← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْحَدِّ مُنْتَقِضٌ بِمَا تَرَكَّبَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ أُسْنِدَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى وَهُمَا مُهْمَلَتَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامًا، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَسْنَدْتَ مَقْلُوبَ زَيْدٍ إِلَى مَقْلُوبِ رَجُلٍ، فَقُلْتَ: (ديز هُوَ لجر) . قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي مِنْهَا التَّأْلِيفُ اللَّفْظَةُ الْوَاحِدَةُ الدَّالَّةُ بِالْوَضْعِ عَلَى مَعْنًى مُفْرَدٍ، وَلَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِيمَا ذَكَرُوهُ، غَيْرَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحَدِّ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ الْقَائِلِ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَإِنْسَانٌ عَالِمٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النِّسَبِ التَّقْيِيدِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ كَلَامًا مُفِيدًا وَإِنْ أُسْنِدَ فِيهِ إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، وَالْوَاجِبِ أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ مَا تَأَلَّفَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ تَأْلِيفًا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ. [الْأَصْلُ الثَّانِي فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ وَطُرُقِ مَعْرِفَتِهَا] الْأَصْلُ الثَّانِي فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ وَطُرُقِ مَعْرِفَتِهَا أَوَّلُ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ أَنَّ مَا وُضِعَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا هَلْ هُوَ لِمُنَاسَبَةٍ طَبِيعِيَّةٍ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَرْبَابُ عِلْمِ التَّكْسِيرِ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى ذَلِكَ ; مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لَمَا كَانَ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْوَاضِعَ فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ لَوْ وَضَعَ لَفْظَ الْوُجُودِ عَلَى الْعَدَمِ وَالْعَدَمِ عَلَى الْوُجُودِ وَاسْمَ كُلِّ ضِدٍّ عَلَى مُقَابِلِهِ - لَمَا كَانَ مُمْتَنِعًا، كَيْفَ وَقَدْ وُضِعَ ذَلِكَ كَمَا فِي اسْمِ الْجَوْنِ وَالْقُرْءِ وَنَحْوِهِ، وَالِاسْمُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا بِطَبْعِهِ لِشَيْءٍ وَلِعَدَمِهِ (١) ، وَحَيْثُ خَصَّصَ الْوَاضِعُ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ بِبَعْضِ الْمَدْلُولَاتِ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا إِلَى الْإِرَادَةِ الْمُخَصِّصَةِ، كَانَ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوِ الْمَخْلُوقُ إِمَّا لِغَرَضٍ أَوْ لَا لِغَرَضٍ، وَإِذَا بَطَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ الطَّبِيعِيَّةُ وَظَهَرَ أَنَّ مُسْتَنَدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ بِبَعْضِ الْمَعَانِي إِنَّمَا هُوَ الْوَضْعُ الِاخْتِيَارِيُّ،

стр. 72

فَقَدِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهِ: فَذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَضْعُهُ مُتَلَقًّى لَنَا مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ الْإِلَهِيِّ، إِمَّا بِالْوَحْيِ، أَوْ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ وَيُسْمِعَهَا لِوَاحِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ وَيَخْلُقَ لَهُ أَوْ لَهُمُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأَنَّهَا قُصِدَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي؛ مُحْتَجِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِآيَاتٍ: مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ آدَمَ وَالْمَلَائِكَةَ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وَاللُّغَاتُ دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ذَمَّهُمْ عَلَى تَسْمِيَةِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهَا تَوْقِيفٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِ اللُّغَاتُ لَا نَفْسُ اخْتِلَافِ هَيْئَاتِ الْجَوَارِحِ مِنَ الْأَلْسِنَةِ ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ اللُّغَاتِ أَبْلَغُ فِي مَقْصُودِ الْآيَةِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْحَمْلِ عَلَيْهِ. وَذَهَبَتِ الْبَهْشَمِيَّةُ (١) وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَضْعِ أَرْبَابِ اللُّغَاتِ وَاصْطِلَاحِهِمْ، وَأَنَّ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً انْبَعَثَتْ دَاعِيَتُهُ أَوْ دَوَاعِيهِمْ إِلَى وَضْعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا، ثُمَّ حَصَلَ تَعْرِيفُ الْبَاقِينَ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّكْرَارِ كَمَا يَفْعَلُ الْوَالِدَانِ بِالْوَلَدِ الرَّضِيعِ، وَكَمَا يُعَرِّفُ الْأَخْرَسُ مَا فِي ضَمِيرِهِ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّكْرَارِ مَرَّةً بَعْد أُخْرَى؛ مُحْتَجِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ اللُّغَةِ عَلَى الْبَعْثَةِ وَالتَّوْقِيفِ. وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَائِينِيُّ إِلَى أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَدْعُو بِهِ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ إِلَى التَّوَاضُعِ بِالتَّوْقِيفِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ بِالِاصْطِلَاحِ فَالِاصْطِلَاحُ عَلَيْهِ

стр. 73

مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَا يَدْعُو بِهِ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ إِلَى الِاصْطِلَاحِ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ فَإِنْ كَانَ بِالِاصْطِلَاحِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ التَّوْقِيفِ، وَجُوِّزَ حُصُولُ مَا عَدَا ذَلِكَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ مُمْكِنٌ بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَأَمَّا وُقُوعُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَالظُّنُونُ مُتَعَارِضَةٌ يَمْتَنِعُ مَعَهَا الْمَصِيرُ إِلَى التَّعْيِينِ. هَذَا مَا قِيلَ، وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقِينَ الْوُقُوعِ لِبَعْضِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ. فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ; إِذْ لَا يَقِينَ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى مَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ، وَهُوَ الْحَقُّ فَالْحَقُّ مَا صَارَ إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ لِمَا قِيلَ مِنَ النُّصُوصِ لِظُهُورِهَا فِي الْمَطْلُوبِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ ظُهُورَ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَطْلُوبِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ فَالْمُرَادُ بِالتَّعْلِيمِ إِنَّمَا هُوَ إِلْهَامُهُ وَبَعْثُ دَاعِيَتِهِ عَلَى الْوَضْعِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ مُعَلِّمًا (١) لِكَوْنِهِ الْهَادِيَ إِلَيْهِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَفْهَمَهُ ذَلِكَ بِالْخِطَابِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ دَاوُدَ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ مَعْنَاهُ أَلْهَمْنَاهُ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أَيْ أَلْهَمْنَاهُ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِفْهَامُ بِالْخِطَابِ وَالتَّوْقِيفِ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِهِ كُلَّ الْأَسْمَاءِ مُطْلَقًا، أَوِ الْأَسْمَاءَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي زَمَانِهِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ آدَمَ بِهَا كَانَ تَوْقِيفِيًّا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا بِالتَّوْقِيفِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُصْطَلَحِ خَلْقٍ سَابِقٍ عَلَى آدَمَ، وَالْبَارِي تَعَالَى عَلَّمَهُ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. سَلَّمْنَا أَنَّ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ الْمَعْلُومَةِ لِآدَمَ بِالتَّوْقِيفِ لَهُ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُنْسِيهَا، وَلَمْ

стр. 74

يُوقِفْ عَلَيْهَا مَنْ بَعْدَهُ، وَاصْطَلَحَ أَوْلَادُهُ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى هَذِهِ اللُّغَاتِ. وَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي هَذِهِ اللُّغَاتِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ اللُّغَاتِ التَّوْقِيفُ لِمَا عُرِفَ فِي حَقِّ آدَمَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ لَا تَفْرِيطَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُعَرِّفًا لِلُغَاتِ مَنْ تَقَدَّمَ. وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . وَأَمَّا آيَةُ الذَّمِّ فَالذَّمُّ فِيهَا إِنَّمَا كَانَ عَلَى إِطْلَاقِهِمْ أَسْمَاءَ الْأَصْنَامِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ كَوْنَهَا آلِهَةً. وَأَمَّا آيَةُ اخْتِلَافِ الْأَلْسِنَةِ، فَهِيَ غَيْرُ مَحْمُولَةٍ عَلَى نَفْسِ الْجَارِحَةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ. وَلَيْسَ تَأْوِيلُهَا بِالْحَمْلِ عَلَى اللُّغَاتِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِهَا بِالْحَمْلِ عَلَى الْإِقْدَارِ عَلَى اللُّغَاتِ، كَيْفَ وَأَنَّ التَّوْقِيفَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ دَالَّةً عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي، وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ إِنْ كَانَ تَوْقِيفِيًّا كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الِاصْطِلَاحِ. ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ اللُّغَاتِ عَلَى الْبَعْثَةِ. وَالْجَوَابُ: قَوْلُهُ: الْمُرَادُ مِنْ تَعْلِيمِ آدَمَ إِلْهَامُهُ بِالْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ مَعَ نَفْسِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ إِطْلَاق لَفْظِ التَّعْلِيمِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنِ اخْتَرَعَ أَمْرًا وَاصْطَلَحَ عَلَيْهِ مَعَ نَفْسِهِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَا عَلَّمَهُ أَحَدٌ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ إِطْلَاقُ التَّعْلِيمِ بِمَعْنَى الْإِلْهَامِ بِمَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ مَعَ نَفْسِهِ حَقِيقَةً لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ، وَحَيْثُ صَحَّ نَفْيُهُ دَلَّ

стр. 75

عَلَى كَوْنِهِ مَجَازًا، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّعْلِيمِ فِي حِقِّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ التَّأْوِيلُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ الِاشْتِرَاكَ (١) فِي دَلِيلِ التَّأْوِيلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَقَوْلُهُمْ: أَرَادَ بِهِ الْأَسْمَاءَ الْمَوْجُودَةَ فِي زَمَانِهِ، إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ مَوْجُودَةً فِي زَمَانِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلِ الْبَارِي تَعَالَى عَلَّمَهُ كُلَّ مَا يُمْكِنُ التَّخَاطُبُ بِهِ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ عَمَلًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ. قَوْلُهُمْ: مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ مِنْ مُصْطَلَحِ مَنْ كَانَ قَبْلَ آدَمَ. قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، فَمَنِ ادَّعَاهُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَبِهِ يَبْطُلُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُنْسِيهَا ; إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ النِّسْيَانِ وَبَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتِنَا﴾ إِذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قِيلَ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي حَقِّ آدَم، وَقَدْ عُرِفَ جَوَابُهُ. قَوْلُهُمْ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ فِيمَا فِي الْكِتَابِ؛ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ عَاقِلٍ قَطْعًا، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مُفِيدًا. قَوْلُهُمْ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُعَرَّفًا لِلُغَاتِ مَنْ تَقَدَّمَ، فَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ، وَبِهِ يُخَرَّجُ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . قَوْلُهُمْ فِي آيَةِ الذَّمِّ: إِنَّمَا ذَمَّهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ كَوْنَ الْأَصْنَامِ آلِهَةً، فَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ إِضَافَةِ الذَّمِّ إِلَى التَّسْمِيَةِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. (٢)

стр. 76

وَمَا ذَكَرُوهُ عَلَى الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، فَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّرْجِيحَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ دُونَ حَمْلِهِ عَلَى الْإِقْدَارِ عَلَى اللُّغَاتِ أَقَلُّ فِي الْإِضْمَارِ ; إِذْ هُوَ يَفْتَقِرُ إِلَى إِضْمَارِ اللُّغَاتِ لَا غَيْرُ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَفْتَقِرُ إِلَى إِضْمَارِ الْقُدْرَةِ عَلَى اللُّغَاتِ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ. قَوْلُهُمْ فِي الْمَعْنَى أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى التَّسَلْسُلِ، لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعِبَارَاتِ، وَيَخْلُقَ لِمَنْ يَسْمَعُهَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأَنَّ وَاضِعًا وَضَعَهَا لِتِلْكَ الْمَعَانِي كَمَا سَبَقَ. ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ لَازِمٌ عَلَيْهِمْ فِي الْقَوْلِ بِالِاصْطِلَاحِ فَإِنَّ مَا يُدْعَى بِهِ إِلَى الْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بِالِاصْطِلَاحِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ التَّوْقِيفِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِالْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ طَرِيقُ التَّوْقِيفِ مُنْحَصِرًا فِي الرِّسَالَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ التَّوْقِيفِ مَعْلُومًا إِمَّا بِالْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَإِمَّا بِخَلْقِ اللُّغَاتِ وَخَلْقِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لِلسَّامِعِينَ بِأَنَّ وَاضِعًا وَضَعَهَا لِتِلْكَ الْمَعَانِي عَلَى مَا سَبَقَ. وَأَمَّا طُرُقُ مَعْرِفَتِهَا لَنَا، فَاعْلَمْ أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا مَعْلُومًا بِحَيْثُ لَا يُتَشَكَّكُ فِيهِ مَعَ التَّشْكِيكِ كَعِلْمِنَا بِتَسْمِيَةِ الْجَوْهَرِ جَوْهَرًا وَالْعَرَضِ عَرَضًا وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَسَامِي، فَنَعْلَمُ أَنَّ مَدْرَكَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ التَّوَاتُرُ الْقَاطِعُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَنَا وَلَا تَوَاتُرَ فِيهِ، فَطَرِيقُ تَحْصِيلِ الظَّنِّ بِهِ إِنَّمَا هُوَ أَخْبَارُ الْآحَادِ، وَلَعَلَّ الْأَكْثَرَ إِنَّمَا هُوَ الْأَوَّلُ.

стр. 77

[الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي الْمَبَادِئِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ] [الْأَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْحَاكِمِ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الاختلاف في الحسن والقبح] الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي الْمَبَادِئِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ يَسْتَدْعِي حَاكِمًا وَمَحْكُومًا فِيهِ وَمَحْكُومًا عَلَيْهِ، فَلْنَفْرِضْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ أَصْلًا، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أُصُولٍ: الْأَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْحَاكِمِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا حَاكِمَ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا حُكْمَ إِلَّا مَا حَكَمَ بِهِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحَسِّنُ وَلَا يُقَبِّحُ وَلَا يُوجِبُ شُكْرَ الْمُنْعِمِ، وَأَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَلْنَرْسِمْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مَسْأَلَةً. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ الْأَفْعَالَ لَا تُوصَفُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ لِذَوَاتِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحَسِّنُ وَلَا يُقَبِّحُ، وَإِنَّمَا إِطْلَاقُ اسْمِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عِنْدَهُمْ بِاعْتِبَارَاتٍ ثَلَاثَةٍ إِضَافِيَّةٍ غَيْرِ حَقِيقِيَّةٍ. أَوَّلُهَا: إِطْلَاقُ اسْمِ الْحُسْنِ عَلَى مَا وَافَقَ الْغَرَضَ، وَالْقَبِيحُ عَلَى مَا خَالَفَهُ. وَلَيْسَ ذَلِكَ ذَاتِيًّا لِاخْتِلَافِهِ وَتَبَدُّلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ، بِخِلَافِ اتِّصَافِ الْمَحَلِّ بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَثَانِيهَا: إِطْلَاقُ اسْمِ الْحُسْنِ عَلَى مَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوَاجِبَاتُ وَالْمَنْدُوبَاتُ دُونَ الْمُبَاحَاتِ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْقُبْحِ عَلَى مَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِذَمِّ فَاعِلِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَرَامُ دُونَ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ وُرُودِ أَمْرِ الشَّارِعِ فِي الْأَفْعَالِ.

стр. 78

وَثَالِثُهَا: إِطْلَاقُ اسْمِ الْحُسْنِ عَلَى مَا لِفَاعِلِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، بِمَعْنَى نَفْيِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِي فِعْلِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ (١) لِدُخُولِ الْمُبَاحِ فِيهِ، وَالْقَبِيحُ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فَلَا يَكُونُ ذَاتِيًّا، وَعَلَى هَذَا فَمَا كَانَ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَحَسَنٌ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَقَبْلَهُ بِالِاعْتِبَارِ الثَّالِثِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَحَسَنُهُ وَقَبِيحُهُ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ، وَبَعْدَهُ بِالِاعْتِبَارَاتِ الثَّلَاثَةِ. (٢) وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْبَرَاهِمَةُ (٣) وَالثَّنَوِيَّةُ (٤) وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى حَسَنَةٍ وَقَبِيحَةٍ لِذَوَاتِهَا، لَكِنَّ مِنْهَا مَا يُدْرَكُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ كَحُسْنِ الْإِيمَانِ وَقُبْحِ الْكُفْرَانِ، أَوْ بِنَظَرِهِ كَحُسْنِ الصِّدْقِ الْمُضِرِّ وَقُبْحِ الْكَذِبِ النَّافِعِ، أَوْ بِالسَّمْعِ كَحُسْنِ الْعِبَادَاتِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا

стр. 79

فَزَعَمَتِ الْأَوَائِلُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِصِفَةٍ مُوجِبَةٍ لِحُسْنِهِ وَقُبْحِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ كَالْجُبَّائِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ وَأَوْجَبَ ذَلِكَ فِي الْقَبِيحِ دُونَ الْحَسَنِ، وَنَشَأَ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِ هَذَا الِاخْتِلَافِ اخْتِلَافٌ فِي الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْنَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، أَوْمَأْنَا إِلَيْهَا وَإِلَى مُنَاقَضَتِهِمْ فِيهَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ. وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحُجَجٍ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْكَذِبُ قَبِيحًا لِذَاتِهِ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: إِنْ بَقِيَتْ سَاعَةٌ أُخْرَى كَذَبْتُ؛ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ مِنْهُ فِي السَّاعَةِ الْأُخْرَى الصِّدْقَ أَوِ الْكَذِبَ، وَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ كَذِبِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَبِيحٌ، وَمَا لَزِمَ مِنْهُ الْقَبِيحُ فَهُوَ قَبِيحٌ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ قُبْحُ الْخَبَرِ الْكَاذِبِ ذَاتِيًّا، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَالْمُقْتَضِي لِقُبْحِهِ: إِمَّا نَفْسُ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَإِمَّا عَدَمُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَإِمَّا مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، وَإِمَّا أَمْرٌ خَارِجٌ. الْأَوَّلُ: يَلْزَمُهُ قُبْحُ ذَلِكَ الْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ عِلَّةً لِلْأَمْرِ الثُّبُوتِيِّ، وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ جُزْءَ عِلَّةِ الْأَمْرِ الثُّبُوتِيِّ، وَالْكُلُّ مُحَالٌ (١) ، وَإِنْ كَانَ الرَّابِعُ فَذَلِكَ الْمُقْتَضِي الْخَارِجُ: إِمَّا لَازِمٌ لِلْخَبَرِ الْمَفْرُوضِ، وَإِمَّا غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِنْ كَانَ لَازِمًا لِنَفْسِ اللَّفْظِ لَزِمَ قُبْحُهُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لِعَدَمِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ أَوْ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ، كَانَ الْعَدَمُ مُؤَثِّرًا فِي الْأَمْرِ الثُّبُوتِيِّ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَادَ التَّقْسِيمُ فِي ذَلِكَ الْخَارِجِ وَهُوَ تَسَلْسُلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمُقْتَضِي

стр. 80

الْخَارِجُ لَازِمًا لِلْخَبَرِ الْكَاذِبِ أَمْكَنَ مُفَارَقَتُهُ لَهُ فَلَا يَكُونُ الْخَبَرُ الْكَاذِبُ قَبِيحًا. (١) الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ الْخَبَرُ الْكَاذِبُ قَبِيحًا لِذَاتِهِ فَالْمُقْتَضِي لَهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ثُبُوتِيًّا ضَرُورَةَ اقْتِضَائِهِ لِلْقُبْحِ الثُّبُوتِيِّ، وَهُوَ إِنْ كَانَ صِفَةً لِمَجْمُوعِ حُرُوفِ الْخَبَرِ فَهُوَ مُحَالٌ ; لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهَا فِي الْوُجُودِ، وَإِنْ كَانَ صِفَةً لِبَعْضِهَا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ أَجْزَاءُ الْخَبَرِ الْكَاذِبِ كَاذِبَةً ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمُقْتَضِي لِقُبْحِ الْخَبَرِ الْكَاذِبِ إِنَّمَا هُوَ الْكَذِبُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ. (٢) الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قُبْحُ الْكَذِبِ وَصْفًا حَقِيقِيًّا لَمَا اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْضَاعِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ حَيْثُ إِنَّ الْخَبَرَ الْكَاذِبَ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ كَذِبًا وَقَبِيحًا بِوَضْعِ الْوَاضِعِ لَهُ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا. الْخَامِسَةُ: لَوْ كَانَ الْكَذِبُ قَبِيحًا لِذَاتِهِ لَمَا كَانَ وَاجِبًا وَلَا حَسَنًا عِنْدَمَا إِذَا اسْتُفِيدَ بِهِ عِصْمَةُ دَمِ نَبِيٍّ عَنْ ظَالِمٍ يَقْصِدُ قَتْلَهُ. السَّادِسَةُ: لَوْ كَانَ الظُّلْمُ قَبِيحًا لِكَوْنِهِ ظُلْمًا لَكَانَ الْمَعْلُولُ مُتَقَدِّمًا عَلَى عِلَّتِهِ ; لَأَنَّ قُبْحَ الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ مَعْلُولٌ لِلظُّلْمِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الظُّلْمِ، وَلِهَذَا لَيْسَ لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَكَانَ الْقُبْحُ مَعَ كَوْنِهِ وَصْفًا ثُبُوتِيًّا ضَرُورَةَ اتِّصَافِ الْعَدَمِ بِنَقِيضِهِ مُعَلَّلًا بِمَا الْعَدَمُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَفْهُومَ الظُّلْمِ أَنَّهُ إِضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، وَلَا اسْتِحْقَاقَ عَدَمٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. السَّابِعَةُ: أَنَّ أَفْعَالَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارَةٍ لَهُ، وَمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا لِذَاتِهِ إِجْمَاعًا، وَبَيَانُ (غَيْرُ مُخْتَارٍ) أَنَّ فِعْلَهُ إِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ لَا يَسَعُهُ تَرْكُهُ، فَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ لَا مُخْتَارَ لَهُ وَإِنْ جَازَ تَرْكُهُ، فَإِنِ افْتَقَرَ فِي فِعْلِهِ إِلَى مُرَجِّحٍ عَادَ التَّقْسِيمُ، وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ وَإِلَّا فَهُوَ اتِّفَاقِيٌّ لَا اخْتِيَارِيٌّ.

стр. 81

وَهَذِهِ الْحُجَجُ ضَعِيفَةٌ أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ صِدْقَهُ فِي السَّاعَةِ الْأُخْرَى حَسَنٌ (١) ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُلَازَمَةِ الْقَبِيحِ لَهُ قُبْحُهُ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا مِنْ جِهَةِ اسْتِلْزَامِهِ لِلْقَبِيحِ، فَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْحُسْنِ إِلَى مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْوُجُوهِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُبَّائِيَّةِ. وَإِنْ قُدِّرَ امْتِنَاعُ ذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِقُبْحِ صِدْقِهِ لِمَا ذَكَرُوهُ وَقُبْحِ كَذِبِهِ لِكَوْنِهِ كَذِبًا. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ مِنَ الْقَوْلِ بِقُبْحِ الْخَبَرِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ زَيْدٍ فِي الدَّارِ، وَالشَّرْطُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ. وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَلِمَا يَلْزَمُهَا مِنِ امْتِنَاعِ اتِّصَافِ الْخَبَرِ بِكَوْنِهِ كَاذِبًا وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَلِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قُبْحُ الْخَبَرِ الْكَاذِبِ مَشْرُوطًا بِالْوَضْعِ وَعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، مَعَ عِلْمِ الْمُخْبَرِ بِهِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا فِي كَوْنِهِ كَذِبًا. وَأَمَّا الْخَامِسَةُ: فَلِأَنَّ الْكَذِبَ فِي الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِخَلَاصِ النَّبِيِّ لِإِمْكَانِ الْإِتْيَانِ بِصُورَةِ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ، أَوْ مَعَ التَّعْرِيضِ وَقَصْدِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا لَهُ كَانَ قَبِيحًا، وَإِنْ قُدِّرَ تَعْيِينُهُ فَالْحَسَنُ وَالْوَاجِبُ مَا لَازَمَهُ مِنْ تَخْلِيصِ النَّبِيِّ لَا نَفْسُ الْكَذِبِ، وَاللَّازِمُ غَيْرُ الْمَلْزُومِ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِهِ مَعَ قُبْحِهِ وَلَا يَحْرُمُ شَرْعًا لِتَرَجُّحِ الْمَانِعِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا السَّادِسَةُ: فَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ مَنْعُ تَقَدُّمِ قُبْحِ الظُّلْمِ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ صِفَةً لَهُ، بَلِ الْمُتَقَدِّمُ إِنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ عَلَى مَا سَيُوجَدُ مِنَ الظُّلْمِ بِكَوْنِهِ قَبِيحًا شَرْعًا وَعُرْفًا، وَأَمْكَنَ مَنْعُ تَعْلِيلِ الْقُبْحِ بِالْعَدَمِ. وَعَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لِلظُّلْمِ فَلَا

стр. 82

يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِهِ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عِلَّةَ الْقُبْحِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ، وَالْعَدَمُ شَرْطُهُ. وَأَمَّا السَّابِعَةُ: فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ تَعَالَى مُضْطَرًّا إِلَى أَفْعَالِهِ غَيْرَ مُخْتَارٍ فِيهَا لِتَحَقُّقِ عَيْنِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْقِسْمَةِ فِي أَفْعَالِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَيَلْزَمُ أَيْضًا مِنْهَا امْتِنَاعُ الْحُكْمِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَالْجَوَابُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا. (١) وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا لِذَاتِهِ فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَوْنِهِ قَبِيحًا وَحَسَنًا لَيْسَ هُوَ نَفْسَ ذَاتِ الْفِعْلِ، وَإِلَّا كَانَ مَنْ عَلِمَ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ عَالِمًا بِحُسْنِهِ وَقُبْحِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ وَيَتَوَقَّفَ الْعِلْمُ بِحُسْنِهِ وَقُبْحِهِ عَلَى النَّظَرِ، كَحُسْنِ الصِّدْقِ الضَّارِّ وَقُبْحِ الْكَذِبِ النَّافِعِ، وَإِنْ كَانَ مَفْهُومُهُ زَائِدًا عَلَى مَفْهُومِ الْفِعْلِ الْمَوْصُوفِ بِهِ فَهُوَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ ; لِأَنَّ نَقِيضَهُ وَهُوَ لَا حُسْنَ وَلَا قُبْحَ صِفَةٌ لِلْعَدَمِ الْمَحْضِ فَكَانَ عَدَمِيًّا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وُجُودِيًّا وَهُوَ قَائِمٌ بِالْفِعْلِ لِكَوْنِهِ صِفَةً لَهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ وَهُوَ مُحَالٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَضَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْعَرَضِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِالْجَوْهَرِ أَوْ بِمَا هُوَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ قَائِمٌ بِالْجَوْهَرِ، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ الْمُمْتَنِعِ. وَقِيَامُ الْعَرَضِ بِالْجَوْهَرِ لَا مَعْنًى لَهُ غَيْرَ وُجُودِهِ فِي حَيْثِ الْجَوْهَرِ، تَبَعًا لَهُ فِيهِ. وَقِيَامُ أَحَدِ الْعَرَضَيْنِ بِالْآخَرِ لَا مَعْنًى لَهُ سِوَى أَنَّهُ فِي حَيْثُ الْعَرَضِ الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ قَائِمٌ بِهِ، وَحَيْثُ ذَلِكَ الْعَرَضُ هُوَ حَيْثُ الْجَوْهَرِ فَهُمَا فِي حَيْثِ الْجَوْهَرِ وَقَائِمَانِ بِهِ، وَلَا مَعْنًى لِقِيَامِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ قِيَامُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مَشْرُوطًا بِقِيَامِ الْعَرَضِ الْآخَرِ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ يَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ اتِّصَافِ الْفِعْلِ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا وَمَعْلُومًا وَمَقْدُورًا وَمَذْكُورًا، وَهُوَ مُحَالٌ. ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَدْلُولِهِ. وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ وَالْإِلْزَامِ: أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 83

الْأَوَّلُ: اتِّفَاقُ الْعُقَلَاءِ عَلَى حُسْنِ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الْكَذِبِ الْمُضِرِّ، وَكَذَلِكَ حُسْنُ الْإِيمَانِ وَقُبْحُ الْكُفْرَانِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ حَالَةٍ تُقَدَّرُ مِنْ عُرْفٍ أَوْ شَرِيعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَكَانَ ذَاتِيًّا وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ. الثَّانِي: إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَنِ اسْتَوَى فِي تَحْصِيلِ غَرَضِهِ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ وَقُطِعَ النَّظَرُ فِي حَقِّهِ عَنِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالشَّرَائِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّهُ يَمِيلُ إِلَى الصِّدْقِ وَيُؤْثِرُهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِحُسْنِهِ فِي نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ رَأَى شَخْصًا مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِنْقَاذِهِ فَإِنَّهُ يَمِيلُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّعُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ حُصُولَ غَرَضٍ دُنْيَاوِيٍّ وَلَا أُخْرَوِيٍّ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ يَتَضَرَّرُ بِالتَّعَبِ وَالتَّعَنِّي، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِحُسْنِهِ فِي ذَاتِهِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْإِلْزَامِ: فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّمْعُ وَوُرُودُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هُوَ مَدْرَكَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ ; لَمَا فَرَّقَ الْعَاقِلُ بَيْنَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَسَاءَ، وَلَمَا كَانَ فِعْلُ اللَّهِ حَسَنًا قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، وَلَجَازَ مِنَ اللَّهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالنَّهْيُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَلَجَازَ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَذَّابِ، وَلَامْتَنَعَ الْحُكْمُ بِقُبْحِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، وَلَكَانَ الْوُجُوبُ أَيْضًا مُتَوَقِّفًا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِفْحَامُ الرُّسُلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ إِذَا بُعِثَ وَادَّعَى الرِّسَالَةَ وَدَعَا إِلَى النَّظَرِ فِي مُعْجِزَتِهِ، فَلِلْمَدْعُوِّ أَنْ يَقُولَ: لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ النَّظَرُ. وَوُجُوبُ النَّظَرِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ فِي مُعْجِزَتِكَ وَهُوَ دَوْرٌ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ فَأُمُورٌ تَقْدِيرِيَّةٌ، فَمَفْهُومُ نَقَائِضِهَا سَلْبُ التَّقْدِيرِ، وَالْأُمُورُ الْمُقَدَّرَةُ لَيْسَتْ مِنَ الصِّفَاتِ الْعَرَضِيَّةِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ. (١) فَإِنْ قِيلَ مِثْلُهُ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ لِلذَّاتِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى بِمَنْعِ إِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ عَلَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِيمَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّ مِنَ الْعُقَلَاءِ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، كَبَعْضِ الْمَلَاحِدَةِ (٢) ، وَنَحْنُ أَيْضًا

стр. 84

لَا نُوَافِقُ عَلَى قُبْحِ إِيلَامِ الْبَهَائِمِ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ وَلَا غَرَضٍ (١) ، وَهُوَ مِنْ صُوَرِ النِّزَاعِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيًّا، وَإِلَّا لَمَا خَالَفَ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ عَادَةً (٢) ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا ضَرُورَةً فَلَا يَلْزَمُ مِنْ (٣) أَنْ يَكُونَ ذَاتِيًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنْ أَمْرٍ خَارِجٍ (٤) ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى مَا يَأْتِي. وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَلَوْ بِوَجْهٍ، أَوْ لَا يُقَالُ بِهِ. وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُهُ إِبْطَالُ الِاسْتِدْلَالِ، وَالثَّانِي يُمْنَعُ مَعَهُ إِيثَارُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ. وَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ مَيْلُهُ إِلَى الْإِنْقَاذِ لِتَحَقُّقِ أَمْرٍ خَارِجٍ فَالِاسْتِدْلَالُ بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَيْلُ إِلَى الْإِنْقَاذِ لَا يَكُونُ مُسَلَّمًا، وَإِنْ سُلِّمَ دَلَالَةُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ فَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ إِلَّا بِطُرُقِ قِيَاسِهِ عَلَى الشَّاهِدِ، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ. ثُمَّ كَيْفَ يُقَاسُ وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى التَّفْرِقَةِ بِتَقْبِيحِ تَمْكِينِ السَّيِّدِ لِعَبِيدِهِ مِنَ الْفَوَاحِشِ، مَعَ الْعِلْمِ بِهِمْ وَالْقُدْرَةِ عَلَى مَنْعِهِمْ دُونَ تَقْبِيحِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقْبُحْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى مَنْعِ الْخَلْقِ مِنَ الْمَعَاصِي ; وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَقَعُ مِنَ الْعَبْدِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ وُقُوعُهَا مَعْلُومًا لِلرَّبِّ، وَإِلَّا كَانَ جَاهِلًا بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَمَنْعُ الرَّبِّ تَعَالَى مِنْ وُقُوعِ مَا هُوَ مَعْلُومُ الْوُقُوعِ لَهُ لَا يَكُونُ مَقْدُورًا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ النَّظَّامُ. قُلْنَا: فَمَا قِيلَ فَهُوَ بِعَيْنِهِ لَازِمٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّيِّدِ، وَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ السَّيِّدُ قَيْدًا عَلَى الْمَنْعِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْفَرْقُ وَاقِعٌ.

стр. 85

وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِلْزَامِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَفْهُومَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِمَعْنَى مُوَافَقَةِ الْغَرَضِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَبِمَعْنَى مَا لِلْفَاعِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ مُتَحَقِّقٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، لَا بِالْمَعْنَى الذَّاتِيِّ. (١) وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ حَسَنٌ، بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ فِعْلَهُ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ لَا مَعْنًى لِلطَّاعَةِ عِنْدَنَا إِلَّا مَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ، وَلَا مَعْنًى لِلْمَعْصِيَةِ إِلَّا مَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَمْتَنِعُ وُرُودُ الْأَمْرِ بِمَا كَانَ مَنْهِيًّا وَالنَّهْيِ بِمَا كَانَ مَأْمُورًا. وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِامْتِنَاعِ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَةَ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ مَدْرَكٌ سِوَى الْقُبْحِ الذَّاتِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَبِهِ انْدِفَاعُ الْإِلْزَام الْخَامِس أَيْضًا. وَعَنِ السَّادِسِ مَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَهَا، وَإِذَا بَطَلَ مَعْنَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الذَّاتِيِّ لَزِمَ مِنْهُ امْتِنَاعُ وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا، وَامْتِنَاعُ حُكْمٍ عَقْلِيٍّ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ ; إِذْ هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى ذَلِكَ. غَيْرَ أَنَّ عَادَةَ الْأُصُولِيِّينَ جَارِيَةٌ لِفَرْضِ الْكَلَامِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ إِظْهَارًا لِمَا يَخْتَصُّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ وَالْمُنَاقَضَاتِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ سَمْعًا لَا عَقْلًا] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ سَمْعًا لَا عَقْلًا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي الْوُجُوبِ الْعَقْلِيِّ، احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى امْتِنَاعِ إِيجَابِ الْعَقْلِ لِذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْعَقْلُ مُوجِبًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُوجِبَ لِفَائِدَةٍ، وَإِلَّا كَانَ إِيجَابُهُ عَبَثًا وَهُوَ قَبِيحٌ، وَيَمْتَنِعُ عَوْدُ الْفَائِدَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِتَعَالِيهِ عَنْهَا وَإِنْ عَادَتْ إِلَى الْعَبْدِ، فَإِمَّا أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْأُخْرَى. الْأَوَّلُ مُحَالٌ، فَإِنَّ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْخُصُومِ لَيْسَ هُوَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ الشُّكْرَ فَرْعُ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِتْعَابِ النَّفْسِ وَإِلْزَامِ الْمَشَقَّةِ لَهَا

стр. 86

بِتَكْلِيفِهَا تَجَنُّبِ الْمُسْتَقْبَحَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَفِعْلِ الْمُسْتَحْسَنَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ فَرْعُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ (١) فَلَمْ يَبْقَ سِوَى التَّعَبِ وَالْعَنَاءِ الْمَحْضِ الَّذِي لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ. (٢) وَالثَّانِي مُحَالٌ ; لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْعَقْلِ بِمَعْرِفَةِ الْفَائِدَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ دُونَ إِخْبَارِ الشَّارِعِ بِهَا وَلَا إِخْبَارَ (٣) ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا مَعْنًى لِكَوْنِ الشَّيْءِ وَاجِبًا سِوَى تَرَجُّحِ فِعْلِهِ عَلَى تَرْكِهِ، وَبِالْعَقْلِ يَعْرِفُ التَّرْجِيحَ لَا أَنَّهُ مُرَجِّحٌ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا إِذِ الْمُوجِبُ هُوَ الْمُرَجِّحُ (٤) ، وَإِذَا بَطَلَ الْإِيجَابُ الْعَقْلِيُّ تَعَيَّنَ الْإِيجَابُ الشَّرْعِيُّ ضَرُورَةَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى حَصْرِ الْوُجُوبِ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، فَإِذَا بَطَلَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ تَعَيَّنَ الثَّانِي مِنْهُمَا. فَإِنْ قِيلَ: شُكْرُ الْمُنْعِمِ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ ضَرُورَةً فَمَا ذَكَرْتُمُوهُ اسْتِدْلَالٌ عَلَى إِبْطَالِ أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ فَلَا يُقْبَلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّ إِيجَابَ الْعَقْلِ لِلشُّكْرِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ. قَوْلُكُمْ: " حَتَّى لَا يَكُونَ عَبَثًا قَبِيحًا " فَهَذَا مِنْكُمْ لَا يَسْتَقِيمُ مَعَ إِنْكَارِ الْقُبْحِ الْعَقْلِيِّ، كَيْفَ وَإِنَّ تِلْكَ الْفَائِدَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةَ التَّحْصِيلِ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةَ التَّحْصِيلِ اسْتَدْعَتْ فَائِدَةً أُخْرَى وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ.

стр. 87

وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً فَمَا يُوجِبُهُ الْعَقْلُ بِهَا (١) أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا. وَإِنْ كَانَ لِفَائِدَةٍ فَمَا الْمَانِعُ أَنْ تَكُونَ الْفَائِدَةُ فِي الشُّكْرِ نَفْسَ الشُّكْرِ لَا أَمْرًا خَارِجًا عَنْهُ، كَمَا أَنَّ تَحْصِيلَ الْمَصْلَحَةِ وَدَفْعَ الْمَفْسَدَةِ عَنِ النَّفْسِ مَطْلُوبٌ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ فَائِدَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ كَوْنِ الشُّكْرِ شُكْرًا فَمَا الْمَانِعُ أَنْ تَكُونَ الْفَائِدَةُ الْأَمْنَ مِنِ احْتِمَالِ الْعِقَابِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الشُّكْرِ عَلَى مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ ; إِذْ هُوَ مُحْتَمَلٌ وَلَا يَخْلُو الْعَاقِلُ عَنْ خُطُورِ هَذَا بِبَالِهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ، وَإِنْ سُلِّمَ دَلَالَةُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى امْتِنَاعِ الْإِيجَابِ الْعَقْلِيِّ لَكِنَّهُ بِعَيْنِهِ دَالٌّ عَلَى امْتِنَاعِ الْإِيجَابِ الشَّرْعِيِّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَاكَ (٢) يَكُونُ مُشْتَرَكًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. وَلَكِنْ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِيجَابِ الْعَقْلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْعَقْلُ مُوجِبًا لَانْحَصَرَتْ مَدَارِكُ الْوُجُوبِ فِي الشَّرْعِ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ مِنْ إِفْحَامِ الرُّسُلِ وَإِبْطَالِ مَقْصُودِ الْبَعْثَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ إِذَا ادَّعَى وَتَحَدَّى بِالْمُعْجِزَةِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا لِظُهُورِ صِدْقِهِ، فَلِلْمَدْعُوِّ أَنْ يَقُولَ: لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ وَاجِبًا عَلَيَّ شَرْعًا، وَوُجُوبُ النَّظَرِ شَرْعًا مُتَوَقِّفٌ عَلَى اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ. وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ (٣) بِمَا ذَكَرُوهُ عَقْلًا ; إِذْ هُوَ دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ وَإِنْ سُلِّمَ ذَلِكَ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِالشُّكْرِ وَيَتَضَرَّرُ بِعَدَمِهِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ فَلَا. (٤) قَوْلُهُمْ: لِمَ قُلْتُمْ بِرِعَايَةِ الْفَائِدَةِ؟ قُلْنَا: لِمَا ذَكَرْنَاهُ. قَوْلُهُمْ: هَذَا مِنْكُمْ لَا يَسْتَقِيمُ. قُلْنَا: إِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِلْزَامِ لِلْخَصْمِ لِكَوْنِهِ قَائِلًا بِهِ، وَبِهِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ فِي إِبْطَالِ رِعَايَةِ الْفَائِدَةِ، كَيْفَ وَقَدْ أَمْكَنَ

стр. 88

أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِ تَحْصِيلِ الْحِكْمَةِ لِحِكْمَةٍ هِيَ نَفْسُهَا كَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ عَنِ النَّفْسِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي فِعْلِ الشُّكْرِ، فَإِنَّ نَفْسَ الْفِعْلِ لَيْسَ هُوَ الْحِكْمَةَ الْمَطْلُوبَةَ مِنْ إِيجَادِهِ، وَلَوْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْفَائِدَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ إِيجَادِهِ بَقِيَ التَّقْسِيمُ بِحَالِهِ. قَوْلُهُمْ: مَا الْمَانِعُ أَنَّ الْفَائِدَةَ هِيَ الْأَمْنُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى امْتِنَاعِ خُلُوِّ الْعَاقِلِ عَنْ خُطُورِ مَا ذَكَرُوهُ مَنَ الِاحْتِمَالِ بِبَالِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ شَاهِدًا، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ، فَمَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِاحْتِمَالِ خُطُورِ الْعِقَابِ بِبَالِهِ عَلَى شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِتْعَابِهِ لِنَفْسِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِيهَا، مَعَ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ إِذْنِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَرْجِعُ إِلَيْهِ (١) وَلَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ هَذَا رَاجِحًا، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْعُقُولِ أَنَّ مَنْ أَخَذَ فِي التَّقَرُّبِ وَالْخِدْمَةِ إِلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ الْعُظَمَاءِ بِتَحْرِيكِ أُنْمُلَتِهِ فِي كَسْرِ بَيْتِهِ، وَإِظْهَارِ شُكْرِهِ بَيْنَ الْعِبَادِ فِي الْبِلَادِ عَلَى إِعْطَائِهِ لُقْمَةً مَعَ اسْتِغْنَائِهِ وَاسْتِغْنَاءِ الْمَلِكِ عَنْهَا، فَإِنَّهُ يُعَدُّ مُسْتَهْزِئًا بِذَلِكَ الْمَلِكِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ عَلَى صُنْعِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ شُكْرَ الشَّاكِرِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ تَحْرِيكِ الْأُنْمُلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِ الْمَلِكِ، وَأَنَّ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْعَبِيدِ لِعَدَمِ تَنَاهِي مُلْكِهِ وَتَنَاهِي مُلْكِ غَيْرِهِ دُونَ تِلْكَ اللُّقْمَةِ، فَكَانَ الْمُتَعَاطِي لِخِدْمَةِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ بِهِ أَوْلَى بِالذَّمِّ وَاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ، وَلَوْلَا وُرُودُ الشَّرْعِ بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنَ الْعَبِيدِ وَحَثِّهِمْ عَلَيْهِ لَمَا وَقَعَ (٢) الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ. وَمَا يُقَالُ مِنْ حَالِ (٣) الْمُشْتَغِلِ بِالشُّكْرِ وَالْخِدْمَةِ أَرْجَى حَالًا مِنَ الْمُعْرِضِ عَنْ ذَلِكَ عُرْفًا فَكَانَ أَوْلَى، فَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي حَقِّ مَنْ يَنْتَفِعُ بِالْخِدْمَةِ وَالشُّكْرِ وَيَتَضَرَّرُ بِعَدَمِهِمَا، وَالْبَارِي تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَطَّرِدُ مَا ذَكَرُوهُ فِي حَقِّهِ. (٤)

стр. 89

قَوْلُهُمْ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَازِمٌ عَلَيْكُمْ فِي الْإِيجَابِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْفَائِدَةَ الْأُخْرَوِيَّةَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ الْعَاقِلُ بِمَعْرِفَتِهَا فَاللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِهَا، كَيْفَ وَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنَّا أَنْ لَوِ اعْتَبَرْنَا الْحِكْمَةَ فِي الْإِيجَابِ الشَّرْعِيِّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا. (١) وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ إِفْحَامِ الرُّسُلِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: مَنْعُ تَوَقُّفِ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ عَلَى نَظَرِ الْمَدْعُوِّ فِي الْمُعْجِزَةِ، بَلْ مَهْمَا ظَهَرَتِ الْمُعْجِزَةُ فِي نَفْسِهَا وَكَانَ صِدْقُ النَّبِيِّ فِيمَا ادَّعَاهُ مُمْكِنًا وَكَانَ الْمَدْعُوُّ عَاقِلًا مُتَمَكِّنًا مِنَ النَّظَرِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَقَدِ اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ وَثَبَتَ، وَالْمَدْعُوُّ مُفَرِّطٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ. الثَّانِي: إِنَّ الدَّوْرَ لَازِمٌ عَلَى الْقَائِلِ بِالْإِيجَابِ الْعَقْلِيِّ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ بِجَوْهَرِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ دُونَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَإِلَّا لَمَا خَلَا عَاقِلٌ عَنْ ذَلِكَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلِلْمَدْعُوِّ أَنْ يَقُولَ: لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى أَعْرِفَ وُجُوبَ النَّظَرِ، وَلَا أَعْرِفُ وُجُوبَ النَّظَرِ حَتَّى أَنْظُرَ، وَهُوَ دَوْرٌ مُفْحِمٌ. وَالْجَوَابُ إِذْ ذَاكَ يَكُونُ وَاحِدًا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ لَا حُكْمَ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَأَهْلِ الْحَقِّ: أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا الْأَفْعَالَ الْخَارِجَةَ عَنِ الْأَفْعَالِ الِاضْطِرَارِيَّةِ إِلَى مَا حَسَّنَهُ الْعَقْلُ، وَإِلَى مَا قَبَّحَهُ، وَإِلَى مَا لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ. فَمَا حَسَّنَهُ الْعَقْلُ: إِنِ اسْتَوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ سَمَّوْهُ مُبَاحًا، وَإِنْ تَرَجَّحَ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ فَإِنْ لَحِقَ الذَّمُّ بِتَرْكِهِ سَمَّوْهُ وَاجِبًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ كَالْإِيمَانِ أَوْ لِغَيْرِهِ كَالنَّظَرِ الْمُفْضِي إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقِ الذَّمُّ بِتَرْكِهِ سَمَّوْهُ مَنْدُوبًا. وَمَا قَبَّحَهُ الْعَقْلُ: فَإِنِ الْتَحَقَ الذَّمُّ بِفِعْلِهِ سَمَّوْهُ

стр. 90

حَرَامًا وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ، وَمَا لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ حَظَرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ عَنِ الْأَمْرَيْنِ. احْتَجَّتِ الْأَشَاعِرَةُ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ: أَمَّا الْمَنْقُولُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ أَمَّنَ مِنَ الْعَذَابِ قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَإِلَّا لَمَا أَمَّنَ مِنَ الْعَذَابِ بِتَقْدِيرِ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمِ ; إِذْ هُوَ لَازِمٌ لَهُمَا. وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وَمَفْهُومُهُ يَدُلُّ عَلَى الِاحْتِجَاجِ (١) قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الْمُوجِبِ وَالْمُحَرِّمِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ: فَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ إِمَّا بِالشَّرْعِ أَوْ بِالْعَقْلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا شَرْعَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَالْعَقْلُ غَيْرُ مُوجِبٍ وَلَا مُحَرِّمٍ لِمَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَا حُكْمَ. (٢) فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْعَذَابُ مِنْ لَوَازِمِ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ انْفِكَاكُهُ عَنْهُمَا بِنَاءً عَلَى عَفْوٍ أَوْ شَفَاعَةٍ، فَنَفْيُهُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُهُمَا. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُمَا لَكِنْ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَا قَبْلَهُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ نَفْيُهُمَا مِنْ نَفْيِهِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُمَا، لَكِنَّهُ لَازِمٌ لِلْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَعَلَى هَذَا فَاللَّازِمُ مِنْ نَفْيِهِ قَبْلَ الشَّرْعِ نَفْيُ الْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ شَرْعًا لَا عَقْلًا. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْإِبَاحَةِ وَالْوَقْفِ لِعَدَمِ مُلَازَمَةِ الْعَذَابِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.

стр. 91

وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى، وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَ الْمَفْهُومِ حُجَّةً فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى بِعَيْنِهِ وَارِدٌ هَاهُنَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْمَعْقُولِ فَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ. كَيْفَ وَأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ حُكْمٌ بِنَفْيِ الْحُكْمِ فَكَانَ مُتَنَاقِضًا. وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: أَنَّ وُقُوعَ الْعَذَابِ بِالْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمِ فَلَازِمُهُ عَدَمُ الْأَمْنِ مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ دُونَهُ. وَهَذَا اللَّازِمُ مُنْتَفٍ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَلَا مَلْزُومَ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ السُّؤَالِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ. وَالتَّمَسُّكُ بِالْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ قَبْلُ لَا غَيْرُ، وَنَفْيُ مَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ، وَبِهِ انْدَفَعَ السُّؤَالُ الرَّابِعُ. (١) وَمَا ذَكَرُوهُ عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ فَقَدْ سَبَقَ أَيْضًا جَوَابُهُ، وَنَفْيُ الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ حُكْمًا غَيْرَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ لَيْسَ هُوَ الْحُكْمَ مُطْلَقًا لِيَلْزَمَ التَّنَاقُضُ، بَلْ نَفْيُ مَا أَثْبَتُوهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا تَنَاقُضَ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ إِنْ فَسَّرُوهَا بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي صِحَّةِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْإِبَاحَةِ بِإِزَائِهِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْإِبَاحَةِ عَلَى أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ تَحَقُّقٍ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهَا، وَإِنْ فَسَّرُوهَا بِتَخْيِيرِ الْفَاعِلِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّخْيِيرُ لِلْفَاعِلِ مِنْ نَفْسِهِ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَيَلْزَمُ مِنْهُ تَسْمِيَةُ أَفْعَالِ اللَّهِ مُبَاحَةً لِتَحَقُّقٍ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِالْإِجْمَاعِ. . وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْمُخَيِّرُ إِمَّا الشَّرْعُ وَإِمَّا الْعَقْل بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا شَرْعَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَتَخْيِيرُ الْعَقْلِ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا اسْتَوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْحَسَنَةِ عَقْلًا، أَوْ فِيمَا لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، وَهُوَ فَرْعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيِّ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ (٢) ، وَإِنْ فَسَّرُوهُ بِأَمْرٍ آخَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ.

стр. 92

فَإِنْ قِيلَ: الْمُبَاحُ هُوَ الْمَأْذُونُ فِي فِعْلِهِ، وَقَدْ وَرَدَ دَلِيلُ الْإِذْنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ تَرِدْ صُورَةُ الْإِذْنِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الطُّعُومَ فِي الْمَأْكُولَاتِ وَالذَّوْقَ فِينَا، وَأَقْدَرَنَا عَلَيْهَا، وَعَرَّفَنَا بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّهَا نَافِعَةٌ لَنَا غَيْرُ مُضِرَّةٍ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَهُوَ دَلِيلُ الْإِذْنِ مِنْهُ لَنَا فِي ذَلِكَ، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ قَدَّمَ إِنْسَانٌ طَعَامًا بَيْنَ يَدَيْ إِنْسَانٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنَّ الْعُقَلَاءَ يَقْضُونَ بِكَوْنِهِ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ. الثَّانِي: أَنَّ خَلْقَهُ لِلطُّعُومِ فِي الْأَجْسَامِ مَعَ إِمْكَانٍ أَلَّا يَخْلُقَهَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَائِدَةٍ نَفْيًا لِلْعَبَثِ عَنْهُ، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْفَائِدَةُ عَائِدَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِتَعَالِيهِ عَنْهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ عَوْدِهَا إِلَى الْعَبْدِ، وَلَيْسَتْ هِيَ الْإِضْرَارَ وَلَا مَا هُوَ خَارِجٌ عَنِ الْإِضْرَارِ وَالِانْتِفَاعِ ; إِذْ هُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَكَانَتْ فَائِدَتُهَا الِانْتِفَاعَ بِهَا وَهُوَ دَلِيلُ الْإِذْنِ فِي إِدْرَاكِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِجِهَةِ الِالْتِذَاذِ بِهَا وَتَقْوِيمِ الْبِنْيَةِ، أَوْ بِجِهَةِ تَجَنُّبِهَا لِنَيْلِ الثَّوَابِ، أَوِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى إِدْرَاكِهَا وَاحْتِمَالِ وُجُودِ مَفْسَدَةٍ فِيهِ مَعَ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنَ الْإِذْنِ وَالْحُكْمِ بِالْإِبَاحَةِ، بِدَلِيلِ الِاسْتِضَاءَةِ بِسِرَاجِ الْغَيْرِ وَالِاسْتِظْلَالِ بِحَائِطِهِ. وَقُلْنَا: أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَمَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَمْنُوعٌ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا (١) ، ثُمَّ إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ فَإِبَاحَتُهُ شَرْعِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ. (٢) وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ، إِنْ عَنَوْا بِهِ تَوَقُّفَ الْحُكْمِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى وُروُدِ السَّمْعِ فَحَقٌّ، وَإِنْ عَنَوْا بِهِ الْإِحْجَامَ عَنِ الْحُكْمِ بِالْوُجُوبِ أَوِ الْحَظْرِ أَوِ الْإِبَاحَةِ لِتَعَارُضِ أَدِلَّتِهَا فَفَاسِدٌ لِمَا سَبَقَ.

стр. 93

[الْأَصْلُ الثَّانِي فِي حَقِيقَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَأَقْسَامِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ] [مُقَدَّمَةُ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَأَقْسَامِهِ] الْأَصْلُ الثَّانِي فِي حَقِيقَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَأَقْسَامِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدَّمَةٍ وَسِتَّةِ فُصُولٍ. أَمَّا الْمُقَدَّمَةُ، فَفِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَأَقْسَامِهِ. أَمَّا حَقِيقَتُهُ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ خِطَابِ الشَّارِعِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ خِطَابِ الشَّارِعِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَهُمَا فَاسِدَانِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خِطَابُ الشَّارِعِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْعِبَادِ، وَلَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا بِالِاتِّفَاقِ. (١) وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ خِطَابِ الشَّارِعِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ، وَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ أَنْوَاعِ الْأَدِلَّةِ حُجَجًا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالْمِلْكِ وَالْعِصْمَةِ وَنَحْوُهُ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ عَلَى مَا قِيلَ. (٢) وَالْوَاجِبُ أَنْ نَعْرِفَ مَعْنَى الْخِطَابِ أَوَّلًا ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ فَنَقُولُ: قَدْ قِيلَ فِيهِ: " هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يَفْهَمُ الْمُسْتَمِعُ مِنْهُ شَيْئًا " وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْكَلَامُ الَّذِي لَمْ يَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ إِفْهَامَ الْمُسْتَمِعِ، فَإِنَّهُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِّ وَلَيْسَ خِطَابًا. وَالْحَقُّ أَنَّهُ " اللَّفْظُ الْمُتَوَاضَعُ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ بِهِ إِفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِفَهْمِهِ ". (فَاللَّفْظُ) احْتِرَازٌ عَمَّا وَقَعَتِ الْمُوَاضَعَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالْإِشَارَاتِ الْمُفْهِمَةِ. و (الْمُتَوَاضَعُ عَلَيْهِ) احْتِرَازٌ عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُهْمَلَةِ. وَ (الْمَقْصُودُ بِهَا الْإِفْهَامُ) احْتِرَازٌ عَمَّا وَرَدَ عَلَى الْحَدِّ الْأَوَّلِ.

стр. 94

وَقَوْلُنَا: (لِمَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِفَهْمِهِ) احْتِرَازٌ عَنِ الْكَلَامِ لِمَنْ لَا يَفْهَمُ كَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ. وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْخِطَابِ فَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَنَّهُ " خِطَابُ الشَّارِعِ الْمُفِيدُ فَائِدَةً شَرْعِيَّةً ". فَقَوْلُنَا: (خِطَابُ الشَّارِعِ) احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِهِ، وَالْقَيْدُ الثَّانِي احْتِرَازٌ عَنْ خِطَابِهِ بِمَا لَا يُفِيدُ فَائِدَةً شَرْعِيَّةً، كَالْإِخْبَارِ عَنِ الْمَعْقُولَاتِ وَالْمَحْسُوسَاتِ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِخِطَابِ (١) الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ أَوْ لَا يَكُونُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالطَّلَبُ إِمَّا لِلْفِعْلِ أَوْ لِلتَّرْكِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِمَّا جَازِمٌ أَوْ غَيْرُ جَازِمٍ. فَمَا تَعَلَّقَ بِالطَّلَبِ الْجَازِمِ لِلْفِعْلِ فَهُوَ الْوُجُوبُ، وَمَا تَعَلَّقَ بِالطَّلَبِ الْجَازِمِ لِلتَّرْكِ فَهُوَ الْحُرْمَةُ، وَمَا تَعَلَّقَ بِغَيْرِ الْجَازِمِ فَهُوَ الْكَرَاهَةُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِخِطَابِ (٢) الِاقْتِضَاءِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِخِطَابِ (٣) التَّخْيِيرِ أَوْ غَيْرِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ الْإِبَاحَةُ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَهُوَ الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ كَالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ وَنَصْبُ الشَّيْءِ سَبَبًا أَوْ مَانِعًا أَوْ شَرْطًا، وَكَوْنُ الْفِعْلِ عِبَادَةً وَقَضَاءً وَأَدَاءً وَعَزِيمَةً وَرُخْصَةً إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَلْنَرْسُمْ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا فَصْلًا، وَهِيَ سِتَّةُ فُصُولٍ:

стр. 95

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَةِ الْوُجُوبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هَلِ الْفَرْضُ غَيْرُ الْوَاجِبِ أَوْ هُوَ هُوَ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَةِ الْوُجُوبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ أَمَّا حَقِيقَةُ الْوُجُوبِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي اللُّغَةِ قَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى السُّقُوطِ وَمِنْهُ يُقَالُ: وَجَبَتِ الشَّمْسُ: إِذَا سَقَطَتْ، وَوَجَبَ الْحَائِطُ: إِذَا سَقَطَ. وَقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇: " «إِذَا وَجَبَ الْمَرِيضُ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ» " (١) أَيِ اسْتَقَرَّ وَزَالَ عَنْهُ التَّزَلْزُلُ وَالِاضْطِرَابُ. وَأَمَّا فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ فَقَدْ قِيلَ: " هُوَ مَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ " وَهُوَ إِنْ أُرِيدَ (بِالِاسْتِحْقَاقِ) مَا يَسْتَدْعِي مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَبَاطِلٌ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ لَكَانَ ذَلِكَ مُلَائِمًا لِنَظَرِ الشَّارِعِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقِيلَ: هُوَ (مَا تُوُعِّدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ) وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ التَّوَعُّدَ بِالْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ خَبَرٌ، وَلَوْ وَرَدَ لَتَحَقَّقَ الْعِقَابُ بِتَقْدِيرِ التُّرْكِ لِاسْتِحَالَةِ الْخُلْفِ فِي خَبَرِ الصَّادِقِ (٢) ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ يُعَدُّ كَرْمًا وَفَضِيلَةً لِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ (الَّذِي يُخَافُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ) وَيَبْطُلُ بِالْمَشْكُوكِ فِي وُجُوبِهِ، كَيْفَ وَإِنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ لَيْسَتْ حَدًّا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ الْوُجُوبُ بَلْ لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ.

стр. 96

وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ عِبَارَةٌ عَنِ خِطَابِ الشَّارِعِ بِمَا يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ شَرْعًا فِي حَالَةٍ مَا، فَالْقَيْدُ الْأَوَّلُ احْتِرَازٌ عَنْ خِطَابِ غَيْرِ الشَّارِعِ، وَالثَّانِي احْتِرَازٌ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ، وَالثَّالِثُ (١) احْتِرَازٌ عَنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلذَّمِّ بِتَقْدِيرِ إِخْلَاءِ جَمِيعِ الْوَقْتِ عَنْهُ، وَإِخْلَاءِ أَوَّلِ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَهُ، وَعَنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ الْمُخَيِّر، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلذَّمِّ بِتَقْدِيرِ تَرْكِ الْبَدَلِ، وَلَيْسَ سَبَبًا لَهُ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ الْبَدَلِ. وَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْأَذَانَ وَصَلَاةَ الْعِيدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَاتَّفَقَ أَهْلُ بَلْدَةٍ عَلَى تَرْكِهِ، قُوتِلُوا. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ سُنَّةٌ، فَلَا. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا بُدَّ فِي الْوُجُوبِ مِنْ تَرْجِيحِ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الذَّمِّ أَوِ الثَّوَابِ الْخَاصِّ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا تَحَقُّقَ لِلْوُجُوبِ مَعَ تَسَاوِي طَرَفَيِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي الْغَرَضِ، وَرُبَّمَا أَشَارَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى خِلَافِهِ. وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَهِيَ سَبْعٌ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هَلِ الْفَرْضُ غَيْرُ الْوَاجِبِ، أَوْ هُوَ هُوَ؟ أَمَّا فِي اللُّغَةِ، فَالْوَاجِبُ هُوَ السَّاقِطُ وَالثَّابِتُ كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ. وَأَمَّا الْفَرْضُ، فَقَدْ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فَرَضَتَا الْقَوْسِ؛ لِلْحَزَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي سِيَتَيْهِ مَوْضِعَ الْوَتَرِ، وَفَرَضَةُ النَّهْرِ وَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِ السُّفُنِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فَرَضَ الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ، أَيْ قَدَّرَهَا. وَقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْإِنْزَالِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أَيْ أَنْزَلَ.

стр. 97

وَقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْحِلِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أَيْ أَحَلَّ لَهُ. (١) وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ; إِذِ الْوَاجِبُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عِبَارَةٌ عَنْ خِطَابِ الشَّارِعِ بِمَا يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ شَرْعًا فِي حَالَةٍ مَا (٢) ، وَهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مُتَحَقِّقٌ فِي الْفَرْضِ الشَّرْعِيِّ. وَخَصَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ اسْمَ الْفَرْضِ بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَقْطُوعًا بِهِ، وَاسْمَ الْوَاجِبِ بِمَا كَانَ مَظْنُونًا، مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ التَّقْدِيرُ، وَالْمَظْنُونُ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ مُقَدَّرًا عَلَيْنَا بِخِلَافِ الْمَقْطُوعِ، فَلِذَلِكَ خُصَّ الْمَقْطُوعُ بِاسْمِ الْفَرْضِ دُونَ الْمَظْنُونِ، وَالْأَشْبَهُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي طَرِيقِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ حَتَّى يَكُونَ هَذَا مَعْلُومًا وَهَذَا مَظْنُونًا، غَيْرُ مُوجِبٍ لِاخْتِلَافِ مَا ثَبَتَ بِهِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ اخْتِلَافَ طُرُقِ الْوَاجِبَاتِ فِي الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، بِحَيْثُ إِنَّ الْمُكَلَّفَ يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْبَعْضِ مِنْهَا دُونَ الْبَعْضِ، لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْوَاجِبِ فِي حَقِيقَتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاجِبٌ، وَكَذَا اخْتِلَافُ طُرُقِ النَّوَافِلِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِاخْتِلَافِ حَقَائِقِهَا، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ طُرُقِ الْحَرَامِ بِالْقَطْعِ وَالظَّنِّ غَيْرُ مُوجِبٍ لِاخْتِلَافِهِ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَرَامٌ، كَيْفَ وَإِنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَطْلَقَ اسْمَ الْفَرْضِ عَلَى الْوَاجِبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أَيْ أَوْجَبَ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مُشْعِرًا بِهِ حَقِيقَةً وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَدْلُولٌ سِوَاهُ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ، وَالَّذِي يُؤَيِّدُ إِخْرَاجَ قَيْدِ الْقَطْعِ عَنْ مَفْهُومِ الْفَرْضِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى إِطْلَاقِ اسْمِ الْفَرْضِ عَلَى مَا أَدَّى مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّتِهَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ بِقَوْلِهِمْ: أَدِّ (٣) فَرْضَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْخُصُومُ فِي تَخْصِيصِ اسْمِ الْفَرْضِ الْمَقْطُوعِ بِهِ فَمِنْ بَابِ التَّحَكُّمِ حَيْثُ إِنَّ الْفَرْضَ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّقْدِيرُ مُطْلَقًا، كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ أَوْ مَظْنُونًا، فَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ لَفْظِيَّةٌ.

стр. 98

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَاجِبِ الْعَيْنِ وَوَاجِبِ الْكِفَايَةِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ لَا فَرْقَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بَيْنَ وَاجِبِ الْعَيْنِ وَالْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ ; لِشُمُولِ حَدِّ الْوَاجِبِ لَهُمَا، خِلَافًا لِبَعْضِ النَّاسِ، مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ وَاجِبَ الْعَيْنِ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْغَيْرِ، بِخِلَافِ وَاجِبِ الْكِفَايَةِ، وَغَايَتُهُ الِاخْتِلَافُ فِي طَرِيقِ الْإِسْقَاطِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ فِي الْحَقِيقَةِ. كَالِاخْتِلَافِ فِي طَرِيقِ الثُّبُوتُ كَمَا سَبَقَ (١) . وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنِ ارْتَدَّ وَقَتَلَ فَقَتْلُهُ بِالرِّدَّةِ وَبِالْقَتْلِ وَاجِبٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَحَدُ الْوَاجِبَيْنِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ دُونَ الْوَاجِبِ الْآخَرِ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمَا (٢) . [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ (٣) اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. فَمَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهَا وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ، وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ. وَأَطْلَقَ الْجُبَّائِيّ وَابْنُهُ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْجَمِيعِ عَلَى التَّخْيِيرِ. حُجَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِ الْجَمِيعِ أَوْ بِوُجُوبِ وَاحِدٍ، وَالْوَاحِدُ إِمَّا مُعَيَّنٌ وَإِمَّا غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ لِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ مُوجِبًا لِلْجَمِيعِ لَكَانَ الْأَمْرُ بِإِيجَابِ عِتْقِ عَبْدٍ مِنَ الْعَبِيدِ عَلَى طَرِيقِ التَّخْيِيرِ مُوجِبًا لِلْجَمِيعِ، وَهُوَ مُحَالٌ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنَ التَّخْيِيرِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ صَلَاتَيْنِ فَصَلِّ أَيَّهُمَا شِئْتَ وَاتْرُكْ أَيَّهُمَا شِئْتَ. كَمَا لَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ الصَّلَاةَ وَخَيَّرْتُكَ فِي فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا ; لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْوَاجِبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ فِي شَيْءٍ.

стр. 99

الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِخِلَافِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْخُصُومَ قَدْ وَافَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالْجَمِيعِ أَوْ تَرَكَ الْجَمِيعَ فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى الْجَمِيعِ. (١) الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ وَاجِبًا لَنَوَى نِيَّةَ أَدَاءِ الْوَاجِبِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخِصَالِ عِنْدَ مَا إِذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ إِذْ هُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى التَّخْيِيرِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْإِجْزَاءُ بِتَقْدِيرِ أَدَاءِ غَيْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْإِبْهَامِ. غَيْرَ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيَّ قَدْ تَكَلَّفَ رَدَّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى إِيجَابِ الْجَمِيعِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ تَرْكَ الْجَمِيعِ لَا كُلَّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا بِتَقْدِيرِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِوَاحِدٍ مِنْهَا مَعَ تَفْوِيضِ فِعْلِ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ إِلَى الْمُكَلَّفِ، وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ وُجُوبِ الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ رَافِعًا لِلْخِلَافِ غَيْرَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْأَئِمَّةُ عَنِ الْجُبَّائِيّ وَابْنِهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْجَمِيعِ وَالدَّلَائِلِ الْمُشْعِرَةِ بِذَلِكَ. فَلْنَنْسِجْ فِي الْحِجَاجِ عَلَى مِنْوَالِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الدَّلِيلِ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَتْ آيَةُ التَّكْفِيرِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ، الْآيَةَ دَالَّةً عَلَى تَخْيِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ بِجِهَةِ الْإِيجَابِ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَمَّا يُوجَدُ مِنَ الْكَفَّارَةِ، وَتَقْدِيرُهُ فَمَا يُوجَدُ مِنَ الْكَفَّارَةِ هُوَ إِطْعَامٌ مِنْ حَانِثٍ أَوْ كُسْوَةٌ مِنْ حَانِثٍ آخَرَ أَوْ عِتْقٌ مِنْ حَانِثٍ آخَرَ.

стр. 100

سَلَّمْنَا دَلَالَتَهَا عَلَى الْإِيجَابِ، لَكِنْ لَا أَنَّهَا بِالتَّخْيِيرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا إِيجَابُ الْإِطْعَامِ عَلَى الْبَعْضِ وَالْكُسْوَةِ عَلَى الْبَعْضِ وَالْعِتْقِ عَلَى الْبَعْضِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِبَعْضِهِمْ، أَوِ الْكُسْوَةُ لِبَعْضٍ آخَرَ، أَوِ الْعِتْقُ لِبَعْضٍ آخَرَ. سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِ مَدْلُولِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْخِصَالَ الْمَذْكُورَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الصِّفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْوُجُوبِ، أَوْ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَيَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ فِي الْوُجُوبِ بَيْنَ الْكُلِّ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ هُوَ الْوَاجِبَ بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الشَّرْعُ بِالْإِيجَابِ، وَخِطَابُ الشَّرْعِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَيَّنِ دُونَ الْمُبْهَمِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ الْإِيجَابِ بِأَحَدِ شَخْصَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ بِفِعْلِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّ أَوْ بِبَعْضٍ مِنْهُ مُعَيَّنٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِيجَابَ طَلَبٌ، وَالطَّلَبُ يَسْتَدْعِي مَطْلُوبًا مُعَيَّنًا لِمَا تَحَقَّقَ قَبْلُ، وَالْمُعَيَّنُ إِمَّا الْكُلُّ أَوِ الْبَعْضُ. الرَّابِع: أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ الْعَبْدُ الْجَمِيعَ، فَإِنَّهُ يُثَابُ ثَوَابَ مَنْ فَعَلَ وَاجِبًا، فَسَبَبُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ مُعَيَّنًا لِاسْتِحَالَةِ الثَّوَابِ عَلَى مَا لَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ وَاسْتِحَالَةِ إِسْنَادِ الْمُعَيَّنِ إِلَى غَيْرِ مُعَيَّنِ، وَالْمُبْهَمُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ عَلَى الْجُمْلَةِ أَوْ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا. الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْجَمِيعَ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عِقَابَ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ أَوْ بَعْضٌ مِنْهُ مُعَيَّنٌ كَمَا سَبَقَ. السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ مِنَ الْخِصَالِ ; لَكَانَ مِنْهَا شَيْءٌ لَا بِعَيْنِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُحَالٌ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ حَقِيقَةِ الْوَاجِبِ.

стр. 101

السَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ، فَعِنْدَ التَّكْفِيرِ بِالْجَمِيعِ إِمَّا أَنْ يَسْقُطَ الْفَرْضُ بِمَجْمُوعِهَا، أَوْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، أَوْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ أَوِ الثَّانِيَ فَالْكُلُّ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ فَذَلِكَ هُوَ الْفَرْضُ. الثَّامِنُ، وَيَخُصُّ إِيجَابَ الْجَمِيعِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا لَنَصَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى تَعْيِينِ الْعَبْدِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، كَمَا (١) فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. فَحَيْثُ لَمْ يُعَيَّنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ وَاجِبٌ. التَّاسِعُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، فَالْبَارِي تَعَالَى يَعْلَمُ مَا سَيُعَيِّنُهُ الْعَبْدُ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُعَيَّنًا عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا عِنْدَ الْعَبْدِ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْوَاجِبِ الْمُعَيِّنِ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ وَاجِبًا، وَهُوَ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ. الْعَاشِرُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَكَفَّرَ ثَلَاثَةٌ كُلُّ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ مِنَ الْخِصَالِ، غَيْرَ مَا كَفَّرَ بِهِ الْآخَرُ لَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَا بِعَيْنِهِ هُوَ الْمُكَفِّرُ بِالْوَاجِبِ دُونَ الْبَاقِينَ، وَحَيْثُ وَقَعَ مَا فَعَلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مَوْقِعَ الْوَاجِبِ كَانَ الْجَمِيعُ وَاجِبًا. الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ يَعُمُّ عَدَدًا مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ كَفَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعُمَّ الْوُجُوبُ عَدَدًا مِنَ الْعِبَادَاتِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا. وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مِنَ الْأُمَّةِ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ الْوُجُوبُ لَا نَفْسُ الْإِخْبَارِ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ حَمْلَ الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ مِمَّا يُحْوِجُ إِلَى إِضْمَارَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الْآيَةِ، وَهِيَ مَا قَدَّرُوهُ مِنَ الْبَعْضِ فِي قَوْلِهِمْ: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِبَعْضِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي الْكُسْوَةِ وَالْعِتْقِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، كَيْفَ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرُوهُ لِقَالَ: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ وَكُسْوَتُهُمْ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ; لِوُجُوبِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ عَلَى الْجَمِيعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَانِثِينَ الْمَذْكُورِينَ.

стр. 102

وَعَنِ الْمُعَارِضِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. (١) كَيْفَ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي عَقْدِ الْإِمَامَةِ لِأَحَدِ الْإِمَامَيْنِ الصَّالِحَيْنِ، وَتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ الطَّالِبَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَحَدِ الْكُفُؤَيْنِ الْخَاطِبَيْنِ، وَفِي إِيجَابِ عِتْقِ عَبْدٍ مِنَ الْعَبِيدِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَحَيْثُ تَعَذَّرَ الْوُجُوبُ عَلَى أَحَدِ شَخْصَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا كَانَ لِتَوَقُّفِ تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ عَلَى ارْتِبَاطِهِ بِالذَّمِّ وَالْعِقَابِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي تَحْدِيدِهِ، وَذَمُّ أَحَدِ شَخْصَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ مُتَعَذِّرٌ بِخِلَافِ الذَّمِّ عَلَى أَحَدِ فِعْلَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، وَبِهَذِهِ الصُّوَرِ يَكُونُ انْدِفَاعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُعَارِضِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ التَّاسِعِ. وَعَنِ الْعَاشِرِ: أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَفِّرِينَ خَصْلَةٌ مِنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ لَا بِعَيْنِهَا، وَقَدْ أَتَى بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ (٢) وَسَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ عَنْهُ، فَكَانَ مَا أَتَى بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ وَاجِبًا لَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكُلِّ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا بِعَيْنِهَا لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ. وَعَنِ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّا لَا نَمْنَعُ سُقُوطَ الْوَاجِبِ دُونَ أَدَائِهِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ خِصَالُ الْكَفَّارَةِ كُلُّهَا وَاجِبَةً كَمَا كَانَ الْوُجُوبُ عَلَى أَعْدَادِ الْمُكَلَّفِينَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَأْثِيمِ الْكُلِّ بِتَقْدِيرِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى التَّرْكِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. (٣) وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، فَالْمُطَلَّقَةُ مِنْهُمَا وَاحِدَةٌ لَا بِعَيْنِهَا، وَإِنْ وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمَا وَالتَّخْيِيرُ فِي التَّعْيِينِ إِلَى الْمُطَلِّقِ كَمَا لَوْ قِيلَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الْحِجَاجِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.

стр. 103

[الوَاجِبٌ المُوَسَّع] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إِذَا كَانَ وَقْتُ الْوَاجِبِ فَاضِلًا عَنْهُ، كَصَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا. فَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ، وَأَنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقْتٌ لِأَدَاءِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ فِيهِ، فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ وَحُصُولِ مَصْلَحَةِ الْوُجُوبِ. وَهَلْ لِلْوَاجِبِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَوَسَطِهِ بِتَقْدِيرِ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ عَنْهُ إِلَى مَا بَعْدَهُ بَدَلٌ؟ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِيهِ: فَأَثْبَتَهُ أَصْحَابُنَا وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: وَقْتُ الْوُجُوبِ هُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَفِعْلُ الْوَاجِبِ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ قَضَاءً. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: وَقْتُ الْوُجُوبِ هُوَ آخِرُ الْوَقْتِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ الْفِعْلِ قَبْلَ ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ نَفْلٌ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَالْكَرْخِيِّ: إِنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا بَقِيَ بِنَعْتِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ كَانَ مَا فَعَلَهُ وَاجِبًا وَإِلَّا فَنَفْلٌ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ يَتَعَيَّنُ بِالْفِعْلِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ. حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ الْمُوَسَّعِ أَنَّ الْأَمْرَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ عَامٌّ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَطْبِيقَ أَوَّلِ فِعْلِ الصَّلَاةِ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ عَلَى آخِرِهِ، وَلَا إِقَامَةَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِهِ حَتَّى لَا يَخْلُوَ جُزْءٌ مِنْهُ عَنْ صَلَاةٍ ; إِذْ هُوَ (١) خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ جُزْءٌ مِنْهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِوُقُوعِ الْوَاجِبِ فِيهِ ; إِذْ لَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ صَالِحٌ لِوُقُوعِ الْوَاجِبِ فِيهِ، وَيَكُونُ الْمُكَلَّفُ مُخَيَّرًا فِي إِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي أَيِّ جُزْءٍ شَاءَ مِنْهُ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ قِسْمٍ آخَرَ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

стр. 104

وَيَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ هَذَا حُصُولُ الْإِجْزَاءِ عَنِ الْوَاجِبِ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ قُدِّرَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ مَقْصُودِ الْوَاجِبِ مِنَ الْكُلِّ، وَأَنَّ الْفِعْلَ فِي كُلِّ وَقْتٍ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ فَيَكُونُ وَاجِبًا وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحَصِّلًا لِمَقْصُودِ الْوَاجِبِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ إِمَّا فَوَاتُ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ حَرَامًا لِكَوْنِهَا مُفَوِّتَةً لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِمَّا بَقَاءُ مَصْلَحَةِ الْوُجُوبِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ فِعْلِ الصَّلَاةِ لِبَقَاءِ مَقْصُودِهَا الْمُوجِبِ لَهَا بَعْدَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمَفْرُوضِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَطْلُوبِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفِعْلُ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ وَسَطِهِ لَمَا جَازَ تَرْكُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ; إِذْ هُوَ حَقِيقَةُ الْوَاجِبِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى لُحُوقِ الْإِثْمِ بِتَرْكِهِ فِيهِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ فِعْلِهِ قَبْلَهُ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَالْفِعْلُ فِيهِ نَدْبٌ لِكَوْنِهِ مُثَابًا مَعَ جَوَازِ تَرْكِهِ، وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَلَا يَمْتَنِعُ سُقُوطُ الْفَرْضِ عَنِ الْمُكَلَّفِ بِفِعْلِ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ كَالزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِنَفْلٍ، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ مِنَ الْقَوْلِ بِتَعْيِينِ وَقْتِ الْوُجُوبِ بِالْفِعْلِ أَوْ تَعْيِينِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ لِلْوُجُوبِ وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ، أَوِ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا بِتَقْدِيرِ بَقَائِهِ بِصِفَةِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ كَمَا قِيلَ مِنَ الْمَذَاهِبِ السَّابِقَةِ. وَالْجَوَاب عَنْ جَوَازِ تَرْكِ الْفِعْلِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا، بَلْ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ الْمُضَيَّقِ، وَأَمَّا الْمُوَسَّعُ فَلَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْدُوبِ وَالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ جَوَازُ تَرْكِ الْمَنْدُوبِ مُطْلَقًا وَالْمُوَسَّعِ بِشَرْطِ الْفِعْلِ بَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ، وَحَاصِلُهُ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ إِيقَاعُ الْفِعْلِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ عَلَى طَرِيقِ الْإِبْهَامِ، وَالتَّعْيِينُ إِلَى الْمُكَلَّفِ كَمَا سَبَقَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، أَوْ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَهُ، ثُمَّ لَوْ كَانَ نَفْلًا لَمَا سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ لِمَا سَبَقَ، وَالزَّكَاةُ الْمُعَجَّلَةُ وَاجِبَةٌ

стр. 105

مُؤَجَّلَةٌ بَعْدَ (١) انْعِقَادِ سَبَبِهَا وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ لَا أَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَلَكَانَ (٢) يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ (٣) : لَوْ كَانَ الْعَزْمُ بَدَلًا عَنِ الْفِعْلِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَمَا وَجَبَ الْفِعْلُ بَعْدَهُ، وَلَمَا جَازَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا، وَلَكَانَ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْعَزْمِ يَكُونُ عَاصِيًا لِكَوْنِهِ تَارِكًا لِلْأَصْلِ وَبَدَلِهِ، كَيْفَ وَأَنَّ الْأَمْرَ الْوَارِدَ بِإِيجَابِ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْعَزْمِ، فَإِيجَابُهُ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى مُقْتَضَى الْأَمْرِ. ثُمَّ جَعْلُ الْعَزْمِ بَدَلًا مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ أَوْ عَنْ أَصْلِ الْفِعْلِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَفْعَال الْقُلُوب بَعِيدٌ ; إِذْ لَا عَهْدَ لَنَا فِي الشَّرْعِ بِجَعْلِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ أَبْدَالًا عَنِ الْأَفْعَالِ، وَلَا بِجَعْلِ صِفَةَ الْفِعْلِ مُبْدَلًا. قُلْنَا: لَمْ يَكُنْ بَدَلًا عَنْ أَصْلِ الْفِعْلِ بَلْ عَنْ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِسُقُوطِ الْفِعْلِ مُطْلَقًا، وَمَعْنَى كَوْنِهِ بَدَلًا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ وَالْمَصِيرِ إِلَى أَحَدِ الْمُخَيَّرَيْنِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ بِالْعَجْزِ عَنِ الْآخَرِ، لَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْوُضُوءِ مَعَ التَّيَمُّمِ وَإِنَّمَا لَمْ يَعْصِ مَعَ كَوْنِهِ غَافِلًا لِعَدَمِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ، وَالْأَمْرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَرِّضًا لِلْعَزْمِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ جَعْلِهِ بَدَلًا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ بَعْضِ الْمَدَارِكِ انْتِفَاءُ الْكُلِّ. وَأَمَّا اسْتِبْعَادُ كَوْنِ الْعَزْمِ بَدَلًا عَنْ صِفَةِ الْفِعْلِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فَغَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْجَوَابِ، ثُمَّ كَيْفَ يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ وَالْفِدْيَةُ فِي حَقِّ الْحَامِلِ عِنْدَ خَوْفِهَا عَلَى جَنِينِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُرْضِعُ عَلَى وَلَدِهَا بَدَلٌ عَنْ تَقْدِيمِ الصَّوْمِ فِي حَقِّهَا، وَهُوَ صِفَةُ الْفِعْلِ. وَكَذَلِكَ النَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ. وَقَدْ جُعِلَ بَدَلًا عَمَّا فَرَطَ مِنْ أَفْعَالِ الطَّاعَاتِ الْوَاجِبَةِ حَالَةَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ. وَالْجَوَابُ (٤) عَنِ الْقَوْلِ بِتَعْيِينِ وَقْتِ الْوُجُوبِ بِالْفِعْلِ: أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّا نَتَبَيَّنُ سُقُوطَ الْفَرْضِ بِالْفِعْلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ،

стр. 106

وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّا نَتَبَيَّنُ أَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلْوُجُوبِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَدَّى فِيهِ الْفِعْلَ لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ، فَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ. وَعَنِ الْقَوْلِ بِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ لِلْوُجُوبِ وَمَا بَعْدَهُ لِلْقَضَاءِ فِيمَا (١) سَبَقَ. (٢) ، كَيْفَ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ مَا يُفْعَلُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ بِقَضَاءٍ وَلَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ. وَعَنِ الْوَقْتِ (٣) أَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ مِنَ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَمَاتَ فِي أَثْنَائِهِ أَنَّهُ أَدَّى فَرْضَ اللَّهِ، وَأَثْبَتَ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، وَعَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ مِنَ الْوُجُوبِ الْمُوَسَّعِ لَوْ أَخَّرَ الْمُكَلَّفُ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ بِشَرْطِ الْعَزْمِ وَمَاتَ لَمْ يَلْقَ اللَّهَ عَاصِيًا ; نَظَرًا إِلَى إِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِبْطَالُ مَعْنَى الْوُجُوبِ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مُطْلَقًا، بَلْ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: جَوَازُ التَّأْخِيرِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ لِكَوْنِهَا (٤) مُنْطَوِيَةً عَنْهُ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْحُكْمِ الْجَازِمِ فِي هَذِهِ الْحَالِ: إِمَّا الْبَعْضِيَّةُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِمَّا بِنَفْيِهَا ضَرُورَةَ (٥) امْتِنَاعِ التَّوَقُّفِ عَلَى ظُهُورِ الْعَاقِبَةِ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَإِذَا عَرَفَ مَعْنَى الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ فَفَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يُسَمَّى أَدَاءً، وَسَوَاءٌ كَانَ فِعْلُهُ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ لِعُذْرٍ أَوْ لَا عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ، وَإِنْ فَعَلَ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ لِعُذْرٍ، ثُمَّ فَعَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَرَّةً ثَانِيَةً سُمِّيَ إِعَادَةً وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ فَعَلَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ سُمِّيَ قَضَاءً. (٦)

стр. 107

[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْمُكَلَّفَ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنَّهُ يَمُوتُ بِتَقْدِيرِ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ فَأَخَّرَهُ هل يكون عاصيا] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ اتَّفَقَ الْكُلُّ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَمُوتُ بِتَقْدِيرِ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ فَأَخَّرَهُ أَنَّهُ يَعْصِي وَإِنْ لَمْ يَمُتْ، وَاخْتَلَفُوا فِي فِعْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ: هَلْ يَكُونُ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً؟ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى كَوْنِهِ قَضَاءً، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ. حُجَّةُ الْقَاضِي أَنَّ الْوَقْتَ صَارَ مُقَدَّرًا مُضَيَّقًا بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ عَصَى بِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ، فَإِذَا فَعَلَ الْوَاجِبَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَهُ خَارِجَ وَقْتِهِ فَكَانَ قَضَاءً كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْفَائِتَةِ فِي أَوْقَاتِهَا الْمُقَدَّرَةِ الْمَحْدُودَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: غَايَةُ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِصْيَانَ بِالتَّأْخِيرِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّ حَيَاتَهُ فِيهِ دُونَ مَا بَعْدَهُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيقُ الْوَقْتِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ فِعْلُهُ لِلْوَاجِبِ فِيهِ قَضَاءً، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ مُوجِبًا لِلْعِصْيَانِ بِالتَّأْخِيرِ مُخَالَفَةُ هَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عِصْيَانِ الْمُكَلَّفِ بِتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ عَلَى الْفِعْلِ عِنْدَ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْوَاجِبِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ قَضَاءً، وَهُوَ فِي غَايَةِ الِاتِّجَاهِ. [الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الْوَاجِبَ إِذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ وَفُعِلَ بَعْدَهُ يَكُونُ قَضَاءً] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ وَفُعِلَ بَعْدَهُ، أَنَّهُ يَكُونُ قَضَاءً، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ فِي وَقْتِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا. (١) وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَجِبْ وَلَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُ وُجُوبِهِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُقَدَّرَةِ فَفِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ قَضَاءً لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، كَفَوَائِتِ الصَّلَوَاتِ فِي حَالَةِ الصَّبِيِّ وَالْجُنُونِ.

стр. 108

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ لِمَانِعٍ، أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ خَارِجٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُكَلَّفُ قَادِرًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ كَالصَّوْمِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، أَوْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَيْهِ: إِمَّا شَرْعًا كَالصَّوْمِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ، وَإِمَّا عَقْلًا كَالنَّائِمِ؛ أَنَّهُ هَلْ يُسَمَّى قَضَاءً حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا. مِنْهُمْ مَنْ مَالَ إِلَى التَّجَوُّزِ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ حَقِيقَةً عِنْدَ فَوَاتِ مَا وَجَبَ فِي الْوَقْتِ اسْتِدْرَاكًا لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ الْفَائِتِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَوُجُوبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِأَمْرٍ تَجَدَّدَ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِالْوَقْتِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ إِطْلَاقُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ تَجَوُّزًا. وَمِنْهُمْ مَنْ مَالَ إِلَى أَنَّهُ قَضَاءٌ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ لِلْمُعَارِضِ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَا اشْتَرَكَا فِيهِ مِنِ اسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ لَا اسْتِدْرَاكَ مَصْلَحَةِ مَا وَجَبَ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ التَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اسْمِ الْقَضَاءِ. [الْمَسْأَلَة السَّابِعَة مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ هَلْ يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ] الْمَسْأَلَة السَّابِعَة مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ هَلْ يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ؟ (١) اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَا بُدَّ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْحِجَاجِ مِنْ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَنَقُولُ: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ مَشْرُوطًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ (٢) ، أَوْ لَا يَكُونُ مَشْرُوطًا بِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: (أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ الصَّلَاةَ إِنْ كُنْتَ مُتَطَهِّرًا) (٣) فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَحْصِيلَ الشَّرْطِ لَيْسَ وَاجِبًا وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ الصَّلَاةُ إِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ.

стр. 109

وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ مُطْلَقًا غَيْرَ مَشْرُوطِ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ الْغَيْرِ، بَلْ مَشْرُوطُ الْوُقُوعِ فَذَلِكَ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ وَتَعَذَّرَ وُقُوعُهَا دُونَ الطَّهَارَةِ، أَوْ وَجَبَ غَسْلُ الْوَجْهِ وَلَمْ يَكُنْ (١) إِلَّا بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الشَّرْطُ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ فَلَا، إِلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ كَحُضُورِ الْإِمَامِ الْجُمُعَةِ وَحُصُولِ تَمَامِ الْعَدَدِ فِيهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِآحَادِ الْمُكَلَّفِينَ. (٢) وَإِذَا تَلَخَّصَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَنَقُولُ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ (وَهُوَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ) فَهُوَ وَاجِب، خِلَافًا لِبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ تَحْصِيلَ الشَّرْطِ وَاجِبٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بَلْ كَانَ تَرْكُهُ مُبَاحًا لَكَانَ الْآمِرُ كَأَنَّهُ قَالَ لِلْمَأْمُورِ: لَكَ مُبَاحٌ أَلَّا تَأْتِيَ بِالشَّرْطِ، وَأُوجِبُ عَلَيْكَ الْفِعْلَ مَعَ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَشْرُوطِ إِذَا كَانَ مُطْلَقًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَةِ الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ بِالْمَشْرُوطِ حَالَةَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَإِنَّ عَدَمَهُ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ إِبَاحَتِهِ، بَلْ حَالَةُ عَدَمِ وُجُوبِ الشَّرْطِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَلَا يَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالْمَشْرُوطِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: إِنْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْمَشْرُوطِ حَالَةَ عَدَمِ الشَّرْطِ مُحَالًا فَالتَّكْلِيفُ بِالْمَشْرُوطِ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَكُلُّ مَا وُجُوبُهُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ فَالشَّرْطُ لَا يَكُونُ وَاجِبَ التَّحْصِيلِ لِمَا سَبَقَ وَلَا جَوَابَ عَنْهُ. وَالْأَقْرَبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ تَحْصِيلِ مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ، وَتَحْصِيلُهُ إِنَّمَا هُوَ بِتَعَاطِي الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهِ، فَإِذَا قِيلَ: يَجِبُ التَّحْصِيلُ بِمَا لَا يَكُونُ وَاجِبًا كَانَ مُتَنَاقِضًا. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ وَعِرَةٌ، وَالطُّرُقُ ضَيِّقَةٌ، فَلْيُقْنَعْ بِمِثْلِ هَذَا فِي هَذَا الْمَضِيقِ.

стр. 110

فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الشَّرْطِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ الْأَمْرُ بِالْمَشْرُوطِ ; إِذْ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَنَسْخُ مَدْلُولِ النَّصِّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَصٍّ آخَرَ، وَلَا نَصٌّ. ثُمَّ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ مَقْدُورًا حَذَرًا مِنَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ. وَمَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنَ الرَّأْسِ وَإِمْسَاكُهُ مِنَ اللَّيْلِ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَلَكَانَ مُثَابًا عَلَيْهِ وَمُعَاقَبًا عَلَى تَرْكِهِ. وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ وَتَرْكِهِ، وَعَلَى صَوْمِ الْيَوْمِ وَتَرْكِهِ، لَا عَلَى مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَإِمْسَاكِ شَيْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ الْإِتْيَانُ بِالْمَشْرُوطِ دُونَ شَرْطِهِ كَانَ كَذَلِكَ. قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ مَا قِيلَ بِوُجُوبِهِ رَافِعًا لِمُقْتَضَى النَّصِّ الْوَارِدِ بِالْمَشْرُوطِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُهُ وَوُجُوبُهُ بَاقٍ بِحَالِهِ. (١) وَجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ لَا يُقَدَّرُ بِقَدْرٍ مَحْدُودٍ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ هَلْ تُوصَفُ بِالْوُجُوبِ لِكَوْنِ نِسْبَةِ الْكُلِّ إِلَى الْوُجُوبِ نِسْبَةً وَاحِدَةً، أَوِ الْوَاجِبُ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَالزِّيَادَةُ نَدْبٌ. فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ: كُلُّ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَالْأَصَحُّ إِنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ; إِذْ هُوَ مُكْتَفٍ بِهِ مِنْ غَيْرِ لَوْمٍ عَلَى تَرْكِ الزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ. وَجَوَابُ الثَّالِثِ بِمَنْعِ مَا ذَكَرُوهُ. (٢) وَجَوَابُ الرَّابِعِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَاجِزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِالْمَشْرُوطِ دُونَ الشَّرْطِ لَا الْقَادِرِ.
следующие страницы →