إِنَّمَا هُوَ الطَّلَبُ الْمُتَعَلِّقُ بِتَرْكِهِ وَهُمَا غَيْرَانِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْ أَضْدَادِهِ لَكَانَ الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْ جَمِيعِ الْمُبَاحَاتِ الْمُضَادَّةِ لَهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ حَرَامًا إِنْ كَانَ النَّهْيُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ مَكْرُوهَةً إِنْ كَانَ النَّهْيُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ. وَخَرَجَ الْمُبَاحُ عَنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكَعْبِيُّ (٤) مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ،

стр. 453

بَلْ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَا عَدَا الْعِبَادَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمُضَادَّةِ لَهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا وَمُحَرَّمَةً أَوْ مَكْرُوهَةً وَهُوَ مُحَالٌ. كَيْفَ وَإِنَّ الْآمِرَ بِالْفِعْلِ قَدْ يَكُونُ غَافِلًا عَنْ أَضْدَادِهِ، وَالْغَافِلُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ نَاهِيًا عَنْهُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَدْعِي الْعِلْمَ بِهِ، وَالْعِلْمُ بِالشَّيْءِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُ مُحَالٌ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنْ أَضْدَادِهِ، لَكِنْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الْأَضْدَادِ غَيْرَ الْأَمْرِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ هُوَ بِعَيْنِهِ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَمَأْخَذُهُ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ النَّهْيُ عَنْ أَضْدَادِهِ، فَذَلِكَ النَّهْيُ إِنْ كَانَ هُوَ غَيْرَ الْأَمْرِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ضِدًّا لَهُ أَوْ مِثْلًا (١) أَوْ خِلَافًا. لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْمُضَادَّةِ، وَإِلَّا لَمَا اجْتَمَعَا، وَقَدِ اجْتَمَعَا. وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِثْلًا لِأَنَّ الْمُتَمَاثِلَاتِ أَضْدَادٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْكَلَامِيَّاتِ. وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ خِلَافًا، وَإِلَّا جَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَمَا فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَجَازَ أَنْ يُوجَدَ أَحَدُهُمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ، كَمَا يُوجَدُ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ مَعَ الْكَرَاهَةِ الْمُضَادَّةِ لِإِرَادَتِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِالْحَرَكَةِ الْمُضَادَّةِ لِلسُّكُونِ إِذَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ السُّكُونِ مُخَالِفًا لِلْأَمْرِ بِالْحَرَكَةِ أَنْ يَجْتَمِعَ الْأَمْرُ بِالْحَرَكَةِ وَالْأَمْرُ بِالسُّكُونِ الْمُضَادِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْضُ، وَإِذَا بَطُلَتِ الْمُغَايَرَةُ تَعَيَّنَ الِاتِّحَادُ. وَعَلَى هَذَا فَالْحَرَكَةُ عَيْنُ تَرْكِ

стр. 454

السُّكُونِ، وَشَغْلُ الْجَوْهَرِ بِحَيِّزٍ هُوَ عَيْنُ تَفْرِيغِهِ لِغَيْرِهِ (١) وَعَيْنُ الْقُرْبِ مِنَ الْمَشْرِقِ بِالْفِعْلِ الْوَاحِدِ هُوَ عَيْنُ الْبُعْدِ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَطَلَبُ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ طَلَبُ الْآخَرِ لِاتِّحَادِ الْمَطْلُوبِ. وَالْجَوَابُ: عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نَمْنَعُ مِنْ كَوْنِ الْمُبَاحَاتِ بَلِ الْوَاجِبَاتِ الْمُضَادَّةِ الْمَأْمُورِ بِهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مَانِعَةً مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، لَا فِي ذَاتِهَا كَمَا نَقُولُ فِي فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّهُ فِي ذَاتِهِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ جِهَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ شَغْلِ مِلْكِ الْغَيْرِ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا يُهَوَّلُ بِهِ مِنْ خُرُوجِ الْمُبَاحَاتِ عَنْ كَوْنِهَا مُبَاحَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ قِيلَ بِكَوْنِهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا فِي ذَوَاتِهَا. وَأَمَّا إِذَا قِيلَ بِكَوْنِهَا مَنْهِيًّا مَانِعَةٌ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِالْفِعْلِ مَنْ هُوَ غَافِلٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآمِرَ بِالشَّيْءِ عِنْدَ كَوْنِهِ آمِرًا بِهِ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ غَافِلًا عَنْ طَلَبِ تَرْكِ مَا يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ تَفْصِيلِهِ. وَنَحْنُ إِنَّمَا نُرِيدُ بِقَوْلِنَا إِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الْأَضْدَادِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ لَا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ، قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الْأَضْدَادِ غَيْرَ الْأَمْرِ، قُلْنَا: دَلِيلُهُ مَا سَبَقَ (٢) . وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مِنَ الدَّلِيلِ، فَالْمُخْتَارُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ قِسْمُ التَّخَالُفِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ انْفِكَاكِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا مِنْ قَبِيلِ الْمُخْتَلِفَاتِ الْمُتَلَازِمَةِ كَمَا فِي الْمُتَضَايِفَاتِ (٣) وَكُلِّ مُتَلَازِمَيْنِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَبِهِ

стр. 455

يَمْتَنِعُ (١) الْجَمْعُ بَيْنَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا، وَضِدِّ الْآخَرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمُخْتَلِفَاتِ جَوَازُهُ فِي الْبَاقِي، وَإِذَا بَطَلَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ دَلِيلِ الِاتِّحَادِ بَطَلَ مَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ. [الْمَسْأَلَةُ السابِعَةُ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ] الْمَسْأَلَةُ السابِعَةُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَالْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمُتَّبِعِيهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ. وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْحِجَاجِ، لَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ مَعْنَى الْإِجْزَاءِ لِيَكُونَ التَّوَارُدُ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى مَحَزٍّ وَاحِدٍ، فَنَقُولُ كَوْنُ الْفِعْلِ مُجْزِئًا، قَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى أَنَّهُ امْتَثَلَ بِهِ الْأَمْرُ عِنْدَمَا إِذَا أُتِيَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُسْقِطٌ لِلْقَضَاءِ. وَإِذَا عُلِمَ مَعْنَى كَوْنِ الْفِعْلِ مُجْزِئًا فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، يَكُونُ مُجْزِئًا بِمَعْنَى كَوْنِهِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَإِنَّمَا خَالَفَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي كَوْنِهِ مُجْزِئًا بِالِاعْتِبَارِ الْآخَرِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ الْقَضَاءَ، وَلَا يَمْتَنِعُ مَعَ فِعْلِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي عَمْدِهِ. وَعَلَى هَذَا، فَكُلُّ مَنِ اسْتَدَلَّ مِنْ أَصْحَابِنَا كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْإِجْزَاءِ عَلَى كَوْنِ الْفِعْلِ امْتِثَالًا وَخُرُوجًا عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ عَلَى مَحَلِّ الْوِفَاقِ وَحَادَ عَنْ مَوْضِعِ النِّزِاعِ. لَكِنْ قَدْ أَوْرَدَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِشْكَالًا عَلَى تَفْسِيرِ إِجْزَاءِ الْفِعْلِ بِكَوْنِهِ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ، وَقَالَ: لَوْ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ مَعَ الطَّهَارَةِ فَأَتَى بِهَا مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَمَاتَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِعْلُهُ مُجْزِئًا، وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ سَاقِطًا (٢) . وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ: يَمْتَنِعُ تَفْسِيرُ الْإِجْزَاءِ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّا نُعَلِّلُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِكَوْنِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ مُجْزِئًا، وَالْعِلَّةُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مُغَايِرَةً لِلْمَعْلُولِ.

стр. 456

وَالْوَجْهُ فِي إِبْطَالِهِمَا (١) أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْإِجْزَاءَ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ سُقُوطِ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ، بَلْ سُقُوطُ الْقَضَاءِ بِالْفِعْلِ فِي حَقِّ مَنْ يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ (٢) . وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ عِلَّةَ صِحَّةِ (٣) وُجُوبِ الْقَضَاءِ إِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاكُ مَا فَاتَ مِنْ مَصْلَحَةِ أَصْلِ الْعِبَادَةِ، أَوْ صِفَتِهَا، أَوْ مَصْلَحَةِ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ. وَلَمْ يَجِبْ لِمَانِعٍ " لَا مَا قِيلَ " (٤) . وَإِذَا تَنَقَّحَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَنَعُودُ إِلَى الْمَقْصُودِ، فَنَقُولُ: الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتَى بِهِ الْمَأْمُورُ عَلَى نَحْوِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ وَلَا نَقْصٍ فِي صِفَتِهِ وَشَرْطِهِ، أَوْ أَتَى بِهِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: " أَنَّهُ " لَا نِزَاعَ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُجْزِئٍ وَلَا مُسْقِطٍ لِلْقَضَاءِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ وُرُودُ أَمْرٍ مُجَدَّدٍ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِفِعْلٍ مِثْلِ مَا أُمِرَ بِهِ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي وُرُودِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الْقَضَاءِ، وَالْحَقُّ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْأَدَاءِ، أَوْ مَصْلَحَةِ صِفَتِهِ، أَوْ شَرْطِهِ. وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ قَدْ فَعَلَ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا خَلَلٍ فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا قَدْ حَصَلَ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَمَنْ يَنْفِي الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَنْفِيهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَهَذَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ مَعَ تَحْقِيقِهِ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْكِرُ إِمْكَانَ وُرُودِ الْأَمْرِ خَارِجَ الْوَقْتِ، بِمِثْلِ مَا فَعَلَ أَوَّلًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُسَمِّيهِ قَضَاءً، وَمَنْ سَمَّاهُ قَضَاءً فَحَاصِلُ النِّزَاعِ مَعَهُ آيِلٌ إِلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى.

стр. 457

شُبَهُ الْخُصُومِ: الْأُولَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ - وَلَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا - مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهَا مَعَ الطَّهَارَةِ حَقِيقَةً فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ بِصَلَاتِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا، وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالصَّلَاةِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فَقَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا. وَكَذَلِكَ الْمُفْسِدُ لِلْحَجِّ مَأْمُورٌ بِمُضِيِّهِ فِي حَجِّهِ الْفَاسِدِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ طَلَبِ الْفِعْلِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِمِثْلِ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مُقْتَضِيًا لَهُ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْأَمْرَ مِثْلُ النَّهْيِ فِي الطَّلَبِ، وَالنَّهْيُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَالْأَمْرُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُجْزِئًا. وَجَوَابُ الْأُولَى: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ فِيمَا إِذَا صَلَّى عَلَى ظَنِّ الطَّهَارَةِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا عَلَى قَوْلٍ لَنَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ الْقَضَاءِ لَكِنَّهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَمَّا أُمِرَ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَظْنُونِ طَهَارَتُهَا، وَلَا عَمَّا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْمُضِيِّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ اسْتِدْرَاكٌ لِمَصْلَحَةِ مَا أُمِرَ بِهِ أَوَّلًا مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الطَّهَارَةِ، وَالْحَجُّ الْعُرْيُ عَنِ الْفَسَادِ. وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّا لَا نَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ أَمْرٍ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا فَعَلَ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا الْمُدَّعَى أَنَّهُ إِذَا أَتَى الْمَأْمُورُ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا أُمِرَ بِهِ امْتَنَعَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّفْسِيرِ (١) وَعَنِ الثَّالِثَةِ: أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ وَإِنْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَقُولُ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، بَلِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ هُوَ الْمَانِعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ (٢) وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.

стр. 458

[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ ورود صِيغَةُ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ إِذَا وَرَدَتْ صِيغَةُ " افْعَلْ " بَعْدَ الْحَظْرِ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا لِلْوُجُوبِ قَبْلَ الْحَظْرِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهَا عَلَى الْوُجُوبِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِسَبْقِ الْحَظْرِ تَأْثِيرًا كَالْمُعْتَزِلَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا لِلْإِبَاحَةِ وَرَفْعِ الْحَجْرِ لَا غَيْرُ وَهُمْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ، وَمَوْقُوفَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، إِلَّا أَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلْإِبَاحَةِ وَلِلْإِذْنِ فِي الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَإِذَا وَرَدَتْ بَعْدَ الْحَظْرِ احْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ مَصْرُوفَةً إِلَى الْإِبَاحَةِ وَرَفْعِ الْحَجْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ ، وَقَوْلِهِ ﷺ : " «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَادَّخِرُوا» " وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ مَصْرُوفَةً إِلَى الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ قِيلَ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ: إِذَا زَالَ عَنْكِ الْحَيْضُ فَصَلِّي وَصُومِي. وَعِنْدَ هَذَا فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِتَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ، أَوْ بِتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ بِالتَّسَاوِي امْتَنَعَ الْجَزْمُ بِأَحَدِهِمَا وَوَجَبَ التَّوَقُّفُ. وَإِنْ قِيلَ بِوُجُوبِ التَّرْجِيحِ وَامْتِنَاعِ التَّعَارُضِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَيْسَ اخْتِصَاصُ الْوُجُوبِ بِهِ أَوْلَى مِنَ الْإِبَاحَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَعَلَى هَذَا أَيْضًا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ، كَيْفَ وَأَنَّ احْتِمَالَ الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَرْجَحُ؟ نَظَرًا إِلَى غَلَبَةِ وُرُودِ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْإِبَاحَةِ دُونَ الْوُجُوبِ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ إِلَى الْوُجُوبِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ أَنَّ صِيغَةَ (افْعَلْ) إِذَا وَرَدَتْ مُطْلَقَةً هَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوْ مَوْقُوفَةٌ؟ وَقَدْ تَقَرَّرَ مَأْخَذُ كُلِّ فَرِيقٍ وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِيهِ. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .

стр. 459

[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِعِبَادَةٍ فِي وَقْتٍ مُقَدَّرٍ فَلَمْ تُفْعَلْ فِيهِ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِعِبَادَةٍ فِي وَقْتٍ مُقَدَّرٍ فَلَمْ تُفْعَلْ فِيهِ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ فُعِلَتْ فِيهِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ، اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ قَضَائِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ هَلْ هُوَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَوْ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ؟ الْأَوَّلُ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالثَّانِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ بِقِيَاسِ الشَّرْعِ. وَإِنْ وَرَدَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ فَمَنْ قَالَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْفَوْرِ. اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْإِخْلَالُ بِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ بِنَفْسِ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَوْ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَهْمَا قُيِّدَ الْأَمْرُ بِوَقْتٍ فَالْقَضَاءُ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ. وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا لِلْقَضَاءِ لَكَانَ مُشْعِرًا بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ " صُمْ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ أَوْ صَلِّ فِي وَقْتِ الزَّوَالِ " فَإِنَّهُ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لُغَةً. الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ الْفِعْلَ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمُكَلِّفِ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي شَرْعِ الْأَحْكَامِ. وَسَوَاءٌ ظَهَرَتِ الْحِكْمَةُ أَمْ لَمْ تَظْهَرْ، وَتِلْكَ الْحِكْمَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً مِنَ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ غَيْرَ حَاصِلَةٍ وَلَيْسَتْ حَاصِلَةً لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ، وَالْأَصْلُ الْعَدَمُ. الثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَاصِلَةً فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِثْلًا لَهَا فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَوْ أَزْيَدَ، لَا جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ أَزْيَدَ وَإِلَّا كَانَ الْحَثُّ عَلَى إِيجَادِ الْفِعْلِ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ فِي الْوَقْتِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلًا فَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَخْصِيصُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ بِالذِّكْرِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.

стр. 460

الثَّالِثُ: أَنَّ الْفِعْلَ فِي الْوَقْتِ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ أَدَاءً، وَقَدْ قَالَ ﵇ (١) : " «لَنْ يَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ إِلَيَّ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ» ". وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً فِي الْوَقْتِ الثَّانِي حَسَبَ حُصُولِهَا فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ لِلْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لَهُ فِيمَا بَعْدَهُ. وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ أَمَرَ الطَّبِيبُ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ فِي وَقْتٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَكَذَلِكَ إِذَا عَلَّقَ الْأَمْرَ بِشَرْطٍ مُعَيَّنٍ كَاسْتِقْبَالِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ كَالْأَمْرِ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْوُجُوهِ الْأُوَلِ: هُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَإِلَى مَا لَا يَجِبُ كَالْجُمُعَةِ وَالْجِهَادِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا لِلْقَضَاءِ لَكَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْقَضَاءِ فِيمَا فُرِضَ مِنَ الصُّوَرِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ ﷺ : " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» " أَمَرَ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَكَانَتْ فَائِدَةُ الْخَبَرِ التَّأْكِيدَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ لَكَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْسِيسَ، وَهُوَ أَوْلَى لِعِظَمِ فَائِدَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ : " «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» " وَمَنْ فَاتَهُ الْوَقْتُ الْأَوَّلُ فَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي. الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ، وَهُوَ مُقْتَضَاهُ، وَأَمَّا الزَّمَانُ فَلَا يَكُونُ مَطْلُوبًا بِالْأَمْرِ إِذْ لَيْسَ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ، فَاخْتِلَالُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَهُوَ الْفِعْلُ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ فِي الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ الْقَضَاءُ بِتَقْدِيرِ فَوَاتِ أَوْقَاتِهَا الْمُعَيَّنَةِ، وَلَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ مُقْتَضٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ كُلِّ مَا سِوَى الْأَمْرِ السَّابِقِ، فَكَانَ هُوَ الْمُقْتَضَى.
следующие страницы →