← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْغَاءِ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْفَرْعِ بِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ مَعَ رُجْحَانِهِ، ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ الْمَرْجُوحِ. وَهَاهُنَا تَرْجِيحٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ فِي الْأَصْلِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ مُتَعَدِّيًا وَالْآخَرُ قَاصِرًا. وَذَلِكَ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ، فَإِنْ كَانَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ؛ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ، أَوْ خَارِجًا عَنْهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُعَارِضُ فِي الْأَصْلِ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ لَا غَيْرَ، فَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهَا، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي مُسَاوِيًا لِلْقَاصِرِ فِي جِهَةِ اقْتِضَائِهِ أَوْ أَنَّ التَّرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْقَاصِرِ مِنْ جِهَةِ الِاقْتِضَاءِ، فَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّي أَوْلَى، وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ. أَمَّا الْإِجْمَالُ: فَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمُتَعَدِّي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى. وَأَمَّا التَّفْصِيلُ: فَهُوَ أَنَّ فَائِدَةَ الْمُتَعَدِّي أَكْثَرُ مِنَ الْقَاصِرِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْقَاصِرِ إِنَّمَا هِيَ فِي ظُهُورِ الْحِكْمَةِ الْبَاعِثَةِ فِي الْأَصْلِ لِسُرْعَةِ الِانْقِيَادِ وَسُهُولَةِ الْقَبُولِ، وَالْمُتَعَدِّي مُشَارِكٌ لِلْقَاصِرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَزِيَادَةُ التَّعْرِيفِ لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ أَعْظَمُ فَوَائِدِ الْعِلَّةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ وَإِنْ لَزِمَ مِنَ التَّعْلِيلِ بِهِ إِهْمَالُ الْمُنَاسِبِ الْقَاصِرِ فَمُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ، حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرِ إِهْمَالُ الْمُنَاسِبِ الْمُتَعَدِّي مَعَ كَوْنِهِ رَاجِحًا. وَالتَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَفْقِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فِي الْفَرْعِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّي عَلَى خِلَافِهِ إِلَّا أَنَّهُ مُخَالَفَةٌ لِمَا وَقَعَتْ مُخَالَفَتُهُ فِي الْأَصْلِ بِمَا لَمْ تَظْهَرْ مُخَالَفَتُهُ وَلَوْ عَمِلْنَا بِالْقَاصِرِ لِمُوَافَقَةِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ؛ لَكَانَ فِيهِ الْعَمَلُ بِمُوَافَقَةِ مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَمُخَالَفَةِ مَا لَمْ يَقَعِ الِاتِّفَاقُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَهُوَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي فَكَانَ مَرْجُوحًا. فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ مَا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنَ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ، وَمَا اتُّفِقَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنَ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، فَكَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَيْنِ:

стр. 1017

أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَالْآخَرُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَمَلُ بِهَذَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ، وَمُخَالَفَةُ ظَاهِرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي. قُلْنَا: هَذَا مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ لِمَعْنًى - وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا - فَالْأَصْلُ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْفَرْعِ بِمَا وُجِدَ مُسَاوِيًا لِوَصْفِ الْأَصْلِ فِي الِاقْتِضَاءِ نَظَرًا إِلَى تَمَاثُلِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَوْلَى مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، لِكَوْنِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ مُخَالِفًا فِي الْأَصْلِ بِمِثْلِ مَا قِيلَ بِاقْتِضَائِهِ لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَتَرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي عَمِلَ بِهِ، وَبِأَصْلٍ مُتَرَجِّحٍ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَالْعَمَلُ بِالْقَاصِرِ عَمَلٌ بِهِ وَبِأَصْلٍ مَرْجُوحٍ بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَصْلِ الْمَعْمُولِ بِهِ مِنْ جَانِبِنَا، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: رُبَّمَا كَانَ الْمَانِعُ لِلْحُكْمِ قَائِمًا مُطْلَقًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالتَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرُ أَوْلَى، لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ النَّافِي وَمُوَافَقَةِ النَّفْيِ الْأَصْلَ بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّي. قُلْنَا: الْمَانِعُ فِي الْفَرْعِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْمُقْتَضَى وَإِلَّا فَالْحُكْمُ يَكُونُ فِيهِ مُنْتَفِيًا؛ لِانْتِفَاءِ مَا يَقْتَضِيهِ، لَا لِوُجُودِ مُنَافِيهِ، فَدَعْوَى وُجُودِ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ مَعَ وُجُوبِ قُصُورِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِثْبَاتِ عَلَى الْأَصْلِ (١) تَنَاقُضٌ لَا حَاصِلَ لَهُ. كَيْفَ وَإِنَّ مَا مِثْلُ هَذَا الْمَانِعِ مَرْجُوحٌ ثُمَّ الْخَصْمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْضُ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ، مُسَاوٍ لِلْقَاصِرِ فِي الْمَقْصُودِ، فَكَانَ مَرْجُوحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَعَدِّي أَيْضًا، فَكَانَ الْمُتَعَدِّي أَوْلَى كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: كَمَا أَنَّ الْمُتَعَدِّيَةَ قَدْ تَعْرِفُ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، فَالْقَاصِرَةُ تَعْرِفُ نَفْيَهُ عَنِ الْفَرْعِ، وَكَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ؛ فَمَعْرِفَةُ انْتِفَائِهِ أَيْضًا عَنْهُ مَقْصُودٌ لَهُ. قُلْنَا: هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ مَا هُوَ مُسَاوٍ لِلْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فِي الْأَصْلِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى جِهَةِ الِاقْتِضَاءِ، وَالْمَقْصُودُ الْمَطْلُوبُ لِلشَّارِعِ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ لِنَفْيِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ إِنَّمَا هُوَ بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ مَقْصُودِ الْحُكْمِ، وَلَنْ يُتَصَوَّرَ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَا هُوَ مُسَاوٍ فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْأَصْلِ، فَلَا يَنْتَهِضُ الْوَصْفُ الْقَاصِرُ فِي الْأَصْلِ عَلَامَةٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مَعَ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي فِيهِ وَمُسَاوَاتِهِ لِلْقَاصِرِ فِي الِاقْتِضَاءِ عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْضُ.

стр. 1018

كَيْفَ وَإِنَّ الْعِلَّةَ الْقَاصِرَةَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِتَعْرِيفِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ إِلَّا مَعَ ضَمِيمَةِ انْتِفَاءِ عِلَّةِ غَيْرِهَا، وَانْتِفَاءُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ فِي طَرْفِ الْإِثْبَاتِ، فَمَا اسْتُقِلَّ بِالتَّعْرِيفِ يَكُونُ أَوْلَى مِمَّا لَا يُسْتَقَلُّ. نَعَمْ، قَدْ يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِالْعِلَّةِ الْمُثْبَتَةِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ لَا أَنَّ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَرَّفِ وَلَا الدَّاعِي، بِخِلَافِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ الْقَاصِرَةُ فِي تَعْرِيفِهَا نَفْيَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ. وَالْعَمَلُ بِمَا هُوَ مُعَرَّفٌ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ فِي تَعْرِيفِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي رَاجِحًا فِي جِهَةِ اقْتِضَائِهِ أَوْلَى وَالْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي وَإِنْ تَوَقَّفَ اسْتِقْلَالُهُ عَلَى إِخْرَاجِ الْقَاصِرِ عَنِ التَّعْلِيلِ فَلَيْسَ إِخْرَاجُ الْقَاصِرِ مَوْقُوفًا عَلَى اسْتِقْلَالِ الْمُتَعَدِّي، لِيَلْزَمَ الدَّوْرَ لِجَوَازِ اتِّفَاقِهِمَا فِي إِخْرَاجِهِمَا عَنِ التَّعْلِيلِ. كَيْفَ وَإِنَّهُ مُقَابَلٌ بِدَوْرٍ آخَرَ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَوَقَّفُ إِدْخَالُ الْقَاصِرِ فِي التَّعْلِيلِ عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْمُتَعَدِّي، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُتَعَدِّي مَرْجُوحًا فِي جِهَةِ اقْتِضَائِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَصْفِ الْقَاصِرِ، فَالْوَصْفُ الْقَاصِرُ أَوْلَى نَظَرًا إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى زِيَادَةِ الْمُنَاسَبَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهَا، وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا وَإِنْ أَوْجَبَ إِهْمَالَ فَائِدَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَصَلَاحِ الْمُكَلَّفِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ التَّعَقُّلِ وَسُرْعَةِ الِانْقِيَادِ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا. وَفَائِدَةُ التَّعْدِيَةِ إِنَّمَا تُعْرَفُ بَعْدَ تَعَرُّفِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِمَا عُلِّلَ بِهِ بِنَظَرٍ ثَانٍ مُتَأَخِّرٍ عَنِ النَّظَرِ، فِيمَا عُلِّلَ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هُوَ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ يَكُونُ أَسْبَقَ إِلَى الْفَهْمِ بِالتَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِهِ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَتْ جِهَةُ التَّسَاوِي وَالْأَرْجَحِيَّةِ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ وَلَا ظَاهِرَةٍ، فَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّي أَوْلَى نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ أَوْلَى عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا الْعَمَلُ بِهِ يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ أَوْلَى مِمَّا لَا يَتِمُّ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.

стр. 1019

وَعَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي طَرَفِ النَّفْيِ، هَذَا كُلُّهُ إِنْ كَانَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي خَارِجًا عَنِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا بِأَنْ كَانَ الْمُعَارِضُ مُعَلِّلًا بِمَجْمُوعِ الْوَصْفَيْنِ؛ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي مَعًا، فَالْقَاصِرُ أَوْلَى؛ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَعَدِّي رَاجِحًا عَلَى الْقَاصِرِ أَوْ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا. أَمَّا فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ؛ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَتَعْطِيلُهُ، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، وَيَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّعْطِيلِ. فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي رَاجِحًا لَوْ جَعَلْنَا الْوَصْفَ الْقَاصِرَ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ عَنِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي الرَّاجِحِ؛ رِعَايَةً لِمَا فَاتَ مِنَ الْوَصْفِ الْمَرْجُوحِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. قُلْنَا: هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ رُجْحَانُهُ ظَاهِرًا، وَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ احْتِمَالَ وُقُوعِ الْعَمَلِ بِمَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرٍ مِنْ تَقْدِيرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِمَا لَا يَتِمُّ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ. كَيْفَ وَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْقَاصِرِ، وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إِلَى إِهْمَالِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي فِي الْفَرْعِ؛ إِلَّا إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُهُ مُطْلَقًا إِذْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْعِلَّةِ، وَلَوْ عَمِلْنَا بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي فَقَطْ يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُ الْقَاصِرِ وَتَعْطِيلُهُ مُطْلَقًا، فَالْعَمَلُ بِالْقَاصِرِ يَكُونُ أَوْلَى، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ النَّفْيِ أَيْضًا، بَلْ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ مُخَالَفَةِ الْمُقْتَضِي لِلْإِثْبَاتِ. هَذَا إِنْ ظَهَرَ التَّرْجِيحُ، وَأَمَّا إِنْ تَحَقَّقَتِ الْمُعَارَضَةُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ، فَعَلَى مُقْتَضَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنَ الْقَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَارُضِ مَعَ التَّنَافِي، فَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَرْيِ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ هَاهُنَا. [الِاعْتِرَاضُ السَّادِسَ عَشَرَ سُؤَالُ التَّرْكِيبِ] وَهُوَ الْوَارِدُ عَلَى الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ وَأَقْسَامَهُ وَوَجْهَ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ، وَالسُّؤَالَ الْوَارِدَ عَلَيْهِ وَجَوَابَهُ فِي شَرْطِ حُكْمِ الْأَصْلِ (١) .

стр. 1020

[الِاعْتِرَاضُ السَّابِعَ عَشَرَ سُؤَالُ التَّعْدِيَةِ] وَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى وَيُعَارِضَ بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُسْتَدِلِّ: مَا عَلَّلْتَ بِهِ وَإِنْ تَعَدَّى إِلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَالَّذِي عَلَّلْتُ بِهِ أَيْضًا قَدْ تَعَدَّى إِلَى فَرْعٍ مُخْتَلِفٍ فِيهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ إِجْبَارِ الْبِكْرِ الْبَالِغِ: بِكْرٌ، فَجَازَ إِجْبَارُهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، فَعَارَضَهُ الْحَنَفِيُّ بِالصِّغَرِ وَقَالَ: الْبَكَارَةُ وَإِنْ تَعَدَّتْ إِلَى الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ، فَالصِّغَرُ مُتَعَدٍّ إِلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ مَعَ زِيَادَةِ التَّسْوِيَةِ فِي التَّعْدِيَةِ، وَجَوَابُهُ بِإِبْطَالِ مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ وَحَذْفُهُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ بِمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، وَمَهْمَا حُقِّقَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الطُّرُقِ فَقَدِ انْدَفَعَ وَلَا أَثَرَ لِمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ، خِلَافًا لِلدَّارَكِيِّ (١) . [الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنَ عَشَرَ مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ فِي الْفَرْعِ] الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنَ عَشَرَ مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ فِي الْفَرْعِ، وَجَوَابُهُ كَجَوَابِ مَنْعِ وُجُودِهِ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ عُرِفَ. [الِاعْتِرَاضُ التَّاسِعَ عَشَرَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمٍ الْمُسْتَدِلِّ] الِاعْتِرَاضُ التَّاسِعَ عَشَرَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمٍ الْمُسْتَدِلِّ، إِمَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ ظَاهِرٍ أَوْ بِوُجُودِ مَانِعِ الْحُكْمِ أَوْ بِفَوَاتِ شَرْطِ الْحُكْمِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ تَحَقُّقِهِ وَطَرِيقِ كَوْنِهِ مَانِعًا أَوْ شَرْطًا عَلَى نَحْوِ طَرِيقِ إِثْبَاتِ الْمُسْتَدِلِّ كَوْنَ الْوَصْفِ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ مِنَ التَّأْثِيرِ أَوِ الِاسْتِنْبَاطِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَبُولِهِ، (٢) فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ تَمَسُّكًا مِنْهُمْ بِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ اسْتِدْلَالٌ وَبِنَاءٌ، وَحَقُّ الْمُعْتَرِضِ أَنْ يَكُونَ هَادِمًا لَا بَانِيًا.

стр. 1021

وَقَبِلَهُ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ هَدْمُ مَا بَنَاهُ الْمُسْتَدِلُّ لِمُقَاوَمَةِ دَلِيلِهِ لِدَلِيلِهِ، وَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي سُلُوكِ طُرُقِ الْهَدْمِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا فِي الْهَدْمِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَادِمٌ سِوَاهُ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لَبَطَلَ مَقْصُودُ الْمُنَاظَرَةِ، وَاخْتَلَّتْ فَائِدَةُ الْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ. وَالْوَجْهُ فِي جَوَابِهِ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ أَنْ يَقْدَحَ فِيهِ الْمُسْتَدِلُّ بِكُلِّ مَا لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقْدَحَ بِهِ فِيهِ، أَنْ لَوْ كَانَ الْمُسْتَدِلُّ مُتَمَسِّكًا بِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ دَفْعِهِ بِالتَّرْجِيحِ. فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ اعْتِمَادًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ - وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ - فَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ اعْتِرَاضًا. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ مَهْمَا تَرَجَّحَ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ الْآتِيَةِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِ مُتَعَيَّنًا. وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَذْكُرَ فِي دَلِيلِهِ مَا يُومِئُ إِلَى التَّرْجِيحِ؟ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ لِتَوَقُّفِ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ أَوَّلًا، بَلْ لِبَعْضِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ؛ لِمَا فِي التَّكْلِيفِ بِهِ مِنَ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ. وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَالَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا بِهِ التَّرْجِيحُ يَرْجِعُ إِلَى الْعِلَّةِ بِأَنْ يَكُونَ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِهَا أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ: فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الدَّلِيلِ أَوَّلًا لِيَكُونَ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَلَا؛ لِأَنَّهُ مَسْئُولٌ عَنِ الدَّلِيلِ وَقَدْ أَتَى بِمُسَمَّاهُ حَقِيقَةً، وَالتَّرْجِيحُ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنِ الدَّلِيلِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِ وُرُودِ الْمُعَارَضَةِ، فَذِكْرُهُ بَعْدَ الْمُعَارَضَةِ وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ إِعْمَالُ الدَّلِيلِ بِدَفْعِ الْمُعَارِضِ (١) لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الدَّلِيلِ، حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ أَوَّلًا.

стр. 1022

[الِاعْتِرَاضُ الْعِشْرُونَ الْفَرْقُ] وَاعْلَمْ أَنَّ سُؤَالَ الْفَرْقِ عِنْدَ أَبْنَاءِ زَمَانِنَا لَا يَخْرُجُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ أَوِ الْفَرْعِ إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ، حَتَّى إِنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ فَرْقًا. وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ أَسْئِلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِقَبُولِهِ، وَاخْتَلَفُوا مَعَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ سُؤَالَيْنِ أَوْ سُؤَالًا وَاحِدًا، فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنَّهُ سُؤَالَانِ، جُوِّزَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِ أَدَلَّ عَلَى الْفَرْقِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ هُوَ سُؤَالٌ وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ مَقْصُودِهِ، وَهُوَ الْفَرْقُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ صِيغَتُهُ. وَمِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ مَنْ قَالَ: لَيْسَ سُؤَالُ الْفَرْقِ هُوَ هَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ بَيَانِ مَعْنًى فِي الْأَصْلِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي التَّعْلِيلِ وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الْفَرْعِ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُهُ إِلَى بَيَانِ انْتِفَاءِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَبِهِ يَنْقَطِعُ الْجَمْعُ. وَجَوَابُهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَخْرُجُ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. [الِاعْتِرَاضُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إِذَا اخْتَلَفَ الضَّابِطُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَاتَّحَدَتِ الْحِكْمَةُ] الِاعْتِرَاضُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إِذَا اخْتَلَفَ الضَّابِطُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَاتَّحَدَتِ الْحِكْمَةُ كَمَا لَوْ قِيلَ فِي شُهُودِ الْقِصَاصِ: تَسَبَّبُوا فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا فَلَزِمَهُمُ الْقِصَاصُ زَجْرًا لَهُمْ عَنِ التَّسَبُّبِ كَالْمُكْرَهِ. فَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ: ضَابِطُ الْحِكْمَةِ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا هُوَ الْإِكْرَاهُ، وَفِي الْفَرْعِ الشَّهَادَةُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ مُتَّحِدًا وَهُوَ الزَّجْرُ فَلَا يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِهِ وَحْدَهُ، وَمَا جُعِلَ ضَابِطًا لَهُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْفَرْعِ، وَالضَّابِطُ فِي الْفَرْعِ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُسَاوِيًا لِضَابِطِ الْأَصْلِ فِي الْإِفْضَاءِ إِلَى الْمَقْصُودِ، فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ. وَجَوَابُهُ إِمَّا بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ التَّعْلِيلَ إِنَّمَا هُوَ بِعُمُومِ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الضَّابِطُ مِنَ التَّسَبُّبِ الْمَضْبُوطِ عُرْفًا، أَوْ بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ إِفْضَاءَ الضَّابِطِ فِي الْفَرْعِ إِلَى الْمَقْصُودِ أَكْثَرُ مِنْ إِفْضَاءِ ضَابِطِ الْأَصْلِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ.

стр. 1023

وَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (الْمُغْرِي لِلْحَيَوَانِ) مِنْ حَيْثُ إِنَّ انْبِعَاثَ الْوَلِيِّ لِلتَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ فِي الْفَرْعِ لِغَلَبَةِ إِقْدَامِ الْمُكْرَهِ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ؛ طَلَبًا لِخَلَاصِ نَفْسِهِ أَغْلَبُ مِنْ إِقْدَامِ الْحَيَوَانِ بِالْإِغْرَاءِ عَلَى الْآدَمِيِّ بِسَبَبِ غَلَبَةِ نُفْرَتِهِ عَنْهُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَيُبَيِّنُ الْغَلَبَةَ بِمَا يُسَاعِدُ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ. [الِاعْتِرَاضُ الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ إِذَا اتَّحَدَ الضَّابِطُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَاخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَصْلَحَةِ] الِاعْتِرَاضُ الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ (١) إِذَا اتَّحَدَ الضَّابِطُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَاخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَصْلَحَةِ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ اللِّوَاطِ: أَوْلَجَ فَرْجًا فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا، مُحَرَّمٌ شَرْعًا، فَوَجَبَ بِهِ الْحَدُّ كَالزِّنَا. فَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ: الضَّابِطُ وَإِنْ كَانَ مُتَّحِدًا، غَيْرَ أَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي فِي الْفَرْعِ وَهِيَ صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنْ رَذِيلَةِ اللِّيَاطَةِ مُخَالِفَةٌ لِحِكْمَةِ الْأَصْلِ، وَهِيَ دَفْعُ مَحْذُورِ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ الْمُفْضِي إِلَى تَضْيِيعِ الْمَوْلُودِ وَانْقِطَاعِ نَسْلِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنِ اعْتِبَارِ الضَّابِطِ فِي الْأَصْلِ لِمَا لَزِمَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ اعْتِبَارُهُ فِي الْفَرْعِ لِغَيْرِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ، لِجَوَازِ أَنْ لَا تَكُونَ قَائِمَةً مَقَامَهَا فِي نَظَرِ الشَّارِعِ. وَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: التَّعْلِيلُ إِنَّمَا وَقَعَ بِالضَّابِطِ الْمُشْتَرَكِ الْمُسْتَلْزِمِ لِدَفْعِ الْمَحْذُورِ اللَّازِمِ مِنْ عُمُومِ الْجِمَاعِ، وَالتَّعَرُّضِ لِحَذْفِ خُصُوصِ مَا اخْتَصَّ بِهِ الْأَصْلُ مِنَ الزِّنَا وَمَقْصُودِهِ اللَّازِمِ عَنْهُ وَحَذْفِهِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْحَذْفِ الَّتِي سَبَقَ بَيَانُهَا فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ. [الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يُقَالَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ فَلَا قِيَاسَ] الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يُقَالَ: حُكْمُ الْفَرْعِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَلَا قِيَاسَ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْدِيَةِ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِوَاسِطَةِ الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا، وَمَعَ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ، فَحُكْمُ الْأَصْلِ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا إِلَى الْفَرْعِ فَلَا قِيَاسَ. وَجَوَابُهُ بِبَيَانِ اتِّحَادِ الْحُكْمِ، إِمَّا عَيْنًا وَذَلِكَ كَمَا فِي قِيَاسِ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَقِيَاسِ صِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ (٢) وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ إِنَّمَا هُوَ عَائِدٌ إِلَى الْمَحَلِّ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ

стр. 1024

فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِيهِ وَإِمَّا جِنْسًا كَمَا فِي قِيَاسِ وُجُوبِ قَطْعِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْأَنْفُسِ بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ (١) وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، فَكَانَ إِمَّا مُلَائِمًا إِنْ كَانَ الِاشْتِرَاكُ فِي جِنْسِ الْعِلَّةِ أَوْ مُؤَثِّرًا إِنْ كَانَ الِاشْتِرَاكُ فِي عَيْنِهَا عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلْقِيَاسِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْحُكْمُ مُخْتَلِفًا جِنْسًا وَنَوْعًا كَمَا فِي إِلْحَاقِ الْإِثْبَاتِ بِالنَّفْيِ أَوِ الْوُجُوبِ بِالتَّحْرِيمِ وَبِالْعَكْسِ، فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الِاخْتِلَافِ فِي صِحَّتِهِ وَأَنَّ الْمُخْتَارَ إِبْطَالُهُ (٢) . [الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْقَلْبِ] وَهُوَ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ قَلْبُ الدَّعْوَى، وَالْآخَرُ قَلْبُ الدَّلِيلِ. أَمَّا قَلْبُ الدَّعْوَى فَضَرْبَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّعْوَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مُضْمَرًا فِيهَا أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: أَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مَرْئِيٌّ، فَهَذِهِ دَعْوَى فِيهَا إِضْمَارُ الدَّلِيلِ، وَتَقْدِيرُهُ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ إِذِ الْوُجُودُ هُوَ الْمُصَحِّحُ لِلرُّؤْيَةِ عِنْدَهُ. فَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ: أَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ كُلَّ مَا لَيْسَ فِي جِهَةٍ لَا يَكُونُ مَرْئِيًّا، فَهَذِهِ الدَّعْوَى مُقَابِلَةٌ لِلْأُولَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَوْجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا هُوَ فِي جِهَةٍ وَإِلَى مَا لَيْسَ

стр. 1025

فِي جِهَةٍ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَا لَيْسَ فِي جِهَةٍ لَا يَكُونُ مَرْئِيًّا (١) يُقَابِلُ قَوْلَ الْقَائِلِ: كُلُّ مَوْجُودٍ مَرْئِيٌّ، وَدَلِيلُهَا مُضْمَرٌ فِيهَا وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ انْتِفَاءَ الْجِهَةِ مَانِعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الدَّلِيلُ مُضْمَرًا فِيهَا، فَكَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ فِي مَسْأَلَةِ إِفْضَاءِ النَّظَرِ إِلَى الْعِلْمِ أَوْ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ مَثَلًا، أَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْعِلْمِ وَأَنَّ الْكُفْرَ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ وَالشُّكْرَ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ. فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: أَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّظَرَ لَا يُفْضِي إِلَى الْعِلْمِ وَأَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ وَلَا الشُّكْرَ لِعَيْنِهِ. وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مُقَابَلَةِ الْفَاسِدِ بِالْفَاسِدِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ اسْتِنْطَاقُ الْمُدَّعِي بِاسْتِحَالَةِ دَعْوَى الضَّرُورَةِ مِنْ خَصْمِهِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَيُقَالُ وَهَذَا لَازِمٌ لَكَ أَيْضًا. وَقَدْ أَوْرَدَ الْجَدَلِيُّونَ فِي هَذَا الْبَابِ قَلْبَ الِاسْتِبْعَادِ فِي الدَّعْوَى، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ الْمُدَّعِيَيْنِ: تَحْكِيمُ الْوَلَدِ فِي ذَلِكَ تَحَكُّمٌ بِلَا دَلِيلٍ. فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَتَحْكِيمُ الْقَائِفِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا تَحَكُّمٌ بِلَا دَلِيلٍ.

стр. 1026

قَالُوا وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَيْضًا اسْتِنْطَاقُ الْمُدَّعِي بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِتَحَكُّمٍ، بَلْ لَهُ مَأْخَذٌ صَحِيحٌ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْتُهُ. وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الْمُدَّعِي بِأَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ تَحَكُّمٌ أَوْ أَنْ يُبَيِّنَ مَأْخَذَهُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ تَحَكُّمًا فَلَا تُغْنِي مُعَارَضَتُهُ بِتَحَكُّمِهِ فِي مَذْهَبِهِ فِي إِبْطَالِ دَعْوَاهُ التَّحَكُّمَ فِي مَذْهَبِ خَصْمِهِ، وَإِنْ بَيَّنَ لَهُ مَأْخَذًا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَبْعَدَهُ مِنْ مَذْهَبِ خَصْمِهِ كَذَلِكَ. وَإِنْ تَعَرَّضَ الْمُعْتَرِضُ لِبَيَانِ الْمَأْخَذِ فِيمَا اسْتَبْعَدَهُ الْمُدَّعِي، فَهُوَ الْجَوَابُ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقَلْبِ. وَأَمَّا قَلْبُ الدَّلِيلِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ بَيَانِ كَوْنِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنَ الدَّلِيلِ يَدُلُّ لَهُ مِنْ وَجْهٍ أَوْ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ وَلَا مِنْ وَجْهٍ. فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَدُلُّ لَهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، فَهَذَا قَلَّمَا يُوجَدُ لَهُ مِثَالٌ فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوِ اسْتَدَلَّ فِي تَوْرِيثِ الْخَالِ بِقَوْلِهِ ﵇: " «الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ» " (١) . فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ تَوْرِيثِ الْخَالِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، كَمَا يُقَالُ: الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ وَالصَّبْرُ حِيلَةٌ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ، مَعْنَاهُ نَفْيُ كَوْنِ الْجُوعِ زَادًا وَالصَّبْرِ حِيلَةً. وَيَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: " «لَا وَارِثَ لَهُ» " نَفْيَ كُلِّ وَارِثٍ، فَتَوْرِيثُ الْخَالِ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ وَارِثًا عَلَى نَفْيِ جَمِيعِ الْوُرَّاثِ لِإِرْثِهِ مَعَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَإِمَّا نَفْيُ مَنْ عَدَاهُ مِنَ الْوُرَّاثِ بِجِهَةِ الْعُصُوبَةِ، فَتَخْصِيصُ الْخَالِ بِالذِّكْرِ لَا يَكُونُ مُفِيدًا؛ لِأَنَّ مَنْ عَدَاهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَذَلِكَ (٢) .

стр. 1027

وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقَلْبِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِفَسَادِ الْوَضْعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ. وَإِنْ سَلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ لَهُ مِنْ وَجْهٍ فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقَلْبِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِمَّا أَنْ يَتَعَرَّضَ فِي الْقَلْبِ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ أَوْ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ وَإِنْ تَعَرَّضَ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، فَإِمَّا أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ صَرِيحًا بِأَنْ يَجْعَلَهُ حُكْمًا لِلدَّلِيلِ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ لَا بِصَرِيحِهِ، بَلْ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ بِأَنْ يُرَتِّبَ عَلَى الدَّلِيلِ حُكْمًا يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ. فَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ مَثَلًا فِي مَسْأَلَةِ الِاعْتِكَافِ: لُبْثٌ مَحْضٌ فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً بِنَفْسِهِ، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: لُبْثٌ مَحْضٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ الصَّوْمُ فِي صِحَّتِهِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ تَعَرَّضَ فِي دَلِيلِهِ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ أَشَارَ بِعِلَّتِهِ إِلَى اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ، وَالْمُعْتَرِضَ أَشَارَ إِلَى نَفْيِ اشْتِرَاطِهِ صَرِيحًا. وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ فَتَعْلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ فِي هَذَا الْمِثَالِ لِنَفْيِ الْقُرْبَةِ لَيْسَ تَعْلِيلًا بِمُنَاسِبٍ يَقْتَضِي نَفْيَ الْقُرْبَةِ بَلْ بِانْتِفَاءِ الْمُنَاسِبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللُّبْثَ الْمَحْضَ لَا يُنَاسَبُ وَلَا يُشَمُّ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمُنَاسِبَةِ لِلْقَرَابَةِ. وَتَعْلِيلُ الْمُعْتَرِضِ بِأَمْرٍ طَرْدِيٍّ فَإِنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ فِي اللُّبْثِ الْمَحْضِ لِنَفْيِ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ. وَقَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَدِلُّ قَدْ تَعَرَّضَ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ صَرِيحًا، وَالْمُعْتَرِضُ كَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ: طَهَارَةٌ تُرَادُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، فَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: طَهَارَةٌ تُرَادُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَتُصْبِحُ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَرِّضٌ فِي الدَّلِيلِ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ صَرِيحًا، وَالْعِلَّةُ فِي الطَّرَفَيْنِ شَبَهِيَّةٌ. وَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَتَعَرَّضَ الْمُعْتَرِضُ فِي الْقَلْبِ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، فَمِثَالُهُ مَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ: عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ.

стр. 1028

فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبْعِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ صَرَّحَ فِي دَلِيلِهِ بِإِبْطَالِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَصْحِيحِ مَذْهَبِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ إِبْطَالِ مَذْهَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصْحِيحُ مَذْهَبِ الْآخَرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ هُوَ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَهُوَ وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ. نَعَمْ، لَوْ كَانَ الْقَائِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَائِلَانِ، وَالِاتِّفَاقُ مِنْهُمَا وَاقِعٌ عَلَى نَفْيِ قَوْلٍ ثَالِثٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعَرُّضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْآخَرِ تَصْحِيحُ مَذْهَبِهِ، ضَرُورَةَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَذَلِكَ كَالْحُكْمِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ. وَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُعَوَّضِ كَالنِّكَاحِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ. فَإِنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي هَذَا الْمِثَالِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ فِي الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ صَرِيحًا بَلْ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ فَقَدْ قَالَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ لَازِمُ الصِّحَّةِ، فَإِذَا بَطَلَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَقَدِ انْتَفَى اللَّازِمُ وَيَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ. وَيَلْتَحِقُ بِأَذْيَالِ هَذَا الْقِسْمِ الثَّالِثِ قَلْبُ التَّسْوِيَةِ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي مَسْأَلَةِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْخَلِّ: مَائِعٌ طَاهِرٌ مُزِيلٌ لِلْعَيْنِ وَالْأَثَرِ، فَتَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ كَالْمَاءِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: مَائِعٌ طَاهِرٌ مُزِيلٌ لِلْعَيْنِ وَالْأَثَرِ فَتَسْتَوِي فِيهِ طَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ كَالْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِالتَّسْوِيَةِ فِي الْخَلِّ بَيْنَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ عَدَمُ حُصُولِ الطَّهَارَةِ بِالْخَلِّ فِي الْخَبَثِ لِعَدَمِ حُصُولِهَا بِهِ فِي الْحَدَثِ، وَالْحُكْمُ بِالتَّسْوِيَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَعْلَى مَرَاتِبِ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ مَا بُيِّنَ فِيهِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ وَلَا يَدُلُّ لَهُ، ثُمَّ يَلِيهِ النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ مَا بُيِّنَ فِيهِ أَنَّهُ يَدُلُّ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَأَعْلَى مَرَاتِبِ هَذَا النَّوْعِ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِإِثْبَاتِ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْهُ. ثُمَّ مَا صَرَّحَ فِيهِ بِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ فَإِنَّهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَصْحِيحُ مَذْهَبِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْهُ. ثُمَّ الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَإِنَّهُ وَإِنْ شَارَكَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، إِلَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَمَا قَبْلَهُ بِصَرِيحِهِ.

стр. 1029

وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقَلْبِ لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِدَلَالَةِ الْمُسْتَدِلِّ بِالْقَدْحِ، بَلْ غَايَتُهُ بَيَانُ دَلَالَةٍ أُخْرَى مِنْهُ تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَطْلُوبِهِ، فَكَانَ شَبِيهًا بِالْمُعَارَضَةِ وَإِنْ فَارَقَهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ نَشَأَتْ مِنْ نَفْسِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ. وَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى مَا أَرَدْنَاهُ مِنْ تَحْقِيقِ مَعْنَى الْقَلْبِ وَأَقْسَامِهِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَبُولِهِ فَقَبِلَهُ قَوْمٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى ضَعْفِ الدَّلِيلِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَقِيضِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، وَرَدَّهُ آخَرُونَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمُعْتَرِضَ إِمَّا أَنْ يَتَعَرَّضَ فِي دَلِيلِهِ لِنَقِيضِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ عَلَى أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ حُكْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ مُجْمَعٍ عَلَيْهِمَا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرَاضًا عَلَى الدَّلِيلِ. وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَإِنْ تَعَرَّضَ فِي الدَّلِيلِ لِحُكْمٍ يُقَابِلُ حُكْمَ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، فَقَدْ لَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مِثَالِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ تَعَرَّضَ لِغَيْرِهِ فَيَصِحُّ الْقَلْبُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا عَمَّا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمِثَالِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي مِنَ التَّمْثِيلِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ، وَمِنَ التَّمْثِيلِ بِقَلْبِ التَّسْوِيَةِ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنَ الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ مُلَازِمًا لَهُ أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَتَعْلِيلُ الْمُعْتَرِضِ بِهِ لِمُقَابِلِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَلْزَمُهُ مَقْصُودٌ مِنْ مُقَابِلِ الْحُكْمِ، أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ يُنَاسِبُ الْحُكْمَ وَمُقَابِلَهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِقَلْبٍ إِذِ الْقَلْبُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسَيْنِ، بَلْ هُوَ مُعَارَضَةٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُلَازِمُهُ الْمَقْصُودُ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حُكْمِ الْمُعْتَرِضِ طَرْدِيٌّ وَوَصْفُ الْمُسْتَدِلِّ مُنَاسِبٌ أَوْ شَبَهِيٌّ، فَلَا يَكُونُ قَادِحًا فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ طَرْدِيًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا رَتَّبَهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ لِتَعَذُّرِ التَّعْلِيلِ بِالطَّرْدِيِّ الْمَحْضِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ.

стр. 1030

[الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ] وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى تَسْلِيمِ مَا اتَّخَذَهُ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمًا لِدَلِيلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَسْلِيمُ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ. وَمَهْمَا تَوَجَّهَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، كَانَ الْمُسْتَدِلُّ مُنْقَطِعًا لِتَبْيِينِ أَنَّ مَا نَصَّهُ مِنَ الدَّلِيلِ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِمَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ مُنْحَصِرٌ فِي قِسْمَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إِمَّا أَنْ يَنْصِبَ دَلِيلَهُ عَلَى تَحْقِيقِ مَذْهِبِهِ، وَمَا نَقَلَ عَنْ إِمَامِهِ مِنَ الْحُكْمِ أَوْ عَلَى إِبْطَالِ مَا يَظُنُّهُ مُدْرِكًا لِمَذْهَبِ خَصْمِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُلْتَجِئِ إِلَى الْحَرَمِ: وُجِدَ سَبَبُ جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فَكَانَ اسْتِيفَاؤُهُ جَائِزًا. فَقَالَ الْخَصْمُ: أَقُولُ بِمُوجِبِ هَذَا الدَّلِيلِ، فَإِنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ عِنْدِي جَائِزٌ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي جَوَازِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِيلَادِ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ: وُجُوبُ الْقِيمَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِيجَابِ الْمَهْرِ كَاسْتِيلَادِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ: التَّفَاوُتُ فِي الْوَسِيلَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ، كَالتَّفَاوُتِ فِي الْمُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ. فَقَالَ الْخَصْمُ: أَقُولُ بِمُوجِبِ هَذَا الدَّلِيلِ، وَأَنَّ وُجُوبَ الْقِيمَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْمَهْرِ، وَالتَّفَاوُتَ فِي الْوَسِيلَةِ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْمُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْقِصَاصِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِبْطَالِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَوَانِعِ إِثْبَاتُ وُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْقِصَاصِ، لِجَوَازِ انْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ آخَرَ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ. وَوُرُودُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ أَغْلَبُ فِي الْمُنَاظَرَاتِ مِنْ وُرُودِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ خَفَاءَ الْمَدَارِكِ أَغْلَبُ مِنْ خَفَاءِ الْأَحْكَامِ؛ لِكَثْرَةِ الْمَدَارِكِ وَتَشَعُّبِهَا وَعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَمَدُ الْخَصْمِ مِنْ جُمْلَتِهَا بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ الذُّهُولُ عَنْهَا. وَلِهَذَا قَدْ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْإِمَامِ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ دُونَ مَعْرِفَةِ الْمَدَارِكِ، فَكَانَ احْتِمَالُ الْخَطَأِ فِي اعْتِقَادِ كَوْنِ الْمُدْرَكِ الْمُعَيَّنِ هُوَ مُدْرَكَ الْإِمَامِ أَقْرَبَ مِنَ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِيمَا يُنْسَبُ إِلَى الْإِمَامِ مِنَ الْحُكْمِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ.

стр. 1031

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِي وُجُوبِ تَكْلِيفِ الْمُعْتَرِضِ إِبْدَاءَ مُسْتَنَدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ فِي هَذَا النَّوْعِ (١) . فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بُدَّ مِنْ تَكْلِيفِهِ بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمَأْخَذَ عِنْدَهُ فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِإِبْدَاءِ الْمَأْخَذِ عِنْدَ إِيرَادِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ، فَقَدْ يَقُولُ بِذَلِكَ عِنَادًا، قَصْدًا لِإِيقَافِ كَلَامِ خَصْمِهِ وَلَا كَذَلِكَ إِذَا وُظِّفَ عَلَيْهِ بَيَانُ الْمَأْخَذِ فَكَانَ أَفْضَى إِلَى صِيَانَةِ الْكَلَامِ عَنِ الْخَبْطِ وَالْعِنَادِ فَكَانَ أَوْلَى. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا وَجْهَ لِتَكْلِيفِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ وَفَائِهِ بِشَرْطِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ، وَهُوَ اسْتِبْقَاءُ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ مُتَدَيِّنٌ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَأْخَذِ إِمَامِهِ، فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ الصِّدْقَ فِيمَا ادَّعَاهُ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ. كَيْفَ وَإِنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ إِبْدَاءَ الْمَأْخَذِ، فَإِنْ مَكَّنَّا الْمُسْتَدِلَّ مِنْ إِبْطَالِهِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ يَلْزَمُ مِنْهُ قَلْبُ الْمُسْتَدِلِّ مُعْتَرِضًا، وَالْمُعْتَرِضِ مُسْتَدِلًّا. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْخَبْطِ، وَإِنْ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ فَلَا فَائِدَةَ فِي إِبْدَاءِ الْمَأْخَذِ لِإِمْكَانِ ادِّعَائِهِ مَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ؛ تَرْوِيحًا لِكَلَامِهِ ثِقَةً مِنْهُ بِامْتِنَاعِ وُرُودِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ. وَلِلْمُسْتَدِلِّ فِي دَفْعِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ طُرُقٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَقُولَ: الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ بِالْخِلَافِ فِيمَا فُرِضَ فِيهِ الْكَلَامُ إِنْ أَمْكَنَ، وَالشُّهْرَةُ بِذَلِكَ دَلِيلُ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ. الثَّانِي: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ لَازِمٌ فِيمَا فُرِضَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ حُكْمُ دَلِيلِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: هُوَ عِنْدِي غَيْرُ جَائِزٍ، بَلْ وَاجِبٌ. فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ الْمَعْنَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ لُزُومُ التَّبِعَةِ بِفِعْلِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الْوُجُوبِ لِاسْتِحَالَةِ لُزُومِ التَّبِعَةِ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ فِيهِ تَغْيِيرُ كَلَامِي عَنْ ظَاهِرِهِ، فَلَا يَكُونُ قَوْلًا بِمُوجِبِهِ.

стр. 1032

وَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُسْتَدِلُّ قَدْ قَالَ فِي زَكَاةِ الْخَيْلِ: حَيَوَانٌ تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْه، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ قِيَاسًا عَلَى الْإِبِلِ. فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: عِنْدِي تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ. وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: إِذَا كَانَ النِّزَاعُ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ، فَظَاهِرُ كَلَامِي مُنْصَرِفٌ إِلَيْهَا لِقَرِينَةِ الْحَالِ، وَلِظُهُورِ عَوْدِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الزَّكَاةِ إِلَى الْمَعْهُودِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ لَفْظَ الزَّكَاةِ يَعُمُّ زَكَاةَ الْعَيْنِ وَالتِّجَارَةِ، فَالْقَوْلُ بِهِ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ قَوْلٌ بِالْمُوجِبِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّجِهٍ (١) لِأَنَّ مُوجِبَ الدَّلِيلِ التَّعْمِيمُ، فَالْقَوْلُ بِبَعْضِ الْمُوجِبِ لَا يَكُونُ قَوْلًا بِالْمُوجِبِ بَلْ بِبَعْضِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ (٢) : مَائِعٌ لَا يُزِيلُ الْحَدَثَ، فَلَا يُزِيلُ الْخَبَثَ كَالْمَرَقَةِ. فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: أَقُولُ بِهِ؛ فَإِنَّ الْخَلَّ النَّجِسَ لَا يُزِيلُ الْحَدَثَ وَلَا الْخَبَثَ. فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: ظَاهِرُ كَلَامِي إِنَّمَا هُوَ الْخَلُّ الظَّاهِرُ، ضَرُورَةَ وُقُوعِ النِّزَاعِ فِيهِ، وَإِيرَادُ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُ مِنْهُ تَغْيِيرُ كَلَامِ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ ظَاهِرِهِ لَا يَكُونُ قَوْلًا بِمَدْلُولِهِ وَمُوجِبِهِ، بَلْ بِغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ مَقْبُولًا. وَلَهُ فِي دَفْعِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي أَيْضًا طُرُقٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَدِلُّ قَدْ أَفْتَى بِمَا وَقَعَ مَدْلُولًا لِدَلِيلِهِ، وَفَرَضَ الْمُعْتَرِضُ الْكَلَامَ مَعَهُ فِيهِ وَطَالَبَهُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَالَ بِالْمُوجِبِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمَ مَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ وَأَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ بِالْمُطَالَبَةِ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَوَّلًا. وَبِمِثْلِ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنِ الْقَوْلِ (٣) بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ أَيْضًا. الثَّانِي: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ لَقَبَ الْمَسْأَلَةِ مَشْهُورٌ بِذَلِكَ بَيْنَ النُّظَّارِ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ أَوَّلًا. الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ لَازِمٌ مِنْ مَدْلُولِ دَلِيلِهِ إِنْ أَمْكَنَ،

стр. 1033

وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُعْتَرِضُ قَدْ سَاعَدَ عَلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَكَانَتِ الْمَوَانِعُ الَّتِي يُوَافِقُ الْمُسْتَدِلُّ عَلَيْهَا مُنْتَفِيَةً وَالشُّرُوطُ مُتَحَقِّقَةً (١) . فَإِذَا أَبْطَلَ كَوْنَ الْمَانِعِ الْمَذْكُورِ مَانِعًا، فَيَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ ظَاهِرًا. وَأَمَّا قِيَاسُ الدَّلَالَةِ وَالْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، فَيَرِدُ عَلَيْهِمَا كُلُّ مَا كَانَ وَارِدًا عَلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ سِوَى الْأَسْئِلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ، فَإِنَّهَا لَا تُرَدُّ عَلَيْهِمَا. أَمَّا قِيَاسُ الدَّلَالَةِ؛ فَلِأَنَّ الْوَصْفَ الْجَامِعَ فِيهِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ؛ فَلِعَدَمِ ذِكْرِ الْجَامِعِ فِيهِ. وَالْأَسْئِلَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ لَا تَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ لِعَدَمِ ذِكْرِ الْجَامِعِ فِيهِ (٢) . وَيَخْتَصُّ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ بِسُؤَالٍ آخَرَ، وَهُوَ عِنْدَ مَا إِذَا كَانَ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَحَدَ مُوجِبَيِ الْأَصْلِ، كَمَا إِذَا قَالَ الْقَائِلُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ: أَحَدُ مُوجِبَيِ الْأَصْلِ، فَالطَّرَفُ الْمَعْصُومُ يُسَاوِي النَّفْسَ، فِيهِ دَلِيلُهُ الْمُوجِبُ الثَّانِي، وَقَرَّرَهُ بِأَنَّ الدِّيَةَ أَحَدُ الْمُوَجِبَيْنِ فِي الْأَصْلِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْفَرْعِ عَلَى الْكُلِّ، وَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ أَحَدِ الْمُوجِبَيْنِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ الْمُوجِبِ الْآخَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمُوجِبَيْنِ فِي الْأَصْلِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً أَوْ مُتَعَدِّدَةً. فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ أَحَدِ مُوجِبَيْهَا فِي الْفَرْعِ وَجُودُهَا فِيهِ، وَمِنْ وُجُودِهَا فِيهِ وُجُودُ الْمُوجِبِ الْآخَرِ وَهُوَ الْقِصَاصُ عَلَى الْكُلِّ. وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّدَةً، فَتَلَازُمُ الْحُكْمَيْنِ فِي الْأَصْلِ دَلِيلُ تَلَازُمِ الْعِلَّتَيْنِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ عِلَّتِهِ الَّتِي وُجِدَ بِهَا فِي الْأَصْلِ وَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ عِلَّتِهِ وُجُودُ عِلَّةِ الْحُكْمِ الْآخَرِ. وَالسُّؤَالُ الْوَارِدُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ أَحَدِ حُكْمَيِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ الْحُكْمِ الْآخَرِ، سَوَاءٌ اتَّحَدَتْ عِلَّتُهُمَا فِي الْأَصْلِ أَوْ تَعَدَّدَتْ.

стр. 1034

أَمَّا إِذَا اتَّحَدَتْ، فَلِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْمُحَالِ وَإِنِ اتَّحَدَ نَوْعُ الْحُكْمِ، أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْفَرْعِ بِغَيْرِ عِلَّةِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْأَوْلَى، لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ مَدَارِكِ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ أَفْضَى إِلَى اقْتِنَاصِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنَ الْحُكْمِ مِمَّا إِذَا اتَّحَدَ الْمُدْرَكُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ الْحُكْمِ الْآخَرِ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا تَكُونَ عِلَّةُ الْفَرْعِ مُسْتَقِلَّةً بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْآخَرِ كَاسْتِقْلَالِ عِلَّةِ الْأَصْلِ. وَأَمَّا إِذَا تَعَدَّدَتِ الْعِلَّةُ فَإِنْ وَقَعَ التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا، فَلِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ فِي الْفَرْعِ غَيْرَ عِلَّتِهِ فِي الْأَصْلِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا وُجُودُ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى فِي الْفَرْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّلَازُمِ بَيْنَ عِلَّةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَعِلَّةِ الْحُكْمِ الْآخَرِ فِي الْأَصْلِ التَّلَازُمُ بَيْنَ عِلَّتِهِ فِي الْفَرْعِ وَعِلَّةِ الْحُكْمِ الْآخَرِ. وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ الْآخَرُ لَازِمًا فِي الْفَرْعِ، وَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: ثُبُوتُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ فِي الْفَرْعِ يَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى وُجُودِ عِلَّتِهِ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ جَازَ ثُبُوتُهُ فِي الْفَرْعِ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِ عِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ عِلَّتِهِ فِي الْأَصْلِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ تَعَدُّدَ الْمَدَارِكِ أَوْلَى مُعَارَضٌ بِأَنَّ الِاتِّحَادَ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْلِيلِ بِعِلَّةٍ مُطَّرِدَةٍ مُنْعَكِسَةٍ، وَمَا ذَكَرُوهُ وَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مُطَّرِدَةً إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُنْعَكِسَةٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْمُطَّرِدَةِ الْمُنْعَكِسَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُنْعَكِسَةِ، فَكَانَتْ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: وَكَمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلَّةٍ أُخْرَى فِي الْفَرْعِ غَيْرِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. قُلْنَا: بَلِ الْعَمَلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ تَكُونُ مُتَعَدِّيَةً وَهِيَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهَا، وَمَا ذَكَرُوهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ قَاصِرَةً؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِهَا فِي صُورَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهَا، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى.

стр. 1035

خَاتِمَةٌ لِهَذَا الْبَابِ فِي تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالنُّقُوضِ أَوِ الْمُعَارَضَاتِ فِي الْأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالْمَنْعِ وَالْمُطَالَبَةِ وَالنَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ وَنَحْوِهَا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْجَدَلِيُّونَ عَلَى جَوَازِ إِيرَادِهَا مَعًا، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا تَنَاقُضٌ وَلَا نُزُولٌ عَنْ سُؤَالٍ إِلَى سُؤَالٍ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْأَسْئِلَةُ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ أَوْ مُرَتَّبَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ؛ فَقَدْ أَجْمَعَ الْجَدَلِيُّونَ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا سِوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ، فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا الِاقْتِصَارَ عَلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ لِقُرْبِهِ إِلَى الضَّبْطِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْخَبْطِ. وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهَا، وَإِنْ أَفْضَتْ إِلَى النَّشْرِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنِ الْجَدَلِيِّينَ. وَإِنْ كَانَتْ مَرْتَبَةً فَقَدْ مَنَعَ مِنْهُ أَكْثَرُ الْجَدَلِيِّينَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمُطَالَبَةَ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ بَعْدَ مَنْعِ وُجُودِهِ نُزُولٌ عَنِ الْمَنْعِ، وَمُشْعِرٌ بِتَسْلِيمِ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مُصِرًّا عَلَى مَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ فَالْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ مَا لَا وُجُودَ لَهُ مُحَالٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُعْتَرِضُ غَيْرَ جَوَابِ الْأَخِيرِ مِنَ الْأَسْئِلَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُورِدَ الْمُطَالَبَةَ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ بَعْدَ مَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ مُقَدِّرًا لِتَسْلِيمِ وُجُودِ الْوَصْفِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: وَإِنْ سَلِمَ عَنِ الْمَنْعِ تَقْدِيرًا، فَلَا يَسْلَمُ عَنِ الْمُطَالَبَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَوْلَى (١) ؛ لِعَدَمِ إِشْعَارِهِ بِالْمُنَاقَضَةِ وَالْعَوْدِ إِلَى مَنْعِ مَا سَلَمَ وَجُودَهُ أَوَّلًا، كَمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِهِ الْمُشْعِرِ بِتَسْلِيمِ وُجُودِهِ، وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ (٢) ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِي الْأَسْئِلَةِ، فَأَوَّلُ مَا تَجِبُ الْبِدَايَةُ بِهِ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَدْلُولَ اللَّفْظِ لَا يَعْرِفُ مَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِ.

стр. 1036

ثُمَّ بَعْدَهُ سُؤَالُ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي فَسَادِهِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ قَبْلَ النَّظَرِ فِي تَفْصِيلِهِ، ثُمَّ سُؤَالُ فَسَادِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ سُؤَالِ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَالنَّظَرُ فِي الْأَعَمِّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّظَرِ فِي الْأَخَصِّ. ثُمَّ بَعْدَهُ مَنْعُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ فِي الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ فَهِيَ فَرْعٌ عَلَيْهِ، وَالْكَلَامُ فِي الْفَرْعِ يَجِبُ تَأْخِيرُهُ عَنِ الْكَلَامِ فِي أَصْلِهِ. ثُمَّ بَعْدَهُ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ. ثُمَّ بَعْدَهُ النَّظَرُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعِلَّةِ الْوَصْفِ، كَالْمُطَالَبَةِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالْقَدْحِ فِي الْمُنَاسَبَةِ وَالتَّقْسِيمِ، وَكَوْنِ الْوَصْفِ غَيْرَ ظَاهِرٍ وَلَا مُنْضَبِطٍ، وَكَوْنِ الْحُكْمِ غَيْرَ صَالِحٍ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ. ثُمَّ بَعْدَهُ النَّقْضُ وَالْكَسْرُ، لِكَوْنِهِ مُعَارِضًا لِدَلِيلِ الْعِلِّيَّةِ. ثُمَّ بَعْدَهُ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِنَفْسِ الْعِلَّةِ فَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمُعَارِضِ لِدَلِيلِ الْعِلِّيَّةِ وَالتَّعْدِيَةِ وَالتَّرْكِيبِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُمَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. ثُمَّ بَعْدَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ كَمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَمُخَالَفَةِ حُكْمِهِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِلْأَصْلِ فِي الضَّابِطِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ وَسُؤَالِ الْقَلْبِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ؛ لِتَضَمُّنِهِ تَسْلِيمَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّلِيلِ الْمُثْمِرِ لَهُ مِنْ تَحْقِيقِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ الْقَوَادِحِ فِيهِ، وَهَذَا آخِرُ الْأَصْلِ الْخَامِسِ.

стр. 1037

الْأَصْلُ السَّادِسُ فِي مَعْنَى الِاسْتِدْلَالِ وَأَنْوَاعِهِ أَمَّا مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: فَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ طَلَبِ الدَّلِيلِ وَالطَّرِيقِ الْمُرْشِدِ إِلَى الْمَطْلُوبِ. وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: فَإِنَّهُ يُطْلَقُ تَارَةً بِمَعْنَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّلِيلُ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا أَوْ غَيْرَهُ. وَيُطْلَقُ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَدِلَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ بَيَانُهُ هَاهُنَا، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ دَلِيلٍ لَا يَكُونُ نَصًّا وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا. فَإِنْ قِيلَ: تَعْرِيفُ الِاسْتِدْلَالِ بِسَلْبِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَنْهُ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيفِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ بِسَلْبِ حَقِيقَةِ الِاسْتِدْلَالِ عَنْهُ. قُلْنَا: إِنَّمَا كَانَ تَعْرِيفُ الِاسْتِدْلَالِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى بِسَبَبِ سَبْقِ التَّعْرِيفِ لِحَقِيقَةِ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ دُونَ تَعْرِيفِ الِاسْتِدْلَالِ كَمَا سَبَقَ، وَتَعْرِيفُ الْأَخْفَى بِالْأَظْهَرِ جَائِزٌ دُونَ الْعَكْسِ. وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الِاسْتِدْلَالِ، فَهُوَ عَلَى أَنْوَاعٍ؛ مِنْهَا قَوْلُهُمْ: وُجِدَ السَّبَبُ فَثَبَتَ الْحُكْمُ، وَوُجِدَ الْمَانِعُ وَفَاتَ الشَّرْطُ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ، فَإِنَّهُ دَلِيلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الدَّلِيلَ مَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ لُزُومُ الْمَطْلُوبِ قَطْعًا أَوْ ظَاهِرًا، وَلَا يَخْفَى لُزُومُ الْمَطْلُوبِ مِنْ ثُبُوتِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَكَانَ دَلِيلًا، وَلَيْسَ هُوَ وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا فَكَانَ اسْتِدْلَالًا. فَإِنْ قِيلَ: تَعْرِيفُ الدَّلِيلِ بِمَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِهِ الْحُكْمَ الْمَطْلُوبَ تَعْرِيفٌ لِلدَّلِيلِ بِالْمَدْلُولِ، وَالْمَدْلُولُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِدَلِيلِهِ، فَكَانَ دَوْرًا مُمْتَنِعًا. وَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِّ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِقِيَاسٍ فَإِنَّهُ إِذَا آلَ الْأَمْرُ إِلَى إِثْبَاتِ الْمُدَّعَى، كَانَ مُفْتَقِرًا إِلَى الْمُنَاسَبَةِ وَالِاعْتِبَارِ وَلَا مَعْنًى لِلْقِيَاسِ سِوَى هَذَا. قُلْنَا: أَمَّا الدَّوْرُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوِ اتَّحَدَتْ جِهَةُ التَّوَقُّفِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ لَا مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّا نَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حُكْمٌ وَإِنْ جَهِلْنَا دَلِيلَ وُجُودِهِ، وَالدَّلِيلُ إِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى لُزُومِ الْمَطْلُوبِ لَهُ مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْجِهَةُ فَلَا دَوْرَ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَحْقِيقِ

стр. 1038

كَوْنِهِ قِيَاسًا فَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ تَقْرِيرُ السَّبَبِيَّةِ وَالْمَانِعِيَّةِ وَالشَّرْطِيَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا ذَكَرُوهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لِإِمْكَانِ تَقْرِيرِهِ بِنَصٍّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ إِجْمَاعٍ. وَالثَّابِتُ بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ لَا يَكُونُ نَصًّا وَلَا إِجْمَاعًا كَمَا تَقَرَّرَ قَبْلُ، وَالِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى طَرِيقِ تَقْرِيرِهِ وَوُجُوهُ الِانْفِصَالِ عَنْهَا غَيْرُ خَافِيَةٍ. وَمِنْهَا نَفْيُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ مَدَارِكِهِ، كَقَوْلِهِمُ: الْحُكْمُ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا، وَلَا دَلِيلَ فَلَا حُكْمَ، أَمَّا أَنَّهُ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا فَبِالضَّرُورَةِ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ، فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِوَى الْبَحْثِ وَالسَّبْرِ، وَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا الْعَدَمُ، وَطَرِيقُ الِاعْتِرَاضِ بِإِبْدَاءِ مَا يَصْلُحُ دَلِيلًا مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ. وَجَوَابُهُ بِالْقَدْحِ فِي الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ بِمَا يُسَاعِدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى حَسَبِهِ وَلَا يَخْفَى. وَقَدْ تَرِدُ عَلَيْهِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ أَوْرَدْنَاهَا فِي كِتَابِ " الْمُؤَاخِذَاتِ " وَقَرَّرْنَاهَا اعْتِرَاضًا وَانْفِصَالًا، فَعَلَيْكَ بِالِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا. وَمِنْهَا الدَّلِيلُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ تَسْلِيمِهَا لَذَاتِهَا أَقْوَالٌ يَلْزَمُ مِنْ تَسْلِيمِهَا لِذَاتِهَا تَسْلِيمُ قَوْلٍ آخَرَ، وَذَلِكَ الْقَوْلُ اللَّازِمُ إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ وَلَا نَقِيضُهُ مَذْكُورًا فِيمَا لَزِمَ عَنْهُ بِالْفِعْلِ أَوْ هُوَ مَذْكُورٌ فِيهِ (١) . فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَيُسَمَّى اقْتِرَانِيًّا، وَأَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا، وَكُلُّ مُقَدِّمَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى مُفْرَدَيْنِ، الْوَاحِدُ مِنْهُمَا مُكَرَّرٌ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَيُسَمَّى " حَدًّا أَوْسَطَ " وَالْمُفْرَدَانِ الْآخَرَانِ اللَّذَانِ بِهِمَا افْتِرَاقُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ مِنْهُمَا يَكُونُ الْمَطْلُوبُ اللَّازِمَ، وَيُسَمَّى أَحَدُهُمَا وَهُوَ مَا كَانَ مَحْكُومٌ بِهِ فِي الْمَطْلُوبِ " حَدًّا أَكْبَرَ " وَمَا كَانَ مِنْهُمَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي الْمَطْلُوبِ يُسَمَّى " حَدًّا أَصْغَرَ " وَالْمُقَدِّمَةُ الَّتِي فِيهَا الْحَدُّ الْأَكْبَرُ " كُبْرَى " وَالَّتِي فِيهَا الْحَدُّ الْأَصْغَرُ " صُغْرَى ". ثُمَّ هَيْئَةُ الْحَدِّ الْأَوْسَطِ فِي نِسْبَتِهِ إِلَى الْحَدَّيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ تُسَمَّى " شَكْلًا " (٢)

стр. 1039

وَهَيْئَتُهُ فِي النِّسْبَةِ إِمَّا بِكَوْنِهِ مَحْمُولًا عَلَى الْحَدِّ الْأَصْغَرِ وَمَوْضُوعًا لِلْحَدِّ الْأَكْبَرِ وَيُسَمَّى الشَّكْلَ الْأَوَّلَ، وَإِمَّا بِكَوْنِهِ مَحْمُولًا عَلَيْهِمَا وَيُسَمَّى الشَّكْلَ الثَّانِيَ، وَإِمَّا بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لَهُمَا وَيُسَمَّى الشَّكْلَ الثَّالِثَ، وَإِمَّا بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلْأَصْغَرِ وَمَحْمُولًا عَلَى الْأَكْبَرِ وَيُسَمَّى الشَّكْلَ الرَّابِعَ. وَهُوَ بَعِيدٌ عَنِ الطِّبَاعِ وَمُسْتَغْنًى عَنْهُ بِبَاقِي الْأَشْكَالِ فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى ذِكْرِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَشْكَالِ الثَّلَاثَةِ. أَمَّا الشَّكْلُ الْأَوَّلُ مِنْهَا: فَهُوَ أَبْيَنُهَا وَمَا بَعْدَهُ فَمُتَوَقِّفٌ فِي مَعْرِفَةِ ضُرُوبِهِ (١) عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْتِجٌ لِلْمَطَالِبِ الْأَرْبَعَةِ: الْكُلِّيُّ مُوجَبًا وَسَالِبًا وَالْجُزْئِيُّ مُوجَبًا وَسَالِبًا، وَشَرْطُهُ فِي الْإِنْتَاجِ إِيجَابُ صُغْرَاهُ وَأَنْ تَكُونَ فِي حُكْمِ الْمُوجِبَةِ وَكُلْيَةُ كُبْرَاهُ. وَضُرُوبُهُ الْمُنْتَجَةُ أَرْبَعَةٌ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ مُوجَبَتَيْنِ، كَقَوْلِنَا: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، وَاللَّازِمُ كُلُّ وُضُوءٍ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ (٢) . الضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ كُلِّيَّةٍ صُغْرَى مُوجَبَةٍ وَكُلِّيَّةٍ كُبْرَى سَالِبَةٍ، كَقَوْلِنَا: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ وَلَا شَيْءَ مِنَ الْعِبَادَةِ يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَاللَّازِمُ لَا شَيْءَ مِنَ الْوُضُوءِ يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ.

стр. 1040

الضَّرْبُ الثَّالِثُ: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ (١) وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، وَاللَّازِمُ؛ بَعْضُ الْوُضُوءِ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ. الضَّرْبُ الرَّابِعُ: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْعِبَادَةِ يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ وَاللَّازِمُ بَعْضُ الْوُضُوءِ لَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ (٢) . الشَّكْلُ الثَّانِي، وَشُرُوطُهُ فِي الْإِنْتَاجِ اخْتِلَافُ مُقَدِّمَتَيْهِ فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَكُلِّيَّةِ كُبْرَاهُ (٣) . وَضُرُوبُهُ الْمُنْتَجَةُ أَرْبَعَةٌ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ؛ الصُّغْرَى مُوجِبَةٌ وَالْكُبْرَى سَالِبَةٌ، كَقَوْلِنَا: كُلُّ بَيْعٍ غَائِبٍ فَصِفَاتُ الْمَبِيعِ فِيهِ مَجْهُولَةٌ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ صِفَاتُ الْمَبِيعِ فِيهِ مَجْهُولَةٌ، وَاللَّازِمُ لَا شَيْءَ مِنْ بَيْعِ الْغَائِبِ صَحِيحٌ. الضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ كُلِّيَّةٍ صُغْرَى سَالِبَةٍ وَكُلْيَةٍ كُبْرَى مُوجِبَةٍ، كَقَوْلِنَا: لَا شَيْءَ مِنْ بَيْعِ الْغَائِبِ مَعْلُومُ الصِّفَاتِ، وَكُلُّ بَيْعٍ صَحِيحٌ فَمَعْلُومُ الصِّفَاتِ وَاللَّازِمُ كَالَّذِي قَبْلَهُ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مِنْ جُزْئِيَّةٍ صُغْرَى مُوجَبَةٍ، وَكُلْيَةٍ كُبْرَى سَالِبَةٍ، كَقَوْلِنَا: بَعْضُ بَيْعِ الْغَائِبِ مَجْهُولُ الصِّفَاتِ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَجْهُولُ الصِّفَاتِ، وَلَازِمُهُ: بَعْضُ بَيْعِ الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ. الضَّرْبُ الرَّابِعُ: مِنْ جُزْئِيَّةٍ صُغْرَى سَالِبَةٍ وَكُلْيَةٍ كُبْرَى مُوجِبَةٍ، كَقَوْلِنَا: لَيْسَ

стр. 1041

كُلُّ بَيْعٍ غَائِبٍ مَعْلُومَ الصِّفَاتِ، وَكُلُّ بَيْعٍ صَحِيحٍ مَعْلُومَ الصِّفَاتِ، وَلَازِمُهُ كَلَازِمِ الَّذِي قَبْلَهُ (١) . وَالْإِنْتَاجُ فِي هَذَا الشَّكْلِ غَيْرُ بَيِّنٍ بِنَفْسِهِ، بَلْ هُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى بَيَانٍ وَذَلِكَ بِأَنْ تَعْكِسَ (٢) الْكُبْرَى مِنَ الْأَوَّلِ وَتُبْقِيهَا كُبْرَى بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى الضَّرْبِ الثَّانِي مِنَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ نَاتِجًا عَيْنَ الْمَطْلُوبِ (٣) وَتَعْكِسُ الصُّغْرَى مِنَ الثَّانِي فَتَجْعَلُهَا كُبْرَى، ثُمَّ تَسْتَنْتِجُ وَتَعْكِسُ النَّتِيجَةَ فَيَعُودُ إِلَى عَيْنِ الْمَطْلُوبِ (٤) وَأَنْ تَعْكِسَ الْكُبْرَى مِنَ الثَّالِثِ وَتُبْقِيَهَا كُبْرَى بِحَالِهَا فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ نَاتِجًا عَيْنَ الْمَطْلُوبِ (٥) وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ مِنْهُ لَا يَتَبَيَّنُ بِالْعَكْسِ، لِأَنَّكَ إِنْ عَكَسْتَ

стр. 1042

الْكُبْرَى مِنْهُ عَادَتْ جُزْئِيَّةً، وَلَا قِيَاسَ عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ، وَالصُّغْرَى فَلَا عَكْسَ لَهَا (١) ، وَإِنْ شِئْتَ بَيَّنْتَ الْإِنْتَاجَ بِالْخُلْفِ (٢) ، وَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ نَقِيضَ النَّتِيجَةِ مِنْ كُلِّ ضَرْبٍ مِنْهُ وَتَجْعَلَهُ صُغْرَى لِلْمُقَدِّمَةِ الْكُبْرَى مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ، فَإِنَّهُ يَنْتُجُ نَقِيضُ الْمُقَدِّمَةِ الصُّغْرَى الصَّادِقَةِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَلَيْسَ لُزُومُ الْمُحَالِ عَنْ نَفْسِ الصُّورَةِ الْقِيَاسِيَّةِ لِتَحَقُّقِ شُرُوطِهَا، وَلَا عَنْ نَفْسِ الْمُقَدِّمَةِ الْكُبْرَى لِكَوْنِهَا صَادِقَةً، فَكَانَ لَازِمًا عَنْ نَقِيضِ الْمَطْلُوبِ، فَكَانَ مُحَالًا وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ عَنْهُ الْمُحَالُ، وَإِذَا كَانَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ مُحَالًا كَانَ الْمَطْلُوبُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّادِقَ (٣) .

стр. 1043

الشَّكْلُ الثَّالِثُ: وَشَرْطُ إِنْتَاجِهِ إِيجَابُ صُغْرَاهُ، أَوْ أَنْ تَكُونَ فِي حُكْمِ الْمُوجَبَةِ وَكُلِّيَّةُ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ، وَلَا يَنْتِجُ غَيْرُ الْجُزْئِيِّ الْمُوجَبِ وَالسَّالِبِ، وَضُرُوبُهُ الْمُنْتَجَةُ سِتَّةٌ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ مُوجِبَتَيْنِ، كَقَوْلِنَا: كُلُّ بُرٍّ مَطْعُومٌ، وَكُلُّ بُرٍّ رِبَوِيٌّ، وَلَازِمُهُ: بَعْضُ الْمَطْعُومِ رِبَوِيٌّ. الضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ جُزْئِيَّةٍ صُغْرَى مُوجَبَةٍ، وَكُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ كُبْرَى، كَقَوْلِنَا: بَعْضُ الْبُرِّ مَطْعُومٌ وَكُلُّ بُرٍّ رِبَوِيٌّ، وَلَازِمُهُ كَلَازِمِ مَا قَبْلَهُ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مِنْ كُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ صُغْرَى وَجُزْئِيَّةٍ مُوجَبَةٍ كُبْرَى، كَقَوْلِنَا: كُلُّ بُرٍّ مَطْعُومٌ وَبَعْضُ الْبُرِّ رِبَوِيٌّ، وَلَازِمُهُ كَلَازِمِ مَا قَبْلَهُ. الضَّرْبُ الرَّابِعُ: مِنْ كُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٍ سَالِبَةٍ كُبْرَى، كَقَوْلِنَا: كُلُّ بُرٍّ مَطْعُومٌ وَلَا شَيْءَ مِنَ الْبُرِّ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَلَازِمُهُ: لَا شَيْءَ مِنَ الْمَطْعُومِ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا. الضَّرْبُ الْخَامِسُ: مِنْ جُزْئِيَّةٍ مُوجَبَةٍ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٍ سَالِبَةٍ كُبْرَى، كَقَوْلِنَا: بَعْضُ الْبُرِّ رِبَوِيٌّ وَلَا شَيْءَ مِنَ الْبُرِّ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَلَازِمُهُ كَلَازِمِ مَا قَبْلَهُ. الضَّرْبُ السَّادِسُ: مِنْ كُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ صُغْرَى وَجُزْئِيَّةٍ سَالِبَةٍ كُبْرَى، كَقَوْلِنَا: كُلُّ بُرٍّ مَطْعُومٌ وَبَعْضُ الْبُرِّ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَلَازِمُهُ كَلَازِمِ مَا قَبْلَهُ. وَإِنْتَاجُ هَذَا الشَّكْلِ غَيْرُ بَيِّنٍ بِنَفْسِهِ دُونَ بَيَانٍ، وَهُوَ أَنْ تَعْكِسَ الصُّغْرَى مِنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَتُبْقِيَهَا صُغْرَى بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى الضَّرْبِ الثَّالِثِ مِنَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ نَاتِجًا عَيْنَ الْمَطْلُوبِ، وَتَعْكِسَ الصُّغْرَى مِنَ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ وَتُبْقِيَهَا صُغْرَى بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى الضَّرْبِ الرَّابِعِ مِنَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ نَاتِجًا عَيْنَ الْمَطْلُوبِ، وَتَعْكِسَ الْكُبْرَى مِنَ الثَّالِثِ وَتَجْعَلَهَا صُغْرَى لِلصُّغْرَى، ثُمَّ تَعْكِسَ النَّتِيجَةَ فَتَعُودَ إِلَى عَيْنِ الْمَطْلُوبِ. وَأَمَّا السَّادِسُ: مِنْهُ فَلَا يَتَبَيَّنُ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّكَ إِنْ عَكَسْتَ الصُّغْرَى عَادَتْ جُزْئِيَّةً وَلَا قِيَاسَ عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ، وَالْكُبْرَى فَلَا عَكْسَ لَهَا. وَإِنْ شِئْتَ بَيَّنْتَ بِالْخُلْفِ، وَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ نَقِيضَ النَّتِيجَةِ وَتَجْعَلَهُ كُبْرَى لِلصُّغْرَى فِي جَمِيعِ ضُرُوبِهِ، فَإِنَّهُ يَنْتِجُ نَقِيضُ الْمُقَدِّمَةِ الْكُبْرَى الصَّادِقَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ

стр. 1044

ذَلِكَ كَذِبُ النَّقِيضِ لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي الشَّكْلِ الثَّانِي، وَيَلْزَمُهُ صِدْقُ الْمَطْلُوبِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ أَوْ نَقِيضُهُ مَذْكُورًا فِيمَا لَزِمَ عَنْهُ بِالْفِعْلِ فَيُسَمَّى اسْتِثْنَائِيًّا. وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَضِيَّتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا: اسْتِثْنَائِيَّةٌ لِعَيْنِ أَحَدِ جُزْئَيِ الْقَضِيَّةِ الْأُخْرَى أَوْ نَقِيضِهِ، ثُمَّ الْقَضِيَّةُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ جُزْأَيْنِ بَيْنَهُمَا نِسْبَةٌ بِإِيجَابٍ أَوْ سَلْبٍ. وَالنِّسْبَةُ الْإِيجَابِيَّةُ بَيْنَهُمَا، إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِاللُّزُومِ وَالِاتِّصَالِ - وَفِي حَالَةِ السَّلْبِ بِرَفْعِهِ - أَوْ بِالْعِنَادِ وَالِانْفِصَالِ وَفِي حَالَةِ السَّلْبِ بِرَفْعِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ فَتُسَمَّى تِلْكَ الْقَضِيَّةُ شَرْطِيَّةً مُتَّصِلَةً، وَأَحَدُ جُزْئَيْهَا - وَهُوَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الشَّرْطِ - (مُقَدَّمًا) ، وَالثَّانِي - وَهُوَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَزَاءِ - (تَالِيًا) وَمَا هِيَ مُقَدِّمَةٌ فِيهِ يُسَمَّى قِيَاسًا شَرْطِيًّا مُتَّصِلًا. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَتُسَمَّى مُنْفَصِلَةً، وَمَا هِيَ مُقَدِّمَةٌ فِيهِ يُسَمَّى قِيَاسًا مُنْفَصِلًا. أَمَّا الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ، فَشَرْطُ إِنْتَاجِهِ أَنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ بَيْنَ الْمُقَدَّمِ وَالتَّالِي كُلِّيَّةً؛ أَيْ: دَائِمَةً، وَأَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ إِمَّا بِعَيْنِ الْمُقَدَّمِ مِنْهَا أَوْ نَقِيضِ التَّالِي؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّالِيَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنَ الْمُقَدَّمِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْهُ، وَإِلَّا كَانَتِ الْقَضِيَّةُ كَاذِبَةً، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَاسْتِثْنَاءُ عَيْنِ الْمُقَدَّمِ يَلْزَمُ مِنْهُ عَيْنُ التَّالِي سَوَاءٌ كَانَ التَّالِي أَعَمَّ مِنَ الْمُقَدَّمِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، وَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ التَّالِي يَلْزَمُ مِنْهُ نَقِيضُ الْمُقَدَّمِ. وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ الْمُقَدَّمِ وَعَيْنُ التَّالِي فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّالِي أَعَمَّ مِنَ الْمُقَدَّمِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ، وَلَا مِنْ وُجُودِ الْأَعَمِّ وُجُودُ الْأَخَصِّ. وَإِنْ لَزِمَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فَلَا يَكُونُ الْإِنْتَاجُ لَازِمًا لِنَفْسِ صُورَةِ الدَّلِيلِ بَلْ لِخُصُوصِ الْمَادَّةِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِنَا: دَائِمًا إِنْ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ إِنْسَانًا فَهُوَ حَيَوَانٌ لَكِنَّهُ إِنْسَانٌ فَيَلْزَمُهُ أَنَّهُ حَيَوَانٌ، أَوْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوَانٍ فَيَلْزَمُهُ أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا. وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ، فَالْمُنْفَصِلَةُ مِنْهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَانِعَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجُزْأَيْنِ وَالْخُلُوِّ مَعًا، أَوْ مَانِعَةَ الْجَمْعِ دُونَ الْخُلُوِّ، أَوْ مَانِعَةَ الْخُلُوِّ دُونَ الْجَمْعِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَيَلْزَمُ مِنَ اسْتِثْنَاءِ عَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجُزْأَيْنِ نَقِيضُ الْآخَرِ وَمِنِ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِهِ عَيْنُ الْآخَرِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِنَا: دَائِمًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ

стр. 1045

زَوْجًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْدًا، لَكِنَّهُ زَوْجٌ فَلَيْسَ بِفَرْدٍ، أَوْ لَكِنَّهُ فَرْدٌ لَيْسَ بِزَوْجٍ، أَوْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ فَهُوَ فَرْدٌ، أَوْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِفَرْدٍ فَهُوَ زَوْجٌ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَاسْتِثْنَاءُ عَيْنِ أَحَدِهِمَا يَلْزَمُهُ نَقِيضُ الْجُزْءِ الْآخَرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ أَحَدِهِمَا عَيْنُ الْآخَرِ وَلَا نَقِيضُهُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِنَا: دَائِمًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْجِسْمُ جَمَادًا وَإِمَّا حَيَوَانًا لَكِنَّهُ حَيَوَانٌ فَلَيْسَ بِجَمَادٍ، أَوْ لَكِنَّهُ جَمَادٌ فَلَيْسَ بِحَيَوَانٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ أَحَدِهِمَا عَيْنُ الْآخَرِ وَلَا نَقِيضُهُ. وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ؛ فَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَيْنُ الْآخَرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ عَيْنِ أَحَدِهِمَا عَيْنُ الْآخَرِ وَلَا نَقِيضُهُ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا قُلْنَا: دَائِمًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحَلَّ الْأَسْوَدَ، وَإِمَّا لَا أَبْيَضَ، فَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ أَحَدِهِمَا يَلْزَمُهُ عَيْنُ الْآخَرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ عَيْنِ أَحَدِهِمَا عَيْنُ الْآخَرِ وَلَا نَقِيضُهُ. فَهَذِهِ جُمْلَةُ ضُرُوبِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، لَخَّصْنَاهَا فِي أَوْجَزِ عِبَارَةٍ، وَمَنْ أَرَادَ الِاطِّلَاعَ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ فَعَلَيْهِ بِمُرَاجَعَةِ كُتُبِنَا الْمَخْصُوصَةِ بِهَذَا الْفَنِّ. وَلَا يَخْفَى مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ مِنْ مَنْعِ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْقَوَادِحِ فِي الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْهَا. وَمِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِدْلَالِ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

стр. 1046

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الِاسْتِدْلَالِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ إِلَى بُطْلَانِهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ جَوَّزَ بِهِ التَّرْجِيحَ لَا غَيْرَ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ كَالْمُزَنِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِصْحَابُ لِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ أَوْ عَدَمِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا تَحَقَّقَ وَجُودُهُ أَوْ عَدَمُهُ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ظَنَّ بَقَائِهِ (١) وَالظَّنُّ حُجَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ظَنَّ بَقَائِهِ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ الطَّهَارَةِ ابْتِدَاءً لَا تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ (٢) وَلَوْ شَكَّ فِي بَقَائِهَا جَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ (٣) وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ فِي كُلٍّ مُتَحَقَّقًا دَوَامُهُ (٤) لِلُزُومِ إِمَّا جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، أَوْ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ (٥)

стр. 1047

وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الرَّاجِحُ هُوَ الِاسْتِصْحَابَ، لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاجِحُ عَدَمَ الِاسْتِصْحَابِ أَوْ أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ وَعَدَمَهُ سِيَّانِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَيَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لِظَنِّ فَوَاتِ الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ مِمَّا تَجُوزُ مَعَهُ الصَّلَاةُ أَوْ لَا تَجُوزُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَيَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَيَلْزَمُهُ عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعُقَلَاءَ وَأَهْلَ الْعُرْفِ إِذَا تَحَقَّقُوا وُجُودَ شَيْءٍ أَوْ عَدَمَهُ وَلَهُ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِهِ فَإِنَّهُمْ يُسَوِّغُونَ الْقَضَاءَ وَالْحُكْمَ بِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ زَمَانِ ذَلِكَ الْوُجُودِ أَوِ الْعَدَمِ، حَتَّى إِنَّهُمْ يُجِيزُونَ مُرَاسَلَةَ مَنْ عَرَفُوا وَجُودَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَدٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَإِنْفَاذَ الْوَدَائِعِ إِلَيْهِ وَيَشْهَدُونَ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ بِالدِّينِ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ تِلْكَ الْحَالَةِ (١) . وَلَوْلَا أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ؛ لَمَا سَاغَ لَهُمْ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنَّ ظَنَّ الْبَقَاءِ أَغْلَبُ مَنْ ظَنِّ التَّغَيُّرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وُجُودِ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ وَمُقَارَنَةُ ذَلِكَ الْبَاقِي لَهُ كَانَ وَجُودًا أَوْ عَدَمًا. وَأَمَّا التَّغَيُّرُ فَمُتَوَقِّفٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ؛ وُجُودُ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَتَبَدُّلُ الْوُجُودِ بِالْعَدَمِ أَوِ الْعَدَمِ بِالْوُجُودِ، وَمُقَارَنَةُ ذَلِكَ الْوُجُودِ أَوِ الْعَدَمِ لِذَلِكَ الزَّمَانِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَحَقُّقَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرَيْنِ لَا غَيْرَ أَغْلَبُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَيْنِكَ الْأَمْرَيْنِ وَثَالِثٍ غَيْرِهِمَا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِذَا وَقَعَ الْعَرَضُ فِيمَا هُوَ بَاقٍ بِنَفْسِهِ كَالْجَوْهَرِ، فَقَدْ يُقَالُ: غَلَبَةُ الظَّنِّ بِدَوَامِهِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَانَ دَوَامُهُ أَوْلَى. وَذَلِكَ لِأَنَّ بَقَاءَهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْمُؤَثِّرِ حَالَةَ بَقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، فَإِمَّا أَنْ يَصْدُرَ عَنْ ذَلِكَ الْمُؤَثِّرِ أَثَرٌ، أَوْ لَا يَصْدُرَ عَنْهُ أَثَرٌ، فَإِنْ صَدَرَ عَنْهُ أَثَرٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ عَيْنَ مَا كَانَ أَوْ شَيْئًا مُتَجَدِّدًا، الْأَوَّلُ مُحَالٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَالثَّانِي فَعَلَى خِلَافِ الْفَرْضِ، وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ أَثَرٌ فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، وَإِذَا كَانَ مُسْتَغْنِيًا فِي بَقَائِهِ

стр. 1048

عَنِ الْمُؤَثِّرِ فَتَغَيُّرُهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِمُؤَثِّرٍ وَإِلَّا كَانَ مُنْعَدِمًا بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ وَإِلَّا لَمَا بَقِيَ، وَإِذَا كَانَ الْبَقَاءُ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إِلَى مُؤَثِّرٍ مُفْتَقِرٍ، وَتَغَيَّرَ إِلَى الْمُؤَثِّرِ فَعَدِمَ الْبَاقِي لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَانِعٍ يَمْنَعُ مِنْهُ. وَأَمَّا الْمُتَجَدِّدُ سَوَاءٌ كَانَ عَدَمًا أَوْ وَجُودًا، فَإِنَّهُ قَدْ يَنْتَفِي تَارَةً لِعَدَمِ مُقْتَضِيهِ وَتَارَةً لِمَانِعِهِ، وَمَا يَكُونُ عَدَمُهُ بِأَمْرَيْنِ يَكُونُ أَغَلَبَ مِمَّا عَدَمُهُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ. وَعَلَى هَذَا فَالْأَصْلُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ الْعَدَمُ وَبَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ إِلَّا مَا وَرَدَ الشَّارِعُ بِمُخَالَفَتِهِ، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِهِ وَنَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَامِلِينَ بِقَضِيَّةِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، كَوُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ وَصَلَاةِ سَادِسَةٍ وَنَحْوِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَحَقَّقَ وَجُودُهُ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَوْ عَدَمُهُ فَهُوَ مَظْنُونُ الْبَقَاءِ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّا نُسَلِّمُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْفَرْقِ فِي الْحُكْمِ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الصُّورَتَيْنِ، فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ وَسَلَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ الْبَقَاءَ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ لَلَزِمَ رُجْحَانُ الطَّهَارَةِ أَوِ الْمُسَاوَاةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَرُجْحَانُ الْحَدَثِ أَوِ الْمُسَاوَاةُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ. وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ رُجْحَانِ الطَّهَارَةِ فِي الصُّورَةِ الْأَوْلَى جَوَازُ الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ امْتِنَاعِ الصَّلَاةِ بَعْدَ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْمَسِّ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ وُجُودُ الطَّهَارَةِ رَاجِحًا، وَلِامْتِنَاعِ (١) الصَّلَاةِ مَعَ ظَنِّ الْحَدَثِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ قُلْتُمْ بِأَنَّ ظَنَّ الْحَدَثِ لَا يَلْحَقُ بِتَيَقُّنِ الْحَدَثِ. سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ الْبَقَاءُ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ سِوَاهُمَا الْبَقَاءَ، لَا بُدَّ لِهَذَا مِنْ دَلِيلٍ (٢) .

стр. 1049

سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالزَّمَانِ وَالْحَرَكَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا التَّقَضِّي دُونَ الْبَقَاءِ وَالِاسْتِمْرَارِ. وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ظَنِّ الْبَقَاءِ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مُجَوَّزًا مِنْهُمْ لِاحْتِمَالِ إِصَابَةِ الْغَرَضِ فِيمَا فَعَلُوهُ، وَذَلِكَ كَاسْتِحْسَانِ الرَّمْيِ إِلَى الْغَرَضِ لِقَصْدِ الْإِصَابَةِ، لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْإِصَابَةُ ظَاهِرَةً بَلْ مَرْجُوحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً. وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الثَّالِثِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ظَنَّ الْبَقَاءِ أَغْلَبُ مِنْ ظَنِّ التَّغَيُّرِ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ زِيَادَةِ تَوَقُّفِ التَّغَيُّرِ عَلَى تَبَدُّلِ الْوُجُودِ بِالْعَدَمِ أَوْ بِالْعَكْسِ مُعَارِضٌ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْبَقَاءُ مِنْ تَجَدُّدِ مِثْلِ السَّابِقِ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ أَكْثَرُ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى غَلَبَةِ الْبَقَاءِ عَلَى التَّغَيُّرِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْأَشْيَاءُ الْمُتَعَدِّدَةُ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا التَّغَيُّرُ أَغْلَبَ فِي الْوُجُودِ مِنَ الْأَعْدَادِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْبَقَاءُ (أَوْ مُسَاوِيَةً لَهَا) . وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْبَقَاءَ أَغْلَبُ مِنَ التَّغَيُّرِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ أَغْلَبَ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُهُ فِي نَفْسِهِ. سَلَّمْنَا دَلَالَةَ ذَلِكَ عَلَى الْأَغْلَبِيَّةِ لَكِنْ فِيمَا هُوَ قَابِلٌ لِلْبَقَاءِ أَوْ فِيمَا لَيْسَ قَابِلًا لَهُ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّ الْأَعْرَاضَ الَّتِي وَقَعَ النِّزَاعُ فِي بَقَائِهَا قَابِلَةٌ لِلْبَقَاءِ؟ كَيْفَ وَإِنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِمَا عُلِمَ فِي الْكَلَامِيَّاتِ (١) . وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الرَّابِعِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَاقِيَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى مُؤَثِّرٍ. وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارِضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَاقِيَ فِي حَالَةِ بَقَائِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ أَوْ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ؛ الْأَوَّلُ مُحَالٌ وَإِلَّا لِمَا تُصَوِّرُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُؤَثِّرٍ، وَإِلَّا لَانْسَدَّ عَلَيْنَا بَابُ إِثْبَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ. سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ دَوَامُهُ، لَكِنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ اسْتِمْرَارَهُ وَدَوَامَهُ، لَكَانَ حُدُوثُ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِمْرَارِ عَدَمِهَا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.

стр. 1050

الثَّانِي: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ بَيِّنَةَ الْإِثْبَاتِ تُقَدَّمَ عَلَى بَيِّنَةِ النَّفْيِ، وَلَوْ كَانَ الْأَصْلُ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ دَوَامُهُ، لَكَانَتْ بَيِّنَةُ النَّفْيِ لِاعْتِضَادِهَا بِهَذَا الْأَصْلِ أَوْلَى بِالتَّقَدُّمِ. الثَّالِثُ: أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِي عِتْقُ الْعَبْدِ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ، عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَهُ لَأَجْزَأَ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْبَقَاءُ وَالِاسْتِمْرَارُ، وَلَكِنْ مَتَى يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِذَا كَانَ مُحَصِّلًا لِأَصْلِ الظَّنِّ أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ؟ الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ وَإِلَّا كَانَتْ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ الْمُتَمَحِّضَاتِ وَالْفُسَّاقِ مَقْبُولَةً؛ لِحُصُولِ أَصْلِ الظَّنِّ بِهَا. وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَصْلِ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِنَفْسِ مَا ذَكَرْتُمْ. سَلَّمْنَا كَوْنَ ذَلِكَ مُغَلِّبًا عَلَى الظَّنِّ لَكِنْ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَوْ بَعْدَهُ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ قَدْ أَمَنَّا الدَّلِيلَ الْمُغَيِّرَ، فَكَانَ الِاسْتِصْحَابُ لِذَلِكَ مُغَلَّبًا، وَبَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَمْ نَأْمَنِ التَّغَيُّرَ وَوُرُودَ الدَّلِيلِ الْمُغَيِّرِ، فَلَا يَبْقَى مُغَلَّبًا عَلَى الظَّنِّ. وَالْجَوَابُ عَنْ مَنْعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى التَّفْرِقَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصُّورَتَيْنِ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ الْإِجْمَاعُ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ حُجَّةً عَلَى الْمُوَافِقِ دُونَ الْمُخَالِفِ (١) وَعَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ رُجْحَانِ الطَّهَارَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى صِحَّةُ الصَّلَاةِ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ ظَنِّ الطَّهَارَةِ كَالصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا النَّوْمُ فَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ مَعَهُ الصَّلَاةُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا ظَاهِرًا لِوُجُودِ الْخَارِجِ النَّاقِضِ لِلطَّهَارَةِ لِتَيَسُّرِ خُرُوجِ الْخَارِجِ مَعَهُ بِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ عَلَى مَا قَالَ ﵇: " «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ» " (٢) .

стр. 1051

وَقَالَ: " «إِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ انْطَلَقَ الْوِكَاءُ» " (١) وَإِذَا كَانَ النَّوْمُ مَظِنَّةَ الْخَارِجِ الْمُحْتَمَلِ وَجَبَ إِدَارَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الشَّارِعِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْخُرُوجِ؛ دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَالْحَرَجِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ، وَبِهِ يَقَعُ الْجَوَابُ عَنِ الْإِغْمَاءِ وَالْمَسِّ. وَيَلْزَمُ مِنْ رُجْحَانِ الْحَدَثِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ امْتِنَاعُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ زَجْرًا لَهُ عَنِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ ظَنِّ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ قَبِيحٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، وَالشَّاهِدُ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ الصُّورَةُ الْأُولَى. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْحَدَثِ الْمَظْنُونِ عِنْدَكُمْ. قُلْنَا: إِنَّمَا لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا نَقُولَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ كَالتَّقْدِيرِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا. وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِصْحَابُ وَالِاسْتِمْرَارُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ، لَكَانَ الِاسْتِمْرَارُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ عَلَى خِلَافِ حُكْمِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، إِنْ كَانَ عَدَمُ الِاسْتِمْرَارِ هُوَ الْأَغْلَبَ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ إِنْ كَانَ الِاسْتِمْرَارُ هُوَ الْأَغْلَبَ، وَإِنْ تَسَاوَى الطَّرَفَانِ فَهُوَ احْتِمَالٌ مِنْ ثَلَاثَةِ احْتِمَالَاتِ، وَوُقُوعُ احْتِمَالٍ مِنَ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ مِنِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ. وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ، أَنَّا إِنَّمَا نَدَّعِي أَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ فِيمَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ إِمَّا بِنَفْسِهِ كَالْجَوَاهِرِ أَوْ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ كَالْأَعْرَاضِ، وَعَلَيْهِ بِنَاءُ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى هَذَا فَالْأَصْلُ فِي الزَّمَانِ بَقَاؤُهُ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ. وَأَمَّا الْحَرَكَاتُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ، أَوْ لَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النِّزَاعِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالنَّقْضُ بِهِ يَكُونُ مُنْدَفِعًا.

стр. 1052

وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ لِغَرَضٍ مَوْهُومٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَا خَطَرَ فِي فِعْلِهِ وَلَا مَشَقَّةَ كَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمِثَالِ. وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ الْخَطَرَ وَالْمَشَقَّةَ فِي فِعْلِهِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ ظَاهِرٍ رَاجِحٍ عَلَى خَطَرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَمَشَقَّتِهِ عَلَى مَا تَشْهَدُ بِهِ تَصَرُّفَاتُ الْعُقَلَاءِ وَأَهْلُ الْعُرْفِ مِنْ رُكُوبِ الْبِحَارِ وَمُعَانَاةِ الْمَشَاقِّ مِنَ الْأَسْفَارِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَرْتَكِبُونَ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا مَعَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي نَظَرِهِ عُدَّ سَفِيهًا مِخَبَّطًا فِي عَقْلِهِ، وَمَا وَقَعَ بِهِ الِاسْتِشْهَادُ مِنْ تَنْفِيذِ الْوَدَائِعِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَى مَنْ بَعُدَتْ مُدَّةُ غَيْبَتِهِ وَالشَّهَادَةُ بِالدَّيْنِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ إِقْرَارَهُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَكَانَ الِاسْتِصْحَابُ فِيهِ ظَاهِرًا. وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَوَّلًا فَجَوَابُهُ بِزِيَادَةِ افْتِقَارِ التَّغَيُّرِ إِلَى تَجَدُّدِ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِلتَّغَيُّرِ، بِخِلَافِ الْبَقَاءِ لِإِمْكَانِ اتِّحَادِ عِلَّةِ الْمُتَجَدِّدَاتِ. وَمَا ذَكَرُوهُ ثَانِيًا فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَالْآخَرَ عَلَى شَيْئَيْنِ، فَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَا يَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ إِلَّا بِتَقْدِيرِ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَمَا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُهُ عَلَى أَمْرَيْنِ يَتِمُّ عَدَمُهُ بِعَدَمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِكَ الْأَمْرَيْنِ. وَيَخْفَى أَنَّ مَا يَقَعُ عَدَمُهُ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ يَكُونُ عَدَمُهُ أَغْلَبَ مِنْ عَدَمِ مَا لَا يَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ إِلَّا بِتَقْدِيرٍ وَاحِدٍ، وَمَا كَانَ عَدَمُهُ أَغْلَبَ كَانَ تَحَقُّقُهُ أَنْدَرَ، وَبِالْعَكْسِ مُقَابِلُهُ. فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا فِي الْوُقُوعِ لِعَدَمِ الْوَاحِدِ مِنَ الشَّيْئَيْنِ أَوْ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا، وَلَا تَتَحَقَّقُ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ بِتَقْدِيرِ غَلَبَةِ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ وَمُسَاوَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَغْلُوبًا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ أَغْلَبُ مِنْ وُقُوعِ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ. قُلْنَا: إِذَا نَسَبْنَا أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ إِلَى ذَلِكَ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمُهُ أَغْلَبَ مِنْ ذَلِكَ الْمَعَيَّنِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ مَغْلُوبًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَزِمَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِتَرَجُّحِهِ بِضَمِّ عَدَمِ الْوَصْفِ الْآخَرِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ

стр. 1053

مَغْلُوبًا فَنِسْبَةُ الْوَصْفِ الْآخَرِ إِلَيْهِ لَا تَخْلُو مِنَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَيَتَرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ بِتَقْدِيرَيْنِ آخَرَيْنِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا لَا يَتَرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَصْفَيْنِ مَرْجُوحًا، فَإِذَا مَا ذَكَرْنَاهُ يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرَاتٍ أَرْبَعَةٍ وَلَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ دِقَّةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَاقِلَ إِذَا عَنَّ لَهُ مَقْصُودَانِ مُتَسَاوِيَانِ، وَكَانَتِ الْمُقَدِّمَاتُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يُبَادِرُ إِلَى مَا مُقَدِّمَاتُهُ أَقَلُّ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَى إِلَى مَقْصُودِهِ وَأَغْلَبُ لَمَّا كَانَ إِقْدَامُهُ عَلَيْهِ أَغْلَبَ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْفَائِدَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ. قَوْلُهُمْ: وَإِنْ كَانَ الْبَقَاءُ أَغْلَبَ مِنَ التَّغَيُّرِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ. قُلْنَا: إِذَا كَانَ الْبَقَاءُ أَغْلَبَ مِنْ مُقَابِلِهِ فَهُوَ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْهُ وَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ؛ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُؤَاخَذٌ بِمَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَهُ. قَوْلِهِمْ: إِنَّمَا يَدُلُّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فِيمَا هُوَ قَابِلٌ لِلْبَقَاءِ. قُلْنَا: الْأَعْرَاضُ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَاقِيَةً بِأَنْفُسِهَا فَمُمْكِنَةُ الْبَقَاءِ بِطَرِيقِ التَّجَدُّدِ كَسَوَادِ الْغُرَابِ وَبَيَاضِ الثَّلْجِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ مُمْكِنُ التَّجَدُّدِ مِنَ الْأَعْرَاضِ لَا فِيمَا هُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ أَنْ يُقَالَ: مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ غَيْرُ مُحْوِجٍ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، بَلِ الْمُحْوِجُ إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ الْإِمْكَانُ الْمَشْرُوطُ بِالْحُدُوثِ أَوِ الْحُدُوثُ الْمَشْرُوطُ بِالْإِمْكَانِ. وَعَنِ الْمُعَارَضَاتِ: (١) أَمَّا الْحَوَادِثُ فَإِنَّمَا خَالَفْنَا فِيهَا الْأَصْلَ لِوُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحُدُوثِ وَنَفْيِ حُكْمِ الدَّلِيلِ مَعَ وُجُودِهِ لِمُعَارِضٍ أَوْلَى مِنْ إِخْرَاجِهِ عَنِ الدَّلَالَةِ وَإِبْطَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ مَعَ ظُهُورِ دَلَالَتِهِ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ الشَّهَادَةِ الْمُثْبِتَةِ عَلَى النَّافِيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَضِدَةً بِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فَإِنَّمَا كَانَ لِاطِّلَاعِ الْمُثْبِتِ عَلَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِمُخَالَفَةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِ النَّافِي عَلَيْهِ؛ لِإِمْكَانِ حُدُوثِهِ حَالَةَ غَيْبَةِ النَّافِي عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَعَذُّرِ صُحْبَتِهِ لَهُ وَاطِّلَاعِهِ

стр. 1054

عَلَى أَحْوَالِهِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ، وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهَا فَلِأَنَّ الذِّمَّةَ مَشْغُولَةٌ بِالْكَفَّارَةِ يَقِينًا وَلَا تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ مِنْهَا إِلَّا بِيَقِينِ وُجُودِ الْعَبْدِ، وَلَا يَقِينَ، فَمَنِ ادَّعَى وُجُودَ مِثْلِ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ. قَوْلُهُمْ: إِنَّمَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِذَا كَانَ مُفِيدًا لِغَلَبَةِ الظَّنِّ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، بَلْ أَصْلُ الظَّنَّ كَافٍ وَبِهِ يَظْهَرُ الشَّيْءُ عَلَى مُقَابِلِهِ، وَأَمَّا رَدُّ الشَّهَادَةِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهَا بَلْ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا فِي الشَّرْعِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صُورَةِ الشَّاكِّ فِي الطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مُغَلَّبٌ عَلَى الظَّنِّ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَا بَعْدَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ إِذَا لَمْ نَظْفَرْ بِدَلِيلٍ يُخَالِفُ الْأَصْلَ بَقِيَ ذَلِكَ الْأَصْلُ مُغَلَّبًا عَلَى الظَّنِّ. نَعَمْ، غَايَتُهُ أَنَّهُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ لِتَيَقُّنِ عَدَمِ الْمُعَارِضِ مِنْهُ (١) بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ لِظَنِّ عَدَمِ الْمُعَارِضِ.

стр. 1055

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَنَفَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ كَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ وَأَثْبَتَهُ آخَرُونَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَصُورَتُهُ مَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَثَلًا فِي مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ: إِذَا تَطَهَّرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَهُوَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مُتَطَهِّرٌ وَلَوْ صَلَّى فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ قَبْلَ الْخَارِجِ، وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مُتَحَقَّقٍ دَوَامُهُ لِمَا تَحَقَّقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا (١) إِلَّا أَنْ يُوجَدَ الْمُعَارِضُ النَّافِي وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَمَنِ ادَّعَاهُ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّلِيلِ. فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِثُبُوتِ الطَّهَارَةِ وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِدَلِيلٍ أَوْ لَا لِدَلِيلٍ، لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لَا لِدَلِيلٍ، فَإِنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ لِدَلِيلٍ فَإِمَّا نَصٌّ أَوْ قِيَاسٌ أَوْ إِجْمَاعٌ، فَإِنْ كَانَ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إِظْهَارِهِ، وَلَوْ ظَهَرَ لَمْ يَكُنْ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ بَلْ بِنَاءً عَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ النَّصِّ أَوِ الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا إِجْمَاعَ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ ثَابِتًا. قُلْنَا: مَتَى يَفْتَقِرُ الْحُكْمُ فِي بَقَائِهِ إِلَى دَلِيلٍ إِذَا قِيلَ بِنُزُولِهِ مَنْزِلَةَ الْجَوَاهِرِ أَوِ الْأَعْرَاضِ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ بَاقٍ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِدَلِيلٍ لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْأَعْرَاضِ؟ سَلَّمْنَا أَنَّهُ نَازِلٌ مُنْزِلَةَ الْأَعْرَاضِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ الدَّلِيلِ الْمُبَقَّى فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنَ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنُوا أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ وَهُوَ مَوْضُوعُ النِّزَاعِ. سَلَّمْنَا أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ الْبَاقِي بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ دَلِيلُ الدَّلِيلِ عَلَى الْحُكْمِ. وَذَلِكَ لِأَنَّا بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وُجُودَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِبَقَاءِ كُلِّ مَا كَانَ مُتَحَقِّقًا عَلَى حَالِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِذَلِكَ الظَّنِّ
следующие страницы →