← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

[المسألة الرابعة إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ بِالْقِيَاسِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَكْثَرِ النَّاسِ جَوَازُ إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ بِالْقِيَاسِ خِلَافًا لِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا النَّصُّ: فَتَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ فِي قَوْلِهِ: " «أَجْتَهِدُ رَأْيِي» " (١) مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَهُوَ دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ التَّفْصِيلُ لِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اشْتَوَرُوا فِي حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: ( «إِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ; فَحُدُّوهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي» ) (٢) قَاسَهُ عَلَى حَدِّ الْمُفْتَرِي، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ نَكِيرٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّهُ مُغَلِّبٌ عَلَى الظَّنِّ، فَجَازَ إِثْبَاتُ الْحَدِّ وَالْكَفَّارَةِ بِهِ لِقَوْلِهِ ﵇: " «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» "، وَقِيَاسًا عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ (٣) فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الدَّلَائِلِ ظَنِّيَّةً، وَالْمَسْأَلَةُ أُصُولِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، فَلَا يَسُوغُ التَّمَسُّكُ بِالظَّنِّ فِيهَا. سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَلَكِنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ، وَذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُدُودَ وَالْكَفَّارَاتِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُقَدَّرَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَعَقُّلُ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِتَقْدِيرِهَا، وَالْقِيَاسُ فَرْعُ تَعَقُّلِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ، فَمَا لَا تَعَقُّلَ لَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ عِلَّةٌ ; فَالْقِيَاسُ فِيهِ مُتَعَذِّرٌ كَمَا فِي أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَنْصِبَةِ الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا. الثَّانِي: أَنَّ الْحُدُودَ عُقُوبَاتٌ وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتٌ فِيهَا شَائِبَةُ الْعُقُوبَةِ، وَالْقِيَاسُ

стр. 982

مِمَّا يَدْخُلُهُ احْتِمَالُ الْخَطَأِ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ وَالْعُقُوبَاتُ مِمَّا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ لِقَوْلِهِ ﵇: " «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» " (١) . الثَّالِثُ: أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَوْجَبَ حَدَّ الْقَطْعِ بِالسَّرِقَةِ وَلَمْ يُوجِبْهُ بِمُكَاتَبَةِ الْكُفَّارِ مَعَ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْقَطْعِ وَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالظِّهَارِ لِكَوْنِهِ مُنْكَرًا وَزُورًا وَلَمْ يُوجِبْهَا فِي الرِّدَّةِ مَعَ أَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْمُنْكَرِ وَقَوْلِ الزُّورِ، فَحَيْثُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ أَوْلَى دَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِيهِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ. وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَدَّى مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ إِنَّمَا هُوَ وُجُوبُ الْحَدِّ وَالْكَفَّارَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُوبٌ، وَذَلِكَ مَعْقُولٌ بِمَا عُلِمَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ لَا أَنَّهُ مَجْهُولٌ. وَعَنِ الثَّانِيَةِ: لَا نُسَلِّمُ احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِنَا إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِيهِ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ شُبْهَةً مَعَ ظُهُورِ الظَّنِّ الْغَالِبِ بِدَلِيلِ جَوَازِ إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِيهِ لِمَا كَانَ الظَّنُّ فِيهِ غَالِبًا. وَعَنِ الثَّالِثَةِ: مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ غَايَةَ مَا يُقَدَّرُ أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ مُنِعَ مِنْ إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي بَعْضِ صُوَرِ وُجُوبِ الْحَدِّ وَالْكَفَّارَةِ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مُطْلَقًا، بَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ اخْتِصَاصِ تِلْكَ الصُّوَرِ بِمَعْنًى لَا وُجُودَ لَهُ فِي غَيْرِهَا ; تَقْلِيلًا لِمُخَالَفَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ.

стр. 983

الثَّانِي الْفَرْقُ، وَذَلِكَ إِمَّا بَيْنَ السَّرِقَةِ، وَمُكَاتَبَةِ الْكُفَّارِ ; فَلِأَنَّ دَاعِيَةَ الْأَرَاذِلِ وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ مُتَحَقِّقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، فَلَوْلَا شَرْعُ الْقَطْعِ لَكَانَتْ مَفْسَدَةُ السَّرِقَةِ مِمَّا تَقَعُ غَالِبًا، وَلَا كَذَلِكَ فِي مُكَاتَبَةِ الْكُفَّارِ. وَإِمَّا بَيْنَ الظِّهَارِ وَالرِّدَّةِ فَهُوَ أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى شَرْعِ الْكَفَّارَةِ فِي الرِّدَّةِ دُونَ الْحَاجَةِ إِلَى شَرْعِهَا فِي الظِّهَارِ، وَذَلِكَ لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الرِّدَّةِ مِنْ شَرْعِ الْقَتْلِ الْوَازِعِ عَنْهَا بِخِلَافِ الظِّهَارِ، وَرُبَّمَا أَوْرَدَ الْأَصْحَابُ مُنَاقَضَةً عَلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْقِيَاسِ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُجَامِعِ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَهُمْ فِي حَقِّ الْمُجَامِعِ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ مُومَأٌ إِلَيْهَا فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ، وَهِيَ عُمُومُ الْإِفْسَادِ، فَالْحُكْمُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ يَكُونُ ثَابِتًا بِالِاسْتِدْلَالِ أَيْ بِعِلَّةٍ مُومَأٍ إِلَيْهَا لَا بِالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، إِذْ هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ لِضَرُورَةِ اعْتِبَارِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ، وَالْعِلَّةُ إِذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً أَوْ مُومَأً إِلَيْهَا، فَقَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهَا بِالنَّصِّ لَا بِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَمَهْمَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهِ فِي اعْتِبَارِ الْعِلَّةِ لِاسْتِقْلَالِ النَّصِّ بِاعْتِبَارِهَا، فَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى حُكْمِ الْأَصْلِ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَا نَظَرَ إِلَيْهِ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ النَّصَّ قَدْ دَلَّ فِي الْوِقَاعِ عَلَى الْحُكْمِ وَعَلَى الْعِلَّةِ، فَالْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ إِذَا كَانَ بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالْقِيَاسِ وَلَا بِالنَّصِّ ; لِعَدَمِ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَيْهِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْعِلَّةِ، وَلَا إِجْمَاعَ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَمَا كَانَ ثَابِتًا لَا بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ، فَالَّذِي ثَبَتَ بِهِ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِدْلَالِ (١) .

стр. 984

[المسألة الخامسة جَوَازِ إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى جَوَازِ إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ (١) وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَصُورَتُهُ إِثْبَاتُ كَوْنِ اللِّوَاطِ سَبَبًا لِلْحَدِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الزِّنَا. وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْحِكْمَةَ " وَهِيَ كَوْنُهُ إِيلَاجَ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ مُشْتَهًى طَبْعًا " الَّتِي يَكُونُ الْوَصْفُ سَبَبًا بِهَا، وَهِيَ الْحِكْمَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا يَكُونُ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْوَصْفِ ثَابِتًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَقِيَاسُ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي حُكْمِ السَّبَبِيَّةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي حِكْمَةِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِيَّةِ. وَتِلْكَ الْحِكْمَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُنْضَبِطَةً بِنَفْسِهَا ظَاهِرَةً جَلِيَّةً غَيْرَ مُضْطَرِبَةٍ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ خَفِيَّةً مُضْطَرِبَةً. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ: فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ إِذَا كَانَتْ مُنْضَبِطَةً بِنَفْسِهَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِهَا أَوْ لَا يَصِحُّ؟ إِذِ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ وَاقِعٌ، فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ كَانَتْ مُسْتَقِلَّةً بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْحَدُّ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْوَصْفِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْوَصْفِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَقَدِ امْتَنَعَ التَّعْلِيلُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِهَا. وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً مُضْطَرِبَةً، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَضْبُوطَةً بِضَابِطٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ مَضْبُوطَةً بِضَابِطٍ فَذَلِكَ الضَّابِطُ لَهَا هُوَ السَّبَبُ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى النَّظَرِ إِلَى خُصُوصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَصْفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَهُمَا الزِّنَا وَاللِّوَاطُ هُنَا الْمَقْضِيُّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْأَصَالَةِ وَالْآخَرِ بِالْفَرْعِيَّةِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَضْبُوطَةً بِضَابِطٍ، فَالْجَمْعُ بِهَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا إِجْمَاعًا لِاحْتِمَالِ التَّفَاوُتِ فِيهَا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْحِكْمَةَ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ كَوْنِ الْحِكْمَةِ إِذَا كَانَتْ خَفِيَّةً مُضْطَرِبَةً يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بِهَا ; لِاحْتِمَالِ التَّفَاوُتِ فِيهَا.

стр. 985

قُلْنَا: احْتِمَالُ التَّفَاوُتِ وَإِنْ كَانَ قَائِمًا، غَيْرَ أَنَّ احْتِمَالَ التَّسَاوِي رَاجِحٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ الَّتِي فِي الْفَرْعِ مُسَاوِيَةً لِمَا فِي الْأَصْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَرْجُوحَةً. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَالْمُسَاوَاةُ حَاصِلَةٌ، وَزِيَادَةٌ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا تَكُونُ مَرْجُوحَةً عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّالِثِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ وَاحِدٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ احْتِمَالٍ مِنِ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ وُقُوعًا مِنِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ الْجَمْعُ أَوْلَى، ثُمَّ كَيْفَ وَقَدْ جَعَلْتُمُ الْقَتْلَ بِالْمُثْقَلِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ، وَجَعَلْتُمُ اللِّوَاطَ سَبَبًا لِلْحَدِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الزِّنَا، وَجَعَلْتُمُ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى نِيَّةِ التَّيَمُّمِ؟ (١) . وَالْجَوَابُ: أَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ دَلِيلِ ظُهُورِ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَافِيًا فِي الْجَمْعِ أَوْ لَا يَكُونُ كَافِيًا، فَإِنْ كَانَ كَافِيًا فَلْيَجْمَعْ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى السَّبَبِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْجَمْعِ بِالسَّبَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَافِيًا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِلْزَامَاتِ، فَلَا وَجْهَ لَهَا. أَمَّا قِيَاسُ الْقَتْلِ بِالثِّقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي السَّبَبِيَّةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي إِيجَابِ الْقِصَاصِ بِجَامِعِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، وَهُوَ السَّبَبُ لَا غَيْرُ. وَأَمَّا قِيَاسُ اللِّوَاطِ عَلَى الزِّنَا، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِجَامِعِ إِيلَاجِ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٍ شَرْعًا ; وَذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ. وَأَمَّا قِيَاسُ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي اعْتِبَارِ النِّيَّةِ بِجَامِعِ الطَّهَارَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلصَّلَاةِ، وَذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ لَا أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الِاشْتِرَاطِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ كُلُّ مَا يَرِدُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.

стр. 986

[المسألة السادسة إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَأَثْبَتَهُ بَعْضُ الشُّذُوذِ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا تَدْخُلُ جَمِيعُهَا تَحْتَ حَدٍّ وَاحِدٍ، وَهُوَ حَدُّ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَتَشْتَرِكُ فِيهِ، وَقَدْ جَازَ عَلَى بَعْضِهَا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ، وَمَا جَازَ عَلَى بَعْضِ الْمُتَمَاثِلَاتِ كَانَ جَائِزًا عَلَى الْبَاقِي، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَذَلِكَ أَنَّهُ وَإِنْ دَخَلَتْ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَحْتَ حَدِّ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَكَانَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ جِنْسًا لَهَا غَيْرَ أَنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ وَمُتَمَايِزَةٌ بِأُمُورٍ مُوجِبَةٍ لِتَنَوُّعِهَا. وَعَلَى هَذَا فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ مَا جَازَ عَلَى بَعْضِهَا وَثَبَتَ لَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِيَّتِهِ وَتَعَيُّنِهِ، لَا بِاعْتِبَارِ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ وَهُوَ عَامٌّ لَهَا. كَيْفَ وَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَمْتَنِعُ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا امْتِنَاعَ إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الشَّارِعِ عَلَى الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا وَشَرْطًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ إِلَى أَمْرٍ مُمْتَنِعٍ، فَكَانَ مُمْتَنِعًا. وَبَيَانُ لُزُومِ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ قِيَاسٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ - عَلَى مَا عُلِمَ - فَلَوْ كَانَ كُلُّ حُكْمٍ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ لَكَانَ حُكْمُ أَصْلِ الْقِيَاسِ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ أَصْلِ أَصْلِهِ، فَإِنْ تَسَلْسَلَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ امْتَنَعَ وُجُودُ قِيَاسٍ مَا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أُصُولٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَإِنِ انْتَهَى إِلَى أَصْلٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، فَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ (١) . الثَّالِثُ: أَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا ثَبَتَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى كَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَنَحْوِهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِجْرَاءُ الْقِيَاسِ فِيهِ مُتَعَذِّرٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ تَعَقُّلِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَتَعْدِيَتِهَا إِلَى الْفَرْعِ فَمَا لَا يُعْقَلُ لَهُ عِلَّةٌ فَإِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ يَكُونُ مُمْتَنِعًا.

стр. 987

خَاتِمَةٌ لِهَذَا الْبَابِ الْقِيَاسُ مَأْمُورٌ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ. وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى بَعْضِ الْأَعْيَانِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ فِيهَا مَقَامَهُ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ. وَإِلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ فِي تَعْرِيفِ حُكْمِ مَا حَدَثَ مِنَ الْوَاقِعَةِ بِالْقِيَاسِ. وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِيمَا يَجُوزُ حُدُوثُهُ مِنَ الْوَقَائِعِ وَلَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يَنْدُبُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ حُكْمُهُ مُعَدًّا لِوَقْتِ الْحَاجَةِ، وَهَلْ يُوصَفُ الْقِيَاسُ بِكَوْنِهِ دِينًا لِلَّهِ تَعَالَى؟ فَذَلِكَ مِمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ مُطْلَقًا، وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو الْهُذَيْلِ، وَفَصَلَ الْجُبَّائِيُّ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مِنْهُ، فَوَصَفَ الْوَاجِبَ بِذَلِكَ دُونَ الْمَنْدُوبِ. وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ عُنِيَ بِالدِّينِ مَا كَانَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَقْصُودَةِ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ كَوُجُوبِ الْفِعْلِ وَحُرْمَتِهِ وَنَحْوِهِ، فَالْقِيَاسُ وَاعْتِبَارُهُ لَيْسَ بِدِينٍ مَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ. وَإِنْ عُنِيَ بِالدِّينِ مَا تَعَبَّدْنَا بِهِ كَانَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا أَوْ تَابِعًا، فَالْقِيَاسُ مِنَ الدِّينِ لِأَنَّا مُتَعَبِّدُونَ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ لَفْظِيَّةٌ.

стр. 988

[الْبَابُ الخامس فِي الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ وَجِهَاتِ الِانْفِصَالِ عَنْهَا] الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ وَجِهَاتِ الِانْفِصَالِ عَنْهَا (١) . [الِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ الِاسْتِفْسَارُ] أَمَّا الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ فَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ اعْتِرَاضًا. الِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ: الِاسْتِفْسَارُ وَهُوَ طَلَبُ شَرْحِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ مَحَامِلَ عَلَى السَّوِيَّةِ، أَوْ غَرِيبًا لَا يَعْرِفُهُ السَّامِعُ الْمُخَاطَبُ، فَعَلَى السَّائِلِ (٢) بَيَانُ كَوْنِهِ مُجْمَلًا أَوْ غَرِيبًا ; لِأَنَّ الِاسْتِفْسَارَ عَنِ الْوَاضِحِ عِنَادٌ أَوْ جَهْلٌ. وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: (٣) مَا ثَبَتَ فِيهِ الِاسْتِبْهَامُ صَحَّ عَنْهُ الِاسْتِفْهَامُ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ أَوَّلًا وَمَا سِوَاهُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ لِكَوْنِهِ فَرْعًا عَلَى فَهْمِ مَعْنَى اللَّفْظِ، وَصِيَغُهُ مُتَعَدِّدَةٌ:

стр. 989

فَمِنْهَا (الْهَمْزَةُ) كَقَوْلِهِ: " أَعِنْدَكَ زِيدٌ " وَهِيَ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِفْسَارِ إِذْ لَا تَرِدُ لِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنَ الْأَسْئِلَةِ فَإِنَّهَا قَدْ تَرِدُ لِغَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ. فَمِنْ ذَلِكَ (هَلْ) وَهِيَ تَلِي الْهَمْزَةَ فِي الرُّتْبَةِ إِذْ هِيَ أَصْلٌ فِي الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِكَ " هَلْ زِيدٌ مَوْجُودٌ؟ " وَلَكِنَّهَا قَدْ تَرِدُ نَادِرًا لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ، وَالْمُرَادُ بِهِ: قَدْ أَتَى. وَمِنْ ذَلِكَ (مَا) فَإِنَّهَا قَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِكَ " مَا عِنْدَكَ؟ " وَلَكِنَّهَا قَدْ تَرِدُ لِلنَّفْيِ، كَقَوْلِكَ " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا " وَلِلتَّعَجُّبِ كَقَوْلِكَ " مَا أَحْسَنَ زَيْدًا! " إِلَى مَعَانٍ أُخَرَ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي الرُّتْبَةِ عَنْ (هَلْ) . وَمِنْ ذَلِكَ (مَنْ) وَهِيَ قَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِكَ " مَنْ عِنْدَكَ؟ " وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ ﵇: " «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» " (١) ، وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ كَقَوْلِكَ " جَاءَنِي مَنْ أُحِبُّهُ " وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ يَعْقِلُ دُونَ مَا لَا يَعْقِلُ، وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ فِي الرُّتْبَةِ عَنْ (مَا) لِأَنَّ (مَا) قَدْ تَرِدُ لِمَا لَا يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ أَيْ وَمَنْ بَنَاهَا ٨ (٢) . . وَمِنْ ذَلِكَ (أَيْنَ) وَهِيَ سُؤَالٌ عَنِ الْمَكَانِ، وَ (مَتَى) عَنِ الزَّمَانِ، وَ (كَيْفَ) عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، وَ (كَمْ) عَنِ الْكَمِّيَّةِ، وَ (أَيْ) عَنِ التَّمْيِيزِ، وَالْهَمْزَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي السُّؤَالِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الِاسْتِفْسَارِ كَوْنُ اللَّفْظِ مُجْمَلًا أَوْ غَرِيبًا، فَيَجِبُ عَلَى السَّائِلِ بَيَانُ ذَلِكَ لِصِحَّةِ سُؤَالِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا خَفَاءَ بِأَنَّ ظُهُورَ الدَّلِيلِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الدَّلِيلِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ الظُّهُورُ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ مُجْمَلًا، فَنَفْيُ الْإِجْمَالِ إِذًا شَرْطٌ فِي الدَّلِيلِ، وَبَيَانُ شَرْطِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ لَا عَلَى الْمُعْتَرِضِ، قُلْنَا: ظُهُورُ الدَّلِيلِ وَإِنْ كَانَ مُتَوَقِّفًا عَلَى نَفْيِ الْإِجْمَالِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِجْمَالِ.

стр. 990

وَسُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ يَسْتَدْعِي الْإِجْمَالَ الْمُخَالِفَ لِلْأَصْلِ، فَكَانَ بَيَانُهُ عَلَى الْمُسْتَفْهِمِ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الْإِجْمَالِ بِجِهَةِ الِاشْتِرَاكِ أَوِ الْغَرَابَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ شَيْئًا فِيمَا كَانَ ظَاهِرًا مَشْهُورًا فِي أَلْسِنَةِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ لِانْتِسَابِهِ إِلَى الْعِنَادِ لِعَدَمِ خَفَائِهِ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ، لَكِنْ إِنْ بَيَّنَ الْإِجْمَالَ بِجِهَةِ الْغَرَابَةِ بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِجِهَةِ الِاشْتِرَاكِ بِسَبَبِ تَرَدُّدِهِ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ (١) . كَفَاهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى بَيَانِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّرْجِيحِ وَلِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى بَيَانِ التَّسْوِيَةِ، وَقُدْرَةِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى التَّرْجِيحِ. وَطَرِيقُ الْمُسْتَدِلِّ فِي جَوَابِ دَفْعِ الْإِجْمَالِ بِجِهَةِ الْغَرَابَةِ (٢) . التَّفْسِيرُ إِنْ عَجَزَ عَنْ إِبْطَالِ غَرَابَتِهِ. وَفِي جَوَابِ دَفْعِ الْإِجْمَالِ بِجِهَةِ الِاشْتِرَاكِ مَنْعُ تَعَدُّدِ مَحَامِلِ اللَّفْظِ إِنْ أَمْكَنَ أَوْ بَيَانُ الظُّهُورِ فِي أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَلَهُ فِيهِ طَرِيقٌ تَفْصِيلِيٌّ بِالنَّقْلِ عَنْ أَهْلِ الْوَضْعِ أَوِ الشَّرْعِ أَوْ بِبَيَانِ أَنَّهُ مَشْهُورٌ فِيهِ، وَالشُّهْرَةِ دَلِيلُ الظُّهُورِ وَالْحَقِيقَةِ غَالِبًا. وَطَرِيقٌ إِجْمَالِيٌّ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: الْإِجْمَالُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِإِخْلَالِهِ بِالتَّفَاهُمِ، فَيَجِبُ اعْتِقَادُ ظُهُورِهِ فِي أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ نَفْيًا لِلْإِجْمَالِ عَنِ الْكَلَامِ، وَهُوَ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ التَّجَوُّزُ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّ مَحْذُورَ الِاشْتِرَاكِ أَعْظَمُ مِنْ مَحْذُورِ التَّجَوُّزِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ بَيَانُ ذَلِكَ فَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْإِجْمَالِ أَيْضًا بِدَعْوَى كَوْنِ اللَّفْظِ مُتَوَاطِئًا فِيهِمَا لِمُوَافَقَتِهِ لِنَفْيِ الْإِجْمَالِ وَالتَّجَوُّزِ أَوْ أَنْ يُفَسِّرَ لَفْظَهُ بِمَا أَرَادَ مِنْهُمَا.

стр. 991

[الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَسَادُ الِاعْتِبَارِ] وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الْقِيَاسِ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي بِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ لَا لِفَسَادٍ فِي وَضْعِ الْقِيَاسِ وَتَرْكِيبِهِ. (١) فَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ مَعَ النَّصِّ الْمُخَالِفِ لَهُ. وَقَدْ مَثَّلَ ذَلِكَ أَيْضًا (٢) بِقِيَاسِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ، وَقِيَاسِ الصَّبِيِّ عَلَى الْبَالِغِ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ مِنْ جِهَةِ ظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ كُلُّ قِيَاسٍ ظَهَرَ الْفَارِقُ فِيهِ بَيْنِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. وَأَقْرَبُ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ إِنَّمَا هُوَ الْمِثَالُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ مَهْمَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ كَانَ بَاطِلًا لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (٣) . وَأَمَّا بَاقِي الْأَمْثِلَةِ فَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إِلَى إِبْدَاءِ الْفِرَقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَهُوَ سُؤَالٌ آخَرُ غَيْرُ سُؤَالِ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَجَوَابُهُ إِمَّا بِالطَّعْنِ فِي سَنَدِ النَّصِّ إِنْ أَمْكَنَ أَوْ بِمَنْعِ الظُّهُورِ أَوِ التَّأْوِيلِ أَوِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ أَوِ الْمُعَارَضَةِ بِنَصٍّ آخَرَ لِيَسْلَمَ لَهُ الْقِيَاسُ، أَوْ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ قَبِيلِ مَا يَجِبُ تَرْجِيحُهُ عَلَى النَّصِّ الْمُعَارِضِ لَهُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ الْمُسَاعِدَةِ لَهُ.

стр. 992

[الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ فَسَادُ الْوَضْعِ] وَاعْلَمْ أَنَّ صِحَّةَ وَضْعِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ صَالِحَةٍ لِاعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَفَسَادُ الْوَضْعِ لَا يَكُونُ عَلَى الْهَيْئَةِ الصَّالِحَةِ لِاعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ. وَقَدْ مَثَّلَهُ الْفُقَهَاءُ بِمَا تُلِقِّيَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ مُقَابِلِهِ، كَتَلَقِّي التَّضْيِيقِ مِنَ التَّوْسِيعِ وَالتَّخْفِيفِ مِنَ التَّغْلِيظِ وَالْإِثْبَاتِ مِنَ النَّفْيِ وَبِالْعَكْسِ. وَأَنْ يَكُونَ مَا جَعَلَهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ مُشْعِرًا بِنَقِيضِ الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ فِي النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ: لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ يَقْتَضِي انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِهِ، لَا عَدَمَ الِانْعِقَادِ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ يَقْتَضِي الِاعْتِبَارَ لَا عَدَمَ الِاعْتِبَارِ (١) . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَسْحٌ فَيُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ وَكَمَسْحِ الِاسْتِطَابَةِ فَإِنَّ الْمَنَاطَ كَوْنُهُ مَسْحًا وَالْمَسْحُ تَخْفِيفٌ وَالتَّخْفِيفُ يُشْعِرُ بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّكْرَارُ تَثْقِيلٌ. وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ فَاسِدِ الْوَضْعِ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، وَلَيْسَ كُلُّ فَاسِدِ الِاعْتِبَارِ يَكُونُ فَاسِدَ الْوَضْعِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يَكُونُ صَحِيحَ الْوَضْعِ وَإِنْ كَانَ اعْتِبَارُهُ فَاسِدًا بِالنَّظَرِ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. وَلِهَذَا وَجَبَ تَقْدِيمُ سُؤَالِ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ عَلَى سُؤَالِ فَسَادِ الْوَضْعِ ; لِأَنَّ النَّظَرَ فِي الْأَعَمِّ يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى النَّظَرِ فِي الْأَخَصِّ لِكَوْنِ الْأَخَصِّ مُشْتَمِلًا عَلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْأَعَمُّ وَزِيَادَةٌ. وَإِذَا عُرِفَ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي سُؤَالِ فَسَادِ الْوَضْعِ، فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: اقْتِضَاءُ الْوَصْفِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ، إِمَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ (يُرَادُ بِهِ اقْتِضَاؤُهُ لَهُ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ نَقِيضَ الْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ إِشْعَارُ اللَّفْظِ، وَإِمَّا اعْتِبَارُ الْوَصْفِ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ فِي صُوَرِهِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَإِمَّا أَنْ يَدَّعِيَ) أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُسْتَدِلُّ، أَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

стр. 993

فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُسْتَدِلُّ ; فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ وَصْفُ الْمُسْتَدِلِّ غَيْرَ مُنَاسِبٍ لِحُكْمِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَصْفَ الْوَاحِدَ لَا يُنَاسِبُ حُكْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إِلَى الْقَدْحِ فِي الْمُنَاسَبَةِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ لَا أَنَّهُ سُؤَالٌ آخَرُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَلَا يَمْتَنِعُ مُنَاسَبَةُ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ لِحُكْمِهِ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا (وَيَرْجِعُ حَاصِلُهُ إِلَى سُؤَالِ الِاشْتِرَاكِ فِي الدَّلَالَةِ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْمُعَارَضَةِ ; لِأَنَّهُ سُؤَالٌ آخَرُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِاقْتِضَائِهِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ اعْتِبَارُهُ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ. فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُسْتَدِلُّ أَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلَا يَقْدَحُ فِي اعْتِبَارِهِ فِي حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ مِنْ جِهَتِهِ فَإِنَّهُ جَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ فِي حُكْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ يَكُونُ مِنْ جِهَتَيْنِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُسْتَدِلُّ فَإِنَّهُ وَإِنْ مُنِعَ مِنِ اعْتِبَارِهِ فِي حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ اعْتِبَارِهِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حُكْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى سُؤَالِ الْقَلْبِ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ اعْتِبَارُهُ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ أَوْ ثَابِتًا بِالدَّلِيلِ لَا أَنَّهُ سُؤَالٌ آخَرُ، وَقَدْ يُشَبَّهُ بِسُؤَالِ النَّقْضِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ حَيْثُ أَنَّا وَجَدْنَا الْعِلَّةَ فِي صُورَةٍ مَعَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لَكِنْ مَعَ مَزِيدٍ وَهُوَ كَوْنُ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقِيضِ هُوَ عِلَّةَ النَّقِيضِ، وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلِ مَعَ اقْتِضَاءِ الْوَصْفِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ وَالْقَدْحِ فِيمَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ، الثَّانِي أَنْ نُسَلِّمَ ذَلِكَ وَنُبَيِّنَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْحُكْمَ الَّذِي قَصَدَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى) (١) ثُمَّ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ جِهَةُ الْمُنَاسَبَةِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ مُعْتَبَرَةً فِي صُوَرِهِ، أَوْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَبَرَةً كَانَ مَا يُبْدِيهِ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ جِهَةِ الْمُنَاسَبَةِ كَافِيًا فِي دَفْعِ السُّؤَالِ ضَرُورَةَ كَوْنِهَا مُعْتَبَرَةً، وَمُنَاسَبَةُ الْمُعْتَرِضِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُنَاسَبَةُ الْمُعْتَرِضِ مُعْتَبَرَةً فَإِنْ أَوْرَدَ الْمُعْتَرِضُ مَا ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْمُعَارَضَةِ فَقَدِ انْتَقَلَ عَنْ سُؤَالِهِ الْأَوَّلِ إِلَى سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ التَّرْجِيحُ لِمَا ذَكَرَهُ ضَرُورَةَ التَّسَاوِي فِي الْمُنَاسَبَةِ وَالِاعْتِبَارِ، وَإِنْ لَمْ يُورِدْ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْمُعَارَضَةِ وَبَقِيَ مُصِرًّا عَلَى السُّؤَالِ الْأَوَّلِ فَلَا يَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى التَّرْجِيحِ لِكَوْنِهِ خَاصًّا بِالْمُعَارَضَةِ، وَهَذَا مِنْ مُسْتَحْسَنَاتِ صِنَاعَةِ الْجَدَلِ فَلْيُتَأَمَّلْ.

стр. 994

[الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ] وَلَمَّا كَانَ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ قَبِيلِ النَّظَرِ فِي تَفْصِيلِ الْقِيَاسِ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَمَّا قَبْلَهُ لِكَوْنِ مَا قَبْلَهُ نَظَرًا فِي الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ لَا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ، وَالنَّظَرُ فِي الْجُمْلَةِ يَتَقَدَّمُ عَلَى النَّظَرِ فِي التَّفْصِيلِ. وَمِثَالُهُ مَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَثَلًا: مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا يُزِيلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ كَالدُّهْنِ. فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: لَا أُسَلِّمُ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الدُّهْنَ عِنْدِي مُزِيلٌ لِحُكْمِ النَّجَاسَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْقِطَاعِ الْمُسْتَدِلِّ بِتَوْجِيهِ مَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِانْقِطَاعِهِ لِأَنَّهُ أَنْشَأَ الْكَلَامَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ لَا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، فَإِذَا مَنَعَ حُكْمَ الْأَصْلِ فَإِمَّا أَنْ يَشْرَعَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَشْرَعَ. فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَتِمَّ دَلِيلُهُ عَلَى مَقْصُودِهِ وَهُوَ انْقِطَاعٌ، وَإِنْ شَرَعَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ تَرَكَ مَا كَانَ بِصَدَدِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَعَدَلَ عَمَّا أَنْشَأَهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ إِلَى الدَّلَالَةِ عَلَى حَكَمِ الْأَصْلِ، وَلَا مَعْنَى لِلِانْقِطَاعِ سِوَى هَذَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَكُونُ مُنْقَطِعًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَنْشَأَ الدَّلِيلَ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ إِنْشَاءَ مَنْ يُحَاوِلُ تَمْشِيَتَهُ وَتَقْرِيرَهُ، وَبِالدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ لَا أَنَّهُ تَارِكٌ لِمَا شَرَعَ فِيهِ أَوَّلًا وَلَا مَنْعَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْأَصْلِ وَكَوْنِهَا عِلَّةً فِيهِ، وَعَلَى وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، وَلَمْ يُمْنَعْ أَحَدٌ مِنْ مُحَاوَلَةِ تَقْرِيرِ الْقِيَاسِ عِنْدَ مَنْعِ وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ وَمَنْعِ كَوْنِهَا عِلَّةً فِيهِ، وَمَنْعِ وَجُودِهَا فِي الْفَرْعِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى مَحَلِّ الْمَنْعِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَصْلِ ضَرُورَةَ التَّسَاوِي بَيْنَ الْكُلِّ فِي افْتِقَارِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ إِلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ خَفِيًّا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا ; فَحَكَمَ بِانْقِطَاعِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَبِعَدَمِ انْقِطَاعِهِ عِنْدَ خَفَائِهِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ.

стр. 995

وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ (١) وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجِبُ اتِّبَاعُ عُرْفِ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَمُصْطَلَحِ أَهْلِهِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُنْقَطِعًا إِذَا دَلَّ عَلَى مَوْقِعِ الْمَنْعِ، لِمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ (٢) .، وَقَدْ بَيَّنَّا شَرْطَ الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ فِي أَرْكَانِ الْقِيَاسِ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: (٣) لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الدَّلَالَةِ عَلَى مَحَلِّ الْمَنْعِ بَلْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا قِسْتُ عَلَى أَصْلِيٍّ، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ قَصَدَ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ عَلَى أَصْلِ نَفْسِهِ فَالْخَصْمُ غَيْرُ مُنَازِعٍ لَهُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْفَرْعِ عَلَى أَصْلِهِ وَلَا وَجْهَ لِلْمُنَاظَرَةِ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَإِنْ قَصَدَ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَصْمِ بِحَيْثُ يُوجِبُ الِانْقِيَادَ إِلَيْهِ ; فَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ مَعَ مَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَعَدَمِ ثُبُوتِهِ بِالدَّلَالَةِ. وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ عَامًّا، وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَمْنُوعٍ وَغَيْرِ مَمْنُوعٍ كَالدُّهْنِ ; فَإِنَّهُ وَإِنْ مُنِعَ الْحُكْمُ فِي الطَّاهِرِ مِنْهُ، فَهُوَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ فِي الدُّهْنِ النَّجِسِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا قِسْتُ عَلَى الدُّهْنِ النَّجِسِ دُونَ الطَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ قِيَاسِي عَلَيْهِمَا فَغَايَتُهُ الْقِيَاسُ عَلَى أَصْلَيْنِ وَقَدْ بَطَلَ التَّمَسُّكُ بِأَحَدِهِمَا، فَيَبْقَى التَّمَسُّكُ بِالْآخَرِ. وَإِذَا ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى مَوْقِعِ الْمَنْعِ. فَمِنْهُمْ مَنْ حَكَمَ بِانْقِطَاعِ الْمُعْتَرِضِ لِتَبَيُّنِ فَسَادِ الْمَنْعِ وَتَعَذُّرِ الِاعْتِرَاضِ مِنْهُ عَلَى دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّطْوِيلِ فِيمَا هُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ فِي أَوَّلِ النَّظَرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُعَدُّ مُنْقَطِعًا، وَلَا يَمْنَعُ مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى دَلِيلِ الْمَنْعِ، وَلَا يَكْتَفِي مِنَ الْمُسْتَدِلِّ بِمَا يَدَّعِيهِ دَلِيلًا، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِقَبُولِ الْمَنْعِ مَعْنًى، بَلِ الِانْقِطَاعُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ بِعَجْزِهِ عَمَّا يُحَاوِلُهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ.

стр. 996

[الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسُ التَّقْسِيمُ] ُ (١) وَهُوَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: عِبَارَةٌ عَنْ تَرْدِيدِ اللَّفْظِ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ، أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ، وَالْآخَرُ مُسَلَّمٌ غَيْرَ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ مُتَوَجِّهَةٌ بِبِنَاءِ الْغَرَضِ عَلَيْهِ إِمَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَرْدِيدِهِ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ لِأَنَّهُ (٢) . لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لِأَمْرَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّرْدِيدِ وَالتَّقْسِيمِ مَعْنًى، بَلْ كَانَ يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وَإِمَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ احْتِمَالُ اللَّفْظِ لَهُمَا عَلَى السَّوِيَّةِ لِأَنَّهُ (٣) لَوْ كَانَ ظَاهِرًا فِي أَحَدِهِمَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ أَيْضًا وَجْهٌ، بَلْ كَانَ يَجِبُ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، كَانَ مَمْنُوعًا أَوْ مُسَلَّمًا. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وُجِدَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ وَبَيْنَ وُجُودِ السَّبَبِ بِالْبَيْعِ الصَّادِرِ مِنَ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: السَّبَبُ هُوَ مُطْلَقُ بَيْعٍ أَوِ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ؛ أَيِ: الَّذِي لَا شَرْطَ فِيهِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِوُجُودِهِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التَّقْسِيمُ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَرْطِهِ تَرَدُّدُ اللَّفْظِ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوِيَّةِ، فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ مَمْنُوعًا وَالْآخَرُ مُسَلَّمًا، بَلْ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ الِاحْتِمَالَانِ فِي التَّسْلِيمِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَخْتَلِفَا بِاعْتِبَارِ مَا يَرِدُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ الْقَادِحَةِ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَوِ اتَّحَدَا فِيمَا يَرِدُ عَلَيْهِمَا مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ مَعَ التَّسَاوِي فِي التَّسْلِيمِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى، بَلْ كَانَ يَجِبُ تَسْلِيمُ الْمَدْلُولِ وَإِيرَادُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي الْمَنْعِ أَنَّ التَّقْسِيمَ لَا يَكُونُ مُفِيدًا.

стр. 997

وَعَلَى هَذَا فَلَوْ أَرَادَ الْمُعْتَرِضُ تَصْحِيحَ تَقْسِيمِهِ، فَيَكْفِيهِ بَيَانُ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الِاحْتِمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفِ بَيَانِ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا بِجِهَةِ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْسُرُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا مِنْ وَجْهٍ (١) يَبِينُ التَّسَاوِي فِيهِ إِلَّا وَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: وَلِمَ قُلْتَ بِعَدَمِ التَّفَاوُتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؟ بَلَى لَوْ قِيلَ إِنَّهُ يُكَلَّفُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: التَّفَاوُتُ يَسْتَدْعِي تَرَجُّحَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَزِيَادَتَهُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَاقًّا وَكَانَ وَافِيًا بِالدَّلَالَةِ عَلَى شَرْطِ التَّقْسِيمِ. وَلَوْ ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ احْتِمَالَيْنِ لَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِمَا وَأَوْرَدَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي مَسْأَلَةِ الِالْتِجَاءِ إِلَى الْحَرَمِ: وُجِدَ سَبَبُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فَيَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ وَبَيَّنَ وُجُودَ السَّبَبِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: مَتَى يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالِاسْتِيفَاءِ؟ إِذَا وُجِدَ الْمَانِعُ أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَلَكِنْ لِمَ قُلْتَ إِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، وَبَيَانُ وُجُودِهِ أَنَّ الْحَرَمَ مَانِعٌ، وَبَيَّنَهُ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَخْلُ، (٢) إِمَّا أَنْ يُورِدَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمُسْتَدِلِّ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَوْ عَلَى دَعْوَاهُ الْمُلَازَمَةَ بَيْنَ الْحُكْمِ وَدَلِيلِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ: فَهُوَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ تَرَدُّدِ لَفْظِ السَّبَبِ بَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِبَيَانِ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ، فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الِاصْطِلَاحِ مِنْ حَطِّ مَئُونَةِ ذَلِكَ عَنِ الْمُنَاظِرِ فِي الْمَوَانِعِ وَالْمُعَارَضَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَإِنْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ الدَّلَالَةَ عَلَى وُجُودِ الْمُعَارِضِ؛ فَحَاصِلُ السُّؤَالِ يَرْجِعُ إِلَى الْمُعَارَضَةِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْسِيمِ، وَإِذَا اتَّجَهَ سُؤَالُ التَّقْسِيمِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ، فَجَوَابُهُ مِنْ جِهَةِ الْجَدَلِ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُعَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ بَعْضَ مَحَامِلِ لَفْظِهِ، وَيُبَيِّنَ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ بِإِزَائِهِ حَقِيقَةً فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، إِمَّا بِالنَّقْلِ عَنْ أَهْلِ الْوَضْعِ أَوِ الشَّارِعِ الصَّادِقِ.

стр. 998

أَوْ بِبَيَانِ كَوْنِهِ مَشْهُورًا بِهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، وَبِمَا يُسَاعِدُ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَمَعَ بَيَانِ ذَلِكَ فَالتَّقْسِيمُ يَكُونُ مَرْدُودًا لِتَبَيُّنِ فَوَاتِ شَرْطِهِ مِنَ التَّسَاوِي فِي الدَّلَالَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا بِحُكْمِ الْوَضْعِ فِيمَا عَيَّنْتُهُ مِنَ الِاحْتِمَالِ غَيْرَ أَنَّهُ ظَاهِرٌ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، كَمَا فِي لَفْظِ الْغَائِطِ وَنَحْوِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا بِالْأَمْرَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ كَوْنُهُ ظَاهِرًا بِأَحَدِ الْأَنْحَاءِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ بِحُكْمِ مَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ الْمُسَاعِدَةِ لَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ بَيَانُ الظُّهُورِيَّةِ بِأَحَدِ الطُّرُقِ الْمُفَصَّلَةِ، فَلَهُ دَفْعُ التَّقْسِيمِ بِوَجْهٍ إِجْمَالِيٍّ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: الْإِجْمَالُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَيَجِبُ اعْتِقَادُ ظُهُورِ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ احْتِمَالَاتِهِ؛ ضَرُورَةَ نَفْيِ الْإِجْمَالِ عَنِ اللَّفْظِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّقْسِيمُ لَا يَكُونُ وَارِدًا. وَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى بَيَانِ كَوْنِ اللَّفْظِ ظَاهِرًا فِيمَا عَيَّنَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ الْإِجْمَالِيِّ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي بَعْضِ مَحَامِلِهِ، نَفْيًا لِلْإِجْمَالِ عَنِ الْكَلَامِ، فَيَجِبُ اعْتِقَادُ ظُهُورِهِ فِيمَا عَيَّنَهُ الْمُسْتَدِلُّ، ضَرُورَةَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ ظُهُورِهِ فِيمَا عَدَاهُ، أَمَّا عِنْدَ الْمُعْتَرِضِ فَلِضَرُورَةِ دَعْوَاهُ الْإِجْمَالَ فِي اللَّفْظِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ، فَلِضَرُورَةِ دَعْوَاهُ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِيمَا ادَّعَاهُ دُونَ غَيْرِهِ. السَّادِسُ: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ اللَّفْظَ لَهُ احْتِمَالٌ آخَرُ غَيْرُ مَا تَعَرَّضَ لَهُ الْمُعْتَرِضُ بِالْمَنْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَأَنَّهُ مُرَادُهُ إِلَّا أَنْ يَحْتَرِزَ الْمُعْتَرِضُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُعَيِّنَ مُجْمَلًا، وَيَقُولَ: إِنْ أَرَدْتَ هَذَا فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِبِنَاءِ الْغَرَضِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَدْتَ مَا عَدَاهُ فَمَمْنُوعٌ. فَمَا مِثْلُ هَذَا الْجَوَابِ لَا يَكُونُ مُتَّجِهًا، وَإِنْ أَرَادَ الْمُسْتَدِلُّ الْجَوَابَ الْفِقْهِيَّ فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَنْزِيلِ كَلَامِهِ عَلَى أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ، فَالْأَوْلَى فِي الِاصْطِلَاحِ تَنْزِيلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ حَذَرًا مِنَ التَّطْوِيلِ، وَلْيَكُنْ مُنَزَّلًا عَلَى أَسْهَلِهِمَا فِي التَّمْشِيَةِ وَالْقُرْبِ إِلَى الْمَقْصُودِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ جَائِزًا شَرْعًا. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُنْقَطِعًا.

стр. 999

وَأَمَّا مَوْقِعُ سُؤَالِ التَّقْسِيمِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْوَصْفِ الْمُتَفَرِّعِ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَأَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى مَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ لِدَلَالَةِ مَنْعِ الْوُجُودِ عَلَى تَعْيِينِ الْوَصْفِ وَالتَّقْسِيمِ عَلَى التَّرْدِيدِ. وَأَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ الْمُدَّعِي عِلَّةً لِكَوْنِهِ مُشْعِرًا بِتَرْدِيدِ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ مُشْعِرَةٌ بِتَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ لَا غَيْرَ (١) ضَرُورَةَ تَخْصِيصِهِ بِالْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ التَّخْصِيصُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، وَإِيرَادُ مَا يُشْعِرُ بِالتَّرْدِيدِ بَعْدَ مَا يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ اتِّحَادِ الْمَدْلُولِ يَكُونُ مُتَنَاقِضًا. وَقَدْ عَلَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَرْبَابِ الِاصْطِلَاحِ بِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ تَسْتَدْعِي تَسْلِيمَ وُجُودِ الْوَصْفِ، وَالتَّقْسِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَنْعِ الْوُجُودِ، وَمَنْعُ الْوُجُودِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْوُجُودِ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَمْنُوعَ الْوُجُودِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ فِي مَبْدَأِ السُّؤَالِ. (٢) وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ مَمْنُوعَ الْوُجُودِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ وَالْمَنْعُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، أَنْ لَوْ كَانَ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ سُؤَالَ الْمُطَالَبَةِ أَوْ لَا هُوَ نَفْسُ الْقِسْمِ الَّذِي مَنَعَ وَجُودَهُ فِي التَّقْسِيمِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، فَلَا. وَبِالْجُمْلَةِ فَيَمْتَنِعُ أَيْضًا قَبُولُ سُؤَالِ التَّقْسِيمِ بَعْدَ سُؤَالِ الِاسْتِفْسَارِ؛ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ إِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ سُؤَالَ الِاسْتِفْسَارِ جَدَلًا بِنَفْيِ الْإِجْمَالِ، فَالتَّقْسِيمُ بَعْدَهُ لَا يَرُدُّ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِجْمَالِ وَقَدِ انْتَفَى، وَإِنْ أَجَابَ عَنْهُ بِتَعْيِينِ مَا بِكَلَامِهِ، فَبَعْدَ التَّعْيِينِ لَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْسِيمِ بَلْ يَجِبُ وُرُودُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى عَيْنِهِ (٣) دُونَ غَيْرِهِ.

стр. 1000

[الِاعْتِرَاضُ السَّادِسُ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ] وَلِكَوْنِ النَّظَرِ فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ مُتَفَرِّعًا عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ؛ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ عَنِ النَّظَرِ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ وَعَنِ التَّقْسِيمِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي السُّؤَالِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَمِثَالُهُ: مَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ جِلْدِ الْكَلْبِ مَثَلًا: حَيَوَانٌ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا فَلَا يُطَهَّرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ كَالْخِنْزِيرِ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ: لَا أُسَلِّمُ وُجُوبَ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْخِنْزِيرِ سَبْعًا. وَجَوَابُهُ بِذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ مِنَ الْعَقْلِ أَوِ الْحِسِّ أَوِ الشَّرْعِ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْوَصْفِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ، أَوْ أَنْ يُفَسِّرَ لَفْظَهُ بِمَا لَا يُمَكِّنُ الْخَصْمَ مَنْعَهُ، وَإِنْ كَانَ احْتِمَالُ اللَّفْظِ لَهُ بَعِيدًا، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: أَعْنِي بِهِ مَا إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ الطَّهَارَةُ. وَإِنْ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَصْلِ، غَيْرَ أَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُهُ لُغَةً. فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ ذَهَبَ إِلَى قَبُولِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ وَضْعَ اللَّفْظِ إِنَّمَا كَانَ لِقَصْدِ تَحْصِيلِ الْمَعْنَى مِنْهُ وَأَنْ يَعْرِفَ كُلُّ أَحَدٍ مَا فِي ضَمِيرِهِ لِغَيْرِهِ بِوَاسِطَةِ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِضَبْطِ الْوَضْعِ ضَبْطًا يَمْتَنِعُ مَعَهُ دُخُولُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَإِذَا قُبِلَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ تَفْسِيرُ لَفْظِهِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ لُغَةً حَالَةَ عَجْزِهِ عَنْ تَقْرِيرِ كَلَامِهِ، أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى اضْطِرَابِ اللُّغَةِ وَإِبْطَالِ فَائِدَةِ وَضْعِهَا، كَيْفَ وَإِنَّ إِطْلَاقَهُ لِذَلِكَ اللَّفْظِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى إِرَادَةِ مَدْلُولِهِ، وَعُدُولُهُ عِنْدَ الْمَنْعِ مُشْعِرٌ بِالِانْقِطَاعِ فِي تَقْرِيرِهِ؟ !

стр. 1001

[الِاعْتِرَاضُ السَّابِعُ الْقَدْحُ فِي مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ] وَلَمَّا كَانَتِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً لِلْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَمُتَوَقِّفَةً عَلَى وُجُودِهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مُتَأَخِّرًا عَنِ النَّظَرِ فِي وُجُودِ الْوَصْفِ. وَهَذَا هُوَ أَعْظَمُ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ؛ لِعُمُومِ وُرُودِهِ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى كَوْنُهُ عِلَّةً، وَاتِّسَاعِ طُرُقِ إِثْبَاتِهِ، وَتَشَعُّبِ مَسَالِكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ (١) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُولِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَالْمُخْتَارُ لُزُومُ قَبُولِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إِسْنَادُهُ إِلَى مُجَرَّدِ إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ دُونَ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا. وَالْجَامِعُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ لَا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (٢) وَالْوَصْفُ الطَّرْدِيُّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَاعِثًا، فَيَمْتَنِعُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْقِيَاسِ، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ مَنْعَ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ وَالْمُطَالَبَةَ بِتَأْثِيرِهِ أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ، ثِقَةً مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِامْتِنَاعِ مُطَالَبَتِهِ بِالتَّأْثِيرِ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُ فَسَادِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالْقِيَاسِ، غَيْرَ أَنَّا اسْتَثْنَيْنَا مِنْهُ مَا كَانَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسِ فِيهِ مُخَيَّلَةً؛ أَوْ شَبِيهَةً لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِقِيَاسٍ عِلَّتُهُ طَرْدِيَّةٌ (٣) فَبَقِينَا فِيهِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ قَبُولُ سُؤَالِ مَنْعِ التَّأْثِيرِ وَبَيَانُ كَوْنِ الْوَصْفِ مُؤَثِّرًا. وَعِنْدَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُبَهِ الرَّادِّينَ لَهُ وَتَحْقِيقِ جَوَابِهَا، وَقَدِ احْتَجُّوا بِشُبَهٍ. الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ قُبِلَ سُؤَالُ مَنْعِ التَّأْثِيرِ؛ فَمَا مِنْ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً إِلَّا وَهَذَا السُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَيْهِ إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، فَيَجِبُ رَدُّهُ حِفْظًا لِلْكَلَامِ عَنِ الْخَبْطِ وَالنَّشْرِ.

стр. 1002

الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ سِوَى رَدِّ الْفَرْعِ إِلَى الْأَصْلِ بِجَامِعٍ، وَقَدْ أَتَى بِهِ الْمُسْتَدِلُّ وَخَرَجَ عَنْ وَظِيفَتِهِ، فَعَلَى الْمُعْتَرِضِ الْقَدْحُ فِيهِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِيبَهُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْوَصْفَ الْجَامِعَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ احْتَاجَ إِلَى بَيَانِهِ. الرَّابِعَةُ: أَنَّا بَحَثْنَا فَلَمْ نَجِدْ سِوَى هَذِهِ الْعِلَّةِ، فَعَلَى الْمُعْتَرِضِ الْقَدْحُ فِيهَا أَوْ إِبْدَاءُ غَيْرِهَا. الْخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ دَلِيلُ صِحَّتِهِ كَالْمُعْجِزَةِ، فَالْمَنْعُ مِنَ الصِّحَّةِ مَعَ وُجُودِ دَلِيلِ الصِّحَّةِ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا. السَّادِسَةُ: قَوْلُهُمْ حَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ يَرْجِعُ إِلَى الْمُنَازَعَةِ فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَنَازَعًا فِيهَا لِيُتَصَوَّرَ الْخِلَافُ فِي الْفَرْعِ. السَّابِعَةُ: أَنَّ حَاصِلَ الْقِيَاسِ يَرْجِعُ إِلَى تَشْبِيهِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ وَالشُّبَهُ حُجَّةٌ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْوَصْفِ الْجَامِعِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِبْدَاءِ غَيْرِهِ. الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُمْ هَذَا الْوَصْفُ مُطَّرِدٌ لَمْ يَتَخَلَّفْ حُكْمُهُ عَنْهُ فِي صُورَةٍ، فَكَانَ صَحِيحًا. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأُولَى: أَنَّ التَّسَلْسُلَ مُنْقَطِعٌ بِذِكْرِ مَا يُفِيدُ أَدْنَى ظَنٍّ بِالتَّعْلِيلِ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا قَبْلُ، (١) فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ بِعِلِّيَّةِ مَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهُ عِلَّةً بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ عِنَادًا، وَهُوَ مَرْدُودٌ إِجْمَاعًا. وَعَنِ الثَّانِيَةِ: بِمَنْعِ تَحَقُّقِ الْقِيَاسِ بِجَامِعٍ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهُ عِلَّةً. وَعَنِ الثَّالِثَةِ: بِمَنْعِ أَنَّ الْأَصْلَ عِلِّيَةُ كُلِّ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ مَعَهُ مِنَ الْأَوْصَافِ. وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّ الْبَحْثَ مَعَ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى غَيْرِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ كَمَا سَبَقَ، (٢) فَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ وَقَبُولًا لَهُ لَا أَنَّهُ رَدٌّ لَهُ.

стр. 1003

وَعَنِ الْخَامِسَةِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ عَنِ الِاعْتِرَاضِ دَلِيلَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ، لَكَانَ عَجْزُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ دَلِيلَ فَسَادِهَا وَلَا أَوْلَوِيَّةَ وَلَكَانَ عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى إِبْطَالِ مَا ادَّعَى مِنَ الْحُكْمِ فِي الْفَتْوَى دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ. وَعَنِ السَّادِسَةِ: أَنَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَازَعًا فِيهَا فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا عِلَّةً، كَمَا فِي الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. وَعَنِ السَّابِعَةِ: أَنَّ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ظَنِّ إِثْبَاتِهِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي مُطْلَقِ وَصْفٍ مُفِيدٍ لِلظَّنِّ. وَعَنِ الثَّامِنَةِ: أَنَّ حَاصِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنْتَقِضٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ فِي طُرُقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ. وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّأْثِيرِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَطَرِيقُ إِثْبَاتِ ذَلِكَ مَا يُسَاعِدُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا قَبْلُ.

стр. 1004

[الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنُ سُؤَالُ عَدَمِ التَّأْثِيرِ] وَهُوَ إِبْدَاءُ وَصْفٍ فِي الدَّلِيلِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ أَوْ نَفْيِهِ، وَقَدْ قَسَّمَهُ الْجَدَلِيُّونَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمَأْخُوذُ فِي الدَّلِيلِ طَرْدِيًّا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ وَلَا شَبَهَ، (١) وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ: صَلَاةٌ لَا يَجُوزُ قَصْرُهَا، فَلَا تُقَدَّمَ فِي الْأَدَاءِ عَلَى وَقْتِهَا كَالْمَغْرِبِ فَإِنَّ عَدَمَ الْقَصْرِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ. الثَّانِي: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ قَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ، مَبِيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّ مَا وُجِدَ فِي الْأَصْلِ مِنَ الْعَجْزِ عَنِ التَّسْلِيمِ مُسْتَقِلٌّ بِالْحُكْمِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ، فَرَدَّهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةٍ أُخْرَى فِي الْأَصْلِ وَلَا يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ بِعِلَّتَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى امْتِنَاعِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَأْخَذَيْنِ وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْهُمَا. الثَّالِثُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ فِي الدَّلِيلِ وَصْفًا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا أَتْلَفُوا أَمْوَالَنَا: طَائِفَةٌ مُشْرِكَةٌ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الضَّمَانُ بِتَلَفِ أَمْوَالِنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَأَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْإِتْلَافَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ ضَرُورَةَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْإِتْلَافِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ.

стр. 1005

وَحَاصِلُ هَذَا الْقِسْمِ يَرْجِعُ إِلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إِنْ كَانَ طَرْدِيًّا، أَوْ إِلَى سُؤَالِ الْإِلْغَاءِ إِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا. الرَّابِعُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ فِي الدَّلِيلِ لَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ النِّزَاعِ وَإِنْ كَانَ مُنَاسِبًا. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي مَسْأَلَةِ وِلَايَةِ الْمَرْأَةِ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النِّزَاعَ وَقَعَ فِيمَا إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنَ الْكُفْءِ وَغَيْرِ الْكُفْءِ. وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اخْتُلِفَ فِي قَبُولِهِ، فَرَدَّهُ قَوْمٌ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى مَنْعِ جَوَازِ الْفَرْضِ فِي الدَّلِيلِ، وَقَبِلَهُ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عَلَى مَا عَرَفْنَاهُ فِي كِتَابِ الْجَدَلِ. وَإِذَا بَطَلَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ، وَهُوَ عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَرَجَعَ حَاصِلُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْحُكْمِ إِلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ أَوِ الْإِلْغَاءِ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ عَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ، وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ رَاجِعٌ إِلَى بَيَانِ انْتِفَاءِ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ، وَسُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ يُغْنِي عَنْهُ، وَجَوَابُهُ جَوَابُهُ فَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ، فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ لَا أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَجَوَابُهُ كَمَا يَأْتِي. وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَدْ يَكُونُ أَخْذُ الْوَصْفِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ فِي الدَّلِيلِ مُفِيدًا، بِأَنْ يَكُونَ مُشِيرًا إِلَى نَفْيِ الْمَانِعِ الْمَوْجُودِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ أَوْ وُجُودِ الشَّرْطِ الْفَائِتِ فِيهَا لِقَصْدٍ، أَوْ مُشِيرًا إِلَى قَصْدِ الْفَرْضِ فِي الدَّلِيلِ فِي بَعْضِ صُوَرِ النِّزَاعِ، كَمَا ذُكِرَ مِنْ مِثَالِ أَخْذِ الْإِتْلَافِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَلَا يَكُونُ عَدِيمَ التَّأْثِيرِ؛ إِذْ هُوَ غَيْرُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ إِمَّا لِقَصْدِ دَفْعِ النَّقْصِ أَوْ لِقَصْدِ الْفَرْضِ.

стр. 1006

[الِاعْتِرَاضُ التَّاسِعُ الْقَدْحُ فِي مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ] وَذَلِكَ بِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ وُجُودُ مَفْسَدَةٍ (١) مُسَاوِيَةٍ لَهَا أَوْ رَاجِحَةٍ عَلَيْهَا. وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَأَنَّ الْمُخْتَارَ إِبْطَالُهُ، إِلَّا أَنْ يُبَيَّنَ تَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ، إِمَّا بِطْرِيقٍ إِجْمَالِيٍّ أَوْ تَفْصِيلِيٍّ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَبَقَ (٢) . [الِاعْتِرَاضُ الْعَاشِرُ الْقَدْحُ فِي صَلَاحِيَّةِ إِفْضَاءِ الْحُكْمِ إِلَى مَا عُلِّلَ بِهِ مِنَ الْمَقْصُودِ] الِاعْتِرَاضُ الْعَاشِرُ الْقَدْحُ فِي صَلَاحِيَّةِ إِفْضَاءِ الْحُكْمِ إِلَى مَا عُلِّلَ بِهِ مِنَ الْمَقْصُودِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ عُلِّلَتْ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ فِي حَقِّ الْمَحَارِمِ بِالْحَاجَةِ إِلَى ارْتِفَاعِ الْحِجَابِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَى سَدِّ بَابِ الْفُجُورِ بِالْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ، وَعَلِمَ الرَّجُلُ امْتِنَاعَ وُصُولِهِ إِلَى الْأُنْثَى عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، حَتَّى يَنْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الطَّمَعِ فِي مُقَدِّمَاتِ الْهَمِّ بِهَا وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا، فَإِنَّ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْحُكْمُ غَيْرُ صَالِحٍ لِإِفْضَائِهِ إِلَى هَذَا الْمَقْصُودِ؛ مِنْ حَيْثُ إِنَّ سَدَّ بَابِ النِّكَاحِ أَدْعَى إِلَى مَحْذُورِ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ عَادَةً، وَالِامْتِنَاعُ الْعَادِيُّ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ يَلْتَحِقُ بِالِامْتِنَاعِ الطَّبْعِيِّ وَبِهِ يَتَحَقَّقُ انْسِدَادُ بَابِ الْفُجُورِ.

стр. 1007

[الِاعْتِرَاضُ الْحَادِي عَشَرَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُعَلَّلُ بِهِ بَاطِنًا خَفِيًّا] الِاعْتِرَاضُ الْحَادِي عَشَرَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُعَلَّلُ بِهِ بَاطِنًا خَفِيًّا وَذَلِكَ لَوْ عُلِّلَ (١) بِالرِّضَا أَوِ الْقَصْدِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ الْقَصْدُ وَالرِّضَا مِنَ الْأَوْصَافِ الْبَاطِنَةِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي لَا عَلَيْهَا بِأَنْفُسِهَا، فَلَا تَكُونُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْخَفِيِّ وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ. وَجَوَابُهُ أَنْ يُبَيِّنَ ضَبْطَ الرِّضَا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَغِ الظَّاهِرَةِ، وَضَبْطَ الْقَصْدِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فِي الْخِلَافِيَّاتِ. [الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي عَشَرَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُعَلَّلُ بِهِ مُنْضَبِطًا كَالتَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ وَالْمَقَاصِدِ] الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي عَشَرَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُعَلَّلُ بِهِ مُنْضَبِطًا كَالتَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ وَالْمَقَاصِدِ؛ مِثْلَ: التَّعْلِيلِ بِالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَالزَّجْرِ وَالرَّدْعِ وَنَحْوِهِ. فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ مِمَّا تَضْطَرِبُ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ فَدَأْبُ الشَّارِعِ فِيهِ رَدُّ النَّاسِ إِلَى الْمَظَانِّ الظَّاهِرَةِ الْجَلِيَّةِ دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَالْحَرَجِ عَنِ النَّاسِ فِي الْبَحْثِ عَنْهَا وَمَنْعًا لِلِاضْطِرَابِ فِي الْأَحْكَامِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الصُّوَرِ بِسَبَبِ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. وَجَوَابُهُ إِمَّا بِبَيَانِ كَوْنِ مَا عُلِّلَ بِهِ مَضْبُوطًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِضَابِطِهِ، كَضَبْطِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ بِالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ.

стр. 1008

[الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثَ عَشَرَ النَّقْضُ] وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ مَا ادُّعِيَ كَوْنُهُ عِلَّةً لَهُ، وَقَدْ أَوْمَأْنَا فِي مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ إِلَى وَجْهِ دَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى إِبْطَالِهَا وَوَجْهِ الِانْفِصَالِ عَنْهُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَوْ مُسْتَنْبَطَةً، وَفِي صُورَةِ النَّقْضِ مَانِعٌ أَوْ فَوَاتُ شَرْطٍ بِالِاسْتِقْصَاءِ التَّامِّ الْمُفَصَّلِ. وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِمَا نَحْنُ فِيهِ هَاهُنَا وُجُوهٌ أُخَرُ فِي الْجَوَابِ (١) . الْأَوَّلُ: مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ إِنْ أَمْكَنَ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ مَالٌ غَيْرٌ نَامٍ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ. فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا يَنْتَقِضُ بِالْحُلِيِّ الْمَحْظُورِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ نَامٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ. فَقَالَ الْمُسْتَدِلُّ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْحُلِيَّ الْمَحْظُورَ غَيْرُ نَامٍ، وَإِنَّمَا كَانَ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ دَافِعًا لِلنَّقْضِ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ وُجُودُ الْعِلَّةِ وَلَا حُكْمَ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدِ الْعِلَّةُ فِي صُورَةِ النَّقْضِ فَلَا نَقْضَ. لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَرِضِ، هَلْ لَهُ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ عِنْدَ مَنْعِ الْمُسْتَدِلِّ لِوُجُودِهَا؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ ذَلِكَ إِذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ انْتِقَاضُهَا وَهَدْمُ كَلَامِ الْمُسْتَدِلِّ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ الْقَاعِدَةِ بِانْقِلَابِ الْمُسْتَدِلِّ مُعْتَرِضًا وَالْمُعْتَرِضِ مُسْتَدِلًّا، وَالْوَاجِبُ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِلْمُعْتَرِضِ فِي هَدْمِ كَلَامِ الْمُسْتَدِلِّ، وَجَبَ قَبُولُهُ مِنْهُ تَحَقُّقًا لِفَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقَدْحُ بِطَرِيقٍ آخَرَ هُوَ أَفْضَى إِلَى الْمَقْصُودِ فَلَا، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمُسْتَدِلُّ قَدْ دَلَّلَ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ بِدَلِيلٍ هُوَ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، فَإِذَا مُنِعَ وُجُودُ الْعِلَّةِ،

стр. 1009

فَإِنْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ فَقَدِ انْتَقَضَ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَلْتَ بِهِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ لَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لِكَوْنِهِ انْتِقَالًا عَلَى نَفْسِ الْعِلَّةِ إِلَى النَّقْضِ عَلَى دَلِيلِهَا. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ وَتَعْيِينِهَا أَيْ بِمُسَمَّى الصَّوْمِ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ كَمَا فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، وَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الصَّوْمَ عِبَارَةٌ فِي الْإِمْسَاكِ مَعَ النِّيَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا مُنْتَقَضٌ بِمَا إِذَا نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ. وَإِنْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ: ابْتِدَاءُ أَمْرِكَ لَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ، إِمَّا أَنْ تَعْتَقِدَ وُجُودَ الصَّوْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ أَوْ لَا تَعْتَقِدَهُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَقَدِ انْتَقَضَتْ عِلَّتُكَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَقَدِ انْتَقَضَ مَا ذَكَرْتَهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ كَانَ مُتَّجِهًا. وَإِنْ أَوْرَدَ ذَلِكَ لَا فِي مَعْرِضِ نَقْضِ دَلِيلِ وُجُودِ الْعِلَّةِ، بَلْ فِي مَعْرِضِ الدَّلَالَةِ بِهِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، (فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ) ، فَهُوَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ عَلَى مَا يَأْتِي. الثَّانِي: مَنْعُ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ دَافِعًا لِلنَّقْضِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ (ثَيِّبٌ) فَلَا يَجُوزُ إِجْبَارُهَا كَالثَّيِّبِ الْبَالِغِ. فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا مَنْقُوضٌ بِالثَّيِّبِ الْمَجْنُونَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ إِجْبَارُهَا. فَقَالَ الْمُسْتَدِلُّ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ إِجْبَارِ الثَّيِّبِ الْمَجْنُونَةِ، وَالْكَلَامُ فِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَخَلُّفِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ كَالْكَلَامِ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ (١) . الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ عَلَى أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ خَاصَّةً، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ بَاعَ صَاعًا بِصَاعَيْنِ

стр. 1010

فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: هَذَا مُنْتَقِضٌ عَلَى أَصْلِكَ بِالْعَرَايَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا. وَجَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُبَيِّنَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مُنَاسِبًا يَقْتَضِي النَّفْيَ، مَنْ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ مَعَ قِرَانِ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى أَصْلِهِ. الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: النَّقْضُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَارِضِ لِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، فَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَذْهَبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِ الْعِلَّةِ الْمُعَلَّلِ بِهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَلَا يَقَعُ فِي مُعَارَضَةِ دَلِيلِ الْعِلَّةِ. الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُسْتَثْنَى لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَلَا يُنَاقَضُ بِهِ، كَمَا فِي صُورَةِ الْعَرَايَا الْمَذْكُورَةِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ إِبْدَاءُ النَّقْضِ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَرِضِ لَا غَيْرَ، وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا الْوَصْفُ مِمَّا لَمْ يَطَّرِدْ عَلَى أَصْلٍ، فَلَا يَلْزَمُنِي الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ. وَجَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: مَا ذَكَرْتَهُ حُجَّةٌ عَلَيْكَ فِي الصُّورَتَيْنِ، إِذْ هِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَمَذْهَبُكَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي دَرْءِ الِاحْتِجَاجِ وَإِلَّا كَانَ حُجَّةً فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ الِاحْتِرَازُ فِي دَلِيلِهِ عَنِ النَّقْضِ؟ اخْتَلَفُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الضَّبْطِ وَبُعْدِهِ عَنِ النَّشْرِ وَالْخَبْطِ؛ وَلِأَنَّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُسْتَدِلُّ مِنَ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ إِذَا كَانَ مُنْتَقِضًا. فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ لَا لِمُعَارِضٍ أَوْ لِمُعَارِضٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا يَكُونُ الْوَصْفُ عِلَّةً لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ لِلْعِلَّةِ مُعَارِضًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَفْيِهِ فِي الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُنَاظِرَ تِلْوَ النَّاظِرِ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ الْجَزْمُ بِالْحُكْمِ عِنْدَ ظُهُورِ سَبَبِهِ دُونَ ظُهُورِ انْتِفَاءِ مُعَارِضِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُنَاظِرُ، غَيْرَ أَنَّا أَسْقَطْنَا عَنْهُ كُلْفَةَ نَفْيِ الْمُعَارِضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِعُسْرِ نَفْيِهِ، فَبَقِينَا فِيمَا عَدَاهُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ تَمَسُّكًا مِنْهُ بِأَنَّ مَا يَقَعُ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَنِ النَّقْضِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ أَوْ خَارِجًا عَنْهَا،

стр. 1011

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَالْعِلَّةُ لَا تَكُونُ عِلَّةً دُونَهُ، وَمَا مِثْلُ (١) هَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ ذِكْرِهِ فِي الْعِلَّةِ لِعَدَمِ تَمَامِ الْعِلَّةِ دُونَهُ، وَمَنْ نَازَعَ فِيهِ فَقَدْ نَازَعَ فِي أَنَّهُ: هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ ذِكْرُ الْعِلَّةِ أَوْ لَا. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُشِيرًا إِلَى نَفْيِ الْمُعَارِضِ أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَا لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ لِكَوْنِهِ مَسْئُولًا بَعْدَ الْفَتْوَى عَنِ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ، وَانْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ لَيْسَ مِنَ الدَّلِيلِ، وَلَوْ قِيلَ إِنَّهُ مِنَ الدَّلِيلِ كَانَ خِلَافَ الْغَرَضِ فِي هَذَا الْقِسْمِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَالنَّقْضُ غَيْرُ مُنْدَفِعٍ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَلَا حُكْمَ، فَإِذَا كَانَ الْمَذْكُورُ خَارِجًا عَنِ الْعِلَّةِ وَلَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِ الْمُعَارِضِ فَالْعِلَّةُ مَا دُونَهُ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي صُورَةِ النَّقْضِ وَلَا مُعَارِضَ، فَكَانَ النَّقْضُ مُتَّجِهًا. وَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْوَصْفَ الْمَأْخُوذَ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ جُمْلَةِ الْعِلَّةِ لِتَعَلُّقِ فَائِدَةِ دَفْعِ النَّقْضِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا فَقَدْ سَبَقَ إِبْطَالُهُ فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. [الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعَ عَشَرَ الْكَسْرُ] وَهُوَ النَّقْضُ عَلَى الْمَعْنَى (٢) ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرِيقَ إِيرَادِهِ وَوَجْهَ الِانْفِصَالِ عَنْهُ فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ (٣) ، وَيَخُصُّهُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ هَاهُنَا مَنْعُ وُجُودِ الْمَعْنَى الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي صُورَةٍ، وَمَنْعُ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ وَبَاقِي الْأَجْوِبَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا فِي سُؤَالِ النَّقْضِ قَبْلَهُ.

стр. 1012

[الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسَ عَشَرَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى وَرَاءَ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ] الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسَ عَشَرَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى وَرَاءَ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِالتَّعْلِيلِ كَمُعَارَضَةِ مَنْ عَلَّلَ تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْبُرِّ بِالطَّعْمِ أَوْ بِالْكَيْلِ أَوْ بِالْقُوتِ (١) أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّعْلِيلِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ وَجُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ كَمُعَارَضَةِ مَنْ عَلَّلَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ؛ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ بِالْجَارِحِ فِي الْأَصْلِ وَنَحْوِهِ (٢) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِي قَبُولِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ بِعِلَّتَيْنِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (٣) وَلِهَذَا لَوْ قَدَّرْنَا انْفِرَادَ مَا ذَكَرَ الْمُسْتَدِلُّ مُجَرَّدًا عَنِ الْمُعَارِضِ صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ لِصَلَاحِيَةٍ فِيهِ لَا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ، فَإِنَّ الْعَدَمَ لَا يَكُونُ عِلَّةً وَلَا دَاخِلًا فِيهَا لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (٤) . فَإِذَا صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ، صَحَّ مَعَ وُجُودِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْعِلَّةِ إِلَّا مَا يُثْبِتُ الْحُكْمُ عَقِيبَهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْوَصْفَيْنِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً. وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ وَأَوْجَبَ جَوَابَهُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الْأَصْلِ وَصْفَانِ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْعِلَّةُ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ أَوِ الْبَاعِثِ.

стр. 1013

وَإِنْ كَانَ الْقِسْمُ الثَّانِي، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لَا غَيْرَ، أَوْ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ لَا غَيْرَ، أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا بِحَيْثُ تَكُونُ الْعِلَّةُ مَجْمُوعَ الْوَصْفَيْنِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْؤُهَا. لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ وَلَا بِالثَّانِي، فَإِنَّهُ لَيْسَ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا لِلتَّعْلِيلِ وَإِلْغَاءُ الْآخَرِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الِاقْتِضَاءِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الثَّالِثِ، وَيَلْزَمْ مِنْهُ امْتِنَاعُ تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ (١) . وَبِتَقْدِيرٍ تُسَاوِي الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْدِيَةَ تَمْتَنِعُ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ. وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مِنَ الْوَصْفَيْنِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِتَقْدِيرِ التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لَا غَيْرَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ احْتِمَالٍ مِنِ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ مِنْ وُقُوعِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْدِيَةُ تَكُونُ مُمْتَنِعَةً، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ صَالِحًا لِلتَّعْلِيلِ أَوْ لِدُخُولِهِ فِيهِ عِنْدَ كَوْنِ مَا أَبْدَاهُ الْمُسْتَدِلُّ صَالِحًا وَإِلَّا فَلَا مُعَارَضَةَ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ نَفْيُ مَا أَبْدَاهُ مُعَارِضًا فِي الْأَصْلِ عَنِ الْفَرْعِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ فَيَفْتَقِرُ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى بَيَانِ وُجُودِهِ فِيهِ لِيَصِحَّ الْإِلْحَاقُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فَقَدِ انْقَطَعَ الْجَمْعُ. (٢) وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفْيِهِ عَنِ الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْفَرْقُ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ دُونَ نَفْيِهِ عَنِ الْفَرْعِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ قَصَدَ الْمُعْتَرِضُ الْفَرْقَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصَدِ الْفَرْقَ بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا الْوَصْفُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِدْرَاجِهِ فِي التَّعْلِيلِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ فِي الْفَرْعِ فَقَدْ ثَبَتَ الْفَرْقُ. وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ، فَالْحُكْمُ يَكُونُ فِي الْفَرْعِ بِمَجْمُوعِ الْوَصْفَيْنِ وَنَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلْعِلَّةِ فِي الِابْتِدَاءِ بَلْ لِبَعْضِهَا، وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ قُدِّرَ فَالْإِشْكَالُ لَازِمٌ.

стр. 1014

هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ أَصْلًا وَاحِدًا. وَإِنْ كَانَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ أُصُولًا مُتَعَدِّدَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِإِفْضَائِهِ إِلَى النَّشْرِ مَعَ إِمْكَانِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْوَاحِدِ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَقْوَى فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ. وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الِاقْتِصَارِ فِي الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَصَدَ إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِجَمِيعِ الْأُصُولِ، فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَبَعْضِ الْأُصُولِ، فَقَدْ تَمَّ مَقْصُودُ الْمُعْتَرِضِ مِنْ إِبْطَالِ غَرَضِ الْمُسْتَدِلِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الْمُعَارَضَةِ فِي كُلِّ أَصْلٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَارَضَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَقَدْ بَقِيَ قِيَاسُ الْمُسْتَدِلِّ صَحِيحًا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي لَمْ يُعَارَضْ فِيهِ، وَبِهِ يَتِمُّ الْمَقْصُودُ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ أَوْ نَفْيِهِ، وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا الْمُعَارَضَةَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ. مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ اتِّحَادَ الْمُعَارِضِ فِي الْكُلِّ دَفْعًا لِانْتِشَارِ الْكَلَامِ، وَلِأَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا فِي اتِّحَادِهِ لِاتِّحَادِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْمُعَارَضَةَ فِي كُلِّ أَصْلٍ بِغَيْرِ مَا فِي الْأَصْلِ الْآخَرِ، لِجَوَازِ أَنْ لَا يُسَاعِدَهُ فِي الْكُلِّ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ الِاقْتِصَارُ فِي الْجَوَابِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ إِذْ بِهِ يَتِمُّ مَقْصُودُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ حَيْثُ إِنَّ الْمُسْتَدِلَّ الْتَزَمَ صِحَّةَ الْقِيَاسِ عَلَى الْكُلِّ، وَعَلَى هَذَا يَقَعُ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ عَارَضَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ الْجَوَابُ أَوْ لَا؟ وَالْوَجْهُ فِي الْجَوَابِ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمَعَارَضِ بِهِ فِي الْأَصْلِ. الثَّانِي: الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ، إِنْ كَانَ طَرِيقُ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَدِلِّ الْمُنَاسَبَةُ أَوِ الشَّبَهُ دُونَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ.

стр. 1015

الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيِّنَ كَوْنَهُ مُلْغًى فِي جِنْسِ الْأَحْكَامِ كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَنَحْوِهِ. الرَّابِعُ: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ مُلْغًى فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ، وَإِنْ كَانَ (١) مُنَاسِبًا وَذَلِكَ كَالذُّكُورَةِ فِي بَابِ الْعِتْقِ. الْخَامِسُ (٢) : أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ قَدِ اسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْغَاءِ الْمُسْتَقِلِّ وَاعْتِبَارِ غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ. وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْغَاءِ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْفَرْعِ مَعَ اسْتِقْلَالِهِ لِفَوَاتِ مَا لَمْ يَثْبُتِ اسْتِقْلَالُهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. فَإِنْ عَارَضَ الْمُعْتَرِضُ فِي صُورَةِ الْإِلْغَاءِ بِوَصْفٍ آخَرَ غَيْرِ مَا عَارَضَ بِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِبْطَالِهِ، وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ مُتَعَذِّرٌ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهِ إِنَّ كُلَّ وَصْفٍ اخْتَصَّ بِصُورَةٍ فَهُوَ مُلْغًى بِالصُّورَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى فِي الِاصْطِلَاحِ بِتَعَدُّدِ الْوَضْعِ. فَإِنَّ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ: الْعَكْسُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِجَوَازِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ غَيْرِ عِلَّةِ الصُّورَةِ الْأُخْرَى، وَإِذَا جَازَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي صُورَتَيْنِ بِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ مَعَ عَدَمِ عِلَّةِ الصُّورَةِ الْأُخْرَى فِيهَا إِلْغَاءُ مَا وُجِدَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ. السَّادِسُ: أَنْ يُبَيِّنَ رُجْحَانَ مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا. وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَيَمْتَنِعُ جَعْلُ مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِهْمَالِ الرَّاجِحِ وَاعْتِبَارِ الْمَرْجُوحِ.

стр. 1016

وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْغَاءِ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْفَرْعِ بِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ مَعَ رُجْحَانِهِ، ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ الْمَرْجُوحِ. وَهَاهُنَا تَرْجِيحٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ فِي الْأَصْلِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ مُتَعَدِّيًا وَالْآخَرُ قَاصِرًا. وَذَلِكَ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ، فَإِنْ كَانَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ؛ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ، أَوْ خَارِجًا عَنْهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُعَارِضُ فِي الْأَصْلِ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ لَا غَيْرَ، فَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهَا، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي مُسَاوِيًا لِلْقَاصِرِ فِي جِهَةِ اقْتِضَائِهِ أَوْ أَنَّ التَّرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْقَاصِرِ مِنْ جِهَةِ الِاقْتِضَاءِ، فَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّي أَوْلَى، وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ. أَمَّا الْإِجْمَالُ: فَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمُتَعَدِّي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى. وَأَمَّا التَّفْصِيلُ: فَهُوَ أَنَّ فَائِدَةَ الْمُتَعَدِّي أَكْثَرُ مِنَ الْقَاصِرِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْقَاصِرِ إِنَّمَا هِيَ فِي ظُهُورِ الْحِكْمَةِ الْبَاعِثَةِ فِي الْأَصْلِ لِسُرْعَةِ الِانْقِيَادِ وَسُهُولَةِ الْقَبُولِ، وَالْمُتَعَدِّي مُشَارِكٌ لِلْقَاصِرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَزِيَادَةُ التَّعْرِيفِ لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ أَعْظَمُ فَوَائِدِ الْعِلَّةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ وَإِنْ لَزِمَ مِنَ التَّعْلِيلِ بِهِ إِهْمَالُ الْمُنَاسِبِ الْقَاصِرِ فَمُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ، حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرِ إِهْمَالُ الْمُنَاسِبِ الْمُتَعَدِّي مَعَ كَوْنِهِ رَاجِحًا. وَالتَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَفْقِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فِي الْفَرْعِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّي عَلَى خِلَافِهِ إِلَّا أَنَّهُ مُخَالَفَةٌ لِمَا وَقَعَتْ مُخَالَفَتُهُ فِي الْأَصْلِ بِمَا لَمْ تَظْهَرْ مُخَالَفَتُهُ وَلَوْ عَمِلْنَا بِالْقَاصِرِ لِمُوَافَقَةِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ؛ لَكَانَ فِيهِ الْعَمَلُ بِمُوَافَقَةِ مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَمُخَالَفَةِ مَا لَمْ يَقَعِ الِاتِّفَاقُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَهُوَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي فَكَانَ مَرْجُوحًا. فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ مَا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنَ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ، وَمَا اتُّفِقَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنَ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، فَكَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَيْنِ:

стр. 1017

أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَالْآخَرُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَمَلُ بِهَذَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ، وَمُخَالَفَةُ ظَاهِرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي. قُلْنَا: هَذَا مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ لِمَعْنًى - وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا - فَالْأَصْلُ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْفَرْعِ بِمَا وُجِدَ مُسَاوِيًا لِوَصْفِ الْأَصْلِ فِي الِاقْتِضَاءِ نَظَرًا إِلَى تَمَاثُلِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَوْلَى مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، لِكَوْنِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ مُخَالِفًا فِي الْأَصْلِ بِمِثْلِ مَا قِيلَ بِاقْتِضَائِهِ لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَتَرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي عَمِلَ بِهِ، وَبِأَصْلٍ مُتَرَجِّحٍ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَالْعَمَلُ بِالْقَاصِرِ عَمَلٌ بِهِ وَبِأَصْلٍ مَرْجُوحٍ بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَصْلِ الْمَعْمُولِ بِهِ مِنْ جَانِبِنَا، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: رُبَّمَا كَانَ الْمَانِعُ لِلْحُكْمِ قَائِمًا مُطْلَقًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالتَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرُ أَوْلَى، لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ النَّافِي وَمُوَافَقَةِ النَّفْيِ الْأَصْلَ بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّي. قُلْنَا: الْمَانِعُ فِي الْفَرْعِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْمُقْتَضَى وَإِلَّا فَالْحُكْمُ يَكُونُ فِيهِ مُنْتَفِيًا؛ لِانْتِفَاءِ مَا يَقْتَضِيهِ، لَا لِوُجُودِ مُنَافِيهِ، فَدَعْوَى وُجُودِ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ مَعَ وُجُوبِ قُصُورِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِثْبَاتِ عَلَى الْأَصْلِ (١) تَنَاقُضٌ لَا حَاصِلَ لَهُ. كَيْفَ وَإِنَّ مَا مِثْلُ هَذَا الْمَانِعِ مَرْجُوحٌ ثُمَّ الْخَصْمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْضُ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ، مُسَاوٍ لِلْقَاصِرِ فِي الْمَقْصُودِ، فَكَانَ مَرْجُوحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَعَدِّي أَيْضًا، فَكَانَ الْمُتَعَدِّي أَوْلَى كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: كَمَا أَنَّ الْمُتَعَدِّيَةَ قَدْ تَعْرِفُ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، فَالْقَاصِرَةُ تَعْرِفُ نَفْيَهُ عَنِ الْفَرْعِ، وَكَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ؛ فَمَعْرِفَةُ انْتِفَائِهِ أَيْضًا عَنْهُ مَقْصُودٌ لَهُ. قُلْنَا: هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ مَا هُوَ مُسَاوٍ لِلْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فِي الْأَصْلِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى جِهَةِ الِاقْتِضَاءِ، وَالْمَقْصُودُ الْمَطْلُوبُ لِلشَّارِعِ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ لِنَفْيِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ إِنَّمَا هُوَ بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ مَقْصُودِ الْحُكْمِ، وَلَنْ يُتَصَوَّرَ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَا هُوَ مُسَاوٍ فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْأَصْلِ، فَلَا يَنْتَهِضُ الْوَصْفُ الْقَاصِرُ فِي الْأَصْلِ عَلَامَةٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مَعَ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي فِيهِ وَمُسَاوَاتِهِ لِلْقَاصِرِ فِي الِاقْتِضَاءِ عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْضُ.

стр. 1018

كَيْفَ وَإِنَّ الْعِلَّةَ الْقَاصِرَةَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِتَعْرِيفِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ إِلَّا مَعَ ضَمِيمَةِ انْتِفَاءِ عِلَّةِ غَيْرِهَا، وَانْتِفَاءُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ فِي طَرْفِ الْإِثْبَاتِ، فَمَا اسْتُقِلَّ بِالتَّعْرِيفِ يَكُونُ أَوْلَى مِمَّا لَا يُسْتَقَلُّ. نَعَمْ، قَدْ يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِالْعِلَّةِ الْمُثْبَتَةِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ لَا أَنَّ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَرَّفِ وَلَا الدَّاعِي، بِخِلَافِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ الْقَاصِرَةُ فِي تَعْرِيفِهَا نَفْيَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ. وَالْعَمَلُ بِمَا هُوَ مُعَرَّفٌ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ فِي تَعْرِيفِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي رَاجِحًا فِي جِهَةِ اقْتِضَائِهِ أَوْلَى وَالْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي وَإِنْ تَوَقَّفَ اسْتِقْلَالُهُ عَلَى إِخْرَاجِ الْقَاصِرِ عَنِ التَّعْلِيلِ فَلَيْسَ إِخْرَاجُ الْقَاصِرِ مَوْقُوفًا عَلَى اسْتِقْلَالِ الْمُتَعَدِّي، لِيَلْزَمَ الدَّوْرَ لِجَوَازِ اتِّفَاقِهِمَا فِي إِخْرَاجِهِمَا عَنِ التَّعْلِيلِ. كَيْفَ وَإِنَّهُ مُقَابَلٌ بِدَوْرٍ آخَرَ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَوَقَّفُ إِدْخَالُ الْقَاصِرِ فِي التَّعْلِيلِ عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْمُتَعَدِّي، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُتَعَدِّي مَرْجُوحًا فِي جِهَةِ اقْتِضَائِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَصْفِ الْقَاصِرِ، فَالْوَصْفُ الْقَاصِرُ أَوْلَى نَظَرًا إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى زِيَادَةِ الْمُنَاسَبَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهَا، وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا وَإِنْ أَوْجَبَ إِهْمَالَ فَائِدَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَصَلَاحِ الْمُكَلَّفِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ التَّعَقُّلِ وَسُرْعَةِ الِانْقِيَادِ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا. وَفَائِدَةُ التَّعْدِيَةِ إِنَّمَا تُعْرَفُ بَعْدَ تَعَرُّفِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِمَا عُلِّلَ بِهِ بِنَظَرٍ ثَانٍ مُتَأَخِّرٍ عَنِ النَّظَرِ، فِيمَا عُلِّلَ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هُوَ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ يَكُونُ أَسْبَقَ إِلَى الْفَهْمِ بِالتَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِهِ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَتْ جِهَةُ التَّسَاوِي وَالْأَرْجَحِيَّةِ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ وَلَا ظَاهِرَةٍ، فَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّي أَوْلَى نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ أَوْلَى عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا الْعَمَلُ بِهِ يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ أَوْلَى مِمَّا لَا يَتِمُّ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.

стр. 1019

وَعَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي طَرَفِ النَّفْيِ، هَذَا كُلُّهُ إِنْ كَانَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي خَارِجًا عَنِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا بِأَنْ كَانَ الْمُعَارِضُ مُعَلِّلًا بِمَجْمُوعِ الْوَصْفَيْنِ؛ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي مَعًا، فَالْقَاصِرُ أَوْلَى؛ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَعَدِّي رَاجِحًا عَلَى الْقَاصِرِ أَوْ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا. أَمَّا فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ؛ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَتَعْطِيلُهُ، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، وَيَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّعْطِيلِ. فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي رَاجِحًا لَوْ جَعَلْنَا الْوَصْفَ الْقَاصِرَ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ عَنِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي الرَّاجِحِ؛ رِعَايَةً لِمَا فَاتَ مِنَ الْوَصْفِ الْمَرْجُوحِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. قُلْنَا: هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ رُجْحَانُهُ ظَاهِرًا، وَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ احْتِمَالَ وُقُوعِ الْعَمَلِ بِمَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرٍ مِنْ تَقْدِيرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِمَا لَا يَتِمُّ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ. كَيْفَ وَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْقَاصِرِ، وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إِلَى إِهْمَالِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي فِي الْفَرْعِ؛ إِلَّا إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُهُ مُطْلَقًا إِذْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْعِلَّةِ، وَلَوْ عَمِلْنَا بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي فَقَطْ يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُ الْقَاصِرِ وَتَعْطِيلُهُ مُطْلَقًا، فَالْعَمَلُ بِالْقَاصِرِ يَكُونُ أَوْلَى، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ النَّفْيِ أَيْضًا، بَلْ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ مُخَالَفَةِ الْمُقْتَضِي لِلْإِثْبَاتِ. هَذَا إِنْ ظَهَرَ التَّرْجِيحُ، وَأَمَّا إِنْ تَحَقَّقَتِ الْمُعَارَضَةُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ، فَعَلَى مُقْتَضَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنَ الْقَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَارُضِ مَعَ التَّنَافِي، فَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَرْيِ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ هَاهُنَا. [الِاعْتِرَاضُ السَّادِسَ عَشَرَ سُؤَالُ التَّرْكِيبِ] وَهُوَ الْوَارِدُ عَلَى الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ وَأَقْسَامَهُ وَوَجْهَ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ، وَالسُّؤَالَ الْوَارِدَ عَلَيْهِ وَجَوَابَهُ فِي شَرْطِ حُكْمِ الْأَصْلِ (١) .

стр. 1020

[الِاعْتِرَاضُ السَّابِعَ عَشَرَ سُؤَالُ التَّعْدِيَةِ] وَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى وَيُعَارِضَ بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُسْتَدِلِّ: مَا عَلَّلْتَ بِهِ وَإِنْ تَعَدَّى إِلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَالَّذِي عَلَّلْتُ بِهِ أَيْضًا قَدْ تَعَدَّى إِلَى فَرْعٍ مُخْتَلِفٍ فِيهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ إِجْبَارِ الْبِكْرِ الْبَالِغِ: بِكْرٌ، فَجَازَ إِجْبَارُهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، فَعَارَضَهُ الْحَنَفِيُّ بِالصِّغَرِ وَقَالَ: الْبَكَارَةُ وَإِنْ تَعَدَّتْ إِلَى الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ، فَالصِّغَرُ مُتَعَدٍّ إِلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ مَعَ زِيَادَةِ التَّسْوِيَةِ فِي التَّعْدِيَةِ، وَجَوَابُهُ بِإِبْطَالِ مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ وَحَذْفُهُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ بِمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، وَمَهْمَا حُقِّقَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الطُّرُقِ فَقَدِ انْدَفَعَ وَلَا أَثَرَ لِمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ، خِلَافًا لِلدَّارَكِيِّ (١) . [الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنَ عَشَرَ مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ فِي الْفَرْعِ] الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنَ عَشَرَ مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ فِي الْفَرْعِ، وَجَوَابُهُ كَجَوَابِ مَنْعِ وُجُودِهِ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ عُرِفَ. [الِاعْتِرَاضُ التَّاسِعَ عَشَرَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمٍ الْمُسْتَدِلِّ] الِاعْتِرَاضُ التَّاسِعَ عَشَرَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمٍ الْمُسْتَدِلِّ، إِمَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ ظَاهِرٍ أَوْ بِوُجُودِ مَانِعِ الْحُكْمِ أَوْ بِفَوَاتِ شَرْطِ الْحُكْمِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ تَحَقُّقِهِ وَطَرِيقِ كَوْنِهِ مَانِعًا أَوْ شَرْطًا عَلَى نَحْوِ طَرِيقِ إِثْبَاتِ الْمُسْتَدِلِّ كَوْنَ الْوَصْفِ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ مِنَ التَّأْثِيرِ أَوِ الِاسْتِنْبَاطِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَبُولِهِ، (٢) فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ تَمَسُّكًا مِنْهُمْ بِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ اسْتِدْلَالٌ وَبِنَاءٌ، وَحَقُّ الْمُعْتَرِضِ أَنْ يَكُونَ هَادِمًا لَا بَانِيًا.
следующие страницы →