Полный текст (1 211 стр.). Показаны 1191–1211 · переход к 1196.
стр. 1191
بِالْحَصَى، وَبِحَلْقِ الشَّعْرِ: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ ذَاكَ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ فِي جَمِيعِهِ دَمًا، وَهُنَا الْخِلَافُ فِي أَصْلِ وُجُوبِهِ.
فَصْلٌ: وَقَدْرُ الْمَبِيتِ الْوَاجِبِ بِمِنًى.
[مَسْأَلَةٌ الرمي]
مَسْأَلَةٌ: (وَالرَّمْيُ).
لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ الرَّمْيَ وَاجِبٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: ٢٠٠] الْآيَةَ. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ - بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ - بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَمَرَ بِذِكْرِهِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ أَمْرًا يَخْتَصُّ الْحَاجَّ ; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]
стр. 1192
﴿عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَإِنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِلْحَاجِّ. فَعُلِمَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِهَذَا الذِّكْرِ بِمِنًى، وَلَيْسَ بِمِنًى ذِكْرٌ يَنْفَرِدُ بِهِ الْحَجُّ إِلَّا ذِكْرَ الْجِمَارِ، كَمَا قَالَ ﷺ : " «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» "، فَعُلِمَ أَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ شُرِعَ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فَعُلِمَ أَنَّهُ مَنْ تَعَجَّلَ قَبْلَ الْيَوْمَيْنِ لَا يَزُولُ عَنْهُ الْإِثْمُ، وَإِنَّمَا ذَاكَ لِأَنَّ بِمِنًى فِعْلًا وَاجِبًا، وَلَا فِعْلَ بِهَا إِلَّا رَمْيَ الْجِمَارِ، لِأَنَّ الْمَبِيتَ أَخَفُّ مِنْهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ تَبَعًا لَهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالذِّكْرِ فِي الْأَيَّامِ، وَجَعَلَ التَّعْجِيلَ فِيهَا: فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلٍ وَاجِبٍ فِي الْأَيَّامِ.
وَأَيْضًا: فَمَا رَوَى.
وَمَنْ رَمَى بِحَجَرٍ قَدْ رَمَى بِهِ: لَمْ يُجْزِهِ وَمَنْ رَمَى بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ: لَمْ يُجْزِهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
стр. 1193
وَفِي غَيْرِ الْحَصَى رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الْحَجَرُ، فَلْيُعِدِ الرَّمْيَ.
وَالثَّانِيَةُ: يُجْزِئُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْأَدْعِيَةُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْحَجِّ، مِثْلُ التَّلْبِيَةِ وَالذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ، وَفِي الطَّوَافِ، وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي السَّعْيِ وَفِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، فَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
فَصْلٌ: وَأَمَّا رَكْعَتَا الطَّوَافِ ... .
[مَسْأَلَةٌ الْحَلْقُ والتقصير]
مَسْأَلَةٌ: (وَالْحَلْقُ).
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا -: إِذَا أَخَّرَتِ الْمَرْأَةُ التَّقْصِيرَ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ مِنًى:
стр. 1194
عَلَيْهَا دَمٌ ... .
[مَسْأَلَةٌ طَوَافُ الْوَدَاعِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ يُسَمَّى طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَطَوَافَ الصَّدَرِ، وَطَوَافَ الْخُرُوجِ، أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَابْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَالْأَثْرَمِ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَحَرْبٍ، وَأَبِي دَاوُدَ.
فَإِذَا خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يُوَدِّعَ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَيُوَدِّعَ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ اسْتَقَرَّ الدَّمُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِعَدَمِ الرَّفِيقِ، أَوْ خَشْيَةَ الِانْقِطَاعِ عَنِ الرُّفْقَةِ .... قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِيمَنْ نَفَرَ وَلَمْ يُوَدِّعِ الْبَيْتَ، فَإِذَا تَبَاعَدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِذَا كَانَ قَرِيبًا رَجَعَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ -: إِذَا نَسِيَ الرَّجُلُ طَوَافَ الصَّدَرِ، وَتَبَاعَدَ
стр. 1195
بِقَدْرِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ: فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الصَّدَرِ عَلَيْهِ دَمٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ عَهْدُهُ بِالْبَيْتِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأَيْضًا: فَتَرْخِيصُهُ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا لَا رُخْصَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: " رَدَّ رَجُلًا مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ لَمْ يَكُنْ وَدَّعَ الْبَيْتَ " رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا طَوَافُ الْقُدُومِ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ سُنَّةٌ، وَنَقَلَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْجَرْجَرَائِيُّ: الطَّوَافُ ثَلَاثَةٌ وَاجِبَةٌ: طَوَافُ الْقُدُومِ
стр. 1196
وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَطَوَافُ الصَّدَرِ، أَمَّا طَوَافُ الزِّيَارَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ رَجَعَ مُعْتَمِرًا، وَطَوَافُ الصَّدَرِ إِذَا تَبَاعَدَ بَعَثَ بِدَمٍ.
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ قَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مِنْ بَعْدِهِ: لَمْ يَزَالُوا إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ طَافُوا قَبْلَ التَّعْرِيفِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ تَرَكَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهَذَا خَرَجَ مِنْهُ؛ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَبَيَانًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ حَجِّ بَيْتِهِ، كَمَا بَيَّنَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ بِسَبْعَةِ أَشْوَاطٍ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُ - فِي حَجِّهِ - كُلُّهَا وَاجِبَةً، إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى بَعْضِهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " وَلَمْ يُرِدْ أَنْ نَأْخُذَهَا عَنْهُ عِلْمًا، بَلْ عِلْمًا وَعَمَلًا، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، فَتَكُونُ الْمَنَاسِكُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا هِيَ الَّتِي فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
[مَسْأَلَةٌ أَرْكَانُ الْعُمْرَةِ وَوَاجِبَاتُهَا]
مَسْأَلَةٌ: (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ، وَوَاجِبَاتُهَا: الْإِحْرَامُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ).
الْقَوْلُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَنَاسِكِ فِي الْعُمْرَةِ كَالْقَوْلِ فِي حُكْمِهَا فِي الْحَجِّ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ، فَإِنَّمَا يُشْرَعُ فِي الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَيَتَوَقَّتُ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ، إِذِ الْحَجُّ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، إِذِ الْعُمْرَةُ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ.
فَأَمَّا الطَّوَافُ: فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَقَدْ عَدَّهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ اجْتِنَابَ الْمَحْظُورَاتِ مَعَ قَصْدِ الْحَجِّ مِنَ الْمِيقَاتِ الْمَشْرُوعِ.
وَأَمَّا النِّيَّةُ نِيَّةُ الِاعْتِمَارِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهٌ: أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْحِلِّ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ كُلُّ طَائِفٍ مُعْتَمِرًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ
стр. 1197
يَعُدُّ الْإِحْرَامَ مُطْلَقًا مِنَ الْأَرْكَانِ، وَمَنْ يَعُدُّهُ شَرْطًا.
أَمَّا السَّعْيُ وَالْحَلْقُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّ الْحَلْقَ فِي الْعُمْرَةِ ... .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: السَّعْيُ فِي الْعُمْرَةِ رُكْنٌ، لَا نَعْرِفُ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى بِخِلَافِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا بِرُكْنَيْنِ كَالْحَجِّ، فَإِنَّ هُنَاكَ دَخَلَ الْوُقُوفُ، يَعْنِي أَنَّ فِيهَا: الْإِحْرَامَ وَالطَّوَافَ، فَلَا بُدَّ مِنْ ثَالِثٍ وَهُوَ السَّعْيُ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ: عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا فِي الْعُمْرَةِ كَحُكْمِهَا فِي الْحَجِّ.
وَأَمَّا الْحَلْقُ: فَإِنَّ عَامَّةَ النُّصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ الْحِلَاقِ، وَأَنَّهُ إِذَا وَطِئَ قَبْلَهُ فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، وَفِي بَعْضِهَا قَالَ: الدَّمُ لِهَذَا كَثِيرٌ.
[مَسْأَلَةٌ ما يترتب على ترك الركن أو الواجب أو المسنون]
مَسْأَلَةٌ: (فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلَّا بِهِ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا جَبَرَهُ بِدَمٍ، وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ).
وَهُوَ كَمَا قَالَ: الرُّكْنُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ: فَإِذَا تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُهُ إِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا، كَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالْإِحْرَامِ مِنَ
стр. 1198
الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ فِعْلُ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ فَاسْتَقَرَّ الدَّمُ.
وَأَمَّا السَّعْيُ: فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ وَاجِبٌ فَقَوْلُهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ، فَكَيْفَ يُجْزِئُهُ إِخْرَاجُ الدَّمِ، وَهُوَ بَدَلٌ عَنِ الْوَاجِبِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ؟ وَبُعْدُهُ عَنِ الْبَلَدِ لَيْسَ عُذْرًا إِذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الْعَوْدِ.
وَأَمَّا الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ فَإِنْ قُلْنَا هُوَ مُؤَقَّتٌ بِأَيَّامِ مِنًى، فَقَدِ الْتَحَقَ بِرَمْيِ الْجِمَارِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِمُؤَقَّتٍ، فَهُوَ كَالْحَلْقِ فِي الْعُمْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُؤَقَّتًا بِمَكَانٍ أَيْضًا، بَلْ يَجُوزُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فَوَاتٌ حَتَّى يُجْزِئَ إِخْرَاجُ الدَّمِ عَنْهُ؟
وَأَمَّا السُّنَنُ: فَهِيَ عَلَى مَرَاتِبِهَا، مِنْهَا مَا هُوَ نُسُكٌ إِذَا تَرَكَهُ يَكُونُ مُسِيئًا.
[مَسْأَلَةٌ أحكام الفوات]
مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ، وَيَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَنْ
стр. 1199
يَقْصِدَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّبَاطُؤُ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى سَيْرٍ شَدِيدٍ .... ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ إِلَى آخِرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَخَافَ إِنْ نَزَلَ لَهَا فَاتَهُ الْحَجُّ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَائِفِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعِبَادَتَيْنِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَفَوَاتُ الْحَجِّ أَعْظَمُ ضَرَرًا فِي دِينِهِ وَنَفْسِهِ مِنْ فَوْتِ قَتْلِ كَافِرٍ.
فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَلَمْ يُوَافِ عَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، سَوَاءٌ فَاتَهُ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ عَدُوٍّ، أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، أَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ، أَوْ أَخْطَأَ مَسِيرَهُ، أَوْ فَاتَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَالتَّوَانِي وَالتَّشَاغُلِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، لَا يَفْتَرِقَانِ إِلَّا فِي الْإِثْمِ. وَعَلَى مَنْ فَاتَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ فَيَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ.
وَأَمَّا الْأَفْعَالُ الَّتِي تَخُصُّ الْحَجَّ مِنَ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ فَقَدْ سَقَطَتْ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِيمَنْ قَدِمَ حَاجًّا فَطَافَ وَسَعَى ثُمَّ مَرِضَ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُهُ: يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: يُجَدِّدُ إِهْلَالًا فِيمَنْ
стр. 1200
فَاتَهُ الْحَجُّ لِلْعُمْرَةِ أَمْ يُجْزِئُهُ الْإِهْلَالُ الْأَوَّلُ؟ فَقَالَ: يُجْزِئُهُ الْإِهْلَالُ الْأَوَّلُ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى - عَنْهُ - رِوَايَةً ثَانِيَةً: أَنَّهُ يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ، قَالَ: وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِغَيْرِ إِحْصَارٍ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَدَمُ الْفَوَاتِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَاقَ هَدْيًا نَحَرَهُ وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ دَمِ الْفَوَاتِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ، وَيَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَعَلَيْهِ دَمُ الْفَوَاتِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: يَفْرَغُ مِنْ عَمَلِهِ يَعْنِي عَمَلَ الْحَجِّ، وَفَسَّرَ الْقَاضِي هَذَا الْكَلَامَ بِأَنَّهُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ الَّذِي يَفْعَلُهُ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا بِالْحَجِّ كَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - كَمَا سَيَأْتِي -.
وَمَنْ فَسَّرَهُ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ مُطْلَقًا عَلَى ظَاهِرِهِ، قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ، فَفَوَاتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَا يُسْقِطُ مَا أَدْرَكَ وَقْتَهُ مِنَ الْمَنَاسِكِ، كَمَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَقَدَرَ عَلَى بَعْضٍ، أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّ الْحَجَّ قَدِ انْتُقِضَ وَفَسَدَ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَفْسَدَهُ بِالْوَطْءِ فَإِنَّهُ يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ.
وَالصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] الْآيَةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالذِّكْرِ عَقِبَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَمَنْ لَمْ يُفِضْ مِنْ عَرَفَاتٍ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ.
وَلِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ بِعَدَمِهِ، فَإِذَا عُلِّقَ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ اقْتُضِيَ عَدَمُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ.
стр. 1201
وَلِأَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ حِينَ الْإِفَاضَةِ وَعَقِبَهَا، فَإِذَا بَطَلَ الْوَقْتُ الَّذِي أُمِرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فِيهِ، وَبَطَلَ التَّعْقِيبُ كَانَ قَدْ فَاتَ وَقْتُ الْوَقْفِ بِالْمَشْعَرِ وَشَرْطُهُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْوُقُوفَ فِيهِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَإِنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ الطَّوَافِ بِهِمَا مِنْ غَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُشْرَعُ الطَّوَافُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ أَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فَالْأَمْرُ بِالذِّكْرِ كَذِكْرِ الْآبَاءِ وَالذِّكْرِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ هُوَ بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ لَمْ يَقْضِ مَنَاسِكَهُ، فَبَطَلَ فِي حَقِّهِ الذِّكْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ التَّعَجُّلَ وَالتَّأَخُّرَ، وَلَا يُقَالُ: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» ".
فَإِذَا لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ: فَلَا حَجَّ لَهُ، بَلْ قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ لَا حَجَّ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ
стр. 1202
يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي حَجِّ مَنْ لَا حَجَّ لَهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الْمُفْسِدِ، فَإِنَّهُ فِي حَجٍّ تَامٍّ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ لَكِنْ هُوَ فَاسِدٌ. وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ انْقِسَامُ الْعَمَلِ إِلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ. أَمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَجِّ مَنْ لَيْسَ فِي حَجٍّ، فَهَذَا مُمْتَنِعٌ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ لَمْ يَفْعَلْ مَا يَخْتَصُّ بِالْحَجِّ مِنَ الْمَوَاقِفِ وَالرَّمْيِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ مِنَ الطَّوَافِ وَالْحَلْقِ.
وَأَيْضًا: قَوْلُهُ: " مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا ".
وَأَيْضًا: فَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ لَمْ يُدْرِكْ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» " رَوَاهُ النَّجَّادُ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا مِنْ مَرَاسِيلِ عَطَاءٍ، فَهُوَ أَعْلَمُ التَّابِعِينَ بِالْمَنَاسِكِ، وَهَذَا الْمُرْسَلُ مَعَهُ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ حُجَّةً وِفَاقًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
стр. 1203
وَالْعُمْدَةُ الظَّاهِرَةُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَالَتَّا .... ، فَعَنْ.
" أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ بْنَ زَيْدٍ خَرَجَ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالنَّازِيَةِ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ فَطَلَبَهُنَّ، فَقَدِمَ وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَسَأَلَ عُمَرَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَيَحُجَّ مِنْ عَامٍ الْمُقْبِلِ، وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ".
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ هَنَّادِ بْنِ الْأَسْوَدِ: " أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵁ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ، فَقَالَ: أَهِلَّ بِعُمْرَةٍ وَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرْ أَوِ احْلِقْ، وَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ وَأَهْرِقْ دَمًا ".
стр. 1204
وَعَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدٍ قَالَا فِي رَجُلٍ يَفُوتُهُ الْحَجُّ: " يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ، عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ ".
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: " مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَلْيَحُجَّ قَابِلًا، وَلْيُهْدِ إِنْ وَجَدَ هَدْيًا، وَإِلَّا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ.
وَعَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ " رَوَاهُنَّ النَّجَّادُ.
(فَصْلٌ)
وَقَدِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى ثُمَّ يُحِلُّ، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي هَذَا الْعَمَلِ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ وَيَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِ الْحَجِّ إِلَى إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَفْسَخُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ
стр. 1205
وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، قَالَا: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، بَلْ هُوَ الْمَنْصُوصُ صَرِيحًا عَنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ، وَلَوْ كَانَ إِنَّمَا يَفْعَلُ طَوَافَ الْحَجِّ وَسَعْيَهُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى سَعْيٍ ثَانٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: يَتَحَوَّلُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ إِحْرَامًا بِعُمْرَةٍ، فَعَلَى هَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: يَكْفِيهِ الْإِهْلَالُ الْأَوَّلُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ جَعَلَهُ عُمْرَةً وَعَلَيْهِ دَمٌ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ جَعَلَهَا عُمْرَةً.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِحْرَامُ الْحَجِّ بَاقٍ، وَيَتَحَلَّلُ مِنْهُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
стр. 1206
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: يَفْرَغُ مِنْ عَمَلِهِ إِيمَاءٌ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَفْعَالَهَا كُلَّهَا، فَتَعَذُّرُ الْوُقُوفِ وَمَا يَتْبَعُهُ لَا يُوجِبُ تَعَذُّرَ الطَّوَافِ وَمَا يَتْبَعُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الطَّوَافُ هُوَ الطَّوَافَ الَّذِي أَوْجَبَهُ إِحْرَامُ الْحَجِّ.
وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا ذَاكَ أَنْ يَفْسَخَ بِاخْتِيَارِهِ، وَيَأْتِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْحَجِّ، وَهُنَا الِانْتِقَالُ إِلَى الْعُمْرَةِ يَصِيرُ وَاجِبًا، وَلَا حَجَّ مَعَهُ، فَكَيْفَ يُقَاسُ هَذَا عَلَى فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ؟
وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا، لَمْ يُدْرِكِ الْحَجَّ، فَلَوْ كَانَ قَدْ بَقِيَ بَعْضُ أَعْمَالِ الْحَجِّ لَكَانَ إِنَّمَا فَاتَهُ بَعْضُ الْحَجِّ، وَلَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ بَعْضَ الْحَجِّ، وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» "، وَالْحَجُّ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ مَعَ فَوْتِ الْآخَرِ، فَلَمَّا قَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " عُلِمَ أَنَّ سَائِرَ أَفْعَالِ الْحَجِّ مُعَلَّقَةٌ بِهِ، فَإِذَا وُجِدَ أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ غَيْرُهُ، وَإِذَا انْتَفَى امْتَنَعَ أَنْ يُوجَدَ غَيْرُهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كُلَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: " يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ ".
وَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ يَجْعَلُ إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ عُمْرَةً وَيُهِلُّ بِهَا، كَمَا قَدْ يَجْعَلُ الرَّجُلُ صَلَاةَ الْفَرْضِ نَفْلًا. نَعَمْ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ: " اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ وَقَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ قَابِلَ فَاحْجُجْ، وَأَهْدِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْهَدْيِ " رَوَاهُ النَّجَّادُ. وَهَذَا كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1207
لِعَائِشَةَ - لَمَّا حَاضَتْ -: " «اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» ".
وَأَيْضًا: فَإِنَّ طَوَافَ الْحَجِّ الْوَاجِبَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، كَمَا أَنَّ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فَمَنْ لَمْ يُعَرِّفْ كَيْفَ يَطُوفُ لِلْحَجِّ وَلَمْ يَقْضِ تَفَثَهُ وَلَمْ يُوفِ نَذْرَهُ؟
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْعِبَادَةَ الْمُؤَقَّتَةَ الَّتِي يُشْتَرَطُ الْوَقْتُ لِصِحَّتِهَا إِذَا فَاتَتْ زَالَتْ جَمِيعُهَا كَالْجُمُعَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَمَّمَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى أَنَّهُ مِنْهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَيَمْضِي فِيمَا بَقِيَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ؟
نَعَمْ لَمَّا كَانَ الْإِحْرَامُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ، وَإِتْمَامُهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إِتْمَامُهُ لِحِجَّةٍ، أَتَمَّهُ لِعُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْإِحْرَامِ إِلَّا بِالتَّحَلُّلِ، وَلَا يَتَحَلَّلُ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْبَيْتِ إِلَّا بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ، فَكَانَ انْتِقَالُهُ إِلَى مَا هُوَ جِنْسُهُ الْعِبَادَةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْهُ الْعِبَادَةُ أَشْبَهَ، وَهَذَا كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْفَرْضِ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَفْلًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ، فَإِذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا .... الْآخَرُ، كَذَلِكَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ هُوَ بَعْضُ الْأَكْبَرِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْأَكْبَرُ بَقِيَ الْأَصْغَرُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ كَوْنَهُ يَجُوزُ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا ذَاكَ إِذَا أَمْكَنَ إِتْمَامُهُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِتْمَامُهُ صَارَ انْتِقَالُهُ إِلَى الْعُمْرَةِ ضَرُورَةً، وَ .... غَيْرُهُ. فَائِدَةُ هَذَا أَنَّهُ إِذَا قُلْنَا: يَجْعَلُ إِحْرَامَهُ عُمْرَةً.
، وَأَنْ يَحُجَّ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَدْخَلَ عُمْرَةً عَلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَمَّا ..... أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ لَمْ
стр. 1208
يَصِحَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى عَامِ قَابِلٍ فَيَحُجَّ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَلَوْ بَقِيَ إِلَى عَامِ قَابِلٍ، وَطَافَ وَسَعَى فِي أَشْهُرِ .... مُتَمَتِّعًا، وَلَوْ كَانَ قَارِنًا فَإِنَّهُ يَفْعَلُ عُمْرَةَ الْفَوَاتِ، وَعُمْرَةُ الْقِرَانِ.
لِلْحَجِّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دَمٌ وَاحِدٌ .... ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَ.
الْحَجُّ أَجْزَأَهُ دَمٌ وَاحِدٌ .... .
(فَصْلٌ)
وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي .... عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَعَ اخْتِيَارِهِمْ أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَالرِّوَا.
يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ إِتْمَامُ حَجِّهِ ... مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ كَالْمُحْصَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُفَوِّتَ قَدْ.
الْعُمْرَةَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ كَا .... مَقَامُ أَفْعَالِ.
هَذِهِ
стр. 1209
الرِّوَايَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ .... لَمْ يَجِدْ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَأَوْجَبَ الْإِتْمَامَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ غَيْرِ الْمُحْصَرِ، وَحِجَّةُ الْفَوْتِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَضَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مِثْلِ عُمَرَ وَزَيْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَإِفْتَاهُمْ بِذَلِكَ مِثْلَ أَبِي أَيُّوبَ، وَهَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَصَارَ إِجْمَاعًا.
وَإِنَّمَا خَالَفَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنْ أَهْلِ الْفُتْيَا.
وَلِأَنَّهُ أَخَّرَ الْعِبَادَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ عَنْ وَقْتِهَا، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهَا كَمَا لَوْ فَوَّتَ الصَّلَاةَ وَالْعِبَادَاتِ الْمَنْذُورَةَ عَنْ أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَرْعًا أَنْ يَفْعَلَهُ فِي عَامِهِ، كَمَا تَجِبُ الصَّلَوَاتُ وَالصِّيَامُ فِي مَوَاقِيتِهَا الْمَحْدُودَةِ بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِتْمَامُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، بَلْ جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَهُوَ نَظِيرُ مَنْ جَازَ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَوْ تَرْكُ بَعْضِ .... الصَّلَاةِ لِعُذْرٍ.
стр. 1210
وَقَدْ عَلَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ أَفْعَالَ الْحَجِّ ... ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَالْمُفْسِدِ لِلْحَجِّ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِ.
وَلَكِنْ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا .... تَرَكَ لِعَامِ لِلْحَجِّ مَعَ وُصُولِهِ إِلَى الْمَشَاعِرِ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ.
سَدَّ بِالْحَجِّ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْحَجَّ فِي الْأَصْلِ هُوَ قَصْدُ الْمَشَاعِرِ وَإِتْيَانُهَا .... بِوَقْتٍ مِثْلِ الشَّرْطِ لِهَذَا الْمَقْصُودِ، وَالتَّكْمِلَةُ لَهُ كَأَوْقَاتِ.
فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ إِتْيَانِ الْمَشَاعِرِ وَلَمْ يُتِمَّ الْحَجَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ... ل رَمَضَانَ فَلَمْ يَصُمْ، أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُصَلِّ، وَإِذَا .... إِلَى الْمَشَاعِرِ فَقَدْ تَعَذَّرَ أَصْلُ الْحَجِّ فِي حَقِّهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ ..... إِلَيْهِ سَبِيلًا، أَوْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَا وَقْتَ.
[هَذَا لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ فِي وُجُوبِ] الْحَجِّ، وَالْوَقْتُ شَرْطٌ .... [إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْوُصُولَ إِلَيْهِ فَقَدْ فَاتَ] شَرْطُ الْوُجُوبِ
стр. 1211
وَإِذَا .... [وَقْتَ فَقَدْ .... الصِّحَّةُ مَعَ الِا] نْعِقَادِ بِسَبَبِ الْوُجُوبِ.
مَسْأَلَةٌ: