← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

[الْمَسْأَلَةُ الخامسة تَأْخِيرِ تَبْلِيغِ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْعِبَادَاتِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الَّذِينَ مَنَعُوا مِنْ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنَ الْخِطَابِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ. اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ تَبْلِيغِ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْعِبَادَاتِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَأَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى جَوَازِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ، لَمْ يَخْلُ: إِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِمَعْنًى مِنْ خَارِجٍ، الْأَوَّلُ مُحَالٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ لِذَاتِهِ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، كَيْفَ وَإِنَّ تَأْخِيرَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ. وَلِهَذَا لَوْ صَرَّحَ الشَّارِعُ بِذَلِكَ، لَمَا كَانَ مُمْتَنَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ مَانِعَةٌ مِنَ التَّأْخِيرِ وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ: الِامْتِنَاعُ مِنَ التَّأْخِيرِ إِنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ. قَوْلُكُمْ: يَحْتَمِلُ وُجُودُ مَفْسَدَةٍ فِي التَّقْدِيمِ، وَمَصْلَحَةٍ فِي التَّأْخِيرِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. قُلْنَا: فَهَذَا كَمَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجَزْمُ بِامْتِنَاعِ التَّأْخِيرِ، فَلَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجَزْمُ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُكُمْ. وَجَوَابُ الْأَوَّلِ: أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (بَلِّغْ) أَمْرٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ (١) وَإِنْ سَلَّمَنَا أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، غَيْرَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ تَبْلِيغَ الْأَحْكَامِ الَّتِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا، وَإِنَّمَا هُوَ دَالٌّ عَلَى تَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ مِنْ لَفْظِ الْقُرْآنِ؛ إِذْ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لَفْظِ الْمُنَزَّلِ. وَجَوَابُ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ، تَسَاقَطَا، وَبَقِينَا عَلَى أَصْلِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ.

стр. 667

[الْمَسْأَلَةُ السادسة إِسْمَاعِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُكَلَّفِ الْعَامَّ دُونَ إِسْمَاعِهِ لِلدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ لَهُ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ إِسْمَاعِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُكَلَّفِ الْعَامَّ دُونَ إِسْمَاعِهِ لِلدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ لَهُ. (١) فَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ وَأَبُو الْهُذَيْلِ (٢) إِلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ فِي الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ السَّمْعِيِّ، وَأَجَازَ أَنْ يُسْمِعَهُ الْعَامَّ الْمُخَصَّصَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ السَّامِعُ دَلَالَتَهُ عَلَى التَّخْصِيصِ. وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ وَالنَّظَّامُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى جَوَازِ إِسْمَاعِ الْعَامِّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الدَّلِيلَ الْمُخَصِّصَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَصِّصُ سَمْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا. وَهُوَ الْحَقُّ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ تَأْخِيرِ الْمُخَصِّصِ عَنِ الْخِطَابِ إِذَا كَانَ سَمْعِيًّا، مَعَ أَنَّ عَدَمَ سَمَاعِهِ لِعَدَمِهِ فِي نَفْسِهِ أَتَمُّ مِنْ عَدَمِ سَمَاعِهِ مَعَ وُجُودِهِ فِي نَفْسِهِ. فَإِذَا جَازَ تَأْخِيرُ الْمُخَصِّصِ، فَجَوَازُ تَأْخِيرِ إِسْمَاعِهِ مَعَ وُجُودِهِ أَوْلَى. الثَّانِي: هُوَ أَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَدَلِيلُهُ إِسْمَاعُ فَاطِمَةَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَسْمَعْ بِقَوْلِهِ: " «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» " إِلَّا بَعْدَ حِينٍ. وَكَذَلِكَ أُسْمِعَتِ الصَّحَابَةُ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَلَمْ يَسْمَعْ أَكْثَرُهُمُ الدَّلِيلَ الْمُخَصِّصَ لِلْمَجُوسِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ ( «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» ) إِلَّا بَعْدَ حِينٍ، إِلَى وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ. وَكُلُّ مَا يَتَشَبَّثُ بِهِ الْخُصُومُ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فَغَيْرُ خَارِجٍ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ لَهُمْ مِنَ الشُّبَهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَجَوَابُهُا مَا سَبَقَ مَعَ أَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِجَوَازِ إِسْمَاعِهِ الْعَامَّ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ، إِذَا كَانَ عَقْلِيًّا. [الْمَسْأَلَةُ السابعة التَّدْرِيجِ فِي الْبَيَانِ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ اخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ لِتَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ الْعَامِّ فِي جَوَازِ التَّدْرِيجِ فِي الْبَيَانِ فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْبَعْضِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى إِخْرَاجِهِ دُونَ غَيْرِهِ يُوهِمُ وُجُوبَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْبَاقِي، وَامْتِنَاعِ التَّنْصِيصِ بِشَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ

стр. 668

تَجْهِيلٌ لِلْمُكَلَّفِ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِي هَذَا التَّجْهِيلُ بِالتَّخْصِيصِ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنِ الْعُمُومِ. وَمَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ. وَدَلِيلُ جَوَازِهِ وُقُوعُهُ. وَبَيَانُ وُقُوعِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ سَارِقٍ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بِمَا خُصِّصَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ نِصَابِ السَّرِقَة أَوَّلًا، وَعَدَمِ الشُّبْهَةِ ثَانِيًا وَقَعَ عَلَى التَّدْرِيجِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ خُصِّصَ أَوَّلًا بِتَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ بِذِكْرِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، ثُمَّ بِذِكْرِ الْأَمْنِ فِي الطَّرِيقِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ طَلَبِ الْخِفَارَةِ ثَانِيًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أُخْرِجَ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَوَّلًا، ثُمَّ الْعَسِيفُ وَالْمَرْأَةُ ثَانِيًا. وَكَذَلِكَ آيَةُ الْمِيرَاثِ أُخْرِجَ مِنْهَا مِيرَاثُ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَاتِلِ وَالْكَافِرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى التَّدْرِيجِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُمُومَاتِ الْمُخَصَّصَةِ. وَلَوْلَا جَوَازُهُ لَمَا وَقَعَ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ تَخْصِيصَ الْبَعْضِ بِالذِّكْرِ يُوهِمُ نَفْيَ تَخْصِيصِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ دُونَ ذِكْرِ الْمُخَصِّصِ مَعَ كَوْنِهِ ظَاهِرًا فِي التَّعْمِيمِ بِلَفْظِهِ، إِذَا لَمْ يُوهِمُ الْمَنْعَ مِنَ التَّخْصِيصِ، فَإِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى إِثْبَاتِ غَيْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ بِلَفْظِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مُوهِمًا لِمَنْعِ التَّخْصِيصِ. [الْمَسْأَلَةُ الثامنة إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ بِعِبَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ بِعِبَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ جَزْمًا قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَصِّصِ، وَإِذَا ظَهَرَ الْمُخَصِّصُ تَغَيَّرَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ، وَهُوَ خَطَأٌ: فَإِنَّ احْتِمَالَ إِرَادَةِ الْخُصُوصِ بِهِ قَائِمٌ، وَلِهَذَا، لَوْ ظَهَرَ الْمُخَصِّصُ لَمَا كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا، وَوَجَبَ اعْتِقَادُ الْخُصُوصِ. وَمَا هَذَا شَأْنُهُ فَاعْتِقَادُ عُمُومِهِ جَزْمًا قَبْلَ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْبَحْثِ عَنْ مُخَصِّصِهِ وَعَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ تَرْكَنُ النَّفْسُ إِلَى عَدَمِهِ، يَكُونُ مُمْتَنِعًا، فَإِذًا لَا بُدَّ فِي الْجَزْمِ بِاعْتِقَادِ عُمُومِهِ مِنِ اعْتِقَادِ انْتِفَاءِ مُخَصِّصِهِ بِطَرِيقِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ فِي امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ اللَّفْظِ الْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ، وَعَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا: فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِهِ وَاعْتِقَادِ

стр. 669

عُمُومِهِ إِلَّا بَعْدَ الْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ، وَإِلَّا فَالْجَزْمُ بِعُمُومِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ مَعَ احْتِمَالِ وُجُودِ الْمُعَارِضِ مُمْتَنِعٌ. قَالَ: وَمَعْرِفَةُ انْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ مُمْكِنٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَمَسِّكُ بِالْعُمُومِ فِيهَا مِمَّا كَثُرَ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَطَالَ النِّزَاعُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِيهَا، وَلَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى مُوجِبٍ لِلتَّخْصِيصِ، مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِهِمْ وَاسْتِقْصَائِهِمْ. وَلَوْ كَانَ ثَمَّ شَيْءٌ لَاسْتَحَالَ أَنْ لَا يُعْرَفَ عَادَةً، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ الْخُصُوصَ لَاسْتَحَالَ أَنْ لَا يَنْصِبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَيُبَلِّغَهُ لِلْمُكَلَّفِينَ. وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى امْتِنَاعِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْبَحْثِ وَالسَّبْرِ، وَهُوَ غَيْرُ يَقِينِيٍّ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ مُخَصِّصٌ لَاطَّلَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ غَيْرُ يَقِينِيٍّ لِجَوَازِ وُجُودِهِ مَعَ عَدَمِ اطِّلَاعِ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ، (١) وَبِتَقْدِيرِ اطِّلَاعِ بَعْضِهِمْ عَلَيْهِ، فَنَقْلُهُ لَهُ أَيْضًا غَيْرُ قَاطِعٍ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا. كَيْفَ وَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا وَرَدَ فِيهِ الْعَامُّ مِمَّا كَثُرَ خَوْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَبَحْثُهُمْ عَنْهُ لِيَصِحَّ مَا قِيلَ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعَامِّ الْخُصُوصَ لَنَصَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ دَلِيلًا، غَيْرُ مُسَلَّمٍ. (٢) وَبِتَقْدِيرِ نَصْبِهِ لِلدَّلِيلِ، لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ اطِّلَاعِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ. وَبِتَقْدِيرِ ذَلِكَ لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ نَقْلِهِمْ لَهُ (٣) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَى الْقَطْعِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ فَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ لَتَعَطَّلَتِ الْعُمُومَاتُ بِأَسْرِهَا، وَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الظَّنِّ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ، فَالْحَدُّ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ عِنْدَهُ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْمُخَصِّصِ بَحْثًا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُهُ وَأَنَّهُ لَوْ بَحَثَ عَنْهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا كَانَ بَحْثُهُ غَيْرَ مُفِيدٍ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ فِي الْعَمَلِ بِكُلِّ دَلِيلٍ مَعَ مُعَارِضِهِ.

стр. 670

[الصِّنْفُ التَّاسِعُ فِي الظَّاهِرِ وَتَأْوِيلِهِ] [مُقَدِّمَةُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الظَّاهِرِ وَالتَّأْوِيلِ] وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ. أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ: فَفِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الظَّاهِرِ وَالتَّأْوِيلِ. أَمَّا الظَّاهِرُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَاضِحِ الْمُنْكَشِفِ وَمِنْهُ يُقَالُ: ظَهَرَ الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ، إِذَا اتَّضَحَ وَانْكَشَفَ، وَفِي لِسَانِ الْمُتَشَرِّعَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: اللَّفْظُ الظَّاهِرُ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فَهُمْ مَعْنًى مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةٍ مُسْتَغْنًى عَنْهَا. أَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ، فَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا فِيهِ أَصْلُ الظَّنِّ دُونَ غَلَبَةِ الظَّنِّ مَعَ كَوْنِهِ ظَاهِرًا. وَلِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ: ظَنٌّ، وَغَلَبَةُ ظَنٍّ، وَلِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مَا فِيهِ أَصْلُ الظَّنِّ وَزِيَادَةٌ. وَأَمَّا اشْتِمَالُهُ عَلَى الزِّيَادَةِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهَا فَهِيَ قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ) فَإِنَّ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلظَّنِّ أَنْ لَا يَكُونَ قَطْعِيًّا. وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: اللَّفْظُ الظَّاهِرُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ، أَوِ الْعُرْفِيِّ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا. وَإِنَّمَا قُلْنَا (مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ أَوِ الْعُرْفِيِّ) احْتِرَازًا عَنْ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، إِذَا لَمْ يَصِرْ عُرْفِيًّا، كَلَفْظِ الْأَسَدِ فِي الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُنَا (وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ) احْتِرَازٌ عَنِ الْقَاطِعِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَقَوْلُنَا (احْتِمَالًا مَرْجُوحًا) احْتِرَازٌ عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ بِحُكْمِ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ، كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَسَدِ بِإِزَاءِ الْحَيَوَانِ الْمَخْصُوصِ، وَإِلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ بِحُكْمِ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الْغَائِطِ بِإِزَاءِ الْخَارِجِ الْمَخْصُوصِ مِنَ الْإِنْسَانِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَفِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ آلَ يَئُولُ، أَيْ رَجَعَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أَيْ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: تَأَوَّلَ فُلَانٌ الْآيَةَ الْفُلَانِيَّةَ، أَيْ نَظَرَ إِلَى مَا يَئُولُ إِلَيْهِ مَعْنَاهَا. وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَشَرِّعَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّأْوِيلُ عِبَارَةٌ عَنِ احْتِمَالٍ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ

стр. 671

أَمَّا أَوَّلًا، فَلِأَنَّ التَّأْوِيلَ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الِاحْتِمَالِ الَّذِي حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ نَفْسُ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ التَّأْوِيلُ بِصَرْفِ اللَّفْظِ عَمَّا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ غَيْرِ ظَنِّيٍّ، حَيْثُ قَالَ: يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، وَأَمَا ثَالِثًا: فَلِأُنَّهُ أُخِذَ فِي حَدِّ التَّأْوِيلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَأْوِيلٌ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِدَلِيلٍ، وَلِهَذَا يُقَالُ تَأْوِيلٌ بِدَلِيلٍ وَتَأْوِيلٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. فَتَعْرِيفُ التَّأْوِيلِ عَلَى وَجْهٍ يُوجَدُ مَعَهُ الِاعْتِضَادُ بِالدَّلِيلِ لَا يَكُونُ تَعْرِيفًا لِلتَّأْوِيلِ الْمُطْلَقِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ تَعْرِيفَ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ دُونَ غَيْرِهِ. وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا التَّأْوِيلُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَأْوِيلٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ، هُوَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى غَيْرِ مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ مِنْهُ، مَعَ احْتِمَالِهِ لَهُ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الْمَقْبُولُ الصَّحِيحُ فَهُوَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى غَيْرِ مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ مِنْهُ مَعَ احْتِمَالِهِ لَهُ بِدَلِيلٍ يُعَضِّدُهُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا (حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى غَيْرِ مَدْلُولِهِ) احْتِرَازًا، عَنْ حَمْلِهِ عَلَى نَفْسِ مَدْلُولِهِ. وَقَوْلُنَا (الظَّاهِرُ مِنْهُ) احْتِرَازٌ عَنْ صَرْفِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ إِلَى الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا. وَقَوْلُنَا (مَعَ احْتِمَالِهِ لَهُ) احْتِرَازٌ عَمَّا إِذَا صُرِفَ اللَّفْظُ عَنْ مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ إِلَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ أَصْلًا، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ تَأْوِيلًا صَحِيحًا. وَقَوْلُنَا: (بِدَلِيلٍ يُعَضِّدُهُ) احْتِرَازٌ عَنِ التَّأْوِيلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ تَأْوِيلًا صَحِيحًا أَيْضًا. وَقَوْلُنَا: (بِدَلِيلٍ يَعُمُّ الْقَاطِعَ وَالظَّنِّيَّ) وَعَلَى هَذَا فَالتَّأْوِيلُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَى النَّصِّ وَلَا إِلَى الْمُجْمَلِ، وَإِنَّمَا يَتَطَرَّقُ إِلَى مَا كَانَ ظَاهِرًا. (١) وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى التَّأْوِيلِ فَهُوَ مَقْبُولٌ مَعْمُولٌ بِهِ إِذَا تَحَقَّقَ مَعَ شُرُوطِهِ، وَلَمْ يَزَلْ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مَنْ عَهِدَ الصَّحَابَةِ إِلَى زَمَنِنَا عَامِلِينَ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.

стр. 672

وَشُرُوطُهُ أَنْ يَكُونَ النَّاظِرُ الْمُتَأَوِّلُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ قَابِلًا لِتَّأْوِيلِ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِيمَا صُرِفَ عَنْهُ مُحْتَمِلًا لِمَا صُرِفَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الصَّارِفُ لِلَّفْظِ عَنْ مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ رَاجِحًا عَلَى ظُهُورِ اللَّفْظِ فِي مَدْلُولِهِ لِيَتَحَقَّقَ صَرْفُهُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا لَا يَكُونُ صَارِفًا وَلَا مَعْمُولًا بِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِظُهُورِ اللَّفْظِ فِي الدَّلَالَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، فَغَايَتُهُ إِيجَابُ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوِيَّةِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَأْوِيلًا غَيْرَ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَرِضِ إِذَا كَانَ قَصْدُهُ إِيقَافَ دَلَالَةِ الْمُسْتَدِلِّ، وَلَا يُكْتَفَى بِهِ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ دُونَ ظُهُورِهِ، وَعَلَى حَسَبِ قُوَّةِ الظُّهُورِ وَضَعْفِهِ وَتَوَسُّطِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ. وَتَمَامُ كَشْفِ ذَلِكَ بِمَسَائِلَ ثَمَانٍ: [الْمَسْأَلَةُ الأولى قَوْلُهُ ﵇ لِغَيْلَانَ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى «قَوْلُهُ ﷺ لِغَيْلَانَ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: " أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» " (١) «وَقَوْلُهُ لِفَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ، وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: " أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ، وَفَارِقِ الْأُخْرَى» " (٢) أَمْرٌ بِالْإِمْسَاكِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي اسْتِصْحَابِ النِّكَاحِ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِثَلَاثِ تَأْوِيلَاتٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ قَالُوا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِمْسَاكِ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ " أَمْسِكْ أَرْبَعًا " أَيِ انْكِحْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ " وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ " لَا تَنْكِحْهُنَّ.

стр. 673

الثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا يُحْتَمَلُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الصُّورَتَيْنِ كَانَ وَاقِعًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ حَصْرِ عَدَدِ النِّسَاءِ فِي أَرْبَعٍ وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، وَالْبَاطِلُ مِنْ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ لَيْسَ إِلَّا مَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ حَالَ وُقُوعِهَا. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَمَرَ الزَّوْجَ بِاخْتِيَارِ أَوَائِلِ النِّسَاءِ، وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ وَإِنْ كَانَتْ مُنْقَدِحَةً عَقْلًا غَيْرَ أَنَّ مَا اقْتَرَنَ بِلَفْظِ الْإِمْسَاكِ مِنَ الْقَرَائِنِ دَارِئَةٌ لَهَا. أَمَّا التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فَمِنْ وُجُوهٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُتَبَادَرَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ لَفْظِ (الْإِمْسَاكِ) إِنَّمَا هُوَ الِاسْتِدَامَةُ دُونَ التَّجْدِيدِ. الثَّانِي: أَنَّهُ فَوَّضَ الْإِمْسَاكَ وَالْفِرَاقَ إِلَى خِيرَةِ الزَّوْجِ، وَهُمَا غَيْرُ وَاقِعَيْنِ بِخِيرَتِهِ عِنْدَهُمْ؛ لِوُقُوعِ الْفِرَاقِ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ وَتَوَقُّفِ النِّكَاحِ عَلَى رِضَا الزَّوْجَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شُرُوطَ النِّكَاحِ مَعَ دَعْوِ الْحَاجَةِ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلَامِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ أَمَرَ الزَّوْجَ بِإِمْسَاكِ أَرْبَعٍ مِنَ الْعَشْرِ، وَوَاحِدَةٍ مِنَ الْأُخْتَيْنِ، وَبِمُفَارَقَةِ الْبَاقِي، وَالْأَمْرُ إِمَّا لِلْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ ظَاهِرًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَحَصْرُ التَّزْوِيجِ فِي الْعَشْرَةِ وَفِي الْأُخْتَيْنِ لَيْسَ وَاجِبًا وَلَا مَنْدُوبًا، وَالْمُفَارَقَةُ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ الزَّوْجِ، حَتَّى يَكُونَ الْأَمْرُ مُتَعَلِّقًا بِهَا. الْخَامِسُ: هُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الزَّوْجِ الْمَأْمُورِ إِنَّمَا هُوَ امْتِثَالُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِمْسَاكِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ تَجْدِيدَ النِّكَاحِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ. السَّادِسُ: هُوَ أَنَّ الزَّوْجَ إِنَّمَا سَأَلَ عَنِ الْإِمْسَاكِ بِمَعْنَى الِاسْتِدَامَةِ لَا بِمَعْنَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ، وَعَنِ الْفِرَاقِ بِمَعْنَى انْقِطَاعِ النِّكَاحِ. وَالْأَصْلُ فِي جَوَابِ الرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الثَّانِي فَبَعِيدٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْحَصْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لَمَا خَلَا ابْتِدَاءُ الْإِسْلَامِ عَنِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ عَادَةً، وَعَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْمُرَادُ بِهِ مَا سَلَفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ .

стр. 674

وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الثَّالِثُ فَيَدْرَؤُهُ «قَوْلُهُ ﷺ لِزَوْجِ الْأُخْتَيْنِ " أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الْأُخْرَى» " «وَقَوْلُهُ لِوَاحِدٍ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ عَلَى خَمْسِ نِسْوَةٍ " اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ وَاحِدَةً» " (١) قَالَ الْمَأْمُورُ بِذَلِكَ فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي، فَفَارَقْتُهَا. [الْمَسْأَلَةُ الثانية تَّأْوِيلَاتِ بَعِيدَةِ فِي قَوْلِهِ ﵇ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَمِنْ جُمْلَةِ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ مَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ ﷺ ( «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ) (٢) مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مِقْدَارُ قِيمَةِ الشَّاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ ( «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ) قَوِيُّ الظُّهُورِ فِي وُجُوبِ الشَّاةِ عَيْنًا، حَيْثُ إِنَّهُ خَصَّصَهَا بِالذِّكْرِ، وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ إِضْمَارِ حُكْمٍ، وَهُوَ إِمَّا النَّدْبُ أَوِ الْوُجُوبُ، وَإِضْمَارُ النَّدْبِ مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ النِّصَابِ بِهِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْوَاجِبِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالْحَمْلِ عَلَى وُجُوبِ مِقْدَارِ قِيمَةِ الشَّاةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هُوَ دَفْعُ حَاجَاتِ الْفُقَرَاءِ وَسَدُّ خَلَّاتِهِمْ جَوَازُ دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَفِيهِ رَفْعُ الْحُكْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الشَّاةِ بِمَا اسْتُنْبِطَ مِنْهُ مِنَ الْعِلَّةِ، وَهِيَ دَفْعُ حَاجَاتِ الْفُقَرَاءِ وَاسْتِنْبَاطُ الْعِلَّةِ مِنَ الْحُكْمِ (٣) إِذَا كَانَتْ مُوجِبَةً لِرَفْعِهِ كَانَتْ بَاطِلَةً. وَمِمَّا يَلْتَحِقُ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ بِهَذَا التَّأْوِيلِ (٤) مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الْآيَةَ، مِنْ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ دَفْعُ الْحَاجَةِ فِي جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ، لَا دَفْعُ

стр. 675

الْحَاجَةِ عَنِ الْكُلِّ لِأَنَّ الْآيَةَ (١) ظَاهِرَةٌ فِي اسْتِحْقَاقِ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ لِلصَّدَقَةِ، حَيْثُ إِنَّهُ أَضَافَهَا إِلَيْهِمْ بِلَامِ التَّمْلِيكِ فِي عَطْفِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ، وَمَا اسْتُنْبِطَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مِنَ الْعِلَّةِ يَكُونُ رَافِعًا لِحُكْمِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ صَحِيحًا. وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ مَقْصُودَ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ بَيَانُ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ وَشُرُوطِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَنَحْنُ وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَ ذَلِكَ مَقْصُودًا مِنَ الْآيَةِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا مَقْصُودَ مِنْهَا سِوَاهُ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ ذَلِكَ مَقْصُودًا، وَكَوْنِ الِاسْتِحْقَاقِ بِصِفَةِ التَّشْرِيكِ مَقْصُودًا، وَهُوَ الْأَوْلَى مُوَافَقَةً لِظَاهِرِ الْإِضَافَةِ بِلَامِ التَّمْلِيكِ، وَالْعَطْفِ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ. وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا مَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِطْعَامُ طَعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هُوَ دَفْعُ الْحَاجَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ دَفْعِ حَاجَةِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَدَفْعِ حَاجَةِ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا، وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَإِطْعَامُ﴾ فِعْلٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَفْعُولٍ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ. وَقَوْلَهُ ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ صَالِحٌ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ الْإِطْعَامِ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ مَعَ ظُهُورِهِ، وَالطَّعَامُ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا أَنْ يَكُونَ هُوَ مَفْعُولَ الْإِطْعَامِ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَمَسْكُوتٌ عَنْهُ فَتَقْدِيرُ حَذْفِ الْمُظْهَرِ وَإِظْهَارِ الْمَفْعُولِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بَعِيدٌ فِي اللُّغَةِ وَالْوَاجِبُ عَكْسُهُ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي وُجُوبِ رِعَايَةِ الْعَدَدِ فِيمَا اسْتُنْبِطَ مِنْهُ يَكُونُ مُوجِبًا لِرَفْعِهِ فَكَانَ مُمْتَنِعًا، كَيْفَ وَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقْصِدَ الشَّارِعُ مَعَ ذَلِكَ رِعَايَةَ الْعَدَدِ دَفَعًا لِحَاجَةِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، نَظَرًا لِلْمُكَفِّرِ بِمَا يَنَالُهُ مِنْ دُعَائِهِمْ لَهُ وَاغْتِنَامِهِ لِبَرَكَتِهِمْ (٢) وَقَلَّمَا يَخْلُو جَمْعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ مُغْتَنَمَ الْهِمَّةِ، وَذَلِكَ فِي الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِمَّا يَنْدُرُ.

стр. 676

[الْمَسْأَلَةُ الثالثة قَوْلُهُ ﵇ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ ﷺ : " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» " (١) صَدَّرَ الْكَلَامَ (بِأَيِّ وَمَا) فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَذَلِكَ مِنْ أَبْلَغِ أَدَوَاتِ الْعُمُومِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ وَأَكَّدَهُ بِالْبُطْلَانِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ مَا يَدُلُّ بِهِ الْفَصِيحُ الْمُصْقِعُ عَلَى التَّعْمِيمِ وَالْبُطْلَانِ. وَقَدْ طَرَقَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَ تَأْوِيلَاتٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَرْأَةِ الصَّغِيرَةَ. الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْكَبِيرَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الْأَمَةَ وَالْمُكَاتَبَةَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ مَصِيرَهُ إِلَى الْبُطْلَانِ غَالِبًا، بِتَقْدِيرِ اعْتِرَاضِ الْأَوْلِيَاءِ عَلَيْهَا، إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ. وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا فِي صَرْفِ هَذَا الْعُمُومِ الْقَوِيِّ الْمُقَارِبِ لِلْقَطْعِ عَنْ ظَاهِرِهِ. أَمَّا الْحَمْلُ عَلَى الصَّغِيرَةِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى امْرَأَةً فِي وَضْعِ اللِّسَانِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِالْبُطْلَانِ، وَنِكَاحُ الصَّغِيرَةِ لِنَفْسِهَا دُونَ إِذْنِ وَلَيِّهَا صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ، مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ. وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى الْأَمَةِ فَيَدْرَؤُهُ قَوْلُهُ ﷺ : " «فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» " وَمَهْرُ الْأَمَةِ لَيْسَ لَهَا بَلْ لِسَيِّدِهَا. وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فَبَعِيدٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جِنْسِ النِّسَاءِ نَادِرَةٌ، وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَقْوَى مَرَاتِبِ الْعُمُومِ، وَلَيْسَ مِنَ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ إِطْلَاقُ مَا هَذَا شَأْنُهُ، وَإِرَادَةُ مَا هُوَ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ وَالشُّذُوذِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَقِيتَهَا الْيَوْمَ فَأَعْطِهَا دِرْهَمًا " وَقَالَ: " إِنَّمَا أَرَدْتُ بِهِ الْمُكَاتَبَةَ " كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى الْإِلْغَازِ فِي الْقَوْلِ وَهُجْرِ الْكَلَامِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى غَيْرُ الْأَقَلِّ النَّادِرِ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ.

стр. 677

وَأَمَّا حَمْلُ بُطْلَانِ النِّكَاحِ عَلَى مَصِيرِهِ إِلَى الْبُطْلَانِ فَبَعِيدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَصِيرَ الْعَقْدِ إِلَى الْبُطْلَانِ مِنْ أَنْدَرِ مَا يَقَعُ: وَالتَّعْبِيرُ بِاسْمِ الشَّيْءِ عَمَّا يَئُولُ إِلَيْهِ إِنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَآلُ إِلَيْهِ قَطْعًا: كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ أَوْ غَالِبًا كَمَا فِي تَسْمِيَةِ الْعَصِيرِ خَمْرًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ الثَّانِي: قَوْلُهُ: " «فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» " وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ وَاقِعًا صَحِيحًا لَكَانَ الْمَهْرُ لَهَا بِالْعَقْدِ لَا بِالِاسْتِحْلَالِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ تأويل بعيد لقوله ﵇ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَمِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» " إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَوْمُ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ مِنْ حَيْثُ (١) إِنَّ الصَّوْمَ نَكِرَةٌ وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّفْيِ فَكَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ صَوْمٍ. وَالْمُتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ لَفْظِ الصَّوْمِ إِنَّمَا هُوَ الصَّوْمُ الْأَصْلِيُّ الْمُتَخَاطَبُ بِهِ فِي اللُّغَاتِ وَهُوَ الْفَرْضُ وَالتَّطَوُّعُ (٢) دُونَ مَا وُجُوبُهُ بِعَارِضٍ، وَوُقُوعُهُ نَادِرٌ: وَهُوَ الْقَضَاءُ وَالنَّذْرُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ إِطْلَاقَ مَا هُوَ قَوِيٌّ فِي الْعُمُومِ وَإِرَادَةَ مَا هُوَ الْعَارِضُ الْبَعِيدُ النَّادِرُ، وَإِخْرَاجَ الْأَصْلِ الْغَالِبِ مِنْهُ إِلْغَازٌ فِي الْقَوْلِ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: " مَنْ دَخَلَ دَارِي مِنْ أَقَارِبِي أَكْرِمْهُ " وَقَالَ: " إِنَّمَا أَرَدْتُ قَرَابَةَ السَّبَبِ دُونَ النَّسَبِ أَوْ ذَوَاتِ الْأَرْحَامِ الْبَعِيدَةِ دُونَ الْعَصَبَاتِ الْقَرِيبَةِ " كَانَ قَوْلُهُ مُنْكَرًا مُسْتَبْعَدًا، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَنْتَهِضُ فِي الْبُعْدِ إِلَى بُعْدِ التَّأْوِيلِ فِي حَمْلِ الْخَبَرِ السَّابِقِ عَلَى الْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ.

стр. 678

[الْمَسْأَلَةُ الخامسة تَأْوِيلُ بعيد لقوله ﵇ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَمِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ أَيْضًا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ» (١) فَإِنَّ ظُهُورَ وُرُودِهِ لِتَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ، وَتَمْهِيدِ أَصْلٍ، فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى حُرْمَةِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَصِلَتُهُ قَوِيُّ الظُّهُورِ فِي قَصْدِ التَّعْمِيمِ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَذَلِكَ مِمَّا يُمْتَنَعُ مَعَهُ التَّأْوِيلُ بِالْحَمْلِ عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُصُولِ، دُونَ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُمْ قَدِ امْتَازُوا بِكَوْنِهِمْ عَلَى عَمُودِ النَّسَبِ عَنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ عَلَى حَوَاشِيهِ مِنَ الْأَرْحَامِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِمْ، إِظْهَارًا لِشَرَفِ قُرْبِهِمْ وَنَسَابَتِهِمْ، فَلَوْ كَانَ الْقَصْدُ مُتَعَلِّقًا بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ بِالذِّكْرِ لَمَا عَدَلَ عَنِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِمْ إِلَى مَا يَعُمُّ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ حُرْمَتِهِمْ وَإِهْمَالِ خَاصِّيَّتِهِمْ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: " أَكْرِمِ النَّاسَ " قَاصِدًا لِإِكْرَامِ أَبَوَيْهِ لَا غَيْرُ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَهْجُورَةِ الْمُسْتَبْعَدَةِ. [الْمَسْأَلَةُ السادسة تَأْوِيلُ بعيد لقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَمِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ تَأْوِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ حَيْثُ إِنَّهُ قَالَ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ مَعَ الْقَرَابَةِ وَحِرْمَانِ مَنْ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، لِأَنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِي إِضَافَةِ الْخُمُسِ إِلَى كُلِّ ذَوِي الْقُرْبَى، بِلَامِ التَّمْلِيكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ مُومِئَةٌ إِلَى أَنَّ مَنَاطَ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الْقَرَابَةُ فَإِنَّهَا مُنَاسِبَةٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ إِظْهَارًا لِشَرَفِهَا وَإِبَانَةً لِخَطَرِهَا، وَحَيْثُ رَتَّبَ الِاسْتِحْقَاقَ عَلَى ذِكْرِهَا فِي الْآيَةِ، كَانَ ذَلِكَ إِيمَاءً إِلَى التَّعْلِيلِ بِهَا، فَالْمَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ يَكُونُ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ، وَتَرْكًا لِمَا ظَهَرَ كَوْنُهُ عِلَّةً مُومَأً إِلَيْهَا فِي الْآيَةِ، وَهُوَ صِفَةُ الْقَرَابَةِ، وَتَعْلِيلًا بِالْحَاجَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ.

стр. 679

فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ بِعَيْنِهِ لَازِمٌ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ مَعَ الْيُتْمِ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ. قُلْنَا: الْمُخْتَارُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إِنَّمَا هُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ مَعَ الْيُتْمِ، وَبِتَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ فَاعْتِبَارُ الْحَاجَةِ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ لَفْظَ الْيُتْمِ مَعَ قَرِينَةِ إِعْطَاءِ الْمَالِ مُشْعِرٌ بِهَا، فَاعْتِبَارُهَا يَكُونُ اعْتِبَارًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ إِلْغَاءٌ لَهُ وَالْيُتْمُ بِمُجَرَّدِهِ عَنِ اقْتِرَانِ الْحَاجَةِ بِهِ غَيْرُ صَالِحٍ لِلتَّعْلِيلِ، بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ فَإِنَّ الْقَرَابَةَ بِمُجَرَّدِهَا مُنَاسِبَةٌ لِلْإِكْرَامِ بِاسْتِحْقَاقِ خُمُسِ الْخُمُسِ (١) كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَاعْتِبَارُ الْحَاجَةِ مَعَهَا يَكُونُ تَرْكًا لِلْعَمَلِ بِمَا ظَهَرَ كَوْنُهُ عِلَّةً وَعُمِلَ بِغَيْرِهِ وَهُوَ مُنَاقَضَةٌ لَا تَأْوِيلٌ. [الْمَسْأَلَةُ السابعة تأويل بعيد لقوله ﵇ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَمِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ أَيْضًا مَصِيرُ قَوْمٍ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ» (٢) لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي إِيجَابِ الْعُشْرِ وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِي الْخُضْرَوَاتِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ إِنَّمَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُشْرِ وَنِصْفُ الْعُشْرِ، لَا بَيَانُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ، وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَسُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ بِوَضْعِ اللُّغَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ قَصْدِ التَّعْمِيمِ؛ إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْخَبَرَ لَمْ يَرِدْ إِلَّا لِقَصْدِ الْفَرْقِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.

стр. 680

[الْمَسْأَلَةُ الثامنة تأويل بعيد لقوله وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَمِنْ أَبْعَدِ التَّأْوِيلَاتِ مَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغَسْلُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ (١) لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْعَمَلِ بِمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْعَطْفِ مِنَ التَّشْرِيكِ بَيْنَ الرُّءُوسِ وَالْأَرْجُلِ فِي الْمَسْحِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: الْعَطْفُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْوُجُوهِ وَالْيَدَيْنِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلتَّشْرِيكِ فِي الْغَسْلِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قُدِّرَ الْمَأْمُورُ بِهِ مِنَ الْكَعْبَيْنِ كَمَا قُدِّرَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْمَسْحَ لَمَا كَانَ مُقَدَّرًا كَمَسْحِ الرَّأْسِ. الثَّانِي: مَا وَرَدَ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِالنَّصْبِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الْأَيْدِي دُونَ الرُّءُوسِ. وَأَمَّا الْكَسْرُ فَإِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ الْمُجَاوَرَةِ، فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ لِاسْتِتْبَاعِ الْمُجَاوِرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: كَأَنَّ ثَبِيرًا فِي عَرَانِينَ وَبْلِهِ ... كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ كُسِرَ (مُزَمَّلِ) اسْتِتْبَاعًا لِمَا قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا لِكَوْنِهِ وَصْفَ (كَبِيرٍ) وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَرْجُلَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الرُّءُوسِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَطْفِ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي تَفَاصِيلِ حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بَلْ فِي أَصْلِهِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَذَلِكَ مِمَّا قَدْ وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ، فَإِنَّ الْغَسْلَ وَالْمَسْحَ قَدِ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ إِمْسَاسُ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ، وَإِنِ افْتَرَقَا فِي خُصُوصِ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي صِحَّةِ الْعَطْفِ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَلَقَدْ رَأَيْتُكَ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا عَطْفُ الرُّمْحِ عَلَى التَّقَلُّدِ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ كَانَ الرُّمْحُ لَا يُتَقَلَّدُ، وَإِنَّمَا يُعْتَقَلُ بِهِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَصْلِ الْحَمْلِ

стр. 681

وَكَذَلِكَ عَطَفَ الشَّاعِرُ الْمَاءَ عَلَى التِّبْنِ فِي قَوْلِهِ (عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا) (١) وَالْمَاءُ لَا يُعْلَفُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَصْلِ التَّنَاوُلِ. وَالْجَوَابُ، قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَطْفَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَيْدِي، فَأَبْعَدُ مِنْ كُلِّ بَعِيدٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْعَطْفِ عَلَى مَا يَلِي الْمَعْطُوفِ إِلَى مَا لَا يَلِيهِ. وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِالْكَعْبَيْنِ فَمِمَّا لَا يَمْنَعُ مِنَ الْعَطْفِ عَلَى الرُّءُوسِ الْمَمْسُوحَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْحُ الرُّءُوسِ مُقَدَّرًا فِي الْآيَةِ كَمَا عَطَفَ الْأَيْدِي عَلَى الْوُجُوهِ فِي حُكْمِ الْغَسْلِ، وَإِنْ كَانَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مُقَدَّرًا وَغَسْلُ الْوُجُوهِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَطْفًا عَلَى الْمَوْضِعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرُّءُوسَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الْخَافِضُ عَلَى الرُّءُوسِ، أَوْجَبَ الْكَسْرَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا عَطْفُ (الْحَدِيدِ) عَلَى مَوْضِعِ (الْجِبَالِ) إِذْ هِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، غَيْرَ أَنَّهَا خُفِضَتْ بِدُخُولِ الْجَارِّ عَلَيْهَا. قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْكَسْرَ بِسَبَبِ الْمُجَاوَرَةِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمُتَجَاوِرَيْنِ فَاصْلٌ كَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الشِّعْرِ، وَأَمَّا إِذَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ فَلَا. وَإِنْ سَلَّمْنَا جَوَازَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يُتَحَمَّلُ إِلَّا لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَلَا يَنْتَهِضُ مُوجِبًا لِاتِّبَاعِهِ، وَتَرْكِ مَا أَوْجَبَهُ الْعَطْفُ. وَمِثْلُ ذَلِكَ، وَإِنْ وَرَدَ فِي النَّثْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ (جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ وَمَاءُ شَنٍّ بَارِدٍ) فَمِنَ النَّوَادِرِ الشَّاذَّةِ الَّتِي لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَطْفَ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الرُّءُوسِ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلِاشْتِرَاكِ فِي تَفَاصِيلِ حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. قُلْنَا: هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَى خِلَافِهِ لِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذِهِ النُّبْذَةَ مِنْ مَسَائِلِ التَّأْوِيلَاتِ لِتُدَرِّبَ الْمُبْتَدِئِينَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْثَالِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ، فَالْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ نَظَرُ الْمُجْتَهِدِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فَعَلَيْهِ اتِّبَاعُ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ.

стр. 682

[دَلَالَةِ غَيْرِ الْمَنْظُومِ] [ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع] [النَّوْعُ الْأَوَّلُ دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ] الْقِسْمُ الثَّانِي فِي دَلَالَةِ غَيْرِ الْمَنْظُومِ وَهُوَ مَا دَلَالَتُهُ لَا بِصَرِيحِ صِيغَتِهِ وَوَضْعِهِ، وَذَلِكَ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهُ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ، أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ: فَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا، فَلَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ صِدْقُ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ صِحَّةُ الْمَلْفُوظِ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ، فَإِنْ تَوَقَّفَ فَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ تُسَمَّى دَلَالَةَ الِاقْتِضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَلَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَفْهُومًا فِي مَحَلِّ تَنَاوُلِهِ اللَّفْظَ نُطْقًا أَوَّلًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَتُسَمَّى دَلَالَتَهُ دَلَالَةَ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَتُسَمَّى دَلَالَتَهُ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَدْلُولُهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِلْمُتَكَلِّمِ، فَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ تُسَمَّى دَلَالَةَ الْإِشَارَةِ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ وَهِيَ مَا كَانَ الْمَدْلُولُ فِيهِ مُضْمَرًا، إِمَّا لِضَرُورَةِ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِمَّا لِصِحَّةِ وُقُوعِ الْمَلْفُوظِ بِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَهُوَ كَقَوْلِهِ ﷺ : " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» " وَقَوْلِهِ ﵇: " «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» "، وَقَوْلِهِ ﵇: " «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ» " (١) فَإِنَّ رَفْعَ الصَّوْمِ وَالْخَطَأِ وَالْعَمَلِ مَعَ تَحَقُّقِهِ مُمْتَنِعٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ نَفْيِ حُكْمٍ يُمْكِنُ نَفْيُهُ، كَنَفْيِ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ، وَنَفْيِ الصِّحَّةِ أَوِ الْكَمَالِ فِي الْخَبَرِ الثَّانِي، وَنَفْيِ الْفَائِدَةِ وَالْجَدْوَى فِي الْخَبَرِ الثَّالِثِ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْخَبَرِ.

стр. 683

وَأَمَّا إِنْ كَانَ لِصِحَّةِ الْمَلْفُوظِ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ تَتَوَقَّفَ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ لِصِحَّةِ الْمَلْفُوظِ بِهِ عَقْلًا. (١) وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَكَقَوْلِ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ: (أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفٍ) فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ سَابِقَةِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ إِلَيْهِ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ الْعِتْقِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ. [النَّوْعُ الثَّانِي دَلَالَةُ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ] وَهِيَ خَمْسَةُ أَصْنَافٍ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي الْقِيَاسِ. [النَّوْعُ الثَّالِثُ دَلَالَةُ الْإِشَارَةِ] وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّ النِّسَاءِ: ( «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ) فَقِيلَ لَهُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ قَالَ: تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي، وَلَا تَصُومُ» ) (٢) فَهَذَا الْخَبَرُ إِنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ نُقْصَانِ دِينِهِنَّ، لَا لِبَيَانِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَطْرَ الدَّهْرِ مُبَالَغَةً فِي بَيَانِ نُقْصَانِ دِينِهِنَّ، وَلَوْ كَانَ الْحَيْضُ يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَذَكَرَهُ، وَكَذَلِكَ دَلَالَةُ مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةٍ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَقْصُودًا مِنَ اللَّفْظِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ مُمْتَدَّةً إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ وَكَانَ بَيَانُ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ جَامَعَ فِي لَيْلِ رَمَضَانَ، وَأَصْبَحَ جُنُبًا لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، لِأَنَّ مَنْ جَامَعَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، لَا بُدَّ مِنْ تَأَخُّرِ غُسْلِهِ إِلَى النَّهَارِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ الصَّوْمَ لَمَا أُبِيحَ الْجِمَاعُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مَقْصُودًا مِنَ الْكَلَامِ إِلَى نَظَائِرِهِ.

стр. 684

[النَّوْعُ الرَّابِعُ الْمَفْهُومُ] [النظر في معنى المفهوم] وَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي مَعْنَاهُ وَأَصْنَافِهِ قَبْلَ الْحِجَاجِ فِي نَفْيِهِ وَإِثْبَاتِهِ، أَمَّا مَعْنَاهُ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مُقَابِلٌ لِلْمَنْطُوقِ، وَالْمَنْطُوقَ أَصْلٌ لِلْمَفْهُومِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ الْعَوْدُ إِلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى الْمَفْهُومِ ثَانِيًا. فَنَقُولُ أَمَّا الْمَنْطُوقُ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: " هُوَ مَا فُهِمَ مِنَ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ "، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُضْمَرَةَ فِي دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ مَفْهُومَةٌ مِنَ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَلَا يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَنْطُوقُ اللَّفْظِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: " الْمَنْطُوقُ مَا فُهِمَ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ قَطْعًا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ " وَذَلِكَ كَمَا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» " وَكَتَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ لِلْوَالِدَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إِلَى نَظَائِرِهِ. وَأَمَّا الْمَفْهُومُ " فَهُوَ مَا فُهِمَ مِنَ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ "، وَالْمَنْطُوقُ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا مِنَ اللَّفْظِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ نُطْقًا خُصَّ بِاسْمِ الْمَنْطُوقِ، وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ مُعَرَّفًا بِالْمَعْنَى الْعَامِّ الْمُشْتَرَكِ، تَمْيِيزًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. [مفهوم الموافقة] وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْمَفْهُومِ، فَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُسَمَّى مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ، وَإِلَى مَا يُسَمَّى مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ. أَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ فَمَا يَكُونُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُوَافِقًا لِمَدْلُولِهِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا فَحْوَى الْخِطَابِ، وَلَحْنَ الْخِطَابِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَعْنَى الْخِطَابِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أَيْ فِي مَعْنَاهُ. وَقَدْ يُطْلَقُ اللَّحْنُ وَيُرَادُ بِهِ اللُّغَةُ، وَمِنْهُ يُقَالُ " لَحَنَ فُلَانٌ بِلَحْنِهِ " إِذَا تَكَلَّمَ بِلُغَتِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْفِطْنَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ " وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ " (أَيْ: أَفْطَنُ) ، وَقَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْخُرُوجُ عَنْ نَاحِيَةِ الصَّوَابِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ إِزَالَةُ الْإِعْرَابِ عَنْ جِهَةِ الصَّوَابِ.

стр. 685

وَمِثَالُهُ تَحْرِيمُ شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ وَضَرْبِهِمَا مِنْ دَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فَإِنَّ الْحُكْمَ الْمَفْهُومَ مِنَ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُوَافِقٌ لِلْحُكْمِ الْمَفْهُومِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَكَذَلِكَ دَلَالَةُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ عَلَى تَحْرِيمِ إِتْلَافِ أَمْوَالِهِمْ، وَكَدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ عَلَى الْمُقَابَلَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. وَكَدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ عَلَى تَأْدِيَةِ مَا دُونَ الْقِنْطَارِ، وَعَدَمِ تَأْدِيَةِ مَا فَوْقَ الدِّينَارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّظَائِرِ. وَالدَّلَالَةُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَا تَخْرُجُ مِنْ قَبِيلِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، وَبِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ أَوْلَى مِنْهُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ أَنْ لَوْ عُرِفَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَعُرِفَ أَنَّهُ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً وَاقْتِضَاءً لِلْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مِنِ اقْتِضَائِهِ لَهُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَذَلِكَ كَمَا عَرَفْنَا مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ الْمُحَرِّمَةِ لِلتَّأْفِيفِ أَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هُوَ كَفُّ الْأَذَى عَنِ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ الْأَذَى فِي الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ أَشَدُّ مِنَ التَّأْفِيفِ، فَكَانَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى. وَإِلَّا فَلَوْ قَطَعْنَا النَّظَرَ عَنْ ذَلِكَ، لَمَا لَزِمَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ الْعَنِيفِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَنْتَظِمُ مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يَأْمُرَ الْجَلَّادَ بِقَتْلِ وَالِدِهِ إِذَا اسْتَيْقَنَ مُنَازَعَتَهُ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَيَنْهَاهُ عَنِ التَّأْفِيفِ، حَيْثُ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ إِنَّمَا هُوَ دَفْعُ مَحْذُورِ الْمُنَازَعَةِ فِي الْمُلْكِ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ أَشَدَّ فِي دَفْعِهِ مِنَ التَّأْفِيفِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ إِبَاحَةِ أَعْلَى الْمَحْذُورَيْنِ إِبَاحَةُ أَدْنَاهُمَا، وَلَا مِنْ تَحْرِيمِ أَدْنَاهُمَا تَحْرِيمُ أَعْلَاهُمَا. وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَدَلِيلُ كَوْنِهِ حُجَّةً أَنَّهُ إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ " لَا تُعْطِ زَيْدًا حَبَّةً، وَلَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ، وَلَا تَظْلِمْهُ بِذَرَّةٍ، وَلَا تَعْبِسْ فِي وَجْهِهِ " فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ إِعْطَاءِ مَا فَوْقَ الْحَبَّةِ، وَامْتِنَاعُ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ، وَامْتِنَاعُ الظُّلْمِ بِالدِّينَارِ

стр. 686

وَمَا زَادَ، وَامْتِنَاعُ أَذِيَّتِهِ بِمَا فَوْقَ التَّعْبِيسِ مِنْ هَجْرِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا» " حِفْظَ مَا الْتُقِطَ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَمِنْ قَوْلِهِ ﷺ ، فِي الْغَنِيمَةِ " «أَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ» " أَدَاءَ الرِّحَالِ وَالنُّقُودِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْ قَوْلِهِ " «مَنْ سَرَقَ عَصَا مُسْلِمٍ فَعَلَيْهِ رَدُّهَا» " رَدَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ لِفُلَانٍ لُقْمَةً، وَلَا يَشْرَبُ مِنْ مَائِهِ جَرْعَةً، كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَكْلِ مَا زَادَ عَلَى اللُّقْمَةِ كَالرَّغِيفِ وَشُرْبِ مَا زَادَ عَلَى الْجَرْعَةِ إِلَى نَظَائِرِهِ غَيْرَ أَنَّ الْخِلَافَ وَاقِعٌ فِي أَنَّ مُسْتَنَدَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، هَلْ هُوَ فَحْوَى الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ، أَوِ الدَّلَالَةِ الْقِيَاسِيَّةِ. وَقَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْفَحْوَى بِأَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا وَضَعَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأْكِيدِ لِلْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ. وَأَنَّهَا أَفْصَحُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُمْ إِذَا قَصَدُوا الْمُبَالَغَةَ فِي كَوْنِ أَحَدِ الْفَرَسَيْنِ سَابِقًا لِلْآخَرِ، قَالُوا (هَذَا الْفَرَسُ لَا يَلْحَقُ غُبَارَ هَذَا الْفَرَسِ) وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَبْلَغَ مِنْ قَوْلِهِمْ (هَذَا الْفَرَسُ سَابِقٌ لِهَذَا الْفَرَسِ) وَكَذَلِكَ إِذَا قَالُوا: " فُلَانٌ يَأْسَفُ بِشَمِّ رَائِحَةِ مَطْبَخِهِ " فَإِنَّهُ أَفْصَحُ عِنْدَهُمْ وَأَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِمْ " فُلَانٌ لَا يُطْعِمُ وَلَا يَسْقِي ". وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ قِيَاسًا أَنَّا لَوْ قَطَعْنَا النَّظَرَ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ مِنْ كَفِّ الْأَذَى عَنِ الْوَالِدَيْنِ، وَعَنْ كَوْنِهِ فِي الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ أَشَدَّ مِنْهُ فِي التَّأْفِيفِ لَمَا قُضِيَ بِتَحْرِيمِ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ إِجْمَاعًا، وَلِمَا سَبَقَ مِنْ جَوَازِ أَمْرِ الْمَلِكِ لِلْجَلَّادِ بِقَتْلِ وَالِدِهِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّأْفِيفِ لَهُ، فَالتَّأْفِيفُ أَصْلٌ، وَالشَّتْمُ وَالضَّرْبُ فَرْعٌ، وَدَفْعُ الْأَذَى عِلَّةٌ، وَالتَّحْرِيمُ حُكْمٌ وَلَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ إِلَّا هَذَا. وَسَمُّوا ذَلِكَ قِيَاسًا جَلِيًّا نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْوَصْفَ الْجَامِعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ ثَابِتٌ بِالتَّأْثِيرِ. وَالْأَشْبَهُ إِنَّمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْإِسْنَادُ إِلَى فَحْوَى الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ. وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَهْمِ الْمَعْنَى، وَكَوْنِهِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، فَهُوَ شَرْطُ تَحَقُّقِ الْفَحْوَى، وَلَا مُنَاقَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَحْوَى، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْفَحْوَى لَا بِالْقِيَاسِ أَمْرَانِ:

стр. 687

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً لَهُ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ إِجْمَاعًا، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ لَا يَتِمُّ دُونَهُ، فَلَا يَكُونُ قِيَاسًا. الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ مُنْدَرِجًا فِي الْفَرْعِ وَجُزْءًا مِنْهُ إِجْمَاعًا. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ قَدْ يَكُونُ مَا تُخُيِّلَ أَصْلًا فِيهِ جُزْءٌ مِمَّا تُخُيِّلَ فَرْعًا، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: " لَا تُعْطِ لِفُلَانٍ حَبَّةً " فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ إِعْطَاءِ الدِّينَارِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَالْحَبَّةُ الْمَنْصُوصَةُ تَكُونُ دَاخِلَةً فِيهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رُؤْيَةِ مَا زَادَ عَلَى الذَّرَّةِ، وَالذَّرَّةُ تَكُونُ دَاخِلَةً فِيهِ، إِلَى نَظَائِرِهِ. وَلِهَذَا، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ فِي الْقِيَاسِ مُطْلَقًا وَافَقَ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الدَّلَالَةِ سِوَى أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَلَوْ كَانَ قِيَاسًا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ. أَمَّا الْقَطْعِيُّ: فَكَمَا ذَكَرْنَا مِنْ آيَةِ التَّأْفِيفِ حَيْثُ إِنَّا عَلِمْنَا مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ أَنَّ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ إِنَّمَا هُوَ دَفْعُ الْأَذَى عَنِ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ الْأَذَى فِي الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ أَشَدُّ. وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فَإِنَّهُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ، لِكَوْنِهِ أَوْلَى بِالْمُؤَاخَذَةِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ لِإِمْكَانِ أَنْ لَا تَكُونَ الْكَفَّارَةُ فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ مُوجَبَةً بِطَرِيقِ الْمُؤَاخَذَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» " وَالْمُرَادُ بِهِ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ، بَلْ نَظَرًا لِلْخَاطِئِ بِإِيجَابِ مَا يُكَفِّرُ ذَنْبَهُ فِي تَقْصِيرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَتْ كَفَّارَةً، وَجِنَايَةُ الْمُتَعَمِّدِ فَوْقَ جِنَايَةِ الْخَاطِئِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْكَفَّارَةِ رَافِعَةً لِإِثْمِ أَدْنَى الْجِنَايَتَيْنِ أَنْ تَكُونَ رَافِعَةً لِإِثْمِ أَعْلَاهُمَا. [مفهوم المخالفة] [تعريفه وبيان أصنافه] وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فَهُوَ مَا يَكُونُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُخَالِفًا لِمَدْلُولِهِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَيُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ أَيْضًا، وَهُوَ عِنْدُ الْقَائِلِينَ بِهِ مُنْقَسِمٌ إِلَى عَشَرَةِ أَصْنَافٍ مُتَفَاوِتَةٍ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ.

стр. 688

الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: مِنْهَا ذِكْرُ الِاسْمِ الْعَامِّ مُقْتَرِنًا بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ كَقَوْلِهِ ﷺ : " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» ". الصِّنْفُ الثَّانِي: مَفْهُومُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ : " «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» ". (١) الصِّنْفُ الثَّالِثُ: مَفْهُومُ الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ، وَ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ . الصِّنْفُ الرَّابِعُ: مَفْهُومُ إِنَّمَا كَقَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ". " «وَإِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ". " «وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ". " «وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» إِلَى نَظَائِرِهِ ". الصِّنْفُ الْخَامِسُ: التَّخْصِيصُ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي تَطْرَأُ وَتَزُولُ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ ﷺ : " «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» ". وَقَوْلِهِ ﵊ ( «فِي السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» ) . الصِّنْفُ السَّادِسُ: مَفْهُومُ اللَّقَبِ، وَذَلِكَ كَتَخْصِيصِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فِي الذِّكْرِ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا. (٢) الصِّنْفُ السَّابِعُ: مَفْهُومُ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ الدَّالِّ عَلَى الْجِنْسِ، كَقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» " وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ لِكَوْنِ الطَّعَامِ لَقَبًا لِجِنْسٍ. الصِّنْفُ الثَّامِنُ: مَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وَقَوْلِ الْقَائِلِ: (لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ) . الصِّنْفُ التَّاسِعُ: تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ خَاصٍّ، كَتَخْصِيصِ حَدِّ الْقَذْفِ بِثَمَانِينَ. الصِّنْفُ الْعَاشِرُ: مَفْهُومُ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ: (الْعَالِمُ زَيْدٌ وَصَدِيقِي عَمْرٌو) . (٣)

стр. 689

وَإِذَا عُرِفَ الْمَفْهُومُ بِحَدِّهِ وَأَصْنَافِهِ، فَيَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْحِجَاجِ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ أَنَّ مُسْتَنَدَ فَهْمِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ النَّظَرُ إِلَى فَائِدَةِ تَخْصِيصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ أَوِ الْمُخَالَفَةِ، وَإِنِ افْتَرَقَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ إِنَّمَا هُوَ تَأْكِيدٌ مِثْلُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فِي مَحَلِّ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَفَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ مِثْلِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْلَمُ مِنْ مُجَرَّدِ تَخْصِيصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ دُونَ نَظَرٍ عَقْلِيٍّ يَتَحَقَّقُ بِهِ أَنَّ التَّخْصِيصَ لِلتَّأْكِيدِ أَوِ النَّفْيِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُنْظَرَ إِلَى حِكْمَةِ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ. فَإِنْ عُرِفَتْ وَعُرِفَ تَحَقُّقُهَا فِي الْمَحَلِّ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَأَنَّهَا أَوْلَى بِاقْتِضَائِهَا الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، عُلِمَ أَنَّ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ التَّأْكِيدُ، وَأَنَّ الْمَفْهُومَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ (١) وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حِكْمَةُ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، أَوْ عُلِمَتْ غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُتَحَقِّقَةً فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، أَوْ كَانَتْ مُتَحَقِّقَةً فِيهِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ أَوْلَى بِاقْتِضَاءِ الْحُكْمِ فِيهِ (٢) عُلِمَ أَنَّ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ إِنَّمَا هِيَ النَّفْيُ (٣) وَأَنَّ الْمَفْهُومَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ. وَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى تَحْقِيقِ الْمَفْهُومِ وَأَصْنَافِهِ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنَ الْحِجَاجِ فِي نَفْيِهِ وَإِثْبَاتِهِ، وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْنَافِهِ، فَنَقُولُ: أَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ سِوَى الظَّاهِرِيَّةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي دَلَالَتِهِ، هَلْ هِيَ لَفْظِيَّةٌ أَوْ قِيَاسِيَّةٌ، عَلَى مَا سَبَقَ. وَالْمُتَّفِقُونَ عَلَى صِحَّةِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، فَيَجِبُ الْخَوْضُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَهِيَ تِسْعُ مَسَائِلَ.

стр. 690

[الْمَسْأَلَةُ الأولى الْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى حُكْمٍ مُرْتَبِطٍ بِاسْمٍ عَامٍّ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اخْتَلَفُوا فِي الْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى حُكْمٍ مُرْتَبِطٍ بِاسْمٍ عَامٍّ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ كَقَوْلِهِ ﷺ : " فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ " (١) هَلْ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ السَّائِمَةِ أَوْ لَا؟ فَأَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَأَبُو عُبَيْدٍ (٢) وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَنَفَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ وَالشَّاشِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَفَرَّقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ: الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِالصِّفَةِ دَالٌّ عَلَى النَّفْيِ عَمَّا عَدَاهَا فِي أَحَدِ أَحْوَالٍ ثَلَاثٍ: وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ قَدْ وَرَدَ لِلْبَيَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» ". أَوِ التَّعْلِيمِ كَمَا فِي خَبَرِ " التَّحَالُفُ عِنْدَ التَّخَالُفِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ " (٣) أَوْ يَكُونُ مَا عَدَا الصِّفَةَ دَاخِلًا تَحْتَهَا، كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لِدُخُولِهِ فِي الشَّاهِدَيْنِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.

стр. 691

وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى تَفْصِيلِ الْمَذَاهِبِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ حُجَجِ الْفَرِيقَيْنِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ. أَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْإِثْبَاتِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِحُجَجٍ نَقْلِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ أَمَّا الْحُجَجُ النَّقْلِيَّةُ فَسِتُّ حُجَجٍ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَدْ قَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» " (١) حَيْثُ قَالَ إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لَا يَحِلُّ عِرْضُهُ وَعُقُوبَتُهُ، وَالْوَاجِدُ هُوَ الْغَنِيُّ، وَلَيُّهُ مَطْلُهُ، وَمَعْنَى إِحْلَالِ عِرْضِهِ مُطَالَبَتُهُ وَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» " (٢) وَقَدْ قِيلَ لَهُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ الْهَجَّاءَ مِنَ الشُّعَرَاءِ أَوْ هِجَاءَ الرَّسُولِ، فَقَالَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادَ، لَمْ يَكُنْ لِتَعْلِيقِ ذَلِكَ بِالْكَثْرَةِ وَامْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنْهُ مَعْنًى، لِأَنَّ مَا دُونَ مَلْءِ الْجَوْفِ مِنْ ذَلِكَ كَكَثِيرِهِ. وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ فُهِمَ أَنَّ تَعْلِيقَ الذَّمِّ عَلَى امْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنْ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا دُونَهُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حُكْمُ أَبِي عُبَيْدٍ بِذَلِكَ إِنِ ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ كَانَ نَقْلًا عَنِ الْعَرَبِ، فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّقْلِ. وَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ وَاجْتِهَادِهِ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخَالِفِينَ لَهُ فِي ذَلِكَ، كَيْفَ وَإِنَّهُ لَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ نَقْلًا فَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ حُجَّةً فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ اللُّغَوِيَّةِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَذْهَبِ الْأَخْفَشِ (٣)

стр. 692

فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلَمْ يَقُلْ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ بِذَلِكَ مُسْتَنِدًا إِلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَعَدَمِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَهُوَ أَوْلَى جَمْعًا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: مَا رَوَى قَتَادَةُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «قَدْ خَيَّرَنِي رَبِّي فَوَاللَّهِ لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» " فَعُقِلَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ بِخِلَافِهِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ حُجَّةً فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ التَّمَسُّكُ بِهِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ زِيَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى السَّبْعِينَ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَهْمِهِ وُقُوعَ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ بِاسْتِغْفَارِهِ زِيَادَةً عَلَى السَّبْعِينَ، وَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ اسْتِمَالَةَ قُلُوبِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الدِّينِ، لَا لِوُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ احْتِمَالُ الِاسْتِمَالَةِ أَوْلَى مِنْ فَهْمِهِ وُقُوعَ الْمَغْفِرَةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى السَّبْعِينَ فِي الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الْآيَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ التَّعَارُضِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَخْصِيصَ نَفْيِ الْمَغْفِرَةِ بِالسَّبْعِينَ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَغْفِرَةِ بِالسَّبْعِينَ قَطْعًا ضَرُورَةَ صِدْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَبَرِهِ. وَمَنْ قَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فَهُوَ قَائِلٌ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ دَلَّ اخْتِصَاصُ السَّبْعِينَ بِنَفْيِ الْمَغْفِرَةِ قَطْعًا عَلَى نَقِيضِهِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ لَكَانَ دَالًّا عَلَى وُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ السَّبْعِينَ، وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا: الْأَوَّلُ: خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَخِلَافُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ السَّبْعِينَ. وَالثَّانِي: فَلَيْسَ نَقِيضًا لِنَفْيِ الْمَغْفِرَةِ قَطْعًا، بَلْ هُوَ مُقَابِلٌ، وَالْمُقَابِلُ أَعَمُّ مِنَ النَّقِيضِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَفِيهِ دِقَّةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.

стр. 693

الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: مَصِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِلَى مَنْعِ تَوْرِيثِ الْأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ حَيْثُ إِنَّهُ فَهِمَ مِنْ تَوْرِيثِ الْأُخْتِ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ امْتِنَاعُ تَوْرِيثِهَا مَعَ الْبِنْتِ لِأَنَّهَا وَلَدٌ، وَهُوَ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَتَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ. وَجَوَابُ هَذِهِ الْحُجَّةِ مَا سَبَقَ فِي دَفْعِ الْحُجَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا، كَيْفَ وَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَرَّثَ الْأُخْتَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ بِالْآيَةِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الْبِنْتِ لَمْ يُوَرِّثْهَا بِنَاءً عَلَى اسْتِصْحَابِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، لَا بِنَاءً عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ (١) نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» " (٢) وَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُ: " «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» " يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ لَمَا كَانَ نَسْخًا لَهُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي اللُّغَاتِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جُلَّةَ الصَّحَابَةِ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُ الْبَعْضِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا اتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا حَكَمُوا بِكَوْنِهِ نَاسِخًا لَا لِمَدْلُولِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» " كُلُّ غُسْلٍ مِنْ إِنْزَالِ الْمَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ : " «لَا مَاءَ إِلَّا مِنَ الْمَاءِ» " فَكَانَ قَوْلُهُ: " «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» " نَاسِخًا لِمَدْلُولِ عُمُومِ الْأَوَّلِ، لَا لِمَدْلُولِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، بَلْ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَمُخْتَلِفًا فِيمَا ذَكَرُوهُ.

стр. 694

الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: مَا رُوِيَ «أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ قَالَ لِعُمَرَ: " مَا بَالُنَا نَقْصُرُ، وَقَدْ أَمِنَّا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ » وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ تَخْصِيصِ الْقَصْرِ بِحَالَةِ الْخَوْفِ عَدَمَ الْقَصْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ عُمَرُ، بَلْ قَالَ «لَقَدْ: " عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» " وَيَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ وَعُمَرُ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَقَدْ فَهِمَا ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَقَرَّهُمَا عَلَيْهِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ هَاهُنَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّ يَعْلَى وَعُمَرَ بَنَيَا عَدَمَ الْقَصْرِ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي حَالَةِ الْأَمْنِ، لَا عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، بَلِ الْبِنَاءُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ أَوْلَى دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الدَّلِيلِ الْمُجَوِّزِ لِلْقَصْرِ حَالَةَ الْأَمْنِ وَالدَّلِيلِ النَّافِي لَهُ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ الْعَرَبِيُّ لِوَكِيلِهِ: " اشْتَرِ لِي عَبْدًا أَسْوَدَ " فُهِمَ مِنْهُ عَدَمُ الشِّرَاءِ لِلْأَبْيَضِ، حَتَّى إِنَّهُ لَوِ اشْتَرَى أَبْيَضَ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: " أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ " فُهِمَ مِنْهُ انْتِفَاءُ الطَّلَاقِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّخُولِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ ذَلِكَ مَفْهُومًا مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ، بَلْ عَدَمُ شِرَاءِ الْأَبْيَضِ وَعَدَمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ إِنَّمَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: " لَا تَشْتَرِ لِي عَبْدًا أَسْوَدَ "، وَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: " إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَلَسْتِ طَالِقًا " فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ لِعَبْدٍ غَيْرِ أَسْوَدَ، وَلَا يَقَعُ بِالزَّوْجَةِ الطَّلَاقُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ دُخُولِ الدَّارِ لِبَقَاءِ ذَلِكَ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَلَوْ كَانَ نَفْيُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ لَصَحَّ شِرَاءُ عَبْدٍ لَيْسَ بِأَسْوَدَ، وَطُلِّقَتِ الزَّوْجَةُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ دُخُولِ الدَّارِ. وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ خِطَابٍ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ أَوِ اللُّغَةِ بِحُكْمٍ مُخَصَّصٍ بِصِفَةٍ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ عَمَّا عَدَا تِلْكَ الصِّفَةَ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، لَا عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ. وَأَمَّا الْحُجَجُ الْعَقْلِيَّةُ فَخَمْسُ حُجَجٍ.

стр. 695

الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمُ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِ السَّائِمَةِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ، بَلْ كَانَ مُلْغِزًا بِذِكْرِ مَا يُوهِمُ نَفْيَ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ، وَمُقَصِّرًا فِي الْبَيَانِ مَعَ دَعْوِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَحَيْثُ امْتَنَعَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ بِذِكْرِ السَّائِمَةِ نَفْيُ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي إِثْبَاتِ دَلِيلِ الْخِطَابِ يَرْجِعُ إِلَى إِثْبَاتِ الْوَضْعِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَائِدَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ إِمْكَانَ إِثْبَاتِ الْوَضْعِ بِذَلِكَ (١) سَلَّمْنَا إِمْكَانَ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَخْصِيصِ الصِّفَةِ بِالذِّكْرِ سِوَى نَفْيِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِهَا عِنْدَ عَدَمِهَا. وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ سِوَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ لَامْتَنَعَ وُرُودُ نَصٍّ خَاصٍّ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ لِمَحَلِّ النُّطْقِ لِمَا يَلْزَمُ مِنَ اللَّغْوِ فِي كَلَامِ الْحَكِيمِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا ثَبَتَ مِثْلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ لَمْ يَكُنْ مُخَصِّصًا لِلصِّفَةِ بِالْحُكْمِ، حَتَّى يُقَالَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَكُونُ لَغْوًا. قُلْنَا: فَإِذًا مُجَرَّدُ تَخْصِيصِ الصِّفَةِ بِالذِّكْرِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهَا دُونَ الْبَحْثِ عَمَّا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مَعَ عَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَكُمْ، لَكِنَّ نَفْسَ التَّخْصِيصِ دَلِيلٌ، وَوُجُودُ مَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ السُّكُوتِ يَكُونُ مُعَارِضًا لَهُ، بَلْ أَمْكَنَ (٢) وُجُودُ فَائِدَةٍ أُخْرَى دَعَتْ إِلَى التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، وَهِيَ إِمَّا عُمُومُ وُقُوعِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَإِمَّا لِسُؤَالِ سَائِلٍ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لِحُدُوثِ وَاقِعَةٍ وَقَعَتْ كَذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِرَفْعِ وَهْمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ حُكْمَ الصِّفَةِ بِتَقْدِيرِ تَعْمِيمِ اللَّفْظِ يَكُونُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْعُمُومِ

стр. 696

وَيَكُونُ بِذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِيمَا عَدَا الصِّفَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ: " ضَحُّوا بِشَاةٍ " فَإِنَّهُ قَدْ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ عَوْرَاءَ، فَإِذَا قَالَ: " ضَحُّوا بِشَاةٍ عَوْرَاءَ " كَانَ ذَلِكَ أَدَلَّ عَلَى التَّضْحِيَةِ بِمَا لَيْسَتْ عَوْرَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ عَلَى الْعُمُومِ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهِمْ عِنْدَ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ كَانَ أَدَلَّ عَلَى النَّهْيِ حَالَةَ الْخَشْيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةِ تَعْرِيفِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَالْمَسْكُوتِ بِنَصَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إِذْ هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنَ التَّعْمِيمِ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَإِمْكَانِ تَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ بِالِاجْتِهَادِ إِلَى مَحَلِّ الصِّفَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ مُرَادًا لِلتَّخْصِيصِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَائِدَةِ التَّوَصُّلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ لِيَنَالَ الْمُكَلَّفُ ثَوَابَ الِاجْتِهَادِ، وَحِينَ تَوَفَّرَ دَوَاعِي الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالْبَحْثِ عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَتَبْقَى غَضَّةً طَرِيَّةً، كَمَا هِيَ فِي سَائِرِ الْأُصُولِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا مَعَ وُقُوعِهَا فِي الْأَقْيِسَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الصِّفَةِ جَارِيًا عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ الْأَصْلِيِّ، وَتَكُونَ الْمَصْلَحَةُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ تَعْرِيفَ ذَلِكَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ بِالنَّصِّ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا بِالْبَقَاءِ عَلَى الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: " «لَا زَكَاةَ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ» " وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُخَالِفًا لِلْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ حُكْمِ الْعَقْلِ، كَمَا فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ، وَتَكُونَ فَائِدَةُ التَّنْصِيصِ عَلَى مَحَلِّ الصِّفَةِ اخْتِصَاصَهُ بِالْحُكْمِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا النَّصُّ لَمَا ثَبَتَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، مُنْتَفِيًا بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ الْأَصْلِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا سَلَّمْتُمُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ فَقَدْ وَافَقْتُمْ عَلَى الْمَطْلُوبِ. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي إِسْنَادِ النَّفْيِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ إِلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ لَا إِلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ.

стр. 697

وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّخْصِيصِ سِوَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَفْهُومُ اللَّقَبِ الَّذِي لَمْ يَقُلْ بِهِ مُحَصِّلٌ عَلَى مَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ، فَكُلُّ مَا هُوَ جَوَابٌ لَكُمْ ثَمَّ فَهُوَ جَوَابٌ لَنَا هَاهُنَا. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ فَرَقُّوا بَيْنَ الْخِطَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ بِالصِّفَةِ، كَمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْخِطَابِ الْمُرْسَلِ وَبَيْنَ الْمُقَيَّدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَثْنَى عَلَى خِلَافِ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَكَذَلِكَ الصِّفَةُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ الْفَرْقَ بَيْنَ حُكْمِ الْخِطَابِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ حُكْمِ الْخِطَابِ الْمُقَيَّدِ بِالصِّفَةِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْمُطْلَقِ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ بِثُبُوتِ حُكْمِهِ مُطْلَقًا، وَحُكْمَ الْخِطَابِ الْمُقَيَّدَ بِالصِّفَةِ ثُبُوتُهُ فِي مَحَلِّ التَّنْصِيصِ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا، وَفِي غَيْرِ مَحَلِّ الصِّفَةِ مَشْكُوكٌ فِي إِثْبَاتِهِ وَنَفْيِهِ فَقَدِ افْتَرَقَا كَمَا وَقَعَ الِافْتِرَاقُ بَيْنَ الْخِطَابِ الْمُطْلَقِ وَالْخِطَابِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ غَيْرَ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْحُكْمِ أَوْ نَفْيَهُ مُطْلَقًا، وَالْخِطَابُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ جَزْمًا. وَعَلَى هَذَا، فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْعَرَبَ سَوَّتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَإِنْ قِيلَ بِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الِافْتِرَاقِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ بِالصِّفَةِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا وَقَعَ الِافْتِرَاقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّخْصِيصُ بِذِكْرِ الصِّفَةِ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ التَّنْصِيصِ، وَعَلَى نَفْيِهِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، كَانَتِ الْفَائِدَةُ فِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا إِذَا لَمْ يَدُلَّ، فَوَجَبَ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْفَوَائِدِ، غَيْرَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ أَوْ نَفْيَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ دَلِيلِهِ، فَرْعُ دَلَالَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. فَلَوْ قِيلَ بِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْحُكْمِ يَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ كَانَ دَوْرًا. كَيْفَ وَإِنَّهُ لَيْسَ الْقَوْلُ بِكَوْنِ التَّخْصِيصِ دَالًّا عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَإِبْطَالُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي سَبَقَتْ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.

стр. 698

الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالصِّفَةِ كَالتَّعْلِيقِ بِالْعِلَّةِ، وَالتَّعْلِيقُ بِالْعِلَّةِ يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، فَكَذَلِكَ الصِّفَةُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، حَتَّى يُقَالَ مِثْلُهُ فِي الصِّفَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِاتِّحَادِ الْعِلَّةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهَا نَفْيُ الْحُكْمِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الصِّفَةِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعَدُّدِ أَصْنَافِ النَّوْعِ وَأَشْخَاصِهِ تَعَدُّدُ صِفَاتِهِ وَإِلَّا لَمَا تَعَدَّدَ، بَلْ كَانَ مُتَّحِدًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ قَالَ ﷺ : " «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا» " فَلَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ الطَّهَارَةِ فِيمَا دُونَ السَّبْعِ، وَإِلَّا لَمَا طَهُرَ بِالسَّبْعِ، لِأَنَّ السَّابِعَةَ تَكُونُ وَارِدَةً عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ، فَلَا يَكُونُ طَهُورُهُ بِالسَّبْعِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِبْطَالُ دَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: " «يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ» " لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يُحَرِّمُ لَمَا كَانَتِ الْخَمْسُ لِمَا عُرِفَ فِي الْغَسَلَاتِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ غَيْرَ دَالَّةٍ عَلَى نَفْيِ الطَّهَارَةِ فِيمَا دُونَ السَّبْعِ، وَمِنْ كَوْنِ الرَّضَعَاتِ الْخَمْسِ غَيْرَ دَالَّةٍ عَلَى نَفْيِ الْحُرْمَةِ فِيمَا دُونَهَا أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ قَبْلَ السَّابِعَةِ طَاهِرًا وَلَا أَنْ يَكُونَ مَا دُونَ الْخَمْسِ مِنَ الرَّضَعَاتِ مُحَرِّمًا لِجَوَازِ ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ قَبْلَ السَّبْعِ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ دَلِيلِ الْخِطَابِ. وَكَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَا دُونَ الرَّضَعَاتِ الْخَمْسِ غَيْرَ مُحَرِّمَةٍ بِدَلِيلٍ غَيْرِ دَلِيلِ الْخِطَابِ. وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَتُتْبِعُ مَا فِيهَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ حُجَجٍ عَوَّلَ عَلَيْهَا الْقَائِلُونَ بِإِبْطَالِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ. الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّ تَقْيِيدَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ لَوْ دَلَّ عَلَى نَفْيِهِ عِنْدَ نَفْيِهَا، إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ أَوِ النَّقْلِ، وَالْعَقْلُ لَا مَجَالَ لَهُ فِي اللُّغَاتِ، وَالنَّقْلُ إِمَّا مُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ وَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّوَاتُرِ، وَالْآحَادُ لَا تُفِيدُ غَيْرَ الظَّنِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَاتِ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى لُغَةٍ يَنْزِلُ عَلَيْهَا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ بِقَوْلِ الْآحَادِ مَعَ جَوَازِ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ عَلَيْهِ يَكُونُ مُمْتَنِعًا.

стр. 699

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ إِثْبَاتِ ذَلِكَ بِالْآحَادِ، إِذِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ، بَلْ ظَنِّيَّةٌ مُجْتَهَدٌ فِيهَا بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، بَلْ غَلَبَةُ ظَنٍّ تَجْرِي فِيهَا التَّخْطِئَةُ الظَّنِّيَّةُ، دُونَ الْقَطْعِيَّةِ كَمَا فِي سَائِرِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ الِاجْتِهَادِيَّةِ كَيْفَ وَإِنَّ اشْتِرَاطَ التَّوَاتُرِ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَاتِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ تَرِدُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، أَوْ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، الْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ تَحَكُّمٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ، كَيْفَ وَإِنَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ؟ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي الْكُلِّ فَذَلِكَ مِمَّا يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ التَّمَسُّكِ بِأَكْثَرِ اللُّغَةِ لِتَعَذُّرِ التَّوَاتُرِ فِيهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعْطِيلُ الْعَمَلِ بِأَكْثَرِ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْمَحْذُورُ فِي ذَلِكَ فَوْقَ الْمَحْذُورِ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمَعْرُوفِ بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ تَطَرُّقُ الْكَذِبِ أَوِ الْخَطَأِ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهُ وَصِحَّةُ نَقْلِهِ. وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَإِلَى زَمَنِنَا هَذَا يَكْتَفُونَ فِي إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ إِلَى الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ بِنَقْلِ الْآحَادِ الْمَعْرُوفِينَ بِالثِّقَةِ وَالْمَعْرِفَةِ كَالْأَصْمَعِيِّ وَالْخَلِيلِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَمْثَالِهِمْ. (١) الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَقْيِيدُ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا لَمَا حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ عَنِ الْحُكْمِ فِي حَالِ نَفْيِهَا لَا عَنْ نَفْيِهِ وَلَا عَنْ إِثْبَاتِهِ، لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا عَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: " لَا تَقُلْ لِزَيْدٍ أُفٍّ " فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ ضَرْبِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: " فَهَلْ أَضْرِبُهُ " وَلَا شَكَّ فِي حُسْنِهِ، لَوْ قَالَ: " أَدِّ الزَّكَاةَ عَنْ غَنَمِكَ السَّائِمَةِ " فَإِنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ وَهَلْ أُؤَدِّيهَا عَنِ الْمَعْلُوفَةِ؟ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ إِنَّمَا كَانَ لِطَلَبِ الْأَجْلَى وَالْأَوْضَحِ لِكَوْنِ دَلَالَةِ الْخِطَابِ ظَاهِرَةً ظَنِّيَّةً غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَقْبِحُوا الِاسْتِفْهَامَ مِمَّنْ

стр. 700

قَالَ: " رَأَيْتُ أَسَدًا أَوْ بَحْرًا، أَوْ دَخَلَ السُّلْطَانُ الْبَلَدَ " بِأَنْ يُقَالَ: " هَلْ رَأَيْتَ الْحَيَوَانَ الْمَخْصُوصَ أَوْ إِنْسَانًا شُجَاعًا؟ وَهَلْ رَأَيْتَ الْبَحْرَ الَّذِي هُوَ الْمَاءُ الْمَخْصُوصُ أَوْ إِنْسَانًا كَرِيمًا؟ وَهَلْ رَأَيْتَ السُّلْطَانَ نَفْسَهُ أَوْ عَسْكَرَهُ؟ " مَعَ أَنَّ لَفْظَهُ ظَاهِرٌ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ دُونَ الْآخَرِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى الصِّفَةِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ الْمُتَّصِفِ بِهَا لَكَانَ فِي الْخَبَرِ كَذَلِكَ، ضَرُورَةَ اشْتِرَاكِ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ فِي التَّخْصِيصِ بِالصِّفَةِ، وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: " رَأَيْتُ الْغَنَمَ السَّائِمَةَ تَرْعَى " فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ رُؤْيَةِ الْمَعْلُوفَةِ مِنْهَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاسْتِشْهَادُ بِالْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا مَا يَسْتَرْوِحُ إِلَيْهِ الْمُنْكِرُونَ لِدَلِيلِ الْخِطَابِ، إِلَّا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: " الْفُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةُ فُضَلَاءُ أَئِمَّةٌ " فَإِنَّ سَامِعَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ تَشْمَئِزُّ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَكْبُرُ عَنْ سَمَاعِهِ، لَا لِوَصْفِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ، بَلْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِسَلْبِ ذَلِكَ عَمَّنْ لَيْسَ بِشَافِعِيٍّ. وَهَذَا الشُّعُورُ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَمْرُ وَالْخَبَرُ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ سَلِمَ امْتِنَاعُ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ، فَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ يَرْجِعُ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا سَبَقَ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ وَقَالَ: " رَأَيْتُ خُبْزًا سَمِيدًا، وَلَحْمًا طَرِيًّا، وَرُطَبًا جِنِّيًّا " إِنَّمَا يُخْبِرُ عَمَّا شَاهَدَهُ وَعَلِمَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ لِذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ شَاهَدَ مَا لَيْسَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: " اشْتَرِ خُبْزًا سَمِيدًا، وَلَحْمًا طَرِيًّا، وَرُطَبًا جِنِّيًّا " مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْخُبْزَ الْخَشْكَارَ، وَاللَّحْمَ وَالرُّطَبَ الْبَايِتَ، مِمَّا يُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَقَوْلُهُ ذَلِكَ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الْبَيَانَ وَتَمْيِيزَ مَا يُشْتَرَى عَمَّا لَا يُشْتَرَى، فَكَانَ النَّفْيُ مُلَازِمًا لِلْإِثْبَاتِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ فَرَّقُوا بَيْنَ الْعَطْفِ وَالنَّقْضِ فَقَالُوا: قَوْلُ الْقَائِلِ: " اضْرِبِ الرِّجَالَ الطُّوَالَ وَالْقِصَارَ " فَالْقِصَارُ عَطْفٌ وَلَيْسَ بِنَقْضٍ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: " اضْرِبِ الرِّجَالَ الطُّوَالَ " مُقْتَضِيًا لِنَفْيِ الضَّرْبِ عَنِ الْقِصَارِ لَكَانَ نَقْضًا لَا عَطْفًا.

стр. 701

وَهِيَ بَعِيدَةٌ عَنِ التَّحْقِيقِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: " اضْرِبِ الرِّجَالَ الطُّوَالَ " إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ ضَرْبِ الْقِصَارِ بِتَقْدِيرِ اخْتِصَاصِ الطُّوَالِ بِالذِّكْرِ، وَإِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ الْقِصَارَ، فَلَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلطُّوَالِ بِالذِّكْرِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضَّرْبِ عَنِ الْقِصَارِ، ثُمَّ هُوَ مُنْتَقِضٌ بِالتَّخْصِيصِ بِالْغَايَةِ كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: " صُمْ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ " فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: " صُمْ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ " فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَقْضًا. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ دَالًّا عَلَى نَفْيِهِ عَنِ الْغَيْرِ الْمَوْصُوفِ بِهَا لَمَا حَسُنَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: " أَدِّ زَكَاةَ السَّائِمَةِ " وَبَيْنَ قَوْلِهِ " وَالْمَعْلُوفَةِ " لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّنَاقُضِ، كَمَا لَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: " لَا تَقُلْ لِزَيْدٍ أُفٍّ، وَاضْرِبْهُ ". وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا لَا يَحْسُنُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ قِيلَ بِالْمُنَاقَضَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحُجَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا. هَذَا إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ الْعَطْفِ، وَأَمَّا إِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: " أَدِّ زَكَاةَ الْمَعْلُوفَةِ " فَإِنَّمَا لَمْ يَمْتَنِعْ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ صَرِيحَ قَوْلِهِ: " أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ " وَقَعَ مُعَارِضًا لِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَالْمُعَارَضَةُ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي فَحْوَى الْخِطَابِ امْتِنَاعُهُ فِي دَلِيلِ الْخِطَابِ، إِذْ هُوَ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا سَبَقَ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ امْتِنَاعَ ذَلِكَ فِي فَحْوَى الْخِطَابِ إِنَّمَا كَانَ فِيمَا عُلِمَ، لَا فِيمَا ظُنَّ عَلَى مَا سَبَقَ. وَدَلِيلُ الْخِطَابِ مَظْنُونٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ امْتِنَاعِ مُعَارَضَةِ الْمَقْطُوعِ امْتِنَاعُ مُعَارَضَةِ الْمَظْنُونِ، ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ كَمَا سَبَقَ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: ذَكَرَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الصِّفَةِ إِنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُ الْمَوْصُوفِ بِهَا عَمَّا سِوَاهُ. وَكَذَلِكَ الْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْمِ إِنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُ الْمُسَمَّى عَنْ غَيْرِهِ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ، كَمَا لَوْ قَالَ: " زَيْدٌ عَالِمٌ " لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ بِاسْمِ زَيْدٍ، فَكَذَلِكَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قِيَاسُ التَّخْصِيصِ بِالصِّفَةِ عَلَى التَّخْصِيصِ بِالِاسْمِ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، فَلَا يَصِحُّ، وَإِنْ صَحَّ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا سِوَاهُ كَمَا يَأْتِي، وَإِنْ سَلِمَ عَدَمُ دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُ مُشَارَكَةُ التَّعْلِيقِ

стр. 702

بِالصِّفَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، أَنْ لَوْ بَيَّنَ أَنَّ مَنَاطَ عَدَمِ دَلَالَةِ التَّعْلِيقِ بِالِاسْمِ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا لِلتَّمْيِيزِ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ شُعُورَ الْمُتَكَلِّمِ بِالِاسْمِ الْعَامِّ الْمُقَيَّدِ بِالصِّفَةِ الْخَاصَّةِ بِمَا لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الصِّفَةُ (١) أَتَمُّ مِنْ شُعُورِ الْمُتَكَلِّمِ بِاسْمِ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ بِالْجِنْسِ الْآخَرِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ دَلَالَةِ التَّخْصِيصِ بِالِاسْمِ مِثْلُهُ فِي الصِّفَةِ، كَيْفَ وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالتَّخْصِيصِ بِالْغَايَةِ فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِلتَّمْيِيزِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ الْمَوْصُوفِ بِهَا، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، وَلَا زَكَاةَ فِي الْمَعْلُوفَةِ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» " يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهَا عَنِ الْمَعْلُوفَةِ لَمَا احْتِيجَ إِلَى الْعِبَارَةِ الْأُخْرَى لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُسْتَفَادًا مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وَضْعِ عِبَارَةٍ خَاصَّةٍ إِذْ هُوَ أَبْلَغُ فِي الدَّلَالَةِ وَأَقْرَبُ إِلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي التَّقْيِيدِ " بِالْغَايَةِ " كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ الْقَوْلَ " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» ، لَهُ دَلَالَةٌ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ دَلَالَةُ مَفْهُومٍ لَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ، وَيَبْقَى حُكْمُ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ حُكْمُ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَيَبْقَى حُكْمُ صَرِيحِ الْخِطَابِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: دَلِيلُ الْخِطَابِ إِنَّمَا هُوَ مُتَفَرِّعٌ مِنْ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ فَإِذَا بَطَلَ حُكْمُ الصِّفَةِ، فَلَا تَخْصِيصَ، وَمَعَ عَدَمِ التَّخْصِيصِ، فَلَا دَلَالَةَ لِدَلِيلِ الْخِطَابِ، ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِالتَّخْصِيصِ بِالْغَايَةِ. الْحُجَّةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُتَضَادَّيْنِ مَعًا، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: " فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ " دَالًّا عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ: لَكَانَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ دَالًّا عَلَى الضِّدَّيْنِ مَعًا: وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.

стр. 703

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُتَضَادَّيْنِ مَعًا بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ مَعًا، كَانَتْ أَضْدَادًا أَوْ لَمْ تَكُنْ. سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ إِلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَتَيْنِ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَهَاهُنَا الدَّالُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ صَرِيحُ الْخِطَابِ، وَالدَّالُّ عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ دَلِيلُ الْخِطَابِ، وَهُمَا غَيْرَانِ، ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُنْتَقِضٌ بِالتَّخْصِيصِ بِالْغَايَةِ. الْحُجَّةُ الْعَاشِرَةُ: أَنَّ صُورَةَ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ مُخَالِفَةٌ لِصُورَةِ الْغَنَمِ الَّتِي لَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ، وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الصُّورَتَيْنِ، لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي أَحَدِهِمَا ثُبُوتُهُ فِي الْأُخْرَى وَلَا عَدَمُهُ، لِجَوَازِ اشْتِرَاكِ الصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي أَحْكَامٍ وَافْتِرَاقِهَا فِي أَحْكَامٍ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَازِمًا، لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ حُكْمٍ فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ الْإِخْبَارُ عَنْهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى، لَا وُجُودًا وَلَا عَدَمًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَتَى لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ نَفْيُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ قَدْ عُلِّقَ ثُبُوتُهُ بِالِاسْمِ الْعَامِّ الْمَوْصُوفِ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، أَوْ إِذَا لَمْ يَكُنْ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَدَعْوَاهُ دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَعَلَى هَذَا، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ حُكْمِ إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ الْإِخْبَارُ عَنِ الصُّورَةِ الْأُخْرَى مُطْلَقًا لَا يَكُونُ صَحِيحًا، ثُمَّ إِنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِفَحْوَى الْخِطَابِ، فَإِنَّ صُورَةَ الْمَنْطُوقِ بِالْحُكْمِ فِيهَا مُخَالِفَةٌ لِلصُّورَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ فِي صُورَةِ النُّطْقِ لَازِمٌ ثُبُوتُهُ فِي صُورَةِ السُّكُوتِ، وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ فِي إِحْدَاهُمَا إِخْبَارٌ عَنْهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى. وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى مَا أَرَدْنَاهُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى إِبْطَالِ الْحُجَجِ الْوَاهِيَةِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ مَسْلَكَانِ: الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى الصِّفَةِ مُوجِبًا لِنَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا لَمَا كَانَ عِنْدَ عَدَمِهَا لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ. وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، لَكِنَّهُ ثَابِتٌ مَعَ عَدَمِهَا. وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ وَقَعَ مُعَلَّقًا بِخَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَيْضًا فِي حَالَةِ عَدَمِ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ.

стр. 704

فَإِنْ قِيلَ: تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ عِنْدَنَا إِنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ حَالَةَ عَدَمِ الصِّفَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَالَةَ عَدَمِ الصِّفَةِ أَوْلَى بِإِثْبَاتِ حُكْمِ الصِّفَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُكْمِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي حَالَةِ عَدَمِ الصِّفَةِ أَوْلَى بِالْإِثْبَاتِ مِنْ حَالَةِ وُجُودِ الصِّفَةِ فَلَا، وَهَاهُنَا تَحْرِيمُ الْقَتْلِ حَالَةَ عَدَمِ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ أَوْلَى مِنَ التَّحْرِيمِ حَالَةَ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ. فَكَانَ التَّنْصِيصُ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ حَالَةَ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ مُحَرِّمًا لَهُ حَالَةَ عَدَمِ الْخَشْيَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ فَحْوَى الْخِطَابِ، لَا مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ. قُلْنَا: هَذَا وَإِنِ اسْتَمَرَّ لَكُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلَا يَسْتَمِرُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فَإِنَّ النَّهْيَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ صُوَرِ السُّكُوتِ (١) فَإِنَّ النَّهْيَ، عَنْ أَكْلِ قَلِيلِ الرِّبَا لَيْسَ أَوْلَى مِنْ كَثِيرِهِ، وَلَا النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ أَوْلَى مِنَ الْإِسْرَافِ، وَلَا النَّهْيُ عَنِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا حَالَةَ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ أَوْلَى مِنْ حَالَةِ إِرَادَةِ الزِّنَا. (٢) وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْحُكْمُ فِي الْكُلِّ مُشْتَرَكٌ. فَإِنْ قِيلَ: مُخَالَفَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إِنَّمَا كَانَتْ لِمُعَارِضٍ، وَلَا يَلْزَمُ مُخَالَفَتُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ. قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ السُّكُوتِ عَلَى نَحْوِ ثُبُوتِهِ فِي صُورَةِ النُّطْقِ لِدَلِيلٍ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةِ دَلِيلٍ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ مَحْذُورِ الْمُعَارَضَةِ. وَلَوْ كَانَ دَلِيلُ الْخِطَابِ دَلِيلًا، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ التَّعَارُضُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ لَوْ كَانَ مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْهُ نَفْيُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الصِّفَةِ، لَمْ يَخْلُ.

стр. 705

إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ صَرِيحِ الْخِطَابِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ يَسْتَدْعِي فَائِدَةً، وَلَا فَائِدَةَ سِوَى نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الصِّفَةِ، أَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: الْأَوَّلُ مُحَالٌ، فَإِنَّ صَرِيحَ الْخِطَابِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ غَيْرُ صَرِيحٍ بِوُجُوبِهَا فِي الْمَعْلُوفَةِ كَيْفَ وَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا قَائِلَ بِهِ. وَالثَّانِي أَيْضًا مُمْتَنِعٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ فِي إِبْطَالِ الْحُجَّةِ الْأُولَى مِنَ الْمَعْقُولِ لِلْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ. وَالثَّالِثُ: فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَعَلَى مُدَّعِيهِ بَيَانُهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَخْصِيصُ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَطْرَأُ وَتَزُولُ كَقَوْلِهِ: " السَّائِمَةُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ " وَالْحُكْمُ كَالْحُكْمِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَالْمَأْخَذُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَعَلَى مَا عُرِفَ وَالْمُخْتَارُ فِيهَا كَالْمُخْتَارِ ثَمَّ.
следующие страницы →