Полный текст (1 211 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَالْمَوْقِفَ بِجَمْعٍ، وَوَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَاتٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ دَمًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ إِدْرَاكَ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، بَلْ نَصَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِإِدْرَاكِ الْوُقُوفِ مَعَ النَّاسِ.
وَفِي لَفْظٍ: " مَنْ أَدْرَكَ إِفَاضَتَنَا هَذِهِ " وَالْإِفَاضَةُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَأَيْنَ يَذْهَبُ عَنِ الْبَيَانِ الْوَاضِحِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَلِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ فَمُحَالٌ أَنْ يُدْرِكَ الْمُزْدَلِفَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُدْرِكُ لِعَرَفَةَ قَدْ فَاتَتْهُ الْمُزْدَلِفَةُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ أَدْرَكَ الْحَجَّ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ قَدْ فَاتَهُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ، بَلْ أَعْظَمُ الْوَاجِبَاتِ ; وَلِذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعُونَ بَعْدَهُ: صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَمٍ، وَلَا تَفْوِيتِ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِيجَابُ النُّسُكِ بِاسْمِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَنْطِقْ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا ذَكَرَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، بَلِ الَّذِي فِي كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَهَذَا يَقْتَضِي التَّعْقِيبَ ; لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَمَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَذْكُرُ اللَّهَ إِذَا أَفَاضَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِنَصِّ الْآيَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلَّ مُفِيضٍ مِنْ عَرَفَاتٍ بِذِكْرِهِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ هَذَا الْوَاجِبِ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، لَمْ يُمْكِنْ كُلَّ مُفِيضٍ امْتِثَالُ هَذَا الْأَمْرِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ وَقْتَ التَّعْرِيفِ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَقِيبَهُ وَقْتٌ
стр. 1157
لِلْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ; لِئَلَّا يَتَدَاخَلَ وَقْتُ هَذَيْنِ النُّسُكَيْنِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ... الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَشُهُودُ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَالْوُقُوفُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ تَبَعًا لِأَنَّ الْوُقُوفَ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَبِيتِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَقْصُودُ تَبَعًا وَالتَّبَعُ مَقْصُودًا؟!
وَأَيْضًا: فَمَا رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْأَسْوَدِ: " أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ بِجَمْعٍ بَعْدَمَا أَفَاضَ مَنْ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدِمْتُ الْآنَ، فَقَالَ: أَمَا كُنْتَ وَقَفْتَ بِعَرَفَاتٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأْتِ عَرَفَةَ وَقِفْ بِهَا هُنَيْهَةً، ثُمَّ أَفِضْ. فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَأَصْبَحَ عُمَرُ بِجَمْعٍ، وَجَعَلَ يَقُولُ: أَجَاءَ الرَّجُلُ؟ فَلَمَّا قِيلَ: قَدْ جَاءَ أَفَاضَ" رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
فَهَذَا رَجُلٌ إِنَّمَا أَدْرَكَ النَّاسَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ ; لِأَنَّ مَجِيئَهُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ التَّعْرِيفِ لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ مُزْدَلِفَةَ إِنَّمَا يَصِحُّ الْمَبِيتُ وَالْوُقُوفُ بِهَا بَعْدَ عَرَفَةَ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَأْمُرْهُ عُمَرُ بِدَمٍ، بَلِ انْتَظَرَهُ لِيَقِفَ مَعَ النَّاسِ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُ الْوُجُوبِ قَدْ ذَهَبَ لَمَا كَانَ لِانْتِظَارِهِ مَعْنًى.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. وَالْعِبَادَاتُ الْمُتَعَاقِبَةُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا فِي وَقْتِ الْأُخْرَى، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.
стр. 1158
وَوَقْتُ عَرَفَةَ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ مُزْدَلِفَةَ يَنْتَهِي إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكَانَ وَقْتُ مُزْدَلِفَةَ بَعْضَ وَقْتِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ.
قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي، أَوْ قُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يُسَمَّى بَائِتًا بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَمَّا كَانَ وَاجِبًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيتَ بِهَا لَحْظَةً مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ حَتَّى يَبِيتَ بِهَا مُعْظَمَ اللَّيْلِ. نَعَمْ مَنْ أَدْرَكَهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِهَا إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ ; لِأَجْلِ أَنَّ الْوُقُوفَ الْمَطْلُوبَ هُوَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَصَارَ هَذَا مِثْلَ الْوُقُوفِ الْوَاجِبِ بِعَرَفَةَ هُوَ آخِرُ النَّهَارِ، فَإِذَا نَزَلُوا بِنَمِرَةَ أَقَامُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ لِانْتِظَارِ الْوُقُوفِ، لَا لِأَنَّ النُّزُولَ بِنَمِرَةَ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْإِنْسَانُ إِلَى وَقْتِ الْوُقُوفِ أَجْزَأَ، كَذَلِكَ هُنَا.
الْخَامِسَةُ: مَنْ وَافَاهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِهَا، بِمَعْنَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا، لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: وَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ ; مِثْلُ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالْمَرْضَى، وَمَنْ يَقُومُ بِهِمْ فَلَهُ الدَّفْعُ مِنْهَا فِي آخِرِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَالسُّنَّةُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ إِلَى أَنْ يَقِفَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ الدَّفْعُ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ الدَّفْعُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ خَرَجَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ نِصْفَ اللَّيْلِ، فَأَتَى
стр. 1159
مِنًى وَعَلَيْهِ لَيْلٌ يَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: نَعَمْ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَإِنَّهُ مَضَى مِنْ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَطَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ؟ قَالَ: لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ بِلَيْلٍ.
وَلَعَلَّ حَرْبًا سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ ; لِأَنَّ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَبَاحَ الْإِفَاضَةَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَفِي آخِرِهَا قَالَ: لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى يَغِيبَ الْقَمَرُ، وَبَيْنَهُمَا زَمَنٌ جَيِّدٌ. وَقَالَ - عَنْهُ - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؟ فَقَالَ: أَرْجُو، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي وَجْهِ السَّحَرِ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ، فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعْنِي عِنْدَهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
стр. 1160
قَالَتْ: " «قَدَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِيمَنْ قَدَّمَ مِنْ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، قَالَتْ: فَرَمَيْتُ الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ، ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّيْتُ بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مِنًى» ".
قَالُوا: وَمِنَ الْمَنْزِلِ إِلَى مَكَّةَ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَمِنْ مَوْقِفِ الْإِمَامِ بِعَرَفَةَ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَرِيدُ، اثْنَا عَشَرَ مِيلًا.
وَمَنْ يَسِيرُ إِلَى مِنًى وَيَرْمِي الْجَمْرَةَ وَيَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي الصُّبْحَ، لَا يَقْطَعُ سَبْعَةَ أَمْيَالٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَفَاضَ بِلَيْلٍ.
وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ جَمِيعِهِ، فَإِذَا بَاتَ أَكْثَرَ اللَّيْلِ بِالْمُزْدَلِفَةِ صَارَ فِي حُكْمِ مَنْ بَاتَ جَمِيعَهَا، لِمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْإِفَاضَةِ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
فَعَلَى هَذَا: الْعِبْرَةُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ الْمُنْقَضِي بِطُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ بِطُلُوعِ. . .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَجُوزُ الْإِفَاضَةُ قَبْلَ مَغِيبِ الْقَمَرِ، وَإِنَّمَا يَغِيبُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِمَنْزِلَتَيْنِ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سَاعَتَيْنِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَيْضًا -: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى الْقَمَرَ. وَأَكْثَرُ نُصُوصِهِ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّ الَّذِي فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ لِلضَّعَفَةِ أَنْ يُفِيضُوا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، وَلَمْ يُؤَقِّتْهُ، بَلْ إِنَّمَا قَدَّمَهُمْ فِي وَجْهِ السَّحَرِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: " يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقُومُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ
стр. 1161
بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ بِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمُوا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: " «أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَجِئْ تَوْقِيتٌ فِي حَدِيثٍ إِلَّا حَدِيثِ أَسْمَاءَ، رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ الْهِرُّ مَوْلَاهَا: " «أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً، قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنَتَاهُ مَا أَرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَهَذِهِ أَسْمَاءُ: قَدْ رَوَتِ الرُّخْصَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَتْهَا مُؤَقَّتَةً بِمَغِيبِ الْقَمَرِ إِذْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي رَوَتِ الرُّخْصَةَ وَلَيْسَ فِي الْبَابِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا. وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ لَا تَكَادُ تَبْلُغُ هَذَا الْوَقْتَ. وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ لَا يُخَالِفُهُ، فَإِنَّ سِتَّةَ أَمْيَالٍ: تُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بِكَثِيرٍ، بَلْ فِي قَرِيبٍ مِنْ سَاعَتَيْنِ، فَإِذَا قَامَتْ بَعْدَ مَغِيبِ الْقَمَرِ: أَدْرَكَتِ الْفَجْرَ بِمَكَّةَ إِدْرَاكًا حَسَنًا وَأَمَّا طَوَافُهَا: ...
стр. 1162
وَعَلَى هَذَا، فَيَكُونُ الْمَبِيتُ وَاجِبًا إِلَى أَنْ يَبْقَى سُبُعَا اللَّيْلِ إِذَا جَعَلَ آخِرَهُ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ أَقَلُّ مِنَ الثُّلُثِ، وَلَا يَصِلُونَ إِلَى جَمْعٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَمْضِيَ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَكُونُ الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ جَائِزَةً إِذَا بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الْوُقُوفِ الثُّلُثُ. وَتَقْدِيرُ الرُّخْصَةِ بِالثُّلُثِ لَهُ نَظَائِرُ فِي الشَّرْعِ، وَالتَّقْدِيرُ بِالْأَسْبَاعِ لَهُ نَظَائِرُ خُصُوصًا فِي الْمَنَاسِكِ، فَإِنَّ أَمْرَ الْأَسْبَاعِ فِيهِ غَالِبٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ مُقَدَّرًا بِالْأَسْبَاعِ.
(فَصْلٌ)
وَهَلْ يَجِبُ هَذَا الْمَبِيتُ عَلَى أَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرِّعَاءِ؟ قَالَ
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ مَنْ وَافَاهَا بَعْدَ جَوَازِ الْإِفَاضَةِ مِنْهَا ; إِمَّا بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَ مَغِيبِ الْقَمَرِ، أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ - عَلَى مَا مَضَى - أَجَزَأَهُ ذَلِكَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ نَزَلَ بِهَا، أَوْ لَمْ يَنْزِلْ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ - فِيمَنْ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَالَ: إِذَا نَزَلَ بِهَا، أَوْ مَرَّ بِهَا، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: قُلْتُ أَلَيْسَ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ عَلَيْهِ دَمٌ، لَكِنْ يَأْتِي جَمْعَ فَيَمُرُّ قَبْلَ الْإِمَامِ، قُلْتُ: قَبْلَ الْإِمَامِ يُجْزِئُهُ، قَالَ: نَعَمْ قَدْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الضَّعَفَةَ.
стр. 1163
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيَكُونُ وُقُوفُهُ الْوَاجِبُ مُكْثَهُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَحَبُّ وُقُوفُهُ عِنْدَ قَزَحَ قَبْلَ ذَلِكَ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - مَنْ لَمْ يَقِفْ غَدَاةَ الْمُزْدَلِفَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: يَأْتِي جَمْعًا فَيَقِفُ قَبْلَ الْإِمَامِ يُجْزِئُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي الْحَارِثِ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَدْفَعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: الْمُزْدَلِفَةُ عِنْدِي غَيْرُ عَرَفَةَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَفَعَ قَبْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ كَأَنَّ سُنَّةَ الْمُزْدَلِفَةِ عِنْدَكَ غَيْرُ سُنَّةِ عَرَفَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ الضَّعَفَةَ وَلَمْ يَشْهَدُوا مَعَهُ الْمَوْقِفَ بِجَمْعٍ، وَلَوْ كَانَ الْوُقُوفُ بِالْغَدَاةِ وَاجِبًا، لَمَا سَقَطَ عَنِ الظُّعُنِ وَلَا غَيْرِهِمْ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَرَمْيِ الْجِمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ حِينِ يَدْخُلُونَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ فَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا، فَجَازَ التَّعْجِيلُ مِنْهَا لِطُولِ الْمُقَامِ بِهَا رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا، بِخِلَافِ عَرَفَاتٍ فَإِنَّ الْوُقُوفَ بِهَا لَيْسَ بِطَوِيلٍ.
وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْسَ بِمَحْدُودِ الْمُبْتَدَأِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ إِلَيْهَا عَلَى قَدْرِ سَيْرِهِمْ، فَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودَ الْمُنْتَهَى، فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا كَذَلِكَ بِخِلَافِ عَرَفَاتٍ، يَدْخُلُونَهَا وَقْتَ الزَّوَالِ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَقَيَّدُوا بِالْإِمَامِ فِي مُبْتَدَأِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَتَقَيَّدُوا بِهِ فِي مُنْتَهَاهُ، وَعَرَفَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ عَرَفَاتٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَعَجَّلُونَ مِنْهَا، فَسُنَّ لَنَا مُخَالَفَتُهُمْ بِإِيجَابِ التَّأْخِيرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانُوا يَتَأَخَّرُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ إِلَى طُلُوعِ
стр. 1164
الشَّمْسِ فَسُنَّ لَنَا التَّعْجِيلُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لَهُمْ، فَجَازَ أَنْ يُوَسِّعَ وَقْتَ التَّعْجِيلِ وَأَنْ يَفِيضَ قَبْلَ الْإِمَامِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهَدْيِ الْمُشْرِكِينَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: سُنَّةُ عَرَفَةَ غَيْرُ سُنَّةِ الْمُزْدَلِفَةِ.
وَقَدْ أَجَابَ أَحْمَدُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» " بِأَنَّ مَنْطُوقَ الْحَدِيثِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَأَمَّا مَفْهُومُهُ، فَلَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا، وَيَقِفُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ الضَّعَفَةَ، وَلَمْ يُصَلُّوا مَعَهُ وَلَمْ يَقِفُوا. وَعُمَرُ ﵁: انْتَظَرَ الْأَعْرَابِيَّ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى جَاءَ وَلَمْ يُصَلِّ، وَالنَّاسُ يَرَوْنَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ عَلَيْهِ فَوْتَ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ مَنْطُوقٌ خَرَجَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ، فَإِنَّ عُرْوَةَ بْنَ مُضَرِّسٍ: كَانَ قَدْ أَدْرَكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ : الصَّلَاةَ وَالْوُقُوفَ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَ مَنْ هُوَ فِي حَالِهِ: أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ، وَمِثْلُ هَذَا قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لِأَجْلِ حَالِ السَّائِلِ. وَمِنْهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ دَخَلَ عَرَفَةَ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ.
وَفِيهِ - أَيْضًا - وُجُوبُ الْوُقُوفِ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقِفْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَيَتَوَجَّهُ وُجُوبُ الْوُقُوفِ بَعْدَ الْفَجْرِ لِغَيْرِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: " «كَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ضَخْمَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ
стр. 1165
تُفِيضَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَيْتَنِي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِلَّا مَعَ الْإِمَامِ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأُصَلِّي الصُّبْحَ بِمِنًى، فَأَرْمِي الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ اسْتَأْذَنَتْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إِنَّهَا كَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبِطَةً فَاسْتَأْذَنْتُ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنَ لَهَا» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " «اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ تَدْفَعُ قَبْلَهُ، وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً، يَقُولُ الْقَاسِمُ: وَالثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ، قَالَتْ: فَأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وَحُبِسْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، وَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأَكُونُ أَدْفَعُ بِإِذْنِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَلَوْ كَانَ الْإِذْنُ فِي الدَّفْعِ قَبْلَ الْإِمَامِ عَامًّا لِلنَّاسِ، لَمْ تَسْتَأْذِنْهُ عَائِشَةُ لِسَوْدَةَ، وَلَوْ فَهِمَتْ - وَهِيَ السَّائِلَةُ لَهُ - أَنَّ إِذْنَهُ لِسَوْدَةَ إِذْنٌ لِكُلِّ النَّاسِ لَمْ تَتَأَسَّفْ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَسْتَأْذِنْهُ لِنَفْسِهَا، وَهِيَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَأَلَتْهُ وَمَا أَجَابَهَا، وَإِنَّمَا كَانَتِ الرُّخْصَةُ مَقْصُورَةً عَلَى ذِي الْعُذْرِ، فَخَشِيَتْ عَائِشَةُ أَنْ لَا تَكُونَ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أُولِي الْأَعْذَارِ، فَبَنَتْ عَلَى الْأَصْلِ.
وَأَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: " أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي لَفْظٍ:
стр. 1166
" «لِضَعَفَةِ النَّاسِ» " وَقَوْلُ أَسْمَاءَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» " كُلٌّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِذْنَ خَاصٌّ بِالظُّعُنِ، وَأَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمُسْتَقِرَّ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِفَاضَةُ أَحَدٍ حَتَّى يَفِيضَ الْإِمَامُ، حَتَّى رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِي الضُّعَفَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِذْنِ لِلضَّعَفَةِ الْإِذْنُ لِغَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ تَخْصِيصَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ لَهُمْ بِالذِّكْرِ وَالْإِذْنِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ دَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ فِي جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " لَا سِيَّمَا وَفِعْلُهُ ﷺ خَرَجَ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَالْفِعْلُ إِذَا خَرَجَ امْتِثَالًا لِأَمْرٍ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: فَالذِّكْرُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ; لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ لِلْوُجُوبِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ، وَهُنَاكَ ذِكْرٌ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ صَلَاةُ الْفَجْرِ بِمُزْدَلِفَةَ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الذِّكْرَ لَا يَجِبُ إِلَى دَلِيلٍ.
[مَسْأَلَةٌ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَالسَّعْيُ).
يَعْنِي بِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ ; فَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ رُكْنٌ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ إِلَّا بِهِ ; قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِيمَنِ انْصَرَفَ، وَلَمْ يَسْعَ: يَرْجِعُ فَيَسْعَى وَإِلَّا فَلَا حَجَّ لَهُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - إِذَا بَدَأَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
стр. 1167
يَرْجِعُ قَبْلَ الْبَيْتِ لَا يُجْزِئُهُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - فِي مُعْتَمِرٍ طَافَ فَوَاقَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْعَى: فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ مَكَانَهَا، وَلَوْ طَافَ وَسَعَى ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، إِنَّمَا الْعُمْرَةُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، وَالْحِلَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: فِيمَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ -: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَطَوُّعٌ، وَالْحَاجُّ وَالْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ عِنْدَ عَطَاءٍ وَاحِدٌ إِذَا طَافُوا وَلَمْ يَسْعَوْا.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - فِيمَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ ... وَغَيْرِهِ، هَذَا وَاجِبٌ يُجْبِرُهُ دَمٌ، هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي كِتَابِهِ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَطَوُّعٌ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]
стр. 1168
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَأَخْبَرَ أَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا مَشْرُوعٌ مَسْنُونٌ، دُونَ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ لَوْ أَرَادَ زِيَادَةً لَأَمَرَ بِالطَّوَافِ بِهِمَا كَمَا قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وَرَفْعُ الْجَنَاحِ وَإِنْ كَانَ لِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَهُمْ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا - كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ -: فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَقْتَضِي إِبَاحَةَ الطَّوَافِ بِهِمَا. وَكَوْنُهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ ذَلِكَ. فَعُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ النَّدْبِ إِلَى الطَّوَافِ بِهِمَا، وَإِمَاطَةِ الشُّبْهَةِ الْعَارِضَةِ. فَأَمَّا زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ: فَلَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] وَإِذَا نَدَبَ اللَّهُ إِلَى أَمْرٍ وَحَسَّنَهُ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْغِيبِ فِي التَّطَوُّعِ، كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ فَاتِحَةِ الْآيَةِ وَخَاتِمَتِهَا نِسْبَةٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا).
وَعَنْ عَطَاءٍ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَوْ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، (أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) رَوَاهُمَا أَحْمَدُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
стр. 1169
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَتِ الْأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: " سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: كُنَّا نَرَى مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فَذَكَرَ إِلَى " بِهِمَا ".
فَهَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَدْ عَلِمَ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ: " إِنَّهُ تَطَوُّعٌ " فَعُلِمَ أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ النَّدْبِ وَالتَّرْغِيبِ فِي التَّطَوُّعِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ - فِي الْجُمْلَةِ - وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ
стр. 1170
أَصْحَابِنَا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: هُمَا ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ نُسُكٍ وَاجِبٍ بِهِمَا كَسَائِرِ الشَّعَائِرِ مِنْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالْبَيْتِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمْكِنَةَ جَعَلَهَا اللَّهُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُهُ، وَيُتَعَبَّدُ فِيهَا لَهُ، وَيُنْسَكُ حَتَّى صَارَتْ أَعْلَامًا، وَفَرَضَ عَلَى الْخَلْقِ قَصْدَهَا، وَإِتْيَانَهَا. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَكَانُ شَعِيرَةً لِلَّهِ وَعَلَمًا لَهُ، وَيَكُونَ الْخَلْقُ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ قَصْدِهِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ مُخَالِفٌ لِتَعْظِيمِهِ، وَتَعْظِيمُ الشَّعَائِرِ وَاجِبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وَالتَّقْوَى وَاجِبَةٌ عَلَى الْخَلْقِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا، وَوَصَّى بِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَذَمَّ مَنْ لَا يَتَّقِي اللَّهَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنْ تَقْوَاهُ تَوَعَّدَهُ، وَإِذَا كَانَ الطَّوَافُ بِهِمَا تَعْظِيمًا لَهُمَا، وَتَعْظِيمُهُمَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، وَالتَّقْوَى وَاجِبَةٌ، كَانَ الطَّوَافُ بِهِمَا وَاجِبًا، وَفِي تَرْكِ الْوُقُوفِ بِهِمَا تَرْكٌ لِتَعْظِيمِهِمَا، كَانَ تَرْكُ الْحَجِّ بِالْكُلِّيَّةِ تَرْكٌ لِتَعْظِيمِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي شَرَّفَهَا اللَّهُ، وَتَرْكُ تَعْظِيمِهَا مِنْ فُجُورِ الْقُلُوبِ بِمَفْهُومِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَنَفْسٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ إِبَاحَةِ الْوُقُوفِ، بِحَيْثُ يَسْتَوِي وَجُودُهُ وَعَدَمُهُ، لِأَنَّهُمَا
стр. 1171
جَعَلَهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وَالْحُكْمُ إِذَا تَعَقَّبَ الْوَصْفَ بِحَرْفِ الْفَاءِ، عُلِمَ أَنَّهُ عِلَّةٌ، فَيَكُونُ كَوْنُهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ مُوجِبًا لِرَفْعِ الْحَرَجِ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْغِيبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨] الْآيَةَ. نَعَمْ هَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا يُتَوَهَّمُ حَظْرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةَ، فَإِنَّ الْمُحَرِّمَ لِلْمَيْتَةِ مَوْجُودٌ حَالَ الِاضْطِرَارِ، وَالْمُوجِبَ لِلصَّلَاةِ مَوْجُودٌ حَالَ السَّفَرِ، كَذَلِكَ هُنَا كَانَتْ هَاتَانِ الشَّعِيرَتَانِ، قَدِ انْعَقَدَ لَهُمَا سَبَبٌ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ، خِيفَ أَنْ يُحَرَّمَ التَّطَوُّفُ بِهِمَا لِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الطَّوَافَ بِهِمَا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ «عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: " أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨])، فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ: لَا جُنَاحَ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ
стр. 1172
أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] الْآيَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ أَخْبَرَتْ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ - إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ - كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذُكِرَ طَوَافٌ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يُذْكَرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] الْآيَةَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا ; فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ
стр. 1173
الصَّفَا، حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَمَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ - وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ - أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَمَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلَّا لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ: كَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قَدِيدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «إِنَّمَا أُنْزِلَ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا، أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ".»
стр. 1174
وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «إِنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ: مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ».
وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ، نَصَبَ بَيْنَ الصَّفَا صَنَمًا يُقَالُ لَهُ: نَهِيكٌ مُجَاوِدُ الرِّيحِ، وَنَصَبَ عَلَى الْمَرْوَةِ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ: مُطْعِمُ الطَّيْرِ، وَنَصَبَ مَنَاةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي قَدِيدًا، وَهِيَ الَّتِي كَانَتِ الْأَزْدُ وَغَسَّانُ يَحُجُّونَهُمَا، وَيُعَظِّمُونَهُمَا فَإِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ، وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى لَمْ يَحْلِقُوا إِلَّا عِنْدَ مَنَاةَ، وَكَانُوا يُهِلُّونَ لَهَا، وَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِمَكَانِ الصَّنَمَيْنِ الَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا: نَهِيكٌ مُجَاوِدُ الرِّيحِ، وَمُطْعِمُ الطَّيْرِ، فَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، قَالَ: وَكَانَتْ مَنَاةُ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَغَسَّانُ مِنَ الْأَزْدِ وَمَنْ كَانَ بِدِينِهَا مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَتْ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشَلَّلِ بِقَدِيدٍ، وَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ
стр. 1175
السَّائِبِ، قَالَ: كَانَتْ صَخْرَةٌ لِهُذَيْلٍ، وَكَانَتْ بِقَدِيدٍ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ: أَنَّ الْآيَةَ قُصِدَ بِهَا رَفْعُ مَا تَوَهَّمَ النَّاسُ أَنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْجَارِ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَهَا.
أَمَّا الْأَنْصَارُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: فَكَانُوا يَتْرُكُونَ الطَّوَافَ بِهِمَا لِأَجْلِ الصَّنَمِ الَّذِي كَانُوا يُهِلُّونَ لَهُ، وَيَحِلُّونَ عِنْدَهُ مُضَاهَاةً بِالصَّنَمَيْنِ الَّذَيْنِ كَانَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلِكَوْنِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ - غَيْرَ الْأَنْصَارِ - كَانُوا يُعَظِّمُونَهُمَا، وَلَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَهَذَا السَّبَبُ يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُمَا وَتَشْرِيفَهُمَا مُخَالَفَةً لِلْمُشْرِكِينَ، وَتَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ اللَّهِ. فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وَأَوْجَبَ حَجَّهَا عَلَى الْبَيْتِ، فَإِذَا كَانَتِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ مِمَّا أَعْرَضَ عَنْهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، كَانَ الْأَظْهَرُ إِيجَابَ الْعِبَادَةِ عِنْدَهُ كَمَا وَجَبَتِ الْعِبَادَةُ عِنْدَ الْبَيْتِ، وَلِذَلِكَ سَنَّ النَّبِيُّ ﷺ مُخَالَفَةَ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَأَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَصَارَتِ الْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَاجِبَةً، وَوَقَفَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَصَارَ الْوُقُوفُ بِهَا وَاجِبًا. فَقَدْ رَأَيْنَا كُلَّ مَكَانٍ مِنَ الشَّعَائِرِ أَعْرَضَ الْمُشْرِكُونَ عَنِ النُّسُكِ فِيهِ، أَوْجَبَ اللَّهُ النُّسُكَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَإِنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْأَصْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الطَّاعَةِ وَهُوَ الِاسْتِجَابَةُ وَالِانْقِيَادُ، يُقَالُ: طَوَّعْتُ الشَّيْءَ فَتَطَوَّعَ أَيْ سَهَّلْتُهُ
стр. 1176
فَتَسَهَّلَ كَمَا قَالَ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣٠]، وَتَطَوَّعْتُ الْخَيْرَ إِذَا فَعَلْتُهُ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ وَكَرَاهِيَةٍ.
وَلَمَّا كَانَتْ مَنَاسِكُ الْحَجِّ عِبَادَةً مَحْضَةً، وَانْقِيَادًا صِرْفًا، وَذُلًّا لِلنُّفُوسِ، وَخُرُوجًا عَنِ الْعِزِّ، وَالْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ، وَلَيْسَ فِيهَا حَظٌّ لِلنُّفُوسِ، فَرُبَّمَا قَبَّحَهَا الشَّيْطَانُ فِي عَيْنِ الْإِنْسَانِ، وَنَهَاهُ عَنْهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: هُوَ طَرِيقُ الْحَجِّ، وَقَالَ بَعْدَ أَنْ فَرَضَ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] لِعِلْمِهِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَدْ يَكْفُرُ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ، فَلَا يَرَى حَجَّهُ بِرًّا، وَلَا تَرْكَهُ إِثْمًا ثُمَّ الطَّوَافُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ خُصُوصًا فَإِنَّهُ مَطَافٌ بَعِيدٌ وَفِيهِ عَدْوٌ شَدِيدٌ وَهُوَ غَيْرُ مَأْلُوفٍ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَرُبَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ أَشَدَّ تَنْفِيرًا عَنْهُمَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَاسْتَجَابَ لِلَّهِ وَانْقَادَ لَهُ، وَفَعَلَ هَذِهِ الْعِبَادَةَ طَوْعًا، لَا كُرْهًا، عِبَادَةً لِلَّهِ، وَطَاعَةً لَهُ وَلِرَسُولِهِ. وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي التَّرْغِيبِ فِيهِمَا أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّاعَةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، وَتَطَوُّعَ الْخَيْرِ خِلَافٌ تَكْرَهُهُ. فَكُلٌّ فَاعِلِ خَيْرٍ طَاعَةً لِلَّهِ طَوْعًا لَا كَرْهًا، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ خَيْرًا، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا، أَوْ مُسْتَحَبًّا، نَعَمْ مَيَّزَ الْوَاجِبَ بِأَخَصِّ اسْمَيْهِ، فَقِيلَ: فَرْضٌ، أَوْ وَاجِبٌ وَبَقِيَ الِاسْمُ الْعَامُّ فِي الْعُرْفِ غَالِبًا عَلَى أَدْنَى الْقِسْمَيْنِ، كَلُغَةِ الدَّابَّةِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِمَا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : طَافَ فِي عُمْرَتِهِ، وَفِي حَجَّتِهِ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ: " «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» "، وَالطَّوَافُ بَيْنَهُمَا مِنْ
стр. 1177
أَكْبَرِ الْمَنَاسِكِ، وَأَكْثَرِهَا عَمَلًا، وَخَرَجَ ذَلِكَ مِنْهُ مَخْرَجَ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ بِالْحَجِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَمَخْرَجَ التَّفْسِيرِ وَالْبَيَانِ لِمَعْنَى هَذَا الْأَمْرِ، فَكَانَ فِعْلُهُ هَذَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا هَيْئَاتٌ فِي الْمَنَاسِكِ وَتَتِمَّاتٌ، وَأَمَّا جِنْسٌ تَامٌّ مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَمَشْعَرٌ مِنَ الْمَشَاعِرِ يُقْتَطَعُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَصْلًا، وَبِهَذَا احْتَجَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: " «سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: " «وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» ".
وَأَيْضًا: فَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءِ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيَهْدِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ لِلْإِيجَابِ لَا سِيَّمَا فِي الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ، وَفِي ضِمْنِهِ أَشْيَاءٌ كُلُّهَا وَاجِبٌ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا
стр. 1178
طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ بِالْحِلِّ بَعْدَ الطَّوَافَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: " «أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا، فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَهْلَلْتُ» "، وَفِي لَفْظٍ: " «فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. . .
ثُمَّ مَنْ قَالَ: هُوَ وَاجِبٌ يَجِبُ بِتَرْكِهِمَا هَدْيٌ، قَالَ: قَدْ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى وُجُوبِهِمَا لَكِنْ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الرُّكْنِ، لِأَنَّ الْمَنَاسِكَ ; إِمَّا وُقُوفٌ، أَوْ طَوَافٌ، وَالرُّكْنُ مِنْ جِنْسِ الْوُقُوفِ نَوْعٌ وَاحِدٌ، فَكَذَلِكَ الرُّكْنُ مِنْ جِنْسِ الطَّوَافِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ طَوَافًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَكَرَّرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ.
وَلِأَنَّ الرُّكْنَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِإِحْرَامٍ، فَإِنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ مَاتَ فُعِلَ عَنْهُ سَائِرُ الْحَجِّ، وَتَمَّ حَجُّهُ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ رَجَعَ إِلَيْهَا مُحْرِمًا لِلطَّوَافِ فَقَطْ. وَالسَّعْيُ لَا يُقْصَدُ بِإِحْرَامٍ، فَهُوَ كَالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَلِأَنَّ نِسْبَةَ الطَّوَافِ بِهِمَا إِلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، كَنِسْبَةِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى وُقُوفِ عَرَفَةَ، لِأَنَّهُ وُقُوفٌ بَعْدَ وُقُوفٍ، وَطَوَافٌ بَعْدَ طَوَافٍ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يَصِحُّ إِلَّا تَبَعًا لِلْأَوَّلِ ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّوَافُ بِهِمَا إِلَّا بَعْدَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَّا إِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] الْآيَةَ، فَإِذَا كَانَ الْوُقُوفُ الْمَشْرُوعُ بَعْدَ عَرَفَةَ لَيْسَ بِرُكْنٍ، فَالطَّوَافُ الْمَشْرُوعُ بَعْدَ طَوَافِ الْبَيْتِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ رُكْنًا ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ
стр. 1179
أَظْهَرُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا لَا يُفْعَلُ إِلَّا تَبَعًا لِغَيْرِهِ، يَكُونُ نَاقِصًا عَنْ دَرَجَةِ ذَلِكَ الْمَتْبُوعِ، وَالنَّاقِصُ عَنِ الرُّكْنِ هُوَ الْوَاجِبُ ; وَلِهَذَا كُلُّ مَا يُفْعَلُ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ تَبَعًا لَهُ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَطَرْدُ ذَلِكَ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ بَعْضَهَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ بَعْضٍ ; فَإِنَّ الْقِيَامَ يُشْرَعُ وَحْدَهُ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ، وَالرُّكُوعُ ابْتِدَاءٌ فِي صَلَاةِ الْمَسْبُوقِ، وَالسُّجُودُ عِنْدَ التِّلَاوَةِ وَالسَّهْوِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَتَى بِمَا بَعْدَهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهَا تَبَعًا لِبَعْضٍ، وَهُنَا إِذَا فَاتَهُ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَجُزْ فِعْلُ مَا بَعْدَهُ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رُكْنًا لَشُرِعَ مِنْ جِنْسِهِ مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ كَالْوُقُوفِ مِنْ جِنْسِهِ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَتَوَقَّتَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ، وَالسَّعْيُ لَا يَتَوَقَّتُ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ رُكْنٌ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ أَخْبَرَتْنِي حَبِيبَةُ بِنْتُ أَبِي تَجْرَاةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ قَالَتْ: " «نَظَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى وَإِنَّ مِيزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ، حَتَّى أَقُولَ إِنِّي لَأَرَى رُكْبَتَيْهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَهُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ وَهُوَ يَقُولُ: اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ،
стр. 1180
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ أَخْبَرَتْهَا «أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - يَقُولُ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيُ فَاسْعَوْا» ".
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أَمَرَ بِهِ كَمَا أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فِي قَرْنٍ وَاحِدٍ، وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا ثَبَتَ وَجُوبُهَ: تَعَيَّنَ فِعْلُهُ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، يُفْعَلُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَكَانَ رُكْنًا كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَكَرُّرَهُ فِي النُّسُكَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّتِهِ.
وَاخْتِصَاصُهُ بِمَكَانٍ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قَصْدِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَقَدْ قِيلَ: نُسُكٌ يَتَكَرَّرُ فِي النُّسُكَيْنِ، فَلَمْ يَنُبْ عَنْهُ الدَّمُ كَالطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا، لَكِنْ مَا يُفْعَلُ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رُكْنًا لَفَاتَ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِ، وَالْحَاجُّ إِذَا أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَالسَّعْيُ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ عَلَى قِسْمَيْنِ ; مُؤَقَّتٌ وَغَيْرُ مُؤَقَّتٍ، فَالْمُؤَقَّتُ إِمَّا أَنْ يَفُوتَ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، أَوْ يُجْبَرَ بِدَمٍ، لِكَوْنِ وَقْتِهِ إِذَا مَضَى لَمْ يُمْكِنْ فِعْلُهُ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَقَّتِ: إِذَا كَانَ وَاجِبًا فَلَا مَعْنَى لِنِيَابَةِ الدَّمِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ: لَيْسَا بِمُؤَقَّتَيْنِ فِي الِانْتِهَاءِ فَإِلْحَاقُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَفُوتُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ، وَبِهَذَا
стр. 1181
يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَوَابِعِ الْوُقُوفِ
(فَصْلٌ)
وَبِكُلِّ حَالٍ: فَيُشْتَرَطُ لَهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ ; أَحَدُهَا: نِيَّةُ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا كَمَا اشْتَرَطْنَاهَا فِي الطَّوَافِ.
الثَّانِي: اسْتِكْمَالُ سَبْعَةِ أَشْوَاطٍ تَامَّةٍ، فَلَوْ تَرَكَ خَطْوَةً مِنْ شَوْطٍ لَمْ يُجْزِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ بِالسَّعْيِ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا.
قَالَ الْأَزْرَقِيُّ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: كَانَتِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ يُسْنَدُ فِيهِمَا مَنْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بِنَاءٌ وَلَا دَرَجٌ حَتَّى كَانَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ - فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ - فَبَنَى دَرَجَهُمَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ بِنَاءَهَا.
الثَّالِثُ: التَّرْتِيبُ، هُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا، وَيَخْتِمَ بِالْمَرْوَةِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ: لَمْ
стр. 1182
يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: -لَمَّا خَرَجَ إِلَى الصَّفَا - " «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ".
الرَّابِعُ: الْمُوَالَاةُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - وَذُكِرَ لَهُ أَنَّ الْحَسَنَ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أُسْبُوعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَحُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ مِنَ الْعَشِيِّ فَأَتَمَّهُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: إِنْ أَتَمَّهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنِ اسْتَأْنَفَ فَلَا بَأْسَ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا، أَوْ مَسْنُونًا، فَإِذَا طَافَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ، أَوْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ: أَجْزَأَ ذَلِكَ، وَإِنْ طَافَ عَقِبَ طَوَافِ الْوَدَاعِ لَمْ.
وَإِنْ سَعَى عَقِبَ طَوَافٍ آخَرَ ...
стр. 1183
وَإِنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ
فَأَمَّا الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ
السَّادِسُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَقَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ لِلْقُدُومِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْعَى قَبْلَ دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَأَمَّا الطَّهَارَةُ: فَتُسَنُّ لَهُ، وَلَا تُشْتَرَطُ. هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ صَرِيحًا قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ خَرَجَتْ، وَلَا تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُتِمَ الطَّوَافَ، فَإِنْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ خَرَجَتْ تَسْعَى فَحَاضَتْ، فَلْتَمْضِ فِي سَعْيِهَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - الْحَائِضُ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ طَافَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَسْعَى.
وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ - رِوَايَةً أُخْرَى -: أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ - فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - الْحَائِضُ تَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا
стр. 1184
الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
(فَصْلٌ)
وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ مَحْمُولًا لِإِنْسَانٍ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ ... جَازَ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَبِيتُ بِمِنًى]
مَسْأَلَةٌ: (وَالْمَبِيتُ بِمِنًى)
السُّنَّةُ لِلْحَاجِّ: أَنْ لَا يَبِيتَ لَيَالِيَ مِنًى إِلَّا بِهَا ; لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَمَعْنَى التَّعَجُّلِ: هُوَ الْإِفَاضَةُ مِنْ مِنًى، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ التَّعَجُّلِ يَكُونُ مُقِيمًا بِهَا، فَلَوْ
стр. 1185
لَمْ يَبِتْ بِهَا لَيْلًا - وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ بِهَا نَهَارًا -: لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ إِتْيَانِهِ مِنًى لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَإِتْيَانِهِ مَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ.
وَالْآيَةُ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَجُعِلَ ذَلِكَ الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ عِيدًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوا ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ الْعَبَّاسَ " «اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَاسْتِئْذَانُ الْعَبَّاسِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَمْنُوعِينَ مِنَ الْمَبِيتِ بِهَا، وَإِذْنُهُ لَهُ مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْذَنُ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ مِنًى عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ» ".
وَالْعِيدُ: هُوَ الْمُجْتَمَعُ لِلْعِبَادَةِ ; فَيَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ يَجْتَمِعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ , وَمِنًى: وَأَيَّامُ مِنًى، لَا بُدَّ أَنْ يَجْتَمِعُوا، وَهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ نَهَارًا لِأَجْلِ مَصَالِحِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَرْمُونَ الْجِمَارَ مُتَفَرِّقِينَ، فَلَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِمَاعِ لَيْلًا.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ مِنْ وَرَاءِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَى مَنْ وَرَاءَ الْعَقَبَةِ، فَيَدْخُلُونَ مِنًى " رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَهَذَا لَفْظُهُ.
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: " لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ وَرَاءَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ يُرْسِلُ رِجَالًا فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا شَذَّ مِنْ
стр. 1186
مِنًى إِلَّا أُدْخِلَ ".
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَيَالِيَ مِنًى " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ ... فَإِنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - فِي الشَّافِي -: رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الدَّمُ، وَرُوِيَ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا أَقُولُ.
فَهَذِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ; إِحْدَاهُنَّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ - قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: مَنْ بَاتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ وَإِنْ بَاتَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أَرْخَصَ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ بِهَا، وَلِلرُّعَاةِ. كَمَا أَرْخَصَ لِلضَّعَفَةِ فِي الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَمْ يَسْقُطْ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، كَطَوَافِ الْوَدَاعِ.
وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " إِذَا رَمَيْتَ الْجَمْرَةَ فَبِتْ حَيْثُ شِئْتَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ.
стр. 1187
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُبَيِّتِينَ بِمِنًى، فَلَمْ يَجِبْ كَالْمَبِيتِ بِهَا لَيْلَةَ عَرَفَةَ عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا يَبِيتُ أَحَدٌ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ، وَمَنْ زَارَ الْبَيْتَ رَجَعَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَلَا يَبِيتُ آخِرَ اللَّيَالِي إِلَّا بِمِنًى ; لِأَنَّ عُمَرَ ﵁: مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَمَنْ بَاتَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَهَذَا قَوْلُ ..... الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ. قَالَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ - فَإِنَّهَا تَجِبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَالثَّانِيَةُ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ وَهُوَ أَكْثَرُ عَنْهُ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: مَنْ بَاتَ دُونَ مِنًى لَيْلَةً يُطْعِمُ شَيْئًا.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - فِي الرَّجُلِ يَبِيتُ وَرَاءَ الْعَقَبَةِ لَيَالِيَ مِنًى: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ.
стр. 1188
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: " يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ ".
وَمُغِيرَةُ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " الدَّمُ شَدِيدٌ ".
وَيَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ: " لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ "، وَكَانَ سُفْيَانُ يُرَخِّصُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " إِذَا رَمَيْتَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَبِتْ حَيْثُ شِئْتَ ".
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِيمَنْ جَاءَ لِلزِّيَارَةِ فَبَاتَ بِمَكَّةَ يُعْجِبُنِي أَنْ يُطْعِمَ شَيْئًا، وَخَفَّفَهُ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: " لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ "، وَإِبْرَاهِيمُ قَالَ: " عَلَيْهِ دَمٌ " وَضَحِكَ وَقَالَ: " الدَّمُ شَدِيدٌ "، وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابْنُ أَبِي عَبْدَةَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ إِبْرَاهِيمَ - " لَا يَبِيتُ أَحَدٌ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى فَمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِرْهَمٍ، أَوْ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ "، كَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَلَا يَبِيتُ عَامِدًا.
стр. 1189
فَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُقَدِّرْهُ، وَقَالَ مَرَّةً: دِرْهَمٌ أَوْ نِصْفُ دِرْهَمٍ ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ مِنَ النُّقُودِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِطَعَامٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي تَرْكِ هَذَا الْمَبِيتِ لِحَاجَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَنَاسِكِ الْمُؤَكَّدَةِ، فَإِنَّ الْمَنَاسِكَ الْمُؤَكَّدَةَ، لَا يُرَخَّصُ فِي تَرْكِهَا لِأَحَدٍ. وَلَوْ قِيلَ: تُقَدَّرُ بِهِ.
وَلَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً، أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ وَابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، بِخِلَافِ تَرْكِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، فَإِنَّهَا نُسُكٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا تَرَكَهُ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَلَيَالِي مِنًى جَمِيعُهَا نُسُكٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَجِبْ فِي بَعْضِهَا مَا يَجِبُ فِي جَمِيعِهَا، كَمَا لَوْ تَرَكَ حَصَاةً، أَوْ حَصَاتَيْنِ.
وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ: أَنَّهُ اسْتَكْثَرَ الدَّمَ فِي تَرْكِ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، وَخَرَّجَاهَا عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ:
إِحْدَاهُنَّ: يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ، أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ هُنَا.
وَالثَّانِيَةُ: فِي لَيْلَةٍ مُدٌّ، وَفِي لَيْلَتَيْنِ مُدَّانِ.
وَالثَّالِثَةُ: فِي لَيْلَةٍ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي لَيْلَتَيْنِ قَبْضَتَانِ، وَهَاتَانِ مُخْرِجَتَانِ مِنْ حَلْقِ شَعْرَةٍ، أَوْ شَعْرَتَيْنِ.
وَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ: فَإِنَّهُ جَعَلَ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى الدَّمَ قَوْلًا وَاحِدًا
стр. 1190
وَذَكَرَ فِي تَرْكِ لَيْلَةٍ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ.
إِحْدَاهُنَّ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَالثَّانِيَةُ: يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ، أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ.
وَالثَّالِثَةُ: مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ.
وَالرَّابِعَةُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ: حَمَلَ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي الْأَمْرِ بِالصَّدَقَةِ، وَفِي كَوْنِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى اللَّيْلَةِ وَاللَّيْلَتَيْنِ، وَأَصْحَابُ هَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ: يُسَوُّونَ بَيْنَ ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ، وَتَرْكِ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَحَلْقِ ثَلَاثِ شَعْرَاتٍ، وَيَجْعَلُونَ عَدَدَ اللَّيَالِي كَعَدَدِ الْحَصَى وَالشَّعْرِ، قَالُوا: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ فِي جَمِيعِهِ دَمٌ، وَفِي بَعْضِهِ صَدَقَةٌ، فَلِذَلِكَ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا. لَكِنَّ مَنْصُوصَ أَحْمَدَ فِي أَنَّ مَنْ بَاتَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ، يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ، أَوْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ تَبْطُلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ.
وَالطَّرِيقَةُ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ فِي اللَّيْلَةِ، وَاللَّيَالِي الثَّلَاثِ، ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ لَفْظُهُ فِيهِنَّ، إِحْدَاهُنَّ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَالثَّالِثَةُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إِيجَابُ الدَّمِ فِي جُمْلَةٍ وَإِيجَابُهَا فِي بَعْضِهَا، فَإِنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا فِيهَا دَمٌ، وَفِي الْجَمْرَةِ الْوَاحِدَةِ - أَيْضًا - دَمٌ، بَلِ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ: أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَرَمْيَ الْجِمَارِ وَطَوَافَ الْوَدَاعِ، كَفَاهُ دَمٌ.
وَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُحْرِمَ دُونَ الْمِيقَاتِ بِمَسَافَةٍ قَلِيلَةٍ، أَوْ كَثِيرَةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْمَغِيبِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، أَوْ طَوِيلُ ... ، وَإِلْحَاقُ هَذِهِ
стр. 1191
بِالْحَصَى، وَبِحَلْقِ الشَّعْرِ: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ ذَاكَ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ فِي جَمِيعِهِ دَمًا، وَهُنَا الْخِلَافُ فِي أَصْلِ وُجُوبِهِ.
فَصْلٌ: وَقَدْرُ الْمَبِيتِ الْوَاجِبِ بِمِنًى.
[مَسْأَلَةٌ الرمي]
مَسْأَلَةٌ: (وَالرَّمْيُ).
لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ الرَّمْيَ وَاجِبٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: ٢٠٠] الْآيَةَ. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ - بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ - بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَمَرَ بِذِكْرِهِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ أَمْرًا يَخْتَصُّ الْحَاجَّ ; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]
стр. 1192
﴿عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَإِنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِلْحَاجِّ. فَعُلِمَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِهَذَا الذِّكْرِ بِمِنًى، وَلَيْسَ بِمِنًى ذِكْرٌ يَنْفَرِدُ بِهِ الْحَجُّ إِلَّا ذِكْرَ الْجِمَارِ، كَمَا قَالَ ﷺ : " «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» "، فَعُلِمَ أَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ شُرِعَ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فَعُلِمَ أَنَّهُ مَنْ تَعَجَّلَ قَبْلَ الْيَوْمَيْنِ لَا يَزُولُ عَنْهُ الْإِثْمُ، وَإِنَّمَا ذَاكَ لِأَنَّ بِمِنًى فِعْلًا وَاجِبًا، وَلَا فِعْلَ بِهَا إِلَّا رَمْيَ الْجِمَارِ، لِأَنَّ الْمَبِيتَ أَخَفُّ مِنْهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ تَبَعًا لَهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالذِّكْرِ فِي الْأَيَّامِ، وَجَعَلَ التَّعْجِيلَ فِيهَا: فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلٍ وَاجِبٍ فِي الْأَيَّامِ.
وَأَيْضًا: فَمَا رَوَى.
وَمَنْ رَمَى بِحَجَرٍ قَدْ رَمَى بِهِ: لَمْ يُجْزِهِ وَمَنْ رَمَى بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ: لَمْ يُجْزِهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
стр. 1193
وَفِي غَيْرِ الْحَصَى رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الْحَجَرُ، فَلْيُعِدِ الرَّمْيَ.
وَالثَّانِيَةُ: يُجْزِئُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْأَدْعِيَةُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْحَجِّ، مِثْلُ التَّلْبِيَةِ وَالذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ، وَفِي الطَّوَافِ، وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي السَّعْيِ وَفِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، فَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
فَصْلٌ: وَأَمَّا رَكْعَتَا الطَّوَافِ ... .
[مَسْأَلَةٌ الْحَلْقُ والتقصير]
مَسْأَلَةٌ: (وَالْحَلْقُ).
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا -: إِذَا أَخَّرَتِ الْمَرْأَةُ التَّقْصِيرَ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ مِنًى:
стр. 1194
عَلَيْهَا دَمٌ ... .
[مَسْأَلَةٌ طَوَافُ الْوَدَاعِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ يُسَمَّى طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَطَوَافَ الصَّدَرِ، وَطَوَافَ الْخُرُوجِ، أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَابْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَالْأَثْرَمِ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَحَرْبٍ، وَأَبِي دَاوُدَ.
فَإِذَا خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يُوَدِّعَ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَيُوَدِّعَ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ اسْتَقَرَّ الدَّمُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِعَدَمِ الرَّفِيقِ، أَوْ خَشْيَةَ الِانْقِطَاعِ عَنِ الرُّفْقَةِ .... قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِيمَنْ نَفَرَ وَلَمْ يُوَدِّعِ الْبَيْتَ، فَإِذَا تَبَاعَدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِذَا كَانَ قَرِيبًا رَجَعَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ -: إِذَا نَسِيَ الرَّجُلُ طَوَافَ الصَّدَرِ، وَتَبَاعَدَ
стр. 1195
بِقَدْرِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ: فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الصَّدَرِ عَلَيْهِ دَمٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ عَهْدُهُ بِالْبَيْتِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأَيْضًا: فَتَرْخِيصُهُ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا لَا رُخْصَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: " رَدَّ رَجُلًا مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ لَمْ يَكُنْ وَدَّعَ الْبَيْتَ " رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا طَوَافُ الْقُدُومِ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ سُنَّةٌ، وَنَقَلَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْجَرْجَرَائِيُّ: الطَّوَافُ ثَلَاثَةٌ وَاجِبَةٌ: طَوَافُ الْقُدُومِ
следующие страницы →