← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فَلَيْسَ الْقَوْلُ بِالنَّفْيِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِالْإِثْبَاتِ، وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ التَّرْجِيحُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ النُّصُوصِ عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ بِجُمْلَتِهِ عَرَبِيًّا، لَكِنْ بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا الْغَالِبُ مِنْهُ الْعَرَبِيَّةُ يُسَمَّى عَرَبِيًّا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ كَمَا يُسَمَّى الزِّنْجِيُّ أَسْوَدَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ الْيَسِيرُ مُبْيَضًّا كَأَسْنَانِهِ وَشَحْمَةِ عَيْنَيْهِ، وَالرُّومِيُّ أَبْيَضَ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ الْيَسِيرُ مِنْهُ أَسْوَدَ كَالنَّاظِرِ مِنْ عَيْنَيْهِ. وَكَذَلِكَ الْبَيْتُ مِنَ الشِّعْرِ بِالْفَارِسِيَّةِ يُسَمَّى فَارِسِيًّا وَإِنْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى كَلِمَاتٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّجَوُّزِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ فِي شَيْءٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى عِبَادَاتٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ لِلْعَرَبِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا فِي لُغَتِهِمْ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَسْمَاءَ تَدُلُّ عَلَيْهَا غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وَأَرَادَ بِهِ صَلَاتَكُمْ، وَلَيْسَ الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ بَلْ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ. وَعَلَى قَوْلِهِ: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنِ الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ. وَعَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) وَالزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ، وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُوبِ أَدَاءِ مَالٍ مَخْصُوصٍ. وَعَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ " وَالصَّوْمُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ إِمْسَاكٍ، وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إِمْسَاكٍ مَخْصُوصٍ بَلْ وَقَدْ يُطْلَقُ الصَّوْمُ فِي الشَّرْعِ فِي حَالَةٍ لَا إِمْسَاكَ فِيهَا كَحَالَةِ الْآكِلِ نَاسِيًا. وَعَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ .

стр. 37

وَالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ قَصْدٍ، وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَصْدِ إِلَى مَكَانٍ مَخْصُوصٍ. وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى اشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى مَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، فَكَانَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعَرَبِيِّ عَلَيْهِ مَجَازًا. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الْحُرُوفُ الْمُعْجَمَةُ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فَهِيَ أَسْمَاؤُهَا. وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ الْحَادِثَةُ فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أَفْعَالٌ مَحْسُوسَةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ وَمُسَمَّاةٌ بِأَسْمَاءَ خَاصَّةٍ لَهَا لُغَةٌ، غَيْرَ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَهَا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَيْهَا بِتَقْدِيرِ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى مَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ. وَأَمَّا الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَدْلُولَاتِهَا لُغَةً. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ تَصْدِيقُكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) فَالْمُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) فَالْمُرَادُ بِهِ النُّمُوُّ. وَالْمُرَادُ مِنَ الصَّوْمِ الْإِمْسَاكُ، وَمِنَ الْحَجِّ الْقَصْدُ، غَيْرَ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَطَ فِي إِجْزَائِهَا وَصِحَّتِهَا شَرْعًا ضَمَّ غَيْرِهَا إِلَيْهَا. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَإِنْ سَلَّمْنَا دُخُولَ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي مُسَمَّى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَكِنْ بِطْرِيقِ الْمَجَازِ، أَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الدُّعَاءَ جُزْؤُهَا، وَالشَّيْءُ قَدْ يُسَمَّى بَاسِمِ جُزْئِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: يُنَاشِدُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ. وَأَرَادَ بِهِ الْقُرْآنَ، فَسَمَّاهُ بِاسْمِ جُزْئِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ تَسْمِيَةَ الصَّوْمِ الْخَاصِّ وَكَذَلِكَ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْإِيمَانِ، مِنْ بَابِ التَّصَرُّفِ بِتَخْصِيصِ الِاسْمِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ لُغَةً كَمَا فِي لَفْظِ

стр. 38

الدَّابَّةِ، وَالشَّارِعُ لَهُ وِلَايَةُ هَذَا التَّصَرُّفِ كَمَا لِأُهِلِ اللُّغَةِ، وَيَخُصُّ الصَّلَاةَ أَنَّ أَفْعَالَهَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ صَلَاةً لِكَوْنِهَا مِمَّا يُتْبَعُ بِهَا فِعْلُ الْإِمَامِ. فَإِنَّ التَّالِي لِلسَّابِقِ مِنَ الْخَيْلِ يُسَمَّى مُصَلِّيًا لِكَوْنِهِ تَابِعًا، وَيَخُصُّ الزَّكَاةَ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْوَاجِبِ زَكَاةً بِاسْمِ سَبَبِهِ، وَالتَّجَوُّزُ بِاسْمِ السَّبَبِ عَنِ الْمُسَبِّبِ جَائِزٌ لُغَةً، وَالْمَجَازُ مِنَ اللُّغَةِ لَا مِنْ غَيْرِهَا. قُلْنَا: أَمَّا الْحُرُوفُ فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ أَسْمَاءَ لِآحَادِ السُّوَرِ فَهِيَ أَعْلَامٌ لَهَا وَلَيْسَتْ لُغَوِيَّةً، فَقَدِ اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْعِبَادَاتِ الْحَادِثَةِ فِي الشَّرْعِ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ، أَنْ لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ قَدْ أَطْلَقَتْهَا عَلَيْهَا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَوْضُوعَاتِهَا لُغَةً غَيْرَ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَطَ فِي إِجْزَائِهَا شُرُوطًا لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا، فَإِنَّ (١) مُسَمَّى الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الدُّعَاءُ. وَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا دُعَاءَ فِيهَا، كَصَلَاةِ الْأَخْرَسِ الَّذِي لَا يَفْهَمُ الدُّعَاءَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ مُتَحَقِّقًا فَلَيْسَ هُوَ الْمُسَمَّى بِالصَّلَاةِ وَحْدَهُ، وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ حَالَةُ كَوْنِهِ غَيْرَ دَاعٍ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُسَمَّى بِالصَّلَاةِ لَا غَيْرُ لَصَحَّ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الدُّعَاءِ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا عَادَ إِلَيْهِ يُقَالُ: عَادَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَنْ لَا يُسَمَّى الشَّخْصُ مُصَلِّيًا حَالَةَ عَدَمِ الدُّعَاءِ مَعَ تَلَبُّسِهِ بِبَاقِي الْأَفْعَالِ، وَكُلُّ ذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُمْ: تَسْمِيَةُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقِ الْمَجَازِ. قُلْنَا: الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ الدُّعَاءَ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُسَمَّى بَاسِمِ جُزْئِهِ. قُلْنَا: كُلُّ جُزْءٍ أَوْ بَعْضُ الْأَجْزَاءِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَلِهَذَا فَإِنَّ الْعَشَرَةَ لَا تُسَمَّى خَمْسَةٌ، وَلَا الْكُلُّ جُزْءًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ يُسَمَّى جُزْءًا، إِلَى أَمْثِلَةٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى.

стр. 39

وَلَيْسَ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْقَبِيلِ الْجَائِزِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ ذَلِكَ تَجَوُّزًا، وَلَكِنْ لَيْسَ الْقَوْلُ بِالتَّجَوُّزِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَإِجْرَاءُ لَفْظِ الْقُرْآنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، فَإِنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ يَلْزَمُ مِنْهُ النَّقْلُ وَتَغْيِيرُ اللُّغَةِ، فَيَسْتَدْعِي ثُبُوتَ أَصْلِ الْوَضْعِ وَإِثْبَاتَ وَضْعٍ آخَرَ. وَالْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَغْيِيرٌ فَكَانَ أَوْلَى. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْأَوْضَاعِ الْبَقَاءُ لَا التَّغْيِيرُ، وَإِدْرَاجُ مَا نَحْنُ فِيهِ تَحْتَ الْأَغْلَبِ أَغْلَبُ. قُلْنَا: بَلْ جَانِبُ الْخَصْمِ أَوْلَى ; لِمَا فِيهِ مِنَ ارْتِكَابِ مَجَازٍ وَاحِدٍ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ فَفِيهِ ارْتِكَابُ مَجَازَاتٍ كَثِيرَةٍ فَكَانَ أَوْلَى. وَعَلَى هَذَا فَقَدَ انْدَفَعَ قَوْلُهُمْ بِالتَّجَوُّزِ بِجِهَةِ التَّخْصِيصِ أَيْضًا، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَسْمِيَةِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمُتَابَعَةِ لِلْإِمَامِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تُسَمَّى صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ صَلَاةً لِعَدَمِ هَذَا الْمَعْنَى فِيهَا. وَقَوْلُهُمْ فِي الزَّكَاةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ سُمِّيَ زَكَاةً بِاسْمِ سَبَبِهِ تَجَوُّزًا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ زَكَاةً، عِنْدَ عَدَمِ النَّمَاءِ فِي الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ النَّمَاءُ حَاصِلًا فَالتَّجَوُّزُ بِاسْمِ السَّبَبِ عَنِ الْمُسَبِّبِ جَائِزٌ مُطْلَقًا أَوْ فِي بَعْضِ الْأَسْبَابِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَسْمِيَةُ الصَّيْدِ شَبَكَةً، وَإِنْ كَانَ نَصْبُهَا سَبَبًا لَهُ، وَلَا يُسَمَّى الِابْنُ أَبًا وَإِنْ كَانَ الْأَبُ سَبَبًا لَهُ، وَكَذَلِكَ لَا يُسَمَّى الْعَالَمُ إِلَهًا وَإِنْ كَانَ الْإِلَهُ تَعَالَى سَبَبًا لَهُ (١) ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّظَائِرِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ التَّجَوُّزِ بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِمَا سَبَقَ مِنَ الْآيَاتِ وَبِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَفِي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ التَّصْدِيقِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇

стр. 40

: ( «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» ) . سَمَّى إِمَاطَةَ الْأَذَى إِيمَانًا وَلَيْسَ بِتَصْدِيقٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الدِّينَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الْعِبَادَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ فَكَانَ رَاجِعًا إِلَى كُلِّ الْمَذْكُورِ. وَالدِّينُ هُوَ الْإِسْلَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وَالْإِسْلَامُ هُوَ الْإِيمَانُ، فَيَكُونُ الْإِيمَانُ فِي الشَّرْعِ هُوَ فِعْلُ الْعِبَادَاتِ. وَدَلِيلُ كَوْنِ الْإِيمَانِ هُوَ الْإِسْلَامَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ الْإِسْلَامِ لَمَا كَانَ مَقْبُولًا مِنْ صَاحِبِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. (١) وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وَأَرَادَ بِهِ الصَّلَاةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ النَّارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وَالدَّاخِلُ فِي النَّارِ مَخْزِيٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَهْلِ النَّارِ (٢) ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ مَعَ التَّقْرِيرِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُؤْمِنُ غَيْرُ مَخْزِيٍّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ . (٣)

стр. 41

وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا حَالَةَ كَوْنِهِ غَافِلًا عَنِ التَّصْدِيقِ بِالنَّوْمِ وَغَيْرِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْإِيمَانَ اللُّغَوِيَّ أَيِ التَّصْدِيقَ لَسُمِّيَ فِي الشَّرْعِ الْمُصَدِّقُ بِشَرِيكِ الْإِلَهِ تَعَالَى مُؤْمِنًا، وَالْمُصَدِّقُ بِاللَّهِ مَعَ إِنْكَارِ الرِّسَالَةِ مُؤْمِنًا. . . إِلَى نَظَائِرِهِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْآيَاتُ السَّابِقُ ذِكْرُهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهَا: إِنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ إِنَّمَا كَانَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَالْمَجَازُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنِ اللُّغَةِ، وَتَسْمِيَةُ إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ إِيمَانًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى الْإِيمَانِ، فَعَبَّرَ بَاسِمِ الْمَدْلُولِ عَنِ الدَّالِّ وَهُوَ أَيْضًا جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ التَّجَوُّزِ. (١) فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ إِنَّمَا هُوَ الْحَقِيقَةُ. قُلْنَا: إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّغْيِيرُ وَمُخَالَفَةُ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، فَيَتَقَابَلَانِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ لِمَا سَبَقَ. وَقَوْلُهُمْ: إِنِ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِسْلَامُ بِمَا ذَكَرُوهُ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ وَلَوِ اتَّحَدَا لَمَا صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ (٢) ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ بَلِ التَّرْجِيحُ لِلتَّغَايُرِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْأَسْمَاءِ تَعَدُّدُ الْمُسَمَّيَاتِ؛ وَلِئَلَّا يَلْزَمَ مِنْهُ التَّغْيِيرُ فِي الْوَضْعِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّصْدِيقُ بِالصَّلَاةِ

стр. 42

لَا نَفْسُ الصَّلَاةِ، فَلَا تَغْيِيرَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى التَّصْدِيقِ سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَدْلُولَهَا، وَذَلِكَ مَجَازٌ مِنْ وَضْعِ اللُّغَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ لَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُؤْمِنٍ بَلْ مَنْ آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ ﵇ (١) وَهُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَأُولَئِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ مَا دَلَّ صَدْرُ الْآيَةِ عَلَيْهِ، مِنَ الْحِرَابِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ الَّذِي أَوْجَبَ دُخُولَ النَّارِ فِي الْآيَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْخِزْيِ عَمَّنْ آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمُكَلَّفَ يُوصَفُ بِالْإِيمَانِ حَالَةَ كَوْنِهِ غَافِلًا عَنِ التَّصْدِيقِ بِاللَّهِ تَعَالَى، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِكَوْنِهِ كَانَ مُصَدِّقًا وَأَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى التَّصْدِيقِ، وَهُوَ جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ التَّجَوُّزِ. وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الْحَقِيقَةُ، فَقَدْ سَبَقَ جَوَابَهُ، كَيْفَ وَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمْ فِي كُلِّ مَا يُفَسِّرُونَ الْإِيمَانَ بِهِ، وَمَعَ اتِّحَادِ الْمَحْذُورِ فَتَقْرِيرُ الْوَضْعِ أَوْلَى. وَالْمُصَدِّقُ بِشَرِيكِ الْإِلَهِ تَعَالَى لَيْسَ مُؤْمِنًا شَرْعًا ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقٌ لَيْسَ تَصْدِيقٌ بَلْ تَصْدِيقٌ خَاصٌّ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، هُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الِاسْمِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ فِي اللُّغَةِ، فَكَانَ مَجَازًا لُغَوِيًّا، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِاللَّهِ وَالْكُفْرِ بِرَسُولِهِ، حَيْثُ إِنَّ مُسَمَّى الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يُوجَدْ. وَإِذَا عُرِفَ ضَعْفُ الْمَأْخَذِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَالْحَقُّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ إِمْكَانُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ. وَأَمَّا تَرْجِيحُ الْوَاقِعِ مِنْهُمَا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِي تَحْقِيقُهُ. (٢)

стр. 43

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اشْتِمَالِ اللُّغَةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَجَازِيَّةِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي اشْتِمَالِ اللُّغَةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَجَازِيَّةِ، فَنَفَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَأَثْبَتَهُ الْبَاقُونَ وَهُوَ الْحَقُّ. (١) حُجَّةُ الْمُثْبِتِينَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إِطْلَاقُ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْمَ الْأَسَدِ عَلَى الْإِنْسَانِ الشُّجَاعِ، وَالْحِمَارِ عَلَى الْإِنْسَانِ الْبَلِيدِ، وَقَوْلُهُمْ: ظَهْرُ الطَّرِيقِ وَمَتْنُهَا، وَفُلَانٌ عَلَى جَنَاحِ السَّفَرِ، وَشَابَتْ لِمَّةُ اللَّيْلِ، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، وَكَبِدُ السَّمَاءِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَإِطْلَاقُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لُغَةً مِمَّا لَا يُنْكَرُ إِلَّا عَنْ عِنَادٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ حَقِيقَةٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، أَوْ مَجَازِيَّةٌ لِاسْتِحَالَةِ خُلُوِّ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ عَنْهُمَا مَا سِوَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِكَوْنِهَا حَقِيقَةً فِيهَا ; لِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيمَا سِوَاهَا بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ حَقِيقَةٌ فِي السَّبُعِ، وَالْحِمَارِ فِي الْبَهِيمَةِ، وَالظَّهْرِ وَالْمَتْنِ وَالسَّاقِ وَالْكَبِدِ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ بِالْحَيَوَانِ، وَاللِّمَّةِ فِي الشَّعْرِ إِذَا جَاوَزَ شَحْمَةَ الْأُذُنِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ حَقِيقِيَّةً فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الصُّوَرِ لَكَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا، وَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا لَمَا سَبَقَ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ ضَرُورَةَ التَّسَاوِي فِي الدَّلَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّابِقَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَسَدِ إِنَّمَا هُوَ السَّبُعُ، وَمِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْحِمَارِ إِنَّمَا هُوَ الْبَهِيمَةُ، وَكَذَلِكَ فِي بَاقِي الصُّوَرِ. كَيْفَ وَإِنَّ أَهْلَ الْأَعْصَارِ لَمْ تَزَلْ تَتَنَاقَلُ فِي أَقْوَالِهَا وَكُتُبِهَا عَنْ أَهْلِ الْوَضْعِ تَسْمِيَةَ هَذَا حَقِيقَةً وَهَذَا مَجَازًا. (٢)

стр. 44

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفْظٌ مَجَازِيٌّ فَإِمَّا أَنْ يُفِيدَ مَعْنَاهُ بِقَرِينَةٍ أَوْ لَا بِقَرِينَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مَعَ الْقَرِينَةِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَكَانَ مَعَ الْقَرِينَةِ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ أَيْضًا حَقِيقَةٌ ; إِذْ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ إِلَّا مَا يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِالْإِفَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَا مِنْ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ إِلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهَا بِاللَّفْظِ الْحَقِيقِيِّ الْخَاصِّ بِهَا، فَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمَجَازِيِّ فِيهَا مَعَ افْتِقَارِهِ إِلَى الْقَرِينَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بَعِيدٌ عَنْ أَهْلِ الْحِكْمَةِ وَالْبَلَاغَةِ فِي وَضْعِهِمْ. قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُفِيدُ عِنْدَ عَدَمِ الشُّهْرَةِ إِلَّا بِقَرِينَةٍ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَجَازِ سِوَى هَذَا، وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ (١) ، كَيْفَ وَإِنَّ الْمَجَازَ وَالْحَقِيقَةَ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْقَرَائِنِ الْمَعْنَوِيَّةِ، فَلَا تَكُونُ الْحَقِيقَةُ صِفَةً لِلْمَجْمُوعِ. وَجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْفَائِدَةَ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمَجَازِيِّ دُونَ الْحَقِيقَةِ قَدْ تَكُونُ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْخِفَّةِ عَلَى اللِّسَانِ، أَوْ لِمُسَاعَدَتِهِ فِي وَزْنِ الْكَلَامِ نَظْمًا وَنَثْرًا، وَالْمُطَابَقَةُ، وَالْمُجَانَسَةُ، وَالسَّجْعُ، وَقَصَدُ التَّعْظِيمِ، وَالْعُدُولُ عَنِ الْحَقِيقِيِّ لِلتَّحْقِيرِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الْكَلَامِ.

стр. 45

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ دُخُولِ الْأَسْمَاءِ الْمَجَازِيَّةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الْأَسْمَاءِ الْمَجَازِيَّةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى: فَنَفَاهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَالرَّافِضَةُ، وَأَثْبَتَهُ الْبَاقُونَ. (١) احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ﴾ . وَالْأَوَّلُ مِنْ بَابِ التَّجَوُّزِ بِالزِّيَادَةِ، وَلِهَذَا لَوْ حَذَفْتَ الْكَافَ بَقِيَ الْكَلَامُ مُسْتَقِلًّا. وَالثَّانِي مِنْ بَابِ النُّقْصَانِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ لِاسْتِحَالَةِ سُؤَالِ الْقَرْيَةِ وَالْعِيرِ وَهِيَ الْبَهَائِمُ. وَالثَّالِثُ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ لِتَعَذُّرِ الْإِرَادَةِ مِنَ الْجِدَارِ. وَإِذَا امْتَنَعَ حَمْلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا فِي اللُّغَةِ، فَمَا تَكُونُ مَحْمُولَةً عَلَيْهِ هُوَ الْمَجَازُ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ التَّجَوُّزَ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ، أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ ; إِذِ الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ مُجْتَمَعُ النَّاسِ، فَإِنَّ الْقَرْيَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَمْعِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: قَرَأْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ، وَقَرَأَتِ النَّاقَةُ لَبَنَهَا فِي ضَرْعِهَا أَيْ جَمَعَتْهُ، وَيُقَالُ لِمَنْ صَارَ مَعْرُوفًا بِالضِّيَافَةِ: مُقْرِي، وَيَقْرِي لِاجْتِمَاعِ الْأَضْيَافِ عِنْدَهُ. وَسُمِّيَ الْقُرْآنُ قُرْآنًا لِذَلِكَ أَيْضًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَجْمُوعِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ، وَأَمَّا الْعِيرُ فَهِيَ الْقَافِلَةُ وَمِنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ. ثُمَّ وَإِنْ كَانَ اسْمُ الْقَرْيَةِ لِلْجُدْرَانِ وَالْعِيرِ لِلْبَهَائِمِ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِنْطَاقِهَا، وَزَمَنُ النُّبُوَّةِ زَمَنُ خَرْقِ الْعَوَائِدِ فَلَا يَمْتَنِعُ نُطْقُهَا بِسُؤَالِ النَّبِيِّ لَهَا.

стр. 46

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ﴾ فَمَحْمُولٌ أَيْضًا عَلَى حَقِيقَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى خَلْقُ الْإِرَادَةِ فِيهِ. سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى التَّجَوُّزِ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَجَازَ كَذِبٌ، وَلِذَلِكَ يَصْدُقُ نَفْيُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِلْبَلِيدِ (حِمَارٌ) وَلِلْإِنْسَانِ الشُّجَاعِ (أَسَدٌ) ، وَنَقِيضُ النَّفْيِ الصَّادِقِ يَكُونُ كَاذِبًا، وَلِأَنَّ الْمَجَازَ هُوَ الرَّكِيكُ مِنَ الْكَلَامِ، وَكَلَامُ الرَّبِّ تَعَالَى مِمَّا يُصَانُ عَنْهُ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ ثُمَّ الْعَجْزُ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَيَتَعَالَى الرَّبُّ عَنْ ذَلِكَ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الْعَجْزِ عَنِ الْحَقِيقَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يُفِيدُ مَعْنَاهُ بِلَفْظِهِ دُونَ قَرِينَةٍ، وَرُبَّمَا تَخْفَى فَيَقَعُ الِالْتِبَاسُ عَلَى الْمُخَاطَبِ، وَهُوَ قَبِيحٌ مِنَ الْحَكِيمِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى الِالْتِبَاسِ غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا خَاطَبَ بِالْمَجَازِ وَجَبَ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُتَجَوِّزًا نَظَرًا إِلَى الِاشْتِقَاقِ كَمَا فِي الْوَاحِدِ مِنَّا وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. سَلَّمْنَا عَدَمَ اتِّصَافِهِ غَيْرَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌّ فَلَهُ حَقِيقَةٌ وَالْحَقِيقَةُ مُقَابِلَةٌ لِلْمَجَازِ. وَالْجَوَابُ قَوْلُهُمْ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لِنَفْيِ التَّشْبِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْكَافُ هَاهُنَا لِلتَّشْبِيهِ لَكَانَ مَعْنَى النَّفْيِ: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ، ضَرُورَةَ أَنَّهُ مِثْلٌ لِمَثَلِهِ، فَالْمِثْلُ فِي الْآيَةِ زَائِدٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ مِثْلُكَ لَا يَقُولُ هَذَا الْمُشَارِكُ لَهُ فِي صِفَاتِهِ. وَقَوْلُهُمْ: الْمُرَادُ مِنَ الْقَرْيَةِ النَّاسُ الْمُجْتَمِعُونَ، لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ هِيَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ لَا نَفْسُ الِاجْتِمَاعِ، وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَ الزَّمَانُ الَّذِي فِيهِ يَجْتَمِعُ دَمُ الْحَيْضِ قُرْءً، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: الْقَارِيُّ لِجَامِعِ الْقُرْآنِ، وَالْمُقْرِي لِجَامِعِ الْأَضْيَافِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعِيرَ هِيَ الْقَافِلَةُ الْمُجْتَمِعَةُ مِنَ النَّاسِ. قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ لَا نَفْسِ النَّاسِ فَقَطْ، وَلِهَذَا لَا يُقَالُ لِمُجْتَمَعِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ بَهَائِمُ: قَافِلَةٌ.

стр. 47

قَوْلُهُمْ: لَوْ سَأَلَ لَوَقَعَ الْجَوَابُ. قُلْنَا: جَوَابُ الْجُدْرَانِ وَالْبَهَائِمِ غَيْرُ وَاقِعٍ عَلَى وِفْقِ الِاخْتِيَارِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ، بَلْ إِنْ وَقَعَ فَإِنَّمَا يَقَعُ بِتَقْدِيرِ تَحَدِّي النَّبِيِّ ﵇ بِهِ. وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَإِنْ أَمْكَنَ تَخَيُّلُ مَا قَالُوهُ مَعَ بُعْدِهِ فَبِمَاذَا يَعْتَذِرُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وَالْأَنْهَارُ غَيْرُ جَارِيَةٍ، وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ وَهُوَ غَيْرُ مُشْتَعِلٍ، وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ وَالذُّلُّ لَا جَنَاحَ لَهُ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وَالْأَشْهُرُ لَيْسَتْ هِيَ الْحَجُّ وَإِنَّمَا هِيَ ظَرْفٌ لِأَفْعَالِ الْحَجِّ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ وَالصَّلَوَاتُ لَا تُهَدَّمُ وَقَوْلِهِ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِعُدْوَانِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ إِلَى مَا لَا يُحْصَى ذِكْرُهُ مِنَ الْمَجَازَاتِ. وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأَوْلَى بِمَنْعِ كَوْنِ الْمَجَازِ كَذِبًا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ كَذِبًا أَنْ لَوْ أَثْبَتَ ذَلِكَ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، كَيْفَ وَإِنَّ الْكَذِبَ مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ بِخِلَافِ الِاسْتِعَارَةِ وَالتَّجَوُّزِ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ مَنَّ الْمُسْتَحْسَنَاتِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مِنْ رَكِيكِ الْكَلَامِ، لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْمَجَازُ أَفْصَحَ وَأَقْرَبَ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَاصِدِ الْمُتَكَلِّمِ الْبَلِيغِ عَلَى مَا سَبَقَ. وَعَنِ الثَّانِيَةِ بِمَنْعِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ اشْتِرَاطِ الْمَصِيرِ إِلَى الْمَجَازِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْحَقِيقَةِ، بَلْ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَقَاصِدِ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَعَنِ الثَّالِثَةِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. (١)

стр. 48

كَيْفَ وَهُوَ لَازِمٌ عَلَى الْخُصُومِ فِيمَا وَرَدَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ، فَمَا هُوَ الْجَوَابُ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ؟ هُوَ الْجَوَابُ لَنَا هَاهُنَا. وَعَنِ الرَّابِعَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُسَمَّ مُتَجَوِّزًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوهِمُ التَّسَمُّحُ فِي أَقْوَالِهِ بِالْقَبِيحِ، وَلِهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ: (فُلَانٌ مُتَجَوِّزٌ فِي مَقَالِهِ) . . . (١) ، فَيُتَوَقَّفُ إِطْلَاقُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْإِطْلَاقِ الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يَرِدْ. وَعَنِ الْخَامِسَةِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ فَبِمَعْنَى كَوْنِهِ صِدْقًا لَا بِمَعْنَى الْحَقِيقَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْمَجَازِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى كَلِمَةٍ غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى كَلِمَةٍ غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ، فَأَثْبَتَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَنَفَاهُ الْبَاقُونَ. (٢) احْتَجَّ النَّافُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ فَنَفَى أَنْ يَكُونَ أَعْجَمِيًّا وَقَطَعَ اعْتِرَاضَهُمْ بِتَنَوُّعِهِ بَيْنَ أَعْجَمِيٍّ وَعَرَبِيٍّ، وَلَا يَنْتَفِي الِاعْتِرَاضُ وَفِيهِ أَعْجَمِيٌّ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وَظَاهِرُ ذَلِكَ يُنَافِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ. وَاحْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: الْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى: الْمِشْكَاةِ وَهِيَ هِنْدِيَّةٌ، وَإِسْتَبْرَقٍ وَسِجِّيلٍ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَطه بِالنَّبْطِيَّةِ، وَقِسْطَاسٍ بِالرُّومِيَّةِ، وَالْأَبِّ وَهِيَ كَلِمَةٌ لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ. وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمَّا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: هَذِهِ الْفَاكِهَةُ فَمَا الْأَبُّ

стр. 49

قَالُوا: وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ مَبْعُوثٌ إِلَى أَهْلِ كُلِّ لِسَانٍ كَافَّةً عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ، وَقَالَ ﵇: ( «بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ» ) . فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ كِتَابُهُ جَامِعًا لِلُغَةِ الْكُلِّ ; لِيَتَحَقَّقَ خِطَابُهُ لِلْكُلِّ إِعْجَازًا وَبَيَانًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ كَلَامُهُ بَلْ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ، فَلَا يَكُونُ تَكَلُّمُهُ بِاللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مُنْكَرًا، غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَفْهُومًا لِلْعَرَبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدْعًا بِدَلِيلِ تَضَمُّنِهِ لِلْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَالْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. أَجَابَ النَّافُونَ وَقَالُوا: أَمَّا الْكَلِمَاتُ الْمَذْكُورَةُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً، وَغَايَتُهُ اشْتِرَاكُ اللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: سِرْوَالٌ بَدَلُ سَرَاوِيلَ، وَفِي قَوْلِهِمْ تَنُّورُ، فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ جَمِيعُ اللُّغَاتِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خَفَاءِ كَلِمَةِ الْأَبِّ عَلَى عُمَرَ أَنْ لَا يَكُونَ عَرَبِيًّا ; إِذْ لَيْسَ كُلُّ كَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةِ مِمَّا أَحَاطَ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْعَرَبِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا مَعْنَى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حَتَّى سَمِعْتُ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ تَقُولُ أَنَا فَطَرْتُهُ أَيِ ابْتَدَأْتُهُ. وَأَمَّا بَعْثَتُهُ إِلَى الْكُلِّ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ اشْتِمَالَ الْكِتَابِ عَلَى غَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ لِمَا ذَكَرُوهُ، وَإِلَّا لَزِمَ اشْتِمَالُهُ عَلَى جَمِيعِ اللُّغَاتِ، وَلَمَا جَازَ الِاقْتِصَارُ مِنْ كُلِّ لُغَةٍ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَعَذُّرِ الْبَيَانِ وَالْإِعْجَازِ بِهَا، وَمَا ذَكَرُوهُ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ كَلَامُ اللَّهِ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى اللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلَكِنَّهُ لَا يُوجِبُهُ فَلَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِهِ.

стр. 50

[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الخلاف فيما يحتاج إليه الاسم في إطلاقه على مسماه المجازي] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ اخْتَلَفُوا فِي إِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى مُسَمَّاهُ الْمَجَازِيِّ: هَلْ يَفْتَقِرُ فِي كُلِّ صُورَةٍ إِلَى كَوْنِهِ مَنْقُولًا عَنِ الْعَرَبِ، أَوْ يَكْفِي فِيهِ ظُهُورُ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّجَوُّزِ كَمَا عَرَفْنَاهُ أَوَّلًا. (١) فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ فِي ذَلِكَ النَّقْلَ مَعَ الْعَلَاقَةِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اكْتَفَى بِالْعَلَاقَةِ لَا غَيْرُ. احْتَجَّ الشَّارِطُونَ لِلنَّقْلِ بِأَنَّهُ لَوِ اكْتَفَى بِالْعَلَاقَةِ لَجَازَ تَسْمِيَةُ غَيْرِ الْإِنْسَانِ نَخْلَةً لِمُشَابَهَتِهِ لَهَا فِي الطُّولِ كَمَا جَازَ فِي الْإِنْسَانِ، وَلِجَازَ تَسْمِيَةُ الصَّيْدِ شَبَكَةً، وَالثَّمَرَةِ شَجَرَةً، وَظِلِّ الْحَائِطِ حَائِطًا، وَالِابْنِ أَبًا تَعْبِيرًا عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِأَسْمَاءِ أَسْبَابِهَا لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَسْبَابِهَا مِنَ الْمُلَازَمَةِ فِي الْغَالِبِ، وَهِيَ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُصَحِّحَةِ لِلتَّجَوُّزِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ الِاسْتِعْمَالِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ تَحَقُّقُ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَمَحَلِّ التَّجَوُّزِ كَافِيًا فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ، وَحَيْثُ وُجِدَتِ الْعَلَاقَةُ الْمُجَوِّزَةُ لِلْإِطْلَاقِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَامْتَنَعَ الْإِطْلَاقُ، فَإِنَّمَا كَانَ لِوُجُودِ الْمَنْعِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا لِلتَّوَقُّفِ عَلَى نَقْلِ اسْتِعْمَالِهِمْ لِلِاسْمِ فِيهَا عَلَى الْخُصُوصِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ نَقْلُ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ مُعْتَبَرًا فِي مَحَلِّ التَّجَوُّزِ فَتَسْمِيَتُهُ (٢) بَاسِمِ الْحَقِيقَةِ إِمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ مُخْتَرَعٌ لِلْوَاضِعِ الْمُتَأَخِّرِ. الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ لِمَا يَأْتِي. (٣) وَالثَّانِي، فَلَا يَكُونُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. (٤)

стр. 51

قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّنْصِيصِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى التَّسْمِيَةِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرُوهُ بَلْ ثَمَّ قِسْمٌ ثَالِثٌ (١) ، وَهُوَ أَنْ تَنُصَّ الْعَرَبُ كُلِّيًّا عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ الِاسْمِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَاقَةٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِمْ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَجَازِ إِلَّا هَذَا، وَهُوَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ لُغَتِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَكَانَ الْمَنْعُ مِنْهُمْ مُتَحَقِّقًا مَعَ وُجُودِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ تَعَارُضٌ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَاهُ. قُلْنَا: أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمُطْلَقُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَمَعَ ظُهُورِ الْمَنْعِ فَلَا مُطْلَقَ وَفِيهِ عَوَصٌ. (٢) وَاحْتَجَّ النَّافُونَ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْمَجَازِ مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى بَحْثٍ وَنَظَرٍ دَقِيقٍ فِي الْجِهَاتِ الْمُصَحِّحَةِ فِي التَّجَوُّزِ، وَالْأَمْرُ النَّقْلِيُّ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا لَمَا افْتَقَرَ فِيهِ إِلَى الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ، بَلْ لَكَانَ النَّقْلُ فِيهِ كَافِيًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَالنَّظَرُ لَيْسَ فِي النَّقْلِ بَلْ فِي الْعَلَاقَةِ الَّتِي بَيْنَ مَحَلِّ التَّجَوُّزِ وَالْحَقِيقَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الِافْتِقَارَ إِلَى الْعَلَاقَةِ إِنَّمَا كَانَ لِضَرُورَةِ تَوَقُّفِ الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجَازٌ عَلَيْهَا، وَإِلَّا كَانَ إِطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاكِ لَا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، وَإِذَا تَقَاوَمَتِ الِاحْتِمَالَاتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَعَلَى النَّاظِرِ بِالِاجْتِهَادِ فِي التَّرْجِيحِ.

стр. 52

[الْقِسْمَةُ الرَّابِعَةُ الِاسْمُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ أَوْ يَصِحُّ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى بَقَاءَ الصِّفَةِ الْمُشْتَقِّ مِنْهَا هَلْ يُشْتَرَطُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً أَمْ لَا] الْقِسْمَةُ الرَّابِعَةُ الِاسْمُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ أَوْ يَصِحُّ. فَالْأَوَّلُ: اسْمُ الْعَلَمِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ صِفَةً أَوْ هُوَ صِفَةٌ. وَالْأَوَّلُ هُوَ اسْمُ الْجِنْسِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ. وَالصِّفَةُ كَالْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ، وَهُوَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ، وَالْمُشْتَقُّ هُوَ مَا غُيِّرَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَعَانِي عَنْ شَكْلِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي الْحُرُوفِ أَوِ الْحَرَكَاتِ أَوْ فِيهِمَا، وَجُعِلَ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَعَلَى مَوْضُوعٍ لَهُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَتَسْمِيَةِ الْجِسْمِ الَّذِي قَامَ بِهِ السَّوَادُ أَسْوَدَ، وَالْبَيَاضُ أَبْيَضَ وَنَحْوِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَقُّ إِلَّا كَذَلِكَ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمُشْتَقِّ مِنْهَا بِمَا لَهُ الِاشْتِقَاقُ؟ وَهَلْ يَلْزَمُ الِاشْتِقَاقُ مِنَ الصِّفَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِمَا قَامَتْ بِهِ؟ فَذَلِكَ مِمَّا أَوْجَبَهُ أَصْحَابُنَا وَنَفَاهُ الْمُعْتَزِلَةُ، حَيْثُ إِنَّهُمْ جَوَّزُوا اشْتِقَاقَ اسْمِ الْمُتَكَلِّمِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ كَلَامٍ مَخْلُوقٍ لَهُ غَيْرِ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، وَلَمْ يُوجِبُوا الِاشْتِقَاقَ مِنْهُ لِلْمَحَلِّ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ، وَقَدْ عَرَفْنَا مَأْخَذَ الْخِلَافِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَمَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْهُ فِي " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ " فَلْيُلْتَمَسْ. (١) مَسَائِلُ هَذِهِ الْقِسْمَةِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي أَنَّ بَقَاءَ الصِّفَةِ الْمُشْتَقِّ مِنْهَا هَلْ يُشْتَرَطُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً أَمْ لَا؟ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ، وَقَدْ فَصَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ مَا هُوَ مُمْكِنُ الْحُصُولِ وَمَا لَيْسَ مُمْكِنًا، فَاشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي الْمُمْكِنِ دُونَ غَيْرِهِ.

стр. 53

احْتَجَّ الشَّارِطُونَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِطْلَاقُ الضَّارِبِ عَلَى شَخْصٍ مَا حَقِيقَةً بَعْدَ انْقِضَائِهِ (١) صِفَةِ الضَّرْبِ مِنْهُ لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ فِي الْحَالِ لَيْسَ بِضَارِبٍ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: صِحَّةُ سَلْبِ الضَّارِبِيَّةِ عَنْهُ فِي الْحَالِ، إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْهُ سَلْبُهَا عَنْهُ مُطْلَقًا ; إِذْ (٢) لَوْ لَمْ يَكُنْ أَعَمَّ مِنَ الضَّارِبِيَّةِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ سَلْبِ الْأَخَصِّ سَلْبُ الْأَعَمِّ. فَإِنْ قِيلَ: " قَوْلُ الْقَائِلِ هَذَا ضَارِبٌ " لَا يُفِيدُ سِوَى كَوْنِهِ ضَارِبًا فِي الْحَالِ، فَإِذَا سُلِّمَ صِحَّةُ سَلْبِهِ فِي الْحَالِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. قُلْنَا: هَذَا بِعَيْنِهِ إِعَادَةُ دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، بَلِ الضَّارِبُ هُوَ مَنْ حَصَلَ لَهُ الضَّرْبُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ حُصُولِ الضَّرْبِ لَهُ فِي الْحَالِ، فَالضَّارِبُ أَعَمُّ مِنَ الضَّارِبِ فِي الْحَالِ. فَإِنْ قِيلَ: وَكَمَا أَنَّ حُصُولَ الضَّرْبِ أَعَمُّ مِنْ حُصُولِ الضَّرْبِ فِي الْحَالِ ; لِانْقِسَامِهِ إِلَى الْمَاضِي وَالْحَالِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا ; لِانْقِسَامِهِ فِي الْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنْ صَدَقَ اسْمُ الضَّارِبِ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى الْأَعَمِّ، فَلْيَكُنِ اسْمَ الضَّارِبِ حَقِيقَةً قَبْلَ وُجُودِ الضَّرْبِ مِنْهُ، كَمَا كَانَ حَقِيقَةً بَعْدَ زَوَالِ الضَّرْبِ. قُلْنَا: الضَّارِبُ حَقِيقَةً مَنْ حَصَلَ مِنْهُ الضَّرْبُ، وَهَذَا يَصْدُقُ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الضَّرْبُ فِي الْمَاضِي أَوِ الْحَالِ، بِخِلَافِ مَنْ سَيُوجَدُ مِنْهُ الضَّرْبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ الضَّرْبُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ الضَّارِبِ حَقِيقَةً عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الضَّرْبُ، صِدْقُهُ حَقِيقَةً عَلَى مَنْ سَيُوجَدُ مِنْهُ الضَّرْبُ وَلَمْ يُوجَدْ. وَاحْتَجَّ النَّافُونَ بِوُجُوهٍ:

стр. 54

الْأَوَّلُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: إِذَا كَانَ اسْمُ الْفَاعِلِ بِتَقْدِيرِ الْمَاضِي لَا يَعْمَلُ عَمَلَ الْفِعْلِ، فَلَا يُقَالُ ضَارِبُ زَيْدًا أَمْسِ كَمَا يُقَالُ بِتَقْدِيرِ الْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ يُقَالُ: ضَارِبٌ زَيْدٍ، أَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَ الْفَاعِلِ بِاعْتِبَارِ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الْفِعْلِ الْمَاضِي. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ وُجُودُ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الِاشْتِقَاقِ حَقِيقَةً لَمَا كَانَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخْبِرِ حَقِيقَةً أَصْلًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْكَلَامِ مِنْهُ وَالْخَبَرِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِمَجْمُوعِ حُرُوفِهِ وَأَجْزَائِهِ، وَلَا وُجُودَ لِلْحُرُوفِ السَّابِقَةِ مَعَ الْحَرْفِ الْأَخِيرِ أَصْلًا، وَلَا خَفَاءَ بِامْتِنَاعِ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا حَقِيقَةً قَبْلَ وُجُودِ الْكَلَامِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً عِنْدَ آخَرِ جُزْءٍ مِنَ الْكَلَامِ وَالْخَبَرِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الْكَلَامِ، وَالْخَبَرُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمَّا كَانَ حَقِيقَةً أَصْلًا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَإِلَّا لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ إِذْ هُوَ لَازِمُ نَفْيِ الْحَقِيقَةِ، وَلَمَا حَنَثَ مَنْ حَلَفَ أَنَّ فُلَانًا لَمْ يَتَكَلَّمْ حَقِيقَةً وَإِنَّنِي لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا حَقِيقَةً إِذَا كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ أَوْ كَلَّمَهُ. الثَّالِثُ: إِنَّ الضَّارِبَ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ الضَّرْبُ، وَمَنْ وُجِدَ مِنْهُ الضَّرْبُ فِي الْمَاضِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنْهُ الضَّرْبُ فَكَانَ ضَارِبًا حَقِيقَةً. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وَلِهَذَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: اسْمُ الْفَاعِلِ إِذَا كَانَ بِتَقْدِيرِ الْمُسْتَقْبَلِ عَمِلَ عَمَلَ الْفِعْلِ، فَقِيلَ: ضَارِبٌ زَيْدًا غَدًا وَلَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَغَيْرُ لَازِمٍ أَيْضًا ; إِذْ لِلْخِصْمِ أَنْ يَقُولَ: شَرْطُ كَوْنِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً إِنَّمَا هُوَ وُجُودُ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَوُجُودُ آخَرِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْكَلَامِ وَالْخَبَرِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْمَ الضَّارِبِ حَقِيقَةً عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الضَّرْبُ مُطْلَقًا، بَلْ مَنِ الضَّرْبُ حَاصِلٌ مِنْهُ حَالَةَ تَسْمِيَتِهِ ضَارِبًا، ثُمَّ يَلْزَمُ تَسْمِيَةُ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ كَفَرَةً ; لِمَا وُجِدَ مِنْهُمْ مَنِ الْكُفْرِ السَّابِقِ، وَالْقَائِمِ قَاعِدًا، وَالْقَاعِدِ قَائِمًا ; لِمَا وُجِدَ مِنْهُ مِنَ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ السَّابِقِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ اللِّسَانِ. هَذَا مَا عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَعَلَيْكَ بِالنَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ.

стр. 55

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ هَلْ ثَبَتَتْ قِيَاسًا أَمْ لَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا فِي الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ: هَلْ ثَبَتَتْ قِيَاسًا أَمْ لَا؟ فَأَثْبَتَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ مُعْظَمُ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى امْتِنَاعِ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ وَأَسْمَاءِ الصِّفَاتِ. أَمَّا أَسْمَاءُ الْأَعْلَامِ؛ فَلِكَوْنِهَا غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ لِمَعَانٍ مُوجِبَةٍ لَهَا، وَالْقِيَاسُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مَعْنًى جَامِعٍ: إِمَّا مُعَرِّفٌ وَإِمَّا دَاعٍ، وَإِذَا قِيلَ فِي حَقِّ الْأَشْخَاصِ فِي زَمَانِنَا: هَذَا سِيبَوَيْهِ وَهَذَا جَالِينُوسُ، فَلَيْسَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فِي التَّسْمِيَةِ، بَلْ مَعْنَاهُ: هَذَا حَافِظُ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَعِلْمِ جَالِينُوسَ بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ، كَمَا يُقَالُ: قَرَأْتُ سِيبَوَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهِ كِتَابُهُ. وَأَمَّا أَسْمَاءُ الصِّفَاتِ الْمَوْضُوعَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الصِّفَاتِ كَالْعَالِمِ وَكَالْقَادِرِ، فَلِأَنَّهَا وَاجِبَةُ الِاطِّرَادِ ; نَظَرًا إِلَى تَحَقُّقِ مَعْنَى الِاسْمِ، فَإِنَّ مُسَمَّى الْعَالِمِ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ، فَكَانَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعَالِمِ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ لَا بِالْقِيَاسِ ; إِذْ لَيْسَ قِيَاسُ أَحَدِ الْمُسَمَّيَيْنِ (١) الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي الْمُسَمَّى عَلَى الْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَسْمَاءِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا مُسْتَلْزِمَةً لِمَعَانٍ فِي مَحَالِّهَا وُجُودًا وَعَدَمًا، وَذَلِكَ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَى النَّبِيذِ بِوَاسِطَةِ مُشَارَكَتِهِ لِلْمُعْتَصَرِ مِنَ الْعِنَبِ فِي الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ الْمُخَمِّرَةِ عَلَى الْعَقْلِ، وَكَإِطْلَاقِ اسْمِ السَّارِقِ عَلَى النَّبَّاشِ بِوَاسِطَةِ مُشَارَكَتِهِ لِلسَّارِقِينَ مِنَ الْأَحْيَاءِ فِي أَخْذِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ، وَكَإِطْلَاقِ اسْمِ الزَّانِي عَلَى اللَّائِطِ بِوَاسِطَةِ مُشَارَكَتِهِ لِلزَّانِي فِي إِيلَاجِ الْفَرَجِ الْمُحَرَّمِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا قِيَاسَ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُنْقَلُ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ وَضَعُوا اسْمَ الْخَمْرِ لِكُلِّ مُسْكِرٍ، أَوْ لِلْمُعْتَصَرِ مِنَ الْعِنَبِ خَاصَّةً، أَوْ لَمْ يُنْقَلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَاسْمُ الْخَمْرِ ثَابِتٌ لِلنَّبِيذِ بِالتَّوْقِيفِ لَا بِالْقِيَاسِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَالتَّعْدِيَةُ تَكُونُ عَلَى خِلَافِ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ لُغَتِهِمْ.

стр. 56

وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ الَّذِي بِهِ التَّعْدِيَةُ دَلِيلًا عَلَى التَّعْدِيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا بِدَلِيلِ مَا صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَإِذَا احْتَمَلَ، وَاحْتَمَلَ فَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. فَالتَّعْدِيَةُ تَكُونُ مُمْتَنِعَةً. فَإِنْ قِيلَ: الْوَصْفُ الْجَامِعُ وَإِنِ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا، غَيْرَ أَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهِ دَلِيلًا أَظْهَرَ، وَبَيَانُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاسْمَ دَارَ مَعَ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَالدَّوَرَانُ دَلِيلُ كَوْنِ وُجُودِ الْوَصْفِ أَمَارَةً عَلَى الِاسْمِ فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ الِاسْمِ. الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا سَمَّتْ بِاسْمِ الْفَرَسِ، وَالْإِنْسَانِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِمْ، وَكَذَلِكَ وَصَفُوا الْفَاعِلَ فِي زَمَانِهِمْ بِأَنَّهُ رُفِعَ وَالْمَفْعُولَ نُصِبَ، وَإِنَّمَا وَصَفُوا بَعْضَ الْفَاعِلِينَ وَالْمَفْعُولِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالِاسْمُ مُطَّرِدٌ فِي زَمَانِنَا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ وَفَرَسٍ وَفَاعِلٍ وَمَفْعُولٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ قِيَاسٍ، ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ بَاطِلٌ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْأَقْسَامِ بِعَيْنِهِ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْقِيَاسُ صَحِيحٌ مُتَّبَعٌ، وَهُوَ أَيْضًا عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ سَمَّى النَّبِيذَ خَمْرًا وَأَوْجَبَ الْحَدَّ بِشُرْبِهِ وَأَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى اللَّائِطِ قِيَاسًا عَلَى الزِّنَى، وَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي يَمِينِ الْغَمُوسِ قِيَاسًا عَلَى الْيَمِينِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَتَأَوَّلَ حَدِيثَ ( «الشُّفْعَةُ لِلْجَارِ» ) بِحَمْلِهِ عَلَى الشَّرِيكِ فِي الْمَمَرِّ، وَقَالَ: الْعَرَبُ تُسَمِّي الزَّوْجَةَ جَارًا فَالشَّرِيكُ أَوْلَى. قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ: أَنَّ دَوَرَانَ الِاسْمِ مَعَ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ وُجُودًا وَعَدَمًا لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً لِلِاسْمِ بِمَعْنَى كَوْنِهِ دَاعِيًا إِلَيْهِ وَبَاعِثًا، بَلْ إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَبِمَعْنَى كَوْنِهِ أَمَارَةً، وَكَمَا دَارَ مَعَ اسْمِ الْخَمْرِ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ دَارَ مَعَ خُصُوصِ شَدَّةِ الْمُعْتَصَرِ مِنَ الْعِنَبِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النَّبِيذِ فَلَا قِيَاسَ،

стр. 57

ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقَضٌ بِتَسْمِيَةِ الْعَرَبِ لِلرَّجُلِ الطَّوِيلِ نَخْلَةً، وَالْفَرَسِ الْأَسْوَدِ أَدْهَمَ وَالْمُلَوَّنِ بِالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ أَبْلَقَ، وَالِاسْمُ فِيهِ دَائِرٌ مَعَ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُسَمُّوا الْفَرَسَ وَالْجَمَلَ لِطُولِهِ نَخْلَةً، وَلَا الْإِنْسَانَ الْمُسْوَدَّ أَدْهَمَ، وَلَا الْمُتَلَوِّنَ مِنْ بَاقِي الْحَيَوَانَاتِ بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ أَبْلَقَ، وَكُلُّ مَا هُوَ جَوَابُهُمْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ جَوَابُنَا فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ. وَجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ مَا وَقَعَ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُ التَّسْمِيَةِ فِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ الْقِيَاسَ، بَلِ الْعَرَبُ وَضَعَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ لِلْأَجْنَاسِ الْمَذْكُورَةِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ لَا أَنَّهَا وَضَعَتْهَا لِلْمُعَيَّنِ ثُمَّ طُرِدَ الْقِيَاسُ فِي الْبَاقِي. وَجَوَابُ الثَّالِثِ: بِمَنْعِ الْعُمُومِ فِي كُلِّ اعْتِبَارٍ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الْمُعْتَبَرِ (١) ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ، وَأَمَّا النَّقْضُ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ فَغَيْرُ مُتَّجِهٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اجْتِمَاعَ الْأُمَّةِ مِنَ السَّلَفِ عِنْدَنَا أَوْجَبَ الْإِلْحَاقَ عِنْدَ ظَنِّ الِاشْتِرَاكِ فِي عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعٌ لَمْ يَكُنْ قِيَاسٌ، وَلَا إِجْمَاعَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْأُمَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى الْإِلْحَاقِ، فَلَا قِيَاسَ. وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الشَّافِعِيِّ ﵁ النَّبِيذَ خَمْرًا، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إِلَى الْقِيَاسِ، بَلْ إِلَى قَوْلِهِ ﵇: (إِنَّ مِنَ التَّمْرِ خَمْرًا) (٢) ، وَهُوَ تَوْقِيفٌ لَا قِيَاسٌ، وَإِيجَابُهُ لِلْحَدِّ فِي اللِّوَاطِ وَفِي النَّبْشِ، لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِ اللِّوَاطِ زِنًى وَلَا لِكَوْنِ النَّبْشِ سَرِقَةً، بَلْ لِمُسَاوَاةِ اللِّوَاطِ لِلزِّنَى وَالنَّبْشِ لِلسَّرِقَةِ فِي الْمَفْسَدَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْحَدِّ الْمُعْتَبَرِ فِي الشَّرْعِ. وَأَمَّا يَمِينُ الْغَمُوسِ، فَإِنَّمَا سُمِّيَتْ يَمِينًا لَا بِالْقِيَاسِ بَلْ بِقَوْلِهِ ﷺ : (الْيَمَنُ الْغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ) (٣) فَكَانَ ذَلِكَ بِالتَّوْقِيفِ.

стр. 58

وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الشَّافِعِيِّ لِلشَّرِيكِ جَارًا، إِنَّمَا كَانَ بِالتَّوْقِيفِ لَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الزَّوْجَةَ لِقَطْعِ الِاسْتِبْعَادِ فِي تَسْمِيَةِ الشَّرِيكِ جَارًا لِزِيَادَةِ قُرْبِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَارِ الْمُلَاصِقِ، فَقَالَ: الزَّوْجَةُ أَقْرَبُ مِنَ الشَّرِيكِ وَهِيَ جَارٌ، فَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهَا، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِالْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ إِلَّا أَنَّ غَيْرَهُ مُخَالِفٌ لَهُ، وَالْحَقُّ مِنْ قَوْلَيْهِمَا أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. [الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْفِعْلِ وَأَقْسَامِهِ] الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْفِعْلِ وَأَقْسَامِهِ وَالْفِعْلُ: مَا دَلَّ عَلَى حَدَثٍ مُقْتَرِنٍ بِزَمَانٍ مُحَصَّلٍ مُمَيَّزٍ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ. وَالْحَدَثُ: الْمَصْدَرُ، وَهُوَ اسْمُ الْفِعْلِ، وَالزَّمَانُ الْمُحَصَّلُ الْمَاضِي وَالْحَالُ وَالْمُسْتَقْبَلُ، وَهُوَ مُنْقَسِمٌ بِحَسَبِ انْقِسَامِ الزَّمَانِ، فَالْمَاضِي مِنْهُ كَقَامَ وَقَعَدَ. وَالْحَاضِرُ وَالْمُسْتَقْبَلُ فِي اللَّفْظِ وَاحِدٌ، وَيُسَمَّى الْمُضَارِعُ وَهُوَ مَا فِي أَوَّلِهِ إِحْدَى الزَّوَائِدِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ: الْهَمْزَةُ، وَالتَّاءُ، وَالنُّونُ، وَالْيَاءُ، كَقَوْلِكَ: أَقُومُ، وَتَقُومُ، وَنَقُومُ، وَيَقُومُ. وَتَخْلِيصُ الْمُسْتَقْبَلِ عَنِ الْحَاضِرِ بِدُخُولِ السِّينِ أَوْ سَوْفَ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: سَيَقُومُ، وَسَوْفَ يَقُومُ. وَأَمَّا فِعْلُ الْأَمْرِ، فَمَا نُزِعَ مِنْهُ حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ كَقَوْلِكَ فِي يَقُومُ قُمْ وَنَحْوِهِ. وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ: فِعْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَفْعَالُ الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ، وَالْأَفْعَالُ النَّاقِصَةُ، وَأَفْعَالُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالتَّعَجُّبِ. وَالْفِعْلُ وَإِنْ كَانَ كَلِمَةً مُفْرَدَةً عِنْدَ النُّحَاةِ مُطْلَقًا (١) ، فَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ (٢) الْمُفْرَدُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْمَاضِي دُونَ الْمُضَارِعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ فِي الْمُضَارِعِ هُوَ

стр. 59

الدَّالُّ عَلَى الْمَوْضُوعِ (١) مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَالْمُفْرَدُ هُوَ الدَّالُّ الَّذِي لَا جُزْءَ لَهُ يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِي حَدِّ الْمُفْرَدِ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْمَاضِي فَإِنَّهُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْفِعْلِ وَعَلَى مَوْضُوعِهِ فَلَيْسَ فِيهِ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَوْضُوعِ فَكَانَ مُفْرَدًا. وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُهُمْ مَا كَانَ مِنَ الْمُضَارِعِ الَّذِي فِي أَوَّلِهِ الْيَاءُ بِالْمَاضِي فِي الْإِفْرَادِ دُونَ غَيْرِهِ ; لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْفِعْلِ وَعَلَى مَوْضُوعٍ لَهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَيْسَ بِحَقٍّ، فَإِنَّهُمَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي هَذَا الْمَعْنَى فَمُفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ الْيَاءِ عَلَى الْمَوْضُوعِ الَّذِي لَيْسَ مُعَيَّنًا، بِخِلَافِ الْمَاضِي حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَوْضُوعِ كَمَا سَبَقَ. [الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي الْحَرْفِ وَأَصْنَافِهِ] الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي الْحَرْفِ وَأَصْنَافِهِ الْحَرْفُ: مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ عَلَى أَصْنَافٍ: مِنْهَا: حَرْفُ الْإِضَافَةِ، وَهُوَ مَا يُفْضِي بِمَعَانِي الْأَفْعَالِ إِلَى الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مِنْهُ مَا لَا يَكُونُ إِلَّا حَرْفًا كَمِنْ، وَإِلَى، وَحَتَّى، وَفِي، وَالْبَاءِ، وَاللَّامِ، وَرُبَّ، وَوَاوِ الْقَسَمِ وَتَائِهِ. أَمَّا " مِنْ " فَهِيَ قَدْ تَكُونُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ كَقَوْلِكِ: سِرْتُ مِنْ بَغْدَادَ، وَلِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكِ: أَكَلْتُ مِنَ الْخُبْزِ، وَلِبَيَانِ الْجِنْسِ كَقَوْلِكِ: خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَزَائِدَةٌ كَقَوْلِكِ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ.

стр. 60

وَأَمَّا (إِلَى) فَهِيَ قَدْ تَكُونُ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ كَقَوْلِكِ: سِرْتُ إِلَى بَغْدَادَ، وَبِمَعْنَى " مَعَ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ . وَأَمَّا (حَتَّى) فَفِي مَعْنَى إِلَى. وَأَمَّا (فِي) فَلِلظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِكِ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى " عَلَى " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وَقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهَا فِي قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ فِي الْعِلْمِ الْفُلَانِيِّ. وَأَمَّا (الْبَاءُ) فَلِلْإِلْصَاقِ كَقَوْلِكَ: بِهِ دَاءٌ، وَقَدْ تَكُونُ لِلِاسْتِعَانَةِ كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ، وَالْمُصَاحَبَةُ كَقَوْلِكَ: اشْتَرَيْتُ الْفَرَسَ بِسَرْجِهِ، وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى " عَلَى " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أَيْ عَلَى قِنْطَارٍ وَعَلَى دِينَارٍ، وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى " مِنْ أَجْلِ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أَيْ لِأَجْلِ دُعَائِكَ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى فِي دُعَائِكَ. وَقَدْ تَكُونُ زَائِدَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ . وَأَمَّا (اللَّامُ) فَهِيَ لِلِاخْتِصَاصِ كَقَوْلِكَ: " الْمَالُ لِزَيْدٍ "، وَقَدْ تَكُونُ زَائِدَةً كَقَوْلِهِ: (رَدِفَ لَكُمْ) . وَأَمَّا (رُبَّ) فَهِيَ لِلتَّقْلِيلِ، وَلَا تَدْخُلْ إِلَّا عَلَى النَّكِرَةِ كَقَوْلِكَ: رُبَّ رَجُلٍ عَالِمٍ. وَأَمَّا (وَاوُ الْقَسَمِ) فَمُبْدَلَةٌ عَنْ بَاءِ الْإِلْصَاقِ فِي قَوْلِكَ: أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ. وَ (التَّاءُ) مُبْدَلَةٌ مِنَ الْوَاوِ فِي تَاللَّهِ (١) . الْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَكُونُ حَرْفًا وَاسْمًا كَعَلَى وَعَنْ وَالْكَافِ وَمُذْ وَمُنْذُ. فَأَمَّا (عَلَى) فَهِيَ لِلِاسْتِعْلَاءِ، وَهِيَ إِمَّا حَرْفٌ كَقَوْلِكَ: عَلَى زَيْدٍ دَيْنٌ، وَإِمَّا اسْمٌ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَمَا تَمَّ ظِمْؤُهَا ... تَصِلُّ وَعَنْ قَيْضٍ بِزَبْزَاءَ مَجْهَلِ.

стр. 61

وَأَمَّا (عَنْ) فَلِلْمُبَاعَدَةِ، وَهِيَ إِمَّا حَرْفٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ، وَإِمَّا اسْمٌ كَقَوْلِكَ: جَلَسْتُ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ. وَأَمَّا (الْكَافُ) فَقَدْ تَكُونُ حَرْفًا لِلتَّشْبِيهِ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ كَعَمْرٍو، وَقَدْ تَكُونُ اسْمًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: يَضْحَكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ الْمُنْهَمِّ. وَأَمَّا (مُذْ) وَ (مُنْذُ) فَحَرْفَانِ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُهُ مُذِ الْيَوْمَ، وَمُنْذُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ يَكُونَانِ اسْمَيْنِ إِذَا رَفَعَا مَا بَعْدَهُمَا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَكُونُ حَرْفًا وَفِعْلًا كَحَاشَا وَخَلَا وَعَدَا، فَإِنَّهَا تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا بِالْحَرْفِيَّةِ وَقَدْ تَنْصِبُهُ بِالْفِعْلِيَّةِ. وَمِنْهَا الْحَرْفُ الْمُضَارِعُ لِلْفِعْلِ، وَهُوَ يَنْصِبُ الِاسْمَ وَيَرْفَعُ الْخَبَرَ مِثْلُ: إِنَّ، وَأَنَّ، وَلَكِنَّ، وَكَأَنَّ، وَلَيْتَ، وَلَعَلَّ. وَمِنْهَا حُرُوفُ الْعَطْفِ وَهِيَ عَشَرَةٌ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ تَشْتَرِكُ فِي جَمْعِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي حُكْمٍ غَيْرَ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي أُمُورٍ أُخْرَى. وَهَذِهِ هِيَ: (الْوَاوُ، وَالْفَاءُ، وَثُمَّ، وَحَتَّى) . أَمَّا " الْوَاوُ " فَقَدِ اتَّفَقَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْأَدَبِ عَلَى أَنَّهَا لِلْجَمْعِ غَيْرِ مُقْتَضِيَةٍ تَرْتِيبًا وَلَا مَعِيَّةً، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ مُطْلَقًا، وَنُقِلَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ حَيْثُ يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ . وَقِيلَ: إِنَّهَا تَرِدُ بِمَعْنَى " أَوْ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ قِيلَ: أَرَادَ مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ، وَقَدْ تَرِدُ لِلِاسْتِئْنَافِ كَالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ تَقْدِيرُهُ: وَالرَّاسِخُونَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى " مَعَ " فِي بَابِ الْمَفْعُولِ مَعَهُ، تَقُولُ: جَاءَ الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةُ، وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى " إِذْ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أَيْ إِذْ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ.

стр. 62

احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْجَمْعِ الْمُطْلَقِ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ " الْوَاوُ " فِي قَوْلِ الْقَائِلِ (رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا) لِلتَّرْتِيبِ لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فِي آيَةٍ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ مَعَ اتِّحَادِ الْقَضِيَّةِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ جَعْلِ الْمُتَقَدِّمِ مُتَأَخِّرًا وَالْمُتَأَخِّرِ مُتَقَدِّمًا. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا حَسُنَ قَوْلُ الْقَائِلِ " تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو " إِذْ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْقَائِلِ " جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو " كَاذِبًا ثُمَّ مَجِيئُهُمَا مَعًا أَوْ تَقَدُّمُ الْمُتَأَخِّرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا بَعْدَهُ " تَكْرِيرًا وَ " قَبْلَهُ " تَنَاقُضًا. الْخَامِسُ: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا حَسُنَ الِاسْتِفْسَارُ عَنْ تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا وَتَأَخُّرِ الْآخَرِ ; لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا مِنْ ظَاهِرِ الْعَطْفِ. السَّادِسُ: أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ التَّرْتِيبُ عِنْدَ قَوْلِ سَيِّدِهِ لَهُ: إِيتِ بِزَيْدٍ وَعَمْرٍو. السَّابِعُ: هُوَ أَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ جَارِيَةٌ مَجْرَى وَاوِ الْجَمْعِ وَفِي الْأَسْمَاءِ الْمُتَمَاثِلَةِ مَجْرَى يَاءِ التَّثْنِيَةِ، وَهُمَا لَا يَقْتَضِيَانِ التَّرْتِيبَ فَكَذَلِكَ مَا هُوَ جَارٍ مَجْرَاهُمَا. الثَّامِنُ: أَنَّ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ مَعْقُولٌ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَرْفٍ يُفِيدُهُ، وَلَيْسَ ثَمَّ مِنَ الْحُرُوفِ سِوَى (الْوَاوِ) بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ (الْوَاوَ) . التَّاسِعُ: أَنَّهَا لَوْ أَفَادَتِ التَّرْتِيبَ لَدَخَلَتْ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ كَالْفَاءِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: (إِذَا دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ وَأَعْطِهِ دِرْهَمًا) كَمَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ (فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا) . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِذَا كَانَ مِنْ أَصْلِ الْمُخَالِفِ أَنَّ " الْوَاوَ " ظَاهِرَةٌ فِي التَّرْتِيبِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى غَيْرِ التَّرْتِيبِ تَجَوُّزًا، وَعَلَى هَذَا فَحَيْثُ تَعَذَّرَ حَمْلُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْمَالِهَا فِي غَيْرِ التَّرْتِيبِ بِجِهَةِ التَّجَوُّزِ.

стр. 63

وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِمْ (تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو) وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّجَوُّزِ بِالْوَاوِ فِي غَيْرِ التَّرْتِيبِ أَنْ يُتَجَوَّزَ عَنْهُ بِالْفَاءِ وَثُمَّ ; إِذْ هُوَ غَيْرُ لَازِمٍ مَعَ اخْتِلَافِ الْحُرُوفِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ الْمَعِيَّةِ أَوْ تَقَدُّمِ الْمُتَأَخِّرِ فِي اللَّفْظِ لِإِمْكَانِ التَّجَوُّزِ بِهَا عَنِ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، كَمَا لَوْ قَالَ: (رَأَيْتُ أَسَدًا) وَكَانَ قَدْ رَأَى إِنْسَانًا شُجَاعًا. وَعَلَى الرَّابِعِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: " رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا بَعْدَهُ " لَا يَكُونُ تَكْرِيرًا ; لِأَنَّهُ يَكُونُ مُفِيدًا لِامْتِنَاعِ حَمْلِهِ عَلَى الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لِاحْتِمَالِ تَوَهُّمِهِ بِجِهَةِ التَّجَوُّزِ، وَإِذَا قَالَ: (رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا قَبْلَهُ) لَا يَكُونُ تَنَاقُضًا لِكَوْنِهِ مُفِيدًا لِإِرَادَةِ جِهَةِ التَّجَوُّزِ. وَعَلَى الْخَامِسِ: أَنَّهُ إِنَّمَا حَسُنَ الِاسْتِفْسَارُ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ تَجَوُّزًا. وَعَلَى السَّادِسِ: أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْعَبْدِ التَّرْتِيبُ نَظَرًا إِلَى قَرِينَةِ الْحَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِرَادَةِ جِهَةِ التَّجَوُّزِ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ الْقَرِينَةِ لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلتَّرْتِيبِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ " الْوَاوُ " حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ فَإِفَادَتُهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا بِهِ، إِنْ كَانَ مَجَازًا فَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فَيَلْزَمُ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ وَهُوَ أَيْضًا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. قُلْنَا: وَلَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَإِفَادَتُهَا لِلتَّرْتِيبِ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً كَانَ مُشْتَرَكًا وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ; لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ خَلَا الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ عَنْ حَرْفٍ يَخُصُّهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتْ حَقِيقَةً فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَخْلُ التَّرْتِيبُ عَنْ حَرْفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِدَلَالَةِ (الْفَاءِ) وَ (ثُمَّ) عَلَيْهِ. قُلْنَا: إِنَّمَا نَجْعَلُهَا حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ الْمُطْلَقِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ (الْفَاءِ) وَ (ثُمَّ) وَذَلِكَ مِمَّا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ (الْفَاءُ) وَ (ثُمَّ) دَلَالَةً مُطَابِقَةً، بَلْ إِمَّا بِجِهَةِ التَّضَمُّنِ أَوْ

стр. 64

الِالْتِزَامِ، وَكَمَا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُشْتَرَكِ بِدَلَالَةِ التَّضَمُّنِ أَوِ الِالْتِزَامِ فَتَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ هَذِهِ الدَّلَالَةُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ إِخْلَاءُ التَّرْتِيبِ الْمُشْتَرَكِ عَنْ لَفْظٍ يُطَابِقُهُ أَوْلَى مِنْ إِخْلَاءِ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ. وَعَلَى السَّابِعِ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَتْ (الْوَاوُ) جَارِيَةً مَجْرَى (وَاوِ) الْجَمْعِ وَ (يَاءِ) التَّثْنِيَةِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِهَا جَارِيَةً مَجْرَاهُمَا فِي مُطْلَقِ الْجَمْعِ مَعَ كَوْنِهَا مُخْتَصَّةً بِالتَّرْتِيبِ، كَمَا فِي (الْفَاءِ) وَ (ثُمَّ) . وَعَلَى الثَّامِنِ: أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ مَعْقُولٌ وَلَا بُدَّ لَهُ مَنْ حَرْفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَالتَّرْتِيبُ الْمُطْلَقُ أَيْضًا مَعْقُولٌ وَلَا بُدَّ لَهُ مَنْ حَرْفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَا يُفِيدُهُ بِالْإِجْمَاعِ سِوَى (الْوَاوُ) فَتَعَيَّنَ، كَيْفَ وَإِنَّ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ حَاصِلٌ بِقَوْلِهِ: (رَأَيْتُ زَيْدًا، رَأَيْتُ عَمْرًا) . وَعَلَى التَّاسِعِ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِثُمَّ وَبَعْدَ. وَأَمَّا الْمُثْبِتُونَ لِلتَّرْتِيبِ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِالنَّقْلِ، وَالْحُكْمِ، وَالْمَعْنَى. أَمَّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فَإِنَّهُ مُقْتَضٍ لِلتَّرْتِيبِ. وَأَيْضًا مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قَالَ الصَّحَابَةُ لِلنَّبِيِّ ﵇: (بِمَ نَبْدَأُ) قَالَ: ( «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ) (١) وَلَوْلَا أَنَّ (الْوَاوَ) لِلتَّرْتِيبِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَأَيْضًا مَا رُوِيَ «أَنَّ وَاحِدًا قَامَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ: (مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدِ اهْتَدَى وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى) فَقَالَ ﵇: (بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى) » (٢) وَلَوْ كَانَتْ (الْوَاوُ) لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا وَقَعَ الْفَرْقُ.

стр. 65

وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِشَاعِرٍ قَالَ: ( كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا ) : لَوْ قَدَّمْتَ الْإِسْلَامَ عَلَى الشَّيْبِ لَأَجَزْتُكَ. وَكَانَ عُمَرُ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَأَيْضًا مَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالُوا لَهُ: لِمَ تَأْمُرُنَا بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَكَانُوا أَيْضًا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ وَلَوْلَا أَنَّ (الْوَاوَ) لِلتَّرْتِيبِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ، وَقَعَ بِهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ (الْوَاوُ) لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَوَقَعَتِ الثَّلَاثُ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ يَسْتَدْعِي سَبَبًا، وَالتَّرْتِيبَ فِي الْوُجُودِ صَالِحٌ لَهُ فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ. أَجَابَ النَّافُونَ عَنِ النَّقْلِ: أَمَّا الْآيَةُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّرْتِيبَ مُسْتَفَادٌ مِنْهَا، بَلْ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ صَلَّى وَرَتَّبَ الرُّكُوعَ قَبْلَ السُّجُودِ وَقَالَ: ( «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ) وَلَوْ كَانَتْ (الْوَاوُ) لِلتَّرْتِيبِ لَمَا احْتَاجَ النَّبِيُّ ﵇ إِلَى هَذَا الْبَيَانِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: ( «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ) فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ سَأَلَهُ الصَّحَابَةُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَلَوْ كَانَتْ (الْوَاوُ) لِلتَّرْتِيبِ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ السُّؤَالِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى السُّؤَالِ فَيَتَعَارَضَانِ وَيَبْقَى قَوْلُهُ ﵇: ( «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ) وَهُوَ دَلِيلُ التَّرْتِيبِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: ( «قُلْ: وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى» ) إِنَّمَا قَصَدَ بِهِ إِفْرَادَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوَّلًا مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِهِ لَا أَنَّ " الْوَاوَ " لِلتَّرْتِيبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا انْفِكَاكَ لِإِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى حَتَّى يُتَصَوَّرَ فِيهِمَا التَّرْتِيبُ.

стр. 66

وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ فَمَبْنِيٌّ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ بِتَقْدِيمِ ذِكْرِ الْأَعْظَمِ لَا عَلَى قَصْدِ التَّرْتِيبِ. وَأَمَّا قِصَّةُ الصَّحَابَةِ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُ إِنْكَارِهِمْ لِأَمْرِهِ بِتَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ كَوْنَ الْآيَةِ مُقْتَضِيَةً لِتَرْتِيبِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ، بَلْ لِأَنَّهَا مُقْتَضِيَةٌ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، وَأَمْرُهُ بِالتَّرْتِيبِ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْآيَةِ، كَيْفَ وَإِنَّ فَهْمَهُمْ لِتَرْتِيبِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ مِنَ الْآيَةِ مُعَارَضٌ بِمَا فَهِمَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الْحُكْمُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَلَى أَصْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ " الْوَاوَ " لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ، وَإِنْ سُلِّمَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ فِي تَخْرِيجِهِ أَنْ يُقَالَ: إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَالْأَخِيرُ تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ، وَالْكَلَامُ يُعْتَبَرُ بِجُمْلَتِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ. وَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ: رَأَيْتُ زَيْدًا، رَأَيْتُ عَمْرًا. فَإِنَّ تَقْدِيمَ أَحَدِ الِاسْمَيْنِ فِي الذِّكْرِ لَا يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إِجْمَاعًا، كَيْفَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِي تَقْدِيمِهِ ذِكْرًا لِزِيَادَةِ حُبِّهِ لَهُ وَاهْتِمَامِهِ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ، أَوْ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنْهُ لَا غَيْرُ، ثُمَّ تَجَدَّدَ لَهُ قَصْدُ الْإِخْبَارِ عَنِ الْآخَرِ عِنْدَ إِخْبَارِهِ عَنِ الْأَوَّلِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُتَجَاذَبٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَرْجَحُ هُوَ الْأَوَّلَ فِي النَّفْسِ. وَأَمَّا " الْفَاءُ " وَ " ثُمَّ " وَ " حَتَّى " فَإِنَّهَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَتَخْتَلِفُ مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ. فَأَمَّا " الْفَاءُ " فَمُقْتَضَاهَا إِيجَابُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ، هَذَا مِمَّا اتَّفَقَ الْأُدَبَاءُ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ وَإِنْ كَانَ مَجِيءُ الْبَأْسِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنِ الْهَلَاكِ، فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِالْحُكْمِ بِمَجِيءِ الْبَأْسِ بَعْدَ هَلَاكِهَا ضَرُورَةَ مُوَافَقَةِ النَّقْلِ (١) ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾

стр. 67

، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْإِسْحَاتُ بِالْعَذَابِ مِمَّا يَتَرَاخَى عَنِ الِافْتِرَاءِ بِالْكَذِبِ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ مِمَّا يَتَرَاخَى عَنِ الْمُدَايَنَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ حُكْمَ الِافْتِرَاءِ الْإِسْحَاتُ، وَحُكْمَ الْمُدَايَنَةِ الرَّهْنِيَّةُ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مُوَافَقَةِ النَّقْلِ. وَقَدْ تَرِدُ " الْفَاءُ " مَوْرِدَ " الْوَاوِ " كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: ( بِسِقْطِ اللَّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ) . وَأَمَّا (ثُمَّ) فَإِنَّهَا تُوجِبُ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ بِمُهْلَةٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ وَإِنْ كَانَ الِاهْتِدَاءُ يَتَرَاخَى عَنِ التَّوْبَةِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى دَوَامِ الِاهْتِدَاءِ وَثَبَاتِهِ ضَرُورَةَ مُوَافَقَةِ النَّقْلِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا قَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى (الْوَاوِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ شَاهِدًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَاهِدًا. وَأَمَّا (حَتَّى) فَمُوجِبَةٌ لِكَوْنِ الْمَعْطُوفِ جُزْءًا مِنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ نَحْوُ قَوْلِكَ: مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ، وَقَدِمَ الْحَاجُّ حَتَّى الْمُشَاةُ. فَالْأَوَّلُ أَفْضَلُهُ وَالثَّانِي دُونَهُ. وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا تَشْتَرِكُ فِي تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِأَحَدِ الْمَذْكُورِينَ وَهِيَ: أَوْ، وَإِمَّا، وَأَمْ. إِلَّا أَنْ (أَوْ) وَ (إِمَّا) يَقَعَانِ فِي الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ وَالِاسْتِفْهَامِ، وَ (أَمْ) لَا تَقَعُ إِلَّا فِي الِاسْتِفْهَامِ، غَيْرَ أَنَّ (أَوْ) وَ (إِمَّا) فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ، تَقُولُ: جَاءَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، وَجَاءَ إِمَّا زَيْدٌ وَإِمَّا عَمْرٌو، وَفِي الْأَمْرِ لِلتَّخْيِيرِ تَقُولُ: اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، وَاضْرِبْ إِمَّا زَيْدًا وَإِمَّا عَمْرًا. وَلِلْإِبَاحَةِ تَقُولُ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ. وَ (أَوْ) فِي الِاسْتِفْهَامِ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْأَمْرَيْنِ، وَ (أَمْ) مَعَ الْعِلْمِ بِأَحَدِهِمَا وَالشَّكِّ فِي تَعْيِينِهِ. وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا تَشْتَرِكُ فِي أَنَّ الْمَعْطُوفَ مُخَالِفٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ وَهِيَ: لَا، وَبَلْ، وَلَكِنْ. تَقُولُ: جَاءَنِي زَيْدٌ لَا عُمَرُ بَلْ عُمَرُ، وَمَا جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو. وَمِنْهَا حُرُوفُ النَّفْيِ وَهِيَ: مَا، وَلَا، وَلَمْ، وَلَمَّا، وَلَنْ، وَإِنْ بِالتَّخْفِيفِ.

стр. 68

فَأَمَّا (مَا) فَلِنَفْيِ الْحَالِ أَوِ الْمَاضِي الْقَرِيبِ مِنَ الْحَالِ، كَقَوْلِكَ مَا تَفْعَلُ مَا فَعَلَ. وَأَمَّا (لَا) فَلِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ إِمَّا خَبَرًا كَقَوْلِكَ: لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ، أَوْ نَهْيًا كَقَوْلِكَ: لَا تَفْعَلْ، أَوْ دُعَاءً كَقَوْلِكَ: لَا رَعَاكَ اللَّهُ. وَأَمَّا (لَمْ) وَ (لَمَّا) فَلِقَلْبِ الْمُضَارِعِ إِلَى الْمَاضِي تَقُولُ: لَمْ يَفْعَلْ، وَلَمَّا يَفْعَلْ. وَ (لَنْ) لِتَأْكِيدِ الْمُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِكَ: لَنْ أَبْرَحَ الْيَوْمَ مَكَانِي تَأْكِيدًا لِقَوْلِكَ: لَا أَبْرَحُ الْيَوْمَ مَكَانِي. وَ (إِنْ) لِنَفْيِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ . وَمِنْهَا حُرُوفُ التَّنْبِيهِ وَهِيَ: هَا، وَأَلَا، وَأَمَا. تَقُولُ: هَا أَفْعَلُ كَذَا، وَأَلَا زَيْدٌ قَائِمٌ، وَأَمَا إِنَّكَ خَارِجٌ. وَمِنْهَا حُرُوفُ النِّدَاءِ وَهِيَ: يَا، وَأَيَا، وَهَيَا، وَأَيْ، وَالْهَمْزَةُ، وَوَا. وَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ لِنِدَاءِ الْبَعِيدِ، وَأَيْ وَالْهَمْزَةُ لِلْقَرِيبِ، وَوَا لِلنُّدْبَةِ. وَمِنْهَا حُرُوفُ التَّصْدِيقِ وَالْإِيجَابِ وَهِيَ: نَعَمْ، وَبَلَى، وَأَجَلْ، وَجَيْرِ، وَإِيْ، وَإِنَّ. فَنَعَمْ مُصَدِّقَةٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَامَ زَيْدٌ مَا قَامَ زَيْدٌ. وَ (بَلَى) لِإِيجَابِ مَا نُفِيَ كَقَوْلِكَ: بَلَى، لِمَنْ قَالَ: مَا قَامَ زَيْدٌ. وَ (أَجَلْ) لِتَصْدِيقِ الْخَبَرِ كَقَوْلِكَ: أَجَلْ، لِمَنْ قَالَ: جَاءَ زَيْدٌ. وَ (جَيْرِ) وَ (إِنَّ) وَ (إِيْ) لِلتَّحْقِيقِ، تَقُولُ: جَيْرِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَلِكَ، وَإِنَّ الْأَمْرَ كَذَا، وَإِيْ وَاللَّهِ. وَمِنْهَا حُرُوفُ الِاسْتِثْنَاءِ وَهِيَ: إِلَّا، وَحَاشَا، وَعَدَا، وَخَلَا. وَالْحَرْفُ الْمَصْدَرِيُّ، وَهُوَ (مَا) فِي قَوْلِكَ: أَعْجَبَنِي مَا صَنَعْتَ، أَيْ صُنْعُكَ. وَ (أَنْ) فِي قَوْلِكَ: أُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، أَيْ فِعْلَكَ. وَحُرُوفُ التَّحْضِيضِ وَهِيَ: لَوْلَا، وَلَوْمَا، وَهَلَّا، وَأَلَا فَعَلْتَ كَذَا، إِذَا أَرَدْتَ الْحَثَّ عَلَى الْفِعْلِ.

стр. 69

وَحَرْفُ تَقْرِيبِ الْمَاضِي مِنَ الْحَالِ، وَهُوَ (قَدْ) فِي قَوْلِكَ: قَدْ قَامَ زَيْدٌ. وَحُرُوفُ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ: الْهَمْزَةُ، وَهَلْ فِي قَوْلِكَ: أَزَيْدٌ قَامَ؟ وَهَلْ زَيْدٌ قَائِمٌ؟ وَحُرُوفُ الِاسْتِقْبَالِ وَهِيَ: السِّينُ، وَسَوْفَ، وَأَنْ، وَلَا، وَإِنْ فِي قَوْلِكَ: سَيَفْعَلُ، وَسَوْفَ يَفْعَلُ، وَأُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ، وَلَا تَفْعَلْ، وَإِنْ تَفْعَلْ. وَحُرُوفُ الشَّرْطِ وَهِيَ: إِنْ، وَلَوْ، فِي قَوْلِكَ: إِنْ جِئْتَنِي، وَلَوْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ. وَحَرْفُ التَّعْلِيلِ وَهُوَ " كَيْ " فِي قَوْلِكَ: قَصَدْتُ فُلَانًا كَيْ يُحْسِنَ إِلَيَّ. وَحَرْفُ الرَّدْعِ وَهُوَ " كَلَّا " فِي قَوْلِكَ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ لَكَ " إِنَّ الْأَمْرَ كَذَا. وَمِنْهَا حُرُوفُ اللَّامَاتِ وَهِيَ: لَامُ التَّعْرِيفِ الدَّاخِلَةُ عَلَى الِاسْمِ الْمُنَكَّرِ لِتَعْرِيفِهِ كَالرَّجُلِ، وَلَامُ جَوَابِ الْقَسَمِ فِي قَوْلِكَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَالْمُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ فِي قَوْلِكَ: وَاللَّهِ لَئِنْ أَكْرَمْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، وَلَامُ جَوَابِ (لَوْ) وَ (لَوْلَا) فِي قَوْلِكَ: لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا، وَلَوْلَا كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا، وَلَامُ الْأَمْرِ فِي قَوْلِكَ: لِيَفْعَلْ زَيْدٌ، وَلَامُ الِابْتِدَاءِ فِي قَوْلِكَ: لَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. وَمِنْهَا " تَاءُ التَّأْنِيثِ السَّاكِنَةُ " فِي قَوْلِكَ: فَعَلَتْ. وَمِنْهَا التَّنْوِينُ وَالنُّونُ الْمُؤَكِّدَةُ فِي قَوْلِكَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا. وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ. النَّوْعُ الثَّانِي: فِي تَحْقِيقِ مَفْهُومِ الْمُرَكَّبِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَهُوَ الْكَلَامُ. اعْلَمْ أَنَّ اسْمَ الْكَلَامِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ بِالْوَضْعِ تَارَةً وَعَلَى مَدْلُولِهَا الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ تَارَةً (١) عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ، وَالْمَقْصُودُ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ مَعْنَى الْكَلَامِ اللِّسَانِيِّ دُونَ النَّفْسَانِيِّ. وَالْكَلَامُ اللِّسَانِيُّ قَدْ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا أُلِّفَ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى شَيْءٍ، وَيُسَمَّى مُهْمَلًا، وَإِلَى مَا يَدُلُّ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي اللُّغَة: هَذَا

стр. 70

كَلَامٌ مُهْمَلٌ، وَهَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُهْمَلٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ إِطْلَاقُ الْكَلَامِ عَلَى الْمُهْمَلِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَالْغَرَضُ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ بَيَانُ الْكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ بِمُهْمَلٍ لُغَةً. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ إِذَا كَانَتْ مُرَكَّبَةً مِنْ حَرْفَيْنِ فَصَاعِدًا كَلَامٌ، وَلَا جَرَمَ، قَالُوا فِي حَدِّهِ: هُوَ مَا انْتَظَمَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُمَيَّزَةِ الْمُتَوَاضَعِ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا الصَّادِرَةِ عَنْ مُخْتَارٍ وَاحِدٍ. وَقَصَدُوا بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْحَرْفِ الْوَاحِدِ كَالزَّايِ مِنْ زَيْدٍ، وَبِالْقَيْدِ الثَّانِي الِاحْتِرَازَ عَنْ حُرُوفِ الْكِتَابَةِ، وَبِالْقَيْدِ الثَّالِثِ الِاحْتِرَازَ عَنْ أَصْوَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَالْمُهْمَلَاتِ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَبِالْقَيْدِ الرَّابِعِ الِاحْتِرَاز عَنِ الِاسْمِ الْوَاحِدِ إِذَا صَدَرَتْ حُرُوفُهُ كُلُّ حَرْفٍ مِنْ شَخْصٍ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى كَلَامًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ تُسَمَّى كَلَامًا، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا اجْتَمَعَ مِنْ كَلِمَاتٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: زَيْدٌ لَا كُلَّمَا، وَنَحْوِهِ، هَلْ هُوَ كَلَامٌ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَلَامٌ ; لِأَنَّ آحَادَ كَلِمَاتِهِ وُضِعَتْ لِلدَّلَالَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِ كَلَامًا، وَالنِّزَاعُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَائِلٌ إِلَى الِاصْطِلَاحِ الْخَارِجِ عَنْ وَضْعِ اللُّغَةِ بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ. وَأَمَّا مَأْخَذُهُ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ اللُّغَةِ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَهُوَ نَاقِدٌ بَصِيرٌ فِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ: (الْكَلَامُ هُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ كَلِمَتَيْنِ أُسْنِدَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى) . فَقَوْلُهُ: (الْمُرَكَّبُ مِنْ كَلِمَتَيْنِ) احْتِرَازٌ عَنِ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَقَوْلُهُ: (أُسْنِدَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِكَ: زَيْدٌ عَمْرٌو، وَعَنْ قَوْلِكَ: زَيْدٌ عَلِيٌّ، أَوْ زَيْدٌ فِي، أَوْ قَامَ فِي. فَإِنَّ الْمَجْمُوعَ مِنْهُمَا مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ وَلَيْسَ بِكَلَامٍ ; لِعَدَمِ إِسْنَادِ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنِ اسْمَيْنِ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، أَوِ اسْمٍ وَفِعْلٍ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ قَامَ، وَتُسَمَّى الْأُولَى جُمْلَةً اسْمِيَّةً وَالثَّانِيَةُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، وَلَا يَتَرَكَّبُ الْكَلَامُ مِنَ الِاسْمِ وَالْحَرْفِ فَقَطْ، وَلَا مِنَ الْأَفْعَالِ وَحْدِهَا، وَلَا مِنَ الْحُرُوفِ، وَلَا مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ.

стр. 71

فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْحَدِّ مُنْتَقِضٌ بِمَا تَرَكَّبَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ أُسْنِدَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى وَهُمَا مُهْمَلَتَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامًا، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَسْنَدْتَ مَقْلُوبَ زَيْدٍ إِلَى مَقْلُوبِ رَجُلٍ، فَقُلْتَ: (ديز هُوَ لجر) . قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي مِنْهَا التَّأْلِيفُ اللَّفْظَةُ الْوَاحِدَةُ الدَّالَّةُ بِالْوَضْعِ عَلَى مَعْنًى مُفْرَدٍ، وَلَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِيمَا ذَكَرُوهُ، غَيْرَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحَدِّ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ الْقَائِلِ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَإِنْسَانٌ عَالِمٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النِّسَبِ التَّقْيِيدِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ كَلَامًا مُفِيدًا وَإِنْ أُسْنِدَ فِيهِ إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، وَالْوَاجِبِ أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ مَا تَأَلَّفَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ تَأْلِيفًا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ. [الْأَصْلُ الثَّانِي فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ وَطُرُقِ مَعْرِفَتِهَا] الْأَصْلُ الثَّانِي فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ وَطُرُقِ مَعْرِفَتِهَا أَوَّلُ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ أَنَّ مَا وُضِعَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا هَلْ هُوَ لِمُنَاسَبَةٍ طَبِيعِيَّةٍ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَرْبَابُ عِلْمِ التَّكْسِيرِ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى ذَلِكَ ; مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لَمَا كَانَ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْوَاضِعَ فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ لَوْ وَضَعَ لَفْظَ الْوُجُودِ عَلَى الْعَدَمِ وَالْعَدَمِ عَلَى الْوُجُودِ وَاسْمَ كُلِّ ضِدٍّ عَلَى مُقَابِلِهِ - لَمَا كَانَ مُمْتَنِعًا، كَيْفَ وَقَدْ وُضِعَ ذَلِكَ كَمَا فِي اسْمِ الْجَوْنِ وَالْقُرْءِ وَنَحْوِهِ، وَالِاسْمُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا بِطَبْعِهِ لِشَيْءٍ وَلِعَدَمِهِ (١) ، وَحَيْثُ خَصَّصَ الْوَاضِعُ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ بِبَعْضِ الْمَدْلُولَاتِ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا إِلَى الْإِرَادَةِ الْمُخَصِّصَةِ، كَانَ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوِ الْمَخْلُوقُ إِمَّا لِغَرَضٍ أَوْ لَا لِغَرَضٍ، وَإِذَا بَطَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ الطَّبِيعِيَّةُ وَظَهَرَ أَنَّ مُسْتَنَدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ بِبَعْضِ الْمَعَانِي إِنَّمَا هُوَ الْوَضْعُ الِاخْتِيَارِيُّ،

стр. 72

فَقَدِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهِ: فَذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَضْعُهُ مُتَلَقًّى لَنَا مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ الْإِلَهِيِّ، إِمَّا بِالْوَحْيِ، أَوْ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ وَيُسْمِعَهَا لِوَاحِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ وَيَخْلُقَ لَهُ أَوْ لَهُمُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأَنَّهَا قُصِدَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي؛ مُحْتَجِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِآيَاتٍ: مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ آدَمَ وَالْمَلَائِكَةَ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وَاللُّغَاتُ دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ذَمَّهُمْ عَلَى تَسْمِيَةِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهَا تَوْقِيفٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِ اللُّغَاتُ لَا نَفْسُ اخْتِلَافِ هَيْئَاتِ الْجَوَارِحِ مِنَ الْأَلْسِنَةِ ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ اللُّغَاتِ أَبْلَغُ فِي مَقْصُودِ الْآيَةِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْحَمْلِ عَلَيْهِ. وَذَهَبَتِ الْبَهْشَمِيَّةُ (١) وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَضْعِ أَرْبَابِ اللُّغَاتِ وَاصْطِلَاحِهِمْ، وَأَنَّ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً انْبَعَثَتْ دَاعِيَتُهُ أَوْ دَوَاعِيهِمْ إِلَى وَضْعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا، ثُمَّ حَصَلَ تَعْرِيفُ الْبَاقِينَ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّكْرَارِ كَمَا يَفْعَلُ الْوَالِدَانِ بِالْوَلَدِ الرَّضِيعِ، وَكَمَا يُعَرِّفُ الْأَخْرَسُ مَا فِي ضَمِيرِهِ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّكْرَارِ مَرَّةً بَعْد أُخْرَى؛ مُحْتَجِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ اللُّغَةِ عَلَى الْبَعْثَةِ وَالتَّوْقِيفِ. وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَائِينِيُّ إِلَى أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَدْعُو بِهِ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ إِلَى التَّوَاضُعِ بِالتَّوْقِيفِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ بِالِاصْطِلَاحِ فَالِاصْطِلَاحُ عَلَيْهِ

стр. 73

مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَا يَدْعُو بِهِ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ إِلَى الِاصْطِلَاحِ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ فَإِنْ كَانَ بِالِاصْطِلَاحِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ التَّوْقِيفِ، وَجُوِّزَ حُصُولُ مَا عَدَا ذَلِكَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ مُمْكِنٌ بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَأَمَّا وُقُوعُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَالظُّنُونُ مُتَعَارِضَةٌ يَمْتَنِعُ مَعَهَا الْمَصِيرُ إِلَى التَّعْيِينِ. هَذَا مَا قِيلَ، وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقِينَ الْوُقُوعِ لِبَعْضِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ. فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ; إِذْ لَا يَقِينَ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى مَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ، وَهُوَ الْحَقُّ فَالْحَقُّ مَا صَارَ إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ لِمَا قِيلَ مِنَ النُّصُوصِ لِظُهُورِهَا فِي الْمَطْلُوبِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ ظُهُورَ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَطْلُوبِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ فَالْمُرَادُ بِالتَّعْلِيمِ إِنَّمَا هُوَ إِلْهَامُهُ وَبَعْثُ دَاعِيَتِهِ عَلَى الْوَضْعِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ مُعَلِّمًا (١) لِكَوْنِهِ الْهَادِيَ إِلَيْهِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَفْهَمَهُ ذَلِكَ بِالْخِطَابِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ دَاوُدَ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ مَعْنَاهُ أَلْهَمْنَاهُ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أَيْ أَلْهَمْنَاهُ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِفْهَامُ بِالْخِطَابِ وَالتَّوْقِيفِ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِهِ كُلَّ الْأَسْمَاءِ مُطْلَقًا، أَوِ الْأَسْمَاءَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي زَمَانِهِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ آدَمَ بِهَا كَانَ تَوْقِيفِيًّا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا بِالتَّوْقِيفِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُصْطَلَحِ خَلْقٍ سَابِقٍ عَلَى آدَمَ، وَالْبَارِي تَعَالَى عَلَّمَهُ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. سَلَّمْنَا أَنَّ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ الْمَعْلُومَةِ لِآدَمَ بِالتَّوْقِيفِ لَهُ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُنْسِيهَا، وَلَمْ

стр. 74

يُوقِفْ عَلَيْهَا مَنْ بَعْدَهُ، وَاصْطَلَحَ أَوْلَادُهُ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى هَذِهِ اللُّغَاتِ. وَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي هَذِهِ اللُّغَاتِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ اللُّغَاتِ التَّوْقِيفُ لِمَا عُرِفَ فِي حَقِّ آدَمَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ لَا تَفْرِيطَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُعَرِّفًا لِلُغَاتِ مَنْ تَقَدَّمَ. وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . وَأَمَّا آيَةُ الذَّمِّ فَالذَّمُّ فِيهَا إِنَّمَا كَانَ عَلَى إِطْلَاقِهِمْ أَسْمَاءَ الْأَصْنَامِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ كَوْنَهَا آلِهَةً. وَأَمَّا آيَةُ اخْتِلَافِ الْأَلْسِنَةِ، فَهِيَ غَيْرُ مَحْمُولَةٍ عَلَى نَفْسِ الْجَارِحَةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ. وَلَيْسَ تَأْوِيلُهَا بِالْحَمْلِ عَلَى اللُّغَاتِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِهَا بِالْحَمْلِ عَلَى الْإِقْدَارِ عَلَى اللُّغَاتِ، كَيْفَ وَأَنَّ التَّوْقِيفَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ دَالَّةً عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي، وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ إِنْ كَانَ تَوْقِيفِيًّا كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الِاصْطِلَاحِ. ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ اللُّغَاتِ عَلَى الْبَعْثَةِ. وَالْجَوَابُ: قَوْلُهُ: الْمُرَادُ مِنْ تَعْلِيمِ آدَمَ إِلْهَامُهُ بِالْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ مَعَ نَفْسِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ إِطْلَاق لَفْظِ التَّعْلِيمِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنِ اخْتَرَعَ أَمْرًا وَاصْطَلَحَ عَلَيْهِ مَعَ نَفْسِهِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَا عَلَّمَهُ أَحَدٌ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ إِطْلَاقُ التَّعْلِيمِ بِمَعْنَى الْإِلْهَامِ بِمَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ مَعَ نَفْسِهِ حَقِيقَةً لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ، وَحَيْثُ صَحَّ نَفْيُهُ دَلَّ

стр. 75

عَلَى كَوْنِهِ مَجَازًا، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّعْلِيمِ فِي حِقِّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ التَّأْوِيلُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ الِاشْتِرَاكَ (١) فِي دَلِيلِ التَّأْوِيلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَقَوْلُهُمْ: أَرَادَ بِهِ الْأَسْمَاءَ الْمَوْجُودَةَ فِي زَمَانِهِ، إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ مَوْجُودَةً فِي زَمَانِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلِ الْبَارِي تَعَالَى عَلَّمَهُ كُلَّ مَا يُمْكِنُ التَّخَاطُبُ بِهِ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ عَمَلًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ. قَوْلُهُمْ: مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ مِنْ مُصْطَلَحِ مَنْ كَانَ قَبْلَ آدَمَ. قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، فَمَنِ ادَّعَاهُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَبِهِ يَبْطُلُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُنْسِيهَا ; إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ النِّسْيَانِ وَبَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتِنَا﴾ إِذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قِيلَ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي حَقِّ آدَم، وَقَدْ عُرِفَ جَوَابُهُ. قَوْلُهُمْ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ فِيمَا فِي الْكِتَابِ؛ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ عَاقِلٍ قَطْعًا، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مُفِيدًا. قَوْلُهُمْ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُعَرَّفًا لِلُغَاتِ مَنْ تَقَدَّمَ، فَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ، وَبِهِ يُخَرَّجُ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . قَوْلُهُمْ فِي آيَةِ الذَّمِّ: إِنَّمَا ذَمَّهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ كَوْنَ الْأَصْنَامِ آلِهَةً، فَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ إِضَافَةِ الذَّمِّ إِلَى التَّسْمِيَةِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. (٢)
следующие страницы →