Полный текст (1 203 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ أَوَّلًا غَيْرُ مَرْضِيٍّ أَنْ لَوْ كَانَ النَّسْخُ رَفَعَ مَا ثَبَتَ أَوَّلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ دَلَالَةِ الْخِطَابِ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَرِدْ بِخِطَابِهِ الْأَوَّلِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي وَقْتِ النَّسْخِ دُونَ مَا قَبْلَهُ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنِ اخْتِلَافِ جِنْسِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوَحْيِ بِمَا اخْتَصَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا - امْتِنَاعُ نَسْخِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
وَعَلَى هَذَا فَنَقُولُ: الْقُرْآنُ يَكُونُ رَافِعًا لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ نَاسِخًا.
[الْمَسْأَلَةُ العاشرة نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ
قَطَعَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ بِامْتِنَاعِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَأَجَازَ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي الْوُقُوعِ.
وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ عَقْلًا ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَقَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِهِ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ - نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ". (١) قَالُوا: وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ النَّاسِخَ لِلْوَصِيَّةِ آيَةُ الْمِيرَاثِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْوَصِيَّةِ لِلْأَجَانِبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا فِيهِ مِنْ نَسْخِ حُكْمِ الْقُرْآنِ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْآحَادِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَلَى مَا يَأْتِي (٢) ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمِيرَاثِ مَانِعًا مِنَ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ جَلْدَ الزَّانِي الثَّابِتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ نُسِخَ بِالرَّجْمِ الثَّابِتِ بِالسُّنَّةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا فِيهِ مِنْ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِآحَادِ السُّنَّةِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَلَى مَا يَأْتِي (٣) ، وَفِي حَقِّ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَمْكَنَ стр. 772
أَنْ يُقَالَ: إِنَّ نَسْخَ الْجَلْدِ بِالرَّجْمِ إِنَّمَا كَانَ بِقُرْآنٍ نُسِخَ رَسْمُهُ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ) (١) وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (لَوْلَا أَنَّنِي أَخْشَى أَنْ يُقَالَ زَادَ عُمَرُ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ لَكَتَبْتُ: " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا " عَلَى حَاشِيَةِ الْمُصْحَفِ) وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا ; لِأَنَّا نَقُولُ: غَايَةُ قَوْلِ عُمَرَ الدَّلَالَةُ عَلَى إِخْرَاجِ ذَلِكَ عَنِ الْمُصْحَفِ وَالْقُرْآنِ لِنَسْخِ تِلَاوَتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا، فَإِنْ قِيلَ: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ) لَمْ يَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ، بَلْ بِقَوْلِ عُمَرَ وَنَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ مُمْتَنِعٌ عَلَى مَا يَأْتِي، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قُرْآنًا أَوْ سُنَّةً. стр. 773
قُلْنَا: وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ رَجْمُ النَّبِيِّ ﷺ لِلزَّانِي لَمْ يَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ بَلْ بِطَرِيقِ الْآحَادِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى الرَّجْمِ وَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ بِنَاسِخٍ، بَلْ هُوَ دَلِيلُ وُجُودِ النَّاسِخِ الْمُتَوَاتِرِ، وَلَيْسَ إِحَالَتُهُ عَلَى سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ لَمْ تَظْهَرْ لَنَا أَوْلَى مِنْ إِحَالَتِهِ عَلَى قُرْآنٍ مُتَوَاتِرٍ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا تَوَاتُرُهُ بِسَبَبِ نَسْخِ تِلَاوَتِهِ. (١) وَأَمَّا النَّافُونَ لِذَلِكَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِحُجَجٍ نَقْلِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ:
أَمَّا النَّقْلِيَّةُ فَمِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وَصَفَ نَبِيَّهُ بِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا وَالنَّاسِخُ رَافِعٌ، وَالرَّافِعُ غَيْرُ الْبَيَانِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أَخْبَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُبَدِّلُ الْآيَةَ بِالْآيَةِ لَا بِالسُّنَّةِ. стр. 774
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ تَبْدِيلِ الْآيَةِ مَكَانَ آيَةٍ قَالُوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ فَأَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَهْمَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّبْدِيلَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ.
الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لَا تُنْسَخُ إِلَّا بِآيَةٍ.
وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَالسُّنَّةُ لَيْسَتْ خَيْرًا مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا مِثْلَهُ.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الَّذِي يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْهَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَالنَّاسِخُ قُرْآنٌ لَا سُنَّةٌ.
الثَّالِثُ: وَصْفُ الْبَدَلِ بِأَنَّهُ خَيْرٌ أَوْ مِثْلٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَصْفَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَدَلَ مِنْ جِنْسِ الْمُبْدَلِ، أَمَّا الْمَثَلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَا هُوَ خَيْرٌ ; فَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: (لَا آخُذُ مِنْكَ دِرْهَمًا إِلَّا وَآتِيكَ بِخَيْرٍ مِنْهُ) فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٍ مِنَ الْأَوَّلِ.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْقُرْآنُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا وَجَبَ اتِّبَاعُهَا بِالْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ، وَقَوْلِهِ (فَاتَّبِعُوهُ) وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فَرْعُ الْقُرْآنِ، وَالْفَرْعُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَصْلِهِ بِالْإِبْطَالِ وَالْإِسْقَاطِ، كَمَا لَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ بِالْفَرْعِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُمَا وَهُوَ الْقِيَاسُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقُرْآنَ أَقْوَى مِنَ السُّنَّةِ، وَدَلِيلُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ، قَدَّمَهُ فِي الْعَمَلِ بِهِ عَلَى السُّنَّةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ دَلِيلُ قُوَّتِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ لَفْظِهِ ; لِأَنَّهُ مُعْجِزٌ وَالسُّنَّةُ لَيْسَتْ مُعْجِزَةً.
стр. 775
الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ حُكْمِهِ حَيْثُ اعْتُبِرَتِ الطَّهَارَةُ فِي تِلَاوَتِهِ عَنِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَفَى مَسِّ مَسْطُورِهِ مُطْلَقًا، وَالْأَقْوَى لَا يَجُوزُ رَفْعُهُ بِالْأَضْعَفِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ عَلَى مَعْنَى لِتُظْهِرَ لِلنَّاسِ ; لِكَوْنِهِ أَعَمَّ مِنْ بَيَانِ الْمُجْمَلِ وَالْعُمُومِ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ إِظْهَارَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْمَنْسُوخِ، وَإِظْهَارُ الْمَنْسُوخِ أَعَمُّ مِنْ إِظْهَارِهِ بِالْقُرْآنِ.
الثَّانِي: أَنَّ نَسْخَ حُكْمِ الْآيَةِ بَيَانٌ لَهَا فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ وَتَبَيُّنُ الْقُرْآنِ أَعَمُّ مِنْ تَبْيِينِهِ بِالْقُرْآنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النَّسْخُ بَيَانًا؛ غَيْرَ أَنَّ وَصْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لَا يُخْرِجُهُ عَنِ اتِّصَافِهِ بِكَوْنِهِ نَاسِخًا.
وَعَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي تَبْدِيلِ رَسْمِ آيَةٍ بِآيَةٍ، النِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي تَبْدِيلِ حُكْمِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَبْدِيلِ حُكْمِهَا بِآيَةٍ أُخْرَى.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ إِذَا بَدَّلَ آيَةً مَكَانَ آيَةٍ قَالُوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَبْدِيلَ الْآيَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِآيَةٍ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: (إِذَا أَكَلْتَ فِي السُّوقِ سَقَطَتْ عَدَالَتُكَ) فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ إِلَّا فِي السُّوقِ.
وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا رُوحُ الْقُدُسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; إِذِ السُّنَّةُ مِنَ الْوَحْيِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُتْلَى عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
وَعَنِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أَيْ فِي تَبْدِيلِ آيَةٍ مَكَانَ آيَةٍ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ تَبْدِيلِ حُكْمِ الْآيَةِ بِغَيْرِ الْآيَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ النَّسْخَ وَإِنْ كَانَ بِالسُّنَّةِ فَهِيَ مِنَ الْوَحْيِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيْهِ بِهِ.
وَعَنِ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ دَلَالَتَهَا عَلَى امْتِنَاعِ نَسْخِ حُكْمِ الْآيَةِ بِغَيْرِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إِنَّ السُّنَّةَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا مِثْلَهُ.
стр. 776
قُلْنَا قَوْلُهُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ نَسْخُ رَسْمِهَا أَوْ نَسْخُ حُكْمِهَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَإِنَّهُ وَصَفَ الْبَدَلَ بِكَوْنِهِ خَيْرًا مِنْهَا، وَالْقُرْآنُ خَيْرٌ كُلُّهُ وَلَا يُفَضَّلُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ (١) ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ النَّاسِخَ يَكُونُ خَيْرًا مِنَ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلَهُ.
وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ النَّاسِخُ أَصْلَحَ فِي التَّكْلِيفِ وَأَنْفَعَ لِلْمُكَلَّفِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ السُّنَّةَ إِذَا كَانَتْ نَاسِخَةً فَالْآتِي بِمَا هُوَ خَيْرٌ، إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَالرَّسُولُ مَبْلَغٌ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّاسِخَ لَا يَكُونُ إِلَّا قُرْآنًا بَلِ الْإِتْيَانُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى لُزُومِ الْمُجَانَسَةِ بَيْنَ الْآيَةِ الْمَنْسُوخِ حُكْمُهَا وَبَيْنَ نَاسِخِهِ ; لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَيْرًا، وَالْقُرْآنُ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ وَالْمُمَاثَلَةَ إِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ وَالْحُكْمِ النَّاسِخِ عَلَى مَا سَبَقَ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهُ: " مَا آخُذُ مِنْكَ دِرْهُمًا إِلَّا وَآتِيكَ بِخَيْرٍ مِنْهُ " أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُجَانَسَةِ فَإِنَّ مَا هُوَ خَيْرٌ أَعَمُّ مِنَ الْجِنْسِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: " آتِيكَ بِشَيْءٍ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا أَخَذْتُ مِنْكَ " وَالْمَذْكُورُ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْآيَةُ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " بِخَيْرٍ مِنْهَا " وَإِنْ كَانَ عَائِدًا إِلَيْهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الْمُضْمَرِ وَالْمُظْهَرِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فَنَحْنُ قَائِلُونَ بِمُوجِبِهِ، فَإِنَّ الْمُتَمَكِّنَ مِنْ إِزَالَةِ الْحُكْمِ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي نَسْخِ كُلِّ آيَةٍ مِنَ الْإِتْيَانِ بِآيَةٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْهَا أَوْ مِثْلُهَا ضَرُورَةَ الْإِخْبَارِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الْمَأْتِيَّ بِهَا هِيَ النَّاسِخَةُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى، وَإِنْ كَانَ النَّاسِخُ غَيْرَهَا. стр. 777
الثَّالِثُ: أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَتَنَاوَلُ نَسْخَ رَسْمِ الْآيَةِ، وَالْأَصْلُ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ صَرْفُهُ إِلَى جِهَةِ الْمَجَازِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي نَسْخِ الْحُكْمِ لَا فِي نَسْخِ الرَّسْمِ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ أَنْ لَوْ كَانَتِ السُّنَّةُ رَافِعَةً لِمَا هِيَ فَرْعٌ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا هِيَ فَرْعٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ بِهَا وَمَا هُوَ مَرْفُوعٌ بِهَا لَيْسَتْ فَرْعًا عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْأَخْذِ بِمَا يَأْتِي بِهِ الرَّسُولُ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ، فَإِذَا أَتَى بِنَسْخِ حُكْمِ الْآيَةِ وَلَمْ يُتَّبَعْ كَانَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ السُّنَّةَ لَيْسَتْ رَافِعَةً لِلْقُرْآنِ وَإِنَّمَا هِيَ رَافِعَةٌ لِحُكْمِهِ، وَحُكْمُهُ لَيْسَ أَصْلًا لَهَا، فَإِذًا الْمُرْتَفِعُ لَيْسَ هُوَ الْأَصْلُ وَمَا هُوَ الْأَصْلُ غَيْرُ مُرْتَفِعٍ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ وَإِنْ كَانَ مُعْجِزًا فِي نَظْمِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَمَتْلُوًّا وَمُحْتَرَمًا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَلَالَةَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ عَامٌّ مِنَ الْكِتَابِ وَخَاصٌّ مِنَ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ كَانَتِ السُّنَّةُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ تَعَارَضَتْ آيَةٌ وَدَلِيلٌ عَقْلِيٌّ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ يَكُونُ حَاكِمًا عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي التَّرْجِيحَاتِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَمْتَنِعُ رَفْعُ حُكْمِ الْآيَةِ بِدَلِيلِ السُّنَّةِ.
كَيْفَ وَإِنَّ السُّنَّةَ النَّاسِخَةَ لَيْسَتْ مُعَارِضَةً وَلَا نَافِيَةً لِمُقْتَضَى الْآيَةِ، بَلْ مُبَيِّنَةٌ وَمُخَصِّصَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ. (١) стр. 778
[الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ نَسْخِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ]
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ، فَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ وَأَثْبَتَهُ الْأَقَلُّونَ.
وَالْمُخْتَارُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَدَلِيلُهُ أَنَّ مَا وُجِدَ مِنَ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْقِرَاضِ زَمَنِ الْوَحْيِ لَوْ نُسِخَ حُكْمُهُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِنَصٍّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ بِإِجْمَاعٍ آخَرَ أَوْ قِيَاسٍ، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بِنَصٍّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ النَّصَّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ سَابِقًا عَلَى هَذَا الْإِجْمَاعِ لِاسْتِحَالَةِ حُدُوثِ نَصٍّ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ النَّصُّ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِجْمَاعِ لَكَانَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَاهُ خَطَأً، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ مِنَ الْأُمَّةِ.
وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بِإِجْمَاعٍ آخَرَ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الثَّانِيَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ رَافِعٍ لِحُكْمِ الْإِجْمَاعِ أَوْ لَا بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَى دَلِيلٍ كَانَ خَطَأً وَالْأُمَّةُ مَصُونَةٌ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ، فَذَلِكَ الدَّلِيلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا.
لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَصًّا ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِجْمَاعَيْنِ مُتَحَقِّقًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ - الْخَطَأُ فِي الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ مُتَجَدِّدٍ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ أَوْ سَابِقٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ بِدَلِيلٍ مُتَجَدِّدٍ فَهُوَ إِمَّا إِجْمَاعٌ أَوْ قِيَاسٌ لِاسْتِحَالَةِ تَجَدُّدِ النَّصِّ، فَإِنْ كَانَ إِجْمَاعًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَذَلِكَ الدَّلِيلُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ قِيَاسًا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ فَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَسَلْسَلَ أَوْ يَنْتَهِيَ إِلَى أَصْلٍ ثَابِتٍ بِالنَّصِّ، وَالتَّسَلْسُلُ مُحَالٌ، وَالثَّانِي يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ سَابِقًا عَلَى الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَصِحَّةُ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ عَلَى مُنَاقَضَتِهِ، وَنَسْخُ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ بِهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ.
هَذَا كُلُّهُ إِنْ كَانَ دَلِيلُ أَصْلِ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ مُتَجَدِّدًا، وَإِنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ فَعُدُولُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ إِجْمَاعُهُمْ خَطَأً وَهُوَ مُحَالٌ.
стр. 779
وَأَمَّا إِنْ كَانَ النَّاسِخُ لِحُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ هُوَ الْقِيَاسُ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إِلَى أَصْلٍ ثَابِتٍ بِالنَّصِّ، وَالْكَلَامُ فِي نَسْخِ النَّصِّ بِهِ مِمَّا يُفْضِي إِلَى الدَّوْرِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ قَبْلُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْمُقَلِّدَ لَهُ الْأَخْذُ بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ، وَلَوْ أَجْمَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَقَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى حَصْرِ (١) مَا أَجْمَعَتْ أَوَّلًا عَلَى تَجْوِيزِهِ، وَهُوَ نَسْخُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ.
قُلْنَا: نَحْنُ لَا نُسَلِّمُ تَصَوُّرَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ
مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَعِيسَى بْنِ أَبَانَ. (٢) وَدَلِيلُ الِامْتِنَاعِ أَنَّ الْمَنْسُوخَ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمَ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ.
الْأَوَّلُ: مُحَالٌ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ أَوْ لَيْسَ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ فَهُوَ خَطَأٌ.
وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ فَذَلِكَ الدَّلِيلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا لِمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ نَصًّا فَالنَّاسِخُ ذَلِكَ النَّصُّ لَا الْإِجْمَاعُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْإِجْمَاعَ نَاسِخٌ فَلَيْسَ إِلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى النَّاسِخِ وَإِنْ كَانَ نَاسِخًا لِحُكْمِ إِجْمَاعٍ سَابِقٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَ نَاسِخًا لِحُكْمِ قِيَاسٍ فَالْقِيَاسُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ لَا يَكُونُ صَحِيحًا، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَاهُ، إِنْ كَانَ لَا لِدَلِيلٍ فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنْ كَانَ لِدَلِيلٍ فَذَلِكَ الدَّلِيلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا، فَإِنْ كَانَ نَصًّا فَالرَّافِعُ لِحُكْمِ ذَلِكَ الْقِيَاسِ هُوَ النَّصُّ، وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ أَوْ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا، فَإِنْ كَانَ رَاجِحًا فَالْأَوَّلُ لَا يَكُونُ مُقْتَضَاهُ ثَابِتًا ; لِأَنَّ شَرْطَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ رُجْحَانُ مُقْتَضِيهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مُسَاوِيًا، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ الْأَوَّلُ رَاجِحًا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْقِيَاسِ الثَّانِي خَطَأٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. стр. 780
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَعَارَضٌ بِالنَّقْلِ وَالْمَعْنَى.
أَمَّا النَّقْلُ: فَهُوَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ قَالَ لِعُثْمَانَ: كَيْفَ تُحْجَبُ الْأُمُّ عَنِ الثُّلُثِ بِالْأَخَوَيْنِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وَالْأَخَوَانِ لَيْسَا بِإِخْوَةٍ؟ قَالَ عُثْمَانُ: حَجَبَهَا قَوْمُكَ يَا غُلَامُ. (١) وَذَلِكَ دَلِيلُ النَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ الْقَطْعِيَّةِ فَجَازَ النَّسْخُ بِهِ كَالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
قُلْنَا: أَمَّا قِصَّةُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ عُثْمَانَ إِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا أَنْ لَوْ كَانَ حُكْمُ الْأُمِّ مَعَ الْأَخَوَيْنِ مَنْسُوخًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَخَوَانِ لَيْسَا بِإِخْوَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَسَائِلِ الْعُمُومِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَعْنَى فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى إِثْبَاتِ كَوْنِهِ نَاسِخًا بِالْقِيَاسِ عَلَى النَّصِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمِ الصِّحَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا غَيْرَ أَنَّهُ مِمَّا يَمْتَنِعُ التَّمَسُّكُ بِهِ لِمَا بَيَّنَّاهُ. стр. 781
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ نَسْخِ حُكْمِ الْقِيَاس]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِي نَسْخِ حُكْمِ الْقِيَاسِ:
فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا كَالْحَنَابِلَةِ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْقِيَاسَ إِذَا كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ أَصْلٍ، فَالْقِيَاسُ بَاقٍ بِبَقَاءِ الْأَصْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ رَفْعُ حُكْمِهِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ مُطْلَقًا كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، لَكِنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْقِيَاسِ الْمَوْجُودِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقِيَاسِ الْمَوْجُودِ بَعْدَهُ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْقِيَاسُ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ نَصَّ عَلَى أَصْلٍ كَتَنْصِيصِهِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ مُتَفَاضِلًا، وَتَعَبَّدَ النَّاسُ بِقِيَاسِ غَيْرِ الْبُرِّ عَلَى الْبُرِّ بِوَاسِطَةِ الْكَيْلِ مِثْلًا بِأَمَارَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَضَى بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْأُرْزِ بِنَاءً عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْبُرِّ فَلَا يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ بِالنَّصِّ وَبِالْقِيَاسِ.
أَمَّا النَّصُّ: فَبِأَنْ يُنَصَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ بَيْعِ الْأُرْزِ وَبِنَسْخِ تَحْرِيمِهِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَبِأَنْ يُنَصَّ عَلَى إِبَاحَةِ بَيْعِ بَعْضِ الْمَأْكُولَاتِ وَيُتَعَبَّدُ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ مَأْكُولًا بِأَمَارَةٍ هِيَ أَقْوَى مِنَ الْأَمَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْبُرِّ هِيَ الْكَيْلُ.
وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ مَوْجُودًا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنْ يَكُونَ قَدِ اجْتَهَدَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ فَأَدَّاهُ الْقِيَاسُ إِلَى تَحْرِيمِ شَيْءٍ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْمُعَارِضَةِ وَعَدَمِ الظَّفَرِ بِهَا ثُمَّ اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ قِيَاسٍ أَرْجَحَ مِنْ قِيَاسِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ رَفْعُ حُكْمِ قِيَاسِهِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى نَسْخًا.
قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ حَيْثُ إِنَّهُ تُعُبِّدَ بِالْقِيَاسِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رُفِعَ.
وَأَمَّا مَنْ لَا يَقُولُ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِتَعَبُّدِهِ بِالْقِيَاسِ الْأَوَّلِ، فَرَفْعُهُ لَا يَكُونُ مُتَحَقِّقًا، هَذَا جُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِي الْقِيَاسِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً بِنَظَرِ الْمُجْتَهِدِ.
стр. 782
فَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً فَهِيَ فِي مَعْنَى النَّصِّ، وَمَا مِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ فَلْيَكُنْ نُسِخَ حُكْمُهُ بِنَصٍّ أَوْ بِقِيَاسٍ فِي مَعْنَاهُ، وَلَوْ ذَهَبَ إِلَيْهِ ذَاهِبٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى نَاسِخِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِاتِّبَاعِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، فَرَفْعُ حُكْمِهِ فِي حَقِّهِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى النَّاسِخِ لَا يَكُونُ نَسْخًا مُتَحَدِّدًا بَلْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَنْسُوخًا، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ مُسْتَنْبَطَةً بِنَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فَحُكْمُهَا فِي حَقِّهِ غَيْرُ ثَابِتٍ بِالْخِطَابِ، فَرَفْعُهُ فِي حَقِّهِ عِنْدَ الظَّفَرِ بِدَلِيلٍ يُعَارِضُهُ وَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ نَسْخًا عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ النَّسْخَ رَفْعُ حُكْمِ خِطَابٍ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا لِلنَّسْخِ فِي رَفْعِ الْحُكْمِ وَقَطْعِ اسْتِمْرَارِهِ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَوْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ.
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِي النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
ثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ (١) مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِي الْقِيَاسِ مَنْصُوصَةً فَهِيَ فِي مَعْنَى النَّصِّ، فَيَصِحُّ النَّسْخُ بِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَنْصُوصَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا بِأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِيهِ مُسْتَنْبَطَةً بِنَظَرِ الْمُجْتَهِدِ.
فَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِ النَّصِيبِ عَلَى السَّيِّدِ الْمُعْتِقِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَانِعًا مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمِ دَلِيلٍ آخَرَ كَانَ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا، وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى النَّسْخِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِخِطَابٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا هُوَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ حُكْمِ خِطَابٍ آخَرَ.
وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ ظَنِّيًّا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا ; لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ حُكْمُهُ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا، الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مُحَالٌ إِنْ كَانَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ стр. 783
خَاصًّا لِكَوْنِ النَّصِّ الْخَاصِّ وَالْإِجْمَاعِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ الظَّنِّيِّ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ عَامًا فَلَا نَسْخَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَيْسَ بِخِطَابٍ عَلَى مَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ الثَّانِي رَاجِحًا عَلَى الْأَوَّلِ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَتَارَةً نَقُولُ: إِنَّ الْقِيَاسَ الْأَوَّلَ لَا يَكُونُ قِيَاسًا لِعَدَمِ تَرَجُّحِهِ وَأَنَّ التَّرَجُّحَ شَرْطٌ فِي الِاقْتِضَاءِ، وَتَارَةً نَقُولُ: إِنَّهُ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ رَفْعُ حُكْمِهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّسْخِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ النَّسْخَ هُوَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ حُكْمِ خِطَابٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَلِلْمُخَالِفِ شُبْهَتَانِ:
الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَوْجَبَ نَسْخَ ثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ، وَلَيْسَ مُصَرَّحًا بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ هُوَ نَفْسُ نَسْخِ حُكْمِ النَّصِّ بِالْقِيَاسِ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا: النَّسْخُ أَحَدُ الْبَيَانَيْنِ فَجَازَ بِالْقِيَاسِ كَالتَّخْصِيصِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأُولَى: أَنَّهَا إِنَّمَا تَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ ثُبُوتُ الْوَاحِدِ لِلِاثْنَيْنِ الرَّافِعُ ثُبُوتَ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ مُسْتَفَادًا مِنَ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ اسْتِفَادَتُهُ إِنَّمَا هِيَ مِنْ نَفْسِ مَفْهُومِ اللَّفْظِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهَا مَنْقُوضَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَبِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَبِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ النَّسْخِ بِفَحْوَى الْخِطَابِ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ
اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ بِفَحْوَى الْخِطَابِ كَدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى، وَعَلَى جَوَازِ نَسْخِ حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نَسْخِ الْأَصْلِ دُونَ الْفَحْوَى وَالْفَحْوَى دُونَ الْأَصْلِ.
غَيْرَ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ نَسْخَ الْأَصْلِ يُفِيدُ نَسْخَ الْفَحْوَى ; لِأَنَّ الْفَحْوَى تَابِعٌ لِلْأَصْلِ وَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ التَّابِعِ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَتْبُوعِ.
وَأَمَّا نَسْخُ الْفَحْوَى دُونَ الْأَصْلِ، فَقَدْ تَرَدَّدَ فِيهِ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فَجَوَّزَهُ تَارَةً ; نَظَرًا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ مَجْرَى التَّنْصِيصِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ، وَتَحْرِيمِ
стр. 784
الضَّرْبِ الْعَنِيفِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَضْرِبْهُمَا. فَرَفْعُ حُكْمِ أَحَدِهِمَا يُفِيدُ رَفْعَ حُكْمِ الْآخَرِ، وَمَنَعَ مِنْهُ تَارَةً، وَوَافَقَهُ عَلَى الْمَنْعِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مَصِيرًا مِنْهُمَا إِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ التَّأْفِيفِ إِنَّمَا كَانَ إِعْظَامًا لِلْوَالِدَيْنِ، فَإِذَا أُبِيحَ ضَرْبُهُمَا كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْغَرَضِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ.
وَالْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِثْبَاتُ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، أَوْ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ لُغَةً عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ: فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ نَسْخَ حُكْمِ الْأَصْلِ يُوجِبُ رَفْعَ حُكْمِ الْفَرْعِ ; لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ الْفَرْعِ دُونَ أَصْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ نَسْخًا لِمَا سَبَقَ، وَأَنَّ رَفْعَ حُكْمِ الْفَرْعِ لَا يُوجِبُ رَفْعَ حُكْمِ الْأَصْلِ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ التَّابِعِ رَفْعُ الْمَتْبُوعِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَلَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ بِجِهَةِ صَرِيحِ اللَّفْظِ، وَعَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ بِجِهَةِ الْفَحْوَى، وَهُمَا دَلَالَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، غَيْرَ أَنَّ دَلَالَةَ الْفَحْوَى تَابِعَةٌ لِدَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ رَفْعَ حُكْمِ إِحْدَى الدَّلَالَتَيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ رَفْعُ حُكْمِ الدَّلَالَةِ الْأُخْرَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ دَلَالَةُ الْفَحْوَى تَابِعَةً لِدَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ فَرَفْعُ الْأَصْلِ مِمَّا يَمْتَنِعُ مَعَهُ بَقَاءُ التَّابِعِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ دَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ إِعْظَامُ الْوَالِدَيْنِ، فَرَفْعُ حُكْمِ الْفَحْوَى مِمَّا يُخِلُّ بِالْغَرَضِ مِنْ دَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ فَيَمْتَنِعُ مَعَهُ بَقَاءُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ.
قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُنْدَفِعٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْفَحْوَى وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةً لِدَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ فَنَسْخُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لَيْسَ نَسْخًا لِدَلَالَتِهِ بَلْ نَسْخًا لِحُكْمِهِ، وَدَلَالَةُ الْفَحْوَى تَابِعَةٌ لِدَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ عَلَى حُكْمِهِ لَا أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِحُكْمِهِ، وَدَلَالَتُهُ بَاقِيَةٌ بَعْدَ نَسْخِ حُكْمِهِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ نَسْخِهِ، فَمَا هُوَ أَصْلٌ لِدَلَالَةِ الْفَحْوَى غَيْرُ مُرْتَفِعٍ، وَمَا هُوَ الْمُرْتَفِعُ لَيْسَ أَصْلًا لِلْفَحْوَى.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ حُكْمِ الْفَحْوَى إِبْطَالُ الْغَرَضِ مِنْ أَصْلِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِيهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ غَرَضَ إِثْبَاتِ التَّحْرِيمِ لِلتَّأْفِيفِ مُغَايِرٌ لِغَرَضِ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِبْطَالِ أَحَدِ الْغَرَضَيْنِ إِبْطَالُ الْغَرَضِ الْآخَرِ.
стр. 785
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ نَسْخِ حُكْمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِي نَسْخِ حُكْمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ: هَلْ يَبْقَى مَعَهُ حُكْمُ الْفَرْعِ أَوْ لَا؟
فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى بَقَائِهِ وَالْبَاقُونَ إِلَى امْتِنَاعِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ تَابِعٌ لِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَإِذَا نُسِخَ حُكْمُ الْأَصْلِ خَرَجَتِ الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْهُ عَنْ أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، فَبَطَلَ مَا كَانَ تَابِعًا لِاعْتِبَارِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْتُمُوهُ نَسْخُ حُكْمِ الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ حَيْثُ جَعَلْتُمْ رَفْعَ حُكْمِ الْفَرْعِ تَابِعًا لِرَفْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى مَا قَرَّرْتُمُوهُ ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنِ انْتِفَاءِ التَّابِعِ لِانْتِفَاءِ الْمَتْبُوعِ مَتَى يَلْزَمُ ذَلِكَ، إِذَا كَانَ الْحُكْمُ يَفْتَقِرُ فِي دَوَامِهِ إِلَى دَوَامِ سَبَبِهِ أَوْ إِذَا لَمْ يَفْتَقِرْ.
الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ فَلِمَ قُلْتُمْ بِافْتِقَارِهِ إِلَيْهِ؟ وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ وَلَكِنْ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُنْتَقِضٌ بِالْأَبِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ الطِّفْلُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، وَلَوْ زَالَ إِسْلَامُ الْأَبِ بِالرِّدَّةِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ زَوَالُ مَا كَانَ ثَابِتًا لِلْوَلَدِ مِنَ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لَهُ.
قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رَفْعَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ كَانَ بِالْقِيَاسِ عَلَى رَفْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَإِلَّا لَافْتَقَرَ إِلَى عِلَّةٍ جَامِعَةٍ نَافِيَةٍ لَهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قِيلَ بِرَفْعِهِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ مُوجِبِهِ وَبَيْنَ انْتِفَائِهِ بِالْقِيَاسِ.
وَجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ قِيلَ بِافْتِقَارِ الْحُكْمِ فِي دَوَامِهِ إِلَى دَوَامِ عِلَّتِهِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرِ الْحُكْمُ فِي دَوَامِهِ إِلَى دَوَامِ ضَابِطِ حِكْمَةِ الْحُكْمِ الْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فِي ابْتِدَائِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دَوَامِ احْتِمَالِ الْحِكْمَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَوِ انْتَهَتْ حِكْمَةُ الْحُكْمِ قَطْعًا امْتَنَعَ بَقَاؤُهُ بَعْدَهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ دَوَامِ احْتِمَالِ الْحِكْمَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ الْحُكْمِ لِحِكْمَةٍ غَيْرِ مُعْتَبَرَةٍ، وَبِنَسْخِ حُكْمِ الْأَصْلِ زَالَ اعْتِبَارُهَا وَانْتِفَاءُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي دَوَامِ الْحُكْمِ يُوجِبُ رَفْعَ الْحُكْمِ.
وَعَلَى هَذَا فَقَدِ انْدَفَعَ النَّقْضُ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِسْلَامَ الْأَبِ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِإِسْلَامِ الِابْنِ، حَتَّى يَلْزَمَ مِنِ انْتِفَاءِ إِسْلَامِهِ انْتِفَاءُ إِسْلَامِ الِابْنِ، وَلَا أَنَّ دَوَامَ إِسْلَامِ الْأَبِ مُعْتَبَرٌ فِي دَوَامِ إِسْلَامِ الِابْنِ لِيَلْزَمَ مِنِ انْتِفَائِهِ انْتِفَاؤُهُ.
стр. 786
[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ وَرَدَ النَّسْخُ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ وَلَمْ يَبْلُغِ الْأُمَّةَ هَلْ يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ النَّسْخُ فِي حَقِّهِمْ]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ
لَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ النَّاسِخَ إِذَا كَانَ مَعَ جِبْرِيلَ ﵇ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِينَ، بَلْ هُمْ فِي التَّكْلِيفِ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ إِلْقَاءِ النَّاسِخِ إِلَى جِبْرِيلَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا وَرَدَ النَّسْخُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَبْلُغِ الْأُمَّةَ، هَلْ يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ النَّسْخُ فِي حَقِّهِمْ أَوْ لَا؟
فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى الْإِثْبَاتِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى النَّفْيِ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ النَّسْخَ لَهُ لَازِمٌ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ حُكْمِ الْخِطَابِ السَّابِقِ وَامْتِنَاعُ الْخُرُوجِ بِالْفِعْلِ الْوَاجِبِ أَوَّلًا عَنِ الْعُهْدَةِ، وَلُزُومُ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ الْوَاجِبِ النَّاسِخِ وَالْإِثْمُ بِتَرْكِهِ وَالثَّوَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَهَذِهِ اللَّوَازِمُ مُنْتَفِيَةٌ، وَيَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ، أَمَّا أَنَّ الْحُكْمَ السَّابِقَ لَمْ يَرْتَفِعْ فَهُوَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ (١) وَيَخْرُجُ بِهِ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ لَهُ قَبْلَ بُلُوغِ النَّسْخِ إِلَيْهِ (٢) بِالْإِجْمَاعِ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمَّا بَلَغَهُمْ نَسْخُ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ اسْتَدَارُوا وَالنَّبِيُّ ﷺ اعْتَدَّ لَهُمْ بِالرَّكَعَاتِ الَّتِي أَتَوْا بِهَا بَعْدَ نُزُولِ النَّسْخِ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِالنَّسْخِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا أَنَّ الْخِطَابَ بِالنَّسْخِ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُكَلَّفِ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَبَيَانُهُ بِالنَّصِّ وَالْحُكْمِ.
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ .
وَأَمَّا الْحُكْمُ فَهُوَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ فَعَلَ الْعِبَادَةَ الَّتِي وَرَدَ بِهَا النَّاسِخُ عَلَى وَجْهِهَا كَانَ آثِمًا عَاصِيًا غَيْرَ خَارِجٍ بِهِ عَنِ الْعُهْدَةِ، كَمَا لَوْ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ بُلُوغِ النَّسْخِ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مُخَاطَبًا بِذَلِكَ لَخَرَجَ بِهِ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَلَمَا كَانَ عَاصِيًا بِفِعْلِ مَا خُوطِبَ بِهِ. стр. 787
وَلِلْمُخَالِفِينَ خَمْسُ شُبَهٍ:
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ مِنَ الشَّارِعِ، فَلَزِمَ رَفْعُهُ بِرَفْعِ الشَّرْعِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ بِالرَّفْعِ، كَمَا لَوْ عَزَلَ الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ عَنِ التَّصَرُّفِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِعَزْلِهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ النَّسْخَ إِسْقَاطٌ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ فِيهِ رِضَا مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ عِلْمُهُ، كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْإِبْرَاءِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ النَّسْخَ إِبَاحَةُ تَرْكِ الْفِعْلِ بَعْدَ إِيجَابِهِ أَوْ إِبَاحَةُ فِعْلِهِ بَعْدَ حَظْرِهِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى عِلْمِ مَنْ أُبِيحَ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: " إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ " ثُمَّ أَذِنَ لَهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِخُرُوجِهَا.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ نَسْخَ الْحُكْمِ إِبَاحَةُ تَرْكِ الْمَنْسُوخِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الشَّارِعِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ قَبْلَ عِلْمِ الْمُبَاحِ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: " أَبَحْتُ ثَمَرَةَ بُسْتَانِي لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهُ " فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِكُلِّ دَاخِلٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّ رَفْعَ الْحُكْمِ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِالنَّسْخِ، فَرَفْعُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِعِلْمِهِ أَوْ بِالنَّسْخِ، وَالْعِلْمُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الرَّفْعِ فَكَانَ الرَّفْعُ بِالنَّسْخِ، وَلَزِمَ رَفْعُهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ النَّسْخِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأُولَى: بِمَنْعِ عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: لِمَ قَالُوا بِأَنَّ النَّسْخَ إِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى رِضَا الْمَنْسُوخِ عَنْهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْعِلْمِ فِي صُورَةِ الِاسْتِشْهَادِ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ فِي النَّسْخِ، فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعِلْمِ ثَمَّ لِعَدَمِ تَضَمُّنِهِ رَفْعَ حُكْمِ خِطَابٍ سَابِقٍ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَكَانَ الْعِلْمُ مُشْتَرَطًا فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ: بِمَنْعِ الْحُكْمِ فِيمَا ذَكَرُوهُ مَنْ صُوَرِ الِاسْتِشْهَادِ.
وَعَنِ الْخَامِسَةِ: أَنَّ رَفْعَ الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ مَشْرُوطٌ بِالْعِلْمِ، وَلَا تَحَقُّقَ لِلْمَشْرُوطِ دُونَ شَرْطِهِ.
стр. 788
[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ هَلْ تَكُونُ نَسْخًا]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ
الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ هَلْ تَكُونُ نَسْخًا؟ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ إِذَا كَانَتْ عِبَادَةً مُنْفَرِدَةً بِنَفْسِهَا عَنِ الْمَزِيدِ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ عَلَى صَلَوَاتٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ حَجَّةٍ أَوْ زَكَاةٍ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ زِيَادَةَ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَكُونُ نَسْخًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى الْمَأْمُورَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا وُسْطَى، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَوْنُ الْعِبَادَةِ وُسْطَى أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَوْ أَوْجَبَ الشَّارِعُ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ أَوْجَبَ صَلَاةً خَامِسَةً أَوْ زَكَاةً أَوْ صَوْمًا؛ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَسْخًا لِإِخْرَاجِ الْعِبَادَةِ الْأَخِيرَةِ عَنْ كَوْنِهَا أَخِيرَةً، وَإِخْرَاجِ الْعِبَادَاتِ السَّابِقَةِ عَنْ كَوْنِهَا أَرْبَعًا وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ: كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكَعَاتِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَزِيَادَةِ جَلَدَاتٍ عَلَى جَلَدَاتِ حَدٍّ وَاحِدٍ، وَزِيَادَةِ صِفَةٍ فِي رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ كَالْأَيْمَانِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الزِّيَادَاتِ.
فَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجُبَّائِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ إِلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا.
وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: تَكُونُ نَسْخًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ.
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْصِيلِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ قَدْ أَفَادَتْ خِلَافَ مَا أَفَادَهُ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ وَالشَّرْطِ كَانَتِ الزِّيَادَةُ نَسْخًا، كَإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ، فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ ﷺ : " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» "؛ مِنْ نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ وَإِلَّا فَلَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُغَيِّرَةً لِحُكْمِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْحَدِّ، وَزِيَادَةِ عِشْرِينَ جَلْدَةً عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ كَانَتْ نَسْخًا
стр. 789
وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ حُكْمَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَوْجَبَ عَلَيْنَا سَتْرَ الْفَخْذِ فَإِنَّهُ يَجِبُ سَتْرُ بَعْضِ الرُّكْبَةِ، ضَرُورَةَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، أَوْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَإِيجَابِ قَطْعِ رِجْلِ السَّارِقِ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ قَدْ غَيَّرَتِ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ تَغَيُّرًا شَرْعِيًّا، بِحَيْثُ صَارَ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ لَوْ فُعِلَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يُفْعَلُ قَبْلَهَا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا، أَوْ كَانَ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ فِعْلَيْنِ فَزِيدَ فِعْلٌ ثَالِثٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ نَسْخًا لِتَحْرِيمِ تَرْكِ الْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَإِلَّا فَلَا، وَذَلِكَ كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْحَدِّ، وَزِيَادَةِ عِشْرِينَ جَلْدَةً عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَزِيَادَةِ شَرْطٍ مُنْفَصِلٍ فِي شَرَائِطِ الصَّلَاةِ كَزِيَادَةِ الْوُضُوءِ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً بِالْمَزِيدِ عَلَيْهِ اتِّصَالَ اتِّحَادٍ رَافِعٍ لِلتَّعَدُّدِ، وَالِانْفِصَالِ كَزِيَادَةِ رَكْعَتَيْنِ عَلَى رَكْعَتِيِ الصُّبْحِ، فَهُوَ نَسْخٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ كَذَلِكَ كَزِيَادَةِ عِشْرِينَ جَلْدَةً عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، فَلَا تَكُونُ نَسْخًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ رَافِعَةً لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا وَوَجَبَ النَّظَرُ فِي دَلِيلِ الزِّيَادَةِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ نَسْخُ حُكْمِ النَّصِّ فَهُوَ نَسْخٌ وَإِلَّا فَلَا. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَتْ رَافِعَةً لِحُكْمِ الْعَقْلِ الْأَصْلِيِّ لَا غَيْرَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا شَرْعِيًّا وَإِنْ كَانَ نَسْخًا لُغَوِيًّا، وَجَازَ بِكُلِّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بِهِ النَّسْخُ، كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ.
وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى شَرْحِ الْمَذَاهِبِ بِالتَّفْصِيلِ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيمَا يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْفَرْعِيَّةِ، وَالْكَشْفِ عَنْ وَجْهِ الْحَقِّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَتِمَّةً لِلْمَقْصُودِ، وَهِيَ عَشَرَةُ فُرُوعٍ:
стр. 790
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: إِذَا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا لِحُكْمِ قَوْلِهِ ﷺ : " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» " ; لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ كَمَا سَبَقَ فِي إِبْطَالِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي نَفْيَ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ الْأَصْلِيِّ، فَرَفْعُهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ حُجَّةٌ، وَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ، فَلَا يَخْفَى أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا يَكُونُ رَافِعًا لِمَا اقْتَضَاهُ دَلِيلُ الْخِطَابِ فَيَكُونُ نَسْخًا.
الْفَرْعُ الثَّانِي: إِذَا زِيدَتْ رَكْعَةٌ عَلَى رَكْعَتِيِ الصُّبْحِ بِحَيْثُ صَارَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: هَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ; لِأَنَّ زِيَادَةَ الرَّكْعَةِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ نَسْخًا لِلرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ نَسْخًا لِأَجْزَائِهَا وَوُجُوبِهَا، أَوْ نَسْخًا لِوُجُوبِ التَّشَهُّدِ عَقِيبَ الرَّكْعَتَيْنِ.
لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلرَّكْعَتَيْنِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ، كَيْفَ وَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ قَارَّتَانِ لَمْ يَرْتَفِعَا.
وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِأَجْزَائِهَا، وَإِلَّا كَانَ زِيَادَةُ غَسْلِ عُضْوٍ آخَرَ فِي طَهَارَةِ الصَّلَاةِ نَاسِخًا لِأَجْزَائِهَا وَوُجُوبِهَا الَّذِي كَانَ قَبْلَ إِيجَابِ غَسْلِ الْعُضْوِ الزَّائِدِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ كَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ كَمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ.
وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِوُجُوبِ التَّشَهُّدِ عَقِيبَ الرَّكْعَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ وَاجِبًا آخِرَ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُرْتَفِعٍ وَلَا مُتَغَيِّرٍ، وَإِنَّمَا الْمُتَغَيِّرُ آخِرُ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ آخِرَهَا كَانَ بِآخِرِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالْآنَ صَارَ آخِرَ الثَّلَاثِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي إِبْطَالِهِ: لَا نُسَلِّمُ الْحَصْرَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَالتَّحْرِيمُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَقَدِ ارْتَفَعَ بِالزِّيَادَةِ وَلَيْسَ بِحَقٍّ ; إِذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالرَّكْعَتَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلنَّهْيِ عَنِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، فَزِيَادَةُ الرَّكْعَةِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الرَّكْعَتَيْنِ.
стр. 791
وَقَدْ قِيلَ فِي إِبْطَالِهِ أَيْضًا: إِنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْزَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ بِتَقْدِيرِ انْفِرَادِهَا، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَقَدِ ارْتَفَعَ بِالزِّيَادَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى كَوْنِ الرَّكْعَتَيْنِ مُجْزِيَةً أَنَّهُ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ.
وَمَعْنَى الْخُرُوجِ بِهَا عَنِ الْعُهْدَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَعَ فِعْلِهَا شَيْءٌ آخَرُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ حُكْمًا شَرْعِيًّا لِيَكُونَ رَفْعُهُ نَسْخًا شَرْعِيًّا، بَلْ هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَإِنَّمَا طَرِيقُ الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِلْزَامِ بِاشْتِرَاطِ غَسْلِ الْعُضْوِ الزَّائِدِ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا عَلَى الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، فَغَيْرُ لَازِمٍ لِغَيْرِهِ كَالْغَزَالِيِّ وَنَحْوِهِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِ ذَلِكَ نَسْخًا فَلَا بُدَّ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ وَإِنْ قُدِّرَ لُزُومُ ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى أَنَّ وُجُوبَ التَّشَهُّدِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَقَدِ ارْتَفَعَ بِزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُغَيَّرَ إِنَّمَا هُوَ آخِرُ الصَّلَاةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ التَّشَهُّدَ كَانَ وَاجِبًا عَقِيبَ الرَّكْعَتَيْنِ وَبِالزِّيَادَةِ صَارَ غَيْرَ وَاجِبٍ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ عَلَى الْحَدِّ، وَزِيَادَةُ عِشْرِينَ جَلْدَةً عَلَى الثَّمَانِينَ لَيْسَ بِنَسْخٍ ; لِأَنَّ النَّسْخَ يَسْتَدْعِي رَفْعَ مَا ثَبَتَ لِلثَّمَانِينَ مِنَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا تَحْقِيقَ لَهُ إِذِ الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ لَهَا مِنَ الْحُكْمِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ بَعْدَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: بَيَانُ ارْتِفَاعِ حُكْمِ الثَّمَانِينَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الثَّمَانِينَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ كَانَتْ كُلَّ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، وَقَدْ صَارَتْ بَعْدَ الزِّيَادَةِ بَعْضَ الْحَدِّ.
الثَّانِي: أَنَّ الثَّمَانِينَ كَانَتْ مُجْزِئَةً قَبْلَ الزِّيَادَةِ وَقَدِ ارْتَفَعَ إِجْزَاؤُهَا بِالزِّيَادَةِ.
الثَّالِثُ: الثَّمَانُونَ وَحْدَهَا كَانَ يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّفْسِيقُ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ، وَبَعْدَ الزِّيَادَةِ زَالَ تَعَلُّقُ ذَلِكَ بِالثَّمَانِينَ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الثَّمَانِينَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ كَانَ يَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا، وَبَعْدَ الزِّيَادَةِ زَالَ هَذَا الْوُجُوبُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ قَبْلَ الزِّيَادَةِ كَانَتِ الزِّيَادَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ (١) وَقَدْ زَالَ هَذَا الْحُكْمُ بِإِيجَابِ الزِّيَادَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الثَّمَانِينَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ كُلَّ الْوَاجِبِ إِلَّا стр. 792
أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَغَيْرُهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَوُجُوبُهَا لَمْ يَرْتَفِعْ وَإِنَّمَا الْمُرْتَفِعُ بِالزِّيَادَةِ عَدَمُ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا شَرْعِيًّا.
وَعَنِ الثَّانِي: مَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَعَنِ الثَّالِثِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّفْسِيقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالثَّمَانِينَ بَلْ بِالْقَذْفِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا تَعَلُّقَ ذَلِكَ بِالثَّمَانِينَ، إِلَّا أَنَّ مَعْنَى التَّفْسِيقِ يَرْجِعُ إِلَى عَدَمِ مُوَافَقَةِ أَمْرِ الشَّارِعِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ إِلَى عَدَمِ قَبُولِهَا، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ فَلَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ دَلِيلِ إِيجَابِ الثَّمَانِينَ، فَرَفْعُهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا شَرْعِيًّا.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّ مَعْنَى وُجُوبِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّمَانِينَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَوُجُوبُهَا لَمْ يَرْتَفِعْ وَإِنَّمَا الْمُرْتَفِعُ عَدَمُ الْجَوَازِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِنَسْخٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَعَلَى هَذَا، فَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنِ الْإِلْزَامِ الْخَامِسِ أَيْضًا.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: إِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ، ثُمَّ خَيَّرَنَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَوْ خَيَّرَنَا فِي الْكَفَّارَةِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، ثُمَّ زَادَ ثَالِثًا وَهُوَ الْإِعْتَاقُ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا لِوُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ وَوُجُوبِ التَّخَيُّرِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ عَلَى التَّعْيِينِ؟ الْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ (١) ; لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْعَمَلِ وَاجِبًا عَلَى التَّعْيِينِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَأَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَكَوْنُهُ стр. 793
وَاجِبًا لَمْ يَرْتَفِعْ، وَإِنَّمَا الْمُرْتَفِعُ كَوْنُ غَيْرِهِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِمُقْتَضَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَرَفْعُهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا شَرْعِيًّا، وَكَذَلِكَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ عَلَى التَّعْيِينِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، وَوُجُوبُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُرْتَفِعٍ، وَإِنَّمَا الْمُرْتَفِعُ كَوْنُ غَيْرِهِمَا لَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِمُقْتَضَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَرَفْعُهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا شَرْعِيًّا.
الْفَرْعُ الْخَامِسُ: إِذَا أَوْقَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْحُكْمَ عَلَى شَاهِدَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ فَإِذَا جَوَّزَ الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا لِلْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ؟ الْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْآيَةِ جَوَازُ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ وَأَنَّ شَهَادَتَهُمَا حُجَّةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْحُكْمِ بِحُجَّةٍ أُخْرَى إِلَّا بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَفْهُومِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فَرَفْعُهُ يَكُونُ نَسْخًا وَلَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. (١) الْفَرْعُ السَّادِسُ: إِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عِتْقَ رَقَبَةٍ مُطْلَقَةٍ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَتَقْيِيدُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْإِيمَانِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِكَلَامِهِ الدَّلَالَةَ عَلَى أَجْزَاءِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ وَغَيْرِهَا، كَانَ التَّقْيِيدُ بِالْإِيمَانِ نَسْخًا وَلَا يَجُوزُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا كَانَ تَقْيِيدًا لِلْمُطْلَقِ لَا نَسْخًا. (٢) الْفَرْعُ السَّابِعُ: إِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى قَطْعَ يَدِ السَّارِقِ وَرِجْلِهِ عَلَى التَّعْيِينِ، فَإِبَاحَةُ قَطْعِ رِجْلِهِ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ رَافِعًا لِعَدَمِ الْإِبَاحَةِ الثَّابِتَةِ بِحُكْمِ الْعَقْلِ الْأَصْلِيِّ، فَلَا يَكُونُ نَسْخًا شَرْعِيًّا وَإِنْ كَانَ رَافِعًا لِلتَّحْرِيمِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ стр. 794
يَكُونَ نَسْخًا، فَلَيْسَ نَسْخًا لِمُقْتَضَى النَّصِّ الْأَوَّلِ (لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ) .
الْفَرْعُ الثَّامِنُ: إِذَا زِيدَ فِي الطَّهَارَةِ اشْتِرَاطُ غَسْلِ عُضْوٍ زَائِدٍ عَلَى الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا لِوُجُوبِ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ ; إِذْ هِيَ وَاجِبَةٌ مَعَ وُجُوبِ غَسْلِ الْعُضْوِ الزَّائِدِ، وَلَا لِأَجْزَائِهَا عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهَا مُجْزِئَةً أَنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ بِفِعْلِهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ، وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ غَيْرُ مُرْتَفِعٍ وَإِنَّمَا الْمُرْتَفِعُ عَدَمُ التَّوَقُّفِ عَلَى شَرْطٍ آخَرَ، وَذَلِكَ الْمُرْتَفِعُ وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ أَمْرٍ آخَرَ إِنَّمَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى حُكْمِ الْعَقْلِ الْأَصْلِيِّ، فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا شَرْعِيًّا.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا زِيدَ فِي الصَّلَاةِ شَرْطٌ آخَرُ.
الْفَرْعُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧] دَالٌّ عَلَى جَعْلِ أَوَّلِ اللَّيْلِ غَايَةً لِلصَّوْمِ، فَإِيجَابُ صَوْمِ أَوَّلِ اللَّيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنْ كَوْنِ أَوَّلِ اللَّيْلِ غَايَةً لِلصَّوْمِ وَظَرْفًا لَهُ؟
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ قُلْنَا: إِنَّ مَفْهُومَ الْغَايَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَدِّ الْحُكْمِ إِلَى غَايَةٍ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ عَلَى خِلَافِ مَا قَبْلَهَا، فَإِيجَابُ صَوْمِ أَوَّلِ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِمَدْلُولِ الْآيَةِ، وَإِلَّا كَانَ نَسْخًا وَامْتَنَعَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ. (١) الْفَرْعُ الْعَاشِرُ: إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " صَلُّوا إِنْ كُنْتُمْ مُتَطَهِّرِينَ " فَاشْتِرَاطُ شَرْطٍ آخَرَ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَعَ الطَّهَارَةِ، أَوْ لِأَجْزَائِهَا، أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ شَرْطٍ آخَرَ، أَوْ لِشَيْءٍ آخَرَ.
لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مَعَ الطَّهَارَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ.
وَالثَّانِي لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ لِمَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ الثَّامِنِ.
وَلَا سَبِيلَ إِلَى الثَّالِثِ لِأَنَّهُ رَفَعَ حُكْمَ الْعَقْلِ الْأَصْلُ، فَلَا يَكُونُ نَسْخًا شَرْعِيًّا.
وَالرَّابِعُ لَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَعَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ مُوجِبٌ لِلطَّوَافِ مُطْلَقًا مَعَ الطَّهَارَةِ وَمِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَاشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ стр. 795
صَلَاةٌ» ". لَا يَكُونُ نَسْخًا لِوُجُوبِ الطَّوَافِ لِبَقَاءِ وُجُوبِهِ، وَلَا لِإِجْزَائِهِ وَلَا لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الطِّهَارَةِ لِمَا بَيَّنَّاهُ.
وَلِذَلِكَ مَنَعَ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْإِجْزَاءِ بِقَوْلِهِ: " «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» ". (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمَّا لَمْ يَسَعْهُ مُخَالَفَةُ الْخَبَرِ قَالَ بِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ مَعَ بَقَاءِ الطَّوَافِ مُجْزِئًا مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ، حَيْثُ اعْتَقَدَ أَنَّ رَفْعَ الْإِجْزَاءِ يَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. стр. 796
[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ نَسْخَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ هَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِتِلْكَ الْعِبَادَةِ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ
اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ نَسْخَ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْعِبَادَةِ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِتِلْكَ الْعِبَادَةِ، كَنَسْخِ سَتْرِ الرَّأْسِ وَالْوُقُوفِ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ نَسْخَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ هَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِتِلْكَ الْعِبَادَةِ؟ فَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِلْعِبَادَةِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْسُوخُ جُزْءًا مِنْ مَفْهُومِ الْعِبَادَةِ كَالرَّكْعَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا، أَوْ شَرْطًا خَارِجًا عَنْ مَفْهُومِ الصَّلَاةِ كَالْوُضُوءِ.
وَمِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ نَسْخٌ لِلْعِبَادَةِ مُطْلَقًا، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْغَزَالِيِّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْجُزْءِ وَالشَّرْطِ، وَأَوْجَبَ نَسْخَ الْعِبَادَةِ بِنَسْخِ جُزْئِهَا دُونَ شَرْطِهَا كَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا لِلْعِبَادَةِ مُطْلَقًا، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَكُلُّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا وَاجِبَةٌ، فَنَسْخُ أَحَدُ الْوَاجِبَيْنِ لَا يُوجِبُ نَسْخَ الْوَاجِبِ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً، وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِيهَا، فَنَسْخُ اشْتِرَاطِ الطِّهَارَةِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِنَسْخِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، بَلِ الْوُجُوبُ بَاقٍ بِحَالِهِ فَلَا نَسْخَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا أَوْجَبَ الشَّارِعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَسَخَ مِنْهَا وُجُوبَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَدْ نَسَخَ وُجُوبَ أَصْلِ الْعِبَادَةِ لَا أَنَّهُ نَسْخٌ لِلْبَعْضِ وَتَبْقِيَةٌ لِلْبَعْضِ، فَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ لَيْسَتْ بَعْضَ الْأَرْبَعِ بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ أُخْرَى، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ بَعْضًا مِنْهَا لَكَانَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ آتِيًا بِالْوَاجِبِ وَزِيَادَةٍ كَمَا لَوْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقَ بِدِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمَيْنِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ وُجُوبَ الرَّكْعَتَيْنِ بَاقٍ بِحَالِهِ غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ نَسْخِ الرَّكْعَتَيْنِ لَا تُجْزِي، وَقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ بِنَسْخِ الرَّكْعَتَيْنِ الزَّائِدَتَيْنِ حَيْثُ صَارَتْ تُجْزِئُ، وَكَانَ يَجِبُ تَأْخِيرُ التَّشَهُّدِ إِلَى مَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ، وَقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ وَهُوَ عَيْنُ النَّسْخِ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا نُسِخَ - شَرْطَ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ النَّسْخِ لَا تُجْزِئُ، وَقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ بِنَسْخِ الشَّرْطِ.
وَالْجَوَابُ قَوْلُهُمْ: إِنَّ نَسْخَ الرَّكْعَتَيْنِ نَسْخٌ لِوُجُوبِ أَصْلِ الْعِبَادَةِ - لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ بَقَاءِ وُجُوبِ الرَّكْعَتَيْنِ.
стр. 797
قَوْلُهُمْ: الرَّكْعَتَانِ عِبَادَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْعِبَادَةِ الْأُولَى، إِنْ أَرَادُوا بِالْغَيْرِيَّةِ أَنَّهَا بَعْضٌ مِنْهَا وَالْبَعْضُ غَيْرُ الْكُلِّ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِلرَّكْعَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ نَسْخًا لِوُجُوبِ الْكُلِّ، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الْأَرْبَعِ فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ بَعْضًا مِنَ الْأَرْبَعِ لَكَانَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ أَرْبَعًا قَدْ أَتَى بِالْوَاجِبِ وَزِيَادَةٍ. قُلْنَا: وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَعْضًا مِنَ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ بَلْ عِبَادَةً أُخْرَى لَافْتَقَرَتْ فِي وُجُوبِهَا إِلَى وُرُودِ أَمْرٍ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَحَيْثُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الصُّبْحِ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَإِنَّمَا كَانَ لِإِدْخَالِ مَا لَيْسَ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهَا.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ نَسْخِ الرَّكْعَتَيْنِ لَا تُجْزِئُ. قُلْنَا: إِنْ أُرِيدَ بِهِ عَدَمُ امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَالثَّوَابِ عَلَيْهَا فَذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إِلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، فَرَفْعُهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فَهُوَ نَسْخٌ لَكِنْ لَا لِنَفْسِ الْعِبَادَةِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ يَجِبُ تَأْخِيرُ التَّشَهُّدِ إِلَى مَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ - لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ التَّشَهُّدَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ جَائِزٌ.
نَعَمْ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَعَدَمُ وُجُوبِهِ فَلِبَقَائِهِ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، فَرَفْعُهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا شَرْعِيًّا عَلَى مَا عُرِفَ.
نَعَمْ لَوْ قِيلَ بِرَفْعِ جَوَازِهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا.
وَعَلَى هَذَا عُرِفَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْعِبَادَةَ كَانَتْ لَا تُجْزِئُ دُونَ الطَّهَارَةِ ثُمَّ صَارَتْ مُجْزِئَةً.
стр. 798
[الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ نَسْخِ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ بِإِعْدَامِ الْعَقْلِ]
الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ بِإِعْدَامِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُكَلِّفَ اللَّهُ أَحَدًا بِالنَّهْيِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إِلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُ التَّكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ يَسْتَدْعِي الْعِلْمَ بِنَهْيِهِ، وَالْعِلْمُ بِنَهْيِهِ يَسْتَدْعِي الْعِلْمَ بِذَاتِهِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْبَارِي تَعَالَى يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِنَهْيِهِ، فَإِذًا تَحْرِيمُ مَعْرِفَتِهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ هَلْ يُتَصَوَّرُ نَسْخُ وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ، وَنَسْخُ تَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا قِيلَ بِوُجُوبِهِ لِحُسْنِهِ وَتَحْرِيمِهِ لِقُبْحِهِ فِي ذَاتِهِ؟ فَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِنَاءً عَلَى فَاسِدِ أُصُولِهِمْ فِي اعْتِقَادِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الذَّاتِيِّ وَرِعَايَةِ الْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى امْتِنَاعِ نَسْخِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمُقْتَضَى لِوُجُوبِهَا وَتَحْرِيمِهَا إِنَّمَا هُوَ صِفَاتٌ ذَاتِيَّةٌ لَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهَا وَلَا تَغْيِيرُهَا، وَنَحْنُ قَدْ أَبْطَلْنَا هَذِهِ الْأُصُولَ وَنَبَّهْنَا عَلَى فَسَادِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنَّ جَازَ نَسْخُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَبَعْدَ أَنْ كَلَّفَ اللَّهُ الْعَبْدَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ عَنْهُ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ أَوْ لَا؟
اخْتَلَفُوا فِيهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ عَنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ النَّسْخِ وَالنَّاسِخِ وَالدَّلِيلِ الْمَنْصُوبِ عَلَيْهِ. فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّكْلِيفِ لَا يُمْكِنُ نَسْخُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ بِالضَّرُورَةِ وَلَيْسَ بِحَقٍّ، فَإِنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَحْصُلُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ دُونَ عِلْمِهِ بِنُزُولِ النَّسْخِ فَلَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ النَّسْخِ لِجَمِيعِ التَّكَالِيفِ فِي حَقِّهِ عِنْدَ عِلْمِهِ بِالنَّسْخِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِمَعْرِفَةِ النَّسْخِ.
стр. 799
[خَاتِمَةٌ فِي طَرِيقِ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ]
فَنَقُولُ: النَّصَّانِ إِذَا تَعَارَضَا إِمَّا أَنْ يَتَعَارَضَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَإِنْ تَنَافَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ أَوْ مَظْنُونَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخِرُ مَظْنُونًا، فَإِنْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ أَوْ مَظْنُونَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَأَخُّرُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ أَوِ اقْتِرَانُهُمَا أَوْ لَا يُعْلَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ عُلِمَ تَأَخُّرُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ فَهُوَ نَاسِخٌ وَالْمُتَقَدِّمُ مَنْسُوخٌ.
وَذَلِكَ قَدْ يُعْرَفُ إِمَّا بِلَفْظِ النَّسْخِ وَالْمَنْسُوخِ كَمَا لَوْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَذَا نَاسِخٌ وَهَذَا مَنْسُوخٌ " (١) أَوْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِمَّا بِالتَّارِيخِ، وَذَلِكَ قَدْ يُعْلَمُ إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ كَقَوْلِهِ ﷺ : " «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» ".
وَإِمَّا بِإِسْنَادِ الرَّاوِي أَحَدَهُمَا إِلَى شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ كَقَوْلِهِ: كَانَ هَذَا فِي السَّنَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَهَذَا فِي السَّنَةِ الْفُلَانِيَّةِ. وَإِحْدَاهُمَا مَعْلُومَةُ التَّقَدُّمِ عَلَى الْأُخْرَى، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ سَنَدُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مُسْتَوِيًا.
وَلَيْسَ مِنَ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ فِي مَعْرِفَةِ النَّسْخِ أَنْ يَقُولَ الصَّحَابِيُّ: " كَانَ الْحُكْمُ كَذَا ثُمَّ نُسِخَ " فَإِنَّهُ رُبَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَلَا أَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ إِنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْآخَرِ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَسْخَ الْمُتَوَاتِرِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ وَلَا يَلْزَمُ ثُبُوتُ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْ صَاحِبِ الْفِرَاشِ ضِمْنًا مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الْقَابِلَةِ فِي الْوَلَدِ إِنَّهُ مِنْ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ، وَأَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهَا ابْتِدَاءً مِثْلَ ذَلِكَ هَاهُنَا كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، فَإِنَّ غَايَةَ ذَلِكَ الْجَوَازُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْوُقُوعُ.
وَلَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُثْبَتًا فِي الْمُصْحَفِ بَعْدَ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَرْتِيبُ الْآيَاتِ فِي الْمُصْحَفِ عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي النُّزُولِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِهِمَا مِنْ أَحْدَاثِ стр. 800
الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْقُلُ عَمَّنْ تَقَدَّمَتْ صُحْبَتُهُ، وَإِنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، فَلِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ مُتَقَدِّمِ الصُّحْبَةِ مُتَأَخِّرَةً.
وَلَا أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُ أَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ بَعْدَ إِسْلَامِ الْآخَرِ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي رِوَايَةِ الْحَدَثِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ مُتَجَدِّدَ الصُّحْبَةِ بَعْدَ انْقِطَاعِ صُحْبَةِ الرَّاوِي الْآخَرِ ; لِجَوَازِ سَمَاعِهِ عَمَّنْ تَقَدَّمَتْ صُحْبَتُهُ.
وَلَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ النَّصَّيْنِ عَلَى وِفْقِ قَضِيَّةِ الْعَقْلِ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْآخَرُ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ تَقَدُّمُ الْمُوَافِقِ لِذَلِكَ أَوْلَى مِنَ الْمُخَالِفِ.
وَأَمَّا إِنْ عُلِمَ اقْتِرَانُهُمَا مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُقُوعِ وَإِنْ جَوَّزَهُ قَوْمٌ، وَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فَالْوَاجِبُ إِمَّا الْوَقْفُ عَنِ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا (١) أَوِ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخِرُ مَظْنُونًا، فَالْعَمَلُ بِالْمَعْلُومِ وَاجِبٌ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ (٢) ، أَوْ جُهِلَ الْحَالُ فِي ذَلِكَ لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمَظْنُونِ كَانَ نَاسِخًا وَإِلَّا كَانَ مَعَ وُجُوبِهِ الْعَمَلُ غَيْرَ نَاسِخٍ. هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا تَنَافَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَأَمَّا إِنْ تَنَافَيَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمَّ مِنَ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : ( «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ) (٣) فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالْمُبَدِّلِ وَعَامٌّ فِي النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَقَوْلُهُ: " «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسْوَانِ» " (٤) فَإِنَّهُ خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ وَعَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُبَدِّلِ، فَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَمَا لَوْ تَنَافَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَعَلَيْكَ بِالِاعْتِبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ стр. 801
[الْأَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْقِيَاسِ]
[مُقَدِّمَةُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْقِيَاسِ وَبَيَانِ أَرْكَانِهِ]
وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَخَمْسَةِ أَبْوَابٍ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْقِيَاسِ وَبَيَانِ أَرْكَانِهِ.
أَمَّا الْقِيَاسُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: قِسْتُ الْأَرْضَ بِالْقَصَبَةِ وَقِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ أَيْ قَدَّرْتُهُ بِذَلِكَ.
وَهُوَ يَسْتَدْعِي أَمْرَيْنِ يُضَافُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ بِالْمُسَاوَاةِ، فَهُوَ نِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ يُقَاسُ بِفُلَانٍ وَلَا يُقَاسُ بِفُلَانٍ أَيْ يُسَاوِيهِ وَلَا يُسَاوِيهِ.
وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى قِيَاسِ الْعَكْسِ وَقِيَاسِ الطَّرْدِ.
أَمَّا قِيَاسُ الْعَكْسِ فَعِبَارَةٌ عَنْ تَحْصِيلِ نَقِيضِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ مَا فِي غَيْرِهِ ; لِافْتِرَاقِهِمَا (١) فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الصَّوْمُ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ لَمَا كَانَ شَرْطًا لَهُ عِنْدَ نَذْرِهِ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا، كَالصَّلَاةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ لَمْ تَكُنْ مِنْ شَرْطِهِ إِذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا، فَالْأَصْلُ هُوَ الصَّلَاةُ وَالْفَرْعُ هُوَ الصَّوْمُ، وَحُكْمُ الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ، وَالثَّابِتُ فِي الصَّوْمِ نَقِيضُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ وَقَدِ افْتَرَقَا فِي الْعِلَّةِ (٢) لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا لَمْ تَكُنِ الصَّلَاةُ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِيهِ حَالَةَ النَّذْرِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ حَالَةَ النَّذْرِ إِجْمَاعًا. (٣) стр. 802
وَأَمَّا قِيَاسُ الطَّرْدِ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ عِبَارَاتٌ غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا وَإِلَى إِبْطَالِهَا ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِيهِ.
فَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إِصَابَةِ الْحَقِّ وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّهُ عَلَى مَا قِيلَ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ، كَيْفَ وَإِنَّ إِصَابَةَ الْحَقِّ فَرْعٌ لِلْقِيَاسِ وَحُكْمٌ لَهُ، وَحُكْمُ الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ هُوَ الْقِيَاسَ.
وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ بَذْلُ الْجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ، وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ بِمَا أَبْطَلْنَا بِهِ الْحَدَّ الَّذِي قَبْلَهُ.
كَيْفَ وَإِنَّ بَذْلَ الْجُهْدِ إِنَّمَا هُوَ مُنْبِئٌ عَنْ حَالِ الْقَائِسِ لَا عَنْ نَفْسِ الْقِيَاسِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي إِبْطَالِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِوُجُودِ الْمَحْدُودِ دُونَ الْحَدِّ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَأَى حُكْمًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَعَلَى عِلَّتِهِ وَكَانَتْ عِلَّتُهُ مِمَّا يَشْهَدُ الْحِسُّ بِهَا فِي الْفَرْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ بَذْلُ جُهْدٍ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ فَقَدْ وُجِدَ الْمَحْدُودُ دُونَ حَدِّهِ وَلَيْسَ بِحَقٍّ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَلْحَقِ الْمُكَلَّفَ بِذْلُ جُهْدٍ فِي مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ وَعِلَّتِهِ لِكَوْنِهِمَا مَنْصُوصَيْنِ وَلَا فِي مَعْرِفَةِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ لِكَوْنِهَا مُحَسَّةً فِيهِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي مَعْرِفَةِ صِحَّةِ النَّصِّ إِنْ كَانَ آحَادًا وَإِنْ كَانَ مُتَوَاتِرًا، وَلَا بُدَّ مِنَ الْبَحْثِ عَنْ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْسُوخًا فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي الْأَصْلِ هَلْ لِلْعِلَّةِ فِيهِ مُعَارِضٌ أَوْ لَا؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ فِي الْأَصْلِ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي الْفَرْعِ هَلْ وُجِدَ فِيهِ مَانِعٌ أَوْ فَاتَ شَرْطٌ أَوْ لَا؟ ثُمَّ وَإِنْ قُدِّرَ انْتِفَاءُ الِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا فِي الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ فَلَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَ الْقِيَاسِ فِيهَا بَلِ الْحُكْمُ إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْفَرْعِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بِالِاسْتِدْلَالِ لَا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ.
وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الْقِيَاسَ هُوَ التَّشْبِيهُ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالْآخَرِ فِي الْمِقْدَارِ، وَفِي بَعْضِ صِفَاتِ الْكَيْفِيَّاتِ كَالْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَنَحْوِهَا
стр. 803
قِيَاسًا شَرْعِيًّا ; إِذِ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَشَرِّعِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْقِيَاسُ هُوَ الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْحَقِّ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ الْعِلْمُ الْوَاقِعُ بِالْمَعْلُومِ عَنْ نَظَرٍ، وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ بِالْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالنَّظَرِ فِي دَلَالَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
كَيْفَ وَإِنَّ الْعِلْمَ غَيْرُ حَاصِلٍ مِنَ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ غَيْرَ الظَّنِّ، وَإِنْ كَانَ حَاصِلًا مِنْهُ فَهُوَ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ فَلَا يَكُونُ هُوَ الْقِيَاسَ.
وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ وَإِجْرَاءِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ ; لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ الْقِيَاسُ الَّذِي فَرْعُهُ مَعْدُومٌ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
الثَّانِي: أَنَّ حَمْلَ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ وَإِجْرَاءَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ فَلَا يَكُونُ قِيَاسًا، وَإِنْ كَانَ بِجَامِعٍ فَيَكُونُ قِيَاسًا وَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَامِعِ، فَكَانَ لَفْظُهُ عَامًّا لِلْقِيَاسِ وَلِمَا لَيْسَ بِقِيَاسٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنَّهُ حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ بِضَرْبٍ مِنَ الشَّبَهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا أَبْطَلْنَا بِهِ حَدَّ أَبِي هَاشِمٍ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: الْقِيَاسُ تَحْصِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ إِشْكَالًا وَأَجَابَ عَنْهُ، أَمَّا الْإِشْكَالُ فَهُوَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُسَمُّونَ قِيَاسَ الْعَكْسِ قِيَاسًا، وَلَيْسَ هُوَ تَحْصِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، بَلْ هُوَ تَحْصِيلُ نَقِيضِ حُكْمِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِهِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ تَسْمِيَةَ قِيَاسِ الْعَكْسِ قِيَاسًا إِنَّمَا كَانَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِفَوَاتِ خَاصِّيَّةِ الْقِيَاسِ فِيهِ، وَهُوَ إِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ فِي حُكْمِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَابَهَةِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهِ أَيْضًا: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا حَقِيقَةً غَيْرَ أَنَّ اسْمَ الْقِيَاسِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ قِيَاسِ الطَّرْدِ وَقِيَاسِ الْعَكْسِ، فَتَحْدِيدُ أَحَدِهِمَا
стр. 804
بِخَاصِّيَّتِهِ لَا يُنْتَقَضُ بِالْمُسَمَّى الْآخَرِ الْمُخَالِفِ لَهُ فِي خَاصِّيَّتِهِ وَإِنْ كَانَ مُسَمًّى بِاسْمِهِ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ حُدَّتِ الْعَيْنُ بِحَدٍّ يَخُصُّهَا لَا يَنْتَقِضُ بِالْعَيْنِ الْجَارِيَةِ الْمُخَالِفَةِ لَهَا فِي حَدِّهَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الِاسْمِ، وَالْمَحْدُودُ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ قِيَاسُ الطَّرْدِ الْمُخَالِفِ فِي حَقِيقَتِهِ لِقِيَاسِ الْعَكْسِ، غَيْرَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحَدِّ مَدْخُولٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: تَحْصِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ مُشْعِرٌ بِتَحْصِيلِ عَيْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: مِثْلُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ.
الثَّانِي: أَنَّ تَحْصِيلَ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ هُوَ حُكْمُ الْفَرْعِ وَنَتِيجَةُ الْقِيَاسِ، وَنَتِيجَةُ الشَّيْءِ لَا تَكُونُ هِيَ نَفْسَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: الْقِيَاسُ هُوَ اشْتِبَاهُ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَلْزِمُ تَحْصِيلَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: (١) الْقِيَاسُ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِمَا عَنْهُمَا، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى خَمْسَةِ قُيُودٍ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى جَامِعٍ بَيْنَهُمَا.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ لَهُمَا.
الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا.
أَمَّا الْقَيْدُ الْأَوَّلُ فَيَسْتَدْعِي بَيَانَ مَعْنَى الْحَمْلِ، وَبَيَانَ فَائِدَةِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمَعْلُومِ وَفَائِدَةِ حَمْلِ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمَعْلُومِ.
أَمَّا الْحَمْلُ فَمَعْنَاهُ مُشَارَكَةُ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ لِلْآخَرِ فِي حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ لَفْظُ الْمَعْلُومِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَتْ صُورَةُ الْمَحْمُولِ وَالْمَحْمُولِ عَلَيْهِ عَدَمِيَّةً، وَرُبَّمَا كَانَتْ وُجُودِيَّةً، فَلَفْظُ الْمَعْلُومِ يَكُونُ شَامِلًا لَهُمَا، فَإِنَّهُ لَوْ أُطْلِقَ لَفْظُ الْمَوْجُودِ لَخَرَجَ مِنْهُ الْمَعْدُومُ، وَلَوْ أُطْلِقَ لَفْظُ الشَّيْءِ لَاخْتَصَّ أَيْضًا بِالْمَوْجُودِ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْحَقِّ. стр. 805
وَلَوْ قَالَ: حَمْلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ، رُبَّمَا أَوْهَمَ اخْتِصَاصَهُ بِالْمَوْجُودِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ وَصْفَ أَحَدِهِمَا بِكَوْنِهِ فَرْعًا وَالْآخِرَ بِكَوْنِهِ أَصْلًا قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ، وَالصِّفَاتُ الْوُجُودِيَّةُ لَا تَكُونُ صِفَةً لِلْمَعْدُومِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا، فَكَانَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْمَعْلُومِ أَجْمَعَ وَأَمْنَعَ وَأَبْعَدَ عَنِ الْوَهْمِ الْفَاسِدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَسْتَدْعِي الْمُقَايَسَةَ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْلَاهُ لَكَانَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ أَوْ نَفْيُهُ فِي الْفَرْعِ غَيْرَ مُسْتَفَادٍ مِنَ الْقِيَاسِ، أَوْ كَانَ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ غَيْرِ مُعْتَبَرَةٍ فَيَكُونُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَأَمَّا الْقَيْدُ الثَّانِي فَإِنَّمَا ذِكْرُهُ لِأَنَّ حَمْلَ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ قَدْ بَانَ أَنَّ مَعْنَاهُ التَّشْرِيكُ فِي الْحُكْمِ، وَحُكْمُ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَحْمُولُ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ إِثْبَاتًا وَقَدْ يَكُونُ نَفْيًا، وَكَانَتْ عِبَارَتُهُ بِذَلِكَ أَجْمَعَ لِلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
وَأَمَّا الْقَيْدُ الثَّالِثُ: فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِلَّا كَانَ حَمْلُ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ فِي حُكْمِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَأَمَّا الْقَيْدُ الرَّابِعُ: فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَدْ يَكُونُ تَارَةً حُكْمًا شَرْعِيًّا، كَمَا لَوْ قَالَ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ الْكَلْبِ: نَجِسٌّ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ يَكُونُ وَصْفًا حَقِيقِيًّا كَمَا لَوْ قَالَ فِي النَّبِيذِ: مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ.
وَأَمَّا الْقَيْدُ الْخَامِسُ فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْجَامِعَ مِنَ الْحُكْمِ أَوِ الصِّفَةِ قَدْ يَكُونُ إِثْبَاتًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمِثَالَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ نَفْيًا:
إِمَّا فِي الْحُكْمِ لَوْ قَالَ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ إِذَا غُسِلَ بِالْخَلِّ: غَيْرُ طَاهِرٍ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ كَمَا لَوْ غَسَلَهُ بِاللَّبَنِ وَالْمَرَقِ.
وَإِمَّا فِي الصِّفَةِ فَكَمَا لَوْ قَالَ فِي الصَّبِيِّ: غَيْرُ عَاقِلٍ فَلَا يُكَلَّفُ كَالْمَجْنُونِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ تَشْكِيكَاتٌ لَا بُدَّ فِي ذِكْرِهَا وَالْإِشَارَةِ إِلَى دَفْعِهَا:
الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْقَوْلَ بِحَمْلِ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمَعْلُومِ إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ إِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ أَوْ شَيْءٌ آخَرُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالْقَوْلُ ثَانِيًا فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا يَكُونُ تَكْرَارًا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ.
стр. 806
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ، كَيْفَ وَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَلَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ مَاهِيَّةَ الْقِيَاسِ تَتِمُّ بِإِثْبَاتِ مِثْلِ حُكْمِ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ لِلْآخَرِ بِأَمْرٍ جَامِعٍ، فَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ زَائِدًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُثْبَتٌ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ مُحَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، فَلَوْ كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ فَرْعًا عَلَى الْقِيَاسِ كَانَ دَوْرًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَمَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ فَقَدْ ثَبَتَتِ الصِّفَةُ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ، كَقَوْلِنَا فِي الْبَارِي تَعَالَى: (عَالِمٌ) فَكَانَ لَهُ عِلْمٌ كَالشَّاهِدِ، فَالْقِيَاسُ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ وَالْعَقْلِيِّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مُنْدَرِجَةً فِي الْحُكْمِ أَوْ لَا تَكُونُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَانَ الْقَوْلُ بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا تَكْرَارًا لِكَوْنِ الصِّفَةِ أَحَدَ أَقْسَامِ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَانَ التَّعْرِيفُ نَاقِصًا.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مَاهِيَّةِ الْقِيَاسِ الْجَامِعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جَامِعٌ لِأَقْسَامِ الْجَامِعِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْقِيَاسِ قَدْ تَنْفَكُّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِهِ بِعَيْنِهِ، وَمَا تَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَاهِيَّةُ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي حَدِّهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ فِي ذِكْرِ مَاهِيَّةِ الْقِيَاسِ ذِكْرُ أَقْسَامِ الْجَامِعِ فَالْحُكْمُ وَالصِّفَةُ الْجَامِعَةُ أَيْضًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْقَسِمٌ إِلَى أَقْسَامٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى، فَكَانَ يَجِبُ اسْتِقْصَاؤُهَا فِي الذِّكْرِ وَإِلَّا كَانَ الْحَدُّ نَاقِصًا وَهُوَ مُحَالٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ كَلِمَةَ (أَوْ) لِلتَّرْدِيدِ وَالشَّكِّ، وَالتَّحْدِيدُ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّعْيِينِ، وَالتَّرْدِيدُ يُنَافِي التَّعْيِينَ.
السَّادِسُ: أَنَّ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ قِيَاسٌ، وَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا الْحَدِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَدِ اعْتَبَرَ فِي حَدِّهِ حُصُولَ الْجَامِعِ، وَمَهْمَا حَصَلَ الْجَامِعُ كَانَ صَحِيحًا، فَالْفَاسِدُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلِ الْجَامِعُ فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ بِأَمْرٍ جَامِعٍ فِي ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلِ الْجَامِعُ فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَمْلِ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمَعْلُومِ إِنَّمَا هُوَ التَّشْرِيكُ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ أَحَدِهِمَا مُطْلَقًا.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ نَفْيِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى ذِكْرِ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ،
стр. 807
وَهِيَ زَائِدَةٌ عَلَى نَفْسِ التَّسْوِيَةِ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ، فَذِكْرُهَا ثَانِيًا لَا يَكُونُ تَكْرَارًا.
وَعَنِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَقْوَى الْإِشْكَالَاتِ الْوَارِدَةِ هَاهُنَا - أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: (حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا) مُشْعِرٌ بِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْقِيَاسِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهُ الدَّوْرُ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى مَا عُلِمَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْأَصْلِ، وَالْفَرْعِ، وَحُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفِ الْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَالْحَكْمُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ فِي ثُبُوتِهِ وَلَا نَفْيِهِ إِلَى مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأُمُورِ ; إِذْ هُوَ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الْفَرْعِ وَلَا عَلَى نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَوَقِّفٌ فِي ثُبُوتِهِ عَلَى الْوَصْفِ الْجَامِعِ، وَهُوَ الْعِلَّةُ حَيْثُ إِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُثْبِتِ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ إِلَّا بِنَاءً عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَادُّ فِي هَذِهِ: (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا) وَالْوَصْفُ الْجَامِعُ رُكْنُ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْقِيَاسِ، فَلَا يَكُونُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَلَا نَفْيُهُ بِالْقِيَاسِ بَلْ بِالْعِلَّةِ، وَلَيْسَتْ هِيَ نَفْسَ الْقِيَاسِ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ وَالْمَنْفِيُّ بِالْقِيَاسِ إِنَّمَا هُوَ حُكْمُ الْفَرْعِ لَا غَيْرَ. (١) وَعَنِ الثَّالِثِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَصَوُّرِ الْقِيَاسِ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (٢) وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمِثَالِ فَقَدْ أَبْطَلْنَا صِحَّةَ الْقِيَاسِ فِيهِ فِي " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ ". الثَّانِي وَإِنْ سَلَّمْنَا تَصَوُّرَ الْقِيَاسِ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي تَحْدِيدِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ فِيهِ شَرْعِيًّا وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَلَا стр. 808
تَكُونُ مُنْدَرِجَةً فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَخُرُوجُ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ عَنِ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ لِلْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِنُقْصَانِهِ وَقُصُورِهِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ أَقْسَامِ الْجَامِعِ مِنَ الْحُكْمِ وَالصِّفَةِ وَتَعْيِينُ كُلِ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِ الْقِيَاسِ فَذِكْرُهُ لَمْ يَكُنْ لِتُوقِفِ مَفْهُومِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ حَتَّى يُقَالَ بِقُصُورِ التَّعْرِيفِ، بَلْ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْكَشْفِ وَالْإِيضَاحِ بِذِكْرِ الْأَقْسَامِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِالْحَدِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِقْصَاءُ بِذِكْرِ بَاقِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ وَالصِّفَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّ التَّحْدِيدَ وَالتَّعْرِيفَ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِنَا: (حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا) وَمَا وَقَعَ فِيهِ التَّرْدِيدُ بِحَرْفِ (أَوْ) فَقَدْ بَانَ التَّحْدِيدُ (١) وَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ وَالْإِيضَاحِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ تَعْرِيفِ الْمَحْدُودِ، كَيْفَ وَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّرْدِيدِ سِوَى بَيَانِ صِحَّةِ انْقِسَامِ الْحُكْمِ وَالْجَامِعِ إِلَى مَا قِيلَ، وَصِحَّةُ الِانْقِسَامِ مِنَ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ الَّتِي لَا تَرْدِيدَ فِيهَا.
وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّ الْمَطْلُوبَ إِنَّمَا هُوَ تَحْدِيدُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الشَّرْعِيِّ، وَالْفَاسِدُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَخُرُوجُهُ عَنِ الْحَدِّ لَا يَكُونُ مُبْطِلًا لَهُ لَكِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ إِشْكَالُ مُشْكِلٍ لَا مَحِيصَ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْقِيَاسِ إِجْمَاعًا وَلَيْسَ هُوَ رُكْنًا فِي الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ نَتِيجَةَ الدَّلِيلِ لَا تَكُونُ رُكْنًا فِي الدَّلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّوْرِ الْمُمْتَنِعِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنْ أَخْذِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَنَفْيِهِ فِي الْفَرْعِ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فِي الْقِيَاسِ وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ، وَقَدْ أَخَذَهُ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ حَيْثُ قَالَ: (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا) إِشَارَةً إِلَى الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ.
وَالْمُخْتَارُ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِوَاءِ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ جَامِعَةٌ مَانِعَةٌ وَافِيَةٌ بِالْغَرَضِ عَرِيَّةٌ عَمَّا يَعْتَرِضُهَا مِنَ التَّشْكِيكَاتِ الْعَارِضَةِ لِغَيْرِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (٢) стр. 809
وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْقِيَاسِ فَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ: الْأَصْلِ، وَالْفَرْعِ، وَحُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفِ الْجَامِعِ.
أَمَّا الْأَصْلُ، فَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَقَوْلِنَا: إِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ رِسَالَةِ الرَّسُولِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَعْرِفَةَ الرَّسُولِ تَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُرْسَلِ. الثَّانِي: مَا عُرِفَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إِلَى غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَذَلِكَ كَمَا تَقُولُهُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ فَإِنَّهُ أَصْلٌ وَإِنْ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَصْلِ فِي الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا قِسْنَا النَّبِيذَ عَلَى الْخَمْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵇: " «حُرِّمَتِ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا» " (١) فِي تَحْرِيمِ الشَّرَابِ هَلِ الْأَصْلُ هُوَ النَّصُّ أَوِ الْخَمْرُ أَوِ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْخَمْرِ؟ وَهُوَ التَّحْرِيمُ مَعَ اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْخَمْرِ وَهِيَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ لَيْسَتْ هِيَ الْأَصْلَ.
فَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْأَصْلُ هُوَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ، وَالْأَصْلُ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ. стр. 810
وَقَالَتِ الْفُقَهَاءُ: الْأَصْلُ إِنَّمَا هُوَ الْخَمْرُ الثَّابِتَةُ حُرْمَتُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا كَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُقْتَبَسًا مِنْهُ وَمَرْدُودًا إِلَيْهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي نَفْسِ الْخَمْرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَصْلُ إِنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْخَمْرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَكَانَ الْعِلْمُ بِهِ مَوْصُلًا إِلَى الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ أَوِ الظَّنِّ، وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي حُكْمِ الْخَمْرِ فَكَانَ هُوَ الْأَصْلَ.
قَالُوا: وَلَيْسَ الْأَصْلُ هُوَ النَّصَّ ; لِأَنَّ النَّصَّ هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ، وَلَوْ تُصُوِّرَ الْعِلْمُ بِالْحُكْمِ فِي الْخَمْرِ دُونَ النَّصِّ كَانَ الْقِيَاسُ مُمْكِنًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّصُّ هُوَ الْأَصْلَ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِاتِّفَاقٍ لَكَانَ قَوْلُ الرَّاوِي هُوَ أَصْلَ الْقِيَاسِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ النَّصِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ.
وَلَيْسَ الْأَصْلُ أَيْضًا هُوَ الْخَمْرَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ الْخَمْرُ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ الْحُرْمَةَ جَارِيَةٌ فِيهِ وَلَا فِي الْفَرْعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عُلِمَ الْحُكْمُ فَكَانَ هُوَ الْأَصْلَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْنَى الْأَصْلِ: مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَالْحُكْمُ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِبِنَاءِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ، وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْخَمْرِ أَصْلًا فَالنَّصُّ الَّذِي بِهِ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ يَكُونُ أَصْلًا لِلْأَصْلِ، وَعَلَى هَذَا: أَيُّ طَرِيقٍ عُرِفَ بِهِ حُكْمُ الْخَمْرِ مِنْ إِجْمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ الْمَوْصُوفِ بِالْحُرْمَةِ فَهُوَ أَيْضًا أَصْلٌ لِلْأَصْلِ فَكَانَ أَصْلًا.
وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ هُوَ الْمَحَلَّ عَلَى مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ لِافْتِقَارِ الْحُكْمِ وَالنَّصِّ إِلَيْهِ ضَرُورَةً مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَإِنَّ الْمَحَلَّ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إِلَى النَّصِّ وَلَا إِلَى الْحُكْمِ.
وَأَمَّا الْفَرْعُ فَهَلْ هُوَ نَفْسُ الْحُكْمِ الْمُتَنَازِعِ فِيهِ أَوْ مَحَلُّهُ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحُكْمُ فِي الْخَمْرِ قَالَ: الْفَرْعُ هُوَ الْحُكْمُ فِي النَّبِيذِ.
وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمَحَلُّ قَالَ: الْفَرْعُ هُوَ الْمَحَلُّ وَهُوَ النَّبِيذُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ هُوَ الْحُكْمَ الْمُتَفَرِّعَ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْمَحَلُّ أَصْلُ الْحُكْمِ الْمُفَرَّعِ عَلَى الْقِيَاسِ، فَتَسْمِيَةُ الْخَمْرِ أَصْلٌ أَوْلَى مِنْ تَسْمِيَةِ النَّبِيذِ فَرْعًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْخَمْرَ أَصْلٌ لِلتَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ بِخِلَافِ النَّبِيذِ فَإِنَّهُ أَصْلٌ لِلْفَرْعِ لَا أَنَّهُ فَرْعٌ لَهُ.
следующие страницы →