Полный текст (1 211 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ" رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ.
وَمَنْ لَمْ يُوَافِ عَرَفَةَ إِلَّا لَيْلًا أَجْزَأَهُ الْوُقُوفُ وَلَوْ لَحْظَةً فِي بَعْضِ جَوَانِبِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ»، وَقَوْلِهِ: «وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا».
وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : ذَكَرَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْحَجَّ، وَأَنَّهُ قَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، لَا سِيَّمَا فِي حُكْمٍ عَظِيمٍ أَرْدَفَ خَلْفَهُ مَنْ يُنَادِي بِهِ فِي النَّاسِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَمَنْ وَافَاهَا نَهَارًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ إِلَى اللَّيْلِ - كَمَا سَيَأْتِي - لَكِنْ لَوْ لَمْ يَقِفْ إِلَى اللَّيْلِ إِمَّا بِأَنْ يَدْفَعَ مِنْهَا، أَوْ يَعْرِضَ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُقُوفِ مِنْ إِغْمَاءٍ أَوْ مَوْتٍ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ إِنْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ.
وَأَمَّا إِنْ وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ كَانَ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَلَيْلَتِهَا مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِهَا إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَ مَرِيضًا أَهَلَّ مِنَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَاتٍ فَلَمْ يَقِفْ حَتَّى أَصْبَحَ: فَلَا حَجَّ لَهُ، فَإِنْ أَفَاقَ وَلَوْ سَاعَةً إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ [مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَيُرْمَى عَنْهُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِذَا عَقَلَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ فَأَهَلَّ بِعَرَفَةَ سَاعَةً] قَالَ: قَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ.
стр. 1122
وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَلَوْ سَاعَةً، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابِهِ، قَالُوا: لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَنَفَرَ مِنْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ: أَسَاءَ، وَحَجُّهُ تَامٌّ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّةِ، وَأَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيَّيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَقِفْ - عِنْدَهُمْ - بَعْدَ الزَّوَالِ: فَحَجُّهُ بَاطِلٌ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ - وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الَّذِي يَشْرُدُ بِهِ بِعِيرُهُ بِعَرَفَةَ - فَقَالَ: كُلُّ مَنْ وَطِئَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ بَعْدَ أَنْ يَقِفَ النَّاسُ: فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ إِذَا أَتَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ. وَيَدْخُلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: يُجْزِئُهُ حَجُّهُ إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى انْسَلَخَ عَنْهُ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ وَلَا يَقْضِي شَيْئًا مِنَ الصَّلَاةِ.
فَقَدْ قُيِّدَ الْوُقُوفُ الْمُجْزِئُ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ وُقُوفِ النَّاسِ بِهَا، وَأَوَّلُ وَقْتِ وُقُوفِ النَّاسِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ الْمُوَرَّثَةُ عَنْهُ الْمَنْقُولَةُ نَقْلًا عَامًّا، فَلَوْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقْتَ وُقُوفٍ
стр. 1123
لَوَقَفَ فِيهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَمِرَةَ، وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعَرَّفِ، إِذِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنَ التَّأْخِيرِ.
وَلِأَنَّ مَوَاقِيتَ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ، أَوْ قَوْلِهِ.
وَإِنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا رَمَى جِمَارَ أَيَّامِ مِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَمَا صَلَّى الظُّهْرَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَالْعِبَادَةُ الْمَفْعُولَةُ قَبْلَ وَقْتِهَا لَا تَصِحُّ بِخِلَافِ الْمَفْعُولَةِ بَعْدَ وَقْتِهَا.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ: " «إِذَا كَانَ عَشِيَّةُ عَرَفَةَ بَاهَى اللَّهُ بِالْحَاجِّ» " فَمَنْ لَمْ يَقِفْ إِلَى الْعَشِيَّةِ لَمْ يُبَاهِ اللَّهُ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مِنَ الْحَاجِّ.
وَلِأَنَّ الرَّمْيَ الْمَشْرُوعَ - بَعْدَ الزَّوَالِ -: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِهِ، وَإِنْ جَازَ التَّأْخِيرُ عَنْهُ. فَالْوُقُوفُ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ: عِبَادَةٌ مَشْرُوعَةٌ عَشِيَّةَ الْيَوْمِ، فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا قَبْلَ الزَّوَالِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ: مَوَاقِيتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، فَجَازَ أَنْ يَجْعَلَهَا اللَّهُ مِيقَاتًا لِلْمَنَاسِكِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ صَدْرِ النَّهَارِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ». وَقَضَاءُ التَّفَثِ بِالصَّلَاةِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَبِأَنْ يَقِفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا، فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَأَفَاضَ إِلَى جَمْعٍ فَوَقَفَ بِهَا مَعَ الْإِمَامِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ. وَلَوْ كَانَ وَقْتُ الْإِجْزَاءِ بَعْدَ الزَّوَالِ لَقَالَ: "وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا بَعْدَ الزَّوَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا مَعْنَاهُ: بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا فَقَطْ، أَوْ نَهَارًا إِلَى اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ
стр. 1124
الْمُخَاطَبِينَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَنْ وَقَفَ نَهَارًا وَصَلَ الْوُقُوفَ إِلَى اللَّيْلِ، وَالشَّكُّ إِنَّمَا كَانَ فِيمَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا إِلَّا لَيْلًا، فَخَرَجَ كَلَامُهُ لِبَيَانِ مَا أَشْكَلَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْوُقُوفَ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ وَاجِبٌ، وَتَرْكَهُ مُوجِبٌ لِلدَّمِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ دَمًا، وَمَنْ يَكُونُ قَدْ تَرَكَ وَاجِبًا لَا يَكُونُ حَجُّهُ تَامًّا إِلَّا بِإِخْرَاجِ الدَّمِ.
قِيلَ: أَوَّلًا هَذَا السُّؤَالُ إِنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّ الْوُقُوفَ بِاللَّيْلِ رُكْنٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَحَّ حَجُّهُ، لَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبَيَّنَ ضَعْفَ هَذَا: أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْوَقْتُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ اللَّيْلُ فَقَطْ، فَكَانَ يَكْفِي أَنْ يُقَالَ: وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا قَالَ: " وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا " عُلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَقْتٌ لِلْوُقُوفِ عَلَى انْفِرَادٍ، وَحَجُّ مَنْ وَقَفَ فِي أَحَدِهِمَا تَامٌّ، وَتَفَثُهُ مَقْضِيٌّ، نَعَمْ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ آخِرَ النَّهَارِ عَلَيْهِ دَمٌ كَمَا سَيَأْتِي.
وَأَيْضًا: فَقَوْلُهُ - فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ -: «أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَفَاضَ نَهَارًا لَمْ يَقِفْ إِلَى اللَّيْلِ. . .
стр. 1125
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ -: قَوْلُهُ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ». عَلَى السَّلَامَةِ، فَإِذَا هُوَ عَمِلَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ مِنْ طَوَافٍ يَوْمَ النَّحْرِ فَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ - عَلِمْنَا - أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَطُفْ يَوْمَ النَّحْرِ أَنَّهُ يَرْجِعُ حَتَّى يَطُوفَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَتَى أَهْلَهُ، وَذَلِكَ مُشْبِهُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَهَا» ". فَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً أَفَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى كَمَالِهَا، وَمَا أَفْسَدَ آخِرَهَا أَفْسَدَ أَوَّلَهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى كَمَالِهَا. وَكَذَلِكَ الْوَاقِفُ بِعَرَفَةَ مَا لَمْ يَأْتِ بِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءِ: فَحَجُّهُ فَاسِدٌ إِذَا وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَائِمٌ عَلَيْهِ، وَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ: فَقَدِ انْتَقَضَ إِحْرَامُهُ، وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ.
(فَصْلٌ)
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ كُلِّ طَوَافٍ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَفِي غَيْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: النِّيَّةُ، وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَوْ دَارَ حَوْلَ الْبَيْتِ طَالِبًا لِرَجُلٍ، أَوْ مُتَرَوِّحًا بِالْمَشْيِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَوَافًا، كَمَا لَوْ أَمْسَكَ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الصَّوْمَ، أَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ وَلَبَّى، وَلَمْ يَقْصِدِ الْإِحْرَامَ، وَهَذَا أَصْلٌ مُسْتَقِرٌّ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودَةِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وَهَذَا لَمْ يَنْوِ الْعِبَادَةَ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا مِنَ الْحَدَثِ، فَلَوْ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا: لَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُ الطَّوَافِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، بَلْ هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ
стр. 1126
يُؤْمَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَرَامِ حَرَامٌ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْتَسِلُ وَتُحْرِمُ وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، «عَنْ أَبِي بَكْرٍ: "أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَوَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَتَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 1127
«وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى جِئْنَا سَرَفَ، فَطَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ: مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «فَاقْضِ مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي»، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَائِضُ تَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ».
وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ فِي «حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّهَا حَاضَتْ لَمَّا قَدِمَتْ مَكَّةَ مَنَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الطَّوَافِ، وَأَمَرَهَا بِالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ، وَطَافَتْ لَمَّا رَجَعَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ اعْتَمَرَتْ بَعْدَ الصَّدْرِ مِنْ مِنًى».
وَقَدْ تَقَدَّمَ - أَيْضًا - فِي «حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أَنَّهَا حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا" ثُمَّ قَالَ لَهَا: " أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْفِرِي»، وَرَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ مِنْ غَيْرِ وَدَاعٍ، وَلَوْ كَانَ لِلْحَائِضِ سَبِيلٌ إِلَى الطَّوَافِ بِجُبْرَانٍ، أَوْ غَيْرِ جُبْرَانٍ لَمْ يَحْبِسِ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِهَا، بَلْ أَمَرَهَا بِالطَّوَافِ بِجُبْرَانٍ لَوْ كَانَ جَائِزًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ جَائِزًا لَمْ يُسْقِطْ عَنْهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ، بَلْ أَمَرَهَا بِهِ وَبِجُبْرَانِهِ.
стр. 1128
وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ رَجُلٍ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا الطَّوَافُ صَلَاةٌ، فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ، فَلَا يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِخَيْرٍ» قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا.
فَقَدْ جَعَلَهُ صَلَاةً، وَمِثْلَ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي إِبَاحَةِ النُّطْقِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُسَاوِي الصَّلَاةَ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنَ الطَّهَارَتَيْنِ وَالزِّينَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، إِذْ لَوْ فَارَقَهَا فِي غَيْرِ الْكَلَامِ لَوَجَبَ اسْتِثْنَاؤُهُ، فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَ هَذِهِ الصُّورَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ، وَإِذَا دَخَلَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ، فَدُخُولُ سَائِرِ الصُّوَرِ أَوْكَدُ.
وَعَلَى هَذَا فَالْمُحْدِثُ يُمْنَعُ مِنْهُ كَمَا يُمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ.
стр. 1129
وَأَمَّا الْجُنُبُ: فَيُمْنَعُ مِنْهُ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ، وَالْجُنُبُ مَمْنُوعٌ مِنَ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمَانِعَ يَزُولُ عَنْهُ إِذَا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ. وَالْحَائِضُ تُمْنَعُ مِنْهُ لِهَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ إِلَّا إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا، وَتَوَضَّأَتْ، فَإِنَّمَا تُمْنَعُ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ عَلَى. . .، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ، تَوَضَّأَتْ أَوْ لَمْ تَتَوَضَّأْ، وَالْجُنُبُ مِثْلُهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ يُبَاحُ لَهُمَا الْمَسْجِدُ، لَكِنَّ الْحَائِضَ وَالْجُنُبَ دُخُو .... يُمْنَعَانِ مِنْهَا كَمَا يُمْنَعَانِ مِنَ الِاعْتِكَافِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: «لَا يَطُوفُ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ إِلَّا طَاهِرًا، وَالتَّطَوُّعُ أَيْسَرُ، وَلَا يَقِفُ مَشَاهِدَ الْحَجِّ إِلَّا طَاهِرًا».
(فَصْلٌ)
فَإِنْ طَافَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ بِحَالٍ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْوَاجِبِ غَيْرَ طَاهِرٍ: لَمْ يُجْزِهِ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا طَافَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَعَادَ طَوَافَهُ،
стр. 1130
وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَنْصُورٍ.
وَالثَّانِيَةُ: يُجْزِئُهُ فِي الْجُمْلَةِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ، أَوِ الصَّدَرِ، وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ قُلْتُ: إِنَّ مَالِكًا يَقُولُ: يَعُودُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، قَالَ: هَذَا شَدِيدٌ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا إِنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَهْوَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَعَادَ الطَّوَافَ.
وَفِي لَفْظٍ: إِذَا طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَهُوَ نَاسٍ لِطَهَارَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ لَهُ أَنْ يَطُوفَ وَهُوَ طَاهِرٌ. وَإِنْ وَطِئَ فَحَجُّهُ مَاضٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إِنْ كَانَ نَاسِيًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ إِذَا ذَكَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ بِهِ النِّسْيَانُ أَهْرَقَ دَمًا وَأَجْزَأَهُ.
قَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ إِذَا تَعَمَّدَ فَطَافَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ لَا يُجْزِئُهُ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي النِّسْيَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَعْذُورٌ بِالنِّسْيَانِ.
وَالْآخَرُ: لَا يُجْزِئُهُ مِثْلُ الصَّلَاةِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الطَّوَافِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا طَافَ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ أَنَّ الطَّوَافَ يُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا كَانَ نَاسِيًا، فَإِذَا وَطِئَ بَعْدَ الطَّوَافِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ.
وَالْآخَرُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَكُونَ طَاهِرًا، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ مِنْ أَيِّ
стр. 1131
مَوْضِعٍ ذَكَرَ حَتَّى يَطُوفَ، وَبِهِ أَقُولُ. وَعَلَى هَذَا إِذَا ذَكَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ وَطِئَ. . .
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فِي طَوَافِ الْمُحْدِثِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - وَقَدْ قَالَ لَهُ: مَنْ سَعَى أَوْ طَافَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ، فَقَالَ: لِي مَسْأَلَةٌ النَّاسُ فِيهَا مُخْتَلِفُونَ، وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ، وَمَا يَقُولُ عَطَاءٌ، وَمَا يَسْهُلُ فِيهِ، وَمَا يَقُولُ الْحَسَنُ، «وَأَمْرَ عَائِشَةَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ حِينَ حَاضَتْ: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» إِلَّا أَنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ، وَقَدْ بُلِيَتْ بِهِ نَزَلَ عَلَيْهَا لَيْسَ مِنْ قِبَلِهَا، قُلْتُ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَقَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ أَكْبَرُ عِلْمِي، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَوَّلًا وَآخِرًا هِيَ مَسْأَلَةٌ فِيهَا شُبَهٌ فِيهَا نَظَرٌ، دَعْنِي حَتَّى أَنْظُرَ فِيهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: وَإِنْ أَتَى بَلَدَهُ يَرْجِعُ حَتَّى يَطُوفَ، قُلْتُ: وَالنِّسْيَانُ؟ قَالَ: النِّسْيَانُ أَهْوَنُ حُكْمًا بِكَثِيرٍ. يُرِيدُ: أَهْوَنُ مِمَّنْ يَطُوفُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا.
стр. 1132
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى: اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنْ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَزِمَ انْتِظَارُهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَطُوفُ، وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ: لَمْ يَجِبِ انْتِظَارُهَا وَجَازَ لَهَا أَنْ تَنْفِرَ، وَلَمْ تُوَدِّعْ لِحَدِيثِ صَفِيَّةَ الْمُتَقَدِّمِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا مِنَ الْخَبَثِ، فَإِنْ كَانَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ، أَوْ مُلَاقِيَهَا فِي بَدَنِهِ، أَوْ ثِيَابِهِ، أَوْ مَطَافِهِ، فَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا طَافَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ طَاهِرٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطُوفَ إِلَّا فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ.
فَإِنْ فَعَلَ: ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُحْدِثِ. وَهَذَا إِذَا كَانَ مُتَعَمِّدًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ نَاسِيًا، وَقُلْنَا: تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَالطَّوَافُ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَفِي طَوَافِهِ رِوَايَتَانِ، وَيُشْتَرَطُ هَاهُنَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ. . .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: السُّتْرَةُ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا﴾ [الأعراف: ٢٦]
стр. 1133
﴿عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦] الْآيَاتِ كُلَّهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تَطْوَافًا تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ
،
فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أَحِلُّهُ.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً إِلَّا الْحُمْسَ. وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ، وَمَا وَلَدَتْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْحُمْسُ ثِيَابًا، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ".
فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَزْعَ الثِّيَابِ فِتْنَةً وَفَاحِشَةً، وَأَمَرَ بِأَخْذِ اللِّبَاسِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي
стр. 1134
رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَتُشْتَرَطُ السُّتْرَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى سَتْرُ الْمَنْكِبِ. . .، فَإِنْ طَافَ عُرْيَانٌ فَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُحْدِثِ، أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَالْأُخْرَى عَلَيْهِ دَمٌ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَطُوفَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَلَوْ نَقَصَ طَوَافًا أَوْ خَطْوَةً مِنْ طَوَافٍ لَمْ يُجْزِهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فِيمَنْ تَرَكَ طَوْفَةً مِنَ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ -: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِسَبْعٍ تَامٍّ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ: إِذَا لَمْ يُكْمِلْ سَبْعَةً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَطُفْ يَكُونُ حَرَامًا حَتَّى يَرْجِعَ فَيَقْضِيَ، حَجَّةً كَانَتْ أَوْ عُمْرَةً، فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ.
وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ عَطَاءٍ: إِذَا طَافَ أَكْثَرَ الطَّوَافِ خَمْسًا أَوْ سِتًّا، فَقَالَ: أَنَا أَقُولُ: يُعِيدُ الطَّوَافَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ بِخُرَاسَانَ؟
стр. 1135
قَالَ: يَرْجِعُ، فَإِذَا بَلَغَ التَّنْعِيمَ، أَهَلَّ، ثُمَّ طَافَ، وَيُهْدِي، مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ - فِيمَنْ وَطِئَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَوْطٌ -: فَالدَّمُ قَلِيلٌ، وَلَكِنْ يَأْتِي بِبَدَنَةٍ، وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِعَادَةَ الطَّوَافِ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: التَّرْتِيبُ، هُوَ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَإِنِ ابْتَدَأَ بِمَا قِبَلَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ: لَمْ يَضُرَّهُ الزِّيَادَةُ، وَإِنِ ابْتَدَأَ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَابِ: لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِذَلِكَ الشَّوْطِ.
الثَّانِي: وَهُوَ الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ يَبْتَدِئَ بَعْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِنَاحِيَةِ الْبَابِ، ثُمَّ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ، ثُمَّ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، فَيَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَلَوْ نَكَسَ الطَّوَافَ، فَابْتَدَأَ بِنَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ - لَمْ يُجْزِهِ.
وَإِنْ مَرَّ عَلَى الْبَابِ لَكِنِ اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ فِي طَوَافِهِ، وَمَشَى عَلَى جَنْبٍ. . .، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْوَاجِبِ مَنْكُوسًا لَمْ يُجْزِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ، وَسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنْ طَافَ كَذَلِكَ وَانْصَرَفَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، لَا يُجْزِئُهُ. . .
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالطَّوَافِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ، وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ عَنْهُ بِالْعَمَلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَفِعْلُهُ إِذَا خَرَجَ امْتِثَالًا لِأَمْرٍ، وَتَفْسِيرًا لِمُجْمَلٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمْرِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
الشَّرْطُ الثَّامِنُ: الْمُوَالَاةُ، وَهُوَ أَنْ لَا يُطِيلَ قَطْعَهُ، فَإِنْ أَطَالَ قَطْعَهُ لِمَكْتُوبَةٍ
стр. 1136
أُقِيمَتْ، أَوْ جِنَازَةٍ حَضَرَتْ، لَمْ يَقْطَعْ مُوَالَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ يُخَافُ فَوْتُهُ، فَأَشْبَهَ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ يَطُوفُ وَيَرَى جِنَازَةً -: يَقْطَعُ وَيُصَلِّي عَلَيْهَا، وَيَبْنِي، وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَيَعْيَا هَلْ يَسْتَرِيحُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، طَافَا وَاسْتَرَاحَا.
فَإِنْ أَطَالَ: فَذَكَرَ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: يَبْنِي، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَقَدْ سُئِلَ إِذَا قَطَعَ الطَّوَافَ يَبْنِي، أَوْ يَسْتَأْنِفُ، قَالَ: يَبْنِي، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي رَجُلٍ طَافَ سِتَّةَ أَشْوَاطٍ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ: يَطُوفُ شَوْطًا وَلَا يُعِيدُ، وَإِنْ طَافَ ابْتِدَاءً فَهُوَ أَحْوَطُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَأْنِفُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - فِي امْرَأَةٍ طَافَتْ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ حَاضَتْ، تُقِيمُ حَتَّى تَطُوفَ؟ قِيلَ لَهُ: تَبْنِي عَلَى طَوَافِهَا؟ قَالَ: لَا تَبْتَدِئُ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا طَافَ خَمْسًا أَوْ سِتًّا، وَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ: يُعِيدُ الطَّوَافَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَوْ طَافَتْ خَمْسًا ثُمَّ حَاضَتْ بَنَتْ، وَقِيلَ:
стр. 1137
تَبْتَدِئُ، وَهُوَ اخْتِيَارِي، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ. . .
وَقَالَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّهُ إِنْ قَطَعَهُ لِعُذْرٍ مِثْلِ سَبْقِ الْحَدَثِ، فَعَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ، وَكَذَلِكَ النِّسْيَانُ، وَإِنْ قَطَعَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَطَالَ ابْتَدَأَ، وَإِنْ لَمْ يُطِلْ بَنَى.
الشَّرْطُ التَّاسِعُ: أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ جَمِيعِهِ، فَلَا يَطُوفُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: " ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فَإِنِ اخْتَرَقَ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ أَوِ الشَّاذَرْوَانَ - لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِيمَنْ طَافَ فِي الْحِجْرِ فَاخْتَرَقَهُ - لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ، فَإِنْ كَانَ شَوْطًا وَاحِدًا أَعَادَ ذَلِكَ الشَّوْطَ، وَإِنْ كَانَ كُلَّ الطَّوَافِ أَعَادَهُ.
وَكَذَلِكَ نَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ طَافَ وَاخْتَرَقَ الْحِجْرَ: لَا يُجْزِئُهُ وَيُعِيدُ، وَنَقَلَ حَرْبٌ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَمَنْ سَلَكَ شَيْئًا مِنَ الْبَيْتِ فِي طَوَافِهِ لَمْ يَطُفْ بِهِ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا طَافَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ:
стр. 1138
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَقَدْ طَافَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ" رَوَاهُ. . . الْأَثْرَمُ.
وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: " لَوْ أَنَّ الْحِجْرَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَيْتِ لَمَا طِيفَ بِهِ".
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: " الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ".
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ عُلَمَائِنَا يَقُولُ: " إِنَّمَا حُجِّرَ الْحِجْرُ فَطَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ إِرَادَةَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ النَّاسَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ" رَوَاهُنَّ أَحْمَدُ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، «عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: " أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَإِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ - أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ - لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ»
стр. 1139
وَعَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا» وَفِي رِوَايَةٍ "يَعْنِي بَابًا".
وَعَنِ الْأَسْوَدِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهَا مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ» وَفِي رِوَايَةٍ «: " الْحِجْرَ" مَكَانَ الْجَدْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ.
وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، «عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: " يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ
стр. 1140
مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ»، فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ، قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ. قَالَ جَرِيرُ ابْنُ حَازِمٍ: فَقُلْتُ لَهُ - يَعْنِي يَزِيدَ -: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ فَقَالَ: أُرِيكَهُ الْآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَاهُنَا. قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّ أَذْرُعٍ، أَوْ نَحْوَهَا" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي - يَعْنِي عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حِينَ بَنَتِ الْكَعْبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 1141
وَعَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَقْوَى عَلَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهُ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ، وَلَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ: أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّنِي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الشَّرْطُ الْعَاشِرُ: أَنْ يَطُوفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنْ طَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ طَافَ فِيهِ جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ حَائِلٌ مِثْلُ زَمْزَمَ وَقُبَّةِ السِّقَايَةِ، أَوْ طَافَ فِي الْأَرْوِقَةِ الَّتِي فِي جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ، أَوْ طَافَ قَرِيبًا مِنْهُ، هَذَا قَوْلُ. . .، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْمُصَحِّحُ لِلطَّوَافِ: الْكَوْنُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ مَسْجِدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبَيْنَ مَا زِيدَ فِيهِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي الْعَبَّاسِ.
стр. 1142
وَقَالَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ -: يَجُوزُ الطَّوَافُ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ قُبَّةُ زَمْزَمَ وَسِقَايَتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ فِي الْمَسْجِدِ كَلَا حَائِلَ، وَإِنْ طَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَقْطَعُ حُكْمَ الْمَسْجِدِ، كَمَا لَوِ ائْتَمَّ بِالْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَبَيْنَهُمَا سُورُهُ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَانِعُ وُجُودُ الْحَائِلِ، فَلَوْ فُرِضَ زَوَالُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ صَحَّتِ الصَّلَاةُ خَارِجَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ تَبَاعَدَ عَنِ الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَمْنَعِ الْإِجْزَاءَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إِبْطَالِهَا الْبُعْدُ مَعَ مُسَامَتَتِهِ، وَمُحَاذَاتِهِ كَالصَّلَاةِ.
وَإِنْ طَافَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حَوْلَ الْبَيْتِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ جِدَارٌ آخَرُ: احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى طَائِفًا بِالْبَيْتِ، بَلْ بِالْمَسْجِدِ، أَوِ الْجِدَارِ الَّذِي هُوَ حَائِلٌ؛ وَلِأَنَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي هِيَ مَحَالُّ الطَّوَافِ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ غَيْرَ الْمَطَافِ مَطَافًا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَعَى فِي مُسَامَتَةِ الْمَسْعَى، وَتَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمْ يُجْزِهِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ بَيْتَهُ مُعَدٌّ لِلطَّائِفِينَ، وَالْعَاكِفِينَ وَالْمُصَلِّينَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي اخْتِصَا. . .
стр. 1143
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا رُكْنَ إِلَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَالطَّوَافُ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ هَلْ هُوَ رُكْنٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِرُكْنٍ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: هُمَا رُكْنَانِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّيْمِيُّ: فَرْضُ الْحَجِّ فَرْضَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَالْمَرُّوذِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَغَيْرِهِمْ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنَاهُ، وَأَبُو الْحَارِثِ، وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَزَارَ الْبَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَعْمَلْ غَيْرَ ذَلِكَ: فَحَجَّتُهُ صَحِيحَةٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ. قَالَ: وَبِهَذَا أَقُولُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
قَالَ حَرْبٌ: قِيلَ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ حَجَّ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ زَارَ الْبَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ،
стр. 1144
فَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ إِلَى مِنًى، وَلَمْ يَرْمِ الْجِمَارَ؟ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَقَالَ. . . الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ الْإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ، وَالطَّوَافُ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَحْكِي ذَلِكَ خِلَافًا، فَيَقُولُ: الْأَرْكَانُ رُكْنَانِ فِي قَوْلٍ، وَثَلَاثَةٌ فِي قَوْلٍ، وَأَرْبَعَةٌ فِي قَوْلٍ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَذْهَبَ مُخْتَلِفٌ فِي الْإِحْرَامِ كَاخْتِلَافِهِ فِي السَّعْيِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَفُرُوضُ الْحَجِّ أَرْبَعَةُ فُرُوضٍ، وَهِيَ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَرُوِيُ عَنْهُ: أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ فَرْضَانِ؛ هُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَمَا عَدَاهُمَا مَسْنُونٌ، حَتَّى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَجَّ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ، وَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَأْتِ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: عَلَيْهِ دَمُ شَاةٍ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْإِحْرَامِ اخْتِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِحْرَامَ يُعْنَى بِهِ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَصْدُ الْحَجِّ وَنِيَّتُهُ، وَهَذَا مَشْرُوطٌ فِي الْحَجِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ، فَإِنَّ الْحَجَّ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
فَعَلَى هَذَا: مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا الْقَصْدَ، وَالنِّيَّةَ رُكْنًا، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى أُصُولِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَهُ لِلشَّهْرِ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ.
стр. 1145
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ شَرْطًا لِلْحَجِّ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ مُصَنِّفِي الْخِلَافِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مِنْ أُصُولِنَا: انْعِقَادُهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَسُقُوطُ الْفَرْضِ عَنِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إِذَا عَتَقَ وَبَلَغَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ قَدِ انْعَقَدَ قَبْلَ وُجُوبِ الْحَجِّ، فَإِنَّ أَرْكَانَ الْعِبَادَةِ لَا تُفْعَلُ قَبْلَ وُجُوبِهَا، وَلَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ أَصْلٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، وَهُوَ يُشْبِهُ أَرْكَانَ الْعِبَادَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَشُرُوطَهَا مِنْ وَجْهٍ، فَإِنَّهُ رُكْنٌ مُسْتَدَامٌ إِلَى آخِرِ الْعِبَادَةِ.
الْمَعْنَى الثَّانِي لِلْإِحْرَامِ: هُوَ التَّجَرُّدُ عَنِ الْمَخِيطِ وَكَشْفُ الرَّأْسِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحْظُورَاتِ. وَهَذَا هُوَ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ. فَمَنْ فَهِمَ الْإِحْرَامَ هَذَا الْمَعْنَى، قَالَ: إِنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ رُكْنَانِ، وَمَنْ فَهِمَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ قَالَ: أَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ، وَمَنِ اعْتَقَدَ الْإِحْرَامَ شَرْطًا قَالَ: إِنَّ أَرْكَانَهُ رُكْنَانِ، فَعَلَى هَذَا قِيلَ: الْإِحْرَامُ شَرْطٌ، وَقِيلَ: هُوَ رُكْنٌ، وَقِيلَ: هُوَ وَاجِبٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
[مَسْأَلَةٌ واجبات الحج]
[مسألة الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَوَاجِبَاتُهُ: الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ هِيَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَجِبُ فِعْلُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَإِذَا تَرَكَهُ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ يَجْبُرُ بِهِ حَجَّهُ، وَيَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهِ، لَكِنْ هَلْ يَتِمُّ الْحَجُّ قَبْلَ إِخْرَاجِ الْهَدْيِ؟. . .
فَأَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَهُوَ أَنْ يُنْشِئَ النِّيَّةَ وَيَعْقِدَ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَالْوَاجِبُ هُوَ الِابْتِدَاءُ بِالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْإِحْرَامُ، وَابْتِدَاؤُهُ مِنَ الْمِيقَاتِ إِذَا عَنَى بِالْإِحْرَامِ تَرْكَ الْمَحْظُورِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ» " وَهَذَا خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، وَإِلَّا لَزِمَ مُخَالَفَتُهُ
стр. 1146
مَخْبَرَهُ. وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ خُصُوصًا فِي الْعِبَادَاتِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَيْسَ بِرُكْنٍ؛ لِأَنَّ. . .
[مَسْأَلَةٌ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا وَافَى عَرَفَةَ نَهَارًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفِيضَ مِنْهَا إِلَى اللَّيْلِ. لَكِنْ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْمُكْثَ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا لَيْلًا، مِثْلَ أَنْ يَمْكُثَ بِنُعْمَانَ أَوْ بِالْحَرَمِ أَوْ بِنَمِرَةَ؟. . .، وَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَجِدَّ فِي السَّيْرِ إِذَا خَافَ فَوْتَ النَّهَارِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ بِعَرَفَةَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِذَا اصْفَرَّتْ. . . فَسَنَّ النَّبِيُّ ﷺ الْوُقُوفَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مُخَالَفَةً لِهَدْيِهِمْ، وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي امْتِثَالِهِ لِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْحَجِّ، وَفِي تَفْسِيرِهِ لِلْحَجِّ الْمُجْمَلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
وَالْفِعْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ مَخْرَجَ الِامْتِثَالِ وَالتَّفْسِيرِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَمْرِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ: " «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُفِيضُونَ إِذَا الشَّمْسُ عَلَى الْجِبَالِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ، وَيَدْفَعُونَ مِنْ جَمْعٍ إِذَا أَشْرَقَتْ عَلَى الْجِبَالِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ، فَخَالَفَ هَدْيُنَا هَدْيَ الشِّرْكِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، وَفِي
стр. 1147
رِوَايَةٍ: " «كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَا تُعَجِّلُوا فَإِنَّا نُفِيضُ بَعْدَ غُرُوبِهَا» ".
وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَيْسَ بِرُكْنٍ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» " وَلِحَدِيثِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ بِعَرَفَاتٍ.
(فَصْلٌ)
لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفِيضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَا تَرَدُّدٍ، سَوَاءٌ فُرِضَ أَنَّ الْإِمَامَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ فَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لَا، أَمْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْسِمِ إِمَامٌ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يُفِيضَ قَبْلَ الْإِمَامِ إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْإِمَامُ السُّنَّةَ، فَيَقِفَ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي - رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: إِذَا دَفَعَ الْإِمَامُ دَفَعْتَ مَعَهُ، وَلَا تُفِضْ حَتَّى يَدْفَعَ الْإِمَامُ، فَإِنْ أَفَاضَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ الْإِمَامِ. . .، فَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ: هَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفِيضَ قَبْلَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: إِذَا أَفَاضَ الْإِمَامُ أَفَاضَ مَعَهُ، وَيُفِيضُ الْإِمَامُ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَيُفِيضُ النَّاسُ مَعَهُ، قُلْتُ: فَإِنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي، قُلْتُ: فَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَرْجِعُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَسَدَ حَجُّهُ.
стр. 1148
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ أَحَدًا سَهَّلَ فِيهِ كُلُّهُمْ يُشَدِّدُ فِيهِ، وَمَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ.
وَمِمَّنْ قَالَ: " إِذَا دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ عَلَيْهِ دَمٌ" الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّمَا الدَّمُ عَلَى مَنْ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَجَعَلَ هَؤُلَاءِ قَوْلَهُ: دَفَعَ قَبْلَ بِمَعْنَى دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَدْفَعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَحَمَلَ الْقَاضِي رِوَايَةَ الْأَثْرَمِ الصَّرِيحَةَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يُهْرِيقُ دَمًا، وَقَالَ - أَيْضًا - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ مَالِكٌ يَقُولُ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَهَذَا شَدِيدٌ، وَالَّذِي نَذْهَبُ: عَلَيْهِ دَمٌ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي الْإِفَاضَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، مِثْلَ أَنْ يَنْسَى نَفَقَتَهُ بِمَكَانٍ آخَرَ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الرَّجُلِ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ
стр. 1149
مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ ثُمَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ نَسِيَ نَفَقَتَهُ بِمِنًى؟ قَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْإِمَامَ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ نَسِيَ نَفَقَتَهُ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ ذَهَبَ، وَلَا يَرْجِعُ قَدْ وَقَفَ: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] وَهُمْ مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ يَرْجِعُ فَيَأْخُذُ نَفَقَتَهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى عَرَفَةَ، فَيَقِفُ بِهَا، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، فَهَذَا يَرْجِعُ فَيَقِفُ.
(فَصْلٌ)
وَلَوْ وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ خَرَجَ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ: فَقَدْ أَحْسَنَ. وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَى عَرَفَةَ لِيُصَلِّيَ بِهَا وَيَخْطُبَ. . .، وَإِنْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَوَقَفَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ احْتِمَالًا بِأَنَّ عَلَيْهِ دَمًا مُطْلَقًا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَعُودَ، أَوْ لَا يَعُودَ، مَعَ ذِكْرِ التَّفْرِقَةِ عَنِ الْحَسَنِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ - أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ إِذَا عَادَ مُطْلَقًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، عَنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
стр. 1150
[مَسْأَلَةٌ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ - فِي الْجُمْلَةِ وَاجِبٌ. تَارَةً يُعَبِّرُ عَنْهُ أَحْمَدُ بِالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَتَارَةً يُعَبِّرُ بِالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ: مُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ قَزَحَ فَقَدْ أَمَرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوُقُوفِ فِيمَا حَوْلَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «هَذَا الْمَوْقِفُ وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» ".
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ بِهَا، وَقَالَ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» "، وَقَالَ: " «هَذَا الْمَوْقِفُ وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» "، كَمَا قَالَ: " «هَذَا الْمَوْقِفُ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ".
فَإِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ يَقِفْ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ -: لَيْسَ أَمْرُ جَمْعٍ عِنْدِي كَعَرَفَةَ، وَلَا أَرَى النَّاسَ جَعَلُوهَا كَذَلِكَ.
وَقَالَ صَالِحٌ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِجَمْعٍ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، وَمَرَّ بِجَمْعٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ الطَّائِيِّ: " مَنْ صَلَّى مَعَنَا صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَقَدْ أَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ " قَالَ: هَذَا شَدِيدٌ، قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ أَتَى عَرَفَاتٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: هَذَا أَحْسَنُ حَالًا مِمَّنْ لَمْ يَجِئْهَا.
وَقَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلضَّعَفَةِ أَنْ يَتَعَجَّلُوا بِلَيْلٍ وَصَلَّى عُمَرُ -
стр. 1151
رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَجَعَلَ يَنْتَظِرُ الْأَعْرَابِيَّ، وَقَدْ جَاءَ الْأَعْرَابِيُّ، قُلْتُ: فَيُجْزِئُهُ إِذَا أَتَى عَرَفَةَ، ثُمَّ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا؟ قَالَ: هَذَا مُضْطَرٌّ، أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ الضَّعَفَةَ وَلَمْ يَشْهَدُوا مَعَهُ. قُلْتُ: أَلَيْسَ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِ دَمٌ. إِذَا لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ، لَكِنْ يَأْتِي جَمْعًا فَيَمُرُّ قَبْلَ الْإِمَامِ، قُلْتُ: قَبْلَ الْإِمَامِ يُجْزِئُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الضَّعَفَةَ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ عَمِّي: مَنْ لَمْ يَقِفْ غَدَاةَ الْمُزْدَلِفَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ الضَّعَفَةَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ ضَعَفَةٌ، أَوْ غِلْمَةٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَسُئِلَ عَمَّنْ لَمْ يَأْتِ جَمْعًا؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ، أَوْ كَانَ جَاهِلًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَنْزِلْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ﵁.
وَقَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؟ قَالَ: حَجُّهُ جَائِزٌ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ جَائِزٌ.
стр. 1152
وَأَحْكَامُ جَمْعٍ - مُضْطَرِبَةٌ - تَتَلَخَّصُ فِي مَسَائِلَ:
الْأُولَى: أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ ; لِمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ فَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ لِعُذْرٍ صَحَّ حَجُّهُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ إِتْيَانِهَا، أَوْ سَلَكَ إِلَى مِنًى غَيْرَ طَرِيقِهَا، فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي رَوَا ..... ، يَنْظُرُ أَلْفَاظَ الْأَحَادِيثِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : لَمَّا سَأَلُوهُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ كَيْفَ؟ فَقَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةَ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» " وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَجُّ يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْمُزْدَلِفَةِ: لَمَا قَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» "، بَلْ قَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ.
وَقَوْلُهُ: مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ: يَدُلُّ عَلَى أَمْنِ الْفَوَاتِ ; لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْعِبَادَةَ لَا تَفُوتُهُ الْبَتَّةَ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ يُفَوِّتُ الْحَجَّ، لَمْ يَكُنِ الْوَاقِفُ بِعَرَفَةَ مُدْرِكًا. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: " «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْفَجْرَ» " نَعَمْ. يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ مَا يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ، وَلَا يُبْطِلُ الْحَجَّ إِلَّا الْوَطْءُ. فَأَمَّا تَرْكُ وَاجِبٍ مُؤَقَّتٍ يَكُونُ تَرْكُهُ فَوَاتًا لِلْحَجِّ فَلَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا بِهِ يَتِمُّ الْحَجُّ قَالَ: " «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا - فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» ". فَجَعَلَ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، بِهِ يَتِمُّ الْحَجُّ، وَيُقْضَى التَّفَثُ، إِذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إِلَّا التَّحَلُّلُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمَا بَعْدَهُ، فَعُلِمَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ يُدْرِكُ الْحَجَّ، وَيُؤْمَنُ فَوَاتُهُ، فَلَوْ كَانَ بَعْدَهُ رُكْنٌ مُؤَقَّتٌ لَمْ يُدْرَكْ، وَلَمْ يُؤْمَنِ الْفَوَاتُ، وَبِالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ يَتِمُّ الْحَجُّ، وَيُقْضَى التَّفَثُ.
стр. 1153
وَأَيْضًا: مَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ إِجْمَاعِ النَّاسِ حَيْثُ قَالَ: لَيْسَ أَمْرُهُ عِنْدِي كَعَرَفَةَ، وَلَا أَرَى النَّاسَ جَعَلُوهَا كَذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ سَوَّى بَيْنَهُمَا، مَعَ مَعْرِفَتِهِ لِمَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكِ الْمَوْقِفَ بِجَمْعٍ".
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " الْحَجُّ عَرَفَاتٍ، وَالْعُمْرَةُ لَا يُجَاوَزُ بِهَا الْبَيْتُ، وَمَنْ لَمْ يَحِلَّ عِنْدَ الْبَيْتِ فَلَا عُمْرَةَ لَهُ".
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا وَالْمَبِيتُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي طَالِبٍ إِذَا تَرَكَهَا لِعُذْرٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِيمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِهَا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَوْ أَفَاضَ مِنْهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; تَخْرِيجًا مِنْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى ; لِأَنَّ الْمَبِيتَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ لِلْوُقُوفِ فِي غَدَاتِهَا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَمَا يُقْصَدُ لَهُ أَوْلَى.
وَهَذَا التَّخْرِيجُ فَاسِدٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَاطِلٌ فِي الشَّرِيعَةِ ; فَإِنَّ بَيْنَ الْوُقُوفِ
стр. 1154
بِمُزْدَلِفَةَ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى مِنَ الْمُبَايَنَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَا لَا يَجُوزُ مَعَهُ إِلْحَاقُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، إِلَّا كَإِلْحَاقِ الْوُقُوفِ بَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ بِمَقْصُودٍ قَدْ مَنَعَهُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْوَقْتَ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَوَقْتُهُ مِنْ أَوَاخِرِ اللَّيْلِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا سَيَأْتِي.
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَفُوتُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دَمٌ. هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا بَعْدَهُ ; لِقَوْلِ أَحْمَدَ: وَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَعَلَيْهِ دَمٌ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ. وَالْمَبِيتُ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ كَالْمَبِيتِ بِمِنًى، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ ذَهَبَ وَقْتُ الْمَبِيتِ، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ: لَا يَرَوْنَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عِنْدَهُمُ الْمَبِيتُ بِهَا، وَلَا يَرَوْنَ الْوُقُوفَ غَدَاةَ جَمْعٍ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، بَلْ مِنْ جِنْسِ الْوُقُوفِ بَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ، وَهَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ لِمَنْ تَدَبَّرَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَنُصُوصَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْعُلَمَاءِ قَبْلَهُ.
وَنَقَلَ عَنْهُ صَالِحٌ - فِي رَجُلٍ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِجَمْعٍ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، وَمَرَّ بِجَمْعٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ: إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ، فَغَلَبَهُ النَّوْمُ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ دَمٌ. فَأَوْجَبَ الدَّمَ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِهَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ، وَلَكِنْ يَأْتِي
стр. 1155
جَمْعًا فَيَقِفُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَيُجْزِئُهُ، فَجَعَلَ الْمُوجِبَ لِلدَّمِ عَدَمَ الْوُقُوفِ، فَإِذَا وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ لَمَّا انْتَظَرَ الْأَعْرَابِيَّ، وَإِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَقِفْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ طُلُوعِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ لَا يَفُوتُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمَنْ وَافَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَقَفَ بِهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ بِهَا وَأَفَاضَ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهَذَا الْوُقُوفُ الْمَشْرُوعُ فِي غَدَاتِهَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَبِهِ يَتِمُّ امْتِثَالُ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] الْآيَةَ. وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: "هَذَا هُوَ الْمَوْقِفُ وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ" وَهَذَا نَظِيرُ الْوُقُوفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَأَحَدُ الْمَوْقِفَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْوُجُوبِ وُجُودًا وَعَدَمًا؟ أَمْ كَيْفَ لَا يَكُونُ هَذَا الزَّمَانُ وَقْتًا لِلنُّسُكِ الْمَشْرُوعِ بِمُزْدَلِفَةَ؟
وَأَيْضًا: فَإِنَّ عُرْوَةَ بْنَ مُضَرِّسٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِمُزْدَلِفَةَ حِينَ خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» ".
وَهَذَا نَصٌّ فِي مُزْدَلِفَةَ تُدْرَكُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَمَا تُدْرَكُ قَبْلَ الْفَجْرِ ; لِأَنَّ هَذَا السَّائِلَ إِنَّمَا وَافَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ حَجِّهِ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: فَلَعَلَّهُ دَخَلَ فِيهَا قَبْلَ الْفَجْرِ. . .
стр. 1156
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَالْمَوْقِفَ بِجَمْعٍ، وَوَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَاتٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ دَمًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ إِدْرَاكَ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، بَلْ نَصَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِإِدْرَاكِ الْوُقُوفِ مَعَ النَّاسِ.
وَفِي لَفْظٍ: " مَنْ أَدْرَكَ إِفَاضَتَنَا هَذِهِ " وَالْإِفَاضَةُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَأَيْنَ يَذْهَبُ عَنِ الْبَيَانِ الْوَاضِحِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَلِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ فَمُحَالٌ أَنْ يُدْرِكَ الْمُزْدَلِفَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُدْرِكُ لِعَرَفَةَ قَدْ فَاتَتْهُ الْمُزْدَلِفَةُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ أَدْرَكَ الْحَجَّ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ قَدْ فَاتَهُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ، بَلْ أَعْظَمُ الْوَاجِبَاتِ ; وَلِذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعُونَ بَعْدَهُ: صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَمٍ، وَلَا تَفْوِيتِ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِيجَابُ النُّسُكِ بِاسْمِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَنْطِقْ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا ذَكَرَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، بَلِ الَّذِي فِي كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَهَذَا يَقْتَضِي التَّعْقِيبَ ; لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَمَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَذْكُرُ اللَّهَ إِذَا أَفَاضَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِنَصِّ الْآيَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلَّ مُفِيضٍ مِنْ عَرَفَاتٍ بِذِكْرِهِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ هَذَا الْوَاجِبِ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، لَمْ يُمْكِنْ كُلَّ مُفِيضٍ امْتِثَالُ هَذَا الْأَمْرِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ وَقْتَ التَّعْرِيفِ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَقِيبَهُ وَقْتٌ
стр. 1157
لِلْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ; لِئَلَّا يَتَدَاخَلَ وَقْتُ هَذَيْنِ النُّسُكَيْنِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ... الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَشُهُودُ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَالْوُقُوفُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ تَبَعًا لِأَنَّ الْوُقُوفَ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَبِيتِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَقْصُودُ تَبَعًا وَالتَّبَعُ مَقْصُودًا؟!
وَأَيْضًا: فَمَا رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْأَسْوَدِ: " أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ بِجَمْعٍ بَعْدَمَا أَفَاضَ مَنْ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدِمْتُ الْآنَ، فَقَالَ: أَمَا كُنْتَ وَقَفْتَ بِعَرَفَاتٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأْتِ عَرَفَةَ وَقِفْ بِهَا هُنَيْهَةً، ثُمَّ أَفِضْ. فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَأَصْبَحَ عُمَرُ بِجَمْعٍ، وَجَعَلَ يَقُولُ: أَجَاءَ الرَّجُلُ؟ فَلَمَّا قِيلَ: قَدْ جَاءَ أَفَاضَ" رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
فَهَذَا رَجُلٌ إِنَّمَا أَدْرَكَ النَّاسَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ ; لِأَنَّ مَجِيئَهُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ التَّعْرِيفِ لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ مُزْدَلِفَةَ إِنَّمَا يَصِحُّ الْمَبِيتُ وَالْوُقُوفُ بِهَا بَعْدَ عَرَفَةَ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَأْمُرْهُ عُمَرُ بِدَمٍ، بَلِ انْتَظَرَهُ لِيَقِفَ مَعَ النَّاسِ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُ الْوُجُوبِ قَدْ ذَهَبَ لَمَا كَانَ لِانْتِظَارِهِ مَعْنًى.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. وَالْعِبَادَاتُ الْمُتَعَاقِبَةُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا فِي وَقْتِ الْأُخْرَى، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.
стр. 1158
وَوَقْتُ عَرَفَةَ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ مُزْدَلِفَةَ يَنْتَهِي إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكَانَ وَقْتُ مُزْدَلِفَةَ بَعْضَ وَقْتِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ.
قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي، أَوْ قُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يُسَمَّى بَائِتًا بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَمَّا كَانَ وَاجِبًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيتَ بِهَا لَحْظَةً مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ حَتَّى يَبِيتَ بِهَا مُعْظَمَ اللَّيْلِ. نَعَمْ مَنْ أَدْرَكَهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِهَا إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ ; لِأَجْلِ أَنَّ الْوُقُوفَ الْمَطْلُوبَ هُوَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَصَارَ هَذَا مِثْلَ الْوُقُوفِ الْوَاجِبِ بِعَرَفَةَ هُوَ آخِرُ النَّهَارِ، فَإِذَا نَزَلُوا بِنَمِرَةَ أَقَامُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ لِانْتِظَارِ الْوُقُوفِ، لَا لِأَنَّ النُّزُولَ بِنَمِرَةَ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْإِنْسَانُ إِلَى وَقْتِ الْوُقُوفِ أَجْزَأَ، كَذَلِكَ هُنَا.
الْخَامِسَةُ: مَنْ وَافَاهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِهَا، بِمَعْنَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا، لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: وَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ ; مِثْلُ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالْمَرْضَى، وَمَنْ يَقُومُ بِهِمْ فَلَهُ الدَّفْعُ مِنْهَا فِي آخِرِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَالسُّنَّةُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ إِلَى أَنْ يَقِفَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ الدَّفْعُ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ الدَّفْعُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ خَرَجَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ نِصْفَ اللَّيْلِ، فَأَتَى
стр. 1159
مِنًى وَعَلَيْهِ لَيْلٌ يَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: نَعَمْ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَإِنَّهُ مَضَى مِنْ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَطَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ؟ قَالَ: لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ بِلَيْلٍ.
وَلَعَلَّ حَرْبًا سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ ; لِأَنَّ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَبَاحَ الْإِفَاضَةَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَفِي آخِرِهَا قَالَ: لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى يَغِيبَ الْقَمَرُ، وَبَيْنَهُمَا زَمَنٌ جَيِّدٌ. وَقَالَ - عَنْهُ - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؟ فَقَالَ: أَرْجُو، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي وَجْهِ السَّحَرِ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ، فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعْنِي عِنْدَهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
стр. 1160
قَالَتْ: " «قَدَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِيمَنْ قَدَّمَ مِنْ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، قَالَتْ: فَرَمَيْتُ الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ، ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّيْتُ بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مِنًى» ".
قَالُوا: وَمِنَ الْمَنْزِلِ إِلَى مَكَّةَ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَمِنْ مَوْقِفِ الْإِمَامِ بِعَرَفَةَ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَرِيدُ، اثْنَا عَشَرَ مِيلًا.
وَمَنْ يَسِيرُ إِلَى مِنًى وَيَرْمِي الْجَمْرَةَ وَيَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي الصُّبْحَ، لَا يَقْطَعُ سَبْعَةَ أَمْيَالٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَفَاضَ بِلَيْلٍ.
وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ جَمِيعِهِ، فَإِذَا بَاتَ أَكْثَرَ اللَّيْلِ بِالْمُزْدَلِفَةِ صَارَ فِي حُكْمِ مَنْ بَاتَ جَمِيعَهَا، لِمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْإِفَاضَةِ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
فَعَلَى هَذَا: الْعِبْرَةُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ الْمُنْقَضِي بِطُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ بِطُلُوعِ. . .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَجُوزُ الْإِفَاضَةُ قَبْلَ مَغِيبِ الْقَمَرِ، وَإِنَّمَا يَغِيبُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِمَنْزِلَتَيْنِ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سَاعَتَيْنِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَيْضًا -: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى الْقَمَرَ. وَأَكْثَرُ نُصُوصِهِ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّ الَّذِي فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ لِلضَّعَفَةِ أَنْ يُفِيضُوا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، وَلَمْ يُؤَقِّتْهُ، بَلْ إِنَّمَا قَدَّمَهُمْ فِي وَجْهِ السَّحَرِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: " يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقُومُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ
следующие страницы →