← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وَهِيَ بَعِيدَةٌ عَنِ التَّحْقِيقِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: " اضْرِبِ الرِّجَالَ الطُّوَالَ " إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ ضَرْبِ الْقِصَارِ بِتَقْدِيرِ اخْتِصَاصِ الطُّوَالِ بِالذِّكْرِ، وَإِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ الْقِصَارَ، فَلَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلطُّوَالِ بِالذِّكْرِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضَّرْبِ عَنِ الْقِصَارِ، ثُمَّ هُوَ مُنْتَقِضٌ بِالتَّخْصِيصِ بِالْغَايَةِ كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: " صُمْ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ " فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: " صُمْ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ " فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَقْضًا. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ دَالًّا عَلَى نَفْيِهِ عَنِ الْغَيْرِ الْمَوْصُوفِ بِهَا لَمَا حَسُنَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: " أَدِّ زَكَاةَ السَّائِمَةِ " وَبَيْنَ قَوْلِهِ " وَالْمَعْلُوفَةِ " لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّنَاقُضِ، كَمَا لَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: " لَا تَقُلْ لِزَيْدٍ أُفٍّ، وَاضْرِبْهُ ". وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا لَا يَحْسُنُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ قِيلَ بِالْمُنَاقَضَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحُجَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا. هَذَا إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ الْعَطْفِ، وَأَمَّا إِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: " أَدِّ زَكَاةَ الْمَعْلُوفَةِ " فَإِنَّمَا لَمْ يَمْتَنِعْ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ صَرِيحَ قَوْلِهِ: " أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ " وَقَعَ مُعَارِضًا لِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَالْمُعَارَضَةُ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي فَحْوَى الْخِطَابِ امْتِنَاعُهُ فِي دَلِيلِ الْخِطَابِ، إِذْ هُوَ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا سَبَقَ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ امْتِنَاعَ ذَلِكَ فِي فَحْوَى الْخِطَابِ إِنَّمَا كَانَ فِيمَا عُلِمَ، لَا فِيمَا ظُنَّ عَلَى مَا سَبَقَ. وَدَلِيلُ الْخِطَابِ مَظْنُونٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ امْتِنَاعِ مُعَارَضَةِ الْمَقْطُوعِ امْتِنَاعُ مُعَارَضَةِ الْمَظْنُونِ، ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ كَمَا سَبَقَ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: ذَكَرَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الصِّفَةِ إِنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُ الْمَوْصُوفِ بِهَا عَمَّا سِوَاهُ. وَكَذَلِكَ الْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْمِ إِنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُ الْمُسَمَّى عَنْ غَيْرِهِ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ، كَمَا لَوْ قَالَ: " زَيْدٌ عَالِمٌ " لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ بِاسْمِ زَيْدٍ، فَكَذَلِكَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قِيَاسُ التَّخْصِيصِ بِالصِّفَةِ عَلَى التَّخْصِيصِ بِالِاسْمِ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، فَلَا يَصِحُّ، وَإِنْ صَحَّ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا سِوَاهُ كَمَا يَأْتِي، وَإِنْ سَلِمَ عَدَمُ دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُ مُشَارَكَةُ التَّعْلِيقِ

стр. 702

بِالصِّفَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، أَنْ لَوْ بَيَّنَ أَنَّ مَنَاطَ عَدَمِ دَلَالَةِ التَّعْلِيقِ بِالِاسْمِ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا لِلتَّمْيِيزِ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ شُعُورَ الْمُتَكَلِّمِ بِالِاسْمِ الْعَامِّ الْمُقَيَّدِ بِالصِّفَةِ الْخَاصَّةِ بِمَا لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الصِّفَةُ (١) أَتَمُّ مِنْ شُعُورِ الْمُتَكَلِّمِ بِاسْمِ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ بِالْجِنْسِ الْآخَرِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ دَلَالَةِ التَّخْصِيصِ بِالِاسْمِ مِثْلُهُ فِي الصِّفَةِ، كَيْفَ وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالتَّخْصِيصِ بِالْغَايَةِ فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِلتَّمْيِيزِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ الْمَوْصُوفِ بِهَا، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، وَلَا زَكَاةَ فِي الْمَعْلُوفَةِ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» " يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهَا عَنِ الْمَعْلُوفَةِ لَمَا احْتِيجَ إِلَى الْعِبَارَةِ الْأُخْرَى لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُسْتَفَادًا مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وَضْعِ عِبَارَةٍ خَاصَّةٍ إِذْ هُوَ أَبْلَغُ فِي الدَّلَالَةِ وَأَقْرَبُ إِلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي التَّقْيِيدِ " بِالْغَايَةِ " كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ الْقَوْلَ " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» ، لَهُ دَلَالَةٌ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ دَلَالَةُ مَفْهُومٍ لَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ، وَيَبْقَى حُكْمُ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ حُكْمُ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَيَبْقَى حُكْمُ صَرِيحِ الْخِطَابِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: دَلِيلُ الْخِطَابِ إِنَّمَا هُوَ مُتَفَرِّعٌ مِنْ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ فَإِذَا بَطَلَ حُكْمُ الصِّفَةِ، فَلَا تَخْصِيصَ، وَمَعَ عَدَمِ التَّخْصِيصِ، فَلَا دَلَالَةَ لِدَلِيلِ الْخِطَابِ، ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِالتَّخْصِيصِ بِالْغَايَةِ. الْحُجَّةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُتَضَادَّيْنِ مَعًا، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: " فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ " دَالًّا عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ: لَكَانَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ دَالًّا عَلَى الضِّدَّيْنِ مَعًا: وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.

стр. 703

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُتَضَادَّيْنِ مَعًا بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ مَعًا، كَانَتْ أَضْدَادًا أَوْ لَمْ تَكُنْ. سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ إِلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَتَيْنِ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَهَاهُنَا الدَّالُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ صَرِيحُ الْخِطَابِ، وَالدَّالُّ عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ دَلِيلُ الْخِطَابِ، وَهُمَا غَيْرَانِ، ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُنْتَقِضٌ بِالتَّخْصِيصِ بِالْغَايَةِ. الْحُجَّةُ الْعَاشِرَةُ: أَنَّ صُورَةَ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ مُخَالِفَةٌ لِصُورَةِ الْغَنَمِ الَّتِي لَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ، وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الصُّورَتَيْنِ، لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي أَحَدِهِمَا ثُبُوتُهُ فِي الْأُخْرَى وَلَا عَدَمُهُ، لِجَوَازِ اشْتِرَاكِ الصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي أَحْكَامٍ وَافْتِرَاقِهَا فِي أَحْكَامٍ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَازِمًا، لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ حُكْمٍ فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ الْإِخْبَارُ عَنْهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى، لَا وُجُودًا وَلَا عَدَمًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَتَى لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ نَفْيُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ قَدْ عُلِّقَ ثُبُوتُهُ بِالِاسْمِ الْعَامِّ الْمَوْصُوفِ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، أَوْ إِذَا لَمْ يَكُنْ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَدَعْوَاهُ دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَعَلَى هَذَا، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ حُكْمِ إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ الْإِخْبَارُ عَنِ الصُّورَةِ الْأُخْرَى مُطْلَقًا لَا يَكُونُ صَحِيحًا، ثُمَّ إِنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِفَحْوَى الْخِطَابِ، فَإِنَّ صُورَةَ الْمَنْطُوقِ بِالْحُكْمِ فِيهَا مُخَالِفَةٌ لِلصُّورَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ فِي صُورَةِ النُّطْقِ لَازِمٌ ثُبُوتُهُ فِي صُورَةِ السُّكُوتِ، وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ فِي إِحْدَاهُمَا إِخْبَارٌ عَنْهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى. وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى مَا أَرَدْنَاهُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى إِبْطَالِ الْحُجَجِ الْوَاهِيَةِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ مَسْلَكَانِ: الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى الصِّفَةِ مُوجِبًا لِنَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا لَمَا كَانَ عِنْدَ عَدَمِهَا لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ. وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، لَكِنَّهُ ثَابِتٌ مَعَ عَدَمِهَا. وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ وَقَعَ مُعَلَّقًا بِخَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَيْضًا فِي حَالَةِ عَدَمِ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ.

стр. 704

فَإِنْ قِيلَ: تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ عِنْدَنَا إِنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ حَالَةَ عَدَمِ الصِّفَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَالَةَ عَدَمِ الصِّفَةِ أَوْلَى بِإِثْبَاتِ حُكْمِ الصِّفَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُكْمِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي حَالَةِ عَدَمِ الصِّفَةِ أَوْلَى بِالْإِثْبَاتِ مِنْ حَالَةِ وُجُودِ الصِّفَةِ فَلَا، وَهَاهُنَا تَحْرِيمُ الْقَتْلِ حَالَةَ عَدَمِ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ أَوْلَى مِنَ التَّحْرِيمِ حَالَةَ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ. فَكَانَ التَّنْصِيصُ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ حَالَةَ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ مُحَرِّمًا لَهُ حَالَةَ عَدَمِ الْخَشْيَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ فَحْوَى الْخِطَابِ، لَا مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ. قُلْنَا: هَذَا وَإِنِ اسْتَمَرَّ لَكُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلَا يَسْتَمِرُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فَإِنَّ النَّهْيَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ صُوَرِ السُّكُوتِ (١) فَإِنَّ النَّهْيَ، عَنْ أَكْلِ قَلِيلِ الرِّبَا لَيْسَ أَوْلَى مِنْ كَثِيرِهِ، وَلَا النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ أَوْلَى مِنَ الْإِسْرَافِ، وَلَا النَّهْيُ عَنِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا حَالَةَ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ أَوْلَى مِنْ حَالَةِ إِرَادَةِ الزِّنَا. (٢) وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْحُكْمُ فِي الْكُلِّ مُشْتَرَكٌ. فَإِنْ قِيلَ: مُخَالَفَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إِنَّمَا كَانَتْ لِمُعَارِضٍ، وَلَا يَلْزَمُ مُخَالَفَتُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ. قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ السُّكُوتِ عَلَى نَحْوِ ثُبُوتِهِ فِي صُورَةِ النُّطْقِ لِدَلِيلٍ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةِ دَلِيلٍ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ مَحْذُورِ الْمُعَارَضَةِ. وَلَوْ كَانَ دَلِيلُ الْخِطَابِ دَلِيلًا، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ التَّعَارُضُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ لَوْ كَانَ مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْهُ نَفْيُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الصِّفَةِ، لَمْ يَخْلُ.

стр. 705

إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ صَرِيحِ الْخِطَابِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ يَسْتَدْعِي فَائِدَةً، وَلَا فَائِدَةَ سِوَى نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الصِّفَةِ، أَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: الْأَوَّلُ مُحَالٌ، فَإِنَّ صَرِيحَ الْخِطَابِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ غَيْرُ صَرِيحٍ بِوُجُوبِهَا فِي الْمَعْلُوفَةِ كَيْفَ وَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا قَائِلَ بِهِ. وَالثَّانِي أَيْضًا مُمْتَنِعٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ فِي إِبْطَالِ الْحُجَّةِ الْأُولَى مِنَ الْمَعْقُولِ لِلْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ. وَالثَّالِثُ: فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَعَلَى مُدَّعِيهِ بَيَانُهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَخْصِيصُ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَطْرَأُ وَتَزُولُ كَقَوْلِهِ: " السَّائِمَةُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ " وَالْحُكْمُ كَالْحُكْمِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَالْمَأْخَذُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَعَلَى مَا عُرِفَ وَالْمُخْتَارُ فِيهَا كَالْمُخْتَارِ ثَمَّ.

стр. 706

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَيْءٍ بِكَلِمَةِ إِنْ هَلِ الْحُكْمُ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَيْءٍ بِكَلِمَةِ (إِنْ) هَلِ الْحُكْمُ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَوَّلًا؟ . فَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْهَرَّاسِيُّ (١) مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْكَرْخِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْعَدَمِ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَبَيَانُهُ أَنَّ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِكَلِمَةِ (إِنْ) ، إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ شَرْطًا لِلْحُكْمِ أَوْ يَكُونَ شَرْطًا: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فَلَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ لَوَازِمِ الشَّرْطِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَلَا يَكُونُ لَازِمًا لَهُ، الْأَوَّلُ مُحَالٌ، وَإِلَّا لَامْتَنَعَ وُجُودُ الْقَصْرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْخَوْفِ بِكَلِمَةِ (إِنْ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ قِيلَ: هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُعَارِضِ، وَلَيْسَ مِنْ لَوَازِمِهِ بِتَقْدِيرِ الْمُعَارِضِ، ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ كَلِمَةَ (إِنْ) مُسَمَّاةٌ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ اللُّغَةِ بِالشَّرْطِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَلِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ: " إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ فَأَكْرِمْهُ " فِي مَعْنَى قَوْلِهِ دُخُولُ زَيْدٍ الدَّارَ شَرْطٌ فِي إِكْرَامِهِ، فَكَانَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ (إِنْ) شَرْطًا فِي الْحُكْمِ، وَإِذَا كَانَ شَرْطًا لَزِمَ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ فَهِمَ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَصْرِ عَلَى الْخَوْفِ بِكَلِمَةِ (إِنْ) عَدَمَ الْقَصْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ حَيْثُ «سَأَلَ عُمَرَ قَالَ: " مَا بَالُنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا " وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ » تَرَكَهَا عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: " صَدَقَةٌ

стр. 707

تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» ". (١) وَفَهْمُ عُمَرَ وَيَعْلَى ذَلِكَ مَعَ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمَا عَلَى مَا فَهِمَاهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ الْعَدَمِ. الثَّانِي: أَنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ شَرْطٌ لِوُجُودِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّ الْحَوْلَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَحَكَمُوا بِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيَاةِ وَبِانْتِفَاءِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَوْلِ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الشَّرْطِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مِمَّا لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَ عَدَمِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ أَحَدِهِمَا وُجُودُ الْآخَرِ، وَلَا مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ شَرْطًا، وَهُوَ مُحَالٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْجَوَابُ: قَوْلُهُمْ إِنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُعَارِضِ. قُلْنَا يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِذَلِكَ، حَذَرًا مِنَ التَّعَارُضِ بِتَقْدِيرِ وُجُودِ الْمُعَارِضِ. وَمَا ذَكَرُوهُ ثَانِيًا: إِنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ (إِنْ) شَرْطٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَضِيَّةِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْخَوْفِ مَانِعٌ مِنْ ثُبُوتِ الْقَصْرِ دُونَهُ، بَلْ لَعَلَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَصْرِ، وَحَيْثُ وَرَدَ الْقَصْرُ حَالَةَ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَصْرِ حَالَةَ عَدَمِ الْخَوْفِ، فَيَبْقَى عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الصَّلَاةِ الْإِتْمَامَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْأَصْلُ فِي الصَّلَاةِ عَدَمُ الْإِتْمَامِ، وَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ فِي السَّفَرِ وَزِيدَتْ فِي الْحَضَرِ» (٢) فَلَمْ يَبْقَ لِلتَّعَجُّبِ وَجْهٌ سِوَى دَلَالَةِ اشْتِرَاطِ الْخَوْفِ وَعَدَمِ الْقَصْرِ عِنْدَ عَدَمِهِ. قُلْنَا الصَّلَاةُ الْمَشْرُوعَةُ بَدِيًّا رَكْعَتَيْنِ لَا تُسَمَّى مَقْصُورَةً، كَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَا فِعْلُهَا قَصْرًا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُورَةُ اسْمٌ لِمَا جُوِّزَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ

стр. 708

وَلَفْظُ الْقَصْرِ لِنَفْسِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ، فَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْقَصْرِ فِي الْآيَةِ مُشْعِرٌ بِسَابِقَةِ وُجُوبِ الْإِتْمَامِ لَا مَحَالَةَ. وَإِذَا كَانَ الْإِتْمَامُ هُوَ الْأَصْلُ السَّابِقُ عَلَى الْقَصْرِ فَقَدْ بَطَلَ مَا ذَكَرُوهُ. كَيْفَ وَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاحْتِمَالِ هُوَ الْأَوْلَى، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ اشْتِرَاطُ الْخَوْفِ فِي الْقَصْرِ مَانِعًا مِنَ الْقَصْرِ مَعَ عَدَمِهِ، لَمَا جَازَ الْقَصْرُ مَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ أَوْ كَانَ الْقَصْرُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَأَمَّا (١) عَدَمُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَعَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيَاةِ وَعَدَمِ الْحَوْلِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ مَانِعٌ مِنْ وُجُودِ الْحُكْمِ مَعَ عَدَمِهِ وَلَا بُدَّ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَنْتَفِي فِي بَعْضِ صُوَرِ نَفْيِ الشَّرْطِ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي لُزُومِ انْتِفَائِهِ مِنِ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَلَا بُدَّ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فَالْوَجْهُ فِي جَوَابِهِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّرْطِ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ، وَلَا مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُهُ، إِذَا كَانَ غَيْرُ الشَّرْطِ مُشَارِكًا لَهُ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ، أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ اشْتِرَاكُ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي عَارِضٍ عَامٍّ لَهَا. كَيْفَ وَإِنَّ مَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ شَرْطًا لِغَيْرِهِ أَنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِحَالِ الْمَشْرُوطِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الشَّرْطُ لَا يَجُوزُ نَفْيُ الْمَشْرُوطِ عِنْدَ تَحَقُّقِ مُقْتَضِيهِ دَفْعًا لِوَهْمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ الْخِطَابَ لَوْ وَرَدَ مُطْلَقًا لَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَشْرُوطُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ مُرَادًا. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: " ضَحِّ بِالشَّاةِ وَإِنْ كَانَتْ عَوْرَاءَ " فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: " ضَحُّوا بِالشَّاةِ مُطْلَقًا " لَجَازَ أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِالْعَوْرَاءِ فَكَانَ ذِكْرُ هَذَا الْوَهْمِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ شَرْطًا لِكُلِّ شَيْءٍ كَمَا قَالُوهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الشَّرْطَ يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ دُونَهُ، وَلَكِنْ مَتَى إِذَا أَمْكَنَ قِيَامُ شَرْطٍ مَقَامَ ذَلِكَ الشَّرْطِ، أَوْ إِذَا لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ شَرْطٌ آخَرُ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. وَعَلَى

стр. 709

هَذَا فَكَوْنُهُ شَرْطًا يَتَحَقَّقُ بِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَائِهِ، إِذَا لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِذَا قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ فِي الشَّرْطِيَّةِ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الِاشْتِرَاطِ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ شَرْطٍ آخَرَ، وَلَا عَلَى عَدَمِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: " إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا "، مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ دُخُولُ الدَّارِ فِي عَطِيَّتِكَ لَهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَمَالُ الشَّرْطِ هُوَ دُخُولُ الدَّارِ، لِأَنَّ لَامَ الْجِنْسِ تَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: " إِنْ دَخَلَ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا "، يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِعْطَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّخُولِ، فَلَوْ قَامَ شَرْطٌ آخَرُ مَقَامَهُ لَزِمَ مِنْهُ جَوَازُ الْإِعْطَاءِ مَعَ عَدَمِ الدُّخُولِ، فَيَقْتَضِي الشَّرْطُ الْأَوَّلُ امْتِنَاعَ وُجُودِ شَرْطٍ آخَرَ يَقُومُ مَقَامَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْرَاجِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا. قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (إِنْ دَخَلَ الدَّارَ) هُوَ الشَّرْطُ، بَلْ هُوَ شَرْطٌ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ شَرْطٍ آخَرَ، وَتَقْدِيرُ لَامِ الْجِنْسِ هَاهُنَا زِيَادَةٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، فَلَا يُصَارُ إِلَيْهَا. وَجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنْ دَخَلَ الدَّارَ) يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِعْطَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّخُولِ مُطْلَقًا، بَلْ إِذَا لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ. (لَكِنْ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هَاهُنَا إِذَا سُلِّمَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ أَنَّ عَدَمَهُ يَقْتَضِي الْعَدَمَ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ قِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، فَاقْتَضَى عَدَمُهُ الْعَدَمَ.) وَرُبَّمَا احْتَجَّ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ الشَّرْطُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ لَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ يَمْنَعُ مِنْ تَحْرِيمِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا عِنْدَ عَدَمِ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ، وَهُوَ مُحَالٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: ذِكْرُ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ إِنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي الْإِكْرَاهِ لِاسْتِحَالَةِ تَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مُرِيدٌ لَهُ غَيْرُ مُرِيدٍ لِلتَّحَصُّنِ، لَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي تَحْرِيمِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 710

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالثةِ الْخِطَابِ إِذَا قُيِّدَ الْحُكْمُ بِغَايَةٍ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اخْتَلَفُوا فِي الْخِطَابِ إِذَا قُيِّدَ الْحُكْمُ بِغَايَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ (إِلَى) أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ تَقْيِيدُ الْحُكْمِ بِالْغَايَةِ الْمَحْدُودَةِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ لَمْ يَخْلُ: إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ أَوْ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَالًّا عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ لَمَا كَانَ التَّقْيِيدُ بِالْغَايَةِ مُفِيدًا، أَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، الْأَوَّلُ مُحَالٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِصَرِيحِهِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ بَعْدَ الْغَايَةِ، وَالثَّانِي إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ سِوَى مَا ذَكَرُوهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ جَازَ أَنْ تَكُونَ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ تَعْرِيفَ بَقَاءِ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْخِطَابِ أَيْ مُتَعَرِّضٌ فِيهِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَلَا نَفْيِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَعَلَى مُدَّعِيهِ بَيَانُهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ وُرُودِ الْخِطَابِ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ بِمِثْلِ الْحُكْمِ السَّابِقِ قَبْلَ الْغَايَةِ بِالْإِجْمَاعِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدُ الْحُكْمِ بِالْغَايَةِ نَافِيًا لِلْحُكْمِ فِيمَا بَعْدَهَا، أَوْ لَا يَكُونَ، وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ مَعَ تَحَقُّقِ مَا يَنْفِيهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ كَلِمَةَ (حَتَّى) وَ (إِلَى) لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، وَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى قَوْلِهِ: " «صُومُوا صَوْمًا آخِرُهُ اللَّيْلُ» " وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمُنِعَ مِنْ وُجُوبِ الصَّوْمِ بَعْدَ مَجِيءِ

стр. 711

اللَّيْلِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الصَّوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ لَصَارَتِ الْغَايَةُ وَسَطًا وَهُوَ مُحَالٌ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِعَبْدِهِ: " لَا تُعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا حَتَّى يَقُومَ، وَاضْرِبْ عَمْرًا حَتَّى يَتُوبَ " فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنْ يُقَالَ: " فَهَلْ أُعْطِيهِ إِذَا قَامَ؟ ، وَهَلْ أَضْرِبُهُ إِذَا تَابَ؟ " وَلَوْلَا أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْغَايَةِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بَعْدَهَا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. قُلْنَا لَا نُنْكِرُ أَنَّ (حَتَّى) وَ (إِلَى) لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَأَنَّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى قَوْلِهِ: " «صُومُوا صِيَامًا آخِرُهُ اللَّيْلُ» " غَيْرَ أَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ تَقْيِيدَ الْحُكْمِ بِالْغَايَةِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالْغَايَةِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ دَلَالَةَ التَّقْيِيدِ بِالْغَايَةِ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا غَيْرُ مُتَعَرَّضٍ فِيهِ بِالْخِطَابِ الْأَوَّلِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ صَوْمٍ بَعْدَ الْغَايَةِ أَنْ تَصِيرَ الْغَايَةُ وَسَطًا، بَلْ هِيَ غَايَةٌ لِلصَّوْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا تَصِيرُ وَسَطًا أَنْ لَوْ كَانَ الصَّوْمُ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُسْتَنِدًا إِلَى الْخِطَابِ الَّذِي قَبْلَ الْغَايَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا تُعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا حَتَّى يَقُومَ، وَاضْرِبْ عَمْرًا حَتَّى يَتُوبَ " لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ مَسْكُوتٌ عَنْهُ غَيْرُ مُتَعَرَّضٍ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ فَلَا يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ فِيمَا لَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عَلَيْهِ كَمَا قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْإِعْطَاءِ وَالضَّرْبِ.

стр. 712

[الْمَسْأَلَةُ الرابعة تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ هَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ الْعَدَدَ بِخِلَافِهِ أَوْ لَا] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ هَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ الْعَدَدَ بِخِلَافِهِ أَوْ لَا وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا قُيِّدَ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فَمِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ حَرَّمَ اللَّهُ جَلْدَ الزَّانِي مِائَةً، وَقَالَ إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ لَا يَحْمِلُ خَبَثًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَلِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ وَعَلَى الْقُلَّتَيْنِ فَفِيهِ الْمِائَةُ وَالْقُلَّتَانِ وَزِيَادَةٌ. وَهَلْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا دُونَ الْمِائَةِ وَدُونَ الْقُلَّتَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْحُكْمِ فِي الْمِائَةِ وَالْقُلَّتَيْنِ؟ هَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. وَمِنْهُ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا أَوْجَبَ جَلْدَ الزَّانِي مِائَةً أَوْ أَبَاحَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَالْإِبَاحَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ وَمُخْتَلَفٌ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ وَالْإِبَاحَةِ فِيمَا زَادَ، وَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَا نَقُصَ كَحُكْمِ الْمِائَةِ لِدُخُولِهِ تَحْتَهَا، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ. (١) وَالْمُخْتَارُ فِيمَا كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ فِيهِ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّ تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِالْعَدَدِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمَنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَخْرُجُ فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ.

стр. 713

[الْمَسْأَلَةُ الخامسة مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ خِلَافًا لِلدَّقَّاقِ وَأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، _رَحِمَهُ اللَّهُ_. وَصُورَتُهُ أَنْ يُعْلَنَ الْحُكْمُ إِمَّا بِاسْمِ جِنْسٍ، كَالتَّخْصِيصِ عَلَى الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا أَوْ بِاسْمِ عَلَمٍ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: زَيْدٌ قَائِمٌ أَوْ قَامَ. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، لَكِنْ قَدِ احْتَجَّ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِإِبْطَالِهِ بِحُجَجٍ لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ. الْحُجَّةُ الْأُولَى: لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ حُجَّةً، لَبَطَلَ الْقِيَاسُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، وَبَيَانُ لُزُومِ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَصْلٍ، وَحُكْمُ الْأَصْلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ: فَلَوْ كَانَ النَّصُّ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ أَوِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنِ الْفَرْعِ فَالْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ إِنْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ، فَلَا قِيَاسَ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَلَيْسَ بِصَرِيحِهِ، بَلْ بِمَفْهُومِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَمْنَعُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِمَعْقُولِ النَّهْيِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فَلَا يُفْضِي إِلَى إِبْطَالِ الْقِيَاسِ، وَغَايَتُهُ التَّعَارُضُ لَا الْإِبْطَالُ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ حُجَّةً وَدَلِيلًا، لَكَانَ الْقَائِلُ إِذَا قَالَ: " عِيسَى رَسُولُ اللَّهِ " فَكَأَنَّهُ قَالَ: " مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ " وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: " زَيْدٌ مَوْجُودٌ " فَكَأَنَّهُ قَالَ: " الْإلَهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ " وَهُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ، وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ قَائِلٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مِنَ الْخُصُومِ إِنَّمَا لَا يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ كَافِرًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَنَبِّهًا لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ، أَوْ كَانَ مُتَنَبِّهًا لَهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِلَفْظِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُتَنَبِّهًا لِدَلَالَةِ لَفْظِهِ وَهُوَ مُرِيدٌ لِمَدْلُولِهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ كَافِرًا.

стр. 714

الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: " زَيْدٌ يَأْكُلُ " لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ عَمْرًا لَا يَأْكُلُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ مَنْ يَعْتَقِدُ دَلَالَةَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ، أَوْ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَعَدَمُ فَهْمِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَا يَعْتَقِدُ دَلَالَتَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ دَلَالَتِهِ فِي نَفْسِهِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ دَلِيلًا لَمَا حَسُنَ مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يُخْبِرَ أَنَّ زَيْدًا يَأْكُلُ، إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَأْكُلْ وَإِلَّا كَانَ مُخْبِرًا بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهِ، أَوْ بِمَا لَا يَأْمَنُ فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ، وَحَيْثُ اسْتَحْسَنَ الْعُقَلَاءُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ الْأَكْلِ عَنْ غَيْرِ زَيْدٍ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَنَّ غَيْرَ زَيْدٍ يَأْكُلُ، أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ إِنَّمَا لَمْ يُسْتَقْبَحْ مِنْهُ ذَلِكَ لِظُهُورِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ سِوَى مَدْلُولِ صَرِيحِ لَفْظِهِ دُونَ مَفْهُومِهِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فِي إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ وَعِلْمِهِ بِوُقُوعِ الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِ زَيْدٍ فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْعَاقِلِ أَنَّهُ لَا يُخْبِرُ عَنْ نَفْيِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ وَلَا نَفْيِ مَا عَلِمَ وُقُوعَهُ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ ظَهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ لِنَفْيِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ لَكَانَ مُسْتَقْبَحًا. وَالْمُخْتَارُ فِي إِبْطَالِ مَا سَبَقَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَأَمَّا حُجَجُ الْخُصُومِ وَجَوَابُهَا فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي مَفْهُومِ التَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ. وَرُبَّمَا احْتَجُّوا فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحُجَجٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ تَخَاصَمَ شَخْصَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: " أَمَّا أَنَا فَلَيْسَ لِي أُمٌّ وَلَا أُخْتٌ وَلَا امْرَأَةٌ زَانِيَةٌ " فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ نِسْبَةُ الزِّنَا مِنْهُ إِلَى زَوْجَةِ خَصْمِهِ وَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمَالِكٍ بِوُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَيْهِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ إِنْ فُهِمَ مِنْهُ فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ حَالِهِ لَا مِنْ دَلَالَةِ مَقَالِهِ بِدَلِيلِ مَا أَسْلَفْنَاهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَنَا وَاجِبًا بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي مَفْهُومِ الِاسْمِ الْعَامِّ الْمُشْتَقِّ كَقَوْلِهِ: " «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» ".

стр. 715

[الْمَسْأَلَةُ السادسة تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِإِنَّمَا هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِإِنَّمَا كَقَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ» "، " «وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» "، " «وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» "، " «وَإِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» " هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ وَالْهَرَّاسِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَصْرِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْكِيدِ. وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ أَنْكَرَ دَلِيلَ الْخِطَابِ إِلَى أَنَّهُ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْحَصْرِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلِمَةَ (إِنَّمَا) قَدْ تَرِدُ وَلَا حَصْرَ، كَقَوْلِهِ: " «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» " وَهُوَ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي النَّسِيئَةِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ سِوَى ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَدْ تَرِدُ وَالْمُرَادُ بِهَا الْحَصْرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (١) وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهَا حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ تَأْكِيدُ إِثْبَاتِ الْخَبَرِ لِلْمُبْتَدَأِ، نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ لِكَوْنِهِ (٢) عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّ كَلِمَةَ (إِنَّمَا) لَوْ كَانَتْ لِلْحَصْرِ لَكَانَ وُرُودُهَا فِي غَيْرِ الْحَصْرِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. فَإِنْ قِيلَ: وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْحَصْرِ، لَكَانَ فَهْمُ الْحَصْرِ فِي صُورَةِ الْحَصْرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. قُلْنَا: إِنَّمَا يَكُونُ فَهْمُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ أَنْ لَوْ كَانَ دَلِيلُ الْحَصْرِ مُنْحَصِرًا فِي كَلِمَةِ (إِنَّمَا) وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

стр. 716

[الْمَسْأَلَةُ السابعة قَوْلِهِ ﷺ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» " وَفِي قَوْلِ الْقَائِلِ: الْعَالِمُ زَيْدٌ وَصَدِيقِي زَيْدٌ، هَلْ يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ الْأَعْمَالِ فِيمَا كَانَ مَنْوِيًّا، وَعَلَى حَصْرِ الْعَالِمِ وَالصَّدِيقِ فِي زَيْدٍ. فَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ وَالْهَرَّاسِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ لِمَا سَبَقَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى حَصْرِ الْأَعْمَالِ فِي الْمَنْوِيِّ، وَالْعَالِمِ وَالصَّدِيقِ فِي زَيْدٍ، لَكَانَ الْمُبْتَدَأُ أَعَمَّ مِنْ خَبَرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ كَذِبًا كَمَا لَوْ قَالَ: " الْحَيَوَانُ إِنْسَانٌ وَالْإِنْسَانُ زَيْدٌ ". قُلْنَا: إِنَّمَا يَلْزَمُ الْكَذِبُ أَنْ لَوْ كَانَتِ (الْأَلِفُ وَاللَّامُ) فِي الْأَعْمَالِ لِلْعُمُومِ فَإِنَّهَا تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ: " كُلُّ عَمَلٍ مَنْوِيٍ " وَهُوَ كَاذِبٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ: " كُلُّ حَيَوَانٍ إِنْسَانٌ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ! بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْبَعْضِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: " بَعْضُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ " وَذَلِكَ صَادِقٌ غَيْرُ كَاذِبٍ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ: " الْعَالِمُ زَيْدٌ " وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " صَدِيقِي زَيْدٌ " لَيْسَ عَامًّا فِي كُلِّ صَدِيقٍ بَلْ كَأَنَّهُ قَالَ: " بَعْضُ أَصْدِقَائِي زَيْدٌ " حَتَّى إِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ (الْأَلِفَ وَاللَّامَ) إِذَا دَخَلَتْ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ تَكُونُ عَامَّةً، وَكَانَ الْمُتَكَلِّمُ مُرِيدًا لِلتَّعْمِيمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ ظُهُورِ عَالِمٍ آخَرِ وَصَدِيقٍ آخَرَ لَهُ، وَكَانَ قَوْلُهُ دَالًّا عَلَى الْحَصْرِ لَا مَحَالَةَ. (١) وَرُبَّمَا قِيلَ فِي إِبْطَالِ الْقَوْلِ بِالْحَصْرِ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ: " الْعَالِمُ زَيْدٌ وَصَدِيقِي زَيْدٌ " يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ الْعَالِمِ وَالصَّدِيقِ فِي زَيْدٍ لَكَانَ إِذَا قَالَ: " الْعَالِمُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَصَدِيقِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو " مُتَنَاقِضًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلَيْسَ بِحَقٍّ فَإِنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مُنَاقِضًا بِشَرْطِ أَنْ يَتَجَرَّدَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ عَمَّا يُغَيِّرُهُ.

стр. 717

وَأَمَّا إِذْ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ " وَعَمْرٌو " صَارَ الْكُلُّ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَكَانَ قَوْلُهُ الْعَالِمُ زَيْدٌ مَعَ الِانْفِرَادِ مُغَايِرًا فِي دَلَالَتِهِ لِقَوْلِهِ " الْعَالِمُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو " وَهَذَا كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: " عَلَيَّ عَشْرَةٌ " ثُمَّ بَعْدَ حِينٍ قَالَ " إِلَّا خَمْسَةً " فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَةِ لَفْظِهِ الْأَوَّلِ وَلَوْ قَالَ " لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا خَمْسَةً " عَلَى الِاتِّصَالِ كَانَ مَقْبُولًا لِعَدَمِ تَنَاقُضِهِ، وَلَوْلَا اخْتِلَافُ الدَّلَالَةِ لَمَا اخْتَلَفَ الْحَالُ بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ أَوْ يُقْبَلَ فِيهِمَا، وَهُوَ مُحَالٌ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَة الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ " لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ " فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَأَكْثَرُ مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ كُلِّ عَالِمٍ سِوَى زَيْدٍ، وَإِثْبَاتِ كَوْنِ زَيْدٍ عَالِمًا، وَذَهَبَ بَعْضُ مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ زَيْدٍ عَالِمًا، بَلْ هُوَ نُطْقٌ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَسُكُوتٌ عَنِ الْمُسْتَثْنَى. وَمَعْنَى خُرُوجِ الْمُسْتَثْنَى عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمُومِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَأَنَّهُ لَمْ يُتَعَرَّضْ فِيهِ لِكَوْنِ زَيْدٍ عَالِمًا لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. وَالْحَقُّ إِنَّمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْجُمْهُورِيُّ، وَدَلِيلُهُ مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " نَافٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمُثْبِتٌ لِصِفَةِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَرَّرْنَاهُ أَحْسَنَ تَقْرِيرٍ، وَحَقَّقْنَا وَجْهَ الِانْفِصَالِ عَنْ كُلِّ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ فَعَلَيْكَ بِالِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ وَنَقْلِهِ إِلَى هَاهُنَا.

стр. 718

[الْمَسْأَلَةُ التاسعة كُلَّ خِطَابٍ خَصَّصَ مَحَلَّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْأَعَمِّ بِالْأَغْلَبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ كُلَّ خِطَابٍ خَصَّصَ مَحَلَّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْأَعَمِّ بِالْأَغْلَبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) .، وَقَوْلِهِ ﷺ : " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» "، وَقَوْلُهُ ﷺ : " «فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» " فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ لِمَحَلِّ النُّطْقِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ الرَّبِيبَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْحِجْرِ، وَأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الشِّقَاقِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ إِذْنِ الْوَلِيِّ لَهَا وَإِبَائِهِ مِنْ تَزْوِيجِهَا، وَأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْحِجَارَةِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا ظَهَرَ سَبَبُ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ كَسُؤَالِ سَائِلٍ أَوْ حُدُوثِ حَادِثَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْصِيصِ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ سَبَبٌ يُوجِبُ تَخْصِيصَ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ دُونَ مَحَلِّ السُّكُوتِ بَلْ كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِمَا وَإِلَى ذِكْرِهِمَا مَعَ الْعِلْمِ بِهِمَا مُسْتَوِيَةً، وَلَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ. وَبِالْجُمْلَةِ، لَوْ لَمْ يَظْهَرْ سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّخْصِيصِ سِوَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ فَهَلْ يَجِبُ الْقَوْلُ بِنَفْيِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ تَحْقِيقًا لِفَائِدَةِ التَّخْصِيصِ، أَوْ لَا يَجِبُ؟ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَا يَجِبُ كَانَ التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ عَبَثًا خَلِيًّا عَنِ الْفَائِدَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُنَزَّهُ عَنْهُ مَنْصِبُ آحَادِ الْبُلَغَاءِ فَضْلًا عَنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ. وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ نَفْيِ الْحُكْمِ لَزِمَ الْقَوْلُ بِدَلَالَةِ الْمَفْهُومِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.

стр. 719

وَالْوَجْهُ فِي حِلِّهِ أَنْ يُقَالَ: إِذَا لَمْ يَظْهَرِ السَّبَبُ الْمُخَصِّصُ، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِهِ مُحْتَمِلَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ عَلَى السَّوَاءِ، أَوْ أَنَّ عَدَمَهُ أَظَهَرُ مِنْ وُجُودِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَيْسَ الْقَوْلُ بِالنَّفْيِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِالْإِثْبَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مَفْهُومَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ أَنْ لَوْ كَانَ نَفْيُ الْحُكْمِ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ الْفَوَائِدِ الْمُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ إِنَّمَا هُوَ فَرْعُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَتْ دَلَالَةُ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ كَانَ دَوْرًا مُمْتَنِعًا. (١) وَإِلَى هَاهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ فِي أَصْنَافِ دَلَالَةِ غَيْرِ الْمَنْظُومِ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. [مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَدِلَّةِ] [النظر في النسخ] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِ النَّسْخِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ] وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَدِلَّةِ فَهُوَ النَّظَرُ فِي النَّسْخِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ. أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَتَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ:

стр. 720

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِ النَّسْخِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَمَّا النَّسْخُ: فَهُوَ فِي اللُّغَةِ قَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ، وَمِنْهُ يُقَالُ نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ أَيْ: أَزَالَتْهُ، وَنَسَخَتِ الرِّيحُ أَثَرَ الْمَشْيِ أَيْ: أَزَالَتْهُ، وَنَسَخَ الشَّيْبُ الشَّبَابَ إِذَا أَزَالَهُ، وَمِنْهُ تَنَاسُخُ الْقُرُونِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَالْإِزَالَةُ هِيَ الْإِعْدَامُ، وَلِهَذَا يُقَالُ: زَالَ عَنْهُ الْمَرَضُ وَالْأَلَمُ وَزَالَتِ النِّعْمَةُ عَنْ فُلَانٍ، وَيُرَادُ بِهِ الِانْعِدَامُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا. وَقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى نَقْلِ الشَّيْءِ وَتَحْوِيلِهِ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ مَعَ بَقَائِهِ فِي نَفْسِهِ. قَالَ السِّجِسْتَانِيُّ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَالنَّسْخُ أَنْ تُحَوِّلَ مَا فِي الْخَلِيَّةِ مِنَ النَّحْلِ وَالْعَسَلِ إِلَى أُخْرَى، وَمِنْهُ تَنَاسُخُ الْمَوَارِيثِ بِانْتِقَالِهَا مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ، وَتَنَاسُخُ الْأَنْفُسِ بِانْتِقَالِهَا مِنْ بَدَنٍ إِلَى غَيْرِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ. وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ النَّقْلِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِ نَقْلُ الْأَعْمَالِ إِلَى الصُّحُفِ أَوْ مِنَ الصُّحُفِ إِلَى غَيْرِهَا. اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ: فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ كَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ إِلَى أَنَّ اسْمَ النَّسْخِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِزَالَةِ مَجَازٌ فِي النَّقْلِ، وَذَهَبَ الْقَفَّالُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ. وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ بِأَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ النَّسْخِ عَلَى النَّقْلِ فِي قَوْلِهِمْ: " نَسَخْتُ الْكِتَابَ " مَجَازٌ لِأَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ لَمْ يُنْقَلْ حَقِيقَةً. وَإِذَا كَانَ اسْمُ النَّسْخِ مَجَازٌ فِي النَّقْلِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْإِزَالَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِيمَا سِوَاهُمَا. وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْآخَرِ. وَقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: إِطْلَاقُ اسْمِ النَّسْخِ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ وَالْإِعْدَامِ وَاقِعٌ كَمَا سَبَقَ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي النَّقْلِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ.

стр. 721

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إِنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ النَّسْخِ عَلَى الْكِتَابِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أَوْ تَجَوُّزًا، فَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَبَطَلَ مَا ذَكَرُوهُ، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا ضَرُورَةً أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ لَمْ يُنْقَلْ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيَمْتَنِعَ أَنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ بِهِ مُسْتَعَارًا مِنَ الْإِزَالَةِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُزَالٍ، وَلَا يُشْبِهُ الْإِزَالَةَ فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِعَارَتِهِ مِنْ مَعْنًى آخَرَ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى امْتِنَاعِ إِطْلَاقِ اسْمِ النَّسْخِ حَقِيقَةً فِي الْإِزَالَةِ وَالنَّقْلِ فَإِذَا تَعَذَّرَتِ اسْتِعَارَتُهُ مِنَ الْإِزَالَةِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا مِنَ النَّقْلِ. وَوَجْهُ اسْتَعَارَتِهِ مِنْهُ أَنَّ تَحْصِيلَ مِثْلِ مَا فِي أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ فِي الْآخَرِ تَجْرِي مَجْرَى نَقْلِهِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَيْهِ فَكَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ التَّجَوُّزِ. وَإِذَا كَانَ مُسْتَعَارًا مِنَ النَّقْلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ النَّسْخِ حَقِيقَةً فِي النَّقْلِ إِذِ الْمَجَازُ لَا يُتَجَوَّزُ بِهِ فِي غَيْرِهِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ. ثُمَّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا فِي نَسْخِ الْكِتَابِ فَمَا الِاعْتِذَارُ عَنْ إِطْلَاقِ اسْمِ التَّنَاسُخِ فِي الْمَوَارِيثِ مَعَ كَوْنِهَا مُنْتَقِلَةً حَقِيقَةً، وَإِطْلَاقُ اسْمِ النَّسْخِ عَلَى تَحْوِيلِ النَّحْلِ وَالْعَسَلِ مِنْ خَلِيَّةٍ إِلَى أُخْرَى، فَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَقْرِيرِ التَّجَوُّزِ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ هَاهُنَا. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَمُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: اسْمُ النَّسْخِ قَدْ أُطْلِقَ بِمَعْنَى النَّقْلِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْإِزَالَةِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّرْجِيحُ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْإِزَالَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ مُطْلَقُ إِعْدَامٍ، وَالنَّقْلُ أَخَصُّ مِنَ الْإِزَالَةِ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إِعْدَامَ الصِّفَةِ وَحُدُوثَ أُخْرَى، وَالْإِعْدَامُ الْمُسْتَلْزِمُ حُدُوثَ شَيْءٍ آخَرَ أَخَصُّ مِنَ الْإِعْدَامِ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتِ الْإِزَالَةُ أَعَمَّ فَجَعْلُ النَّسْخِ حَقِيقَةً فِيهَا أَوْلَى نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِزَالَةَ أَعَمُّ مِنَ النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَلْزِمُ إِعْدَامَ صِفَةٍ وَتَجَدُّدَ أُخْرَى فَكُلُّ إِزَالَةٍ هَكَذَا لِأَنَّ الْإِزَالَةَ عَلَى مَا قِيلَ هِيَ الْإِعْدَامُ، وَالْإِعْدَامُ يَسْتَلْزِمُ زَوَالَ الصِّفَةِ، وَهِيَ الْوُجُودُ وَتَجَدُّدَ أُخْرَى، وَهِيَ صِفَةُ الْعَدَمِ، وَهُمَا صِفَتَانِ مُتَقَابِلَتَانِ مَهْمَا انْتَفَتْ إِحْدَاهُمَا تَحَقَّقَتِ الْأُخْرَى، وَإِذَا تَسَاوَيَا عُمُومًا وَخُصُوصًا

стр. 722

فَلَيْسَ جَعْلُ اسْمِ النَّسْخِ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. وَإِذَا تَعَذَّرَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مَعَ صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ فِيهِمَا كَانَ الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ أَشْبَهَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي حَقِيقَةِ النَّقْلِ خُصُوصُ تَبَدُّلِ الصِّفَةِ الْوُجُودِيَّةِ بِصِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ فَيَكُونَ النَّقْلُ أَخَصَّ. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَالنِّزَاعُ فِي هَذَا لَفْظِيٌّ لَا مَعْنَوِيٌّ. وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ إِزَالَةُ مِثْلِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِقَوْلٍ مَنْقُولٍ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَنْ رَسُولِهِ مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا، وَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ إِزَالَةَ الْمِثْلِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَبْلَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمِثْلِ أَوْ بَعْدَ عَدَمِهِ، أَوْ فِي حَالَةِ وُجُودِهِ: الْأَوَّلُ: مُحَالٌ، فَإِنَّ مَا لَمْ يُوجَدْ لَا يُقَالُ إِنَّهُ أُزِيلَ، وَالثَّانِي أَيْضًا مُحَالٌ، فَإِنَّ إِزَالَةَ مَا عُدِمَ بَعْدَ وَجُودِهِ مُمْتَنِعٌ، وَالثَّالِثُ: أَيْضًا مُحَالٌ، لِأَنَّ الْإِزَالَةَ هِيَ الْإِعْدَامُ، وَإِعْدَامُ الشَّيْءِ حَالَ وُجُودِهِ مُحَالٌ. (١) الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ إِذْ يَدْخُلُ فِيهِ إِزَالَةُ مِثْلِ مَا كَانَ ثَابِتًا مِنَ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِخِطَابِ الشَّارِعِ الْمُتَرَاخِي عَلَى وَجْهٍ لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ الْمُغَيِّرِ لَكَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُسْتَمِرًّا وَلَيْسَ بِنَسْخٍ فِي مُصْطَلَحِ الْمُتَشَرِّعِينَ إِجْمَاعًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ إِزَالَةُ الْحُكْمِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ، وَيَبْطُلُ بِالْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَبِمَا لَوْ زَالَ الْحُكْمُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ بِمَرَضٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ مَوْتٍ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا قِيلَ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ إِجْمَاعًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ نَقْلُ الْحُكْمِ إِلَى خِلَافِهِ، وَيَبْطُلُ بِمَا بَطَلَ بِهِ الْحَدُّ الَّذِي قَبْلَهُ، وَبِمَا لَوْ نُقِلَ الْحُكْمُ إِلَى خِلَافِهِ بِالْغَايَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيمَا قَبْلَ الْغَايَةِ قَدْ قُلِبَ إِلَى خِلَافِهِ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ، وَلَيْسَ بِنَسْخٍ، وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي حَدِّهِ إِنَّهُ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ.

стр. 723

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إِنَّهُ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ أَيْضًا. وَقَصَدَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ تَعْمِيمَ كُلِّ خِطَابٍ كَانَ مِنْ بَابِ الْمَنْظُومِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالِاحْتِرَازَ عَنِ الْمَوْتِ وَالْمَرَضِ وَالْجُنُونِ وَجَمِيعِ الْأَعْذَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ارْتِفَاعِ الْأَحْكَامِ الزَّائِلَةِ بِهَا مَعَ تَرَاخِيهَا، وَلَوْلَاهَا لَكَانَتِ الْأَحْكَامُ الزَّائِلَةُ بِهَا مُسْتَمِرَّةً. وَبِالْقَيْدِ الثَّانِي: وَهُوَ الْخِطَابُ الْمُتَقَدِّمُ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَبِالْقَيْدِ الثَّالِثِ: وَهُوَ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ مُسْتَمِرًّا الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَرَدَ الْخِطَابُ بِحُكْمٍ مُؤَقَّتٍ، ثُمَّ وَرَدَ الْخِطَابُ عِنْدَ تَصَرُّمِ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِحُكْمٍ مُنَاقِضٍ لِلْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ وَرَدَ قَوْلُهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (كُلُوا) بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ الْخِطَابِ الْأَوَّلِ حَيْثُ إِنَّهُ لَوْ قَدَّرْنَا عَدَمَ الْخِطَابِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْخِطَابِ الْأَوَّلِ مُسْتَمِرًّا بَلْ مُنْتَهِيًا بِالْغُرُوبِ. وَبِالْقَيْدِ الرَّابِعِ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْخِطَابِ الْمُتَّصِلِ، كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيَانًا لَا نَسْخًا. وَيَرِدُ عَلَيْهِ إِشْكَالَاتٌ: الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْخِطَابَ الدَّالَّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ هُوَ النَّاسِخُ، وَالنَّسْخُ هُوَ نَفْسُ الِارْتِفَاعِ فَلَا يَكُونُ النَّاسِخُ هُوَ النَّسْخُ. الثَّانِي: وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ وَلَا مَانِعٍ. أَمَّا إِنَّهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ فِلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسْخُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ نَسْخُ مَا ثَبَتَ بِفِعْلِ الرَّسُولِ، وَلَيْسَ فِيهِ ارْتِفَاعُ حُكْمٍ ثَبَتَ بِالْخِطَابِ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ فَلِأَنَّهُ لَوِ اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ فِي الْوَاقِعَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَأَجْمَعُوا بِخِطَابِهِمْ عَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ لِلْمُقَلِّدِ، ثُمَّ أَجْمَعُوا بِأَقْوَالِهِمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّ حُكْمَ خِطَابِ الْإِجْمَاعِ الثَّانِيَ دَلَّ عَلَى ارْتِفَاعِ حُكْمِ خِطَابِ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ إِذِ الْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ بِهِ.

стр. 724

الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ تَحْدِيدَ النَّسْخِ بِارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ تَحْدِيدٌ لَهُ بِمَا لَيْسَ بِمُتَصَوَّرٍ لِوُجُوهٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي مَسْأَلَةِ إِثْبَاتِ النَّسْخِ. الرَّابِعُ: أَنَّ فِيهِ زِيَادَةً لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ (مُتَرَاخٍ عَنْهُ) وَقَوْلُهُ (عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ مُسْتَمِرًّا ثَابِتًا) فَإِنَّ ذِكْرَ التَّرَاخِي إِنَّمَا وَقَعَ احْتِرَازًا عَنِ الْخِطَابِ الْمُتَّصِلِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ، وَفِي الْحَدِّ مَا يَدْرَأُ النَّقْضَ بِذَلِكَ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْحُكْمِ وَالْخِطَابِ الْمُتَّصِلِ بِالْخِطَابِ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَيْسَ رَافِعًا لِحُكْمِ الْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الذِّكْرِ بَلْ هُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْخِطَابَ الْمُتَقَدِّمَ لَمْ يُرِدِ الْحُكْمَ فِيمَا اسْتُثْنِيَ، وَفِيمَا خَرَجَ عَنِ الشَّرْطِ وَالْغَايَةِ، وَبِالتَّقَيُّدِ بِالرَّفْعِ يُدْرَأُ النَّقْضُ بِالْخِطَابِ الْوَارِدِ بِمَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ إِذَا كَانَ حُكْمُهُ مُؤَقَّتًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْخِطَابَ الثَّانِيَ لَا يَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعِ حُكْمِ الْخِطَابِ الْأَوَّلِ لِانْتِهَائِهِ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّسْخَ هُوَ ارْتِفَاعُ الْحُكْمِ، بَلِ النَّسْخُ نَفْسُ الرَّفْعِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلِارْتِفَاعِ، وَالرَّفْعُ هُوَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى الِارْتِفَاعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّسْخَ يَسْتَدْعِي نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، وَالنَّاسِخُ هُوَ الرَّافِعُ أَيِ الْفَاعِلُ، وَالْمَنْسُوخُ هُوَ الْمَرْفُوعُ أَيِ الْمَفْعُولُ، وَالرَّافِعُ وَالْمَرْفُوعُ، أَيِ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ يَسْتَدْعِي رَفْعًا وَارْتِفَاعًا، أَيْ فِعْلًا وَانْفِعَالًا، وَالرَّافِعُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَإِنْ سُمِّيَ الْخِطَابُ نَاسِخًا فَإِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقِ التَّجَوُّزِ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ، وَالْمَرْفُوعُ هُوَ الْحُكْمُ، وَالرَّفْعُ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ صِفَةُ الرَّافِعِ، وَذَلِكَ هُوَ الْخِطَابُ، وَالِارْتِفَاعُ الَّذِي هُوَ نَفْسُ الِانْفِعَالِ صِفَةُ الْمَرْفُوعِ الْمَفْعُولِ، وَذَلِكَ عَلَى نَحْوِ فَسْخِ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْفَاسِخَ هُوَ الْعَاقِدُ، وَالْمَفْسُوخَ هُوَ الْعَقْدُ وَالْفَسْخَ صِفَةُ الْعَاقِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (فَسَخْتُ) وَالِانْفِسَاخُ صِفَةُ الْعَقْدِ، وَهُوَ انْحِلَالُهُ بَعْدَ انْبِرَامِهِ. وَأَمَّا النَّسْخُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِعْلَ الرَّسُولِ نَاسِخٌ حَقِيقَةً إِذْ لَيْسَ لِلرَّسُولِ وِلَايَةُ إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَرَفْعِهَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ وَمُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَشْرَعُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَيَرْفَعُهُ، فَفِعْلُهُ إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَإِنَّمَا هُوَ

стр. 725

دَلِيلٌ عَلَى الْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ لَا أَنَّ نَفْسَ الْفِعْلِ هُوَ الدَّالُّ عَلَى الِارْتِفَاعِ. وَأَمَّا الْإِشْكَالُ بِالْإِجْمَاعِ فَفِيهِ جَوَابَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَهْمَا اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ فِي حُكْمِ مَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَكَانَ إِجْمَاعُهُمْ قَاطِعًا فَلَا نُسَلِّمُ تَصَوُّرَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى مُنَاقَضَةِ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ أَوَّلًا لِيَصِحَّ مَا قِيلَ. الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مُسْتَنِدٌ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ الْمُوجِبِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ. وَعَلَى هَذَا، فَيَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ دَلِيلًا عَلَى وُجُودِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ النَّسْخُ لَا أَنَّ خِطَابَهُمْ نَسْخٌ. وَمَا وَعَدُوا بِهِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ أَيْضًا. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الزِّيَادَاتِ فَهِيَ غَيْرُ مُخِلَّةٍ بِصِحَّةِ الْحَدِّ، وَفَائِدَتُهَا الْمَيْزُ بَيْنَ النَّسْخِ وَالصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ مُبَالَغَةً فِي تَحْصِيلِ الْفَائِدَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمُخْتَارُ فِي تَحْدِيدِهِ أَنْ يُقَالَ: النَّسْخُ عِبَارَةٌ عَنْ خِطَابِ الشَّارِعِ الْمَانِعِ مِنِ اسْتِمْرَارِ مَا ثَبَتَ مِنْ حُكْمِ خِطَابٍ شَرْعِيٍّ سَابِقٍ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِرَازِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى التَّقْيِيدِ بِالتَّرَاخِي، وَلَا بِقَوْلِنَا (لَوْلَاهُ لَكَانَ مُسْتَمِرًّا ثَابِتًا) لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. (١)

стр. 726

وَأَمَّا النَّاسِخُ فَإِنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيُقَالُ: نَسَخَ فَهُوَ نَاسِخٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْآيَةِ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ فَيُقَالُ آيَةُ السَّيْفِ نَسَخَتْ كَذَا فَهِيَ نَاسِخَةٌ. وَكَذَلِكَ عَلَى طَرِيقٍ يُعْرَفُ بِهِ نَسْخُ الْحُكْمِ مِنْ خَبَرِ الرَّسُولِ وَفِعْلِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. وَعَلَى الْحُكْمِ فَيُقَالُ وُجُوبُ صَوْمِ رَمَضَانَ نَسَخَ وُجُوبَ صَوْمِ عَاشُورَاءَ فَهُوَ نَاسِخٌ، وَعَلَى الْمُعْتَقِدِ لِنَسْخِ الْحُكْمِ، فَيُقَالُ: فُلَانٌ يَنْسَخُ الْقُرْآنَ بِالسُّنَّةِ، أَيْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَهُوَ نَاسِخٌ. غَيْرَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ نَاسِخٍ عَلَى الْحُكْمِ وَعَلَى الْمُعْتَقِدِ لِلنَّسْخِ مَجَازٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي الطَّرِيقِ الْمُعَرِّفِ لِارْتِفَاعِ الْحُكْمِ. فَعِنْدَهُمُ النَّاسِخُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الطَّرِيقُ حَتَّى قَالُوا فِي حَدِّهِ: إِنَّ النَّاسِخَ هُوَ قَوْلٌ صَادِرٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَنْ رَسُولِهِ أَوْ فِعْلٌ مَنْقُولٌ عَنْ رَسُولِهِ يُفِيدُ إِزَالَةَ مِثْلِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِنَصٍّ صَادِرٍ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِنَصٍّ أَوْ فِعْلٍ مَنْقُولٍ عَنْ رَسُولِهِ مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا. وَأَمَّا نَحْنُ: فَمُعْتَقَدُنَا أَنَّ النَّاسِخَ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّ خِطَابَهُ الدَّالَّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ هُوَ النَّسْخُ وَإِنْ سُمِّيَ نَاسِخًا فَمَجَازٌ. وَحَاصِلُ النِّزَاعِ فِي ذَلِكَ آيِلٌ إِلَى اللَّفْظِ. وَأَمَّا الْمَنْسُوخُ فَهُوَ الْحُكْمُ الْمُرْتَفِعُ كَالْمُرْتَفِعِ مِنْ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وَحُكْمِ التَّرَبُّصِ حَوْلًا كَامِلًا عَنِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 727

[الْفَصْلُ الثَّانِي الْفَرْقُ بَيْنَ النَّسْخِ وَالْبَدَاءِ] وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَدَاءَ عِبَارَةٌ عَنِ الظُّهُورِ بَعْدَ الْخَفَاءِ. وَمِنْهُ يُقَالُ: بَدَا لَنَا سُورُ الْمَدِينَةِ بَعْدَ خَفَائِهِ، وَبَدَا لَنَا الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ، أَيْ ظَهَرَ بَعْدَ خَفَائِهِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ، ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ، ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ . وَحَيْثُ كَانَ فَإِنَّ النَّسْخَ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِمَا نُهِيَ عَنْهُ وَالنَّهْيَ عَمَّا أُمِرَ بِهِ عَلَى حَدِّهِ وَظَنَّ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِمَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ. فَإِنْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِمَصْلَحَةٍ فَالْأَمْرُ بِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي نَهَى عَنْهُ إِنَّمَا يَكُونُ لِظُهُورِ مَا كَانَ قَدْ خَفِيَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِمَفْسَدَةٍ فَالنَّهْيُ عَنْهُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِهِ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ إِنَّمَا يَكُونُ لِظُهُورِ مَا كَانَ قَدْ خَفِيَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَذَلِكَ عَيْنُ الْبَدَاءِ. وَلَمَّا خَفِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَدَاءِ وَالنَّسْخِ عَلَى الْيَهُودِ وَالرَّافِضَةِ، مَنَعَتِ الْيَهُودُ مِنَ النَّسْخِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَوَّزَتِ الرَّوَافِضُ الْبَدَاءَ عَلَيْهِ لِاعْتِقَادِهِمْ جَوَازَ النَّسْخِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ تَعَذُّرِ الْفَرْقِ عَلَيْهِمْ بَيْنَ النَّسْخِ وَالْبَدَاءِ (١) وَاعْتَضَدُوا فِي ذَلِكَ بِمَا نَقَلُوهُ

стр. 728

عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " لَوْلَا الْبَدَاءُ لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَنَقَلُوا عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " مَا بَدَا لِلَّهِ تَعَالَى فِي شَيْءٍ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ " أَيْ فِي أَمْرِهِ بِذَبْحِهِ. وَنَقَلُوا عَنْ مُوسَى (١) بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ الْبَدَاءُ دِينُنَا وَدِينُ آبَائِنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ شَاعِرُهُمْ: وَلَوْلَا الْبَدَاءُ سَمَّيْتُهُ غَيْرَ هَائِبٍ ... وَذِكْرُ الْبَدَا نَعْتٌ لِمَنْ يَتَقَلَّبُ وَلَوْلَا الْبَدَا مَا كَانَ فِيهِ تَصَرُّفٌ ... وَكَانَ كَنَارِ دَهْرِهِ يَتَلَهَّبُ وَكَانَ كَضَوْءٍ مُشْرِقٍ بِطَبِيعَةٍ ... وَبِاللَّهِ عَنْ ذِكْرِ الطَّبَائِعِ يَرْغَبُ فَلَزِمَ الْيَهُودَ عَلَى ذَلِكَ إِنْكَارُ تَبَدُّلِ الشَّرَائِعِ، وَلَزِمَ الرَّوَافِضَ عَلَى ذَلِكَ وَصْفُ الْبَارِي تَعَالَى بِالْجَهْلِ مَعَ النُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ وَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. أَمَّا النُّصُوصُ الْكِتَابِيَّةُ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ، وَقَوْلِهِ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ فَمَا اسْتَقْصَيْنَاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ. وَمَا نَقَلُوهُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَمِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَحَلَهَا الْكَذَّابُ الثَّقَفِيُّ (٢)

стр. 729

عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدَّعِي الْعِصْمَةَ لِنَفْسِهِ، وَيُخْبِرُ بِأَشْيَاءَ فَإِذَا ظَهَرَ كَذِبُهُ فِيهَا، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي بِذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ بَدَا لَهُ فِيهِ، وَأَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْبَيْتِ مُبَالَغَةً فِي تَرْوِيجِ أَكَاذِيبِهِ. وَأَمَّا الْآيَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا إِنَّمَا هُوَ مَحْوُ الْمَنْسُوخِ وَإِثْبَاتُ النَّاسِخِ وَمَحْوُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وَمَحْوُ الْحَسَنَاتِ بِالرِّدَّةِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أَوْ مَحْوُ الْمُبَاحَاتِ، وَإِثْبَاتُ الطَّاعَاتِ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، أَوْ مَحْوُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْآجَالِ أَوِ الْأَرْزَاقِ وَإِثْبَاتُ غَيْرِهَا. وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ الْجَهْلِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. (١) وَكَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ النَّسْخِ وَالْبَدَاءِ فَنَقُولُ: إِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْبَدَاءِ وَأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ بَعْدَ الْجَهْلِ وَالظُّهُورِ بَعْدَ الْخَفَاءِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ فَالنَّسْخُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ اسْتِلْزَامَ الْأَمْرِ بِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ لِلْمَصْلَحَةِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَاسْتِلْزَامَ نَسْخِهِ لِلْمَصْلَحَةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَإِذَا نَسَخَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ نَسْخَهُ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ لَهُ مَا كَانَ خَفِيًّا عَنْهُ، وَلَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَمَرَ بِمَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ، وَلَا نَهَى عَمَّا فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَذَلِكَ كَإِبَاحَتِهِ الْأَكْلَ فِي اللَّيْلِ مِنْ رَمَضَانَ وَتَحْرِيمِهِ فِي نَهَارِهِ.

стр. 730

فَإِنْ قِيلَ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ عَلِمَ اسْتِمْرَارَ أَمْرِهِ بِالْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ أَبَدًا، أَوْ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ اسْتَحَالَ نَسْخُهُ لِمَا فِيهِ مِنِ انْقِلَابِ عِلْمِهِ جَهْلًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَالْحُكْمُ يَكُونُ مُنْتَهِيًا بِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ بَعْدُ، وَإِلَّا لَانْقَلَبَ عِلْمُ الْبَارِي جَهْلًا، وَإِذَا كَانَ مُنْتَهِيًا بِنَفْسِهِ فَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ لَا فِي حَالَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يَكُونُ الْفِعْلُ مَأْمُورًا فِيهَا، وَلَا فِي حَالَةِ عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنِ انْقِلَابِ عِلْمِهِ إِلَى الْجَهْلِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ النَّاسِخُ مُؤَثِّرًا فِيهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُهُ. قُلْنَا: الْأَمْرُ مُطْلَقٌ، وَالْبَارِي عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَنْتَهِي بِالنَّاسِخِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ النَّسْخَ يَقَعُ فِيهِ لَا أَنَّهُ عَلِمَ انْتِهَاءَهُ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ مُطْلَقًا بَلْ عَلِمَ انْتِهَاءَهُ بِالنَّسْخِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَهِيًا بِالنَّسْخِ لَانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِهَاءِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالنَّسْخِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَمْرُ مَنْسُوخًا.

стр. 731

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ] نَقُولُ إِنَّ التَّخْصِيصَ وَالنَّسْخَ وَإِنِ اشْتَرَكَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ لُغَةً غَيْرَ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا خَرَجَ عَنِ الْعُمُومِ لَمْ يَكُنِ الْمُتَكَلِّمُ قَدْ أَرَادَ بِلَفْظِهِ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ، وَالنَّسْخُ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا خَرَجَ لَمْ يُرِدِ التَّكْلِيفَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَرَادَ بِلَفْظِهِ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَرِدُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ، وَالنَّسْخَ قَدْ يَرِدُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إِلَّا بِخِطَابٍ مِنَ الشَّارِعِ، بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ. الرَّابِعُ: أَنَّ النَّاسِخَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَرَاخِيًا عَنِ الْمَنْسُوخِ، بِخِلَافِ الْمُخَصَّصِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمُخَصِّصِ وَمُتَأَخِّرًا عَنْهُ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. الْخَامِسُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُخْرِجُ الْعَامَّ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ مُطْلَقًا فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ يَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ فِيمَا عَدَا صُورَةَ التَّخْصِيصِ، بِخِلَافِ النَّسْخِ فَإِنَّهُ قَدْ يُخْرِجُ الدَّلِيلَ الْمَنْسُوخَ حُكْمُهُ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَا إِذَا وَرَدَ النَّسْخُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ. السَّادِسُ: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ، وَلَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ. السَّابِعُ: أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ. الثَّامِنُ: أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَرِيعَةٍ بِأُخْرَى. التَّاسِعُ: أَنَّ الْعَامَّ يَجُوزُ نَسْخُ حُكْمِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ، بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ. الْعَاشِرُ: وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، أَنَّ التَّخْصِيصَ أَعَمُّ مِنَ النَّسْخِ، وَأَنَّ كُلَّ نَسْخٍ تَخْصِيصٌ، وَلَيْسَ كُلُّ تَخْصِيصٍ نَسْخًا، إِذِ النَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِبَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَالتَّخْصِيصُ يَعُمُّ تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ وَبَعْضِ الْأَحْوَالِ وَبَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

стр. 732

وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ صِفَاتِ التَّخْصِيصِ الْفَارِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّسْخِ دَاخِلَةٌ فِي مَفْهُومِ التَّخْصِيصِ، أَوْ مُلَازِمَةٌ خَارِجَةٌ فَلَا وُجُودَ لَهَا فِي النَّسْخِ، فَلَا يَكُونُ التَّخْصِيصُ أَعَمَّ مِنَ النَّسْخِ، لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَصْدُقَ الْحُكْمُ بِهِ مَعَ جَمِيعِ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لِذَاتِهِ عَلَى الْأَخَصِّ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَصْدُقُ عَلَى النَّسْخِ فَلَا يَكُونُ النَّسْخُ تَخْصِيصًا. وَإِلَّا فَلِقَائِلٍ (١) أَنْ يَقُولَ: مَا ذُكِرَ مِنَ الصِّفَاتِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ إِنَّمَا هِيَ فُرُوقٌ بَيْنَ أَنْوَاعِ التَّخْصِيصِ، وَلَيْسَتْ مِنْ لَوَازِمِ مَفْهُومِ التَّخْصِيصِ، بَلِ التَّخْصِيصُ أَعَمُّ مِنَ النَّسْخِ وَمِنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ قَادِحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الِاصْطِلَاحِ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ التَّخْصِيصِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، وَالنَّسْخِ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ. فَحَاصِلُ النِّزَاعِ يَرْجِعُ إِلَى الْإِطْلَاقِ اللَّفْظِيِّ، وَلَا مُنَازَعَةَ فِيهِ بَعْدَ فَهْمِ غَوْرِ الْمَعْنَى. [الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي شُرُوطِ النَّسْخِ الشَّرْعِيِّ] وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ: أَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: فَأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ شَرْعِيًّا، أَوْ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ شَرْعِيًّا مُتَرَاخِيًا عَنِ الْخِطَابِ الْمَنْسُوخِ حُكْمُهُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْخِطَابُ الْمَنْسُوخُ حُكْمُهُ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ. وَأَمَّا الشُّرُوطُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا: فَأَنْ يَكُونَ قَدْ وَرَدَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ، وَأَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ الْمَنْسُوخُ حُكْمُهُ مِمَّا لَا يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَالتَّخْصِيصُ، وَأَنْ يَكُونَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ نَصَّيْنِ قَاطِعَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُقَابِلًا لِلْمَنْسُوخِ مُقَابَلَةَ الْأَمْرِ بِالنَّهْيِ، وَالْمُضَيَّقِ بِالْمُوَسَّعِ، وَأَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِبَدَلٍ. فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ كَمَا يَأْتِي، وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى مَا أَرَدْنَاهُ مِنَ الْمُقَدِّمَةِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى الْمَسَائِلِ الْمُتَشَعِّبَةِ عَنِ النَّسْخِ، وَهِيَ عِشْرُونَ مَسْأَلَةً.

стр. 733

[مَسَائِلِ مُتَشَعِّبَةِ عَنِ النَّسْخِ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي إِثْبَاتِ النَّسْخِ عَلَى مُنْكِرِيهِ] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي إِثْبَاتِ النَّسْخِ عَلَى مُنْكِرِيهِ وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الشَّرَائِعِ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ عَقْلًا، وَعَلَى وُقُوعِهِ شَرْعًا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَى أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ (١) فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا، وَجَوَّزَهُ عَقْلًا، وَمِنْ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ سِوَى الْيَهُودِ، فَإِنَّهُمُ انْقَسَمُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فَذَهَبَتِ الشَّمْعُنِيَّةُ إِلَى امْتِنَاعِهِ عَقْلًا وَسَمْعًا. وَذَهَبَتِ الْعَنَانِيَّةُ مِنْهُمْ إِلَى امْتِنَاعِهِ سَمْعًا لَا عَقْلًا. وَذَهَبَتِ الْعِيسَوِيَّةُ إِلَى جَوَازِهِ عَقْلًا، وَوُقُوعِهِ سَمْعًا، وَاعْتَرَفُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَكِنْ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً لَا إِلَى الْأُمَمِ كَافَّةً. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ. (٢) أَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُوَافِقُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ كَمَا يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى حِكْمَةٍ وَغَرَضٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْتَبِرُ الْحِكْمَةَ وَالْغَرَضَ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ يَأْمُرَ بِالْفِعْلِ فِي وَقْتٍ، وَيَنْهَى عَنْهُ فِي وَقْتٍ، كَمَا أَمَرَ بِالصِّيَامِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَنَهَى عَنْهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَمَعَ بُطْلَانِهِ (٣) عَلَى مَا عَرَفْنَاهُ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ اسْتِلْزَامَ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِلْمَصْلَحَةِ، وَاسْتِلْزَامَ

стр. 734

النَّهْيِ عَنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَإِنَّ الْمَصَالِحَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ حَتَّى إِنَّ مَصْلَحَةَ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ فِي الْغِنَى أَوِ الصِّحَّةِ أَوِ التَّكْلِيفِ، وَمَصْلَحَةَ الْآخَرِ فِي نَقِيضِهِ، فَكَذَلِكَ جَازَ أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَصْلَحَةُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ حَتَّى إِنَّ مَصْلَحَةَ بَعْضِ أَهْلِ الْأَزْمَانِ فِي الْمُدَارَاةِ وَالْمُسَاهَلَةِ، وَمَصْلَحَةَ أَهْلِ زَمَانٍ آخَرَ فِي الشِّدَّةِ وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ. وَإِذَا عُرِفَ جَوَازُ اخْتِلَافِ الْمَصْلَحَةِ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُكَلَّفَ بِالْفِعْلِ فِي زَمَانٍ لِعِلْمِهِ بِمَصْلَحَتِهِ فِيهِ، وَيَنْهَاهُ عَنْهُ فِي زَمَنٍ آخَرَ لِعِلْمِهِ بِمَصْلَحَتِهِ فِيهِ، كَمَا يَفْعَلُ الطَّبِيبُ بِالْمَرِيضِ، حَيْثُ يَأْمُرُهُ بِاسْتِعْمَالِ دَوَاءٍ خَاصٍّ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ، وَيَنْهَاهُ عَنْهُ فِي زَمَنٍ آخَرَ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ مَصْلَحَتِهِ عِنْدَ اخْتِلَافِ مِزَاجِهِ، وَكَمَا يَفْعَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ مِنَ التَّأْدِيبِ لَهُ وَضَرْبِهِ فِي زَمَانٍ، وَاللِّينِ لَهُ وَالرِّفْقِ بِهِ فِي زَمَانٍ آخَرَ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَرَاءَى لَهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. وَلِهَذَا خَصَّ الشَّارِعُ كُلَّ زَمَانٍ بِعِبَادَةٍ غَيْرِ عِبَادَةِ الزَّمَنِ الْآخَرِ، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ، وَلَوْلَا اخْتِلَافُ الْمَصَالِحِ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَمَعَ جَوَازِ اخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ لَا يَكُونُ النَّسْخُ مُمْتَنِعًا. هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى شَرْعًا. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَظَاهِرٌ لِمُوَافَقَتِهِ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ كَلَامَهُ صِدْقٌ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْيَهُودِ فَلِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بِمَا أَثْبَتْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدِ ادَّعَى كَوْنَ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، فَكَانَ صَادِقًا فِي ذَلِكَ، وَكَانَتِ الْآيَةُ حُجَّةً عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ.

стр. 735

وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ فِي الشَّرْعِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ خَالَفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالسَّلَفَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى نَسْخِ وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، وَعَلَى نَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، وَنَسْخِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، وَنَسْخِ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَوُجُوبِ التَّرَبُّصِ حَوْلًا كَامِلًا عَنِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَوُجُوبِ ثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ الْآيَةَ، بِقَوْلِهِ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الْآيَةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَدِّدَةِ. (١) وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُنْكِرِ ذَلِكَ مِنَ الْيَهُودِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي التَّوْرِيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ آدَمَ أَنْ يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، وَقَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ مَنْ بَعْدَهُ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنُوحٍ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْفُلْكِ إِنِّي جَعَلْتُ لَكَ كُلَّ دَابَّةٍ مَأْكَلًا لَكَ وَلِذُرِّيَّتِكَ، وَأَطْلَقْتُ ذَلِكَ لَكُمْ كَنَبَاتِ الْعُشْبِ، مَا خَلَا الدَّمَ فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَقَدْ حَرَّمَ كَثِيرًا مِنَ الدَّوَابِّ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ وَهُوَ عَيْنُ النَّسْخِ. (٢) فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ أَمْرَ آدَمَ، وَالْإِبَاحَةَ لِنُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ كَانَ مُقَيَّدًا بِظُهُورِ شَرِيعَةِ مَنْ بَعْدَهُ، فَتَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ كَانَ مُقَيَّدًا بِظُهُورِ شَرِيعَةِ مَنْ بَعْدَهُ. قُلْنَا: الْأَمْرُ لِآدَمَ، وَالْإِبَاحَةُ لِنُوحٍ كَانَ مُطْلَقًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ. وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِظُهُورِ شَرِيعَةٍ أُخْرَى. قُلْنَا: فَهَذَا هُوَ عَيْنُ النَّسْخِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَمَرَ بِالْفِعْلِ مُطْلَقًا فَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ سَيَنْسَخُهُ وَيَعْلَمُ وَقْتَ نَسْخِهِ، فَتَقْيِيدُهُ فِي عِلْمِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَقِيقَةِ النَّسْخِ.

стр. 736

وَقَدِ احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِإِلْزَامَاتٍ أُخَرَ، مِنْهَا: أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ مُبَاحًا فِي يَوْمِ السَّبْتِ، ثُمَّ حُرِّمَ عَلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْخِتَانَ كَانَ فِي شَرْعِ إِبْرَاهِيمَ جَائِزًا بَعْدَ الْكِبَرِ، وَقَدْ أَوْجَبَهُ مُوسَى يَوْمَ وِلَادَةِ الطِّفْلِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ كَانَ مُبَاحًا فِي شَرِيعَةِ يَعْقُوبَ، وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ مَنْ بَعْدَهُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْعَمَلُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، وَكَذَلِكَ الْخِتَانُ فِي حَالَةِ الْكِبَرِ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ كَانَ مُبَاحًا بِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَرَفْعُ مَا كَانَ بِحُكْمِ الْأَصْلِ الْعَقْلِيِّ لَا يَكُونُ نَسْخًا كَمَا عُلِمَ فِيمَا تَقَدَّمَ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ النَّسْخُ جَائِزًا عَقْلًا، لَمْ يَخْلُ نَسْخُ مَا أَمَرَ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً حَالَةَ الْأَمْرِ، أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ كَانَ عَابِثًا، وَالْعَبَثُ عَلَى الْحَكِيمِ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَقَدْ بَدَا لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ وَالْبَدَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ. وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ نَسْخُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِكَوْنِ التَّكْلِيفِ بِهَا مَصْلَحَةً فِي وَقْتٍ وَمَفْسَدَةً فِي وَقْتٍ لَجَازَ نَسْخُ مَا وَجَبَ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ فِي التَّوْحِيدِ وَمَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْخِطَابَ الْمَنْسُوخَ حُكْمُهُ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ، أَوْ هُوَ دَالٌ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّسْخِ لِانْتِهَائِهِ بِانْتِهَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ مُحَالٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ اعْتِقَادُ الْمُكَلَّفِ دَوَامَ الْحُكْمِ وَتَأْبِيدَهُ، وَهُوَ جَهْلٌ قَبِيحٌ، وَمَا لَزِمَ مِنْهُ الْقَبِيحُ فَهُوَ قَبِيحٌ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَبْقَى لَنَا طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ التَّأْبِيدِ بِتَقْدِيرِ إِرَادَةِ التَّأْبِيدِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ إِعْجَازَ الرَّبِّ تَعَالَى عَنْ إِعْلَامِنَا بِالتَّأْبِيدِ، وَهُوَ مُحَالٌ.

стр. 737

الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ النَّسْخُ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ لِلتَّأْبِيدِ لَمَا بَقِيَ لَنَا وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَعِيدِهِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنَ الظَّوَاهِرِ اللَّفْظِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنِ اخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ وَاتِّجَاهَ قَوْلِ الْبَاطِنِيَّةِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا جَوَازُ نَسْخِ شَرِيعَتِكُمْ، وَلَمْ تَقُولُوا بِهِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ أَوْ بَعْدَ عَدَمِهِ، أَوْ فِي حَالِ وُجُودِهِ: الْأَوَّلُ: مُحَالٌ لِأَنَّ رَفْعَ مَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. وَالثَّانِي مُحَالٌ لِأَنَّ رَفْعَ الْمَعْدُومِ مُمْتَنِعٌ. وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ حَالَةَ وُجُودِهِ مُرْتَفِعًا، وَذَلِكَ أَيْضًا مُمْتَنِعٌ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْفِعْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَدْ نَهَى عَنِ الْحَسَنِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَقَدْ أَمَرَ بِالْقَبِيحِ. وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً، فَإِنْ كَانَ طَاعَةً فَقَدْ نَهَى عَنِ الطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً فَقَدْ أَمَرَ بِالْمَعْصِيَةِ. وَأَيْضًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا أَوْ مَكْرُوهًا، فَإِنْ كَانَ مُرَادًا فَقَدْ صَارَ بِالنَّهْيِ مَكْرُوهًا، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَقَدْ صَارَ بِالْأَمْرِ مُرَادًا. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَى الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ، فَلَا وَجْهَ لَهُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ فَالْمُرَادُ بِالنَّسْخِ الْإِزَالَةُ، وَنَسْخُ الْآيَةِ بِإِزَالَتِهَا عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى الْوُقُوعِ الشَّرْعِيِّ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ نَاسِخَةٌ لِشَرَائِعِ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى مَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ. وَأَمَّا وُجُوبُ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ بِالْكُلِّيَّةِ لِجَوَازِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ وَمَعَ الْعُذْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَا نَسْخًا. وَأَمَّا تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّمَا زَالَتْ لِزَوَالِ سَبَبِهَا، وَهُوَ امْتِيَازُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ لَا يَتَصَدَّقُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

стр. 738

وَوُجُوبُ التَّرَبُّصِ حَوْلًا كَامِلًا لَمْ يَزُلْ بِالْكُلِّيَّةِ لِبَقَائِهِ عِنْدَمَا إِذَا كَانَتْ مُدَّةُ حَمْلِهَا سَنَةً فَكَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ لَا مِنْ بَابِ النَّسْخِ. سَلَّمْنَا الْجَوَازَ الْعَقْلِيَّ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ الْجَوَازَ الشَّرْعِيَّ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فَلَوْ نُسِخَ لَكَانَ قَدْ أَتَاهُ الْبَاطِلُ، وَهَذِهِ حُجَّةُ مَنْ مَنَعَ جَوَازَ نَسْخِ الْقُرْآنِ مُطْلَقًا. الثَّانِي: أَنَّ مُوسَى الْكَلِيمَ كَانَ نَبِيًّا حَقًّا بِالْإِجْمَاعِ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَبِالدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ فِي رِسَالَتِهِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا أَنَّهُ قَالَ: (هَذِهِ الشَّرِيعَةُ مُؤَبَّدَةٌ عَلَيْكُمْ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (الْزَمُوا يَوْمَ السَّبْتِ أَبَدًا) فَقَدْ كَذَّبَ بِذَلِكَ مَنِ ادَّعَى نَسْخَ شَرِيعَتِهِ، فَلَوْ قِيلَ بِجَوَازِ نَسْخِ شَرِيعَتِهِ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا، وَهُوَ مُحَالٌ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّسْخَ لَمْ يَكُنْ لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً بَلْ (إِنْ قُلْنَا بِرِعَايَةِ الْحِكْمَةِ) لِحِكْمَةٍ، كَانَ عَالِمًا بِهَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّسْخِ وَالْبَدَاءِ. وَعَنِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي أَنَّ اعْتِقَادَ التَّوْحِيدِ وَكُلِّ مَا مُسْتَنَدُ مَعْرِفَتِهِ دَلِيلُ الْعَقْلِ، لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ وُجُوبَهُ (١) ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ، كَمَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ، أَوْ بِالشَّرْعِ كَمَا نَقُولُهُ نَحْنُ: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَلَا يَخْفَى إِحَالَةُ نَسْخِ مَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ عَقْلًا، لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يَأْتِي بِمَا يُخَالِفُ الْعَقْلَ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْعَقْلُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَرِدَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ ابْتِدَاءً فَضْلًا عَنْ نَسْخِهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ. وَعَنِ الثَّالِثِ: قَوْلُهُمْ إِنَّ الْخِطَابَ إِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا، فَلَا يَكُونُ قَابِلًا لِلنَّسْخِ، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ فِي رَمَضَانَ حُجُّوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ لَا تَحُجُّوا، فَإِنَّهُ يَكُونُ جَائِزًا عِنْدَنَا، عَلَى مَا يَأْتِي فِي جَوَازِ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ. قَوْلُهُمْ: وَإِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى التَّأْبِيدِ فَهُوَ مُحَالٌ، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ.

стр. 739

قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَهْلُ الْمُكَلَّفِ بِاعْتِقَادِ التَّأْبِيدِ فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ بِأَنَّهُ إِلَى ذَلِكَ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اقْتَرَنَ بِالْخِطَابِ الْمَنْسُوخِ مَا يُشْعِرُ بِنَسْخِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّا إِبْطَالَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ. (١) وَالْوَجْهُ فِي الْجَوَابِ أَنْ نَقُولَ: دَلَالَةُ الْخِطَابِ عَلَى التَّأْبِيدِ لَا يَلْزَمُهَا التَّأْبِيدُ مَعَ الْقَوْلِ بِجَوَازِ النَّسْخِ، فَإِذَا اعْتَقَدَ الْمُكَلَّفُ التَّأْبِيدَ فَالْجَهْلُ إِنَّمَا جَاءَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَا مِنْ قِبَلِ مَا اقْتَضَاهُ الْخِطَابُ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ التَّأْبِيدَ بِشَرْطِ عَدَمِ النَّاسِخِ ثُمَّ وَإِنْ أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى الْجَهْلِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، فَالْقَوْلُ بِقُبْحِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. (٢) ثُمَّ مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ قَبِيحًا إِذَا اسْتَلْزَمَ مَصْلَحَةً تَرْبُو عَلَى مَفْسَدَةِ جَهْلِهِ، أَوْ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَبَيَانُ لُزُومِ الْمَصْلَحَةِ الزَّائِدَةِ هُنَا مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الثَّوَابِ بِاعْتِقَادِهِ دَوَامَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَالْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ، وَالِانْقِيَادِ لِقَضَاءِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ: كَيْفَ وَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَبْدِ مِنَ الْغِنَى وَالصِّحَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ اعْتِقَادَ دَوَامِهِ لَهُ مَعَ جَوَازِ إِزَالَتِهِ بِالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ. قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي: إِلَى تَعْجِيزِ الرَّبِّ تَعَالَى عَنْ إِعْلَامِنَا بِالتَّأْبِيدِ، لَيْسَ كَذَلِكَ، لِجَوَازِ أَنْ يَخْلُقَ لَنَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِذَلِكَ. وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَمُنْدَفِعٌ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ اللَّفْظُ الْوَارِدُ فِي الْخِطَابِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، فَالْوُثُوقُ بِهِ حَاصِلٌ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوُثُوقُ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا اقْتَضَاهُ الظَّاهِرُ لَا قَطْعًا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ. وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّا لَا نَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ شَرْعِنَا

стр. 740

عَقْلًا، وَإِنَّمَا نَمْنَعُ مِنْهُ شَرْعًا لِوُرُودِ خَبَرِ الصَّادِقِ بِذَلِكَ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، وَقَوْلُهُ ﷺ : " «إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» " (١) وَالْخُلْفُ فِي خَبَرِ الصَّادِقِ مُحَالٌ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّا لَا نُحِيلُ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مَشْرُوطًا بِقَيْدٍ. قَوْلُهُمْ: لَوْ جَازَ رَفْعُ الْحُكْمِ، يُنْظَرُ الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَمُنْدَفِعٌ. فَإِنَّا وَإِنْ أَطْلَقْنَا لَفْظَةَ الرَّفْعِ فِي النَّسْخِ إِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ امْتِنَاعَ اسْتِمْرَارِ الْمَنْسُوخِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ لَاسْتَمَرَّ، وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا قِيلَ. (٢) قَوْلُهُمْ: الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. قَوْلُهُمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً، قُلْنَا: هُوَ طَاعَةٌ حَالَةَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا، وَمَعْصِيَةٌ حَالَةَ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا، فَالطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، بَلْ تَابِعَةٌ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. قَوْلُهُمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا أَوْ مَكْرُوهًا، لَا نُسَلِّمُ الْحَصْرَ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادًا وَلَا مَكْرُوهًا إِذِ الْإِرَادَةُ وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَنَا غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. (٣)
следующие страницы →