← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10810

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الحج

ابن تيمية

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(«مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»). وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: («مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا، وَلَوْلَا مَا أَرَى مِنْ سُرْعَةِ النَّاسِ فِي الْحَجِّ لَجَبَرْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إِذَا وَضَعْتُمُ الرِّحَالَ فَشُدُّوا السُّرُوجَ، وَإِذَا وَضَعْتُمُ السُّرُوجَ فَشُدُّوا الرِّحَالَ»). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: («مَنْ وَجَدَ إِلَى الْحَجِّ سَبِيلًا سَنَةً

стр. 142

ثُمَّ سَنَةً ثُمَّ سَنَةً، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَاتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا»). وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: (كَانَ لِلْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَارٌ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ مِتَّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْكَ). رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ. وَالْمُرْسَلُ إِذَا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ صَارَ حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ. وَهَذَا التَّغْلِيظُ يَعُمُّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ، وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَفِي تَأْخِيرِهِ تَعَرُّضٌ لِمِثْلِ هَذَا الْوَعِيدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا

стр. 143

لَحِقَهُ هَذَا؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يَحُجُّونَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُصَلُّونَ، وَإِنَّمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ خَاصَّةً. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِجْمَاعُ السَّلَفِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ، ثَنَا مَنْصُورٌ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ رَجُلًا إِلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَيَنْظُرُوا كُلَّ رَجُلٍ ذَا جِدَّةٍ لَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ؛ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ)، وَهَذَا قَالَهُ عُمَرُ وَلَمْ يُخَالِفْهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ تَارِكُ الْحَجِّ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا لَا يُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ الْكُفْرُ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ فَمَنْ لَمْ يَحُجَّ أَبْقَاهُ عَلَى الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ. وَلَوْلَا

стр. 144

أَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَجْعَلْ تَرْكَهُ شِعَارًا لِلْكُفْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: (أَبْصَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَوْمًا بِعَرَفَهَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ عَلَيْهِمُ الْقُمُصُ وَالْعَمَائِمُ، فَأَمَرَ أَنْ تُعَادَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ). رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَعَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: (حُجُّوا الْعَامَ فَإِنْ تَسْتَطِيعُوا فَقَابِلٌ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَابِلٌ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَآذِنُونِي أَضْرِبْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ). رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ. وَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَقَدْ خَاطَبَ بِهِ عُمَرُ النَّاسَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ مُخَالِفٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ تَمَامُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؛ وَلِهَذَا لَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ... . وَكَانَتْ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَصَارَ الْحَجُّ كَمَالَ الدِّينِ وَتَمَامَ

стр. 145

النِّعْمَةِ فَإِذَا لَمْ يَحُجَّ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُ وَدِينُهُ كَامِلًا بَلْ يَكُونُ نَاقِصًا، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتْرُكَ دِينَهُ نَاقِصًا، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخِلَّ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ مُتَقَدِّمًا، وَأَخَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ: - أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْحَجَّ، وَكَتَبَهُ وَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ مُؤَخِّرِينَ لَهُ مِنْ غَيْرِ عَائِقٍ أَصْلًا خَمْسَ سِنِينَ، وَلَا سَنَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الْقَوْمَ - رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - كَانُوا مُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، يُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ طَلَبَ الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ لِعِلْمِهِمْ بِمَا فِي الْمُسَابَقَةِ مِنَ الْأَجْرِ، فَكَيْفَ يُؤَخِّرُونَ الْحَجَّ بَعْدَ وُجُوبِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَصْلًا. وَتَأْخِيرُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، أَوْ هُوَ خِلَافُ الْأَحْسَنِ وَالْأَفْضَلِ، وَتَأَخُّرٌ عَنْ مَقَامَاتِ السَّبْقِ وَدَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ فَكَيْفَ تُطْبِقُ الْأُمَّةُ مَعَ نَبِيِّهَا عَلَى تَرْكِ الْأَحْسَنِ وَالْأَفْضَلِ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَصْلًا. وَأَيْضًا فَقَدْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَحُجُّوا، أَفَتَرَى أُولَئِكَ لَقُوا اللَّهَ عَاصِينَ بِتَرْكِ أَحَدِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُنَبِّهْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَلَا قَالَ لَهُمُ: احْذَرُوا تَفْوِيتَهُ، مَعَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا؟ وَقَدْ عُلِمَ بِغَيْرِ رَيْبٍ أَنَّ قَبْلَ الْفَتْحِ لَمْ يَحُجَّ مُسْلِمٌ، وَبَعْدَ الْفَتْحِ إِنَّمَا

стр. 146

حَجَّ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ عَلَى عَادَةِ الْكُفَّارِ وَهَدْيِهِمْ، وَإِنَّمَا حَجَّ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَفْيِ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْبَيْتِ وَبِأَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عَارٍ»، وَإِنَّمَا حَجَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَفَرٌ قَلِيلٌ. ثُمَّ إِنَّ حَجَّ الْبَيْتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَوْ أَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الْحَجَّ عَامًا وَاحِدًا لَا يَحُجُّ أَحَدٌ مَا نَظَرُوهُ بَعْدَهُ). رَوَاهُ سَعِيدٌ. فَكَيْفَ يَتْرُكُونَ الْمُسْلِمُونَ الْحَجَّ بَعْدَ وُجُوبِهِ سَنَةً فِي سَنَةٍ فَإِنَّ حَجَّ الْكُفَّارِ غَيْرُ مُسْقِطٌ لِهَذَا الْإِيجَابِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ: فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا مَشْهُورًا، فَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ مَتَى فُرِضَ غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ إِمَّا أَنَّهُ فُرِضَ مُتَأَخِّرٌ، أَوْ فُرِضَ مُتَقَدِّمٌ، وَكَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ عَامٌّ يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ، وَإِلَّا لَمَا أَطْبَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَرْكِهِ وَتَأْخِيرِهِ. الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَشْبَهَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنَّمَا فُرِضَ مُتَأَخِّرٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وُجُوهٌ: -

стр. 147

أَحَدُهَا: أَنَّ آيَةَ وُجُوبِ الْحَجِّ الَّتِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَلَالَتِهَا عَلَى وُجُوبِهِ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ مُتَأَخِّرَةً سَنَةَ تِسْعٍ، أَوْ عَشْرٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا فِي سِيَاقِ مُخَاطَبَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَقْرِيرِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَتَنْزِيهِهِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَصَدْرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِنَّمَا نَزَلَتْ لَمَّا جَاءَ وَفْدُ نَجْرَانَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَاظَرُوهُ فِي أَمْرِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵇ وَوَفْدُ نَجْرَانَ إِنَّمَا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِآخِرِهِ

стр. 148

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإِنَّهُ نَزَلَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ لَمَّا صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ إِتْمَامِ عُمْرَتِهِ الَّتِي قَدْ كَانَ أَهَلَّ بِهَا، وَفِيهَا بَايَعَ الْمُسْلِمِينَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَفِيهَا قَاضَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْ قَابِلٍ: فَإِنَّمَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِالْإِتْمَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُقْتَضٍ لِلْأَمْرِ بِالِابْتِدَاءِ، فَإِنَّ كُلَّ شَارِعٍ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِهَا، وَلَيْسَ مَأْمُورًا بِابْتِدَائِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ إِتْمَامِ الْعِبَادَةِ وُجُوبُ ابْتِدَائِهَا، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِ الْإِتْمَامِ تَأْكِيدُ اسْتِحْبَابِ الشُّرُوعِ. وَأَمَّا كَوْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ قُرْبَةً وَطَاعَةً مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَجَمِيعُ آيَاتِ الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى حُسْنِ ذَلِكَ وَاسْتِحْبَابِهِ، وَأَمَّا وُجُوبُهُ، فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ شَرِيعَةٌ يَجِبُ فِيهَا عَلَى النَّاسِ .. .

стр. 149

وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْحَجَّ كَانَ وَاجِبًا مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْحَجِّ مِثْلَ حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ فَصْلٍ يَعْمَلُونَ بِهِ، وَيَدْعُونَ إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَهُمْ، وَيَدْخُلُونَ بِهِ الْجَنَّةَ، أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَفَسَّرَهُ لَهُمْ: أَنَّهُ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ يُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا لَمْ يَضْمَنْ لَهُمُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِهِ. وَكَذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، الَّذِي قَالَ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أُنْقِصُ مِنْهُ، إِنَّمَا ذَكَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصَّوْمَ. وَكَذَلِكَ الَّذِي أَوْصَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعَمَلٍ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ: أَمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ.

стр. 150

وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي أَوَّلِ الصِّيَامِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنَّ قُدُومَ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَأَظُنُّهُ وَهْمًا، وَلَعَلَّهُ سَنَةَ سَبْعٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ؛ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَأَمَّا ذِكْرُ الْحَجِّ فِي حَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي وُفُودِ ضِمَامٍ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَفَدَ سَنَةَ تِسْعٍ فَيَكُونُ الْحَجُّ إِنَّمَا فُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَهَذَا يُطَابِقُ نُزُولَ الْآيَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. وَهَذَا شَبِيهٌ بِالْحَقِّ فَإِنَّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمَا قَبْلَهَا كَانَتْ مَكَّةُ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ، وَقَدْ غَيَّرُوا شَرَائِعَ الْحَجِّ، وَبَدَّلُوا دِينَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَلَا يُمْكِنُ مُسْلِمًا أَنْ يَفْعَلَ الْحَجَّ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، فَكَيْفَ يَفْرِضُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُمْكِنُهُمْ فِعْلُهُ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الشَّرَائِعُ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا، كُلَّمَا قَدَرُوا، وَتَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ أُمِرُوا بِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهِ فِي الزَّمَانِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَالَّذِينَ ذَكَرُوا وُجُوبَهُ إِنَّمَا تَأَوَّلُوا عَلَيْهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ أَكْثَرُ النَّاسِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي تَأْوِيلِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ نَقْلٌ صَحِيحٌ عَنْ مَنْ يُوثَقُ بِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ سَنَةَ خَمْسٍ، أَوْ سَنَةَ سِتٍّ

стр. 151

الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فُرِضَ مُتَقَدِّمًا لَكِنْ كَانَتْ هُنَاكَ عَوَائِقُ تَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ، بَلْ مِنْ صِحَّتِهِ بِالْكُلِّيِّةِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا، أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ، أَظْهَرُهَا مَنْعًا: أَنَّ الْحَجَّ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ يَقَعُ فِي غَيْرِ حِينِهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَنْسَئُونَ النَّسِيءَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧]. فَكَانَ حَجُّهُمْ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ يَقَعُ فِي غَيْرِ ذِي الْحِجَّةِ. رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] قَالَ: حَجُّوا فِي ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرٍ عَامَيْنِ، فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ حَتَّى وَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ، الْآخِرَ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَةٍ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَابِلٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَلِذَلِكَ حِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : («إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»).

стр. 152

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الْحَجَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الْأَشْهُرَ ذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، وَصَفَرًا وَرَبِيعًا، وَرَبِيعًا، وَجُمَادَى، وَجُمَادَى، وَرَجَبًا، وَشَعْبَانَ، وَرَمَضَانَ، وَشَوَّالًا، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ، ثُمَّ يَحُجُّونَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ يَسْكُتُونَ عَنِ الْمُحَرَّمِ فَلَا يَذْكُرُونَهُ، فَيُسَمُّونَ - أَحْسَبُهُ

стр. 153

قَالَ: الْمُحَرَّمُ صَفَرٌ، ثُمَّ يُسَمُّونَ رَجَبَ جُمَادَى الْآخِرَةَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَعْبَانَ رَمَضَانَ، وَرَمَضَانَ شَوَّالًا، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْقَعْدَةِ شَوَّالًا، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْحِجَّةِ ذَا الْقَعْدَةِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ ذَا الْحِجَّةِ، ثُمَّ عَادُوا لِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ حَتَّى وَافَقَ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ الْآخِرَ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ حَجَّتَهُ الَّتِي حَجَّ، فَوَافَقَ ذَلِكَ ذَا الْحِجَّةِ فَلِذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ: " «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» ". وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هَذَا فِي شَأْنِ النَّسِيءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْقُصُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا. وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: " الشَّهْرُ الَّذِي نَزَعَ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الْمُحَرَّمُ ".

стр. 154

وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] قَالَ: النَّسِيءُ الْمُحَرَّمُ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧] الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْسَأُ النَّسِيءَ مِنْ كِنَانَةَ، وَكَانَ يَجْعَلُ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا يَسْتَحِلُّ فِيهِ الْغَنَائِمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ، وَفِي ذَلِكَ

стр. 155

نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] الْآيَةَ، وَالَّتِي بَعْدَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: " «أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ الْحَجُّ قَبْلَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ بَاطِلًا وَاقِعًا فِي غَيْرِ مِيقَاتِهِ امْتَنَعَ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قَبْلَ تِلْكَ السَّنَةِ، وَعُلِمَ أَنَّ حَجَّةَ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَحَجَّةَ أَبِي بَكْرٍ إِنَّمَا كَانَتَا إِقَامَةً لِلْمَوْسِمِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ وُفُودُ الْعَرَبِ وَالنَّاسِ؛ لِيُنْبَذَ الْعُهُودُ، وَيُنْفَى الْمُشْرِكُونَ، وَيُمْنَعُونَ مِنَ الطَّوَافِ عُرَاةً؛ تَأْسِيسًا وَتَوْطِئَةً لِلْحَجَّةِ الَّتِي أَكْمَلَ اللَّهُ بِهَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ بِهَا النِّعْمَةَ، وَأَدَّى بِهَا فَرَضَ اللَّهُ، وَأُقِيمَتْ فِيهَا مَنَاسِكُ إِبْرَاهِيمَ ﵇.

стр. 156

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ الْمُسْلِمَ أَنْ يَحُجَّ فِي غَيْرِ وَقْتِ حَجِّ الْمُشْرِكِينَ، أَمَّا قَبْلَ الْفَتْحِ فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ لِأُرِيقَ دَمُهُ، وَلَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَصُدَّ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَفِي اسْتِعْطَافِهِمْ تَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ، وَتَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ فِي الْمَوْسِمِ مَا+ فِيهِ. وَالَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، ثُمَّ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ مِنَ الْعَامِ الَّذِي يَلِيهِ، وَمَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ بَدَلَ الْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَ بَدَلَ هَذِهِ الْعُمْرَةِ حَجَّةً أَوْ يَأْمُرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّهَا حَجَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا أَنَّ الْعُمْرَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ عُلِمَ تَعَذُّرُ الْحَجِّ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِوَقْتٍ دُونَ الْعُمْرَةِ. وَقَدْ ذَكَرُوا أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ أَعْذَارِهِ اخْتِلَاطَ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَطَوَافَهُمْ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، وَاسْتِلَامَهُمُ الْأَوْثَانَ فِي حَجِّهِمْ، وَإِهْلَالَهُمْ بِالشِّرْكِ حَيْثُ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، وَإِفَاضَتَهُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمِنْ جَمْعٍ بَعْدَ طُلُوعِهَا، وَوُقُوفَ الْحُمْسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِمُزْدَلِفَةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الْحَجُّ مَعَهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ تَغْيِيرُهَا بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَّا فِي سَنَةِ أَبِي بَكْرٍ - حَجَّ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ لَمَّا زَالَتْ. وَمِنَ الْأَعْذَارِ أَيْضًا اشْتِغَالُهُ بِأَمْرِ الْجِهَادِ، وَغَلَبَةُ الْكُفَّارِ عَلَى أَكْثَرِ الْأَرْضِ،

стр. 157

وَالْحَاجَةُ، وَالْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحُجَّ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ نَظَرٌ، وَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ عُذْرٌ فِي خُصُوصِهِ، لَيْسَتْ عُذْرًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وُجُوبُ الْحَجِّ مُطْلَقًا، قُلْنَا: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عِنْدَنَا يُوجِبُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْلِ الْحَجِّ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِهِ مُقَيَّدًا، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْخِيرَ الْحَجِّ تَفْوِيتٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهِ إِلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَيَصِيرُ كَالْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُوَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ شَرْعًا حَدًّا يَعُمُّ الْمُكَلَّفِينَ، وَالْحَجُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَوْنُهُ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً لَا يُغَيِّرُ وُجُوبَ التَّقْدِيمِ، وَلَا جَوَازَ التَّأْخِيرِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّائِمَ، وَالنَّاسِيَ، وَالْحَائِضَ، وَالْمُسَافِرَ يَأْتُونَ بِالْعِبَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْعَامِّ الْمَحْدُودِ، فَيَكُونُ قَضَاءً مَعَ جَوَازِ التَّأْخِيرِ أَوْ وُجُوبِهِ، وَالْمُزَكِّي يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ عَقِيبَ الْحَوْلِ، وَلَوْ أَخَّرَهَا لَمْ يَكُنْ قَضَاءً، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي شَهْرَ رَمَضَانَ لَوْ أَخَّرَهُ إِلَى عَامٍ ثَانٍ أَوْ أَخَّرَ قَضَاءَ الْحَجِّ إِلَى عَامٍ ثَانٍ لَمْ يُقَلْ لَهُ: قَضَاءَ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَضَايُقُ الصَّلَاةِ أَوِ الْحَجِّ فِي وَقْتِهِ فَأَخَّرَهُ وَأَخْلَفَ ظَنَّهُ - أَثِمَ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ مَا يَفْعَلُهُ قَضَاءً، وَكَذَلِكَ لَوْ صَرَّحَ بِوُجُوبِ الْفِعْلِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَأَخَّرَهُ إِلَى الْوَقْتِ الثَّانِي - لَمْ يَكُنْ قَضَاءً، فَالْحَجِّ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

стр. 158

فَصْلٌ الْمَيِّتُ يَحُجُّ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَكَذَلِكَ الْمَعْضُوبُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، فَإِنْ حَجَّ غَيْرُ الْوَلِيِّ. . . . فَإِنْ حَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ أَجْنَبِيٌّ بِدُونِ إِذْنِ الْوَارِثِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ. فَأَمَّا الْحَيُّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ الْفَرْضَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَحُجُّ عَنْهُ النَّفْلَ بِدُونِ إِذْنِهِ، لَكِنْ إِنْ حَجَّ وَأَهْدَى لَهُ ثَوَابَهُ. . .

стр. 159

فَأَمَّا الْمَيِّتُ فَيَفْعَلُ عَنْهُ الْفَرْضَ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَأَمَّا النَّفْلُ إِذَا فَعَلَهُ عَنْهُ وَارِثٌ أَوْ أَجْنَبِيٌّ فَهَلْ يَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الْإِحْرَامُ عَنْهُ أَوْ يَكُونُ الْحَجُّ عَنِ الْحَاجِّ، وَيَكُونُ الثَّوَابُ لِلْمَيِّتِ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَقِدُ عَنِ الْمَيِّتِ حَجٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ. وَالثَّانِي: يَقَعُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَابْنُ عَقِيلٍ، فَعَلَى هَذَا إِذَا خَالَفَ النَّائِبُ مَا أُمِرَ بِهِ، وَكَانَ عَنْ حَيٍّ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ، بَلْ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ مَيِّتٍ. . .

стр. 160

فَصْلٌ وَإِذَا مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِآدَمِيٍّ وَدَيْنٌ لِلَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ - تَحَاصَّا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَزَكَاةٌ تَحَاصَّ الْغُرَمَاءُ مِنَ الزَّكَاةِ نِصْفَيْنِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَالثَّانِيَةُ: يُقَدَّمُ دَيْنُ الْآدَمِيِّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي الْمَنَاسِكِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ مَاتَ، وَتَرَكَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَحُجَّ، وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ فَرَّطَ فِيهَا، قَالَ: يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ فَيُقْضَى، وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ فِيهِمَا اخْتِلَافٌ، مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنْ لَمْ يُوصِ فَهُوَ مِيرَاثٌ، وَإِنْ أَوْصَى فَهُوَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: يُحَجُّ عَنْهُ، وَيُزَكَّى مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مِيرَاثٌ. وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرَهُ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْجَرْجَرَائِيُّ فَقَالَ:

стр. 161

سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُحَجُّ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ فَمِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ، وَالزَّكَاةُ أَشَدُّ، قَالَ الْقَاضِي: لَمْ يُرِدْ أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى الْحَجِّ أَوْ تُقْضَى دُونَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا أَوْكَدُ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا وَحَقِّ الْفَقِيرِ، وَالْحَجُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ فَقَطْ.

стр. 162

فَصْلٌ وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مُتَبَرِّعًا أَوْ يَحُجَّ بِمَالٍ، فَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا يَحُجُّ بِمَالِ نَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ جَاءَ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ وَالْخَثْعَمِيِّ، وَأَبِي رَزِينٍ، وَحَدِيثُ الْجُهَنِيَّةِ، وَالْمَرْأَةِ الْأُخْرَى، وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ أَقَارِبِهِ، وَيَبْدَأَ مِنْهُمْ بِأَبَوَيْهِ، وَيَبْدَأَ بِالْأُمِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ قَدْ وَجَبَ عَلَى الْأَبِ فَيَبْدَأُ بِهِ، قَالَ: فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى: إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الْحَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ يَبْدَأُ بِالْأُمِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إِنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِمَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ فَيَحُجَّ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا بِحَجٍّ عَنْ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ. وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ الْجَرْجَرَائِيِّ عَنِ الرَّجُلِ يُعْطَى لِلْحَجِّ عَنْ مَيِّتٍ قَالَ: لَا لَا يَأْخُذُ.

стр. 163

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي: رَجُلٌ حَجَّ وَيَأْخُذُ كُلَّ سَنَةٍ حَجَّةً، قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا. وَقَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ يُحِبُّ الْحَجَّ تَرَى لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَحُجَّ عَنِ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يَبْتَدِيَ، فَقِيلَ لَهُ: حُجَّ فَلَا بَأْسَ بِهِ. فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ لِمَنِ ابْتَدَأَ إِذَا كَانَ مَقْصُودُهُ الْحَجَّ. وَإِنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ وَارِثٌ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، وَقَدْ سُئِلَ: يَحُجُّ الرَّجُلُ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: إِنْ حَجَّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ مُتَبَرِّعًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَلَا يَحُجُّ وَارِثٌ عَنْ +وَارِثٍ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ.

стр. 164

فَصْلٌ وَتَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ فِي الْحَيَاةِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ مِنَ الْمَعْضُوبِ وَالْقَادِرِ+ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الصَّحِيحِ: هَلْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ يَتَطَوَّعُ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ فِي الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ، وَلَكِنْ إِنْ أَحَجَّ الصَّحِيحَ عَنْهُ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَضُرَّهُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: يُتَصَدَّقُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَيُحَجُّ عَنْهُ، وَيُسْقَى عَنْهُ، وَيُعْتَقُ عَنْهُ، وَيُصَامُ النَّذْرُ إِلَّا الصَّلَاةَ. وَالْأُخْرَى: لَا تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ إِلَّا فِي الْفَرْضِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ، وَقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَنْ قَدْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ يُعْطِي دَرَاهِمَ يُحَجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: لَيْسَ يَكُونُ لَهُ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ.

стр. 165

قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي فِعْلِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، وَجَعَلَ الْعِلَّةَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا أَوْ عَاجِزًا، وَسَوَاءٌ فِيهِ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْحَيَاةِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ. وَجَعَلَ أَبُو الْخَطَّابِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذَا فِيمَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ، فَأَمَّا الْعَاجِزُ فَتَجُوزُ اسْتِنَابَتُهُ بِلَا تَرَدُّدٍ. وَلَوْ كَانَ عَجْزُهُ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ كَالْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ فَهُوَ كَالْمَعْضُوبِ فِي النَّفْلِ؛ لِأَنَّ النَّفْلَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ عَامٍ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ فِي هَذَا الْعَامِ فَهُوَ كَالْمَعْضُوبِ الَّذِي عَجَزَ عَنِ الْفَرْضِ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ، وَهَذَا فِيمَنْ أَحْرَمَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَبَّى عَنْهُ. فَأَمَّا إِنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَهْدَى ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ فَهَذَا يَجُوزُ عِنْدَنَا قَوْلًا وَاحِدًا لِمَا تَقَدَّمَ.

стр. 166

فَصْلٌ وَإِذَا اسْتَنَابَ رَجُلًا فِي الْحَجِّ أَوْ نَابَ عَنْهُ فِي فَرْضِهِ فَإِنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمَنُوبِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَّهَ الْحَجَّ بِالدَّيْنِ، وَجَعَلَ فِعْلَهُ عَنِ الْعَاجِزِ وَالْمَيِّتِ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، وَقَالَ لِأَبِي رَزِينٍ: " «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ، وَاعْتَمِرْ» " وَقَالَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: " «حُجِّي عَنْهُ» " وَكَذَلِكَ قَالَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ: " «حُجَّ عَنْهُ» ". وَالشَّيْءُ إِذَا فُعِلَ عَنِ الْغَيْرِ كَانَ الْفَاعِلُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ وَالنَّائِبِ، وَيَكُونُ الْعَمَلُ مُسْتَحَقًّا لِلْمَعْمُولِ عَنْهُ، وَلِهَذَا لَوْ وَجَبَ عَلَى الْإِنْسَانِ عَمَلٌ فِي عَقْدِ إِجَارَةٍ فَعَمِلَهُ عَنْهُ عَامِلٌ كَانَ الْعَمَلُ لِلْأَجِيرِ لَا لِلْعَامِلِ؛ وَلِأَنَّهُ يَنْوِي الْإِحْرَامَ عَنْهُ، وَيُلَبِّي عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ إِلَّا ثَوَابُ النَّفَقَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْطَى غَيْرَهُ مَالًا يَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ يُجَاهِدُ الْكُفَّارَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَبِّيَ عَنْهُ.

стр. 167

فَصْلٌ وَيَجُوزُ حَجُّ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ حَجُّ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: " يَحُجُّ الرَّجُلُ عَنِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةُ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ عَنِ الرَّجُلِ " وَعَلَيْهِ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَقَدْ سُئِلَ: يَحُجُّ عَنْ أُمِّهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ، يَقْضِي عَنْهَا دَيْنًا عَلَيْهَا، قِيلَ لَهُ: فَيُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ، وَيَنْوِي عَنْهَا، قَالَ: جَائِزٌ، قِيلَ لَهُ: فَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ عَنِ الرَّجُلِ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَانَتْ مُحْتَاجَةً ".

стр. 168

فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِيجَارُ عَلَى الْحَجِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ تُفْعَلَ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ، مِثْلَ: الْأَذَانِ، وَالْإِمَامَةِ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا أَنْ يَأْخُذَ نَفَقَةً يَحُجُّ بِهَا فَيَجُوزُ، هَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ رِوَايَتَانِ، كَرِهُ أَحْمَدُ ﵁ فِي إِحْدَاهُمَا أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ فَيَحُجَّ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا بِالْحَجِّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ أَخِيهِ أَوْ عَنْ أُمِّهِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ الْأَخْذُ نَفَقَةً وَأُجْرَةً مَعَ الْجَوَازِ، وَتَجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الرِّوَايَتَانِ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَطْ. وَأَجَازَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْحَجِّ، وَمَا يَخْتَصُّ نَفْعُهُ مِمَّا

стр. 169

لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْكِفَايَةِ دُونَ مَا يَعُمُّ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى الْخَيْرِ أَجْرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ أَجْرٌ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَا كَانَ فَرْضًا عَلَى الْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِثْلَ الْأَذَانِ، وَالصَّلَاةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَيْهِ أَجْرٌ، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ مَنْ حُجَّ عَنْهُ فَهُوَ جَائِزٌ، مِثْلَ فِعْلِ الْبَنَّاءِ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الَّذِي يَبْنِي بِنَاءَ الْمَسْجِدِ. فَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: وَالَّذِي يَحُجُّ عَنِ النَّاسِ بِالْأَجْرِ لَيْسَ عِنْدَنَا فِيهِ شَيْءٌ، وَمَا سَمِعْنَا أَنَّ أَحَدًا اسْتَأْجَرَ مَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ: أَكْرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ يَحُجُّ عَنْهُمَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: نَحْنُ نَكْرَهُ هَذَا إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ فَقَدْ

стр. 170

نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ الْأُجْرَةِ، وَلَمْ يَكْرَهِ النَّفَقَةَ، وَقَدْ نَصَّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى مَنْ يَأْخُذُ مَالًا يَحُجُّ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ، وَهَلْ يَكُونُ لَهُ الْفَاضِلُ أَوْ لَا يَكُونُ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي أَخَذَ الْقَاضِي مِنْهَا جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَمَّنْ يُكْرِي نَفْسَهُ لِلْحَجِّ، وَيَحُجُّ، قَالَ: لَا بَأْسَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ: يُكْرِي نَفْسَهُ، وَيَحُجُّ إِلَّا أَنَّ هَذَا إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنْ يُكْرِيَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ وَالْعَمَلِ، وَلِهَذَا قَالَ: يُكْرِي نَفْسَهُ، وَيَحُجُّ، وَفِي مِثْلِ هَذَا جَاءَتِ السُّنَّةُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ فَيَحُجَّ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُتَبَرِّعًا بِحَجٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُخْتِهِ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي

стр. 171

سَأَلَهُ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ»، وَالَّذِي يَأْخُذُ دَرَاهِمَ الْحَجِّ لَا يَمْشِي، وَلَا يَقْتُرُ، وَلَا يُسْرِفُ إِنَّمَا الْحَجُّ عَمَّنْ كَانَ لَهُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ، وَيُنْفِقُ، وَلَا يُسْرِفُ، وَلَا يَقْتُرُ إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ صِغَارًا. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْجَرْجَرَائِيِّ. . . وَقَالَ فِي الْمَعْضُوبِ: يَحُجُّ عَنْهُ وَلِيُّهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَذِنَ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَعْضُوبِ وَالْمَيِّتِ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِالْحَجِّ عَنْهُمْ، أَوْجَبَ قَضَاءَ دَيْنِهِمْ، وَبَرَاءَةَ ذِمَّتِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَخْذَهُ الدَّرَاهِمَ يَحُجُّ بِهَا. وَإِنَّمَا كُرِهَتِ الْإِجَارَةُ لِمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا عَلَى عَهْدِ السَّلَفِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْحَجِّ عَنْهُ، وَلَمْ يَسْتَأْجِرْ أَحَدٌ أَحَدًا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا حَسَنًا لَمَا أَغْفَلُوهُ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] وَالْأَجِيرُ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ حَرْثَ الدُّنْيَا، وَقَالَ تَعَالَى:

стр. 172

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] وَقَالَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَكْلٌ لِلدُّنْيَا بِالدِّينِ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ الَّذِي قَدْ قِيلَ فِيهِ: " «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» " وَيَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَنِ اسْتُؤْجِرَ بِدَرَاهِمَ يَغْزُو بِهَا: " لَيْسَ لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ إِلَّا هَذَا» " وَهَذَا لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مُعَاوَضَةٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ يَمْلِكُ بِهَا الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ كَمَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْأَعْيَانَ الْمَبِيعَةَ،

стр. 173

فَالْأَجِيرُ لِلْحَجِّ يَبِيعُ إِحْرَامَهُ، وَطَوَافَهُ، وَسَعْيَهُ، وَوُقُوفَهُ، وَرَمْيَهُ لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ بِالْأَجْرِ الَّذِي أَخَذَهُ؛ وَلِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ يُبْطِلُ الْقُرْبَةَ الْمَقْصُودَةَ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ عَمَلٌ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْقُرَبِ، وَهَذَا لِأَنَّ دُخُولَهُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مُسْتَحِقًّا لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقَعَ قُرْبَةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْمَلَ مَنَاسِكَهُ كُلَّهَا لِلَّهِ، وَيَعْبُدَهُ بِذَلِكَ، فَلَوْ أَنَّهُ عَمِلَهَا بِعِوَضٍ مِنَ النَّاسِ لَمْ تُجْزِهِ إِجْمَاعًا كَمَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى بِالْكِرَا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَمَلَ غَيْرِهِ قَائِمًا مَقَامَ عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، وَسَادًّا مَسَدَّهُ رَحْمَةً وَلُطْفًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ لِيَحْصُلَ بِهِ مَقْصُودُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَدِينِ إِذَا قُضِيَ عَنْهُ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ مَا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْعَامِلُ عَنْهُ إِنَّمَا يَعْمَلُ لِلدُّنْيَا، وَلِأَجْلِ الْعِوَضِ الَّذِي أَخَذَهُ لَمْ يَكُنْ حَجُّهُ عِبَادَةً لِلَّهِ وَحْدَهُ فَلَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا تَقَعُ النِّيَابَةُ الْمَحْضَةُ مِمَّنْ غَرَضُهُ نَفْعُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ لِرَحِمٍ بَيْنَهُمَا أَوْ صَدَاقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهُ قَصْدٌ فِي أَنْ يَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ فَيَكُونَ حَجُّهُ لِلَّهِ فَيُقَامَ مَقَامَ حَجِّ الْمُسْتَنِيبِ. وَالْجَعَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ حَتَّى يَعْمَلَ.

стр. 174

وَأَمَّا الْحَجُّ بِالنَّفَقَةِ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ أَحْمَدُ مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَصْدُهُ الْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مُدَّةَ الْحَجِّ فَلَا يَكُونُ حَجُّهُ لِلَّهِ كَمَا أَنَّ الْأَجِيرَ قَصْدُهُ مِلْكُ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا مُقَدَّرًا مِثْلَ وَصِيَّةٍ وَنَحْوِهَا فَقَدْ يَكُونُ قَصْدُهُ اسْتِفْضَالَ شَيْءٍ لِنَفْسِهِ فَيَبْقَى عَامِلًا لِأَجْلِ الدُّنْيَا، وَوَجْهُ جَوَازِ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ بِمَالِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا الْمَالَ فِي الْحَجِّ.

стр. 175

فَصْلٌ وَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ، فَاسْتُؤْجِرَ رَجُلٌ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ الْإِجَارَةِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأُجْرَةِ، وَعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَتَمَلُّكِ الْأُجْرَةِ بِالْعَقْدِ فَيَتَصَرَّفُ بِمَا شَاءَ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَوْ أُحْصِرَ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ أَوْ ضَاعَتِ النَّفَقَةُ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَإِنْ مَاتَ انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، وَاسْتَحَقَّ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنَ الطَّرِيقِ، وَيُتَمِّمُ الْحَجَّ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَمَا لَزِمَهُ مِنَ الدِّمَاءِ فَهُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَهَا جَعَالَةً بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: إِنْ حَجَجْتَ فَلَكَ هَذَا الْجُعْلُ فَهَذَا عَقْدٌ جَائِزٌ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْعِوَضَ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَلِ، وَلَا يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ عَاقَهُ عَائِقٌ عَنْ تَمَامِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى: إِذَا أَخَذَ حَجَّةً عِشْرِينَ دِينَارًا فَلَمَّا بَلَغَ الْكُوفَةَ مَرِضَ فَرَجَعَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا أَخَذَ، وَلَا يَحْتَسِبُ مِنْهُ مَا أَنْفَقَ فَإِنْ تَلِفَ مِنْهُ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ فَهَذَا يَضْمَنُ ذَلِكَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَتْ جَعَالَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ إِتْمَامَ الْحَجِّ، وَلَا احْتَسَبَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ، وَجَعَلَ التَّالِفَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَهَذِهِ أَحْكَامُ الْأَجْعَالِ، وَإِنْ أَخَذَهَا نَفَقَةً، سَوَاءٌ قُلْنَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ أَوْ لَا تَصِحُّ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ. وَالنَّائِبُ الْمَحْضُ كَالنَّائِبِ فِي الْقَضَاءِ وَالْأَعْمَالِ الْعَامَّةِ، وَيَكُونُ مَا يَأْخُذُهُ

стр. 176

بِمَنْزِلَةِ الرِّزْقِ الَّذِي يُرْزَقُهُ الْأَئِمَّةُ، وَالْقُضَاةُ، وَالْمُؤَذِّنُونَ، فَلَوْ تَلِفَ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ أَوْ مَاتَ أَوْ مَرِضَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَنْفَقَ، وَلَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِتْمَامُ بَقِيَّةِ الْعَمَلِ، وَيُحْسَبُ لِلْمُسْتَنِيبِ بِمَا عَمِلَهُ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ نُصُوصِهِ. قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ أُعْطِيَ دَرَاهِمَ يَحُجُّ بِهَا عَنْ إِنْسَانٍ فَمَاتَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا أَنْفَقَ، وَيَحُجُّوا بِالْبَاقِي مِنْ حَيْثُ بَلَغَ هَذَا الْمَيِّتُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ: إِذَا دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا يَحُجُّ بِهِ عَنْ رَجُلٍ فَضَاعَ مِنْهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: فَيَجْزِي عَنِ

стр. 177

الْمُوصِي حَجَّتَهُ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي أُخْبِرُكَ، أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ. وَإِذَا لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ النَّفَقَةَ، فَإِنَّهُ يُنْفِقُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ، قَالَ أَحْمَدُ: الَّذِي يَأْخُذُ دَرَاهِمَ يَحُجُّ لَا يَمْشِي، وَلَا يَقْتُرُ، وَلَا يُسْرِفُ إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ صِغَارًا. وَقَالَ فِي رَجُلٍ أَخَذَ حَجَّةً عَنْ مَيِّتٍ فَفَضَلَ مَعَهُ فَضْلَةٌ: يَرُدُّهَا، وَلَا يُنَاهِدُ أَحَدًا إِلَّا بِقَدْرِ مَا لَا يَكُونُ مُسْرِفًا، وَلَا يَدْعُو إِلَى طَعَامِهِ، وَلَا يَتَفَضَّلُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إِذَا أُعْطِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ كَذَا وَكَذَا، فَقِيلَ لَهُ: حُجَّ بِهَذَا - فَلَهُ أَنْ يَتَوَسَّعَ فِيهَا، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ. وَإِذَا قَالَ الْمَيِّتُ: حُجُّوا عَنِّي حَجَّةً بِأَلْفٍ فَدَفَعُوهَا إِلَى رَجُلٍ فَلَهُ أَنْ يَتَوَسَّعَ فِيهَا، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لَهُ، وَهَذِهِ النَّفَقَةُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا تُقَدَّرُ بِأَمْرِ الْمَيِّتِ أَوِ الْمُسْتَنِيبِ الْحَيِّ أَوْ بِتَقْدِيرِ الْوَرَثَةِ إِذَا كَانُوا كِبَارًا فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ يَتِيمٌ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا فَضَلَ فَهُوَ لَكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّعَ بِإِذْنِهِمْ وَغَيْرِ إِذْنِهِمْ إِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ؛ إِلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ الْكِبَارُ بِشَيْءٍ مِنْ حِصَّتِهِمْ. وَلَا يَمْلِكُ الْفَاضِلَ إِلَّا بَعْدَ الْحَجِّ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ.

стр. 178

قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا قَالَ حُجُّوا عَنِّي بِأَلْفٍ فَمَا فَضَلَ مِنَ الْأَلْفِ رَدَّهُ عَلَى الْحَجِّ، وَلَوْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي حَجَّةً بِأَلْفٍ فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِلَّذِي يَحُجُّ، وَإِذَا قَالَ: حُجُّوا عَنِّي حَجَّةً فَمَا فَضَلَ مِمَّا دُفِعَ إِلَيْهِ رُدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ، وَإِذَا دَفَعَ إِلَى الرَّجُلِ حَجَّةً، فَقَالَ: مَا فَضَلَ لَكَ، فَأَخَذَهَا الرَّجُلُ فَاشْتَرَى بِهَا مَتَاعًا يَتَّجِرُ بِهِ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ، قَدْ خَالَفَ، إِنَّمَا قَالَ لَهُ امْضِ فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لَكَ، لَمْ يَقُلْ اتَّجِرْ قَبْلُ. وَهَلْ لِهَذَا الَّذِي قَدَّرَ لَهُ النَّفَقَةَ أَنْ يَقْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَنْ يَمْشِيَ؟

стр. 179

فَصْلٌ فَأَمَّا الْأَجِيرُ الَّذِي يُكْرِي نَفْسَهُ لِخِدْمَةِ الْجِمَالِ أَوِ الرِّكَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ بَلْ لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مُتَبَرِّعًا، وَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَجَزَأَهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْكَوْسَجِ فِيمَنْ يُكْرِي نَفْسَهُ، وَيَحُجُّ: لَا بَأْسَ، وَقَالَ حَرْبٌ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ، قُلْتُ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَخْرُجَ مَعَهُ فَيَخْدِمَهُ فَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ، قُلْتُ: إِذَا كَانَ أَجِيرًا، قَالَ: نَعَمْ، وَسَأَلْتُهُ قُلْتُ: الرَّجُلُ يَحُجُّ مَعَ الرَّجُلِ فَيَكْفِيهِ نَفَقَتَهُ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَتَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُكْرِي دَوَابَّهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَوْ يَتَّجِرُ فِيهِ فَإِنَّهُ حَجَّ وَاعْتَاضَ عَنْ مَنْفَعَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْحَجِّ، بَلْ إِنْ كَانَ إِنَّمَا يُكْرِي نَفْسَهُ لِيَحُجَّ بِذَلِكَ الْعِوَضِ فَهُوَ +الْمُحْسِنِينَ، «عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّمِيمِيِّ قَالَ: " كُنْتُ رَجُلًا أُكْرَى فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ: لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي رَجُلٌ أُكْرَى فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَلَيْسَ تُحْرِمُ، وَتُلَبِّي، وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَتَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ لَكَ حَجًّا، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ: لَكَ حَجٌّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.

стр. 180

وَعَنْ أَبِي السَّلِيلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي رَجُلٌ أُكْرَى، وَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ يَقُولُونَ: إِنَّمَا أَنْتَ خَادِمٌ إِنَّمَا أَنْتَ أَجِيرٌ، قَالَ: " بَلَى لَكَ حَجٌّ حَسَنٌ جَمِيلٌ إِذَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، وَأَحْسَنْتَ الصَّحَابَةَ " رَوَاهُ حَرْبٌ.
следующие страницы →