Полный текст (1 203 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
عَنِ الْوَصْفِ غَايَتُهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ وَتُقَاوِمُ احْتِمَالَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ أَوْ وُجُودِ الْمُعَارِضِ عَلَى السَّوَاءِ، وَإِذَا كَانَ دَلِيلُ الْعِلَّةِ ظَاهِرًا وَدَلِيلُ الْفَسَادِ مَشْكُوكًا فِيهِ فَالْمَشْكُوكُ فِيهِ لَا يَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ الظَّاهِرِ. وَدَلِيلُ وُقُوعِ الشَّكِّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ وَتَقَاوُمِ الِاحْتِمَالِ فِيهَا - أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ لِمُعَارِضٍ مِنْ وُجُودِ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِفَسَادِ الْعِلَّةِ وَهُمَا مُتَقَاوِمَانِ. وَبَيَانُ التَّقَاوُمِ أَنَّ احْتِمَالَ الِانْتِفَاءِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى احْتِمَالِ انْتِفَائِهِ لِلْمُعَارِضِ ; دَفْعًا لِمَحْذُورِ الْمُعَارَضَةِ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِالنَّظَرِ إِلَى إِبْطَالِ الْعِلَّةِ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً. وَاحْتِمَالُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِلْمُعَارِضِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ الْحُكْمِ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِهِ؛ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى وِفْقِ الْأَصْلِ مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً. فَإِذًا احْتِمَالُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ مِنْ وَجْهٍ وَمُخَالِفٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ فَيَتَقَاوَمُ الِاحْتِمَالَانِ عَلَى السَّوَاءِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ، وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ بِوَجْهٍ.
قُلْنَا: إِذَا اعْتَرَفَ بِالشَّكِّ فِي دَلِيلِ فَسَادِ الْعِلَّةِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ الشَّكُّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ، وَيَلْزَمُ مِنَ الشَّكِّ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ انْتِفَاءُ الظَّنِّ بِكَوْنِهَا عِلَّةً ; لِأَنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ مُتَقَابِلَانِ فَمَهْمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ وَقَعَ الشَّكُّ فِي الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ظَاهِرًا وَالْآخَرُ بَعِيدًا فَالْقَوْلُ بِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ مَعَ ظُهُورِ الْآخَرِ مُمْتَنِعٌ كَمَا يَمْتَنِعُ الشَّكُّ فِي الْغَيْمِ مَعَ ظَنِّ الصَّحْوِ، وَالشَّكُّ فِي مَوْتِ زَيْدٍ مَعَ ظَنِّ حَيَاتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا شَكَكْنَا فِي الطَّهَارَةِ وَحَكَمْنَا بِالنَّجَاسَةِ نَظَرًا إِلَى النَّجَاسَةِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّ الشَّكَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُجَامِعُ النَّظَرَ إِلَى الْأَصْلِ بَلْ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى الْأَصْلِ يَتَرَجَّحُ أَحَدُ احْتِمَالَيِ الشَّكِّ عَلَى الْآخَرِ فَلَا يَبْقَى الشَّكُّ مُتَحَقِّقًا، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي النَّجَاسَةِ أَوِ الطَّهَارَةِ مَعَ النَّظَرِ إِلَى الْأَصْلِ لَبَقِيَ الشَّكُّ مَعْمُولًا بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الشَّكَّ إِنَّمَا وَقَعَ فِي فَسَادِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَعَ النَّظَرِ إِلَى دَلِيلِ الْعِلَّةِ، وَلَوْلَا النَّظَرُ إِلَى دَلِيلِ الْعِلَّةِ لَكَانَ الظَّاهِرُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ لَا انْتِفَاءَ الْعِلَّةِ، وَمَهْمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِظُهُورِ الْعِلَّةِ مَعَ أَنَّ تَقَاوُمَ الِاحْتِمَالِ إِنَّمَا كَانَ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلِيلِ الْعِلَّةِ.
стр. 842
كَيْفَ وَإِنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: انْتِفَاءُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْوَصْفِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ عَلَى وِفْقِهِ مَعَ مُنَاسَبَتِهِ مِمَّا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهِ فِي مَحَلِّ الِاعْتِبَارِ، وَالْمَشْكُوكُ فِيهِ لَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ، وَبَيَانُ وُقُوعِ الشَّكِّ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ فِي الْأَصْلِ الْمُسْتَرْوَحِ إِلَيْهِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى وِفْقِ الْأَصْلِ، غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلِيلِ الْفَسَادِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مَعَ عَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى وِفْقِ الْأَصْلِ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلِيلِ الْفَسَادِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تُقَاوُمُ الِاحْتِمَالَاتِ فِي صِحَّةِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ قَدْ دَلَّ عَلَى فَسَادِهَا فَلَا يُتْرَكُ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ دَلَائِلِ عَدَمِ الِانْتِقَاضِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ مُعَارَضٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ: (١) الْأَوَّلُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفُرُوعِ، سَوَاءٌ ظَنَّ بِهَا أَنَّهَا جِهَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ظَنَّ بِهَا ذَلِكَ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا هِيَ كَوْنُهُ مَوْزُونًا، ثُمَّ عَلِمْنَا إِبَاحَةَ بَيْعِ الرَّصَاصِ بِالرَّصَاصِ مُتَفَاضِلًا مَعَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ، لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تَقْتَضِي إِبَاحَتَهُ أَوْ بِنَصٍّ، فَإِنْ عَلِمْنَا إِبَاحَتَهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يُقَايَسُ بِهَا الرَّصَاصُ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ لِكَوْنِهِ أَبْيَضَ مَثَلًا، فَإِنَّا عِنْدَ ذَلِكَ لَا نَعْلَمُ تَحْرِيمَ بَيْعِ الْحَدِيدِ بِالْحَدِيدِ مُتَفَاضِلًا إِلَّا بِكَوْنِهِ مَوْزُونًا غَيْرَ أَبْيَضَ، فَإِنَّا لَوْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ أَبْيَضَ لَمْ نَعْلَمْ قُبْحَ بَيْعِهِ مُتَفَاضِلًا كَمَا لَوْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَوْزُونًا، فَبَانَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ تَحْرِيمَ شَيْءٍ لِكَوْنِهِ مَوْزُونًا فَقَطْ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْزُونُ стр. 843
مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ أَبْيَضَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا دَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ بَيْعِ الرَّصَاصِ نَصٌّ، وَسَوَاءٌ عَلِمْتَ عِلَّةَ الْإِبَاحَةِ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ.
الثَّانِي: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: اقْتِضَاءُ الْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ إِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ انْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ أَوْ لَا يُعْتَبَرَ، فَإِنِ اعْتُبِرَ لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ عِلَّةً إِلَّا عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَاصِلَ قَبْلَ انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ لَيْسَ هُوَ تَمَامُ الْعِلَّةِ بَلْ بَعْضُهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فَسَوَاءٌ حَصَلَ الْمُعَارِضُ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ يَكُونُ الْحُكْمُ حَاصِلًا، وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْمُعَارِضِ مُعَارِضًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُقْتَضِي مُقْتَضِيًا اقْتِضَاءً حَقِيقِيًّا بِالْفِعْلِ وَبَيْنَ كَوْنِ الْمَانِعِ مَانِعًا حَقِيقِيًّا بِالْفِعْلِ ; مُنَافَاةٌ بِالذَّاتِ، وَشَرْطُ طَرَيَانِ أَحَدِ الْمُتَنَافِيَيْنِ بِالذَّاتِ انْتِفَاءُ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ انْتِفَاءُ الْأَوَّلِ لَطَرَيَانِ اللَّاحِقِ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ وَحَيْثُ كَانَ شَرْطُ كَوْنِ الْمَانِعِ مَانِعًا خُرُوجَ الْمُقْتَضِي عَنْ كَوْنِهِ مُقْتَضِيًا بِالْفِعْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُقْتَضِيًا بِالْفِعْلِ لِأَجْلِ تَحَقُّقٍ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ، فَإِذًا الْمُقْتَضِي إِنَّمَا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُقْتَضِيًا لَا بِالْمَانِعِ بَلْ بِذَاتِهِ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْوَصْفَ وَإِنْ وُجِدَ مَعَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ فَقَدْ وُجِدَ مَعَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ، وَوُجُودُهُ مَعَ الْحُكْمِ لَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِكَوْنِهِ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَوُجُودُهُ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، وَالْوَصْفُ الْحَاصِلُ فِي الْفَرْعِ كَمَا إِنَّهُ مِثْلُ الْوَصْفِ الْحَاصِلِ فِي الْأَصْلِ فَهُوَ مِثْلُ الْوَصْفِ الْحَاصِلِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، وَلَيْسَ إِلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَلَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ عِلَّةً.
الْخَامِسُ: قَالُوا: لَا طَرِيقَ إِلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ سِوَى جَرَيَانِهَا مَعَ مَعْلُولِهَا، فَإِذَا لَمْ تَجْرِ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَى صِحَّتِهَا طَرِيقٌ.
السَّادِسُ: قَالُوا: الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا، امْتَنَعَ تَخْصِيصُهَا كَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ.
стр. 844
السَّابِعُ: قَالُوا: الْعِلَّةُ فِي الْقِيَاسِ طَرِيقٌ إِلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ فِي نَوْعَيْنِ امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ طَرِيقًا إِلَى الْعِلْمِ بِحُكْمِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا فِي الْإِدْرَاكَاتِ وَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ.
الثَّامِنُ: قَالُوا: لَوْ جَازَ وُجُودُ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي فُرُوعٍ يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَهَا فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَمْ يَكُنِ الْبَعْضُ بِالْإِثْبَاتِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ الْآخَرِ.
وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ دَلِيلِ الِانْتِقَاضِ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ مُعَارَضٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: (١) الْأَوَّلُ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هَذَا حُكْمٌ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ (٢) وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَةٌ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَوُجُودُهَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ كَوْنِ الْأَمَارَةِ أَمَارَةً عَلَى شَيْءٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُلَازِمًا لَهَا دَائِمًا، بِدَلِيلِ وُجُودِ جَمِيعِ الْأَمَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَحْكَامُ مُلَازِمَةً لَهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَبِدَلِيلِ الْغَيْمِ الرَّطْبِ فَإِنَّهُ أَمَارَةٌ عَلَى وُجُودِ الْمَطَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَطَرُ مُلَازِمًا لَهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ وُقُوفَ مَرْكُوبِ الْقَاضِي عَلَى بَابِ الْمَلِكِ أَمَارَةٌ عَلَى كَوْنِهِ فِي دَارِ الْمَلِكِ، وَلَا يَخْرُجُ فِي ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ أَمَارَةً لِوُجُودِهِ (٣) فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَالْقَاضِي غَيْرُ مَوْجُودٍ стр. 845
فِي دَارِ الْمَلِكِ بِأَنْ يَكُونَ مَرْكُوبُهُ مُسْتَعَارًا، وَكَذَلِكَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ أَمَارَةٌ عَلَى وُجُودِ الْحُكْمِ وَتَخَلُّفِ حُكْمِهِ عِنْدَ وُجُودِ النَّصِّ الرَّاجِحِ الْمُخَالِفِ لَهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ أَمَارَةً عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ النَّصِّ. (١) الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ أَمَارَةٌ فَجَازَ تَخْصِيصُهَا كَالْمَنْصُوصَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ كَوْنَ الْوَصْفِ أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ، إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى كَوْنِهِ أَمَارَةً عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَوْ لَا يَتَوَقَّفَ، فَإِنْ تَوَقَّفَ فَإِمَّا أَنْ لَا يَتَعَاكَسَ الْحَالُ فِي ذَلِكَ أَوْ يَتَعَاكَسَ (٢) ، الْأَوَّلُ مُحَالٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّوْرِ.
وَالثَّانِي أَيْضًا مُحَالٌ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى مِنَ الْمُعَارَضَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ: أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ عِلَّةَ الْقِيَاسِ أَمَارَةٌ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ مُعَرِّفَةٌ لَهُ، وَأَنَّهُ إِذَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا فِي صُورَةٍ أُخْرَى لِلْمَعَارِضِ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهَا فِي فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ دُونَ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ الْمُعَارِضِ لَهَا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ الْمُعَارِضِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ، بَلِ الْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ بَاعِثًا عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ، وَانْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ إِنَّمَا تَوَقَّفَ إِثْبَاتُ حُكْمِ الْأَمَارَةِ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ مَعَ تَحَقُّقِ الْمُعَارِضِ النَّافِي لَهُ، فَكَانَ نَفْيُهُ شَرْطًا فِي إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَمَارَةِ لَا أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الْأَمَارَةِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ اقْتِضَاءَ الْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ الْمُعَارِضِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ إِنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ حَاصِلًا، وَإِنْ حَصَلَ الْمُعَارِضُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعِلَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِلْحُكْمِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ وُجُودُ الْحُكْمِ أَنْ لَوِ انْتَفَى الْمُعَارِضُ الرَّاجِحُ أَوِ الْمُسَاوِي. стр. 846
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنِ النَّفْيِ الْقَدْحُ فِي الْمُعَارِضِ وَلَا فِي الْعِلَّةِ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: لَا نُسَلِّمُ الْمُنَافَاةَ بَيْنَ اقْتِضَاءِ الْمُقْتَضِي وَاقْتِضَاءِ الْمَانِعِ، وَلَا اسْتِحَالَةَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَإِنِ اسْتَحَالَ الْجَمْعُ بَيْنَ حُكْمِهِمَا.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ خُرُوجُ الْمُقْتَضِي عَنْ جِهَةِ اقْتِضَائِهِ لَا بِذَاتِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمُتَنَافِيَاتِ بِالذَّاتِ.
وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وُجُودُ الْوَصْفِ مَعَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِكَوْنِهِ عِلَّةً لَكِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهُ عِلَّةً، وَوُجُودُهُ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْصِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، بَلِ الظَّنُّ بِالْعِلِّيَّةِ بَاقٍ بِحَالِهِ وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ إِنَّمَا كَانَ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ النَّافِي لِلْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَاعِدَةِ الْقَائِلِينَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
وَعَنِ الْخَامِسَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اطِّرَادَ الْعِلَّةِ طَرِيقٌ إِلَى صِحَّتِهَا كَمَا يَأْتِي مُفَصَّلًا مِنْ كَوْنِهِ (١) لَا طَرِيقَ سِوَاهُ.
وَعَنِ السَّادِسَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا، بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ فَوَاتِ الْقَابِلِ لِحُكْمِهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكَلَامِيَاتِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ تَخَلُّفِ حُكْمِهِا عَنْهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا وَلَا لِكَوْنِهَا عِلَّةً، بَلْ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا مُقْتَضِيَةً لِلْحُكْمِ لِذَاتِهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُقْتَضِيَةً لِلْحُكْمِ لِذَاتِهَا وَإِنَّمَا هِيَ عِلَّةٌ بِوَضْعِ الشَّارِعِ لَهَا أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ.
وَعَنِ السَّابِعَةِ: أَنَّهُ لَيْسَتِ الْعِلَّةُ فِي امْتِنَاعِ الِافْتِرَاقِ فِي الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْمُتَعَلِّقِ بِمَدْلُولَيْنِ، وَامْتِنَاعِ الِافْتِرَاقِ فِي الْإِدْرَاكِ الْمُتَعَلِّقِ بِمُدْرَكَيْنَ كَوْنُهُ طَرِيقًا لَا دَلِيلًا، بَلْ لِكَوْنِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ مُوجِبًا لِذَاتِهِ وَلِكَوْنِ الْإِدْرَاكِ مِمَّا يَجِبُ الْعِلْمُ بِالْمُدْرَكِ عِنْدَهُ عَادَةً (٢) بِخِلَافِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ. стр. 847
وَعَنِ الثَّامِنَةِ: أَنَّهُ إِنَّمَا اخْتُصَّ الْبَعْضُ بِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ دُونَ الْبَعْضِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمُعَارِضٍ لَا تَحَقُّقَ لَهُ فِيمَا كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِيهِ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى مِنَ الْمُعَارَضَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّخْصِيصِ: أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا عَلَى خِلَافِهِ أَنَّهُ حُجَّةٌ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُفِيدًا.
وَإِنْ كَانَ حُجَّةً لَكِنْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنِ الْأَمَارَةِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ فِي صُورَةٍ كَانَتِ الْأَمَارَةُ أَمَارَةً فِيهِ قَدْ تَحَقَّقَ فِي صُورَةِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهُ مُمْتَنِعٌ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْمَوْجُودُ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ لَيْسَ هُوَ الْأَمَارَةَ الَّتِي تَوَقَّفَ عَلَيْهَا التَّعْرِيفُ بَلِ الْبَعْضُ مِنْهَا.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَخْرِيجُ كُلِّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الصُّوَرِ. (١) وَعَنِ الثَّالِثَةِ: بِمَنْعِ كَوْنِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ مَعَارِضٍ أَمَارَةً، وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يُوجَدِ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِنْ دَلُّوا عَلَى كَوْنِهَا أَمَارَةً مَعَ التَّخْصِيصِ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَهُوَ كَافٍ فِي الْمَطْلُوبِ، وَخُرُوجٌ عَنْ خُصُوصِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ.
وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّ الْمُخْتَارَ مِمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَقْسَامِ قِسْمُ التَّوَقُّفِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الدَّوْرِ، إِنَّمَا يَلْزَمُ إِنْ لَوْ تَوَقَّفَ كَوْنُ الْأَمَارَةِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّورَتَيْنِ عَلَى كَوْنِهَا أَمَارَةً فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى تَوَقُّفٌ تَقَدَّمَ، أَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمَعِيَّةِ فَلَا كَمَا عُرِفَ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. стр. 848
[الْمَسْأَلَةُ التاسعة الْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنَ الْحُكْمِ هَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِلْعِلَّةِ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ
اخْتَلَفُوا فِي الْكَسْرِ، وَهُوَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ عَنْ مَعْنَى الْعِلَّةِ وَهُوَ الْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنَ الْحُكْمِ، هَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِلْعِلَّةِ أَوْ لَا؟ .
وَصُوَرُتُهُ مَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْعَاصِي بِسَفَرِ مُسَافِرٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَخَّصَ فِي سَفَرِهِ كَغَيْرِ الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ، وَبَيْنَ مُنَاسِبَةِ السَّفَرِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ.
فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: مَا ذَكَرْتَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ وَهِيَ الْمَشَقَّةُ مُنْتَقِضَةٌ، فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ الْحَمَّالِ وَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ فِي الْحَضَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا رُخْصَةَ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلْعِلَّةِ.
وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِي الْحِكْمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُنْضَبِطَةً بِنَفْسِهَا بَلْ بِضَابِطِهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى أَنَّ مِقْدَارَهَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ، بَلْ هُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ فَدَأْبُ الشَّارِعِ فِيهِ رَدُّ النَّاسِ إِلَى الْمَظَانِّ الظَّاهِرَةِ الْجَلِيَّةِ دَفْعًا لِلْعُسْرِ عَنِ النَّاسِ وَالتَّخَبُّطِ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ بِهَا دُونَ ضَابِطِهَا، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ عِلَّةً فَلَا مَعْنَى لِإِيرَادِ النَّقْضِ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ إِنَّمَا هُوَ الْحِكْمَةُ دُونَ ضَابِطِهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ الْحِكْمَةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مُسَاوِيًا لِمِقْدَارِهَا فِي صُورَةِ التَّعْلِيلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَزْيَدَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْمُسَاوَاةِ وَالزِّيَادَةِ فَقَدْ وُجِدَ فِي صُورَةِ النَّقْصِ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي صُورَةِ التَّعْلِيلِ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ مَوْجُودًا بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ مِمَّا لَا يَتِمُّ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَيَظْهَرُ إِلْغَاءُ مَا ظُنَّ أَنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّلٌ بِهِ.
قُلْنَا: الْحِكْمَةُ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ مَضْبُوطَةً إِمَّا بِنَفْسِهَا أَوْ بِضَابِطِهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَا فُرِضَ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مُجَرَّدَةً عَنْ ضَابِطِهَا فَامْتَنَعَ كَوْنُهَا مَقْصُودَةً، وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا
стр. 849
مَقْصُودَةً فَالنَّقْضُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَارِضِ لِدَلِيلِ كَوْنِهَا مُعَلَّلًا بِهَا، وَعَلَى هَذَا فَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْحِكْمَةِ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى إِبْطَالِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ مَرْجُوحٌ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلِيلِ التَّعْلِيلِ بِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ لِمُعَارِضٍ، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ فَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا لَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: بَحَثْنَا وَسَبَرْنَا فَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا فِي صُورَةِ النَّقْصِ (١) فَيَظْهَرُ أَنَّ انْتِفَاءَهُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: بَحَثْتُ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ فَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَى مَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ، فَدَلَّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: بَحْثُنَا رَاجِحٌ ; لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ نَفْيًا لِلتَّعَارُضِ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا بَحَثَ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ مُوَافَقَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ دَلِيلِ الْعِلَّةِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ وَالِاعْتِبَارِ فَيَتَقَاوَمَانِ، وَيَتَرَجَّحُ كَلَامُ الْمُسْتَدِلِّ بِأَنَّ مِقْدَارَ الْحِكْمَةِ فِي صُورَةِ التَّعْلِيلِ وَإِنْ كَانَ مَظْنُونُ الْوُجُودِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْجُودًا فِيهَا، وَإِلَّا كَانَ مَقْطُوعًا لَا مَظْنُونًا، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ التَّعْلِيلِ قَطْعًا مَعَ قِرَانِ الْحُكْمِ بِهِ قَطْعًا، وَهُوَ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ، وَمَا هُوَ دَلِيلُ الْبُطْلَانِ فَوُجُودُهَا (٢) فِي صُورَةِ النَّقْضِ ظَنًّا مَعَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ قَطْعًا، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ رَاجِحٌ عَلَى مَا هُوَ مَقْطُوعٌ مِنْ وَجْهٍ وَمَظْنُونٌ مِنْ وَجْهٍ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْجِيحِ مِمَّا لَا يَتَّجِهُ عَلَى النَّقْضِ عَلَى الْمَظَنَّةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ لَازِمًا عَلَى الْمَظَنَّةِ دُونَ الْحِكْمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ فُرِضَ وُجُودُ الْحِكْمَةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ قَطْعًا فَمَا الْمُخْتَارُ فِيهِ؟ قُلْنَا: ذَلِكَ مِمَّا يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ، وَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنَّهُ لَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فِي آحَادِ الصُّوَرِ بِخَفَائِهِ وَنُدْرَتِهِ مِمَّا يَلْزَمُ مِنْهُ نَوْعٌ عَسِرٌ وَحَرِجٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي التَّوَسُّلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الضَّوَابِطِ الْجَلِيَّةِ، فَكَانَ مِنَ الْمُنَاسِبِ حَطُّ هَذِهِ الْكُلْفَةِ عَنْ وِرْدِ النَّاسِ إِلَى الضَّوَابِطِ الْجَلِيَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى احْتِمَالِ الْحُكْمِ فِي الْغَالِبِ. стр. 850
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْبَحْثُ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ هَلْ هِيَ مَوْجُودَةٌ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إِلَى الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ؟ إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَنَفْيِهَا إِنَّمَا هُوَ الْحِكَمُ وَالْمَقَاصِدُ، فَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْحِكْمَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مُمَاثِلَةً لَهَا فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ قَطْعًا لَوْ لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِ التَّعْلِيلِ بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لَزِمَ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ حِكْمَتِهِ قَطْعًا، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ كَمَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ مَعَ انْتِفَاءِ حِكْمَتِهِ قَطْعًا فِيمَا عَدَا الصُّورَةِ النَّادِرَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ نَقُلْ بِإِلْغَائِهَا عِنْدَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا، فَيَصِحُّ مَعَ تَيَقُّنِهَا فَيَلْزَمُ مِنْهُ (١) إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهَا مَعَ الضَّابِطِ مَعَ كَوْنِهَا مُلْغَاةً قَطْعًا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحْذُورَ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ لِحِكْمَةٍ أَلْغَاهَا الشَّارِعُ، أَوْ نَفْيَ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ حِكْمَتِهِ يَقِينًا أَعْظَمُ مِنَ الْمَحْذُورِ اللَّازِمِ لِلْمُجْتَهِدِ مِنَ الْبَحْثِ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا فُرِضَ وُجُودُ الْحِكْمَةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ أَزْيَدَ مِنْهَا فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ يَقِينًا، لَكِنْ إِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ مَعَهَا فِي صُورَةِ النَّقْضِ حُكْمٌ هُوَ أَلْيَقُ بِهَا بِأَنْ يَكُونَ وَافِيًا بِتَحْصِيلِ أَصْلِ الْحِكْمَةِ وَزِيَادَةً، وَلَوْ رَتَّبَ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْحُكْمَ الْمُعَلَّلَ كَانَ فِيهِ الْإِخْلَالُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْحِكْمَةِ وَلَا إِلْغَاءً لَهَا، بَلِ الْوَاجِبُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ عَنْهَا وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ اللَّائِقِ بِهَا الْوَافِي بِتَحْصِيلِ الزِّيَادَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ رِعَايَةِ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ وَزِيَادَتِهَا، فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ وَإِلْغَاءِ الزِّيَادَةِ، فَإِذًا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى إِلْغَاءِ الْحِكْمَةِ بَلْ عَلَى اعْتِبَارِهَا بِأَصْلِهَا وَصِفَتِهَا.
وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا إِذَا عَلَّلَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُوبَ الْقَطْعِ قَصَاصًا بِحِكْمَةِ الزَّجْرِ.
فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: مَقْصُودُ الزَّجْرِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ أَعْظَمُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْقَطْعُ، فَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: الْحِكْمَةُ فِي صُورَةِ النَّقْضِ وَإِنْ كَانَتْ أَزْيَدَ مِنْهَا فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ مَعَهَا فِي حُكْمٍ هُوَ أَلْيَقُ بِهَا وَهُوَ وُجُوبُ الْقَتْلِ. стр. 851
[الْمَسْأَلَةُ العاشرة النَّقْضِ الْمَكْسُورِ]
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ
اخْتَلَفُوا فِي النَّقْضِ الْمَكْسُورِ، وَهُوَ النَّقْضُ عَلَى بَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ. (١) وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ: مَبِيعُ مَجْهُولِ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ حَالَ الْعَقْدِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ قَالَ: " بِعْتُكَ عَبْدًا ".
فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا يَنْتَقِضُ بِمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَرَهَا فَإِنَّهَا مَجْهُولَةُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ لَدَى الْعَقْدِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى رَدِّهِ وَإِبْطَالِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ إِنَّمَا وَقَعَ بِكَوْنِهِ مَبِيعًا مَجْهُولَ الصِّفَةِ لَا بِكَوْنِهِ مَجْهُولَ الصِّفَةِ فَقَطْ، وَالْمَنْكُوحَةُ لَيْسَتْ مَبِيعَةً وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الصِّفَةِ، وَإِبْطَالُ التَّعْلِيلِ بِبَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ لَا يَكُونُ إِبْطَالًا بِجُمْلَةِ الْعِلَّةِ.
نَعَمْ، إِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْوَصْفِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَنِ النَّقْصِ فِي الْحُكْمِ لَا بِانْفِرَادِهِ وَلَا مَعَ ضَمِيمَةٍ إِلَى الْوَصْفِ الْآخَرِ، فَالْمُسْتَدِلُّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: بَيْنَ أَنْ يَبْقَى مُصِرًّا عَلَى التَّعْلِيلِ بِمَجْمُوعِ الْوَصْفَيْنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلَامَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْمَنْقُوضِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَقَدْ بَطَلَ التَّعْلِيلُ بِمَا عَلَّلَ بِهِ لِعَدَمِ التَّأْثِيرِ لَا بِالنَّقْضِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَقَدْ بَطَلَ التَّعْلِيلُ بِالنَّقْضِ لِكَوْنِهِ وَارِدًا عَلَى كُلِّ الْعِلَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْوَصْفُ الْمَحْذُوفُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا وَلَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ لَا بِانْفِرَادِهِ وَلَا مَعَ ضَمِيمَةٍ إِلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَخْذُهُ فِي التَّعْلِيلِ لِفَائِدَةِ الِاحْتِرَازِ عَنِ النَّقْضِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عَنِ التَّعْلِيلِ أَنْ لَوْ تَعَرَّى عَنِ الْفَائِدَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَيْسَتِ الْفَائِدَةُ مُنْحَصِرَةً فِي الْمُنَاسَبَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قُلْنَا: فَائِدَةُ الِاحْتِرَازِ بِهِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ لَكَانَتِ الْعِلَّةُ مَا وَرَاءَهُ، وَالنَّقْضُ إِذْ ذَاكَ يَكُونُ وَارِدًا عَلَيْهَا، وَكَوْنُهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ بِهِ وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ. стр. 852
[الْمَسْأَلَةُ الحادية عشرة اشْتِرَاطِ الْعَكْسِ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ]
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (١) اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَكْسِ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ أَصْحَابُنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ.
وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْحِجَاجِ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَقْسَامِ الْعَكْسِ، وَاخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحَاتِ فِيهِ وَتَعْيِينِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مِنْهَا.
فَنَقُولُ: أَمَّا الْعَكْسُ فِي اللُّغَةِ فَمَأْخُوذٌ مِنْ رَدِّ أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى آخِرِهِ، وَآخِرِهِ إِلَى أَوَّلِهِ، وَأَصْلُهُ شَدُّ رَأْسِ الْبَعِيرِ بِخِطَامِهِ إِلَى ذِرَاعِهِ.
وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْحُكَمَاءِ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَعْلِ اللَّازِمِ مَلْزُومًا وَالْمَلْزُومِ لَازِمًا مَعَ بِقَاءِ كَيْفِيَّةِ الْقَضِيَّةِ بِحَالِهَا مِنَ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ (٢) وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ فِي عَكْسِ الْقَضِيَّةِ الْحَمْلِيَّةِ إِذَا كَانَتْ مُوجِبَةً كُلِّيَّةً كَقَوْلِنَا: (كُلُّ إِنْسَانٍ حَيَوَانٌ) ، أَوْ جُزْئِيَّةً كَقَوْلِنَا: (بَعْضُ الْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ) ، (بَعْضُ الْحَيَوَانِ إِنْسَانٌ) ، أَوْ كُلِّيَّةً سَالِبَةً كَقَوْلِنَا: (لَا شَيْءَ مِنَ الْإِنْسَانِ بِحَجَرٍ) ، (لَا شَيْءَ مِنَ الْحَجَرِ بِإِنْسَانٍ) ، وَعَلَى قِيَاسِهِ عَكْسُ الْقَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ.
وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ فَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْعَكْسُ بِاعْتِبَارَيْنِ:
الْأَوَّلُ مِنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الْحَنَفِيِّ: لَمَّا لَمْ يَجِبِ الْقَتْلُ بِصَغِيرِ الْمُثَقَّلِ لَمْ يَجِبْ بِكَبِيرِهِ، بِدَلِيلِ عَكْسِهِ فِي الْمُحَدَّدِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ بِكَبِيرِ الْجَارِحِ وَجَبَ بِصَغِيرِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ стр. 853
فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ وُرُودِ الشَّارِعِ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِكُلِّ جَارِحٍ وَإِنْ تَخَصَّصَ وُجُوبُهُ فِي الْمُثَقَّلِ بِالْكَبِيرِ مِنْهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ (١) وَالْعَكْسُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْخِلَافِ هَاهُنَا.
وَالْمُخْتَارُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ جِنْسَ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ سِوَى عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِعِلَلٍ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، وَذَلِكَ كَتَعْلِيلِ جِنْسِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَإِنَّهُ لَا عِلَّةَ لَهُ سِوَاهُ، فَلَا شَكَّ فِي لُزُومِ انْتِفَائِهِ عِنْدَ انْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، لَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ نَفْيُ الْحُكْمِ، بَلْ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، كَمَا فِي إِبَاحَةِ الدَّمِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. وَالرِّدَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالزِّنَى فِي الْإِحْصَانِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَتَعْلِيلِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْمَسِّ وَاللَّمْسِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ بَعْضِ هَذِهِ الْعِلَلِ نَفْيُ جِنْسِ الْحُكْمِ لِجَوَازِ وُجُودِ عِلَّةٍ أُخْرَى، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ نَفْيُهُ بِتَقْدِيرِ انْتِفَاءِ جَمِيعِ الْعِلَلِ.
هَذَا فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ، وَأَمَّا آحَادُ أَشْخَاصِ الْحِكَمِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُهُ بِعِلَّتَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْعِلَّةِ الْمُعَيَّنَةِ نَفْيُهُ لِجَوَازِ وُجُودِ بَدَلِهَا لِمَا سَبَقَ.
فَإِنْ قِيلَ: وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا عِلَّةَ لَهُ سِوَاهَا فِي دَلِيلٍ عَلَيْهِ فَكَانَتْ مُشَابِهَةً لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الدَّلِيلِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ نَفْيُ الْمَدْلُولِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ الصَّنْعَةَ دَلِيلُ وُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَلَوْ قُدِّرَ انْتِفَاؤُهَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ انْتِفَاءُ وُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى فَكَذَلِكَ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ.
قُلْنَا: الْعِلَّةُ وَإِنْ كَانَتْ دَلِيلَ الْحُكْمِ فَلَا نَعْنِي بِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَائِهَا انْتِفَاءَهُ فِي نَفْسِهِ، بَلِ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ بِهِ ضَرُورَةُ تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ وَلَا دَلِيلَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الصَّنْعَةِ مَعَ الصَّانِعِ. стр. 854
[الْمَسْأَلَةُ الثانية عشرة تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ بِعِلَّتَيْنِ مَعًا]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ (١) اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَلٍ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ (٢) فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ بِعِلَّتَيْنِ مَعًا.
فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْعِلَلِ الْمُنَصْوُصَةِ وَالْمُسْتَنْبَطَةِ، فَجَوَّزَهُ فِي الْمُنَصْوُصَةِ وَمَنَعَ مِنْهُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ كَالْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ.
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعَلَّلًا بِعِلَّتَيْنِ لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ تَسْتَقِلَّ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِالتَّعْلِيلِ، أَوْ أَنَّ الْمُسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ أَنَّهُ لَا اسْتِقْلَالَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَلِ التَّعْلِيلُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا.
لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْوَصْفِ مُسْتَقِلًّا بِالتَّعْلِيلِ أَنَّهُ عِلَّةُ الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَلْزَمُ مِنَ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِهَذَا التَّفْسِيرِ امْتِنَاعُ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَهُوَ مُحَالٌ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ أَوِ الثَّالِثَ فَالْعِلَّةُ لَيْسَتْ إِلَّا وَاحِدَةً، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي التَّعْلِيلِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ أَوْ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ لَا نُفَسِّرُ اسْتِقْلَالَ الْعِلَّةِ بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِهَا لَا غَيْرَ لِيَلْزَمَنَا مَا قِيلَ، بَلْ مَعْنَى اسْتِقْلَالِهَا أَنَّهَا لَوِ انْفَرَدَتْ لَكَانَ الْحُكْمُ لَهَا وَلَا أَثَرَ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهَا.
وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى امْتِنَاعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِالْحُكْمِ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا هُوَ الْوَاقِعُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
وَذَلِكَ أَنَّا قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ عَقِيبَ عِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ، كُلِّ وَاحِدَةٍ قَدْ ثَبَتَ اسْتِقْلَالُهَا بِالتَّعْلِيلِ فِي صُورَةٍ. стр. 855
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: الْعِلَّةُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ أَوِ الْكُلُّ (عِلَّةٌ) وَاحِدَةٌ ذَاتُ أَوْصَافٍ، أَوْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ وَإِلَّا فَهِيَ مُعَيَّنَةٌ أَوْ مُبْهَمَةٌ: الْقَوْلُ بِالتَّعْيِينِ مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ خُرُوجِ الْبَاقِي عَنِ التَّعْلِيلِ مَعَ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِهِ، وَبِهَذَا يَبْطُلُ الْإِبْهَامُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَيْضًا، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ الِاسْتِقْلَالُ.
وَدَلِيلُ ثُبُوتِ مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ: الْإِجْمَاعُ عَلَى إِبَاحَةِ قَتْلِ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا قَتْلًا عَمْدًا عُدْوَانًا، وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَزَنَا مُحْصَنًا وَقَطَعَ الطَّرِيقَ مَعًا، وَعَلَى ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرِ الْمَجْنُونِ، وَعَلَى امْتِنَاعِ نِكَاحِ مَنْ أَوْلَدَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ، وَعَلَى تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَائِضِ الْمُعْتَدَّةِ الْمُحْرِمَةِ، وَعَلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْمَسِّ وَاللَّمْسِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مَعًا.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِي حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ لَا فِي حَالَةِ الِانْفِرَادِ، وَالتَّقْسِيمُ فِي حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ، فَعَلَى مَا سَبَقَ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَالْوَجْهُ فِي دَفْعِهَا أَنْ تَقُولَ: أَمَّا إِبَاحَةُ قَتْلِ مَنْ قَتَلَ وَارْتَدَّ وَزَنَى مُحْصَنًا وَقَطَعَ الطَّرِيقَ، فَالْعِلَلُ وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مُتَعَدِّدَةً فَالْحُكْمُ أَيْضًا مُتَعَدِّدٌ شَخْصًا وَإِنِ اتَّحَدَ نَوْعًا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ إِبَاحَةِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْعَوْدَةِ عَنِ الرِّدَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ انْتِفَاؤُهَا بِبَاقِي الْأَسْبَابِ الْأُخَرِ، وَلَا مِنَ انْتِفَاءِ الْإِبَاحَةِ بِسَبَبِ إِسْقَاطِ الْقِصَاصِ انْتِفَاؤُهَا بِبَاقِي الْأَسْبَابِ.
وَيَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْحُكْمِ أَيْضًا أَنَّ الْإِبَاحَةَ بِجِهَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ بِجِهَةِ الْخُلُوصِ، وَلِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِسْقَاطِهِ مُطْلَقًا، وَالْإِبَاحَةُ بِجِهَةِ الزِّنَا وَالرِّدَّةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى بِجِهَةِ الْخُلُوصِ دُونَ الْآدَمِيِّ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِيفَاءِ فَالْمُقَدَّمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ بِجِهَةِ الْقَصَاصِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالْمُضَايَقَةِ، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْآدَمِيَّ يَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِ حَقِّهِ دُونَ الْبَارِي تَعَالَى.
وَأَمَّا ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرِ الْمَجْنُونِ فَمُسْتَنِدَةٌ إِلَى الصِّغَرِ لِسَبْقِهِ عَلَى الْجُنُونِ لِكَوْنِ الْجُنُونِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بَعْدَ حِينٍ، وَكَذَلِكَ امْتِنَاعُ نِكَاحِ الْوَالِدَةِ الْمُرْضِعَةِ فَإِنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْوِلَادَةِ دُونَ الرَّضَاعِ لِسَبْقِهَا عَلَيْهِ.
стр. 856
وَأَمَّا الْوَطْءُ فِي حَقِّ الْحَائِضِ الْمُعْتَدَّةِ الْمُحْرِمَةِ فَغَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ فِي حَقِّ الْحَائِضِ مُلَابَسَةُ الْأَذَى، وَفِي حَقِّ الْمُعْتَدَّةِ تَطْوِيلُ الْعِدَّةِ، وَفِي حَقِّ الْمُحْرِمَةِ إِفْسَادُ الْعِبَادَةِ، وَهِيَ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ لَا أَنَّهَا حُكْمٌ وَاحِدٌ.
وَأَمَّا الْمَسُّ وَاللَّمْسُ وَبَاقِي الْأَسْبَابِ فَالْأَحْدَاثُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَيْهَا مُتَعَدِّدَةٌ عَلَى رَأْيٍ لَنَا.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ نَوَى رَفْعَ حَدَثٍ وَاحِدٍ مِنْهَا لَارْتَفَعَ الْبَاقِي، فَأَحْكَامُهَا أَيْضًا مُتَعَدِّدَةٌ لَا أَنَّهَا حُكْمٌ وَاحِدٌ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ بِعِلَّتَيْنِ لَا فِي تَعْلِيلِ حُكْمَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَخْفَى وَجْهُ التَّخْرِيجِ لِكُلِّ مَا يَرِدُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثالثة عشرة الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ هَلْ تَكُونُ عِلَّةً لِحُكْمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ هَلْ تَكُونُ عِلَّةً لِحُكْمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ أَوْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِمَّا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ أَوِ الْبَاعِثِ.
فَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ لَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، نَصْبُ أَمَارَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا نَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا كَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: جَعَلْتُ طُلُوعَ الْهِلَالِ أَمَارَةً عَلَى وُجُوبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ. (١) وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ بَاعِثًا لِلشَّرْعِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَيْ مُنَاسِبًا لَهُمَا، وَذَلِكَ كَمُنَاسِبَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ لِلتَّحْرِيمِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ، وَكَذَلِكَ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ مِنَ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ الْمَرْئِيِّ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَلُزُومِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الْوَصْفُ مُنَاسِبًا لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ فَمَعْنَى كَوْنِهِ مُنَاسِبًا لَهُ أَنَّهُ لَوْ رُتِّبَ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لَحَصَلَ مَقْصُودُهُ.
وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَوْ نَاسَبَهُ لَكَانَ بِمَعْنَى أَنَّ تَرْتِيبَهُ عَلَيْهِ مُحَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَفِي ذَلِكَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ لِكَوْنِهِ حَاصِلًا بِهِ لِحُكْمِ الْآخَرِ. стр. 857
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ مُنَاسِبًا لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يُنَاسِبَهُمَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ ; إِذِ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِشَيْءٍ مِنْ جِهَةِ مَا يُنَاسِبُ مُخَالِفَهُ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فِعِلَّةُ الْحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ لَا أَنَّهَا مُتَّحِدَةٌ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِلْحُكْمِ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرُوهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا تَرْتِيبُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ، يَسْتَقِلُّ بِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ كَوْنُهُ مُنَاسِبًا لِحُكْمَيْنِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَإِلَى مَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ مَقْصُودِهِ عَلَى تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ وَافِيًا بِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ دُونَ الْحُكْمِ الْآخَرِ.
وَعَلَى هَذَا فَامْتِنَاعُ مُنَاسِبَةِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ لِلْحُكْمَيْنِ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمَيْنِ بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي.
وَعَنِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ أَنَّ مَعْنَى مُنَاسِبَةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمَيْنِ تَوَقُّفُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ عَلَى شَرْعِ الْحُكْمَيْنِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُنَاسِبًا لَهُمَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
[الْمَسْأَلَةُ الرابعة عشرة شرط الْعِلَّة إذا كَانَتِ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ
إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ، فَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ ضَابِطُ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلشَّرْعِ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ أَوْ نَفْيِهِ بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ (١) إِثْبَاتُ الْحُكْمِ مَعَ تَيَقُّنِ انْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ فِي صُورَةٍ، وَإِلَّا كَانَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ مَعَ انْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ يَقِينًا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَمِثَالُهُ مَا لَوْ قِيلَ بِأَنَّ حِكْمَةَ الْقِصَاصِ إِنَّمَا هِيَ صِيَانَةُ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ عَنِ الْفَوَاتِ، فَمَنْ ضَبَطَ صِيَانَةَ النَّفْسِ عَنِ الْفَوَاتِ بِالْجُرْحِ لَا غَيْرَ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ، فَيَلْزَمُهُ شَرْعُ الْقِصَاصِ فِي حَقِّ مَنْ جَرَحَ مَيِّتًا ضَرُورَةَ وُجُودِ الضَّابِطِ مَعَ تَيَقُّنِ انْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ أَوْ نَفْيِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ عِلَّتِهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
فَإِنْ قِيلَ: وَإِنْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ بِدُونِ حِكْمَةٍ وَاحِدَةٍ. стр. 858
وَذَلِكَ الضَّابِطُ (١) فِي الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الضَّبْطُ بِهِ إِنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى حِكْمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَمَّا إِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ ضَابِطًا فِي كُلِّ صُورَةٍ لِحِكْمَةٍ، فَانْتِفَاءُ حِكْمَةِ إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ عَنِ الْأُخْرَى لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي انْتَفَتْ عَنْهَا تِلْكَ الْحِكْمَةُ عَرِيًّا عَنِ الْفَائِدَةِ، بَلْ يَكُونُ ثُبُوتُهُ بِالْحِكْمَةِ الْخَاصَّةِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، وَالضَّابِطُ لَهَا وَلِحِكْمَةِ الْحُكْمِ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى شَيْءٌ وَاحِدٌ.
قُلْنَا: إِذَا اتَّحَدَ الضَّابِطُ فَاخْتِصَاصُهُ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِحِكْمَةٍ مُخَالِفَةٍ لِلْحِكْمَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى، إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِذَاتِهِ أَوْ لِمُخَصِّصٍ مُخْتَصٍّ بِتِلْكَ الصُّورَةِ دُونَ الصُّورَةِ الْأُخْرَى.
لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ، وَإِلَّا لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فِي الْحِكْمَتَيْنِ ضَرُورَةَ اتِّحَادِ الْمُسْتَلْزِمِ لَهَا.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي، فَمَا بِهِ التَّخْصِيصُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّورَتَيْنِ وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الضَّابِطِ، فَالضَّابِطُ لِلْحِكْمَتَيْنِ يَكُونُ مُخْتَلِفًا، وَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنَ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ وَمَا بِهِ تَخَصَّصَتْ كُلُّ صُورَةٍ مِنَ الْمُخَصِّصِ الزَّائِدِ. (٢)
[الْمَسْأَلَةُ الخامسة عشرة شَرْطَ ضَابِطِ الْحِكْمَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ
ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ شَرْطَ ضَابِطِ الْحِكْمَةِ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا بِحَيْثُ لَا تُوجَدُ الْحِكْمَةُ يَقِينًا فِي صُورَةٍ دُونَهُ، مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يُثْبِتَ الْحُكْمَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا الْحِكْمَةُ دُونَ ذَلِكَ الضَّابِطِ أَوْ لَا يُثْبِتَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَيَلْزَمُ مِنْهُ إِدَارَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْحِكْمَةِ دُونَ ضَابِطِهَا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الضَّابِطِ لِإِمْكَانِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْحِكْمَةِ دُونَهُ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَيَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُ الْحِكْمَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِهَا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَصُورَةُ ذَلِكَ ضَبْطُ الْحَنَفِيِّ الْعَمْدِيَّةِ بِاسْتِعْمَالِ الْجَارِحِ، حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُ الْعَمْدِيَّةِ مَعَ تَيَقُّنِ وَجُودِهَا فِيمَا إِذَا أَدَارَ حَجَرَ الْبَزَارَةِ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ أَلْقَاهُ فِي بَحْرٍ مُغْرِقٍ أَوْ نَارٍ مُحْرِقَةٍ. стр. 859
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرَ مِنَ الْمَحْذُورِ إِنَّمَا يَلْزَمُ إِنْ لَوِ امْتَنَعَ الْحُكْمُ فِي صُورَتَيْنِ بِعِلَّتَيْنِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا سَبَقَ.
وَمَعَ جَوَازِ الْحُكْمِ فِي صُورَتَيْنِ بِعِلَّتَيْنِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ حِكْمَةُ الْحُكْمِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَلَهَا فِي كُلِّ صُورَةٍ ضَابِطٌ بِحَسْبِ تِلْكَ الصُّورَةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُرُّ إِلَى إِهْمَالِ الْحِكْمَةِ وَلَا إِلَى إِلْغَاءِ الضَّابِطِ.
[الْمَسْأَلَةُ السادسة عشرة تَعْلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِعِلَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي الْوُجُودِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعْلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِعِلَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي الْوُجُودِ، وَذَلِكَ كَتَعْلِيلِ إِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ لِلْأَبِ عَلَى الصَّغِيرِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ الْجُنُونُ بِالْجُنُونِ، فَإِنَّ الْوِلَايَةَ ثَابِتَةٌ قَبْلَ عُرُوضِ الْجُنُونِ.
وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلَّةَ حُكْمِ الْأَصْلِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ أَوْ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ الْمُعَرِّفَةِ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَيَلْزَمُ مِنْ تَأَخُّرِ الْعِلَّةِ عَنِ الْحُكْمِ فِي الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ قَبْلَ ذَلِكَ إِمَّا لَا بِبَاعِثٍ أَوْ بِبَاعِثٍ غَيْرِ الْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ ; لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِبَاعِثٍ لَا تَحَقُّقَ لَهُ مَعَ الْحُكْمِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: مَا بَيَّنَّاهُ مِنَ امْتِنَاعِ كَوْنِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، وَقَدْ عَرَفَ قَبْلَهَا ضَرُورَةَ سَبْقِهِ فِي الْوُجُودِ عَلَيْهَا، وَتَعْرِيفُ الْمَعْرُوفِ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ بِتَقْدِيرِ امْتِنَاعِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ تَعْلِيلِهِ بِعِلَّتَيْنِ، فَلَا يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُهُ بِعِلَّةٍ مَوْجُودَةٍ مَعَهُ وَعِلَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْهُ.
قُلْنَا: أَمَّا أَوَّلًا فَقَدْ بَيَّنَّا امْتِنَاعَ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِتَقْدِيرِ جَوَازِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ لِتَقْدِيرِ أَنْ لَا تَكُونَ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مُتَقَدَّمَةً عَلَى الْأُخْرَى لِمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
стр. 860
[الْمَسْأَلَةُ السابعة عشرة كَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ نَفْيًا وَالْعِلَّةُ لَهُ وُجُودُ مَانِعٍ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِإِثْبَاتِهِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ
إِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ نَفْيًا وَالْعِلَّةُ لَهُ وُجُودُ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتُ شَرْطٍ فَقْدِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِإِثْبَاتِهِ.
وَالْمُخْتَارُ اشْتِرَاطُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا شُرِّعَتْ لِمَصَالِحِ الْخَلْقِ، فَمَا لَا فَائِدَةَ فِي إِثْبَاتِهِ فَلَا يُشَرَّعُ، فَانْتِفَاؤُهُ يَكُونُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَتْ ثَمَّ حِكْمَةٌ تَقْتَضِي نَفْيَهُ أَوْ لَمْ تُوجَدْ، وَفَرْقٌ بَيْنَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ وَبَيْنَ انْتِفَائِهِ لِوُجُودِ فَائِدَةٍ نَافِيَةٍ لَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا لَمْ يُوجَدِ الْمُقْتَضِي لِلْإِثْبَاتِ كَانَ نَفْيُ الْحُكْمِ لِلْمَانِعِ أَوْ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ مُمْتَنِعًا.
فَإِنْ قِيلَ: لَا خَفَاءَ بِأَنَّ وُجُودَ الْمُقْتَضِي مِنْ قَبِيلِ الْمُعَارِضِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ، فَإِذَا اسْتَقَلَّ الْمَانِعُ وَفَوَاتُ الشَّرْطِ بِنَفْيِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ مَا يُعَارِضُهُ وَيَكْسِرُ سَوْرَتَهُ، فَلِأَنْ يَسْتَقِلَّ بِالنَّفْيِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ كَانَ أَوْلَى. (١) وَأَيْضًا لَوِ اشْتَرَطْنَا وُجُودَ الْمُقْتَضِي فَيَلْزَمُ مِنْهُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَانِعِ، أَوْ فَوَاتُ الشَّرْطِ، وَالتَّعَارُضُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِهْمَالِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ، وَعِنْدَ انْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لَوْ أَحَلْنَا نَفْيَ الْحُكْمِ عَلَى نَفْيِ الْمُقْتَضَى مَعَ تَحَقُّقِ مَا يُنَاسِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ مِنَ الْمَانِعِ أَوْ فَوَاتِ الشَّرْطِ، لَزِمَ مِنْهُ إِهْمَالُ مُنَاسِبَةِ الْمَانِعِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ مَعَ اقْتِرَانِ نَفْيِ الْحُكْمِ بِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
قُلْنَا: جَوَابُ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِالْمَانِعِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي الْمُشْتَرَطِ فِي إِعْمَالِهِ ; لِمَا بَيَّنَّاهُ انْتِفَاؤُهُ لَهُ مَعَ فَوَاتِ شَرْطِ إِعْمَالِهِ.
وَجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ وُجُودِ الْمُقْتَضِي التَّعَارُضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَانِعِ أَوْ فَوَاتُ الشَّرْطِ، فَهُوَ أَهْوَنُ مِنْ نَفْيِهِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ مَعَ فَوَاتِ شَرْطِ إِعْمَالِهِ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ. стр. 861
وَلِهَذَا كَانَ نَفْيُ الْحُكْمِ بِالْمَانِعِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَمُخْتَلَفًا فِيهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي.
وَبِتَقْدِيرِ انْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي فَنَفْيُ الْحُكْمِ لَهُ دُونَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْمَانِعِ، وَفَوَاتِ الشَّرْطِ وَإِنْ أَفْضَى إِلَى إِلْغَاءِ مُنَاسِبَةِ الْمَانِعِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ مَعَ اعْتِبَارِهِ إِلَّا أَنَّهُ أَوْلَى مِنَ انْتِفَائِهِ لِلْمَانِعِ أَوْ فَوَاتِ الشَّرْطِ.
وَلِهَذَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ مِنَ الْكُلِّ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ بِالنَّفْيِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِقْلَالِ الْمَانِعِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ بِالنَّفْيِ مَعَ الْقَائِلِينَ بِامْتِنَاعِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، فَكَانَ النَّفْيُ لَهُ أَوْلَى. (١) وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِإِحَالَةِ النَّفْيِ عَلَى نَفْيِ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ مَعًا ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلًّا بِالنَّفْيِ، أَوْ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلنَّفْيِ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مِنْهُمَا، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ النَّافِيَةِ. لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنَ امْتِنَاعِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الثَّانِي لِأَنَّ نَفْيَ الْمُقْتَضِي بِتَقْدِيرِ انْتِفَاءِ مُعَارِضِهِ مُسْتَقِلٌّ بِالنَّفْيِ إِجْمَاعًا، وَفِيهِ إِخْرَاجُ الْمُسْتَقِلِّ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّعْلِيلِ بِالْمَانِعِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ مِنْ وُجُودِ الْمُقْتَضِي فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ بِطَرِيقٍ تَفْصِيلِيٍّ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ وَعِلِّيَّتِهِ بِمَا يُسَاعِدُ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَإِنِ اتَّفَقَ إِنْ كَانَ الشَّارِعُ قَدْ نَصَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُقْتَضِي مَوْجُودًا كَانَتْ فَائِدَةُ التَّنْصِيصِ عَلَى النَّفْيِ التَّأْكِيدَ لِاسْتِقْلَالِ نَفْيِ الْمُقْتَضِي بِالنَّفْيِ.
وَالْأَصْلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّارِعِ عَلَى فَائِدَةِ التَّأْسِيسِ لِكَوْنِهَا أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي.
فَإِنْ قِيلَ: اعْتِقَادُ وُجُودِ الْمُقْتَضِي حَمْلًا لِلْكَلَامِ عَلَى فَائِدَةِ التَّأْسِيسِ يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَيْسَ مُخَالَفَةُ مَحْذُورٍ مُخَالَفَةَ الْمُقْتَضِي مَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ الْأَصْلِ دَفْعًا لِمَحْذُورِ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى فَائِدَةِ التَّأْكِيدِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ. стр. 862
قُلْنَا: بَلِ الْمَحْذُورُ اللَّازِمُ مِنْ نَفْيِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِيهِ مُخَالَفَةُ الْمُقْتَضِي لَا غَيْرَ، وَهُوَ غَالِبٌ فِي الشَّرْعِ وَمَحْذُورُ التَّأْكِيدِ مَعَ كَوْنِهِ نَادِرًا، فِيهِ مُخَالَفَةُ مَا ظَهَرَ مِنْ مُنَاسَبَةِ الْمَانِعِ وَاعْتِبَارِهِ، مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الشَّارِعِ اعْتِبَارُ الْمُنَاسَبَاتِ لَا إِلْغَاؤُهَا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْتِزَامَ مَحْذُورٍ عُهِدَ الْتِزَامُهُ فِي الشَّرْعِ غَالِبًا، وَلَيْسَ فِيهِ الْتِزَامُ مَحْذُورٍ آخَرَ، أَوْلَى مِنَ الْتِزَامِ مَحْذُورٍ لَمْ يُعْهَدِ الْتِزَامُهُ فِي الشَّرْعِ غَالِبًا وَفِيهِ الْتِزَامُ مَحْذُورٍ آخَرَ.
[الْمَسْأَلَةُ الثامنة عشرة الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنَ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهَا]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ
يَجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنَ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهَا مِمَّا تَرْجِعُ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي اسْتُنْبِطَتْ مِنْهُ بِالْإِبْطَالِ.
وَذَلِكَ كَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الشَّاةِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ بِدَفْعِ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ وُجُوبِ الشَّاةِ (١) وَإِنَّ ارْتِفَاعَ الْأَصْلِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ يُوجِبُ إِبْطَالَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهُ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ عِلِّيَّتِهَا عَلَى اعْتِبَارِهَا بِهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ طَرْدِيَّةً مَحْضَةً كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَنَحْوِهِ ; لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَالْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ (٢) لَا يَكُونُ بَاعِثًا، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ لَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهَا فِي الْأَصْلِ مُعَارِضٌ لَا تَحَقُّقَ لَهُ فِي الْفَرْعِ لِمَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ، وَأَنْ لَا تَكُونَ مُخَالِفَةً لِلنَّصِّ الْخَاصِّ أَوْ لِلْإِجْمَاعِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا.
وَقَدِ اشْتُرِطَ فِيهَا أَنْ لَا تَكُونَ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ (٣) وَأَنْ لَا تُعَارِضَهَا عِلَّةٌ أُخْرَى تَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِهَا. стр. 863
وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْمُعَارِضَةُ لَهَا رَاجِحَةً عَلَيْهَا وَمُمْتَنِعَةَ التَّخْصِيصِ، وَقَدْ عُرِفَ مَا فِي ذَلِكَ. (١) وَأَنْ لَا تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُنَافِيَةً لِمُقْتَضَى النَّصِّ. (٢) وَأَنْ تَكُونَ مُنْتَزَعَةً مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ حُكْمُهُ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ.
وَأَنْ لَا تَكُونَ مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ مُسْتَنِدًا إِلَى عِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ أَصْلٍ آخَرَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ مَعَ ظُهُورِهَا رَاجِحَةً. وَأَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ مَقْطُوعًا بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ وُجُودَهَا أَحَدُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ، فَكَانَ الظَّنُّ كَافِيًا فِيهِ، كَمَا فِي وُجُودِهَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي كَوْنِهَا عِلَّةً، وَفِي نَفْيِ الْمُعَارِضِ عَنْهَا فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ.
[الْمَسْأَلَةُ التاسعة عشرة الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ فِي الْقِيَاسِ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ
اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ نَصْبَ الْوَصْفِ سَبَبًا وَعِلَّةً مِنَ الشَّارِعِ، وَأَنَّ دَلِيلَهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا.
وَسَوَاءٌ كَانَ كَوْنُهُ سَبَبًا وَعِلَّةً وَحُكْمًا شَرْعِيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ، كَمَا سَبَقَ وَجْهُ الْكَلَامِ فِيهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ فِي الْقِيَاسِ.
فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْفَوَاكِهِ: (مَطْعُومٌ) فَجَرَى فِيهِ الرِّبَا قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، ثُمَّ دَلَّ عَلَى كَوْنِ الطُّعْمِ عِلَّةً بِقَوْلِهِ ﵇: ( «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ стр. 864
إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» ) (١) فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِ الطُّعْمِ عِلَّةً بِالْإِيمَاءِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْفَوَاكِهِ بِعُمُومِهِ.
وَرُبَّمَا كَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى الْعِلَّةِ مُتَنَاوِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ بِخُصُوصِهِ دُونَ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ (خَارِجٌ نَجِسٌ) فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَالْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، ثُمَّ دَلَّ عَلَى كَوْنِ الْخَارِجِ النَّجِسِ عِلَّةً لِلنَّقْضِ بِقَوْلِهِ ﵇: ( «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمْذَى فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» ) (٢) فَإِنَّ الْقَيْءَ وَالرُّعَافَ وَالْمَذْيَ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَارِجٌ نَجِسٌ مُنَاسِبٌ لِنَقْضِ الْوُضُوءِ، فَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ، كَمَا يَأْتِي فِي طُرُقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُتَنَاوِلٌ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْفَرْعِ بِخُصُوصِهِ دُونَ حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَإِنَّمَا شَرَطُوا امْتِنَاعَ ذَلِكَ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ دَلِيلُ الْعِلَّةِ يَسْتَقِلُّ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِالْعِلَّةِ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى وَجْهٍ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهَا بِدَلِيلٍ يَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ يَكُونُ تَطْوِيلًا بِلَا فَائِدَةٍ فَلْيَعْدِلْ إِلَيْهِ أَوَّلًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاسْتِدْلَالُ بِالْعِلَّةِ الْمُثْبَتَةِ بِالنَّصِّ الْمُتَنَاوِلِ لِحُكْمِ الْفَرْعِ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى التَّطْوِيلِ فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى مُنَاقَشَةٍ جَدَلِيَّةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يَكُونُ قَادِحًا فِي الْمَقْصُودِ، وَقَدْ يَنْقَدِحُ عَنْهُ جَوَابٌ آخَرُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهُوَ عِنْدَمَا إِذَا كَانَ الْعَامُّ الدَّالُّ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ قَدْ خُصَّ فِي صُورَةٍ، وَكَانَ الْمُسْتَدِلُّ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَا يَبْقَى حُجَّةً إِلَّا فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا لَمْ أَتَمَسَّكْ بِعُمُومِ النَّصِّ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِ الْفَرْعِ ; لِعَدَمِ مُسَاعَدَةِ الدَّلِيلِ عَلَى إِدْرَاجِ الْفَرْعِ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِهِ فِي إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ وَلَوْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَهْمَا كَانَ كَذَلِكَ، لَزِمَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ فِي أَيِّ صُورَةٍ وُجِدَتْ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ دُونَ الْحُكْمِ. стр. 865
[الْمَسْأَلَةُ العشرون حُكْمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ أَوِ النَّصِّ]
الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ
اخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي حُكْمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ أَوِ النَّصِّ؟
فَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ، وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، مُحْتَجِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَالْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْهُ مَظْنُونَةٌ، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ لَا يَكُونُ ثَابِتًا بِالْمَظْنُونِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ وَمُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْهِ وَتَابِعَةٌ لَهُ فِي الْوُجُودِ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِهَا لَكَانَ الْأَصْلُ بِمَا لَا ثُبُوتَ لَهُ دُونَ ثُبُوتِهِ وَهُوَ دَوْرٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ تَعَبُّدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا بِالْعِلَّةِ لَمَا ثَبَتَ مَعَ عَدَمِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ آيِلٌ إِلَى اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ.
وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ، لَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّ الْعِلَّةَ مُعَرِّفَةٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا ضَرُورَةَ أَنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْهُ وَأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ دُونَ مَعْرِفَتِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهَا الْبَاعِثَةُ لِلشَّارِعِ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، وَأَنَّهَا الَّتِي لِأَجْلِهَا أَثْبَتَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ.
وَحَيْثُ قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُ مُثْبِتَةٍ لِلْحُكْمِ، لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بَاعِثَةً، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّهَا غَيْرُ مُعَرِّفَةٍ لِحُكْمِ الْأَصْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا.
وَأَصْحَابُنَا غَيْرُ مُنْكِرِينَ، لِذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى بَلْ فِي اللَّفْظِ.
стр. 866
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي شُرُوطِ الْفَرْعِ]
ِ وَهِيَ خَمْسَةٌ:
الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنْ مَعَارِضٍ رَاجِحٍ يَقْتَضِي نَقِيضَ مَا اقْتَضَتْهُ عِلَّةُ الْقِيَاسِ، عَلَى رَأْيِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ لِيَكُونَ الْقِيَاسُ مُفِيدًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الْمَوْجُودَةُ فِيهِ مُشَارِكَةً لِعِلَّةِ الْأَصْلِ: إِمَّا فِي عَيْنِهَا كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ شُرْبِ النَّبِيذِ بِالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَمْرِ، أَوْ فِي جِنْسِهَا كَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ بِجَامِعِ الْجِنَايَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إِنَّمَا هُوَ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِوَاسِطَةِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ عِلَّةُ الْفَرْعِ مُشَارِكَةً لَهَا فِي صِفَةِ عُمُومِهَا وَلَا خُصُوصِهَا فَلَمْ تَكُنْ (١) عِلَّةَ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، فَلَا يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ مُمَاثِلًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ فِي عَيْنِهِ، كَوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُثَقَّلِ وَالْمُحَدَّدِ، أَوْ جِنْسِهِ كَإِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرَةِ فِي نِكَاحِهَا قِيَاسًا عَلَى إِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ فِي مَالِهَا، فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ جِنْسُ الْوِلَايَةِ لَا عَيْنُهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ الْقِيَاسُ بَاطِلًا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ شَرْعَ الْأَحْكَامِ لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا لِذَاتِهِ بَلْ إِلَيْهِ مِنْ مَقَاصِدِ الْعَبْدِ، وَسَوَاءٌ ظَهَرَ الْمَقْصُودُ أَمْ لَمْ يَظْهَرْ فَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُمَاثِلًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ عَلِمْنَا أَنَّ مَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْمَقْصُودِ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ ضَرُورَةَ اتِّحَادِ الْوَسِيلَةِ فَيَجِبُ إِثْبَاتُهُ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ مَعَ أَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، فَإِفْضَاؤُهُ إِلَى الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِإِفْضَاءِ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَيْهَا، وَالْمُخَالَفَةُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْإِفْضَاءِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِزِيَادَةٍ فِي إِفْضَاءِ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَيْهَا أَوْ فِي إِفْضَاءِ حُكْمِ الْفَرْعِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ رِعَايَةُ الْأَصْلِ الْمَقْصُودِ وَزِيَادَةُ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهِ شُرِعَ حُكْمُ الْفَرْعِ تَحْصِيلًا لِأَصْلِ الْمَقْصُودِ دُونَ زِيَادَةِ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ زِيَادَةَ الْإِفْضَاءِ إِلَى الْمَقْصُودِ مَقْصُودَةٌ فِي نَظَرِ الْعُقَلَاءِ وَأَهْلِ الْعُرْفِ. стр. 867
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى امْتِنَاعِ ثُبُوتِ مِثْلَ حُكْمِ الْفَرْعِ فِي الْأَصْلِ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَتَنْصِيصُ الشَّارِعِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ دُونَ حُكْمِ الْفَرْعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ أَفْضَى إِلَى الْمَقْصُودِ مِنْ حُكْمِ الْفَرْعِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ أَفْضَى إِلَى الْمَقْصُودِ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ لَكَانَ أَوْلَى بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فَرْعُ تَصَوُّرِ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ هُوَ كَلَامُهُ وَخِطَابُهُ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي تَعَلُّقَاتِهِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، وَحُكْمُ الشَّارِعِ بِالْوُجُوبِ لَا يُخَالِفُ حُكْمَهُ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ، وَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ كَالذَّمِّ عَلَى الْفِعْلِ، وَالذَّمِّ عَلَى التَّرْكِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ مَحِلِّ الْخِطَابِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ اخْتِلَافَ مَحِلِّ الْخِطَابِ غَيْرُ مَوْجُودٍ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِي نَفْسِهِ، بِدَلِيلِ اشْتِرَاكِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِي حُكْمِ الْوُجُوبِ، وَالْقَتْلِ وَالزِّنَى فِي التَّحْرِيمِ. (١) стр. 868
وَإِنْ سَلَّمْنَا تَصَوُّرَ الِاخْتِلَافِ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ إِفْضَاءُ حُكْمِ الْفَرْعِ إِلَى الْمَقْصُودِ أَتَمَّ مِنْ إِفْضَاءِ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَيْهِ.
قَوْلُكُمْ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ أَوْلَى، إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ لَمْ تَكُنْ فَائِدَةُ التَّنْصِيصِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ لِقَصْدِ التَّنْبِيهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ، فَإِنَّمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَانِعٍ مُخْتَصٍّ بِهِ لَا وُجُودَ لَهُ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمُ الشَّارِعِ عِبَارَةً عَنْ مُطْلَقِ كَلَامِهِ وَخِطَابِهِ لِيَصِحَّ مَا قِيلَ، بَلِ الْخِطَابُ الْمُقَيَّدُ بِتَعَلُّقٍ خَاصٍّ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي حَدِّ الْحُكْمِ.
وَإِذَا كَانَ التَّعَلُّقُ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ فَالْمُتَعَلِّقَاتُ مُخْتَلِفَةٌ وَيَلْزَمُ مِنَ اخْتِلَافِهَا اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ التَّنْبِيهَ بِهِ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ لَكَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ ثَابِتًا بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لَا بِالْقِيَاسِ، وَلَجَازَ إِثْبَاتُهُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ بِمَانِعٍ.
قُلْنَا: الْمَانِعُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ لَوَازِمِ صُورَةِ الْأَصْلِ أَوْ مِنْ لَوَازِمِ مَثَلِ حُكْمِ الْفَرْعِ، أَوْ مِنْ لَوَازِمِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْأَصْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ضَرُورَةَ كَوْنِ مَقْصُودِهِ أَدْنَى مِنْ مَقْصُودِ حُكْمِ الْفَرْعِ عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْضُ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ ثُبُوتِهِ فِي الْفَرْعِ أَيْضًا ضَرُورَةَ أَنَّ مَا هُوَ الْمَانِعُ مِنْ إِثْبَاتِهِ فِي الْأَصْلِ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ، فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَفِيهِ قِيَاسُ
стр. 869
الْمَنْصُوصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ فِي اشْتِرَاطِهِ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُتَقَدِّمًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَاسَ الشَّافِعِيُّ الْوُضُوءَ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي الِافْتِقَارِ إِلَى النِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ ثَابِتًا قَبْلَ كَوْنِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ فِي قِيَاسِهِ عِلَّةً، ضَرُورَةَ كَوْنِهَا مُسْتَنْبَطَةً مِنْ حُكْمٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِلْزَامِ لِلْخَصْمِ لَا بِطَرِيقِ مَأْخَذِ الْقِيَاسِ.
وَقَدْ شَرَطَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ ثَابِتًا بِالنَّصِّ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا، وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَاسُوا قَوْلَهُ: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ وَالظِّهَارِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ نَصٌّ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَسَالِكِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ فِي الْقِيَاسِ]
[المسلك الأول الْإِجْمَاعُ]
الْبَابُ الثَّانِي
فِي مَسَالِكِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ فِي الْقِيَاسِ
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: الْإِجْمَاعُ
وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ عِلَّةً لِحُكْمِ الْأَصْلِ، إِمَّا قَطْعًا أَوْ ظَنًّا، فَإِنَّهُ كَافٍ فِي الْمَقْصُودِ.
وَذَلِكَ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى كَوْنِ الصِّغَرِ عِلَّةً لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرِ فِي قِيَاسِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ عَلَى وِلَايَةِ الْمَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا قَطْعًا فَكَيْفَ يُسَوَّغُ الْخِلَافُ مَعَهَا فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ؟
قُلْنَا بِأَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا ظَنِّيًّا فِي الْأَصْلِ أَوِ الْفَرْعِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ وُجُودُهَا فِيهِمَا مَعَ كَوْنِهَا مَقْطُوعًا بِعِلِّيَّتِهِمَا فَلَا.
стр. 870
[المسلك الثَّانِي النَّصُّ الصَّرِيحُ]
وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ دَلِيلٌ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ بِلَفْظٍ مَوْضُوعٍ لَهُ فِي اللُّغَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ فِيهِ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ:
الْأَوَّلُ: مَا صَرَّحَ فِيهِ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً أَوْ سَبَبًا لِلْحُكْمِ الْفُلَانِيِّ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ: الْعِلَّةُ كَذَا أَوِ السَّبَبُ كَذَا. (١) الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا وَرَدَ فِيهِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ كَاللَّامِ، وَكَيْ، وَمِنْ، وَإِنَّ، وَالْبَاءِ.
أَمَّا (اللَّامُ) فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أَيْ: زَوَالِ الشَّمْسِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وَكَقَوْلِهِ ﵇: ( «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي لِأَجَلِ الدَّافَّةِ» ) (٢) أَيِ الْقَوَافِلِ السَّيَّارَةِ.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ (اللَّامُ) لِتَصْرِيحِ أَهْلِ اللُّغَةِ بِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ.
وَأَمَّا (كَيْ) فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: كَيْ لَا تَبْقَى الدُّولَةُ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ، بَلْ تَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا (مِنْ) فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ .
وَأَمَّا (إِنَّ) فَكَقَوْلِهِ ﵇ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: ( «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» ) (٣) ، وَكَقَوْلِهِ ﵇ فِي حَقِّ مُحْرِمٍ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ: " «لَا تُخَمِّرُوا стр. 871
رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» ". (١) وَأَمَّا (الْبَاءُ) فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
فَهَذِهِ هِيَ الصِّيَغُ الصَّرِيحَةُ فِي التَّعْلِيلِ وَعِنْدَ وُرُودِهَا يَجِبُ اعْتِقَادُ التَّعْلِيلِ، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا التَّعْلِيلُ فَتَكُونُ مَجَازًا فِيمَا قُصِدَ بِهَا، وَذَلِكَ فِي (اللَّامِ) كَمَا لَوْ قِيلَ: (لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟) فَقَالَ: (لِأَنِّي قَصَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ) وَكَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: (أُصَلِّي لِلَّهِ) وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: (
لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ
) (٢) فَقَصْدُ الْفِعْلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً لِلْفِعْلِ وَغَرَضًا لَهُ، وَكَذَلِكَ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً لِلصَّلَاةِ وَلَا الْمَوْتُ عِلَّةً لِلْوِلَادَةِ وَلَا الْخَرَابُ عِلَّةً لِلْبِنَاءِ، بَلْ عِلَّةُ الْفِعْلِ مَا يَكُونُ بَاعِثًا عَلَى الْفِعْلِ، وَهِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ بَوَاعِثَ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ شَاقَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُخْرِبُ بَيْتَهُ، فَلَيْسَتِ الْمُشَاقَّةُ عِلَّةً لِخَرَابِ الْبَيْتِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ لِفَظُّ الْخَرَابِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْخَرَابِ، أَوْ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُعَلَّلًا بِالْمُشَاقَّةِ. стр. 872
[الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ بِالتَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ ويشتمل على أقسام]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ وَالتَّسْبِيبِ فِي كَلَامِ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ]
الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: مَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ بِالتَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ.
وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ لَازِمًا مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَضْعًا لَا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ دَالًّا بِوَضْعِهِ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَهُوَ سِتَّةُ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ وَالتَّسْبِيبِ فِي كَلَامِ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوِ الرَّاوِي عَنِ الرَّسُولِ.
أَمَّا فِي كَلَامِ اللَّهِ فَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ .
وَأَمَّا فِي كَلَامِ رَسُولِهِ فَكَقَوْلِهِ ﵇: " «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» " (١) ، وَقَوْلُهُ: "
مَلَكْتِ نَفْسَكِ فَاخْتَارِي
". (٢) وَأَمَّا فِي كَلَامِ الرَّاوِي فَكَمَا فِي قَوْلِهِ: ( «سَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ» ) ، ( «وَزَنَا مَاعِزٌ فَرَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » -) .
وَذَلِكَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا رُتِّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ (بِالْفَاءِ) يَكُونُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ لِكَوْنِ (الْفَاءِ) فِي اللُّغَةِ ظَاهِرَةٌ فِي التَّعْقِيبِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ: " جَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو " فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَجِيءِ عَمْرٍو عَقِيبَ مَجِيءِ زِيدٍ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ السَّبَبِيَّةُ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْوَصْفِ سَبَبًا إِلَّا مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِيبَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قَطْعًا بَلْ ظَاهِرًا стр. 873
لِأَنَّ (الْفَاءَ) فِي اللُّغَةِ قَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى (الْوَاوِ) فِي إِرَادَةِ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى (ثُمَّ) فِي إِرَادَةِ التَّأْخِيرِ مَعَ الْمُهْلَةِ، كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ غَيْرَ أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي التَّعْقِيبِ بَعِيدَةٌ فِيمَا سِوَاهُ.
وَهَذِهِ الرُّتَبُ مُتَفَاوِتَةٌ، فَأَعْلَاهَا مَا وَرَدَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ مَا وَرَدَ فِي كَلَامِ رَسُولِهِ، ثُمَّ مَا وَرَدَ فِي كَلَامِ الرَّاوِي.
وَسَوَاءٌ كَانَ فَقِيهًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ فَقِيهًا كَانَ الظَّنُّ بِقَوْلِهِ أَظَهَرَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا وَإِنْ كَانَ فِي أَدْنَى الرُّتَبِ غَيْرَ أَنَّهُ مُغَلِّبٌ عَلَى الظَّنِّ ; لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: سَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَجَدَ، فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَدَيِّنًا عَالِمًا بِكَوْنِ (الْفَاءِ) مَوْضُوعَةً لِلتَّعْقِيبِ، أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْ أَنَّ السَّهْوَ سَبَبٌ لِلسُّجُودِ، وَإِلَّا لَمَا رَتَّبَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ بِالْفَاءِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّلْبِيسِ بِنَقْلِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ السَّبَبِيَّةُ، وَلَا يَكُونُ سَبَبًا بَلْ وَلَمَا كَانَ تَعْلِيقُهُ لِلسُّجُودِ بِالسَّهْوِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ.
[القسم الثاني حَدَثَتْ وَاقِعَةٌ فَرُفِعَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ فَحَكَمَ عَقِيبَهَا بِحُكْمٍ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ مَا حَدَثَ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ]
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَوْ حَدَثَتْ وَاقِعَةٌ فَرُفِعَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ فَحَكَمَ عَقِيبَهَا بِحُكْمٍ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ مَا حَدَثَ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَاذَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا، فَقَالَ لَهُ ﵇: اعْتِقْ رَقَبَةً» (١) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْوِقَاعِ عِلَّةً لِلْعِتْقِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ إِنَّمَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ وَاقِعَتِهِ لِبَيَانَ حُكْمِهَا شَرْعًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي مَعْرِضِ الْجَوَابِ لَهُ، стр. 874
لَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ ابْتِدَاءً مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْلَاءِ السُّؤَالِ عَنِ الْجَوَابِ وَتَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا إِلَّا أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِ فَالسُّؤَالُ الَّذِي عَنْهُ الْجَوَابُ يَكُونُ ذِكْرُهُ مُقَدَّرًا فِي الْجَوَابِ فِي كَلَامِ الْمُجِيبِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ.
وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ الْوَصْفَ إِذَا رُتِّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ تَحْقِيقًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ عِلَّةً فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ تَقْدِيرًا.
وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْقِسْمُ مُلْحَقًا بِالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الظُّهُورِ وَالدَّلَالَةِ لِكَوْنِ (الْفَاءِ) فِيهِ مُقَدَّرَةً، وَفِي الْأَوَّلِ مُحَقَّقَةً، وَالِاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَدَأَ بِهِ لَا عَنْ قَصْدِ الْجَوَابِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ، فَقَالَ لَهُ: اسْقِنِي مَاءً فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْجَوَابُ لِسُؤَالِهِ وَلَا التَّعْلِيلُ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ لَهُ ابْتِدَاءً بِسَقْيِ الْمَاءِ وَعُدُولٌ عَنِ السُّؤَالِ بِالْكُلِّيَّةِ، إِمَّا لِذُهُولِهِ عَنِ السُّؤَالِ أَوْ لِعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَإِنْ كَانَ مُنْقَدِحًا هَاهُنَا فَهُوَ بَعِيدٌ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵇ فِيمَا فُرِضَ السُّؤَالُ عَنْهُ ; إِذِ الْغَالِبُ عَدَمُ الذُّهُولِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ الْجَوَابَ حَتَّى لَا يَكُونَ مُؤَخَّرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ الظَّاهِرِ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ مَعَ الْحُكْمِ وَصْفًا لَوْ لَمْ يُقَدَّرِ التَّعْلِيلُ بِهِ لَمَا كَانَ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ]
ٌ، وَمُنْصَبُ الشَّارِعِ مِمَّا يُنَزَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا مَعَ الْحُكْمِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَلَامِ رَسُولِهِ.
فَإِنْ كَانَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَّرْنَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرِ التَّعْلِيلُ بِهِ فَذِكْرُهُ لَا يَكُونُ مُفِيدًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِجْمَاعًا نَفْيًا لِمَا لَا يَلِيقُ بِكَلَامِهِ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ رَسُولِهِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَصْلَ إِنَّمَا هُوَ انْتِفَاءُ الْعَبَثِ عَنِ الْعَاقِلِ فِي فِعْلِهِ وَكَلَامِهِ وَنِسْبَةُ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ إِلَيْهِ ; لِكَوْنِهِ عَارِفًا بِوُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، فَلَا يُقَدَّمُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ
стр. 875
مِنْ آحَادِ الْعُقَلَاءِ فَمَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ وَتَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ أَوْلَى.
وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِهِ مَعَ الْحُكْمِ عِلَّةً لَهُ.
وَهَذَا الْقِسْمُ عَلَى أَصْنَافٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِمَّا أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ أَوْ بَعْدَ السُّؤَالِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ فَهُوَ (الصِّنْفُ الْأَوَّلُ) وَذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْلَةَ الْجِنِّ، حَيْثُ تَوَضَّأَ ﵇ بِمَاءٍ كَانَ قَدْ نَبَذَ فِيهِ تُمَيْرَاتٍ لِاجْتِنَابِ مُلُوحَتِهِ فَقَالَ: ( «ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» ) (١) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ ذِكْرُهُ ضَائِعًا ; لِكَوْنِ مَا ذَكَرَ ظَاهِرٌ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى بَيَانٍ.
وِإِنْ كَانَ مَعَ السُّؤَالِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الْوَصْفَ فِي مَحَلِّ السُّؤَالِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَحَلِّ السُّؤَالِ فَهُوَ (الصِّنْفُ الثَّانِي) وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ جَوَازِ بِيعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَيُنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: فَلَا إِذًا» " (٢) فَهَذَا وَإِنْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ النُّقْصَانَ عِلَّةُ امْتِنَاعِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِنْ تَرْتِيبِهِ الْحُكْمَ عَلَى الْوَصْفِ بِالْفَاءِ وَاقْتِرَانِهِ بِحَرْفِ (إِذَا) وَهِيَ مِنْ صِيَغِ التَّعْلِيلِ غَيْرَ أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا انْتِفَاءَ هَذَيْنِ لَبَقِيَ فَهْمُ التَّعْلِيلِ بِالنُّقْصَانِ بِحَالِهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّرِ التَّعْلِيلَ بِهِ لَكَانَ ذِكْرُهُ وَالِاسْتِفْسَارُ عَنْهُ غَيْرَ مُفِيدٍ.
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ، وَهُوَ أَنْ يَعْدِلَ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ إِلَى ذِكْرِ نَظِيرٍ لِمَحَلِّ السُّؤَالِ، فَهُوَ (الصِّنْفُ الثَّالِثُ) ، وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ لَمَّا стр. 876
سَأَلَتْهُ الْجَارِيَةُ الْخَثْعَمِيَّةُ وَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ فَإِنْ حَجَجْتُ عَنْهُ أَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ ﵇: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» . (١) فَالْخَثْعَمِيَّةُ إِنَّمَا سَأَلَتْ عَنِ الْحَجِّ وَالنَّبِيُّ ﵇ ذَكَرَ دَيْنَ الْآدَمِيِّ وَالْحَجِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَيْنٌ نَظِيرٌ لِدَيْنِ الْآدَمِيِّ، فَذَكَرَهُ لِنَظِيرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ مَعَ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ وَإِلَّا كَانَ ذِكْرُهُ عَبَثًا.
وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ نَظِيرِ الْوَاقِعَةِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ أَيْضًا عِلَّةً لِمِثْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ ضَرُورَةَ الْمُمَاثَلَةِ.
وَمَا مِثْلُ هَذَا يُسَمِّيهِ الْأُصُولِيُّونَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، فَكَأَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى الْأَصْلِ وَعَلَى عِلَّةِ حُكْمِهِ وَعَلَى صِحَّةِ إِلْحَاقِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ الْعِلَّةِ الْمُومِي إِلَيْهَا.
وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا مَثَّلَ بِهِ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ، وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْ «عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﵇ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ هَلْ تُفْسِدُ الصَّوْمَ؟ فَقَالَ ﵇: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ أَكَانَ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ؟ فَقَالَ: لَا» . وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ النَّقْضِ لِمَا تَوَهَّمَهُ عُمَرُ مِنْ كَوْنِ الْقُبْلَةِ مُفْسِدَةً لِلصَّوْمِ لِكَوْنِهَا مُقَدِّمَةً لِلْوِقَاعِ الْمُفْسِدِ لِلصَّوْمِ، فَنَقَضَ النَّبِيُّ ﵇ ذَلِكَ بِالْمَضْمَضَةِ فَإِنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لِلشُّرْبِ الْمُفْسِدِ لِلصَّوْمِ وَلَيْسَتْ مَفْسَدَةً لِلصَّوْمِ.
أَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى عَدَمِ الْإِفْسَادِ بِكَوْنِ الْمَضْمَضَةِ مُقَدِّمَةً لِلْفَسَادِ فَلَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ كَوْنَ الْقُبْلَةِ وَالْمَضْمَضَةِ مُقَدِّمَةً لِإِفْسَادِ الصَّوْمِ لَيْسَ فِيهِ مَا يُتَخَيَّلُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْإِفْطَارِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ لَا يَكُونَ مُفْطِرًا، فَكَانَ الْأَشْبَهُ بِمَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﵇ أَنْ يَكُونَ نَقْضًا لَا تَعْلِيلًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ لَا زَائِدًا عَلَيْهِ وَلَا نَاقِصًا عَنْهُ стр. 877
أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلِعَدَمِ الْغَرَضِ بِهَا.
وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الْإِخْلَالِ بِمَقْصُودِ السَّائِلِ.
وَعُمَرُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ كَوْنِ الْقُبْلَةِ مُفْسِدَةً لِلصَّوْمِ أَمْ لَا؟ فَالْجَوَابُ الْمُطَابِقُ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْإِفْسَادِ أَوْ عَدَمِهِ، وَكَوْنُ الْقُبْلَةِ عِلَّةً لِنَفْيِ الْفَسَادِ غَيْرَ مَسْئُولٍ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ جَوَابًا مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، بِخِلَافِ النَّقْضِ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِهِ أَنَّ الْقُبْلَةَ غَيْرُ مُفْسِدَةٍ، فَكَانَ جَوَابًا مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ.
[الْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يُفَرِّقَ الشَّارِعُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فِي الْحُكْمِ بِذِكْرِ صِفَةٍ]
ٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ هِيَ عِلَّةُ التَّفْرِقَةِ فِي الْحُكْمِ، حَيْثُ خَصَّصَهَا بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهَا، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ عِلَّةً لَكَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا أَشْعَرَ بِهِ اللَّفْظُ، وَهُوَ تَلْبِيسٌ يُصَانُ بِنَصْبِ الشَّارِعِ عَنْهُ.
وَذَلِكَ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَا يَكُونُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مَذْكُورًا فِي ذَلِكَ الْخِطَابِ دُونَ ذِكْرِ الْآخَرِ، وَإِلَى مَا لَا يَكُونُ مَذْكُورًا فِيهِ (١) الْأَوَّلُ: كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇: " «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» " فَإِنَّهُ خَصَّصَ الْقَاتِلُ بِعَدَمِ الْمِيرَاثِ بَعْدَ سَابِقَةِ إِرْثِ مَنْ يَرِثُ.
وَالثَّانِي: فَمِنْهُ مَا تَكُونُ التَّفْرِقَةُ فِيهِ بِلَفْظِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ: " «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ» " إِلَى قَوْلِهِ: " فَإِذَا «اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» "
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالْغَايَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ .
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ .
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِلَفْظِ الِاسْتِدْرَاكِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ .
وَمِنْهُ أَنْ يُسْتَأْنَفَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ بِذِكْرِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ ﵇: " «لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ» ". стр. 878
[الْقِسْمُ الْخَامِسُ يَكُونَ الشَّارِعُ قَدْ أَنْشَأَ الْكَلَامَ لِبَيَانِ مَقْصُودٍ وَتَحْقِيقِ مَطْلُوبٍ ثُمَّ يَذْكُرُ فِي أَثْنَائِهِ شَيْئًا آخَرَ]
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ قَدْ أَنْشَأَ الْكَلَامَ لِبَيَانِ مَقْصُودٍ وَتَحْقِيقِ مَطْلُوبٍ ثُمَّ يَذْكُرُ فِي أَثْنَائِهِ شَيْئًا آخَرَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ كَوْنُهُ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْكَلَامِ لَا بِأَوَّلِهِ وَلَا بِآخِرِهِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ خَبْطًا فِي اللُّغَةِ وَاضْطِرَابًا فِي الْكَلَامِ، وَذَلِكَ مِمَّا تَبْعُدُ نِسْبَتُهُ إِلَى الشَّارِعِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ .
فَالْآيَةُ إِنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ لَا لِبَيَانِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ، فَلَوْ لَمْ يُعْتَقَدْ كَوْنُ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ عِلَّةً لِلْمَنْعِ عَنِ السَّعْيِ الْوَاجِبِ إِلَى الْجُمُعَةِ لَمَا كَانَ مُرْتَبِطًا بِأَحْكَامِ الْجُمُعَةِ، وَمَا سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ وَلَا تَعَلَّقَ بِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ لِمَا سَبَقَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وَإِنْ كَانَتْ صِيغَتُهُ صِيغَةَ أَمْرٍ إِلَّا أَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ إِذِ النَّهْيُ طَلَبُ تَرْكِ الْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ طَلَبٌ لِتَرْكِ الْبَيْعِ فَكَانَ نَهْيًا.
[الْقِسْمُ السَّادِسُ أَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ مَعَ الْحُكْمِ وَصْفًا مُنَاسِبًا]
كَقَوْلِهِ ﵇: " «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» " فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِكَوْنِ الْغَضَبِ عِلَّةً مَانِعَةً مِنَ الْقَضَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْوِيشِ الْفِكْرِ وَاضْطِرَابِ الْحَالِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: أَكْرِمِ الْعَالِمَ وَأَهِنِ الْجَاهِلَ، فَإِنَّهُ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ أَنَّ الْعِلْمَ عِلَّةٌ لِلْإِكْرَامِ وَالْجَهْلَ عِلَّةٌ لِلْإِهَانَةِ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: مَا أُلِفَ مِنْ عَادَةِ الشَّارِعِ مِنَ اعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَاتِ دُونَ إِلْغَائِهَا، فَإِذَا قَرَنَ بِالْحُكْمِ فِي لَفْظِهِ وَصْفًا مُنَاسِبًا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اعْتِبَارُهُ لَهُ.
الثَّانِي: مَا عَلِمْنَا مِنْ حَالِ الشَّارِعِ أَنَّهُ لَا يَرِدُ بِالْحُكْمِ خَلِيًّا عَنِ الْحِكْمَةِ ; إِذِ الْأَحْكَامُ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعَبِيدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ إِلَى جَرْيِ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ (١) فَإِذَا ذَكَرَ مَعَ الْحُكْمِ وَصْفًا مُنَاسِبًا غَلَبَ стр. 879
عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْهُ فَيَجُوزُ تَرْكُهُ.
وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ( «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» ) فَإِنَّهُ وَإِنْ دَلَّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْغَضَبِ عِلَّةٌ فَجَوَازُ الْقَضَاءِ مَعَ الْغَضَبِ الْيَسِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْغَضَبِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، بَلِ الْغَضَبُ الْمَانِعُ مِنَ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ.
وَإِذَا عَرِفْتَ أَقْسَامَ الْوَصْفِ الْمُومَأِ إِلَيْهِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي اشْتِرَاطِ مُنَاسِبَةِ الْوَصْفِ الْمُومَأِ إِلَيْهِ، فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ كَالْغَزَالِيِّ وَأَتْبَاعِهِ.
حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الشَّارِعِ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَفْقِ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ وَأَهْلِ الْعُرْفِ (١) ، وَلَوْ قَالَ الْوَاحِدُ مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ لِغَيْرِهِ: (أَكْرِمِ الْجَاهِلَ وَأَهِنِ الْعَالِمَ) قَضَى كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِإِكْرَامِ الْجَاهِلِ لِجَهْلِهِ، وَلَا أَنَّ أَمْرَهُ بِإِهَانَةِ الْعَالَمِ لِعِلْمِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ لَا تَتَعَدَّى مَسَالِكَ الْحِكْمَةِ وَقَضَايَا الْعَقْلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاتِّفَاقَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَاقِعٌ عَلَى امْتِنَاعِ خُلُوِّ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنِ الْحُكْمِ إِمَّا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ عَلَى رَأْيِ الْمُعْتَزَلَةِ، وَإِمَّا بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ عَلَى رَأْيِ أَصْحَابِنَا (٢) وَسَوَاءٌ ظَهَرَتِ الْحِكْمَةُ أَمْ لَمْ تَظْهَرْ.
وَمَا يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ وَلَا وَهْمَ الْمُنَاسَبَةِ يُعْلَمُ امْتِنَاعُ التَّعْلِيلِ بِهِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنْ تَقُولَ: أَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْقِسْمِ السَّادِسِ الَّذِي فُهِمَ التَّعْلِيلُ فِيهِ مُسْتَنِدًا إِلَى ذِكْرِ الْحُكْمِ مَعَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فَهْمُ التَّعْلِيلِ فِيهِ دُونَ فَهْمِ الْمُنَاسَبَةِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْمُنَاسَبَةِ فِيمَا الْمُنَاسَبَةُ شَرْطٌ فِيهِ يَكُونُ تَنَاقُضًا، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِنْ стр. 880
الْأَقْسَامِ فَلَا يَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ فِيهَا بِمَا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَأَمَّا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ وَالْعَلَامَةِ فَلَا.
وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ قِيلَ: إِنَّ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَلَا اتِّجَاهَ لَهَا فِي التَّعْلِيلِ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ وَالْعَلَامَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا امْتِنَاعَ فِي جَعْلِ الْجَهْلِ عَلَامَةً عَلَى الْإِكْرَامِ وَالْعِلْمِ عَلَامَةً عَلَى الْإِهَانَةِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْبَاعِثُ بَلِ الْبَاعِثُ غَيْرُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ الْإِيمَاءِ فِيمَا إِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصْفِ الْمُومَأِ إِلَيْهِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ كَالْأَمْثِلَةِ السَّابِقِ ذَكْرِهَا.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْوَصْفِ بِصَرِيحِهِ وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فَإِنَّ اللَّفْظَ بِصَرِيحِهِ يَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ وَالصِّحَّةُ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْهُ.
وَوَجَّهَ اسْتِنْبَاطِ الصِّحَّةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْبَيْعِ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ مُثْمِرًا ; إِذْ هُوَ مَعْنَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُثْمِرًا مُفِيدًا كَانَ تَعَاطِيهِ عَبَثًا، وَالْعَبَثُ مَكْرُوهٌ وَالْمَكْرُوهُ لَا يَحِلُّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنَ الْحِلِّ الصِّحَّةِ لِتَعَذُّرِ الْحِلِّ مَعَ انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ.
وَهَذَا (١) مِمَّا اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ مُومَأً إِلَيْهِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى امْتِنَاعِ الْإِيمَاءِ تَمَسُّكًا مِنْهُمْ بِأَنَّ الْإِيمَاءَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا دَلَّ اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ عَلَى الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ كَمَا سَبَقَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ.
وَأَمَّا إِذَا دَلَّ عَلَى الْوَصْفِ بِالْوَضْعِ وَكَانَ الْحُكْمُ مُسْتَنْبَطًا مِنْهُ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ مَوْمَأً إِلَيْهِ، كَمَا إِذَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَى الْحُكْمِ بِوَضْعِهِ وَكَانَ الْوَصْفُ مُسْتَنْبَطًا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِيمَاءِ إِلَى الْوَصْفِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇: " «حُرِّمَتِ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا» " (٢) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ وَضْعًا، وَالشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ عِلَّةٌ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْهُ وَلَيْسَتْ مَوْمَأً إِلَيْهَا. следующие страницы →