Полный текст (1 203 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ، كَيْفَ وَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَلَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ مَاهِيَّةَ الْقِيَاسِ تَتِمُّ بِإِثْبَاتِ مِثْلِ حُكْمِ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ لِلْآخَرِ بِأَمْرٍ جَامِعٍ، فَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ زَائِدًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُثْبَتٌ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ مُحَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، فَلَوْ كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ فَرْعًا عَلَى الْقِيَاسِ كَانَ دَوْرًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَمَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ فَقَدْ ثَبَتَتِ الصِّفَةُ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ، كَقَوْلِنَا فِي الْبَارِي تَعَالَى: (عَالِمٌ) فَكَانَ لَهُ عِلْمٌ كَالشَّاهِدِ، فَالْقِيَاسُ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ وَالْعَقْلِيِّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مُنْدَرِجَةً فِي الْحُكْمِ أَوْ لَا تَكُونُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَانَ الْقَوْلُ بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا تَكْرَارًا لِكَوْنِ الصِّفَةِ أَحَدَ أَقْسَامِ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَانَ التَّعْرِيفُ نَاقِصًا.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مَاهِيَّةِ الْقِيَاسِ الْجَامِعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جَامِعٌ لِأَقْسَامِ الْجَامِعِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْقِيَاسِ قَدْ تَنْفَكُّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِهِ بِعَيْنِهِ، وَمَا تَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَاهِيَّةُ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي حَدِّهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ فِي ذِكْرِ مَاهِيَّةِ الْقِيَاسِ ذِكْرُ أَقْسَامِ الْجَامِعِ فَالْحُكْمُ وَالصِّفَةُ الْجَامِعَةُ أَيْضًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْقَسِمٌ إِلَى أَقْسَامٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى، فَكَانَ يَجِبُ اسْتِقْصَاؤُهَا فِي الذِّكْرِ وَإِلَّا كَانَ الْحَدُّ نَاقِصًا وَهُوَ مُحَالٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ كَلِمَةَ (أَوْ) لِلتَّرْدِيدِ وَالشَّكِّ، وَالتَّحْدِيدُ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّعْيِينِ، وَالتَّرْدِيدُ يُنَافِي التَّعْيِينَ.
السَّادِسُ: أَنَّ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ قِيَاسٌ، وَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا الْحَدِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَدِ اعْتَبَرَ فِي حَدِّهِ حُصُولَ الْجَامِعِ، وَمَهْمَا حَصَلَ الْجَامِعُ كَانَ صَحِيحًا، فَالْفَاسِدُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلِ الْجَامِعُ فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ بِأَمْرٍ جَامِعٍ فِي ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلِ الْجَامِعُ فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَمْلِ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمَعْلُومِ إِنَّمَا هُوَ التَّشْرِيكُ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ أَحَدِهِمَا مُطْلَقًا.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ نَفْيِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى ذِكْرِ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ،
стр. 807
وَهِيَ زَائِدَةٌ عَلَى نَفْسِ التَّسْوِيَةِ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ، فَذِكْرُهَا ثَانِيًا لَا يَكُونُ تَكْرَارًا.
وَعَنِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَقْوَى الْإِشْكَالَاتِ الْوَارِدَةِ هَاهُنَا - أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: (حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا) مُشْعِرٌ بِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْقِيَاسِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهُ الدَّوْرُ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى مَا عُلِمَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْأَصْلِ، وَالْفَرْعِ، وَحُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفِ الْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَالْحَكْمُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ فِي ثُبُوتِهِ وَلَا نَفْيِهِ إِلَى مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأُمُورِ ; إِذْ هُوَ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الْفَرْعِ وَلَا عَلَى نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَوَقِّفٌ فِي ثُبُوتِهِ عَلَى الْوَصْفِ الْجَامِعِ، وَهُوَ الْعِلَّةُ حَيْثُ إِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُثْبِتِ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ إِلَّا بِنَاءً عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَادُّ فِي هَذِهِ: (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا) وَالْوَصْفُ الْجَامِعُ رُكْنُ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْقِيَاسِ، فَلَا يَكُونُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَلَا نَفْيُهُ بِالْقِيَاسِ بَلْ بِالْعِلَّةِ، وَلَيْسَتْ هِيَ نَفْسَ الْقِيَاسِ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ وَالْمَنْفِيُّ بِالْقِيَاسِ إِنَّمَا هُوَ حُكْمُ الْفَرْعِ لَا غَيْرَ. (١) وَعَنِ الثَّالِثِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَصَوُّرِ الْقِيَاسِ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (٢) وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمِثَالِ فَقَدْ أَبْطَلْنَا صِحَّةَ الْقِيَاسِ فِيهِ فِي " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ ". الثَّانِي وَإِنْ سَلَّمْنَا تَصَوُّرَ الْقِيَاسِ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي تَحْدِيدِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ فِيهِ شَرْعِيًّا وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَلَا стр. 808
تَكُونُ مُنْدَرِجَةً فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَخُرُوجُ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ عَنِ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ لِلْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِنُقْصَانِهِ وَقُصُورِهِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ أَقْسَامِ الْجَامِعِ مِنَ الْحُكْمِ وَالصِّفَةِ وَتَعْيِينُ كُلِ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِ الْقِيَاسِ فَذِكْرُهُ لَمْ يَكُنْ لِتُوقِفِ مَفْهُومِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ حَتَّى يُقَالَ بِقُصُورِ التَّعْرِيفِ، بَلْ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْكَشْفِ وَالْإِيضَاحِ بِذِكْرِ الْأَقْسَامِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِالْحَدِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِقْصَاءُ بِذِكْرِ بَاقِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ وَالصِّفَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّ التَّحْدِيدَ وَالتَّعْرِيفَ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِنَا: (حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا) وَمَا وَقَعَ فِيهِ التَّرْدِيدُ بِحَرْفِ (أَوْ) فَقَدْ بَانَ التَّحْدِيدُ (١) وَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ وَالْإِيضَاحِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ تَعْرِيفِ الْمَحْدُودِ، كَيْفَ وَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّرْدِيدِ سِوَى بَيَانِ صِحَّةِ انْقِسَامِ الْحُكْمِ وَالْجَامِعِ إِلَى مَا قِيلَ، وَصِحَّةُ الِانْقِسَامِ مِنَ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ الَّتِي لَا تَرْدِيدَ فِيهَا.
وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّ الْمَطْلُوبَ إِنَّمَا هُوَ تَحْدِيدُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الشَّرْعِيِّ، وَالْفَاسِدُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَخُرُوجُهُ عَنِ الْحَدِّ لَا يَكُونُ مُبْطِلًا لَهُ لَكِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ إِشْكَالُ مُشْكِلٍ لَا مَحِيصَ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْقِيَاسِ إِجْمَاعًا وَلَيْسَ هُوَ رُكْنًا فِي الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ نَتِيجَةَ الدَّلِيلِ لَا تَكُونُ رُكْنًا فِي الدَّلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّوْرِ الْمُمْتَنِعِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنْ أَخْذِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَنَفْيِهِ فِي الْفَرْعِ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فِي الْقِيَاسِ وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ، وَقَدْ أَخَذَهُ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ حَيْثُ قَالَ: (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا) إِشَارَةً إِلَى الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ.
وَالْمُخْتَارُ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِوَاءِ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ جَامِعَةٌ مَانِعَةٌ وَافِيَةٌ بِالْغَرَضِ عَرِيَّةٌ عَمَّا يَعْتَرِضُهَا مِنَ التَّشْكِيكَاتِ الْعَارِضَةِ لِغَيْرِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (٢) стр. 809
وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْقِيَاسِ فَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ: الْأَصْلِ، وَالْفَرْعِ، وَحُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفِ الْجَامِعِ.
أَمَّا الْأَصْلُ، فَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَقَوْلِنَا: إِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ رِسَالَةِ الرَّسُولِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَعْرِفَةَ الرَّسُولِ تَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُرْسَلِ. الثَّانِي: مَا عُرِفَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إِلَى غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَذَلِكَ كَمَا تَقُولُهُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ فَإِنَّهُ أَصْلٌ وَإِنْ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَصْلِ فِي الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا قِسْنَا النَّبِيذَ عَلَى الْخَمْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵇: " «حُرِّمَتِ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا» " (١) فِي تَحْرِيمِ الشَّرَابِ هَلِ الْأَصْلُ هُوَ النَّصُّ أَوِ الْخَمْرُ أَوِ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْخَمْرِ؟ وَهُوَ التَّحْرِيمُ مَعَ اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْخَمْرِ وَهِيَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ لَيْسَتْ هِيَ الْأَصْلَ.
فَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْأَصْلُ هُوَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ، وَالْأَصْلُ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ. стр. 810
وَقَالَتِ الْفُقَهَاءُ: الْأَصْلُ إِنَّمَا هُوَ الْخَمْرُ الثَّابِتَةُ حُرْمَتُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا كَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُقْتَبَسًا مِنْهُ وَمَرْدُودًا إِلَيْهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي نَفْسِ الْخَمْرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَصْلُ إِنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْخَمْرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَكَانَ الْعِلْمُ بِهِ مَوْصُلًا إِلَى الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ أَوِ الظَّنِّ، وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي حُكْمِ الْخَمْرِ فَكَانَ هُوَ الْأَصْلَ.
قَالُوا: وَلَيْسَ الْأَصْلُ هُوَ النَّصَّ ; لِأَنَّ النَّصَّ هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ، وَلَوْ تُصُوِّرَ الْعِلْمُ بِالْحُكْمِ فِي الْخَمْرِ دُونَ النَّصِّ كَانَ الْقِيَاسُ مُمْكِنًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّصُّ هُوَ الْأَصْلَ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِاتِّفَاقٍ لَكَانَ قَوْلُ الرَّاوِي هُوَ أَصْلَ الْقِيَاسِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ النَّصِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ.
وَلَيْسَ الْأَصْلُ أَيْضًا هُوَ الْخَمْرَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ الْخَمْرُ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ الْحُرْمَةَ جَارِيَةٌ فِيهِ وَلَا فِي الْفَرْعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عُلِمَ الْحُكْمُ فَكَانَ هُوَ الْأَصْلَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْنَى الْأَصْلِ: مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَالْحُكْمُ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِبِنَاءِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ، وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْخَمْرِ أَصْلًا فَالنَّصُّ الَّذِي بِهِ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ يَكُونُ أَصْلًا لِلْأَصْلِ، وَعَلَى هَذَا: أَيُّ طَرِيقٍ عُرِفَ بِهِ حُكْمُ الْخَمْرِ مِنْ إِجْمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ الْمَوْصُوفِ بِالْحُرْمَةِ فَهُوَ أَيْضًا أَصْلٌ لِلْأَصْلِ فَكَانَ أَصْلًا.
وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ هُوَ الْمَحَلَّ عَلَى مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ لِافْتِقَارِ الْحُكْمِ وَالنَّصِّ إِلَيْهِ ضَرُورَةً مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَإِنَّ الْمَحَلَّ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إِلَى النَّصِّ وَلَا إِلَى الْحُكْمِ.
وَأَمَّا الْفَرْعُ فَهَلْ هُوَ نَفْسُ الْحُكْمِ الْمُتَنَازِعِ فِيهِ أَوْ مَحَلُّهُ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحُكْمُ فِي الْخَمْرِ قَالَ: الْفَرْعُ هُوَ الْحُكْمُ فِي النَّبِيذِ.
وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمَحَلُّ قَالَ: الْفَرْعُ هُوَ الْمَحَلُّ وَهُوَ النَّبِيذُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ هُوَ الْحُكْمَ الْمُتَفَرِّعَ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْمَحَلُّ أَصْلُ الْحُكْمِ الْمُفَرَّعِ عَلَى الْقِيَاسِ، فَتَسْمِيَةُ الْخَمْرِ أَصْلٌ أَوْلَى مِنْ تَسْمِيَةِ النَّبِيذِ فَرْعًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْخَمْرَ أَصْلٌ لِلتَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ بِخِلَافِ النَّبِيذِ فَإِنَّهُ أَصْلٌ لِلْفَرْعِ لَا أَنَّهُ فَرْعٌ لَهُ.
стр. 811
وَأَمَّا الْوَصْفُ الْجَامِعُ فَهُوَ فَرْعٌ فِي الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ مُسْتَنْبَطًا مِنْ مَحَلِّ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَهُوَ تَبَعٌ لِلنَّصِّ وَالْحُكْمِ وَمَحَلِّهِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ لِكَوْنِ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فِي النَّبِيذِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، وَتَسْمِيَةُ الْوَصْفِ الْجَامِعِ فِي الْفَرْعِ أَصْلًا أَوْلَى مِنْ تَسْمِيَةِ النَّصِّ فِي الْخَمْرِ وَالتَّحْرِيمِ وَمَحَلِّهِ أَصْلًا لِلِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي شَرَائِطِ الْقِيَاسِ]
[مقدمة أن للقياس أركانا لا يتم دونها]
وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْقِيَاسِ وَأَرْكَانِهِ فَلْنَشْرَعْ فِي بَيَانِ أَبْوَابِهِ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي شَرَائِطِ الْقِيَاسِ
وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأَقْسَامٍ:
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى مَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ يَسْتَدْعِي أَرْكَانًا لَا يَتِمُّ دُونَهَا، وَثَمَرَةً، هِيَ نَتِيجَتُهُ:
فَأَمَّا الْأَرْكَانُ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
الْفَرْعُ الْمُسَمَّى بِصُورَةِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهِيَ الْوَاقِعَةُ الْمُتَنَازَعِ فِي حُكْمِهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
وَالْأَصْلُ: وَهُوَ الْوَاقِعَةُ الَّتِي يُقْصَدُ تَعْدِيَةُ حُكْمِهَا إِلَى الْفَرْعِ.
وَالْحُكْمُ: الشَّرْعِيُّ الْخَاصُّ بِالْأَصْلِ.
وَالْعِلَّةُ: الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
وَأَمَّا ثَمَرَتُهُ: فَحُكْمُ الْفَرْعِ فَإِنَّهُ إِذَا تَمَّ الْقِيَاسُ أَنْتَجَ حُكْمَ الْفَرْعِ، وَلَيْسَ حُكْمُ الْفَرْعِ مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ ; إِذِ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ، فَلَوْ كَانَ رُكْنًا مِنْهُ لَتَوَقَّفَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَعَلَى هَذَا فَشُرُوطُ الْقِيَاسِ لَا تَخْرُجُ عَنْ شُرُوطِ هَذِهِ الْأَرْكَانِ، فَمِنْهَا مَا يَعُودُ إِلَى الْأَصْلِ، وَمِنْهَا مَا يَعُودُ إِلَى الْفَرْعِ. وَمَا يَعُودُ إِلَى الْأَصْلِ: فَمِنْهَا مَا يَعُودُ إِلَى حُكْمِهِ، وَمِنْهَا مَا يَعُودُ إِلَى عِلَّتِهِ. فَلْنَرْسُمْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِسْمًا (١) стр. 812
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي شَرَائِطِ حُكْمِ الْأَصْلِ]
ِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ.
الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ إِنَّمَا هُوَ تَعْرِيفُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي الْفَرْعِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ شَرْعِيًّا بِأَنْ كَانَ قَضِيَّةً لُغَوِيَّةً أَوْ عَقْلِيَّةً، فَالْحُكْمُ الْمُتَعَدِّي إِلَى الْفَرْعِ لَا يَكُونُ شَرْعِيًّا فَلَا يَكُونُ الْغَرَضُ مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ حَاصِلًا، كَيْفَ وَإِنَّهُ إِذَا كَانَ قَضِيَّةً لُغَوِيَّةً فَقَدْ بَيَّنَّا امْتِنَاعَ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِيهِ فِي اللُّغَاتِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: يَكُونُ ثَابِتًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ، حَتَّى يُمْكِنَ بِنَاءُ الْفَرْعِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ نَاظِرٌ وَلَا مُنَاظِرٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَعَدَّى الْحُكْمُ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِنَاءً عَلَى الْوَصْفِ الْجَامِعِ، وَذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى وَصْفِهِ فِي الشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ ثُبُوتِهِ شَرْعِيًّا ; لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ دَلِيلُهُ شَرْعِيًّا لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَلَّا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مُتَفَرِّعًا عَنْ أَصْلٍ آخَرَ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَالْكَرْخِيُّ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ (١) وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرْعِهِ، أَوْ هِيَ غَيْرُهَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ: فَالْأَصْلُ الَّذِي بِهِ الشَّهَادَةُ بِالِاعْتِبَارِ إِنَّمَا هُوَ الْأَصْلُ الْأَخِيرُ لَا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ، فَلْيَقَعِ الرَّدُّ إِلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ تَطْوِيلٌ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ; وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ стр. 813
الشَّافِعِيُّ مَثَلًا فِي السَّفَرْجَلِ مَطْعُومٌ، فَجَرَى فِيهِ الرِّبَا قِيَاسًا عَلَى التُّفَّاحِ، ثُمَّ قَاسَ التُّفَّاحَ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا عَلَى الْبُرِّ بِوَاسِطَةِ الطَّعْمِ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الْقِيَاسَيْنِ مُخْتَلِفَةً، فَلَا تَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الَّتِي عُدِّيَ بِهَا الْحُكْمُ مِنَ الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ حُكْمُهُ إِلَى فَرْعِهِ - مُؤَثِّرَةً، أَيْ: ثَابِتَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ مُسْتَنْبَطَةً مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَقَدْ أَمْكَنَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ بِالْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ حُكْمُهُ، وَقِيَاسِهِ عَلَى الْأَصْلِ الْأَخِيرِ - حَاجَةٌ، بَلْ هُوَ تَطْوِيلٌ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ فَسْخِ النِّكَاحِ بِالْجُذَامِ: عَيْبٌ يَثْبُتُ بِهِ الْفَسْخُ فِي الْبَيْعِ فَيَثْبُتُ بِهِ الْفَسْخُ فِي النِّكَاحِ، قِيَاسًا عَلَى الرَّتْقِ وَالْقَرْنِ ثُمَّ قَاسَ الرَّتْقَ وَالْقَرْنَ عِنْدَ تَوَجُّهِ مَنْعِهِ عَلَى الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ بِوَاسِطَةِ فَوَاتِ غَرَضِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ أَوَّلًا إِنَّمَا يَثْبُتُ بِمَا ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ أَصْلِهِ، فَإِذَا كَانَ حُكْمُ أَصْلِهِ ثَابِتًا بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ مَا اسْتُنْبِطَتْ مِنَ الْأَصْلِ الْآخَرِ، فَيُمْتَنَعُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ غَيْرَهَا لَمْ يَثْبُتِ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ لَهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ مَعَهُ ثَابِتٌ بِغَيْرِهِ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ مَعَ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ كَانَ ذَلِكَ إِثْبَاتًا لِلْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمُرْسَلِ الْخَلِيِّ عَنِ الِاعْتِبَارِ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
وَعَلَى هَذَا فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ مُمْتَنِعًا كَمَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ (١) ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ هَاهُنَا حَيْثُ إِنَّا قَطَعْنَا بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ مِنَ الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ مِمَّا لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا الشَّارِعُ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي أَصْلِهَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى ثُبُوتِهِ بِغَيْرِهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْعِلَلِ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ يُمْكِنُ الظَّنُّ بِاعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهَا مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ عَلَى وِفْقِهَا.
هَذَا كُلُّهُ إِنْ كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَقُولًا بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَدِلِّ مَمْنُوعًا مِنْ جِهَةِ الْمُعْتَرِضِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَقُولًا بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتَرِضِ مَمْنُوعًا مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَدِلِّ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ عِنْدَمَا إِذَا نَوَى النَّفْلَ أَتَى بِمَا أَمَرَ بِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ كَمَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَنَوَى النَّفْلَ، فَإِنَّ الْحُكْمَ стр. 814
فِي الْأَصْلِ مِمَّا لَا يَقُولُ بِهِ الْحَنَفِيُّ بَلِ الشَّافِعِيُّ، فَلَا يَصِحُّ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ بِنَاءُ الْفَرْعِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ لِمَأْخَذِ مَنْ هُوَ مُنْتَمٍ إِلَيْهِ أَوْ فِي مَعْرِضِ الْإِلْزَامِ لِلْخَصْمِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْرَفُ كَوْنُ الْوَصْفِ الْجَامِعِ مَأْخَذًا لِإِمَامِهِ؛ بِإِثْبَاتِهِ لِلْحُكْمِ عَلَى وِفْقِهِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي لَا يَقُولُ بِهِ إِمَامُهُ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا هُوَ عِنْدَكَ عِلَّةُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَيَلْزَمُكَ الِاعْتِرَافُ بِحُكْمِهِ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْمَعْنَى وَانْتِقَاضُهُ لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، وَيَلْزَمُ مِنْ إِبْطَالِ التَّعْلِيلِ بِهِ امْتِنَاعُ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ فِي الْأَصْلِ، فَهُوَ أَيْضًا مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ: الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي ثَابِتًا بِنَاءً عَلَى هَذَا الْوَصْفِ بَلْ بِنَاءً عَلَى غَيْرِهِ، وَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِيهِ لِكَوْنِهِ عَدْلًا، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ الصِّدْقُ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَأْخَذِ مَذْهَبِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ غَيْرَ أَنَّ حَاصِلَ الْإِلْزَامِ يَرْجِعُ إِلَى إِلْزَامِ الْمُعْتَرِضِ بِالتَّخْطِئَةِ فِي الْفَرْعِ بِإِثْبَاتِ خِلَافِ حُكْمِهِ، ضَرُورَةَ تَصْوِيبِهِ فِي اعْتِقَادِ كَوْنِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ ; إِذْ لَيْسَ تَخْطِئَتُهُ فِي الْفَرْعِ ضَرُورَةَ تَصْوِيبِهِ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ - أَوْلَى مِنْ تَخْطِئَتِهِ فِي تَعْلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، وَتَصْوِيبِهِ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَلَّا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، وَالْمَعْدُولُ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ عَلَى قِسْمَيْنِ:
الْأَوَّلُ: مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: إِمَّا مُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ أَوْ مُبْتَدَأٌ بِهِ، فَالْأَوَّلُ كَقَبُولِ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى - مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةِ الشَّهَادَةِ.
وَالثَّانِي: كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَتَقْدِيرِ نُصُبِ الزَّكَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ
стр. 815
وَالْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى غَيْرَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةٍ سَابِقَةٍ عَامَّةٍ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ يَمْتَنِعُ فِيهِ الْقِيَاسُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا شُرِعَ ابْتِدَاءً وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ لِعَدَمِ النَّظِيرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى كَرُخَصِ السَّفَرِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِعِلَّةِ دَفْعِ الْمَشَقَّةِ، أَوْ هُوَ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، كَالْيَمِينِ فِي الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَنَحْوِهِ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: إِذَا كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْإِنْفَاقِ:
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ لَا غَيْرَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَكْفِي ذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فَقَطْ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ وَسَمَّوْهُ قِيَاسًا مُرَكَّبًا.
وَقَبْلَ النَّظَرِ فِي مَأْخَذِ الْحِجَاجِ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي مَعْنَى الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ وَأَقْسَامِهِ.
أَمَّا الْقِيَاسُ الْمُرَكَّبُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَلَا مُجَمَّعٍ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمَّةِ (١) وَهُوَ قِسْمَانِ:
الْأَوَّلُ مُرَكَّبُ الْأَصْلِ، وَالثَّانِي مُرَكَّبُ الْوَصْفِ.
أَمَّا التَّرْكِيبُ فِي الْأَصْلِ: فَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَيَجْمَعَ بِهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرْعِهِ فَيُعَيِّنُ الْمُعْتَرِضُ فِيهِ عِلَّةً أُخْرَى وَيَقُولُ: الْحُكْمُ عِنْدِي ثَابِتٌ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ مَثَلًا: عَبْدٌ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ كَالْمُكَاتَبِ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَلَا مُجْمَعٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ ; لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى قَاتِلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَقُولَ: الْعِلَّةُ فِي الْمُكَاتَبِ (٢) الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الْمَانِعَةُ مِنْ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِيهِ عِنْدِي إِنَّمَا هُوَ جَهَالَةُ (٣) الْمُسْتَحِقِّ مِنَ السَّيِّدِ أَوِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ سَلَّمَ ذَلِكَ امْتَنَعَتِ التَّعْدِيَةُ إِلَى الْفَرْعِ لِخُلُوِّ الْفَرْعِ عَنِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ أَبْطَلَ التَّعْلِيلَ بِهَا فَأَنَا أَمْنَعُ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا ثَبَتَ عِنْدِي بِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَهِيَ مَدْرَكُ إِثْبَاتِهِ وَلَا مَحْذُورَ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ стр. 816
لِانْتِفَاءِ مَدْرَكِهِ ; إِذْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُخَالَفَةُ نَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالْقِيَاسُ يَكُونُ مُمْتَنِعًا إِمَّا لِمَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَإِمَّا لِعَدَمِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ.
قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ قِيَاسًا مُرَكَّبًا ; لِاخْتِلَافِ الْخَصْمَيْنِ فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ وَلَيْسَ بِحَقٍّ، وَإِلَّا كَانَ كُلُّ قِيَاسٍ اخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ أَصْلِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْصُوصًا أَوْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ مُرَكَّبًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْخَصْمَيْنِ فِي تَرْكِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ يَزْعُمُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ وَهِيَ فَرْعٌ لَهُ، وَالْمُعْتَرِضُ يَزْعُمُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ فَرْعٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَهِيَ الْمُثْبِتَةُ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِهِ سِوَاهَا، وَأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْهُ وَلَا هِيَ فَرْعٌ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ عِنْدَ إِبْطَالِهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُرَكَّبَ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ نَظِيرٌ فِي عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ. (١) وَأَمَّا مُرَكَّبُ الْوَصْفِ فَهُوَ مَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ فِي وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ، هَلْ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَصْلِ أَوْ لَا؟
وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ: تَعْلِيقٌ، فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ النِّكَاحِ كَمَا لَوْ قَالَ: زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ التَّعْلِيقِ فِي الْأَصْلِ بَلْ هُوَ تَنْجِيزٌ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ فَأَنَا أَمْنَعُ الْحُكْمَ وَأَقُولُ بِصِحَّتِهِ كَمَا فِي الْفَرْعِ، وَلَا يَلْزَمُنِي مِنَ الْمَنْعِ مَحْذُورٌ لِعَدَمِ النَّصِّ عَلَيْهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُرَكَّبَ الْوَصْفِ لِأَنَّهُ خِلَافٌ فِي تَعْيِينِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ.
وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى بَيَانِ مَعْنَى الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ وَأَقْسَامِهِ.
فَنَقُولُ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّاظِرِ الْمُجْتَهِدِ أَوِ الْمُنَاظِرِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مُدْرَكٌ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ سِوَى النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَالْقِيَاسُ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِحَّةُ الْقِيَاسِ فَلَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ فِيمَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، وَإِنْ стр. 817
لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْرَكٌ سِوَى النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَالْقِيَاسُ مُتَعَذِّرٌ لِتَعَذُّرِ إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَالْمُخْتَارُ بَعْدَ إِبْطَالِ مَا يُعَارِضُ بِهِ الْخَصْمُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّرْكِيبِ، وَتَحْقِيقِ وُجُودِ مَا يَدَّعِيهِ فِي الْأَصْلِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْهُ - إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ الْخَصْمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا.
فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا وَظَهَرَ فِي نَظَرِهِ إِبْطَالُ الْمَدْرَكِ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْأَصْلِ، فَلَهُ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْقِيَاسُ لَا يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَصْمِ.
وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَتَخْطِئَةُ إِمَامِهِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى عَجْزِهِ هُوَ عَنْ تَمْشِيَةِ الْكَلَامِ مَعَ الْمُسْتَدِلِّ، وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونُ مَا عَيَّنَهُ الْمُعْتَرِضُ هُوَ الْمَأْخَذَ فِي نَظَرِ إِمَامِهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَأْخَذَ فِي نَظَرِ إِمَامِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَجْزِ الْمُقَلِّدِ عَنْ تَقْرِيرِهِ عَجْزُ إِمَامِهِ عَنْهُ لِكَوْنِهِ أَكْمَلَ حَالًا مِنْهُ وَأَعْرَفَ بِوَجْهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَتَقْرِيرِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَخْطِئَةِ إِمَامِ الْمُعْتَرِضِ إِمَّا فِي حُكْمِ الْأَصْلِ أَوِ الْفَرْعِ، فَلَيْسَ لِلْخَصْمِ تَخْطِئَةُ إِمَامِهِ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ، وَلَيْسَ بِحَقٍّ فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْخَصْمِ تَخْطِئَةُ إِمَامِهِ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ تَخْطِئَةُ إِمَامِ الْمُعْتَرِضِ فِي الْفَرْعِ دُونَ الْأَصْلِ، وَلَا أَوْلَوِيَّةَ.
فَإِنْ قِيلَ: بَلْ تَخْطِئَتُهُ فِي الْفَرْعِ أَوْلَى لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ بَيْنَ إِمَامِ الْمُسْتَدِلِّ وَإِمَامِ الْمُعْتَرِضِ بِخِلَافِ حُكْمِ الْأَصْلِ فَيُقَالُ: كَمَا أَنَّ الْخِلَافَ وَاقِعٌ فِي الْفَرْعِ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ فَالْخِلَافُ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا وَاقِعٌ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ ; إِذْ هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مُوَافَقَةُ إِمَامِ الْمُسْتَدِلِّ فِي الْفَرْعِ أَوْلَى مِنْ مُوَافَقَةِ الْمُخَالِفِ فِي الْأَصْلِ.
الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونُ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ دَالًّا عَلَى إِثْبَاتِ حُكْمِ الْفَرْعِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ جَعْلُ أَحَدِهِمَا أَصْلًا لِلْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
الشَّرْطُ الثَّامِنُ: اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي اشْتِرَاطِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى تَعْلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ - أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا خَاصًّا بِذَلِكَ الْأَصْلِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ فَهُوَ بَاطِلٌ.
стр. 818
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ بِجِهَةِ الْعُمُومِ وَالشُّمُولِ فَهُوَ حَقٌّ، وَذَلِكَ لِأَنَّا سَنُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ أَمْكَنَ تَعْلِيلُ حُكْمِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْلِيلُهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَدْرَكَ كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً إِنَّمَا هُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا يَأْتِي. (١) وَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ تَتَبُّعِ أَحْوَالِهِمْ فِي مَجَارِي اجْتِهَادَاتِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقِيسُونَ الْفَرْعَ عَلَى الْأَصْلِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يُظَنُّ كَوْنُهُ عِلَّةً لِحُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْأَصْلِ، فَظَنِّ وُجُودِهِ فِي الْفَرْعِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى وُجُوبِ تَعْلِيلِ حُكْمِ ذَلِكَ الْأَصْلِ وَجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ عُمَرُ لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: (اعْرِفِ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ ثُمَّ قِسِ الْأُمُورَ بِرَأْيِكَ) (٢) وَلَمْ يُفَصِّلْ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) حَتَّى قَاسَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الطَّلَاقِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى الظِّهَارِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْيَمِينِ، وَلَمْ يُنْقَلْ نَصٌّ خَاصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ وَلَا عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِهَا. стр. 819
[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ]
وَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى جَوَازِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْأَوْصَافِ الظَّاهِرَةِ الْجَلِيَّةِ الْعَرِيَّةِ عَنِ الِاضْطِرَابِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْوَصْفُ مَعْقُولًا كَالرِّضَا وَالسُّخْطِ، أَمْ مُحَسًّا كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ، أَمْ عُرْفِيًّا كَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَوْجُودًا فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ كَمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، أَمْ مُلَازِمًا لَهُ غَيْرَ مَوْجُودٍ فِيهِ كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ لِعِلَّةِ رِقِّ الْوَلَدِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطٍ، فَلْنَفْرِضْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَسْأَلَةً.
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى شَرْطَ عِلَّةِ الْأَصْلِ]
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ شَرْطَ عِلَّةِ الْأَصْلِ (١) أَلَّا يَكُونَ مَحَلَّ حُكْمِ الْأَصْلِ وَلَا جُزْءً مِنْ مَحَلِّهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِهِ، وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ وَهُوَ امْتِنَاعُ ذَلِكَ فِي الْمَحَلِّ دُونَ الْجُزْءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ وَاقِعٌ فِي عِلَّةِ أَصْلِ الْقِيَاسِ، فَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ هِيَ مَحَلَّ حُكْمِ الْأَصْلِ بِخُصُوصِهِ لَكَانَتِ الْعِلَّةُ قَاصِرَةً لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ مَحَلِّ حُكْمِ الْأَصْلِ بِخُصُوصِهِ مُتَحَقِّقًا فِي الْفَرْعِ، وَإِلَّا كَانَ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ مُتَّحِدًا وَهُوَ مُحَالٌ.
نَعَمْ، إِنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنْ عِلَّةُ حُكْمِ الْأَصْلِ مُتَعَدِّيَةً ; لِأَنَّهُ لَا يُعَدَّ فِي اسْتِلْزَامِ مَحَلِّ الْحُكْمِ لِحِكْمَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ كَاسْتِلْزَامِ الْأَوْصَافِ الْعَامَّةِ لِمَحَلِّ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
وَأَمَّا الْجُزْءُ فَلَا يَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ بِهِ لِاحْتِمَالِ عُمُومِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. стр. 820
[الْمَسْأَلَةُ الثانية كَوْنِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ الْمُجَرَّدَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ كَوْنِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ (١) ، أَيْ مُشْتَمِلَةً عَلَى حِكْمَةٍ صَالِحَةٍ أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ وَصْفًا طَرْدِيًّا لَا حِكْمَةَ فِيهِ بَلْ أَمَارَةً مُجَرَّدَةً فَالتَّعْلِيلُ بِهَا فِي الْأَصْلِ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْأَمَارَةِ سِوَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَعْرُوفٌ بِالْخِطَابِ لَا بِالْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهُ.
الثَّانِي: أَنَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ وَمُتَفَرِّعَةٌ عَنْهُ، فَلَوْ كَانَتْ مُعَرِّفَةً لِحُكْمِ الْأَصْلِ لَكَانَ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهَا وَمُتَفَرِّعًا عَنْهَا، وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ.
[الْمَسْأَلَةُ الثالثة الْحُكْمِ بِالْحِكْمَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الضَّابِطِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى امْتِنَاعِ الْحُكْمِ بِالْحِكْمَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الضَّابِطِ (٢) وَجَوَّزَهُ الْأَقَلُّونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْحِكْمَةِ الظَّاهِرَةِ الْمُنْضَبَةِ بِنَفْسِهَا وَالْحِكْمَةِ الْخَفِيَّةِ الْمُضْطَرِبَةِ، فَجَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِالْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ. стр. 821
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْحِكْمَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً غَيْرَ مُضْطَرِبَةٍ فَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا اقْتَرَنَ بِوَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى حِكْمَةٍ غَيْرِ مُنْضَبِطَةٍ بِنَفْسِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَقْصُودَ مَنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، بَلْ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِكْمَةِ الْخَفِيَّةِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحِكْمَةُ وَهِيَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ مُسَاوِيَةً لِلْوَصْفِ فِي الظُّهُورِ وَالِانْضِبَاطِ كَانَتْ أَوْلَى بِالتَّعْلِيلِ بِهَا.
وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْحِكْمَةُ خَفِيَّةً مُضْطَرِبَةً غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ فَيَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ بِهَا لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ خَفِيَّةً مُضْطَرِبَةً مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ مَا هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ مِنْهَا وَالْوُقُوفُ عَلَيْهِ إِلَّا بِعُسْرٍ وَحَرَجٍ، وَدَأْبُ الشَّارِعِ فِيمَا هَذَا شَأْنُهُ عَلَى مَا أَلِفْنَاهُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ رَدُّ النَّاسِ فِيهِ إِلَى الْمَظَانِّ الظَّاهِرَةِ الْجَلِيَّةِ دَفْعًا لِلْعُسْرِ عَنِ النَّاسِ وَالتَّخَبُّطِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلِهَذَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا قَضَى بِالتَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ الْمَضْبُوطَةِ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ إِلَى مَقْصِدٍ مُعَيَّنٍ، وَلَمْ يُعَلِّقْهَا بِنَفْسِ الْمَشَقَّةِ لَمَّا كَانَتْ مِمَّا يَضْطَرِبُ وَيَخْتَلِفُ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخَّصْ لِلْحَمَّالِ الْمَشْقُوقِ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ مَشَقَّتَهُ تَزِيدُ عَلَى مَشَقَّةِ الْمُسَافِرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَرْسَخًا، وَإِنْ كَانَ فِي غَايَةِ الرَّفَاهِيَةِ وَالدَّعَةِ؛ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ وَيَضْطَرِبُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّةِ تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ بِالْأَوْصَافِ الظَّاهِرَةِ الْمُنْضَبِطَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى احْتِمَالِ الْحُكْمِ، كَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِحِكْمَةِ الزَّجْرِ أَوِ الْجَبْرِ، وَتَعْلِيلِ صِحَّةِ الْبَيْعِ بِالتَّصَرُّفِ الصَّادِرِ مِنَ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ لِحِكْمَةِ الِانْتِفَاعِ، وَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَإِيجَابِ الْحَدِّ بِهِ لِحِكْمَةِ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ النَّاشِئَةِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ كَانَ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ الْخَفِيَّةِ مِمَّا يَصِحُّ لَمَ احْتِيجَ إِلَى التَّعْلِيلِ بِضَوَابِطَ هَذِهِ الْحِكَمِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْحَرَجِ بِالْبَحْثِ عَنِ الْحِكْمَةِ وَعَنْ ضَابِطِهَا مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ بِأَحَدِهِمَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْحِكْمَةِ الْمُجَرَّدَةِ إِذَا كَانَتْ خَفِيَّةً مُضْطَرِبَةً مِمَّا يُفْضِي إِلَى الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ بِالْبَحْثِ عَنْهَا وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا، وَالْحَرَجُ مَنْفِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ
стр. 822
الظَّاهِرِ الْمُنْضَبِطِ؛ لِكَوْنِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ أَدْنَى، فَبَقِينَا عَامِلِينَ بِعُمُومِ النَّصِّ فِيمَا عَدَاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ الظَّاهِرَةِ الْمُنْضَبِطَةِ فَهُوَ فَرْعُ إِمْكَانِ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فِي الْحِكْمَةِ فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْحَاجَاتِ إِلَى الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ، وَالْحَاجَاتُ مِمَّا تَخْفَى وَتَزِيدُ وَتَنْقُصُ فَلَا تَكُونُ ظَاهِرَةً وَلَا مُنْضَبِطَةً، وَإِنْ سَلَّمْنَا إِمْكَانَ ذَلِكَ نَادِرًا.
غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّوَسُّلِ إِلَى مَعْرِفَتِهَا فِي آحَادِ الصُّوَرِ لِتَعْيِينِ الْقَلِيلِ مِنْهَا نَوْعُ عُسْرٍ وَحَرِجٍ لَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي التَّوَسُّلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الضَّوَابِطِ الْجَلِيَّةِ وَالْمَظَانِّ الظَّاهِرَةِ الْمُنْضَبِطَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى احْتِمَالِ الْحُكْمِ فِي الْغَالِبِ، وَذَلِكَ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي امْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ الْخَفِيَّةِ.
أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَالْبَحْثُ عَنِ الْحِكْمَةِ الْخَفِيَّةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ حَرِجٍ وَمَشَقَّةٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الظَّاهِرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا ضَرُورَةَ أَنَّهَا عِلَّةٌ لِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَلَوْلَا اشْتِمَالُ الْوَصْفِ عَلَيْهَا لَمَا كَانَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا فِي جَعْلِ الْوَصْفِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ وَقَدْ جُعِلَتْ عِلَّةً لِلْعِلَّةِ أَمْكَنَ أَنْ تُجْعَلَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى ضَابِطِهَا، وَحَيْثُ لَمْ نَقْضِ بِالتَّرَخُّصِ فِي حَقِّ الْحَمَّالِ فِي الْحَضَرِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْهُ، فَغَايَتُهُ امْتِنَاعُ تَعْلِيلِ الرُّخْصَةِ بِمُطْلَقِ الْمَشَقَّةِ بَلْ بِالْمَشَقَّةِ الْخَاصَّةِ بِالسَّفَرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَغَايَةُ مَا فِيهِ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِالضَّابِطِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحِكْمَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ، قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ أَسْهَلُ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْحِكْمَةِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فَهُوَ أَنَّ الْحَرَجَ اللَّازِمَ عَنِ الْبَحْثِ عَنِ الْحِكْمَةِ الْخَفِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ شَاقًّا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْبَحْثِ عَنْهَا عِنْدَ التَّعْلِيلِ بِضَابِطِهَا، بَلِ الْمَشَقَّةُ فِي تَعَرُّفِهَا مَعَ تَعَرُّفِ ضَابِطِهَا أَشَقُّ مِنْ تَعَرُّفِهَا دُونَ ضَابِطِهَا، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى مُخَالَفَةِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ عِنْدَ التَّعْلِيلِ بِالضَّابِطِ، وَكَانَتْ مُخَالَفَتُهُ عِنْدَ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ لَا غَيْرَ - أَقَلَّ مَشَقَّةً وَحَرَجًا، فَكَانَ أَوْلَى بِالْمُخَالَفَةِ.
стр. 823
وَالْجَوَابُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْحِكْمَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً بِنَفْسِهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ.
قَوْلُهُمْ: " إِنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا وَالْبَحْثَ عَنْهَا أَشَقُّ مِنَ الْبَحْثِ عَنِ الضَّابِطِ " لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً كَالْوَصْفِ فَلَا تَفَاوُتَ.
وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي (١) : أَنَّ الْبَحْثَ عَنِ الْحِكْمَةِ عِنْدَ تَجَرُّدِهَا عَنِ الضَّابِطِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مَعْرِفَةِ كَمِّيَّتِهَا وَخُصُوصِيَّتِهَا حَتَّى نَأْمَنَ مِنَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِيهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الْحِكْمَةِ الْخَفِيَّةِ الْمُضْطَرِبَةِ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةِ احْتِمَالِهَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ مَضْبُوطَةً بِضَابِطٍ نَكْتَفِي بِمَعْرِفَةِ الضَّابِطِ، وَمَعْرِفَةِ أَصْلِ احْتِمَالِ الْحِكْمَةِ لَا غَيْرَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ، وَمَا ذَكَرُوهُ عَلَيْهِ فَهُوَ اعْتِرَافٌ بِامْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِمُجَرَّدِ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ لَمَا احْتِيجَ إِلَى التَّعْلِيلِ بِالضَّابِطِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِ أَسْهَلُ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى الْحِكْمَةِ بِمُجَرَّدِهَا.
قُلْنَا: فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِلَى زَمَانِ إِمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْحِكْمَةِ مَعَ إِمْكَانِ إِثْبَاتِهِ بِالضَّابِطِ فِي أَقْرَبِ زَمَانٍ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ التَّسَاوِيَ فِي الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْحِكْمَةِ مَعَ ضَابِطِهَا وَمَعَ خُلُوِّهَا عَنِ الضَّابِطِ، وَذَلِكَ لِأَنَّا نَفْتَقِرُ فِي الْبَحْثِ عَنْهَا عِنْدَ خُلُوِّهَا عَنِ الضَّابِطِ إِلَى مَعْرِفَةِ خُصُوصِيَّتِهَا وَكَمِّيَّتِهَا حَتَّى نَأْمَنَ مِنَ التَّفَاوُتِ فِيهَا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ كَمَا سَبَقَ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْبَحْثِ عَنْهَا مَعَ ضَابِطِهَا، فَإِنَّا لَا نَفْتَقِرُ فِي الْبَحْثِ عَنْهَا إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مَعْرِفَةِ أَصْلِ احْتِمَالِهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَرَجَ فِي تَعَرُّفِهَا عَلَى جِهَةِ التَّفْصِيلِ أَتَمُّ مِنْ تَعَرُّفِهَا لَا بِجِهَةِ التَّفْصِيلِ. стр. 824
[الْمَسْأَلَةُ الرابعة تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ بِالْعَدَمِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ بِالْعَدَمِ، فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، وَشَرَطُوا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ لِلْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ أَمْرًا وُجُودِيًّا وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَبَيَانُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً - صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ ; لِأَنَّ نَقِيضَ الْعِلَّةِ (لَا عِلَّةَ) ، وَ (لَا عِلَّةَ) أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِبَعْضِ الْأَعْدَامِ، وَلَوْ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ (لَا عِلَّةَ) وُجُودِيًّا لَكَانَ الْوُجُودُ صِفَةً لِلْعَدَمِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِذَا كَانَ (لَا عِلَّةَ) عَدَمًا فَالْمَفْهُومُ مِنْ نَقِيضِهَا وُجُودِيٌّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ قَوْلُ الْقَائِلِ: " أَيُّ شَيْءٍ وُجِدَ حَتَّى حَدَثَ هَذَا الْأَمْرُ؟ " وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْحُدُوثُ مُتَوَقِّفًا عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ لَمَا صَحَّ هَذَا الْكَلَامُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَيُّ رَجُلٍ مَاتَ حَتَّى حَدَثَ لِفُلَانٍ هَذَا الْمَالُ؟ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حُدُوثُ الْمَالِ لِفُلَانٍ مُتَوَقِّفًا عَلَى مَا قِيلَ.
الثَّالِثُ: وَهُوَ خَاصٌّ بِمَا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ كَالْوُجُوبِ وَالْحَظْرِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: " قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ مِنَ الْحُكْمِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ لَا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ، وَالْبَاعِثُ مَا اشْتَمَلَ عَلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ أَوْ تَكْمِيلِهَا أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةً أَوْ تَعْلِيلِهَا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ لِمِثْلِ هَذَا الْغَرَضِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ضَابِطُ ذَلِكَ الْغَرَضِ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ فِي إِيجَادِهِ وَإِعْدَامِهِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ شَرْعُ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُفِيدًا لِمِثْلِ ذَلِكَ الْغَرَضِ، لِعَدَمِ إِفْضَائِهِ إِلَى الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ، وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا انْتِسَابَ لَهُ إِلَى قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ لَا بِإِيجَادٍ وَلَا إِعْدَامٍ، فَجُعِلَ ضَابِطًا لِغَرَضِ الْحُكْمِ وَمَقْصُودِهِ لَا يَكُونُ مُفْضِيًا إِلَى مَقْصُودِ شَرْعِ الْحُكْمِ فَيَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ صِفَةِ الْعِلَّةِ عَدَمٌ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
стр. 825
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ صِفَةُ الْعِلَّةِ أَمْرًا وُجُودِيًّا لَمْ يَخْلُ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً لِذَاتِهَا، أَوْ مُمْكِنَةً، الْأَوَّلُ مُحَالٌ، وَإِلَّا لَمَا افْتَقَرَتْ إِلَى الْمَوْصُوفِ بِهَا.
وَالثَّانِي يُوجِبُ افْتِقَارَهَا إِلَى عِلَّةٍ مُرَجِّحَةٍ لَهَا، فِي صِفَةِ تِلْكَ الْعِلَّةِ كَالْكَلَامِ فِي الْأُولَى وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ وَصْفُ الْأَمْرِ الْعَدَمِيِّ بِكَوْنِهِ عِلَّةً لِلْأَمْرِ الْعَدَمِيِّ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا لَمْ أُسَلِّمْ عَلَى فُلَانٍ لِأَنِّي لَمْ أَرَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ أَفْعَلْ كَذَا لِعَدَمِ الدَّاعِي إِلَيْهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَوَقُّفِ حُدُوثِ ذَلِكَ الْأَمْرِ عَلَى تَجَدُّدِ وُجُودِ أَمْرٍ آخَرَ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ صَنَعَ هَذَا حَتَّى حَدَثَ لَهُ هَذَا الْمَالُ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ الْمَالِ لَهُ مَوْقُوفًا عَلَى صُنْعٍ مِنْ جِهَتِهِ ; لِجَوَازِ حُدُوثِهِ لَهُ عَنْ إِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا دَلَالَتَهُ عَلَى التَّوَقُّفِ عَلَى الْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ غَيْرَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ بِالْأَمْرِ الْعَدَمِيِّ.
وَبَيَانُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: ضَرَبَ فُلَانٌ عَبْدَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ، وَشَتَمَ فُلَانٌ فُلَانًا لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ بِالْأَمْرِ الْعَدَمِيِّ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فَهُوَ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَأَنَّ الْبَاعِثَ عِبَارَةٌ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ كَوْنِ الْوَصْفِ الْعَدَمِيِّ بَاعِثًا، وَذَلِكَ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْوُجُودِيِّ الظَّاهِرِ الْمُنْضَبِطِ إِذَا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وِفْقِهِ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعُ مَفْسَدَةٍ ظَاهِرًا، فَالْعَدَمُ الْمُقَابِلُ لَهُ يَكُونُ أَيْضًا ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا، وَيَكُونُ مُشْتَمِلًا عَلَى نَقِيضِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْمَصْلَحَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ مَصْلَحَةً فَعَدَمُهُ يَلْزَمُهُ عَدَمُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، وَعَدَمُ الْمَصْلَحَةِ مَفْسَدَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ مَفْسَدَةً، فَعَدَمُهُ يَلْزَمُهُ عَدَمُ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، وَعَدَمُ الْمَفْسَدَةِ مَصْلَحَةٌ وَهُوَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُقَابِلُهُ وَهُوَ الْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ مَقْدُورًا، فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ مَقْدُورًا إِلَّا أَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَى إِيجَادِهِ وَإِعْدَامِهِ، فَإِذًا الْعَدَمُ الْمُقَابِلُ لِلْوُجُودِ مَقْدُورٌ وَإِذَا كَانَ مَقْدُورًا وَهُوَ ظَاهِرٌ
стр. 826
مُنْضَبِطٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ، فَقَدْ أَمْكَنَ التَّعْلِيلُ بِهِ كَمَا أَمْكَنَ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْوُجُودِيِّ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ لُزُومِ التَّسَلْسُلِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ الْعِلِّيَّةِ صِفَةً وُجُودِيَّةً - لَازِمٌ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا عَدَمِيَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ إِذَا كَانَ أَمْرًا عَدَمِيًّا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِنَفْسِهِ وَمَفْهُومِهِ أَوْ مُمْكِنًا.
لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ وَإِلَّا لَمَا افْتَقَرَ فِي تَحْقِيقِهِ إِلَى نِسْبَتِهِ إِلَى ذَاتِ الْعِلَّةِ، وَكَوْنِهِ وَصْفًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ مُرَجِّحَةٍ، وَالتَّسَلْسُلُ لَازِمٌ لَهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ يَكُونُ مُتَّحِدًا.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ ثَانِيًا فَلَا يَصِحُّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُودَ الدَّاعِي إِلَى الْفِعْلِ شَرْطٌ لِوُجُودِ الْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ لِزَيْدٍ شَرْطٌ فِي السَّلَامِ عَلَيْهِ لَا أَنَّ ذَلِكَ عِلَّةٌ لَهُ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ عَدَمُ الْأَثَرِ إِلَيْهِ بِلَامِ التَّعْلِيلِ بِجِهَةِ التَّجَوُّزِ لِمُشَابَهَتِهِ لِلْعِلَّةِ فِي افْتِقَارِ الْأَثَرِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِي صُورَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ بِدُخُولِ الدَّارِ: (إِنَّمَا طُلِّقَتِ الزَّوْجَةُ وَعُتِقَ الْعَبْدُ لِدُخُولِ الدَّارِ) وَيَجِبُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّجَوُّزِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ.
قَوْلُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَوَقُّفِ الْحُدُوثِ عَلَى تَجَدُّدِ الْوُجُودِ.
قُلْنَا: دَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ، فَإِنَّمَا صَحَّ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْغَالِبَ فِي حُدُوثِ الْمَالِ لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إِلَى صَنْعَةٍ لَا إِلَى مَا ذَكَرُوهُ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نَتَمَسَّكُ فِي هَذَا الْوَجْهِ بِالظَّاهِرِ لَا بِالْقَطْعِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ بِالْأَمْرِ الْعَدَمِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْمُعَلَّلَ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْعَدَمُ الْمَحْضُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْتَسِبٍ إِلَى فِعْلِ الشَّخْصِ فَلَا يَحْسُنُ جَعْلُهُ عِلَّةً لِلْعِقَابِ لَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ ذَلِكَ وَكَفِّ النَّفْسِ عَنْهُ، وَهُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَا عَدَمِيٌّ.
وَمَا ذَكَرُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَحَاصِلُهُ رَاجِعٌ إِلَى التَّعْلِيلِ بِالْإِعْدَامِ الْمَقْدُورِ، وَهُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَا بِالْعَدَمِ الْمَحْضِ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَا وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ.
стр. 827
وَإِذَا عُرِفَ امْتِنَاعُ الْوُجُودِ بِالْعَدَمِ الْمَحْضِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَبِمِثْلِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْعَدَمَ لَا يَكُونُ جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ وَلَا دَاخِلًا فِيهَا، وَالْوَجْهُ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى ذَلِكَ وَالِانْفِصَالِ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَيَخُصُّهُ اعْتِرَاضٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ انْتِفَاءَ مُعَارَضَةِ الْمُعْجِزَةِ بِمِثْلِهَا جُزْءٌ مِنَ الْمُعَرِّفِ لِكَوْنِهَا مُعْجِزَةً، وَكَذَلِكَ الدَّوَرَانُ فَإِنَّهُ مُعَرِّفٌ لِعِلِّيَّةِ الْمُدَارِ، وَأَحَدُ أَجْزَاءِ الدَّوَرَانِ الْعَدَمُ مَعَ الْعَدَمِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَدَمَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِشْهَادِ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَرِّفِ بَلْ شَرْطٌ، وَالشَّرْطُ غَيْرُ الْجُزْءِ.
وَإِذَا عُرِفَ امْتِنَاعُ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ بِالْعَدَمِ الْمَحْضِ وَامْتِنَاعُ جَعْلِهِ جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ لَزِمَ امْتِنَاعُ التَّعْلِيلِ بِالصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةِ (١) ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الصِّفَةِ الْإِضَافِيَّةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودًا أَوْ عَدَمًا، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وُجُودًا ; لِأَنَّ الصِّفَةَ الْإِضَافِيَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضَافِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ قِيَامُ الصِّفَةِ الْوُجُودِيَّةِ بِالْمَعْدُومِ الْمَحْضِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَبَيَانُ لُزُومِ ذَلِكَ أَنَّ الْإِضَافَةَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ وَبَيْنَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ قَائِمَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَحَدُ الْمُتَقَابِلَيْنِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا، وَإِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْإِضَافَةِ وُجُودًا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا. стр. 828
[الْمَسْأَلَةُ الخامسة الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ
اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، وَشَرَطُوا فِي الْعِلَّةِ أَلَّا تَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى مَأْخَذِ الْفَرِيقَيْنِ وَنُنَبِّهُ عَلَى مَا فِيهِ، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ قَدْ يَكُونُ دَائِرًا مَعَ الْحُكْمِ الْآخَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَالدَّوَرَانُ دَلِيلُ كَوْنِ الْمُدَارِ عَلَيْهِ الدَّائِرَ (١) وَسَنُبَيِّنُ أَنَّ الدَّوَرَانَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ فِيمَا بَعْدُ.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا كَانَ عِلَّةً لِحُكْمٍ آخَرَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ أَوْ مُقَارِنًا لَهُ.
لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ وَإِلَّا لَزِمَ مِنْهُ وُجُودُ الْعِلَّةِ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِهَا عَنْهَا، وَهُوَ نَقْضٌ لِلْعِلَّةِ.
وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي ; لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلْمُتَقَدِّمِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ، فَلَيْسَ جَعْلُ أَحَدِهِمَا عِلَّةً لِلْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونُ لِحُكْمِ الْأَصْلِ عِلَّةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ، وَإِذَا كَانَ مُعَلَّلًا احْتَمَلَ أَلَّا يَكُونَ الْحُكْمُ بِهِ هُوَ الْعِلَّةَ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ عِلَّةً عَلَى تَقْدِيرَيْنِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عِلَّةً عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ احْتِمَالٍ مِنِ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ مِنْ وُقُوعِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ الْمُعَرِّفَةِ أَوْ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ.
لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ لِمَا سَبَقَ (٢) ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي، لِأَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الْحُكْمِ دَاعِيًا وَبَاعِثًا عَلَى الْحُكْمِ مُحَالٌ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ. стр. 829
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْحُجَّةُ الْأُولَى فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ التَّقَدُّمِ.
قَوْلُهُمْ: يَلْزَمُ مِنْهُ نَقْضُ الْعِلَّةَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لِنَفْسِهِ وَذَاتِهِ بَلْ إِنَّمَا يَصِيرُ عِلَّةً بِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهُ بِقِرَانِ الْحُكْمِ الْآخَرِ بِهِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي تَعْلِيلِ تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ بِالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فَإِنَّ الشِّدَّةَ الْمُطْرِبَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى التَّحْرِيمِ فَلَا يُقَالُ إِنَّهَا عِلَّةٌ قَبْلَ اعْتِبَارِهَا مِنَ الشَّرْعِ بِقِرَانِ التَّحْرِيمِ بِهَا، فَلَا تَكُونُ مُنْتَقِضَةً بِتَخَلُّفِ التَّحْرِيمِ عَنْهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ التَّقَدُّمِ فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ مُقَارَنًا؟
قَوْلُهُمْ: لَيْسَ جَعْلُ أَحَدِ الْمُقْتَرِنَيْنِ عِلَّةً لِلْآخَرِ أَوْلَى لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَإِلَّا فَمَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ جِهَةِ الْبَعْثِ فِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ فَلَا يَكُونُ عِلَّةً.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّرْجِيحِ فَهُوَ لَازِمٌ عَلَيْهِمْ فِي التَّعْلِيلِ بِالْأَوْصَافِ الْحَقِيقَيَّةِ، وَمَا هُوَ جَوَابٌ ثَمَّ فَهُوَ الْجَوَابُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ، فَالْمُخْتَارُ مِنْ قِسْمَيْهَا أَنَّهُ عِلَّةٌ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مُمْتَنِعٌ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ - دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا.
وَعِنْدَ هَذَا فَنَقُولُ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ الْمُعَرِّفَةِ، لَكِنْ لَا فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ بَلْ فِي غَيْرِهِ، فَقَدْ حَرَّمَتْ، كَذَا فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: مَهْمَا رَأَيْتُمْ أَنَّنِي حَرَّمْتُ كَذَا فَقَدْ حَرَّمْتُ كَذَا، وَمَهْمَا أَبَحْتُ كَذَا، كَمَا لَوْ قَالَ: مَهْمَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا، وَمَهْمَا طَلَعَ هِلَالُ رَمَضَانَ فَصُومُوا.
وَأَمَّا فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِيهِ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ الْمُعَرِّفَةِ بَلْ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ عِلَّةً لِحُكْمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بَاعِثًا عَلَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا فَحُكْمُ الْأَصْلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا تَكْلِيفِيًّا أَوْ بِخِطَابِ الْوَضْعِ وَالْأَخْبَارِ.
стр. 830
فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عِلَّةً لَهُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ لَا فِي إِيجَادِهِ وَلَا فِي إِعْدَامِهِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي امْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْعَدَمِيِّ، وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُهُ بِالْوَصْفِ الْعُرْفِيِّ وَالتَّقْدِيرِيِّ، وَالْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى تَحْصِلِهِ، كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَالطَّعْمِ وَالنَّقْدِيَّةِ وَالصِّغَرِ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ ثَابِتًا بِخِطَابِ الْوَضْعِ وَالْإِخْبَارِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّلُ بِهِ بَاعِثًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، إِمَّا لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ لَزِمَتْ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهِ، وَإِمَّا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ تَلْزَمُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عِلَّةً ; لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ اللَّازِمَةَ مِنَ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهِ كَانَتْ مَطْلُوبَةَ الِانْتِفَاءِ بِشَرْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ ; لَمَّا شَرَعَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّلُ بِهِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ شَرْعِهِ مِنْ وُجُوهِ مَفْسَدَةٍ مَطْلُوبَةِ الِانْتِفَاءِ لِلشَّارِعِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِالْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ مَصْلَحَةٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِهَا أَحَدُهُمَا، فَقَدْ يَنْحَلُّ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ إِطْلَاقَ الْقَوْلِ بِامْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَجَوَازِهِ مُمْتَنِعٌ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ.
[الْمَسْأَلَةُ السادسة اشْتَرَطَ قَوْمٌ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ ذَاتَ وَصْفٍ وَاحِدٍ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ
اشْتَرَطَ قَوْمٌ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ ذَاتَ وَصْفٍ وَاحِدٍ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِالْإِسْكَارِ وَنَحْوِهِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَذَلِكَ كَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْمُحَدَّدِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ.
وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُتَعَدِّدَةِ مِمَّا يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى ظَنِّ التَّعْلِيلِ بِهَا إِمَّا بِمُنَاسَبَةٍ أَوْ شِبْهٍ أَوْ سَبْرٍ وَتَقَسُّمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّخْرِيجِ مَعَ اقْتِرَانِ الْحُكْمِ بِهَا حَسَبَ دَلَالَتِهِ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ، فَكَانَتْ عِلَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّةٍ ذَاتِ أَوْصَافٍ، غَيْرَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ.
стр. 831
وَبَيَانُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْمُعَارَضَةُ الْأُولَى: أَنَّ مَجْمُوعَ الْأَوْصَافِ إِذَا كَانَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ فَالْعِلِّيَّةُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَجْمُوعِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، وَدَلِيلُهُ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّا نَعْقِلُ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ مِنَ الْأَوْصَافِ وَنَجْهَلُ كَوْنَهَا عِلَّةً وَالْمَعْلُومُ غَيْرُ الْمَجْهُولِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مِنَ الْأَوْصَافِ عِلَّةٌ فَنَصِفُهَا بِهَا، وَالصِّفَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ صِفَةُ الْعِلِّيَّةِ بِتَمَامِهَا قَائِمَةً بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوْصَافِ أَوْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ أَنَّهَا مَعَ اتِّحَادِهَا قَائِمَةٌ بِالْمَجْمُوعِ، كُلُّ بَعْضٍ مِنْهَا قَائِمٌ بِوَصْفٍ.
لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ وَإِلَّا كَانَ كُلُّ وَصْفٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَجْمُوعُ الْأَوْصَافِ وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ، كَيْفَ وَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ كَمَا يَأْتِي.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي: فَالْعِلَّةُ ذَلِكَ الْوَصْفُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ صِفَةُ الْعِلِّيَّةِ لَا مَجْمُوعُ الْأَوْصَافِ، وَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ الْفَرْضِ.
وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّالِثِ ; لِأَنَّ صِفَةَ الْعِلِّيَّةِ مُتَّحِدَةٌ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعَدُّدُ الْمُتَّحِدِ لِقِيَامِهِ بِالْمُتَعَدِّدِ أَوِ اتِّحَادُ الْمُتَعَدِّدِ وَهُوَ مُحَالٌ.
الْمُعَارَضَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً لِأَوْصَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ كُلِّ وَصْفٍ مِنْهَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِعَدَمِ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ ضَرُورَةَ انْتِفَائِهَا عِنْدَ عَدَمِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا انْتَفَتْ جَمِيعُ الْأَوْصَافِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمُ كُلِّ وَصْفٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ أَوِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ، أَوْ أَنَّهُ لَا وَاحِدَ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ بَلِ الْمُسْتَقِلُّ الْجَمِيعُ.
لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلَالِ عَدَمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوْصَافِ بِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ لَا مَعْنَى لَهُ سِوَى أَنَّهُ الْمُفِيدُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا.
وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي، لِأَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِاخْتِصَاصِ الْبَعْضِ بِذَلِكَ دُونَ الْبَعْضِ.
стр. 832
وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّالِثِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْرَاجِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِالْعِلِّيَّةِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ مُسْتَقِلٌّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَدَمُ كُلِّ وَصْفٍ مِنْهَا يَسْتَقِلُّ عِنْدَ انْفِرَادِهِ بِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ فَبِتَقْدِيرِ انْتِفَاءِ الْعِلِّيَّةِ عِنْدَ انْتِفَاءِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ، يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا انْتَفَى بَعْدَ ذَلِكَ وَصْفٌ آخَرُ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ أَنْ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَقْضُ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ وَهُوَ مُحَالٌ.
الْمُعَارِضَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، أَوْ لَا وَاحِدَ مِنْهَا مُنَاسِبٌ لَهُ، أَوِ الْمُنَاسِبُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَيَلْزَمُ مِنْ مُنَاسَبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لِلْحُكْمِ مَعَ اقْتِرَانِ الْحُكْمِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِالتَّعْلِيلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ إِمَّا أَنْ يُضَافَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ، أَوْ إِلَى الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، أَوْ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَالْكُلُّ مُحَالٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُعَارَضَةِ السَّابِقَةِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَضَمُّ مَا لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ إِلَى مَا يَصْلُحُ لَهُ لَا يَكُونُ مُفِيدًا لِلتَّعْلِيلِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ: فَذَلِكَ هُوَ الْعِلَّةُ الْمُسْتَقِلَّةُ لِمُنَاسَبَتِهِ وَقِرَانِ الْحُكْمِ بِهِ وَلَا مَدْخَلَ لِغَيْرِهِ فِي التَّعْلِيلِ.
الْمُعَارَضَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوْصَافِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِلَّةً عِنْدَ انْفِرَادِهِ فَعِنْدَ انْضِمَامِهِ إِنْ تَجَدَّدَتْ صِفَةُ الْعِلِّيَّةِ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَجَدُّدِ أَمْرٍ يَقْتَضِي الْعِلِّيَّةَ.
وَذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُتَجَدِّدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ مُتَجَدِّدَةٍ تُوجِبُهُ، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْمُتَجَدِّدِ كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ، وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ.
الْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ مَجْمُوعِ الْأَوْصَافِ عِلَّةً سِوَى أَنَّ الشَّارِعَ قَضَى بِالْحُكْمِ رِعَايَةً لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَوْصَافُ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةً لَهَا فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرُوهُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي امْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِ الثَّانِي.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً لِلْأَوْصَافِ غَيْرَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً وُجُودِيَّةً، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
стр. 833
الْأَوَّلُ: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صِفَةً وُجُودِيَّةً لَكَانَتْ عَرَضًا، وَالصِّفَاتُ الْمُعَلَّلُ بِهَا أَعْرَاضٌ، وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ بِالْعَرَضِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي (أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ) وَغَيْرِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا صِفَةٌ إِضَافِيَّةٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الصِّفَةِ الْإِضَافِيَّةِ غَيْرُ وُجُودِيٍّ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُحَالِ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا صِفَةً وُجُودِيَّةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
غَيْرَ أَنَّ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ يُنَاقِضَانِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي امْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقَضٌ بِكَوْنِ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ خَبَرًا أَوِ اسْتِخْبَارًا أَوْ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، مَعَ تَعَدُّدِ أَلْفَاظِهِ وَحُرُوفِهِ فَإِنَّ كُلَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَقْسَامِ بِعَيْنِهِ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ وَصْفُهُ بِمَا وُصِفَ بِهِ، فَمَا هُوَ الْجَوَابُ هَاهُنَا يَكُونُ جَوَابًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى كَوْنِ عَدَمِ الْأَوْصَافِ عِلَّةً لِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَدَمَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِي: أَنَّ وُجُودَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوْصَافِ شَرْطٌ فِي تَحَقُّقِ الْعِلِّيَّةِ، فَانْتِفَاءُ الْعِلِّيَّةِ عِنْدَ انْتِفَاءِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ أَوْ كُلِّهَا إِنَّمَا هُوَ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ لَا لِعِلَّةِ عَدَمِ الْعِلِّيَّةِ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوْصَافِ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ مُنَاسَبَةَ اسْتِقْلَالٍ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ مُنَاسَبَةُ الِاسْتِقْلَالِ نَاشِئَةً أَوْ مُلَازِمَةً لِلْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنَ الْأَوْصَافِ، كَمَا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَنَحْوِهِ.
وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّ الْمُتَجَدِّدَ وَالْمُسْتَلْزِمَ لِلْعَلِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ الِانْضِمَامُ الْحَادِثُ بِالْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، فَلَا تَسَلْسُلٌ ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ تَجَدُّدُ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُتَعَدِّدَةِ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِي كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوْصَافِ مَعَ لُزُومِ مَا ذَكَرُوهُ، فَمَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ تَجَدُّدِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ يَكُونُ جَوَابًا عَنْ تَجَدُّدِ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ.
стр. 834
[الْمَسْأَلَةُ السابعة الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَنْصُوصَةً وَلَا مُجْمَعًا عَلَيْهَا]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ
اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ تَعْدِيَةَ الْعِلَّةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ، وَعَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ كَانَتْ مَنْصُوصَةً أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَنْصُوصَةً وَلَا مُجْمَعًا عَلَيْهَا.
وَذَلِكَ كَتَعْلِيلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حُرْمَةَ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ بِجَوْهَرِيَّةِ الثَّمِينَةِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى صِحَّتِهَا.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَالْكَرْخِيُّ إِلَى إِبْطَالِهَا.
وَالْمُخْتَارُ صِحَّتُهَا، وَقَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ بِمَسَالِكَ:
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: تَعْدِيَةُ الْعِلَّةِ إِلَى الْفَرْعِ مَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّتِهَا فِي نَفْسِهَا، فَلَوْ كَانَتْ صِحَّتُهَا مُتَوَقِّفَةً عَلَى تَعْدِيَتِهَا كَانَ دَوْرًا مُمْتَنِعًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنْ أَرَدْتُمْ بِالتَّعْدِيَةِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِهَا فِي الْفَرْعِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالتَّعْدِيَةِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ وُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ لَا غَيْرُ، فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وَعَلَى هَذَا فَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِأَنَّ التَّعْدِيَةَ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِلَّةِ لِيَكُونَ دَوْرًا، وَإِنَّمَا نَقُولُ بِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ التَّعْدِيَةُ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي، وَهُوَ غَيْرُ مُفْضٍ إِلَى الدَّوْرِ، فَإِنَّ صِحَّةَ الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً بِوُجُودِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ، فَوُجُودُهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى صِحَّتِهَا فِي نَفْسِهَا فَلَا دَوْرَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا تَوَقُّفَ التَّعْدِيَةِ عَلَى الصِّحَّةِ وَتَوَقُّفَ الصِّحَّةِ عَلَى التَّعْدِيَةِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ التَّوَقُّفُ مَشْرُوطًا بِتَقَدُّمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِجِهَةِ الْمَعِيَّةِ كَمَا فِي تَوَقُّفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُضَافَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَلَا دَوْرَ.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا دَارَ الْحُكْمُ مَعَ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وُجُودًا وَعَدَمًا دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً كَالْمُتَعَدِّي، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا سَنُبَيِّنُهُ مِنْ إِبْطَالِ التَّمَسُّكِ بِالدَّوَرَانِ.
стр. 835
الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا جَازَ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً عِنْدَ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَيْهَا جَازَ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلِّيَّتَهَا عِنْدَ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَيْهَا مُسْتَفَادَةٌ مِنَ النَّصِّ، وَدَلَالَةُ النَّصِّ عَلَيْهَا غَيْرُ مُتَحَقِّقَةِ حَالَةَ اسْتِنْبَاطِهَا، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا دَلَّ النَّصُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَجَبَ الْحُكْمُ بِعِلِّيَّةِ الْمُسْتَنْبَطِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْحِكْمَةِ، قُلْنَا: هَذَا قِيَاسٌ فِي الْأَسْبَابِ وَسَيَأْتِي إِبْطَالُهُ.
وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا كَانَ الْوَصْفُ الْقَاصِرُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ وَالْحُكْمُ ثَابِتٌ عَلَى وِفْقِهِ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، بِمَعْنَى كَوْنِهِ بَاعِثًا عَلَيْهِ، وَلَا مَعْنَى لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ سِوَى ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقَضَاءُ بِصِحَّةِ الْعِلَّةِ يَسْتَدْعِي فَائِدَةً، فَإِنَّ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِصِحَّتِهِ، وَفَائِدَةُ الْعِلَّةِ إِنَّمَا هِيَ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهَا، وَالْعِلَّةُ الْقَاصِرَةُ غَيْرُ مُثْبِتَةٍ لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ ; لِكَوْنِهِ بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْهُ فَتَكُونُ فَرْعًا عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَتْ مُثْبِتَةً لَهُ لَكَانَ فَرْعًا عَلَيْهَا وَهُوَ دَوْرٌ، وَلَا هِيَ مُثْبِتَةٌ لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ لِعَدَمِ تَعْدِيَتِهَا، فَقَدْ تَعَرَّتْ عَنِ الْفَائِدَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً.
قُلْنَا: وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْعِلِّيَّةِ الْقَاصِرَةِ، وَأَنَّ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ بِهَا فَائِدَةٌ لَهَا، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ فَائِدَتِهَا فِي ذَلِكَ بَلْ لَهَا ثَلَاثُ فَوَائِدَ أُخَرَ:
الْأُولَى: مَعْرِفَةُ كَوْنِهَا بَاعِثَةً عَلَى الْحُكْمِ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ أَوِ الشَّبَهِ، وَإِذَا كَانَتْ بَاعِثَةً عَلَى الْحُكْمِ كَانَ الْحُكْمُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، وَكَانَ أَدْعَى إِلَى الِانْقِيَادِ وَأَسْرَعَ فِي الْقَبُولِ لَهُ مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ الْبَاعِثُ، وَكَانَ تَعَبُّدًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَفْضَى إِلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الشَّرْعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِهَا مُفِيدًا.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا كَانَتْ قَاصِرَةً فَبِتَقْدِيرِ ظُهُورِ وَصْفٍ آخَرَ مُتَعَدٍّ فِي مَحَلِّهَا يَمْتَنِعُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِهِ دُونَ تَرْجِيحِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَجَلِّ الْفَوَائِدِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْقَاصِرَةُ عِلَّةً وَعَرَّفْنَاهَا، فَقَدِ امْتَنَعَ بِسَبَبِهَا تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ إِلَى الْفَرْعِ وَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ أَتَمِّ الْفَوَائِدِ.
стр. 836
فَإِنْ قِيلَ: وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَوَائِدِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ الصِّحَّةَ، غَيْرَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وَحَيْثُ خَالَفْنَاهُ فِي الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْفَوَائِدِ وَزِيَادَةِ فَائِدَةِ التَّعْدِيَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ فِيهَا (١) دُونَ ذَلِكَ.
قُلْنَا: يَجِبُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَا الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْقَطْعُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ الْقَضَاءِ بِصِحَّتِهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً.
[الْمَسْأَلَةُ الثامنة تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ
اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ (٢) ، جَوَّزَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ. стр. 837
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ تَخْصِيصِهَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْمُسْتَنْبَطَةِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي مَحَلِّ التَّخَلُّفِ مَانِعٌ وَلَا فَوَاتُ شَرْطٍ، فَمَنَعَ مِنْهُ الْأَكْثَرُونَ وَجَوَّزَهُ الْأَقَلُّونَ.
وَالْقَائِلُونَ بِالْمَنْعِ فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ.
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً، فَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا بِدَلِيلٍ أَوْ بِدَلِيلٍ، لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالدَّلِيلُ إِمَّا ظَنِّيٌّ أَوْ قَطْعِيٌّ، وَالظَّنِّيُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ، وَتَعَارُضُ قَاطِعَيْنِ أَيْضًا مُحَالٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً فَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا إِمَّا فِي مَعْرِضِ الِاسْتِثْنَاءِ أَوْ لَا فِي مَعْرِضِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: كَتَخَلُّفِ إِيجَابِ الْمِثْلِ فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ عَنِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ، وَهِيَ تَمَاثُلُ الْأَجْزَاءِ بِالْعُدُولِ إِلَى إِيجَابِ صَاعٍ مِنَ التَّمْرِ، وَتَخَلُّفِ وُجُوبِ الْغَرَامَةِ عَمَّنْ صَدَرَتْ عَنْهُ الْجِنَايَةُ فِي بَابِ ضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَتَخَلُّفِ حُكْمِ الرِّبَا مَعَ وُجُودِ الطُّعْمِ فِي الْعَرَايَا وَنَحْوِهِ، فَذَلِكَ مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْعِلَّةِ، بَلْ تَبْقَى حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْمَخْصُوصَةُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مِنَ النَّصِّ، أَوِ الِاسْتِنْبَاطَ قَدْ دَلَّ عَلَى كَوْنِهَا عِلَّةً، وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا حَيْثُ وَرَدَ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ عَنْ قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ كَانَ مُقَرِّرًا لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ لَا مُلْغِيًا لَهَا.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا لَا بِطْرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ حَمْلُ النَّصِّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ
стр. 838
كَتَعْلِيلِ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ مَأْخُوذًا (١) مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ» " (٢) ، فَإِنَّهُ إِذَا تَخَلَّفَ عَنْهُ الْوُضُوءُ فِي الْحِجَامَةِ أَمْكَنَ أَخْذُ قَيْدِ الْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ فِي الْعِلَّةِ، وَتَأْوِيلُ النَّصِّ بِصَرْفِهِ عَنْ عُمُومِ الْخَارِجِ النَّجِسِ إِلَى الْخَارِجِ مِنَ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ أَوْ حَمْلُهُ عَلَى حُكْمٍ آخَرَ غَيْرِ الْحُكْمِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي النَّصِّ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ (٣) تَعَالَى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ مُعَلَّلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فَإِنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّلَ الْمُصَرَّحَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ خَرَابُ الْبَيْتِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ شَاقَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُخَرِّبُ بَيْتَهُ فَأَمْكَنَ حَمْلُ الْخَرَابِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْخَرَابِ وُجِدَ الْخَرَابُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَإِنْ أَمْكَنَ تَأْوِيلُ النَّصِّ بِالْحَمْلِ عَلَى مَعْنًى خَاصٍّ أَوْ حُكْمٍ آخَرَ خَاصٍّ وَجَبَ التَّأْوِيلُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ دَلِيلِ التَّعْلِيلِ بِتَأْوِيلِهِ وَدَلِيلِ إِبْطَالِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ بِغَيْرِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَالْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ فَغَايَتُهُ امْتِنَاعُ إِثْبَاتِ حُكْمِ الْعِلِّيَّةِ لِمَا عَارَضَهَا مِنَ النَّصِّ النَّافِي لِحُكْمِهَا. وَالْعِلَّةُ الْمَنْصُوصَةُ فِي مَعْنَى النَّصِّ وَتَخَلُّفُ حُكْمِ النَّصِّ عَنْهُ فِي صُوَرِهِ (٤) لِمَا عَارَضَهُ - لَا يُوجِبُ إِبْطَالَ الْعَمَلِ بِهِ فِي غَيْرِ صُورَةِ الْمُعَارَضَةِ، فَكَذَلِكَ الْعِلَّةُ الْمَنْصُوصَةُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً فَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ لَا يَكُونَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: وَذَلِكَ كَمَا فِي إِيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، وَتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ فِي الْأَبِ وَالسَّيِّدِ بِمَانِعِ الْأُبُوَّةِ وَالسِّيَادَةِ، فَلَا يَكُونُ стр. 839
ذَلِكَ مُبْطِلًا لِلْعِلِيَّةِ فِيمَا وَرَاءَ صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ ; لِأَنَّ دَلِيلَ الِاسْتِنْبَاطِ قَدْ دَلَّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ بِالْمُنَاسَبَةِ وَالِاعْتِبَارِ، وَقَدْ أَمْكَنَ إِحَالَةُ نَفْيِ الْحُكْمِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الْمَانِعِ لَا عَلَى إِلْغَاءِ الْعِلَّةِ، فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْعِلَّةِ وَالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى مَانِعِيَّةِ الْوَصْفِ النَّافِي لِلْحُكْمِ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ أَوْلَى مِنْ إِبْطَالِهَا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ بِإِبْطَالِ الْعِلَّةِ بِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا مِمَّا يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْعِلَّةِ، وَالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى مَانِعِيَّةِ الْمَانِعِ، فَكَانَ الْقَوْلُ بِإِحَالَةِ نَفْيِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَانِعِ أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ وَقِرَانَ الْحُكْمِ بِهَا فَقَطْ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ، بَلْ مَعَ الِاطِّرَادِ وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ إِمْكَانَ تَعْلِيلِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِالْمَانِعِ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ تَعْلِيلَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِالْمَانِعِ أَوْ فَوَاتِ الشَّرْطِ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ مَوْجُودًا فِيهَا لَكَانَ الْحُكْمُ مُنْتَفِيًا لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لَا لِلْمَانِعِ وَلَا لِفَوَاتِ الشَّرْطِ، وَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ عِلَّةً يَتَوَقَّفُ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ عَلَى وُجُودِ الْمَانِعِ أَوْ فَوَاتِ الشَّرْطِ، فَإِنَّا إِذَا لَمْ نَتَبَيَّنْ وُجُودَ الْمَانِعِ وَلَا فَوَاتَ الشَّرْطِ فَالْحُكْمُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا لِانْتِفَاءِ مَا يَقْتَضِيهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَتَبَيَّنُ أَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَإِذَا تَوَقَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ عَلَى الْآخَرِ كَانَ دَوْرًا مُمْتَنِعًا، وَهَذَا الِامْتِنَاعُ إِنَّمَا لَزِمَ مِنَ التَّعْلِيلِ بِالْمَانِعِ أَوْ فَوَاتِ الشَّرْطِ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ فَكَانَ مُمْتَنِعًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ كَانَ مُتَحَقِّقًا قَبْلَ وُجُودِ الْمَانِعِ، وَفِي تَعْلِيلِهِ بِالْمَانِعِ - تَعْلِيلُ الْمُتَقَدِّمِ بِالْمُتَأَخِّرِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَانِعُ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ أَوِ الْبَاعِثِ.
قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ: أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا الْوَصْفَ مُنَاسِبًا وَالْحُكْمَ مُقْتَرِنًا بِهِ، غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ تَأَوُّلُ النَّظَرِ (١) إِلَيْهِ أَنَّهُ عِلَّةٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْبَحْثِ فِي جَمِيعِ مَجَارِي الْعِلَّةِ، هَلِ الْحُكْمُ مُقَارِنٌ لَهَا أَوْ لَا؟ стр. 840
وَأَمَّا الِاطِّرَادُ فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى السَّلَامَةِ عَنِ النَّقْضِ الْمُعَارِضِ لِدَلِيلِ الْعِلِّيَّةِ، وَعَدَمُ الْمُعَارِضِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي دَلِيلِ الْعِلِّيَّةِ، وَعَنِ الدَّوْرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعْلِيلَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِالْمَانِعِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْمُقْتَضِي.
وَدَلِيلُهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ انْتِفَاؤُهُ بِالْمَانِعِ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي وَمَعَ كَوْنِ الْمُقْتَضِي مُعَارِضًا لِلْمَانِعِ، فَلِأَنْ يَصِحَّ النَّفْيُ بِهِ مَعَ عَدَمِ الْمُقْتَضِي كَانَ أَوْلَى. (١) الثَّانِي: وَإِنْ سَلَّمْنَا تَوَقُّفَ التَّعْلِيلِ بِالْمَانِعِ عَلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي عَلَى وُجُودِ الْمَانِعِ، فَإِنَّ كَوْنَ الْمُقْتَضِي مُقْتَضِيًا إِنَّمَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ وَالِاعْتِبَارِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطُّرُقِ، وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِكَوْنِهِ مُقْتَضِيًا، وَالْمَانِعُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَارِضِ فَإِنْ وُجِدَ انْتَفَى الْحُكْمُ الْمُقْتَضَى مَعَ بَقَاءِ الْمُقْتَضِي بِحَالِهِ مُقْتَضِيًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ؛ عَمِلَ الْمُقْتَضِي عَمَلَهُ.
الثَّالِثُ: سَلَّمْنَا تَوَقُّفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، لَكِنْ تَوَقُّفُ مَعِيَّةٍ أَوْ تَوَقُّفُ تَقَدُّمٍ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَعَلَى هَذَا فَلَا دَوْرَ.
وَعَنْ قَوْلِهِمْ: فِيهِ تَعْلِيلُ الْمُتَقَدِّمِ بِالْمُتَأَخِّرِ، أَنَّ الْمُعَلَّلَ نَفْيُهُ بِالْمَانِعِ إِنَّمَا هُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ الَّذِي صَارَ بِسَبَبِ وُجُودِ الْمُقْتَضَى بِعَرَضِيَّةِ الثُّبُوتِ عَرَضِيَّةً لَازِمَةً لَا مُطْلَقَ حُكْمٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْلَمُ تَقَدُّمُهُ عَلَى الْمَانِعِ الْمَفْرُوضِ.
وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ مَانِعٌ وَلَا فَوَاتُ شَرْطٍ، فَالْحَقُّ بُطْلَانُ الْعِلَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ إِنَّمَا عُرِفَ كَوْنُهَا عِلَّةً بِاعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهَا بِثُبُوتِ الْحُكْمِ عَلَى وِفْقِهَا، وَذَلِكَ إِنْ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِهَا، فَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا مَعَ ظُهُورِ مَا يَكُونُ مُسْتَنِدًا لِنَفْيِهِ يَدُلُّ عَلَى إِلْغَائِهَا وَلَيْسَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَيَتَقَاوَمَانِ، وَيَبْقَى الْوَصْفُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الِاعْتِبَارِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ عِلَّةً فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ وَقِرَانُ الْحُكْمِ بِهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً وَكَذَلِكَ سَائِرُ طُرُقِ الِاسْتِنْبَاطِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ قَائِمٌ وَإِنْ وُجِدَ النَّقْصُ، وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ стр. 841
عَنِ الْوَصْفِ غَايَتُهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ وَتُقَاوِمُ احْتِمَالَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ أَوْ وُجُودِ الْمُعَارِضِ عَلَى السَّوَاءِ، وَإِذَا كَانَ دَلِيلُ الْعِلَّةِ ظَاهِرًا وَدَلِيلُ الْفَسَادِ مَشْكُوكًا فِيهِ فَالْمَشْكُوكُ فِيهِ لَا يَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ الظَّاهِرِ. وَدَلِيلُ وُقُوعِ الشَّكِّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ وَتَقَاوُمِ الِاحْتِمَالِ فِيهَا - أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ لِمُعَارِضٍ مِنْ وُجُودِ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِفَسَادِ الْعِلَّةِ وَهُمَا مُتَقَاوِمَانِ. وَبَيَانُ التَّقَاوُمِ أَنَّ احْتِمَالَ الِانْتِفَاءِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى احْتِمَالِ انْتِفَائِهِ لِلْمُعَارِضِ ; دَفْعًا لِمَحْذُورِ الْمُعَارَضَةِ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِالنَّظَرِ إِلَى إِبْطَالِ الْعِلَّةِ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً. وَاحْتِمَالُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِلْمُعَارِضِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ الْحُكْمِ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِهِ؛ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى وِفْقِ الْأَصْلِ مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً. فَإِذًا احْتِمَالُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ مِنْ وَجْهٍ وَمُخَالِفٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ فَيَتَقَاوَمُ الِاحْتِمَالَانِ عَلَى السَّوَاءِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ، وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ بِوَجْهٍ.
قُلْنَا: إِذَا اعْتَرَفَ بِالشَّكِّ فِي دَلِيلِ فَسَادِ الْعِلَّةِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ الشَّكُّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ، وَيَلْزَمُ مِنَ الشَّكِّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ انْتِفَاءُ الظَّنِّ بِكَوْنِهَا عِلَّةً ; لِأَنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ مُتَقَابِلَانِ فَمَهْمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ وَقَعَ الشَّكُّ فِي الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ظَاهِرًا وَالْآخَرُ بَعِيدًا فَالْقَوْلُ بِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ مَعَ ظُهُورِ الْآخَرِ مُمْتَنِعٌ كَمَا يَمْتَنِعُ الشَّكُّ فِي الْغَيْمِ مَعَ ظَنِّ الصَّحْوِ، وَالشَّكُّ فِي مَوْتِ زَيْدٍ مَعَ ظَنِّ حَيَاتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا شَكَكْنَا فِي الطَّهَارَةِ وَحَكَمْنَا بِالنَّجَاسَةِ نَظَرًا إِلَى النَّجَاسَةِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّ الشَّكَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُجَامِعُ النَّظَرَ إِلَى الْأَصْلِ بَلْ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى الْأَصْلِ يَتَرَجَّحُ أَحَدُ احْتِمَالَيِ الشَّكِّ عَلَى الْآخَرِ فَلَا يَبْقَى الشَّكُّ مُتَحَقِّقًا، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي النَّجَاسَةِ أَوِ الطَّهَارَةِ مَعَ النَّظَرِ إِلَى الْأَصْلِ لَبَقِيَ الشَّكُّ مَعْمُولًا بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الشَّكَّ إِنَّمَا وَقَعَ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَعَ النَّظَرِ إِلَى دَلِيلِ الْعِلَّةِ، وَلَوْلَا النَّظَرُ إِلَى دَلِيلِ الْعِلَّةِ لَكَانَ الظَّاهِرُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ لَا انْتِفَاءَ الْعِلَّةِ، وَمَهْمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِظُهُورِ الْعِلَّةِ مَعَ أَنَّ تَقَاوُمَ الِاحْتِمَالِ إِنَّمَا كَانَ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلِيلِ الْعِلَّةِ.
стр. 842
كَيْفَ وَإِنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: انْتِفَاءُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْوَصْفِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ عَلَى وِفْقِهِ مَعَ مُنَاسَبَتِهِ مِمَّا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهِ فِي مَحَلِّ الِاعْتِبَارِ، وَالْمَشْكُوكُ فِيهِ لَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ، وَبَيَانُ وُقُوعِ الشَّكِّ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ فِي الْأَصْلِ الْمُسْتَرْوَحِ إِلَيْهِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى وِفْقِ الْأَصْلِ، غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلِيلِ الْفَسَادِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مَعَ عَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى وِفْقِ الْأَصْلِ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلِيلِ الْفَسَادِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تُقَاوُمُ الِاحْتِمَالَاتِ فِي صِحَّةِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ قَدْ دَلَّ عَلَى فَسَادِهَا فَلَا يُتْرَكُ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ دَلَائِلِ عَدَمِ الِانْتِقَاضِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ مُعَارَضٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ: (١) الْأَوَّلُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفُرُوعِ، سَوَاءٌ ظَنَّ بِهَا أَنَّهَا جِهَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ظَنَّ بِهَا ذَلِكَ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا هِيَ كَوْنُهُ مَوْزُونًا، ثُمَّ عَلِمْنَا إِبَاحَةَ بَيْعِ الرَّصَاصِ بِالرَّصَاصِ مُتَفَاضِلًا مَعَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ، لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تَقْتَضِي إِبَاحَتَهُ أَوْ بِنَصٍّ، فَإِنْ عَلِمْنَا إِبَاحَتَهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يُقَايَسُ بِهَا الرَّصَاصُ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ لِكَوْنِهِ أَبْيَضَ مَثَلًا، فَإِنَّا عِنْدَ ذَلِكَ لَا نَعْلَمُ تَحْرِيمَ بَيْعِ الْحَدِيدِ بِالْحَدِيدِ مُتَفَاضِلًا إِلَّا بِكَوْنِهِ مَوْزُونًا غَيْرَ أَبْيَضَ، فَإِنَّا لَوْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ أَبْيَضَ لَمْ نَعْلَمْ قُبْحَ بَيْعِهِ مُتَفَاضِلًا كَمَا لَوْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَوْزُونًا، فَبَانَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ تَحْرِيمَ شَيْءٍ لِكَوْنِهِ مَوْزُونًا فَقَطْ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْزُونُ стр. 843
مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ أَبْيَضَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا دَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ بَيْعِ الرَّصَاصِ نَصٌّ، وَسَوَاءٌ عَلِمْتَ عِلَّةَ الْإِبَاحَةِ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ.
الثَّانِي: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: اقْتِضَاءُ الْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ إِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ انْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ أَوْ لَا يُعْتَبَرَ، فَإِنِ اعْتُبِرَ لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ عِلَّةً إِلَّا عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَاصِلَ قَبْلَ انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ لَيْسَ هُوَ تَمَامُ الْعِلَّةِ بَلْ بَعْضُهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فَسَوَاءٌ حَصَلَ الْمُعَارِضُ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ يَكُونُ الْحُكْمُ حَاصِلًا، وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْمُعَارِضِ مُعَارِضًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُقْتَضِي مُقْتَضِيًا اقْتِضَاءً حَقِيقِيًّا بِالْفِعْلِ وَبَيْنَ كَوْنِ الْمَانِعِ مَانِعًا حَقِيقِيًّا بِالْفِعْلِ ; مُنَافَاةٌ بِالذَّاتِ، وَشَرْطُ طَرَيَانِ أَحَدِ الْمُتَنَافِيَيْنِ بِالذَّاتِ انْتِفَاءُ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ انْتِفَاءُ الْأَوَّلِ لَطَرَيَانِ اللَّاحِقِ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ وَحَيْثُ كَانَ شَرْطُ كَوْنِ الْمَانِعِ مَانِعًا خُرُوجَ الْمُقْتَضِي عَنْ كَوْنِهِ مُقْتَضِيًا بِالْفِعْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُقْتَضِيًا بِالْفِعْلِ لِأَجْلِ تَحَقُّقٍ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ، فَإِذًا الْمُقْتَضِي إِنَّمَا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُقْتَضِيًا لَا بِالْمَانِعِ بَلْ بِذَاتِهِ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْوَصْفَ وَإِنْ وُجِدَ مَعَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ فَقَدْ وُجِدَ مَعَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ، وَوُجُودُهُ مَعَ الْحُكْمِ لَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِكَوْنِهِ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَوُجُودُهُ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، وَالْوَصْفُ الْحَاصِلُ فِي الْفَرْعِ كَمَا إِنَّهُ مِثْلُ الْوَصْفِ الْحَاصِلِ فِي الْأَصْلِ فَهُوَ مِثْلُ الْوَصْفِ الْحَاصِلِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، وَلَيْسَ إِلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَلَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ عِلَّةً.
الْخَامِسُ: قَالُوا: لَا طَرِيقَ إِلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ سِوَى جَرَيَانِهَا مَعَ مَعْلُولِهَا، فَإِذَا لَمْ تَجْرِ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَى صِحَّتِهَا طَرِيقٌ.
السَّادِسُ: قَالُوا: الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا، امْتَنَعَ تَخْصِيصُهَا كَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ.
стр. 844
السَّابِعُ: قَالُوا: الْعِلَّةُ فِي الْقِيَاسِ طَرِيقٌ إِلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ فِي نَوْعَيْنِ امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ طَرِيقًا إِلَى الْعِلْمِ بِحُكْمِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا فِي الْإِدْرَاكَاتِ وَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ.
الثَّامِنُ: قَالُوا: لَوْ جَازَ وُجُودُ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي فُرُوعٍ يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَهَا فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَمْ يَكُنِ الْبَعْضُ بِالْإِثْبَاتِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ الْآخَرِ.
وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ دَلِيلِ الِانْتِقَاضِ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ مُعَارَضٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: (١) الْأَوَّلُ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هَذَا حُكْمٌ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ (٢) وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَةٌ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَوُجُودُهَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ كَوْنِ الْأَمَارَةِ أَمَارَةً عَلَى شَيْءٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُلَازِمًا لَهَا دَائِمًا، بِدَلِيلِ وُجُودِ جَمِيعِ الْأَمَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَحْكَامُ مُلَازِمَةً لَهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَبِدَلِيلِ الْغَيْمِ الرَّطْبِ فَإِنَّهُ أَمَارَةٌ عَلَى وُجُودِ الْمَطَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَطَرُ مُلَازِمًا لَهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ وُقُوفَ مَرْكُوبِ الْقَاضِي عَلَى بَابِ الْمَلِكِ أَمَارَةٌ عَلَى كَوْنِهِ فِي دَارِ الْمَلِكِ، وَلَا يَخْرُجُ فِي ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ أَمَارَةً لِوُجُودِهِ (٣) فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَالْقَاضِي غَيْرُ مَوْجُودٍ стр. 845
فِي دَارِ الْمَلِكِ بِأَنْ يَكُونَ مَرْكُوبُهُ مُسْتَعَارًا، وَكَذَلِكَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ أَمَارَةٌ عَلَى وُجُودِ الْحُكْمِ وَتَخَلُّفِ حُكْمِهِ عِنْدَ وُجُودِ النَّصِّ الرَّاجِحِ الْمُخَالِفِ لَهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ أَمَارَةً عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ النَّصِّ. (١) الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ أَمَارَةٌ فَجَازَ تَخْصِيصُهَا كَالْمَنْصُوصَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ كَوْنَ الْوَصْفِ أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ، إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى كَوْنِهِ أَمَارَةً عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَوْ لَا يَتَوَقَّفَ، فَإِنْ تَوَقَّفَ فَإِمَّا أَنْ لَا يَتَعَاكَسَ الْحَالُ فِي ذَلِكَ أَوْ يَتَعَاكَسَ (٢) ، الْأَوَّلُ مُحَالٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّوْرِ.
وَالثَّانِي أَيْضًا مُحَالٌ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى مِنَ الْمُعَارَضَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ: أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ عِلَّةَ الْقِيَاسِ أَمَارَةٌ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ مُعَرِّفَةٌ لَهُ، وَأَنَّهُ إِذَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا فِي صُورَةٍ أُخْرَى لِلْمَعَارِضِ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهَا فِي فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ دُونَ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ الْمُعَارِضِ لَهَا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ الْمُعَارِضِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ، بَلِ الْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ بَاعِثًا عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ، وَانْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ إِنَّمَا تَوَقَّفَ إِثْبَاتُ حُكْمِ الْأَمَارَةِ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ مَعَ تَحَقُّقِ الْمُعَارِضِ النَّافِي لَهُ، فَكَانَ نَفْيُهُ شَرْطًا فِي إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَمَارَةِ لَا أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الْأَمَارَةِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ اقْتِضَاءَ الْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ الْمُعَارِضِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ إِنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ حَاصِلًا، وَإِنْ حَصَلَ الْمُعَارِضُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعِلَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِلْحُكْمِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ وُجُودُ الْحُكْمِ أَنْ لَوِ انْتَفَى الْمُعَارِضُ الرَّاجِحُ أَوِ الْمُسَاوِي. следующие страницы →