Полный текст (1 211 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ضَرُورَةٌ يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يَضِيعَ حَقُّ الْمُدَّعِي، وَفِي التَّغْرِيبِ لِأَنَّهُ حَدٌّ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ... .
وَالْعَجُوزُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى ... .
стр. 107
وَهَلِ الْمَحْرَمُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلُّزُومِ وَالْأَدَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: الْمَحْرَمُ لِلْمَرْأَةِ مِنَ السَّبِيلِ ... .
стр. 108
(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْمَحْرَمِ).
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ: هُوَ زَوْجُهَا وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ، أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ.
وَتَسْمِيَةُ الزَّوْجِ مَحْرَمًا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ: («لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ»). وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ (ذُو مَحْرَمٍ). وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تُسَافِرُ مَعَ الزَّوْجِ، فَيَتَنَاوَلُهُ اسْمُ مَحْرَمٍ، وَرُبَّمَا لَمْ يُسَمَّ مَحْرَمًا عَلَى مَا جَاءَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: (إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا).
وَسَبَبُ هَذَا أَنَّ الْمَحْرَمَ إِمَّا صِفَةٌ أَوْ مَصْدَرٌ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ إِمَّا مِنَ التَّحْرِيمِ، أَوْ مِنَ الْحُرْمَةِ. . فَأَمَّا الزَّوْجُ فَإِنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا مُعْتَدَّةً مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ مُحَرَّمَةً وَهُوَ مُحَلٌّ، أَوْ هُمَا مُحَرَّمَانِ قَدْ وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا؛ لِكَوْنِهِمَا فِي قَضَاءِ حَجٍّ فَاسِدٍ، وَفِي مَعْنَاهُ سَيِّدُ الْأَمَةِ، فَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا عَلَيْهِ ... .
وَأَمَّا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ مِنْ وَلَدِهَا وَآبَائِهَا، وَأُخْوَتِهَا، وَبَنِي أُخْوَتِهَا، وَأَعْمَامِهَا، وَأَخْوَالِهَا فَكُلُّهُمْ مَحَارِمُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَ سَبَبُ النَّسَبِ نِكَاحًا صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا، أَوْ وَطْءَ شُبْهَةٍ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْأَنْسَابِ الثَّابِتَةَ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ سَوَاءٌ فِي الْأَحْكَامِ.
فَأَمَّا بِنْتُهُ مِنَ الزِّنَا وَأُخْتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا - وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ
стр. 109
- فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا فِي الْمَنْصُوصِ بِخِلَافِ أُمِّهِ. وَكَذَلِكَ ابْنَتُهُ الَّتِي لَاعَنَ عَلَيْهَا لَيْسَ هُوَ مَحْرَمًا لَهَا، وَلَا ابْنُهُ، وَلَا أَبُوهُ.
وَأَمَّا السَّبَبُ فَقِسْمَانِ: صِهْرٌ، وَرَضَاعٌ، أَمَّا الصِّهْرُ فَأَرْبَعٌ: زَوْجُ أُمِّهَا، وَابْنَتُهَا، وَأَبُو زَوْجِهَا، وَابْنُهُ.
وَأَمَّا الرَّضَاعُ: فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَحَارِمُ.
وَأَمَّا مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا تَحْرِيمًا عَارِضًا كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَأُخْتِ امْرَأَتِهِ وَسُرِّيَّتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَلَيْسَ هُوَ مَحْرَمًا لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحْرَمًا لَهُنَّ: لَكَانَ مَنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا قَدْ صَارَ مَحْرَمًا لِجَمِيعِ بَنَاتِ آدَمَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذَا حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ يَئِسَتِ النَّفْسُ مِنْهَا، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا طَمَعٌ فِي
стр. 110
أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهَا نَظَرَ شَهْوَةٍ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الْمَآلِ، بِخِلَافِ مَنْ تَحْرُمُ فِي الْحَالِ فَقَطْ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ حِلِّهَا بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ تُطْمِعُ النَّفْسَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَيَصِيرُ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ التَّحْرِيمِ كَافِيًا فِي ذَلِكَ لَكَانَ مَحْرَمًا لِسَائِرِ الْمُحْصَنَاتِ، بَلْ لِسَائِرِ النِّسَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَوْ حَجَّتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَجْزَأَتْهَا الْحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ مَعَ مَعْصِيَتِهَا، وَعَظِيمِ الْإِثْمِ عَلَيْهَا.
стр. 111
[مَسْأَلَةٌ وجوب الحج على من فرط فيه حتى مات]
مَسْأَلَةٌ: (فَمَنْ فَرَّطَ حَتَّى مَاتَ أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ، أَوْ نَائِبِهِ فِي حَيَاتِهِ، فَفَرَّطَ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، وَلَهُ تَرِكَةٌ: وَجَبَ أَنْ تُخْرَجَ مِنْ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَرِّطْ؛ وَهُوَ مَنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ كَانَ مَحْبُوسًا، أَوْ مَمْنُوعًا، أَوْ كَانَ بِطَرِيقَةٍ عَاقَةٍ، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَجِّ فِي ذِمَّتِهِمْ، وَيَكُونُ هَذَا الْحَجُّ دَيْنًا عَلَيْهِ يُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصَايَا وَالْمَوَارِيثِ. هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ، نَصَّ عَلَيْهِ - فِي مَوْضِعٍ - وَأَصْحَابِهِ، كَمَا قُلْنَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ دَيْنٌ مِنَ الدُّيُونِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: (أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَكَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْهُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 112
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: («أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، وَإِنْ حَمَلْتُهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ، وَإِنْ رَبَطْتُهَا خَشِيتُ أَنْ أَقْتُلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْ أُمِّكَ»). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مِنَ الْفَضْلِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: («أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَثْبُتُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَكَانَ يُجْزِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْ أَبِيكَ»). وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الَّذِي
стр. 113
فِي حَدِيثِ الْفَضْلِ إِنَّمَا سَأَلَتْ عَنْ أُمِّهَا، وَبِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَإِذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فَإِنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ مَعْنَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمِيرَاثُ بَعْدَ وَصِيَّةٍ أَوْ دَيْنٍ، وَلَمْ يُخَصِّصْ دَيْنَ الْآدَمِيِّ مِنْ دَيْنِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ -، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ قَدْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ: أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ صُلْبِ الْمَالِ.
وَأَيْضًا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ قَالَ: («بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ: وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا»)؟ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: (إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («أَمَرَتِ امْرَأَةٌ سِنَانَ بْنَ سَلَمَةَ الْجُهَنِيَّ أَنْ يَسْأَلَ
стр. 114
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ أَفَيُجْزِئُ أُمَّهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ فَقَضَتْهُ عَنْهَا أَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْهَا؟ فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمِّهَا»). وَعَنْهُ أَيْضًا: («أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَبِيهَا مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، قَالَ: حُجِّي عَنْ أَبِيكِ»). وَعَنْهُ قَالَ: («قَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ»). رَوَاهُنَّ النَّسَائِيُّ.
فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ وُجُوهٍ: -
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِفِعْلِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْحِجَّةِ الْمَنْذُورَةِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّهَا تُؤَدَّى عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَكُلُّ مَا يَبْقَى مِنَ الْحُقُوقِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُؤَدَّى بَعْدَ الْمَوْتِ: فَإِنَّهُ يَجِبُ فِعْلُهُ
стр. 115
بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَفْعَلُ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجِبْ فِعْلُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ يَزْعُمُ أَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ قَدْ سَقَطَتْ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّ الَّذِي يُفْعَلُ عَنْهُ حَجُّ تَطَوُّعٍ لَهُ أَجْرُهُ، وَثَوَابُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ - زَعْمٌ - لَا يُفْعَلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي يُوصَى بِهِ لَيْسَ هُوَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ نَفْسَ الْوَاجِبِ هُوَ الَّذِي يُقْضَى عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ الْحَجَّ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَكُلُّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنَّهُ يُقْضَى عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: («اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»). وَقَوْلُهُ: فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ الصَّوْمِ («فَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ»): إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِ اللَّهِ أَوْجَبُ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ أَوْكَدُ،
стр. 116
وَأَثْبَتُ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهِ: («فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ») فَعَلَى هَذَا إِذَا وَجَبَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ مِنْ تَرِكَتِهِ فَأَنْ يَجِبَ قَضَاءُ دَيْنِ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُجْزِئَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرِيمٌ جَوَادٌ، وَمَنْ يَكُونُ أَحْرَى بِقَبُولِ الْقَضَاءِ: فَحَقُّهُ أَوْلَى أَنْ يُقْضَى؛ لِأَنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يَحْصُلَ بِقَضَائِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ جَوَازِ الْقَضَاءِ عَنِ الْمَيِّتِ لَا عَنْ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ، فَعَلَى هَذَا إِذَا وَجَبَ فِعْلُ الدَّيْنِ عَنْهُ لِبَقَائِهِ وَكَوْنِهِ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، [وَجَبَ قَضَاءُ الْحَجِّ وَنَحْوِهِ عَنْهُ لِبَقَائِهِ، وَكَوْنُهُ يُجْزِئُ بَعْدَ الْمَوْتِ] لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تَقْتَضِي جَوَازَ فِعْلِ الْحَجِّ الْمَفْرُوضِ عَنِ الْمَيِّتِ، سَوَاءٌ وَصَّى بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُوصِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْأَلْهُمْ عَنْ تَرِكَةٍ خَلَّفُوهَا، وَتَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَيُؤَدِّي عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ بِعَيْنِهَا أَحْكَامُ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْوَلِيَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي يَجِبُ قَضَاؤُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَمَّا كَانَ الدَّيْنُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ تَرِكَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ فَكَذَلِكَ الْحَجُّ
стр. 117
وَأَيْضًا: فَقَدْ تَقَدَّمَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ أَطْعَمَ عَنْهُ، كَمَا يُطْعِمُ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَإِذَا وَجَبَ الْإِطْعَامُ فِي تَرِكَتِهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ الْحَجُّ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَا فَرْقَ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحَجَّ حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ فِي حَيَاتِهِ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدُيُونِ الْآدَمِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدْ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]- إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، وَقَوْلِهِ:
стр. 118
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ - لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَاتَ عَاصِيًا عَلَى كَبِيرَةٍ مِنَ الْكَبَائِرِ، بَلْ تُخُوِّفَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْفَوْرِ، فَلَوْ كَانَ الْحَجُّ يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ عَنْهُ - بَعْدَ مَوْتِهِ - وَيُجْزِؤُهُ كَمَا يُجْزِؤُهُ لَوْ فَعَلَهُ فِي حَيَاتِهِ لَكَانَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْحَجَّ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إِلَى آخِرِ حَيَاتِهِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَهُ. وَالَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْعِبَادَةِ ابْتِلَاءٌ لِلْعَبْدِ وَامْتِحَانٌ لَهُ، وَأَمْرٌ لَهُ بِأَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِأَنْ يَقْصِدَ الْعِبَادَةَ وَيَفْعَلَهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْمُرَ مَنْ يَفْعَلُهَا. وَبِالْمَوْتِ قَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ حَجَّ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ دَيْنِ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، وَيَصِحُّ بِدُونِ إِذْنِهِ، لَوْ أَدَّاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ جَازَ وَلَوِ اقْتَضَاهُ الْغَرِيمُ مِنْ مَالِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ يَحُجُّوا، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْحَجُّ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَمْلِكُوا زَادًا وَرَاحِلَةً، أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ لَكِنْ لَهُمْ ثَوَابُ وَأَجْرُ مَا يُفْعَلُ عَنْهُمْ لَا أَنَّ الْوَاجِبَ نَفْسَهُ يَسْقُطُ، وَإِذَا لَمْ يَسْقُطِ الْوَاجِبُ: لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَرَثَةِ شَيْءٌ.
قُلْنَا: لَا رَيْبَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَاصِيًا مُعَرَّضًا لِلْوَعِيدِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنْهُ، وَعَدَمَ صِحَّتِهِ، وَوُجُوبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ كَمَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَامِدًا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا،
стр. 119
أَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَمْدًا. فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَأَجْزَأَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَطَلَ الْغُرَمَاءَ بِدُيُونِهِمْ مَعَ الْيَسَارِ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِهَذَا الْمَطْلِ وَالتَّأْخِيرِ، وَيُؤَدَّى عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيُجْزِؤُهُ، بَلْ عِنْدَنَا لَوْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ فَعَلَهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَأَثِمَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَغْفِرَ. وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ، وَأَنْ يَكُونَ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ، كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ، وَيَصُومَ، وَأَنْ يَفْعَلَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِي وَقْتِهِمَا، فَمَتَى تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَاجِبَيْنِ: لَمْ يَسْقُطِ الْوَاجِبُ الْآخَرُ وَهُوَ مُطْلَقُ الْحَجِّ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُفْعَلَ عَنْهُ، وَإِذَا تَعَذَّرَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا لَمْ يَسْقُطْ نَفْسُ الْفِعْلِ، بَلْ يُفْعَلُ بَعْدَ الْوَقْتِ.
فَهَذَا الَّذِي أَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى مَاتَ: إِنْ لَمْ يُفْعَلْ عَنْهُ لَحِقَهُ وَعِيدُ تَرْكِ الْحَجِّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ فُعِلَ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُ نَفْسُ الْحَجِّ، وَبَقِيَ إِثْمُ تَأْخِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ فِيهِ، وَتَرْكِ فِعْلِهِ، كَمَا يَبْقَى عَلَى مَنْ يَقْضِي الدَّيْنَ إِثْمُ الْمَطْلِ وَأَشَدُّ. وَسُؤَالُهُ الرُّجْعَةَ، [وَكَوْنُهُ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ: حَقٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ تَرْكِهِ] الْحَجَّ بِنَفْسِهِ وَتَفْرِيطِهِ فِيهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ مُتَعَمِّدًا حَبِطَ عَمَلُهُ وَإِنْ قَضَاهَا، وَكَمَا يَلْحَقُ الْوَعِيدُ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، وَإِنْ صَلَّوْهَا بَعْدَ الْوَقْتِ. وَهُنَا قَدْ قَضَوْهَا بِأَنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَقْضِي عَنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَلِأَنَّ هَذَا النَّكَالَ وَهَذَا الْخَطَرَ وَالْعَذَابَ الشَّدِيدَ يَكُونُ [حِينَ الْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ
стр. 120
يُحَجَّ عَنْهُ]، فَإِذَا حُجَّ عَنْهُ خَفَّفَ عَنْهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ ... .
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ مَاتَ يُحَجُّ عَنْهُ، إِمَّا لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُخْلِفُ مَالًا، أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَهَاوَنُ الْوَرَثَةُ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْهُ، فَمَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ يَكُونُ أَمْرُهُ أَخَفَّ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْفَرَائِضِ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا إِلَّا بِنِيَّةِ الْمُكَلَّفِ وَأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ بِدُونِ ذَلِكَ مُحَالٌ، فَذَلِكَ فِيمَا وَجَبَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَوْ حَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فِي حَيَاتِهِ بِدُونِ أَمْرِهِ لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا مَاتَ صَارَ الْمُخَاطَبُ بِالْوُجُوبِ غَيْرَهُ، وَهُمُ الْوَرَثَةُ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بِكَرَمِهِ وَجُودِهِ أَقَامَ فِعْلَهُمْ عَنْهُ مَقَامَ فِعْلِهِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي التَّأْخِيرِ لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا، وَإِنْ كَانَ فَرَّطَ قَامَ مَقَامَهُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، وَبَقِيَ إِثْمُ التَّرْكِ عَلَيْهِ هُوَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَا وَجَبَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَنْوِيَهُ غَيْرُهُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوُجُوبُ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلُ أَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَإِنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا هُوَ الْوَلِيُّ.
يَبْقَى الْحَجُّ عَنِ الْمَعْضُوبِ هَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ بِدُونِ إِذْنِهِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا:
стр. 121
لَا يُجْزِئُ عَنْهُ بِدُونِ إِذْنِهِ وَيَتَوَجَّهُ ... .
وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ مَا دَامَ إِذْنُهُ مُمْكِنًا فَعِنْدَ تَعَذُّرِ إِذْنِهِ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فِعْلَ غَيْرِهِ قَائِمًا مَقَامَ فِعْلِهِ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ كَمَا قَدْ يَقُومُ فِعْلُ غَيْرِهِ مَقَامَ فِعْلِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ، وَحُصُولِ الثَّوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ إِهْدَاءِ الثَّوَابِ لِلْمَوْتَى، وَتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَنْفَعُ غَيْرَ عَامِلِهِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
стр. 122
(فَصْلٌ)
يَجِبُ الْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ وَالْعَاجِزِ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَحُجُّوا عَنْهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي مَلَكَ فِيهِ الزَّادَ، وَالرَّاحِلَةَ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ وَطَنَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ مَاتَ فِيهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ إِنْ مَاتَ فِي بَلَدِ الْوُجُوبِ حَجَّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَإِنْ مَاتَ فِي بَلَدٍ أَبْعَدَ عَنْ مَكَّةَ مِنْهُ، أَوْ هُوَ فِي جِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ بَلَدِ الْوُجُوبِ: حَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ وَلَمْ يَجِبْ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِ الْمَوْتِ، وَإِنْ مَاتَ بِبَلَدٍ أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ: وَجَبَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ أَيْضًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ قَاصِدًا الْحَجَّ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ أَيْسَرُ، قِيلَ لَهُ: فَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ خَرَجَ إِلَى خُرَاسَانَ فَأَيْسَرَ، ثُمَّ تَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ أَيْسَرَ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَحُجُّ عَنْهُ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَأَنْكَرَهُ.
قِيلَ لَهُ: فَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ خَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَمَاتَ بِهَا، قَالَ: يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ -: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِبَغْدَادَ، وَمَاتَ بِنَيْسَابُورَ نَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَغْدَادَ ... .
стр. 123
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الْحَجَّ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنًا، وَأَمَرَ الْوَارِثَ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْهُ كَمَا يُفْعَلُ الدَّيْنُ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فَكَذَلِكَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ.
وَلِأَنَّ الْحَجَّةَ الَّتِي يُنْشِئُهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَفْضَلُ، وَأَتَمُّ مِنَ الَّتِي يُنْشِئُهَا مِنْ دُونِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ عَلِيٌّ ﵁: (إِتْمَامُهَا أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ)، يَعْنِي أَنْ تُنْشِئَ لَهَا سَفَرًا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى صِفَةٍ تَامَّةٍ فَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَفْعَلَهَا بِدُونِ تِلْكَ الصِّفَةِ؛ وَلِأَنَّهَا مَسَافَةٌ وَجَبَ قَطْعُهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَوَجَبَ قَطْعُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَالْمَسَافَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْحَجِّ كَافِيًا لَأَجْزَأَ الْحَجُّ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّهَا حَجَّةٌ تَامَّةٌ.
وَلِأَنَّ قَطْعَ الْمَسَافَةِ فِي الْحَجِّ أَمْرٌ مَقْصُودٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ ذَلِكَ جِهَادًا، فَقَالَ: («الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ»). وَقَالَ لِلنِّسَاءِ: («عَلَيْكُنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ»). وَلِهَذَا كَانَ رُكْنُ الْوُجُوبِ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ: هُوَ الْمَالُ فَيَجِبُ الْحَجُّ بِوُجُودِهِ، وَيَنْتَفِي الْوُجُوبُ بِعَدَمِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَالَ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَوَاقِيتِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ رَاحِلَةٌ، وَلَا مِلْكُ زَادٍ أَيْضًا، وَلِهَذَا
стр. 124
ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ : («الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»)، وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذَا فِي الْمُصَلِّي وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَالُ مِنْ خَصَائِصِهِ.
فَلَوْ جَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ لَسَقَطَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْمَالُ مِنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّائِبَ يَجِبُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَى الْمَنُوبِ عَنْهُ كَالْمَعْضُوبِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَالْمَيِّتُ مِثْلُهُ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الْمَيِّتُ وَالْمَعْضُوبُ لَوْ قَطَعَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ لِغَيْرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَرَادَ إِنْشَاءَ الْحَجِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ لِمَكَّةَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ قَصْدُهَا جَازَ
стр. 125
أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ ابْتِدَاءً أَنْ يُجَاوِزَ إِلَّا مُحْرِمًا.
وَلِأَنَّ مَنْ حَجَّ بِنَفْسِهِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ بِنَفْسِ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ بِخِلَافِ مَنْ حَجَّ مِنْ غَيْرِهِ.
стр. 126
(فَصْلٌ)
وَمَتَى مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَصَى بِذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا؛ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ إِبْرَاهِيمَ فِيمَنِ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ وَكَانَ مُوسِرًا، وَلَمْ يَحْبِسْهُ عِلَّةٌ وَلَا سَبَبٌ - لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ كَانَ مُوسِرًا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَمْ يَحُجَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ زَمَانَةٌ أَوْ أَمْرٌ يَحْبِسُهُ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَازِمًا عَلَى فِعْلِهِ، أَوْ غَيْرَ عَازِمٍ وَلَمْ يَأْمُرِ الْحَاكِمُ بِالِاسْتِفْصَالِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ
стр. 127
عَلَى التَّرَاخِي عَلَى وَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى مَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ ﵁.
وَلِأَنَّ أَحْمَدَ أَوْجَبَ أَنْ نَخْرُجَ عَنِ الْمَيِّتِ مِنْ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ أَبْعَدَ مِنْهُ أَوْ أَقْرَبَ وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، ذَكَرَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ أَخِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ كَانَ مُوسِرًا قَدْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحُجَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ زَمَانَةٌ، أَوْ أَمْرٌ يَحْبِسُهُ، وَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَاخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي
стр. 128
سَنَةِ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْحَجِّ فِي حَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَنَةَ خَمْسٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَأَمَرَ بِإِتْمَامِهِمَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهِمَا تَامَّيْنِ وَوُجُوبَ إِتْمَامِهِمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِتْمَامِ فِعْلُ الشَّيْءِ تَامًّا، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَبْدَأَ، ثُمَّ يُتِمَّ، أَوْ أَنْ يَعْمَلَ بَعْدَ الِابْتِدَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِمَا إِلَّا لِلدَّاخِلِ فِيهِمَا: فَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ لِمَا كَانَ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
أَمَّا أَنْ يَكُونَ إِتْمَامُ الْعِبَادَةِ وَاجِبًا أَوْ جِنْسُهَا لَيْسَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ - بَلِ الْعِبَادَاتُ اللَّوَاتِي يَجِبُ جِنْسُهُنَّ فِي الشَّرْعِ لَا يَجِبُ إِتْمَامُهُنَّ - فَهَذَا بَعِيدٌ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الْحَجَّ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا لَا سِيَّمَا شَرْعُ إِبْرَاهِيمَ.
стр. 129
فَإِنَّا مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، [وَقَدْ فَسَّرَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ الْحَنِيفَ: بِالْحَاجِّ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥]] وَبِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَجِّ وَالْمَنَاسِكِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 130
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ - بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] خُصُوصًا حُرْمَةَ الْكَعْبَةِ وَحَجَّهَا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُبْعَثْ بِتَغْيِيرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا بُعِثَ بِتَقْرِيرِهِ وَتَثْبِيتِهِ وَإِحْيَاءِ مَشَاعِرِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَقَدِ اقْتَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا أَمْرَ الْكَعْبَةِ، وَذَكَرَ بِنَائَهَا وَحَجَّهَا وَاسْتِقْبَالَهَا، وَمِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِي أَثْنَاءِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَذَكَرَ أَيْضًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَالْبَيْتَ وَأَمْرَهُ، وَثَلَّثَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَذَكَرَ الْحَجَّ وَأَمْرَهُ، وَسُنَنَهُ وَمِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَالْمَنَاسِكَ وَالْحَضَّ عَلَيْهَا وَتَثْبِيتَ أَمْرِهَا فِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَسُورَةُ الْحَجِّ بَعْضُهَا مَكِّيٌّ بِلَا شَكٍّ، وَأَكْثَرُهَا أَوْ بَاقِيهَا مَدَنِيٌّ مُتَقَدِّمٌ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ إِيجَابَ الْحَجِّ وَفَرْضَهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُحْكَمَةِ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَيَكُونُ وُجُوبُهُ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. وَإِذَا كَانَ وُجُوبُهُ مُتَقَدِّمًا وَهُوَ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَأَقَامَ الْحَجَّ لِلنَّاسِ تِلْكَ السَّنَةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ أَمِيرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 131
-، ثُمَّ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ فِي سَنَةِ تِسْعٍ فَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْمَوْسِمَ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِسُورَةِ (بَرَاءَةٌ)، وَرِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ لَبَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فِعْلِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْجَبَهُ إِيجَابًا مُطْلَقًا، وَأَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَخُصَّ بِهِ زَمَانًا دُونَ زَمَانٍ فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ فِعْلُهُ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ.
وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، لَا سِيَّمَا وَالْحَجُّ هُوَ عِبَادَةُ الْعُمُرِ: فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْعُمُرِ وَقْتًا لَهُ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ عِبَادَةَ وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَقَضَاءَ رَمَضَانَ لَمَّا كَانَ عِبَادَةَ سَنَةٍ مَخْصُوصَةٍ: كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ الزَّمَنِ وَقْتًا لَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ لَكَانَ فِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ قَضَاءً، كَمَا لَوْ فَعَلَ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا أَخَّرَهُ وَفَعَلَهُ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ إِثْمِ التَّأْخِيرِ فَمَنِ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
стр. 132
فَعَلَى هَذَا هَلْ يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ لِجَوَازِ تَأْخِيرِهِ؟ .. .، وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ أَمَارَاتُ الْعَجْزِ، وَدَلَائِلُ الْمَوْتِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَحُجَّ ذَلِكَ الْعَامَ فَاتَهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَثِمَ وَمَاتَ عَاصِيًا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ آثِمًا؟ ذَكَرَ أَبُو يَعْلَى فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ آثِمًا، كَمَا لَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَقَضَاءُ رَمَضَانَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِهِمَا.
وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ لِمَسْلَكَيْنِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ.
أَمَّا الْعَامُّ: فَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ عِنْدَ
стр. 133
أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَّا وَاجِبٌ مُؤَقَّتٌ، أَوْ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ.
أَمَّا وَاجِبٌ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ جَازَ التَّأْخِيرُ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ مَاتَ غَيْرَ عَاصٍ بَطَلَ مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَإِنْ جَازَ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوْتُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَجُزْ لِوَجْهَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ فَإِنَّ الْمَوْتَ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِأَسْبَابِهِ، وَإِذَا نَزَلَتْ أَسْبَابُ الْمَوْتِ مِنَ الْمَرَضِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِهِ تَعَذَّرَ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَقَبْلَ حُصُولِ أَسْبَابِهِ فَإِنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ أَحَدٍ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي هَذَا الْعَامِ وَلَوْ بَلَغَ تِسْعِينَ سَنَةً.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ هَذَا الظَّنِّ غَيْرَ عَاصٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَجِبَ الْفِعْلُ عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَمُوتُونَ قَبْلَ هَذَا الظَّنِّ، وَإِنْ عَصَى بِذَلِكَ فَبِأَيِّ ذَنْبٍ يُعَاقَبُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ مَا جَازَ لَهُ، وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤].
وَأَمَّا الْمَسْلَكُ الْخَاصُّ فَمِنْ وُجُوهٍ: -
стр. 134
أَحَدُهَا: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِي الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَأَمَرَ بِالتَّعْجِيلِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لَا سِيَّمَا وَاسْتِحْبَابُ التَّعْجِيلِ مَعْلُومُ الضَّرُورَةِ مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ. فَلَمْ يَبْقَ لِهَذَا الْأَمْرِ الثَّانِي فَائِدَةٌ إِلَّا الْإِيْجَابُ، وَتَوْكِيدُ مَضْمُونِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
وَعَنْ مِهْرَانَ أَبِي صَفْوَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ»). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
стр. 135
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الرَّاحِلَةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ أَبُو إِسْرَائِيلَ الْمُلَائِيُّ.
فَأَمَرَ بِالتَّعْجِيلِ كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَأَمْرُهُ بِالتَّعْجِيلِ مَنْ أَرَادَهُ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، فَإِنَّ إِرَادَةَ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَهُ، وَيَعْزِمَ عَلَيْهِ حِينَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَبِالْإِرَادَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ فِي الْحِينِ الَّذِي يَعْزِمُ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ لَا يُؤَخِّرَهُ وَلَا يَتَأَخَّرَ فِعْلُهُ عَنْ حِينِ إِرَادَتِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ هِيَ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا مِنْ حَيِّزِ
стр. 136
السَّاهِي وَالْغَافِلِ، لَا إِرَادَةُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ لِقَوْلِهِ: («مَنْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»).
وَأَيْضًا فَإِنَّ فِعْلَ الْقَضَاءِ - مِنَ الْحَجِّ - يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ، أَوْ فَاتَهُ لَزِمَهُ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇: («مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ») وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ: فَأَنْ تَجِبَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ الْأَدَاءَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ إِلَى الْعَامِ الثَّانِي تَفْوِيتٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ يُفْعَلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِيَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، فَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ جَازَ أَنْ يُدْرِكَ الْعَامَ الثَّانِيَ، وَجَازَ أَنْ لَا يُدْرِكَهُ، وَأَنْ يَمُوتَ أَوْ يَفْتَقِرَ، أَوْ يَمْرَضَ، أَوْ يَعْجَزَ، أَوْ يُحْبَسَ، أَوْ يُقْطَعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَائِقِ وَالْمَوَانِعِ: فَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ إِلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ ﷺ : («فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ») وَقَوْلِهِ: فِي حَدِيثٍ آخَرَ: («يَنْتَظِرُ
стр. 137
أَحَدُكُمْ إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا»).
وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدْ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ، وَهُوَ مَا رَوَى هِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا»).
стр. 138
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَزَادَ فِيهِ: ﴿«وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» [آل عمران: ٩٧]. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالٌ مَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ مُضَعَّفٌ، عَضَّدَهُ مَا رَوَى شَرِيكٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: («مَنْ
стр. 139
لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»). رَوَاهُ ابْنُ الْمُقْرِئِ أَبُو عَرُوبَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، ثَنَا
стр. 140
وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنِ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : («مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَرَضٌ حَابِسٌ، أَوْ سُلْطَانٌ ظَالِمٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»). وَرَوَاهُ سَعِيدٌ هَكَذَا مُرْسَلًا عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ لَيْثٍ.
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: («مَنْ كَانَ ذَا مَيْسَرَةٍ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»).
وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَرْزَمٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁:
стр. 141
(«مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»).
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: («مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا، وَلَوْلَا مَا أَرَى مِنْ سُرْعَةِ النَّاسِ فِي الْحَجِّ لَجَبَرْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إِذَا وَضَعْتُمُ الرِّحَالَ فَشُدُّوا السُّرُوجَ، وَإِذَا وَضَعْتُمُ السُّرُوجَ فَشُدُّوا الرِّحَالَ»).
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: («مَنْ وَجَدَ إِلَى الْحَجِّ سَبِيلًا سَنَةً
стр. 142
ثُمَّ سَنَةً ثُمَّ سَنَةً، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَاتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا»).
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: (كَانَ لِلْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَارٌ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ مِتَّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْكَ). رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ.
وَالْمُرْسَلُ إِذَا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ صَارَ حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ.
وَهَذَا التَّغْلِيظُ يَعُمُّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ، وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَفِي تَأْخِيرِهِ تَعَرُّضٌ لِمِثْلِ هَذَا الْوَعِيدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا
стр. 143
لَحِقَهُ هَذَا؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يَحُجُّونَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُصَلُّونَ، وَإِنَّمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ خَاصَّةً.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِجْمَاعُ السَّلَفِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ، ثَنَا مَنْصُورٌ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ رَجُلًا إِلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَيَنْظُرُوا كُلَّ رَجُلٍ ذَا جِدَّةٍ لَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ؛ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ)، وَهَذَا قَالَهُ عُمَرُ وَلَمْ يُخَالِفْهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ تَارِكُ الْحَجِّ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا لَا يُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ الْكُفْرُ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ فَمَنْ لَمْ يَحُجَّ أَبْقَاهُ عَلَى الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ. وَلَوْلَا
стр. 144
أَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَجْعَلْ تَرْكَهُ شِعَارًا لِلْكُفْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: (أَبْصَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَوْمًا بِعَرَفَهَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ عَلَيْهِمُ الْقُمُصُ وَالْعَمَائِمُ، فَأَمَرَ أَنْ تُعَادَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ). رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: (حُجُّوا الْعَامَ فَإِنْ تَسْتَطِيعُوا فَقَابِلٌ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَابِلٌ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَآذِنُونِي أَضْرِبْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ). رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ. وَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَقَدْ خَاطَبَ بِهِ عُمَرُ النَّاسَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ مُخَالِفٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ تَمَامُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؛ وَلِهَذَا لَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ... .
وَكَانَتْ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَصَارَ الْحَجُّ كَمَالَ الدِّينِ وَتَمَامَ
стр. 145
النِّعْمَةِ فَإِذَا لَمْ يَحُجَّ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُ وَدِينُهُ كَامِلًا بَلْ يَكُونُ نَاقِصًا، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتْرُكَ دِينَهُ نَاقِصًا، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخِلَّ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ مُتَقَدِّمًا، وَأَخَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ: -
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْحَجَّ، وَكَتَبَهُ وَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ مُؤَخِّرِينَ لَهُ مِنْ غَيْرِ عَائِقٍ أَصْلًا خَمْسَ سِنِينَ، وَلَا سَنَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الْقَوْمَ - رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - كَانُوا مُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، يُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ طَلَبَ الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ لِعِلْمِهِمْ بِمَا فِي الْمُسَابَقَةِ مِنَ الْأَجْرِ، فَكَيْفَ يُؤَخِّرُونَ الْحَجَّ بَعْدَ وُجُوبِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَصْلًا.
وَتَأْخِيرُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، أَوْ هُوَ خِلَافُ الْأَحْسَنِ وَالْأَفْضَلِ، وَتَأَخُّرٌ عَنْ مَقَامَاتِ السَّبْقِ وَدَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ فَكَيْفَ تُطْبِقُ الْأُمَّةُ مَعَ نَبِيِّهَا عَلَى تَرْكِ الْأَحْسَنِ وَالْأَفْضَلِ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَصْلًا.
وَأَيْضًا فَقَدْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَحُجُّوا، أَفَتَرَى أُولَئِكَ لَقُوا اللَّهَ عَاصِينَ بِتَرْكِ أَحَدِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُنَبِّهْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَلَا قَالَ لَهُمُ: احْذَرُوا تَفْوِيتَهُ، مَعَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا؟ وَقَدْ عُلِمَ بِغَيْرِ رَيْبٍ أَنَّ قَبْلَ الْفَتْحِ لَمْ يَحُجَّ مُسْلِمٌ، وَبَعْدَ الْفَتْحِ إِنَّمَا
следующие страницы →